← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

رِجْلَيْه، حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْن، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بن سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) السّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضل [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، أو نشأ بها، صدوقٌ [٦] (ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ) "المنكب" - بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة -: مُجتمع رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط. وقوله: (حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ) مفعول "رَفَعَ" محذوف: أي حتى الغسلَ إلى الساقين، والغاية داخلة؛ لأنه كان يَشرَع في الساق. وقوله: (إِنَّ أُمَّتِي) "الأمة" في اللغة: الجماعة، وكلُّ جنس من الحيوان أمةٌ، ومن معانيها اللغويّة الحِينُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وأمة محمد ﷺ تُطلق على معنيين: أمة الدعوة، وهي من بُعِثَ إليهم، وأمة الإجابة، وهي من آمن به، وصدّقه، وهذه هي المرادة هنا، وإتيانهم من الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الآتية (١). وقال العلّامة ابن الملقّن ﵀: جاءت "الأمة" على ثمانية أوجه"، ذكرها العزيزيّ ﵀:

стр. 3537

١ - "أمة": جماعة، كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. ٢ - و"أمة": أتباع الأنبياء ﵈، كما نقول: نحن أمة محمد ﷺ . ٣ - و"أمة": رجل جامعٌ للخير يُقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. ٤ - و"أمة": دينٌ وملّةٌ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. ٥ - و"أمة": حينٌ وزمان، كقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]. ٦ - و"أمة": قامةٌ، يقال: فلان حسنُ الأمة: أي القامة. ٧ - و"أمة": رجل منفرد بدين لا يَشرَكه فيه أحدٌ، قال ﷺ : "يُبعث زيد بن عمرو بن نُفيل أمة وحده" (١). ٨ - و"أمة": أمّ، يقال: أمةُ زيد. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المعاني الثمانية لـ"الأُمّة"، فقلت: وَمَعْنَى أُمَّةٍ أَتَى ثَمَانِيَهْ … فَمَنْ يُرِدْ يَسْمَعْ بِأُذْنٍ وَاعِيَهْ جَمَاعَةٌ كَذَاكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلْ … وَرَجُلٌ جَامِعُ خَيْرٍ قَدْ نَبُلْ وَمِلَّةٌ حِيْنٌ وَقَامَةٌ وَمَنْ … بِدِنِهِ انْفَرَدَ بِالأُمِّ اخْتِمَنْ والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد ﷺ المؤمنون خاصّةً، هذا هو الحقّ، وقد يُطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلًا إلى الناس أجمعين. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (٢). وقوله: (يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية البخاريّ: "يُدْعَون" بضم أوله: أي يُنَادَون، أو يُسَمَّوْن.

стр. 3538

وقوله: (غُرًّا) - بضم المعجمة، وتشديد الراء - جمع أَغَرّ، أي ذَوِي غُرّة، ونُصِب على الحال من الواو في "يأتون"، وأما على رواية البخاريّ: فيكون منصوبًا على أنه مفعول ثانٍ لـ"يُدْعَون" بمعنى يُسمّون، أو يكون حالًا من الضمير في "يُدعون"، يعني أنهم إذا دُعُوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة. وقوله: (مُحَجَّلِينَ) يحتمل الإعرابين السابقين، وهو بالحاء المهملة والجيم، اسم مفعول، من التحجيل، وقد سبق تفسير الغرّة والتحجيل في الحديث الماضي. وقوله: (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ) "من" تعليليّة، أي لأجل أثر الوضوء. وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) أي فليُطل الغرّة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، واقتصر على ذكر الْغُرّة، وهي مؤنّثة، دون التحجيل، وهو مذكّر؛ لأن محلّ الْغُرّة أشرف أعضاء الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في الرواية السابقة من طريق عُمارة بن غزيّة ذكر الأمرين معًا، حيث قال: "فليُطِل غُرّته وتحجيله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨٧] (٢٤٧) - (حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ، سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْج، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَن، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوم، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا (١) لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ").

стр. 3539

رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثَانيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الْفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكّة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يُدلِّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨. ٤ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) الكوفيّ، ثقة [٤] (ت في حدود ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. [تنبيه]: "الأشجعيّ" - بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم -: نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، قبيلة مشهورة (١). ٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال ابن أبي عمر: حدّثنا مروان"، فيه بيان اختلاف شيخيه في صيغة الأداء، فصرّح ابن أبي عمر بالتحديث، فبيّنه، وقد تقدّم ذلك غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من مروان غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي" قال ابن

стр. 3540

منظور ﵀: "الْحَوْضُ": مُجْتَمَعُ الماء معروفٌ، والجمع أَحْوَاض، وحِيَاض. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: حَوْضُ الماء جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصلُ حِيَاض: الواو، لكن قُلِبت ياءً؛ لكسرة ما قبلها، مثلُ ثَوْبٍ وأَثْوَابٍ، وثِيَاب. انتهى (٢). (أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ) أي من بعد أَيْلَة من عدن، و"أَيْلة" - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة -: بلدٌ بساحل بحر الْقلزم مما يلي ديار مصر (٣). وقال بعضهم: "أيلة" مدينة كانت عامرةً بطرف الشام، كان يمُرّ بها الحاجّ من مصر، فتكون شَمَالهم، ويمرّ بها الحاجّ من غَزَّة، فتكون أمامهم، أقرب ما تكون إلى ما يُسمّى اليوم بالعقبة. انتهى. و"عَدَن" - بفتحتين -: بلد باليمن مشتقٌّ من عدن من باب ضرب، وقعد: إذا أقام، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ أَبْيَن، قاله في "المصباح" (٤)، وذكر بعضهم: أنها مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر. انتهى. قال الأبيّ ﵀: قوله: "أبعد من أيلة من عدن" أي بعد ما بين طرفيه، قال: ولم يُبيّن هل ذلك طولٌ أم عرضٌ؟ لكن جاء في حديث آخر: "أن زواياه سواء"، وقام البرهان على أن تساوي الزوايا ملزوم لتساوي الأضلاع، فهو مربّع؛ لتساوي الأضلاع. انتهى (٥). [تنبيه]: هكذا جاء في هذه الرواية تحديد طرفي الحوض ببعد أيلة من عدن، وفي رواية البخاريّ: "إن قدر حوضي كما بين أيلة، وصنعاء من اليمن"، وفيه: "حوضه ما بين صنعاء والمدينة"، وعند أحمد: "كما بين أيلة إلى الجحفة"، وفي لفظ: "ما بين مكّة و، عمان"، وفي رواية: "كما بين مكّة إلى أيلة"، وعند ابن ماجه: "ما بين الكعبة إلى بيت المقدس"، وجاء غير ذلك. وقد جمع العلماء بين هذه الاختلافات، وأقرب الأقوال في ذلك أن المقصود به ضرب المثل لبعد أقطار الحوض وسَعَته، لا تحديد المسافة،

стр. 3541

وذِكرُه ﷺ للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يَعرِف تلك الجهات، فيُخاطب كلّ قوم بالجهة التي يعرفونها، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى. (لَهُوَ) اللام لام القسم المحذوف، و"هو" مبتدأ على حذف مضاف: أي لَمَاؤه، وخبره قوله: (أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ) قال الأبيّ ﵀: كونه أشدّ بياضًا من الثلج حقيقةٌ؛ لأن البياض مقولٌ بالتفاوت. انتهى (١). (وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ) أي حال كونه مخلوطًا، وممزوجًا باللبن، قال الأبيّ ﵀: معنى "أحلى" هنا أزكى؛ لأن العسل وحده أحلى منه مع اللبن. انتهى (٢). (وَلَآنِيَتُهُ) أي التي تُسْتَعْمَل لشربه (أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوم، وَإِنِّي لَأَصُدُّ) من باب نصر: أي أمنع (النَّاسَ عَنْهُ) أي الورود إليه للشرب (كمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ") أي مثل ما يمنع الإنسان إبل غيره من الناس التي ليس لها حقّ في الورود إلى حوضه (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟) أي يوم القيامة (قَالَ: "نَعَمْ) أي أعرفكم (لَكُمْ سِيمَا) جملة من مبتدأ وخبر، مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، تقديره هنا: بأي شيء تعرفنا؟ قال: لكم علامة تتميّزون بها عن غيركم، فقوله: "سيما" بكسر السين المهملة، والقصر، وفي بعض النسخ بالمدّ: العلامة، قال النوويّ ﵀: "السيما": العلامة، وهي مقصورة، وممدودةٌ، لغتان، ويقال أيضًا: السِّيمِيَاءُ بياء بعد الميم، مع المدّ. انتهى (٣). وقوله: (لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ) جملة في محلّ رفع صفة لـ"سيما"، ثم ذكر ما يُبيِّن به تلك السيما بقوله: (تَرِدُونَ) بفتح أوله، وكسر الراء، من الورود، يقال: وردَ البعيرُ وغيره الماءَ يَرِدُه وُرُودًا، من باب ضرب: بَلَغُه، ووافاه (٤). (عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ) منصوبان على الحال كما تقدّم (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ") تقدّم أنه يَحْتَمِل أن يكون بضمّ الواو للفعل، أو بفتحها للماء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 3542

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٢/ ٥٨٧ و ٥٨٨] (٢٤٧)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٨٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٥٨ و ٣٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٧٩ و ٥٨٠)، وفوائد الحديث تأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، أَتَعْرِفُنَا (١)؟ قَالَ: "نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ آثَارِ الْوُضُوء، وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ، فَلَا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجِيبُني مَلَكٌ (٢)، فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة المذكور أولَ هذا الباب. ٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الكوفيّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن أبي بكر بن عيّاش، ووكيع، وأسباط بن محمد، وأبي أسامة، وابن فضيل، ويحيى بن آدم.

стр. 3543

ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَه، ومُطَيَّن، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد بن شيرويه، والهيثم بن خلف الدُّوريّ، وأبو يعلى، ومحمد بن السراج، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مُطَيَّن، والسراج: مات سنة أربع وأربعين ومائتين. روى عنه المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلَا يَصِلُونَ) اللام هي الموطّئة للقسم، و"يُصَدّنّ" بضمّ الياء، وفتح الصاد المهملة، مبنيًّا للمفعول، وهو مبنيّ على الفتح؛ لاتّصاله بنون التوكيد، و"طائفة" نائب فاعله: أي لَيُمنَعَنّ جماعة، ومعمول "يَصِلون" محذوف، أي فلا يصلون إليّ، بل يُحال بينهم وبين الوصول إلى الحوض. وفي رواية البخاريّ: "لَيَرِدَنَّ عليّ أقوام، أعرِفهم، وَيَعْرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم"، وفي رواية له أيضًا: "ويرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُحَلَّئُون (١) عن الحوض"، وفي رواية: "فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلُمّ، فقلت: أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ فقال.: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ بيني وبينهم، فقال: هلمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يَخْلُص منهم إلا مثل همل النعم" (٢).

стр. 3544

وقوله: (هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي) أي فَلِمَ يُمعنون من ورود حوضي؟. وقوله: (فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول، "فيُجيبني" بالباء الموحّدة، من الجواب، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة، إلا ابن أبي جعفر من رواتهم، فإنه عنده "فيجيئني"، بالهمز من المجيء، والأول أظهر، والثاني له وجه، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟) وفي الرواية الآتية بعد حديث: "إنهم قد بدّلوا بعدك"، وسيأتي البحث فيه مستوفًى هناك - إن شاء الله تعالى - وتخريجه تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨٩] (٢٤٨) - (وَحَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ آثَارِ الْوُضُوء، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسةٌ: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٣ - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) هو: أبو مالك الأشجعيّ المذكور في الحديث الماضي. ٤ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، آخره شين معجمة - أبو

стр. 3545

مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان واسم اليمان حِسْل، أو حُسَيل الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧. وقوله: ("إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ) يعني أن بُعْد ما بين طرفي حوضه ﷺ أزيد من بُعْد أيلة من عدن، وهما بلدان ساحليّان في بحر القلزم، أحدهما، وهو أيلةُ في شمال بلاد العرب، والآخر، وهو عَدَن في جنوبها، وهو آخر بلاد اليمن مما يلي الهند. وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف، ولا ضرورة، ودلائله كثيرة (١). وقوله: (لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ) أي لأمنعنّ عن الحوض. وقوله: (كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ") الإبل الغريبة هي التي لا يُعرف صاحبها، كما قال في الحديث الآخر: "كما يُذاد البعير الضالّ"، فهي تَرْعَى مع الإبل، وتُزاحم واردتها على حوضها، فصاحب الإبل يضربها جُهْده، ويَطرُدها حتى يَسقِيَ إبله، وهي تترامى بالعطش، وهو يَصُدّها، ولذلك ضرب المثل بضربها، وقال الحجّاج: لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل، قاله القاضي عياض ﵀ (٢)، وتمام شرح الحديث يُعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، والآتي. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٢/ ٥٨٩] (٢٤٨)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 3546

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٠] (٢٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا"، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ"، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ أَن رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ، مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوء، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي، كمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: ألَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٦ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ،

стр. 3547

صدوقٌ ربّما وهم [٥] (ت بضع و ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، مولى الْحُرَقة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في الإيمان ٨/ ١٣٥. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدّمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما سبق آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ مَن رَوَى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ) بتثليث الباء، والكسر أقلّها، وهي مواضع دفن الموتى (١)، والمراد بالمقبرة هنا مقبرة البقيع؛ لما أخرجه المصنّف من حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ كلّما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرُج إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين … " الحديث. (فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وفي رواية أحمد: "سلام عليكم"، وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يُقدَّم فيه المبتدأ على الخبر، كالسلام على الأحياء، ويُقدَّم الدعاء على المدعوّ له، فإن السلام متضمّنٌ للدعاء، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية [هود: ٧٣]، ولا ينافيه ما أخرجه أبو داود في "باب كراهية أن يقول: عليك السلام" من "كتاب الأدب" عن أبي جُرَيّ الْهُجَيميّ - بالتصغير فيهما - قال: "أتيت رسول الله ﷺ ،

стр. 3548

فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى"؛ لأن معناه أن هذه الصيغة تختصّ بالموتى، وأما "السلام عليكم" فمُشترك. وأما ما قاله بعضهم من لزوم تقديم المبتدأ على الخبر في السلام على الأحياء والأموات، وإجابته عن حديث أبي جُرَيّ بأنه إخبار عن عادة أهل الجاهليّة من تقديم الخبر على المبتدأ في تحيّة الموتى، كما قال شاعرهم [الطويل]: عَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا فبعيدٌ؛ لأنه ﷺ ما كان يُقِرّ أحدًا على ما يُخالف الشريعة. فتبيّن بهذا أن السنّة في السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدأ على الخبر، وأنه يجوز في تحيّة الموتى تقديم الخبر (١)، والله تعالى أعلم. (دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) بنصب "دار" على الاختصاص، أو النداء المضاف، والأول أظهر، ويصحّ جرّه على البدل من الضمير المجرور في "عليكم"، والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين: الجماعة، أو الأهل، وعلى الأول مثله، أو أهل المنزل، قال الأبيّ: يعني الاختصاص اللغويّ، لا الصناعيّ؛ لفقد شرطه، وهو تقديم ضمير المتكلّم، أو المخاطب. انتهى. وسُمّيت القبور دارًا؛ تشبيهًا لها بمساكن الأحياء؛ لأنهم يجتمعون في القبور (٢). (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) قال الحافظ أبو عمر ﵀: في معناه قولان: [أحدهما]: أن الاستثناء مردود على معنى قوله: "دار قوم مؤمنين": أي وإنا بكم لاحقون مؤمنين - إن شاء الله - يريد في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها مؤمنٌ، ألا ترى إلى قول إبراهيم؛ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].

стр. 3549

[والوجه الثاني]: أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بُدّ من وقوعها، كالموت، والكونُ في القبر، ولا بُدّ منه ليس على سبيل الشكّ، ولكنها لغة العرب، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، والشكُّ لا سبيل إلى إضافته إلى الله ، تعالى عن ذلك علام الغيوب. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: هذا الاستثناء يحتمل أوجهًا: [أحدها]: أَنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فكان يُكثر من ذلك حتى أدخله فيما لا بدّ منه، وهو الموت. [وثانيها]: أنه أراد إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم بما آل أمره، كما قال: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. [وثالثها]: أن يكون استثناءً في الواجب، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وتكون فائدته التفويض المطلق. [ورابعها]: أن يكون أراد: لاحقون في هذه البقعة الخاصّة، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة، ويُدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم"، رواه مسلم، لكن لم تُعيّن له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كل ما ذُكر، وكلّها أقوال لعلمائنا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقال النوويّ ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقيل: معناه إذ شاء الله، وقيل أقوال أُخَرُ ضعيفةٌ جدًّا تركتها؛ لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها: قولُ من قال: الاستثناء منقطعٌ، راجع إلى استصحاب الإيمان، وقولُ مَن قال: كان معه ﷺ مؤمنون حقيقة، وآخرون يُظَنُّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين فهما خطأٌ ظاهرٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣).

стр. 3550

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي ما رجحه القرطبيّ ﵀، وهو أن الاستثناء للبقعة التي يُدفن فيها؛ لأنها ليست معيّنة، فيحتمل أن يدفن في البقيع الذي زار أهله، ويحتمل أن يكون في محلّ آخر، كما هو الواقع بعد ذلك، فالاستثناء راجع إلى هذا المبهم، والله تعالى أعلم. (وَدِدْتُ) بكسر الدال: أي تمنّيتُ وأحبيتُ، ووجه اتّصال وُدّه برؤية أصحاب القبور أنه جاء تصوّر اللاحقين بتصوّر السابقين، وقيل: كُشف له ﷺ عالم الأرواح كلّها (أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا") معناه: تمنّيتُ رؤيتنا إخواننا في الحياة الدنيا، قال القاضي عياض ﵀: وقيل: المراد تمني لقائهم بعد الموت، وقال بعضهم: أراد ﷺ أن ينقُل أصحابه من علم اليقين إلى عين اليقين، فيراهم هو ومن معه. وقال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على جواز تمنّي لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوّة هي أخوّة الإيمان اليقينيّ، والحبّ الصحيح للرسول ﷺ . انتهى (١). (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لديه ﷺ (أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ ("أَنْتُمْ أَصْحَابِي) قال الباجيّ ﵀: لم يَنفِ بذلك أُخوّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها، وإنما مَنَع أن يُسمَّوا بذلك؛ لأن التسمية والوصف على سبيل الثناء والمدح للمسمَّى يجب أن يكون بأرفع حالاته، وأفضل صفاته، وللصحابة ﵃ بالصحبة درجة رفيعةٌ، لا يَلحَقهم فيها أحدٌ، فيجب أن يوصفوا بها. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: قال الإمام الباجيّ ﵀: ليس نفيًا لأُخُوَّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوةٌ صحابةٌ، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. (وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ") "إخواننا" مبتدأ خبره الموصول، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: ظاهر هذا الكلام أن إخوانه ﷺ غير أصحابه،

стр. 3551

فأصحابه هم الذين رأوه، وصحبوه مؤمنين، وإخوانه هم الذين آمنُوا به، ولم يروه، وقد جاء منصوصًا عنه ﷺ ، والإخوان والإخوة هنا معناهما سواءٌ، وقد قُرِئت: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، و"بين إخوتكم"، و"بين إخوانكم"، وقد رُوي عن الحسن البصريّ أنه قرأ بهذه الثلاث (١)، قرأ ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، و"إخوتكم"، و"إخوانكم"، قال أبو حاتم: والمعنى واحد، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]، إلا أن العامة أُولعَت بأن تقول: إخوتي في النسب، وإخواني في الصداقة. وممن قرأ: "فأصلحوا بين إخوانكم" ثابت البنانيّ، وعاصم الجحدريّ، ورُوي ذلك عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، ويعقوب: "إخوتكم"، وقراءة العامّة: ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ على اثنين في اللفظ. وأما الأصحاب: فمن صَحِبَك وصحبته، وجائز أن يُسَمَّى الشيخُ صاحبًا للتلميذ، والتلميذ صاحبًا للشيخ، والصاحب: القرين المماشي المصاحب، فهؤلاء كلهم أصحابٌ، وصحابة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (٢). وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد هذا الوقت، يعني أنهم لم يوجدوا معه "الآن"، وكلمة "بَعْدُ" قد يراد بها الآن، كما في قول بعضهم [من الطويل]: كَمَا قَدْ دَعَانِي فِي ابْنِ مَنْصُورَ قَبْلَهَا … وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنِيَّتُهُ بَعْدُ أي الآن: قاله المرتضى في "شرح القاموس" (٣). وَيَحتمل أن تكون على معناها، ويكون الظرف حالًا، أي: حال كون وقتهم بعد وقتنا هذا.

стр. 3552

وأُورد: كيف يتمنّى رؤيتهم، وهو حيّ، وهم حينئذ في علم الله تعالى، لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يُرى، وأيضًا هو من تمنّي ما لا يكون؛ لأن عمره لا يمتدّ حتى يرى آخرهم؟. وأُجيب: بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلّق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل، بمعنى أن يُمثّلوا له كما مُثّلت له الجنّة في عُرْض الحائط، أو أن هذا من رؤية الكون كما زُويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها؛ كرامةً من الله له. وأُورد أيضًا على أن المراد بعد الموت: أنه يلزم منه تمنّي الموت، وقد قال ﷺ : "لا يتمنّيَنّ أحدكم الموت". وأُجيب: بمنع الملزوميّة، وإن سُلّمت فالمنع لِمَا قال: "لِضُرّ نزل به". قال الأبيّ ﵀: وهذا كلّه على أنه تَمَنٍّ حقيقيّ، وقد لا يكون حقيقةً، وإنما هو تشريفٌ لقدر أولئك الإخوان. انتهى (١). (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون المخاطبون بهذا الكلام (كَيْفَ تَعْرِفُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ ﷺ ، أي كيف تعرف يوم القيامة (مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ) "من" موصولة مفعول "تَعرِف"، و"بعدُ" مبنيّ على الضمّ كسابقه، أي من يولد بعد وفاتك، أو وُلد ولكن لم تره في الدنيا، قال السنديّ ﵀: كأنهم فَهِموا من تمنّي الرؤية، وتسميتهم باسم الأخوّة دون الصحبة أنه لا يراهم في الدنيا، فإن ما يُتمنَّى عادةً لا يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا صحابةً، وفَهِموا من قوله: "وأنا فَرَطهم" أنه يَعرِفهم في الآخرة، فسألوه عن كيفيّة ذلك. انتهى (٢). (مِنْ أمّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) ﷺ مجيبًا عن سؤالهم هذا ("أَرَأَيْتَ) أي أخبرني، والخطاب مع كلّ من يصلح له من الحاضرين، أو السائلين، وقد تقدّم تحقيق البحث في هذه الكلمة (لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ) "الخيل" أُنثى، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُول، وسُمّيت بذلك؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا؛ قاله الفيّومي (٣). (غُرٌّ) بضمّ الغين

стр. 3553

المعجمة، وتشديد الراء: جمع أَغَرّ، وهو الأبيض الوجه. وقال في "اللسان": "الغُرّة" - بالضم - بياض في الجبهة، وفي "الصحاح": في جبهة الفرس، فَرَسٌ أغَرُّ، وغَرّاء، وقيل: الأغرّ من الخيل: الذي غُرّته أكبر من الدرهم، قد وَسَطت جبهته، ولم تُصِب واحدةً من العينين، ولم تَمِل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلًا، وهي أفشى من الْقُرْحة، والقُرْحَة قدر الدرهم فما دونه، وقال بعضهم: بل يقال للأغَرّ: أغرُّ أقرح؛ لأنك إذا قلت: أغر، فلا بدّ من أن تصف الغُرّة بالطول والعرض، والصغر والعِظَم، والدِّقّة، وكلُّهُنّ غُرَرٌ، فالغُرّة جامعة لهنّ؛ لأنه يقال: أغرّ أقرح، وأغرّ مُشَمْرَخُ الغُرَّة، وأغرُّ شادخُ الغرّة، فالأغر ليس بضرب واحد، بل هو جنس جامع لأنواع، من قُرْحة، وشِمْراخ ونحوهما، وغُرّة الفرس: البياض الذي يكون في وجهه، فإن كانت مُدَوَّرةً فهي وَتِيرَةٌ، وإن كانت طويلةً فهي شادِخَةٌ، قال ابن سيده: وعندي أن الغرة نفسُ القدر الذي يَشْغَلُه البياض من الوجه، لا أنه البياض. انتهى ما في "اللسان" باختصار (١). (مُحَجَّلَةٌ) اسم مفعول من التحجيل، وهو الذي ابيضّت قوائمه، وجاوز البياض الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحو ذلك، ذلك موضع التحجيل فيه؛ قاله الفيّوميّ (٢). وقال الجوهريّ ﵀: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاثٍ منها، أو في رجليه، قَلَّ أو كَثُرَ بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين؛ لأنها مواضع الأَحْجال، وهي الخلاخيل والقيود، يقال: فَرَسٌ مُحَجَّلٌ، وقد حُجِّلت قوائمه تحجيلًا، وإنها لذاتُ أَحْجال، فإن كان في الرجلين فهو مُحَجَّل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه، وجاوز الأرساغ فهو محجل الرجل اليمنى، أو اليسرى، فإن كان مُحَجّل يَدٍ ورجلٍ من شِقّ، فهو مُمْسَكُ الأيامن، مُطْلَق الأياسر، أو مُمْسَك الأياسر، مطلق الأيامن، وإن كان من خلاف قَلّ أو كثر، فهو مشكول، قال الأزهريّ: وأَخْذُ تحجيل الخيل من الْحِجْل، وهي حَلْقَةُ الْقَيد، جُعِل ذلك البياض في قوائمها بمنزلة القيود.

стр. 3554

وقال أبو عبيدة: "الْمُحَجَّل": من الخيل أن تكون قوائمه الأربع بِيضًا، يبلغ البياض منها ثُلُث الوظيف، أو نصفه، أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ، ولا يبلغ الركبتين والعُرْقوبين، فيقال: مُحَجَّل القوائم، فإذا بلغ البياض من التحجيل ركبة اليد، وعُرقوب الرجل، فهو فَرَسٌ مُجَبَّبٌ، فإن كان البياض برجليه دون اليد، فهو محجل إن جاوز الأرساغ، وإن كان البياض بيديه دون رجليه، فهو أعصم، فإن كان في ثلاث قوائم دون رجل، أو دون يد، فهو محجل الثلاث، مطلق اليد أو الرجل، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد ولا يدين، إلا أن يكون معها أو معهما رجل أو رجلان. انتهى (١). (بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ) تثنية "ظهر"، أي بينهم، يقال: فلانٌ نازلٌ بين ظهريهم، وبين أَظْهُرِهم، وبين ظَهْرانيهم، بزيادة الألف والنون للتأكيد، كلّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله "ظهر" في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف (٢). (دُهْمٍ) بالجرّ صفة لـ"خيل"، وهو بضمّ، فسكون: جمع أدهم، وهو الأسود، وَالدُّهْمة: السواد؛ قاله النوويّ (٣). وقال في "المصباح": "الدُّهْمَةُ": السواد، يقال: فرَسٌ أدهم، وبعيرٌ أدهم، وناقةٌ دَهْماءُ: إذا اشتدّت وُرْقَتُهُ حتى ذهب بياضه، وشاةٌ دَهْماءُ: خالصة الْحُمْرة. انتهى (٤). وفي "اللسان" بعد ذكر نحو عبارة "المصباح": فإن زاد على ذلك حتى اشتدّ السواد، فهو جَوْنٌ، وقيل: الأدهم من الإبل: نحو الأصفر، إلا أنه أقلّ سوادًا. انتهى (٥). (بُهْمٍ) بالجرّ أيضًا صفة لـ"خيلٍ" بعد صفة، وهو بضمّتين، أو بضمّ،

стр. 3555

فسكون، وهو الأشهر للازدواج، وهو جمع بَهِيم، وهو في الأصل الذي لا يُخالط لونه لونٌ سواه؛ قاله ابن الأثير (١). وقال النوويّ: "الْبُهم": قيل: السُّودُ، وقيل: البُهم الذي لا يُخالط لونه لونٌ سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصًا، وهذا قول ابن السّكّيت، وأبي حاتم السجستانيّ، وغيرهما. انتهى (٢). وقال في "اللسان": لونٌ بَهِيمٌ: لا يُخالطه غيره، وقيل: البهيم: الأسود، والبهيم من الخيل: الذي لا شِيَةَ فيه، الذكرُ والأُنثى في ذلك سواءٌ، والجمعُ: بُهُمٌ، مثل رَغِيف ورُغُف، ويقال: هذا فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ، وهذه فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ بغير هاء، وهو الذي لا يُخالط لونه شيءٌ سوى مُعظم لونه. انتهى (٣). (أَلَا يَعْرِفُ) ذلك الرجل (خَيْلَهُ؟ ") الغُرّ المحجّلة، فالهمزة للتقرير، ولذا (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي يعرف خيله، فإن "بلى" حرف إيجاب، لا تقع إلا بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتوجب نقيضه، وهو الإثبات، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلتَ: بلى، فمعناه إثبات القيام له، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، فلا تكن من الغافلين. (قَالَ) ﷺ (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ) تقدّم البحث فيهما مستوفًى قريبًا (مِنَ الْوُضُوءِ) أي من أثر الوضوء، وهو بضمّ الواو، وفتحها، كما تقدّم بيانه قريبًا. (وَأَنَا فَرَطُهُمْ) - بفتحتين - أي أنا فَرَطُ أولئك الإخوان، أي متقدّمهم، قال الفيّوميّ ﵀: "الْفَرَطُ" - بفتحتين -: المتقدّم في طلب الماء، يُهيّئ الدِّلاء والأَرْشَاءَ، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَدَ: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه الواحد والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ، ومنه يقال للطفل الميتِ: "اللهم اجعله فَرَطًا": أي أجرًا متقدّمًا. انتهى (٤). وقال ابن منظور ﵀: "الْفَارطُ"، و"الْفَرَط" بالتحريك: المتقدّم إلى

стр. 3556

الماء، يتقدّم الواردة، فيُهَيِّيءُ لهم الأَرْسَانَ، والدِّلاء، ويملأُ الْحِيَاض، ويَستقي لهم، وهو فَعَلٌ بمعنى فاعلٍ، مثلُ تَبَعٍ بمعنى تابع، ورجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ، ورجلٌ فارطٌ، وقومٌ فُرّاط. انتهى باختصار (١). وقال الحافظ أبو عمر ﵀: قوله: "وأنا فرطكم على الحوض" فالفَرَط والمتفارط: هو الماشي المتقدم أمامَ القوم إلى الماء، هذا قول أبي عبيدة وغيره، وقال ابن وهب: "أنا فَرَطكم" يقول: أنا أمامكم، وأنتم ورائي، تتبعوني، واستشهد أبو عبيدة وغيره على قوله: الفارط المتقدم إلى الماء بقول الشاعر [من الكامل]: فَأَثَارَ فَارِطُهُم غَطَاطًا جُثَّمًا … أَصْوَاتُهُ كَتَرَاطُنِ الْفُرْسِ وقال القطاميّ [من البسيط]: فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا … كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ وقال لبيد [من الرمل]: فَوَرَدْنَا قَبْلَ فُرَّاطِ الْقَطَا … إِنَّ مِنْ وِرْدِيَ تَغْلِيسُ النَّهَلْ الفارط: السائر إلى الماء، أي أغلس، ومَشَى بليل، والنَّهَل: الشربة الأولى. وقال آخر [من الرجز]: وَمَنْهَلٍ وَرَدتُهُ الْتِقَاطَا … لمَ أَلْقَ إِذْ وَرَدتُهُ فُرَّاطَا إِلَّا الْقَطَا أَوَابِدًا غِطَاطَا (٢) وقال ابن هرمة [من الكامل]: ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ فَرَطًا … وَبَقِيتُ كَالْمَغْمُورِ فِي خَلَفِ وقال رسول الله ﷺ حين مات ابنه إبراهيم: "لولا أنه وَعْدٌ صادق، وأن الماضي فَرَطٌ للباقي"، وقال له أيضًا: "الْحَقْ بِفَرَطنا عثمان بن مظعون". [تنبيه]: رَوَى حديث: "أنا فرطكم على الحوض" عن النبيّ ﷺ جماعة من أصحابه، منهم ابن مسعود، وجابر بن سمرة، والصُّنابح بن الأعسر،

стр. 3557

وجندب، وسهل بن سعد، وغيرهم؛ قاله ابن عبد البرّ ﵀ (١). وقوله: (عَلَى الْحَوْضِ) أي إليه، فـ"على" بمعنى "إلى"، ويَحْتَمل أن يُقدَّر هنا فعل يدلّ عليه سياق الكلام، تقديره: فيجدوني على الحوض؛ قاله القرطبيّ (٢). (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَيُذَادَنَّ) اللام هي اللام الموطّئة للقسم، والفعل مبنيّ للمفعول، مؤكّد بالنون المشدّدة، أي لَيُمنعنّ، ولَيُطْرَدَنّ (رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي) أي عن وروده. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "الا لَيُذادنّ" كذا روايته هنا من غير خلاف، واختُلف فيه في "الموطّأ": فرُوي "فَلَيُذادنّ" بلام القسم، ورُوي: "فلا يُذادنّ" بـ "لا" النافية، وكلاهما صحيح، فاللام على قَسَمٍ محذوف، تقديره: فوالله لَيُذادنّ، وبـ "لا" يكون من باب لا أرينّك ها هنا، أي لا يتعاطى أسباب الذَّوْد عن حَوْضي، ومعنى "لَيُذادنّ" لَيُدْفعنّ، والذَّودُ: الدفع. انتهى كلام القرطبيّ (٣). وقال ابن الأثير ﵀: معنى: "فلا يذادنّ رجلٌ"، على النهي، أي لا يفعل أحد فعلًا يُطْرَد به عن حوضي (٤)، قال: والأول أشبه. انتهى (٥). وقال ابن عبد البرّ ﵀: قوله: "فليُذادنّ": أي فليُبعدنّ، ولَيُطردنّ، قال زهير [من الطويل]: وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضهِ بِسِلَاحِهِ … يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ وقال الراجز: يَا أَخَوَيَّ نَهْنِهَا (٦) وذُودَا … إِنِّي أَرَى حَوْضَكُمَا مَوْرُودَا (كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ) أي الغريب، فهو كقوله في الحديث الماضي: "إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه". وقال القرطبيّ ﵀: وجه التشبيه أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه

стр. 3558

بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضالّ والغريب، وكلُّ واحد من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه، ودافعوه، حتى لقد صار هذا مثلًا شائعًا. انتهى (١). (أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ) معناه: تَعَالَوْا، قال أهل اللغة: في "هَلُمَّ" لغتان: أفصحهما: هَلُمّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين، بصيغة واحدة، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، واللغة الثانية: هَلُمَّ يا رجل، وهلمّا يا رجلان، وهَلُمُّوا يا رجال، وللمرأة هلمّي، وللمرأتان هَلُمّتا، وللنسوة هَلْمُمْنَ، قال ابن السِّكِّيت وغيره: الأولى أفصح كما قدمناه، ذكره النوويّ (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: "هَلُمّ" كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل: أصله لُمَّ من الضمِّ والجمع، ومنه: لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسَكَ إلينا، و"ها" للتنبيه، وحُذِفت الألف؛ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِدَ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعِلا كلمةً واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، وفي لغة نجد تَلحَقها الضمائر، وتُطابِقُ، فيقال: هَلُمي، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يَجعلونها فعلًا، فيُلحقونها الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقُومَا، وقوموا، وقُمْنَ، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجمع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ، وإلحاق الضمائر من لغة تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي أَقْبِلْ، ومُتعَدِّيةً، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾: أي أحضِرُوهم. انتهى (٣). (فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا) أي غيّروا دينهم (بَعْدَكَ) أي بعد مفارقتك لهم بالموت، وفي رواية: "وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ "، وفي رواية البخاريّ: "لا تدري ما أحدثوا بعدك"، وفي رواية له: "إنك لا عِلْمَ لك بما أحدثوا

стр. 3559

بعدك، إنهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى". (فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا") أي بعدًا بعدًا، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الروايات "سُحْقًا سُحْقًا"، مرتين، ومعناه: بُعْدًا بُعْدًا، وكرّره للتأكيد، والمكان السَّحِيق: البعيد، وفي "سُحْقًا" لغتان، قُرِئ بهما في السبع: إسكان الحاء، وضمها، قرأ الكسائيّ بالضمّ، والباقون بالإسكان، ونُصِب على تقدير: أَلْزَمَهُم الله سُحْقًا، أو سَحَقَهُم سُحْقًا. انتهى (١). وقال الحافظ أبو عمر ﵀: معنى "سُحْقًا": بُعْدًا، والسُّحْقُ والْبُعْد، والإسحاق، والإبعاد سواء، بمعنى واحد، وكذلك النَّأْيُ، والبُعْدُ لفظتان بمعنى واحد، إلا أن سُحقًا وبُعْدًا هكذا إنما تجيء بمعنى الدعاء على الإنسان، كما يقال: أبعده الله، وقاتله الله، وسَحَقه الله، ومَحَقَه، وأسحقه أيضًا، ومن هذا قول الله : ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ يعني: بعيد، وكلُّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، والله أعلم. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٢/ ٥٩٠ و ٥٩١] (٢٤٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٥٠)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٠ و ٤٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٦٠ و ٣٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٨٢ و ٥٨٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٨٢ - ٨٣)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل في الوضوء. ٢ - (ومنها): إثبات حوض النبيّ ﷺ ، وقد اختلف العلماء في وقت

стр. 3560

وروده ومكانه، فقال بعضهم: الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، واحتجّوا بما أخرجه أحمد، والترمذيّ عن أنس ﵁، قال: "سألت رسول الله ﷺ أن يَشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أوّلّ ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض" (١). وقد استُشكِلَ كون الحوض بعد الصراط بما جاء في أحاديث الباب من أن جماعةً يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدونه، ويُذهب بهم إلى النار، ووجه الاستشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يُردّ إليها؟. ويمكن أن يُجاب بأنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه، ويرون النار، ويراهم النبيّ ﷺ ، فيُناديهم، فيُدفَعُون إلى النار. وسيأتي تحقيق المسألة، واستيفاء مباحثها بذكر أدلّتها في موضعها المناسب لها إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: اشتهر اختصاص نبيّنا ﷺ بالحوض، لكن أخرج الترمذيّ من حديث سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبيّ حوضًا، وإنهم يَتَباهون أيُّهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً" (٢). قال الحافظ ﵀: فإن ثبت أن لكلّ نبيّ حوضًا فالمختصّ بنبيّنا ﷺ الكوثر، أي النهر الذي يصبّ من مائه في حوضه، فإنه لم يُنقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر، والله تعالى أعلم (٣). ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀ في "المفهم" تبعًا للقاضي عياض: مما يجب على كلّ مكلّف أن يَعلمه، ويُصدّق به أن الله قد خصّ نبيّه

стр. 3561

محمدًا ﷺ بالحوض المصرّح باسمه، وصفته، وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعيّ؛ إذ رَوَى ذلك عن النبيّ ﷺ من الصحابة ﵃ نيّف وثلاثون، منهم في "الصحيحين" ما يَنيف على العشرين، وفي غيرهما بقيّة ذلك مما صحّ نقله، واشتهر رواته، ثم رواته عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهَلُمّ جرًّا، وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنّة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة (١)، وأحالوه على ظاهره، وغَلَوا في تأويله من غير استحالة عقليّة، ولا عاديّة تَلْزِم من حمله على ظاهره، وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخَرَقَ من حرّفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. انتهى. ٤ - (ومنها): استحباب الخروج إلى المقابر، وزيارة القبور، وهذا أمر مجمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا، فإنها تُذَكِّر الآخرة"، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح، والصحيح أنه جائز للنساء أيضًا على الوجه المشروع، وهو السلام على المقبور، والدعاء له، وتذكّر الآخرة، ولا يطلب منه قضاء حاجته، ولا يناديه لذلك، ولا يستغيث به، وهذا من الْهُجْر أي الْفُحش الذي نهى عنه النبيّ ﷺ في الحديث المذكور، وسأستوفي البحث في هذا بذكر الأدلة الشاملة للرجال والنساء في موضعه من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: في تسليمه ﷺ على أهل القبور بيان مشروعيّة ذلك، وفيه معنى الدعاء لهم، ويدلّ أيضًا على حُسن التعاهد، وكرَم العهد، وعلى دوام الحرمة، ويحتمل أن يردّ الله تعالى أرواحهم، فيسمعون، ويردّون، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما من مسلم يمرّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيُسلّم عليه، إلا ردّ ﵇ من قبره". انتهى (٢). ٦ - (ومنها): أن فيه بِشارةً عظيمةً لهذه الأمة - زادها الله تعالى شَرَفًا -

стр. 3562

حيث كان النبيّ ﷺ فَرَطها على الحوض، فهنيئًا لَمن كان رسول الله ﷺ فَرَطَه، فما أكبر الفوز العظيم. ٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: قد احتج به مَن ذَهَب إلى أن أرواح الموتى على أفنية القبور، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ بسلامه عليهم، وقد نادى أهلَ القليب ببدر، وقال: "ما أنتم بأسمع منهم، إلا أنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا"، قيل: إن هذا خصوص، وقيل: إنهم لم يكونوا مقبورين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وما أدري ما هذا؟ وقد رَوَى قتادة، عن أنس ﵁ في الميت حين يُقْبَر أنه يسمع خَفْقَ نِعَالهم إذا وَلَّوا عنه مدبرين، وهذه أمور لا يُستطاع على تكييفها، وإنما فيها الاتباع والتسليم. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في موضعها من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى. ٨ - (ومنها): أن فيه جواز تمنِّي الخير، ولقاءِ الفضلاء، وأهلِ الصلاح. ٩ - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ ﵀: دلّ بإثبات الأخوّة لهؤلاء على علوّ مرتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخريّة، كما حاز ﷺ ، وأصحابه فضيلة الأوليّة، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء"، وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله: "رَحِمَ الله خلفائي" (١)، وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: "القابض على دينه كالقابض على الجمر" (٢)، وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفَطِن استخراجه من الأحاديث. ١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: هذا الحديث فيه دلالة

стр. 3563

على أن كلَّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض الْمُبْعَدِين عنه، وأشدُّهم طردًا مَن خالف جماعةَ المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فِرَقِها، والروافض على تبايُن ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدِّلون، وكذلك الظّلَمَةُ المسرِفُون في الجور والظلم، وتطميس الحقّ، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستَخِفُّون بالمعاصي، وجميعُ أهل الزيغ والأهواء والبِدَع، كلُّ هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر، ولا يُخَلَّد في النار إلا كافرٌ جاحدٌ، ليس في قلبه مثقالُ حبة خردل من إيمان، وقد قال ابن القاسم ﵀: قد يكون من غير أهل الأهواء مَن هو شَرٌّ من أهل الأهواء، وكان يقال: تمامُ الإخلاص تَجَنُّب المعاصي. انتهى (١). ١١ - (ومنها): ما قاله أبو عمر ﵀ أيضًا: وأما قوله: "فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِين من الوضوء"، ففيه دليلٌ على أن الأمم أتباعَ الأنبياء، لا يتوضؤون مثل وضوئنا على الوجه، فاليدين، فالرجلين؛ لأن الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين، هذا ما لا مَدْفَع فيه على هذا الحديث، إلا أن يَتَأَوَّل مُتَأَوِّلٌ هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا يُكْسِبها غُرَّةً، ولا تحجيلًا، وأن هذه الأمة بُورك لها في وضوئها بما أُعطيت من ذلك شرفًا دائمًا، ولنبيها ﷺ ، كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فُضِّل نبيها ﷺ بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء، والله أعلم. وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون، فيَكسِبون بذلك الغُرَّة والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء، كما خُصَّ نبيّنا ﷺ بأشياء دون أمته، منها نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغير صداق، والوصالُ، وغيرُ ذلك، فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة، أن تُشبِه كلُّها الأنبياءَ. انتهى كلام أبي عمر ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن يقال: إن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خُصّت هي بالغرّة والتحجيل، كما هو صريح قوله ﷺ : "لكم سيما ليست لأحد من الأمم"، فإنه صريح في اختصاصها بهذه السيما، مع أنه

стр. 3564

أثبت الوضوء في الأمم السابقة، كما في قصّة سارة، وجُريج الراهب، كما تقدّم بيان ذلك. ١١ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الرسول ﷺ لا يدري ما أحدثته أمته بعد موته. [فإن قيل]: إن هذا يعارضه ما روي من قوله ﷺ : "حياتي خير لكم، تُحْدِثون، ويُحْدَث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرًا لكم، تُعْرَض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيرًا حَمِدت الله، وإن رأيت شرًّا استغفرت لكم" (١). [أجيب]: بأن هذا الحديث مرسلٌ، فلا يعارض ما في "الصحيحين"، وعلى تقدير صحّته، كما هو رأي بعضهم، يمكن أن يُجمع بأن الأعمال تُعرض عليه عرضًا مجملًا، دون تعيين فاعلي الخير والشر، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه ﷺ يذود غير المسلمين، ويُبعدهم عن حوضه. [فإن قيل]: كيف يطرد الناس عنه، وهو ﷺ أكرم الناس؟. [أجيب]: بأن هذا الذود ليس بخلًا، وإنما القصد منه إرشاد كلّ أحد إلى حوض نبيّه، كما سبق أن لكلّ نبيّ حوضًا، وأنهم يتباهون بكثرة من يرده من أتباعهم، فيكون ذلك الذود منه ﷺ من إنصافه، ورعاية جانب إخوانه النبيين ﵈. ويَحْتمل أن يطرُد من لا يستحقّ الشرب من الحوض، والعلم عند الله تعالى (٢). ١٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما أطلع الله نبيّه ﷺ ، وأعلمه من الأمور الغيبيّات المستقبلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال القاضي عياض ﵀: ذهب أبو عُمَر بن عبد البر ﵀ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة مَن هو أفضل ممن كان من

стр. 3565

جملة الصحابة، وأن قوله ﷺ : "خيركم قرني" على الخصوص، وإن كان مخرجه العموم، أو معناه: خير الناس في قرني، يعني السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن سلك مسلكهم، فهؤلاء أفضل الأمة، وهم المرادون بالحديث، وأما مَن خَلّط في زمنه ﷺ ، وإن رآه، وصَحِبه، ولم يكن له سابقة، ولا أثرٌ في الدين، فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول مَن يَفْضلُهم، على ما دلت عليه الآثار. قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا أيضًا غيره من المتكلمين على المعاني، قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن مَن صَحِب النبيّ ﷺ ، ورآه مرّةً من عمره، وحَصَلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعدُ، فإن فضيلة الصحبة لا يَعْدِلها عمل، قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجُّوا بقوله ﷺ : "لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه" متّفقٌ عليه، قال: وحجة الآخر عن هذا أن النبيّ ﷺ قال ذلك لبعضهم عن بعض، فدلّ أن ذلك للخصوص، لا للعموم. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكره أن ابن عبد البرّ ﵀ قال: إنه يكون فيمن بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صَحِب النبيّ ﷺ ، ورآه ولو مرّةً من عمره أفضل من كلّ من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يَعْدلها عملٌ، وهذا هو الحقّ الذي لا ينبغي أن يُصار إلى خلافه؛ لأمور: [أولها]: مزيّة الصحبة، ومشاهدة رسول الله ﷺ . [وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام. [وثالثها]: خُصوصيّة الذبّ عن حضرة رسول الله ﷺ . [ورابعها]: فضيلة الهجرة والنُّصرة. [وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول الله ﷺ . [وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم. [وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام.

стр. 3566

[وثامنها]: أن كلّ خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُّوا سُنَن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً كان له أجرها، وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة"، رواه مسلم، ولا شكّ في أنهم الذين سَنُّوا جميع السنن، وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت خواصّهم، وحُصِرت لملأت أسفارًا، ولكلّت الأعين بمطالعتها حَيَارى. وعلى هذه الجملة قال ﷺ فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعًا: "إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعةً - يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا - فجعلهم أصحابي" وقال: "في أصحابي كلّهم خير" (١). وكذلك قال ﷺ : "اتقوا الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه"، متّفق عليه. وكفى من ذلك كلّه ثناء الله تعالى عليهم جملةً، وتفصيلًا، وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم. فأما استدلال المخالف بقوله ﷺ : "إخواننا"، فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوّة الحظّ الأوفر؛ لأن لهم الأخوّة اليقينيّة العامّة، وانفردت الصحابة بخصوصيّة الصحبة. وأما قوله ﷺ : "للعامل منهم أجر خمسين منكم"، فلا حجة فيه؛ لأن ذلك إن صحّ إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال ﷺ في آخره: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون"، ولا بُعْد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ ﵀ في هذا البحث، وأفاد،

стр. 3567

وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور أن مَن بعد الصحابة ﵃ لا يساويهم في الفضل، وإن عَمِل ما عَمِل؛ لأن رتبة الصحبة، لا يعادلها شيء من الفضائل، على اختلاف أنواعها، وأشكالها. والحاصل أن الصحابة ﵃ كلّهم، السابقون واللاحقون أفضل من جميع من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، وإن بلغ في العبادة ما يبلغ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تأويل قوله ﷺ : "إنهم قد بدّلوا بعدك": قال القرطبيّ ﵀: اختلفوا في ذلك، فالذي صار إليه الباجيّ وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناسٌ نافقوا، وارتدّوا من الصحابة وغيرهم، فيُحشرون في أمّة النبيّ ﷺ كما تقدّم في قوله ﷺ : "وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها"، وعليهم سيماء هذه الأمة، من الغرّة والتحجيل، فإذا رآهم النبيّ ﷺ عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: "ألا هلُمّ"، فإذا انطلقوا نحوه حِيلَ بينهم وبينه، وأُخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبيّ ﷺ : "يا ربّ أمتي أمتي"، وفي لفظ آخر: "أصحابي"، فيقال له إذ ذاك: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدّين منذ فارقتهم"، فعند ذاك تذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويُطفأ نورهم، فيبقَون في الظلمات، فيُقتطع بهم عن الورود، وعن جواز الصراط، فحينئذ يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] مكرًا وتنكيلًا؛ ليتحقّقوا مقدار ما فاتهم، فيَعْظُم أَسَفهم وحَسْرتهم - أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بالصالحين. وقال الداوديّ وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر، والبدع الذين لم يَخرُجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته، ويشفع لهم النبيّ ﷺ ، قال القاضي عياض ﵀: والأول أظهر. انتهى (١).

стр. 3568

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الباجيّ ومن معه هو الأرجح، وحاصله أن المراد بهم الذين كانوا يتظاهرون في زمنه ﷺ أو بعده بالإسلام، وهم منافقون، يُجْعَل لهم سيما كسيما المؤمنين المخلصين، فيعرفهم النبيّ ﷺ بما ظهر من السيما، فيناديهم، فيقال له: "إنهم قد بدلوا بعدك"، فيقول: "سُحقًا سُحقًا"، وما ذكره بعض الشراح من أن هذا بعيد، وفيه تكلّف (١)، ليس كما قال، بل هو واضح، لا بُعْد فيه، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩١] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، جَمِيعًا عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَة، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ"، بِمِثْلِ حَدِيثِ (٢) إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: "فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ المدنيّ، صدوقٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ)، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٢. ٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٣. ٤ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة المذكور في الباب الماضي.

стр. 3569

والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخة: "مثل حديث: إلخ"، يعني أن رواية مالك عن العلاء، مثلُ رواية إسماعيل بن جعفر، عنه. [تنبيه]: رواية مالك هذه التي أحالها المصنّف على رواية إسماعيل بن جعفر، ساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده"، (١/ ١٢٢)، فقال: (٣٦٠) وحدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدثنيه مُطَرِّف بن عبد الله، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وَدِدتُ أني قد رأيت إخواننا"، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: "بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ" قالوا: كيف تَعْرِف مَن لم تَرَ من أمتك؟ قال: "أرأيت لو كانت لرجل خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلةٌ، في خيل دُهْم بُهْم، ألا يَعْرف خيله؟ " قالوا: بلى، قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة، غُرًّا مُحَجَّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض، فَلَيُذادَنَّ الرجل (١) عن حوضي، كما يذاد البعير الضالّ، أناديهم ألا هَلُمّ، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بَدّلوا، فأقول: فسُحقًا فسُحْقًا فسُحْقًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابٌ "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ") وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٢] (٢٥٠) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا خَلَفٌ - يَعْني ابْنَ خَلِيفَةَ -

стр. 3570

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاة، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ، أَنْتُمْ هَا هُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِن، حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ) بن صاعد الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد، كان بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدةً، ثم تحوَّل إلى بغداد، فأقام بها إلى حين وفاته [٨]. رَأَى عَمْرو بن حُرَيث صاحب النبيّ ﷺ ، وروى عن أبيه، وحفص ابن أخي أنس بن مالك، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه سُريج بن النعمان، وسعيد بن منصور، وداود بن رُشيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقتيبة، وعليّ بن حُجْر، والحسن بن عوف، وهو آخر مَن رَوَى عنه، وقد حدَّث عنه هشيم، ووكيع من القدماء. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد عندنا رجل يقال له: خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرو بن حريث، فقال: كَذَب لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث، وقال أبو الحسن الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله، يُسأل: هل رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ قال: لا، ولكنه عندي شُبِّه عليه، هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج، لم يروا عمرو بن حريث، ويراه خلف؟ وقال أحمد أيضًا: قد رأيت خلف بن خليفة، وهو مفلوجٌ سنة سبع وثمانين ومائة، وقد حُمِل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح، وقال الأثرم، عن أحمد: أتيته، فلم أفهم عنه، قلت له: في أيّ سنة مات؟ قال: أظنه في سنة ثمانين، أو آخر سنة (٧٩)، وقال زكريا بن يحيى بن حمويه، عن خلف بن خليفة: فَرَض لي عمر بن

стр. 3571

عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، وقال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس، وكذا قال ابن عمار، وزاد: ولم يكن صاحب حديث، وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صدوق، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، ولا أُبَرِّئه من أن يُخطئ في بعض الأحايين في بعض رواياته، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: صدوقٌ ثقةٌ، لكنه خَرِفَ، فاضطرب عليه حديثه، وقال ابن سعد: أصابه الفالج قبل موته، حتى ضَعُف، وتَغَيَّر، واختلط، وحَكَى القرّاب اختلاطه عن إبراهيم بن أبي العباس، وكذا حكاه مَسْلَمة الأندلسيّ، ووَثَّقه، وقال: من سمع منه قبل التغير فروايته صحيحة. وقال أسلم بن سهل في "تاريخ واسط" عن عبد الحميد: توفي سنة (٨٠)، وذكر الحاكم في "المدخل" أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل هذا الكلام في "التهذيب" عن الحاكم، ولم يتعقّبه، وعندي فيه نظرٌ؛ لأن حديث الباب يردّه؛ لأنه ما أخرج له في الشواهد، وإنما أخرج له في الأصول، فتأمله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات ببغداد سنة (١٨١)، وهو ابن تسعين سنة، أو نحوها، وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (١٨١) وهو ابن مائة سنة وسنة، وكذا جزم به ابن حبان. قال الحافظ: وفي هذا المقدار في سِنِّه نظر، فقد تقدم أنه قال: فَرَض لي عمر بن عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، فيكون مولده على هذا سنة (٩١) أو اثنتين؛ لأن ولاية عمر كانت سنة (٩٩)، وقد ذكروا أنه تُوُفِّي سنة (٨١) فيكون عمره تسعين سنة، أو تسعين وأشهرًا، وعلى هذا فيبعد إدراكه لعمرو بن حريث بُعْدًا بَيِّنًا. انتهى. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٥٠ و (٤٧٥) و (٢٠٣٨) (و ٢٨٤٤). والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ" هو: سعد بن طارق، و"أَبُو حَازِمٍ": هو سلمان الأشجعيّ.

стр. 3572

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى خلف، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو مالك أخرج له في التعاليق. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو مالك، عن أبي حازم. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ ﵀، أنه (قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أي وراءه (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من "أبي هريرة" (فَكَانَ) أي أبو هريرة (يَمُدُّ يَدَهُ) أي يُطيل غسله بيده (حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ) "حتى" غاية للمدّ، والفعل مبنيّ للفاعل، يعني أنه يبالغ في إطالة الغسل إلى أن تبلغ يده إلى إبطه. و"الإبط" بكسر، فسكون: ما تحت الْجَنَاح، ويُذكّر ويؤنَّثُ، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رفع السوط حتى بَرَقَت إبطه، والجمع آباط، مثلُ حِمْل وأحمال، قال الفيّوميّ ﵀: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغةٌ، وهو غير ثابت؛ لأن سيبويه قال: لم يجئ على فِعِلٍ بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان: إِبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو الْقَلَح (١)، ومن الصفات إلا حرفٌ واحدٌ، وهي امرأةٌ بِلِزٌ، وهي الضخمة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أنكر الفيّوميّ كسر الباء، لكن في "القاموس" ما يُفيد أنه لغة، والله تعالى أعلم. قال أبو حازم: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟) "ما" استفهاميّة، مبتدأ، أو خبر مقدّم، و"هذا" خبره، أو مبتدأ مؤخّر، و"الوضوء"

стр. 3573

نعتٌ لاسم الإشارة، أو بدلٌ منه، أو عطف بيان، كما قال بعضهم: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ "أَل" … يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ يقول: أيُّ شيء هذا الوضوء الذي يُخالف صفة الوضوء التي كنت تتوضّؤها قبل هذا؟ لأن أبا هريرة ﵁ كان لا يتوضّأ هذا الوضوء إذا كان بين الناس، كما يدلّ عليه قوله: (فَقَالَ) أبو هريرة ﵁ (يَا بَنِي فَرُّوخَ) بفتح الفاء، وتشديد الراء، قال النوويّ ﵀: قال صاحب "كتاب العين": "فرُّوخ" بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم ﵇، من ولد كان بعد إسماعيل، وإسحاق، كثُرَ نسله، ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد. قال القاضي عياض ﵀: أراد أبو هريرة ﵁ هنا الموالي، وكان خطابه لأبي حازم. انتهى (١). وفي "القاموس"، و"شرحه": "وفَرُّوخ" كتَنُّور أخو إسماعيل، وإسحاق، أبو العجم الذين هم في وسط البلاد، وهو فارسيّ، ومعناه: السعيد طالعه، وقد تسقط واوه في الاستعمال، وهو غير منصرف؛ للعجمة والعلميّة. انتهى بتغيير يسير (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قصد أبو هريرة ﵁ بقوله: "أنتم ها هنا" الموالي، وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عَزّة الأشجعيّة، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار الفقيه الزاهد المدنيّ، مولى بني مخزوم، وكلاهما خرّج عنه في "الصحيح" (٣). (أَنْتُمْ هَا هُنَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأنتم ها هنا؟، أي حاضرون في هذا الموضع (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ) أي لئلا يعتقدوا أنه من واجبات الوضوء، قال القاضي عياض ﵀: أراد أبو هريرة ﵁ بكلامه هذا أنه ينبغي لمن يُقتدَى به إذا ترخّص في أمر لضرورة، أو تَشَدَّد لوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهبًا شذّ به عن الناس أن لا يفعله بحضرة

стр. 3574

العامّة الْجَهَلَة؛ لئلا يترخّصوا برخصته؛ لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدّد فيه هو الفرض اللازم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قول القاضي: "لوسوسة" فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه ليس التشدّد للوسوسة مشروعًا، بل الذي ينبغي للإنسان إذا ابتُلي بالوسواس أن لا يلتفت إليه، بل يبتعد، ويعرض عنه، ويستعيذ بالله منه، فإنه من الشيطان، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: وإنكارهم على أبي هريرة ﵁، واعتذاره عن إظهار ذلك الفعل يدلّ على انفراده بذلك الفعل. انتهى (٢). وفي رواية ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (١/ ٥٥) عن عليّ بن مُسهر، عن يحيى بن أيوب البجليّ، عن أبي زُرعة، قال: دخلت على أبي هريرة، فتوضّأ إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مبلغ الحلية مبلغ الوضوء"، فأحببتُ أن يزيدني في حِليتي. وهذا إسناد قويّ، رجاله رجال الشيخين عدا يحيى بن أيوب، وهو ثقةٌ، وقد خالفه عُمارة بن القعقاع، فوقفه على أبي هريرة. ورواه أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٢)، والبخاريّ في "صحيحه" (٥٩٥٣) من طريقين عن عُمارة، عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة … ثم دعا بتَوْر من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: منتهى الحلية. انتهى (٣).

стр. 3575

ثم قال أبو هريرة ﵁ مبيّنًا مُستنده في وضوئه على هذه الكيفيّة (سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ ) فَعِيل بمعنى فاعل: هو الصَّدِيق، من الْخَلّة، بالفتح: وهي الصداقة، والضم لغة، كما في "المصباح"، وفي "اللسان": قال ابن دُريد: الذي سَمِعتُ به أن معنى الخليل: الذي أصفى المودّة، وأصحّها، قال: ولا أزيد فيها شيئًا؛ لأنها في القرآن، يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والجمع أخلّاء، وخُلّان، والأنثى خَلِيلة، والجمع خليلاتٌ، وقال الزجّاج: الخليل المحبّ الذي ليس في محبّته خَلَلٌ، وقوله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾؛ أي أحبّه محبّةً تامّةً، لا خلَل فيها، قال: وجائز أن يكون معناه الفقير: أي اتّخذه مُحتاجًا فقيرًا إلى ربِّه، قال: وقيل للصداقة خُلّةٌ؛ لأن كلّ واحد منهما يَسُدّ خلل صاحبه في المودّة والحاجة إليه. انتهى (١). يعني أنه سمع النبيّ ﷺ (يَقُولُ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ) ولفظ النسائيّ: "تبلُغُ حليةُ المؤمن"، ولفظ ابن حبّان: "تبلغ حِلية أهل الجنّة مبلغ الوضوء". و"الْحِلْية": - بكسر المهملة، وسكون اللام، وياء مُخفّفة - تُطلَق على السِّيماء، والمراد به هنا التحجيل من أثر الوضوء يوم القيامة، وعلى الزينة، والمراد به ما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣١] (٢). وقال في "اللسان": "الْحَلْيُ" - أي بفتح الحاء، وسكون اللام -: ما تُزُيِّن به من مصوغ المعدنيّات، أو الحجارة، والجمع "حُلَى" - أي بالضمّ - وقال الجوهريّ: "الْحَلْيُ" - أي بفتح، فسكون -: حَلْيُ المرأة، وجمعُهُ حُلِيٌّ، مثلُ ثَدْي وثُدِيّ، وهو فُعُول، وقد تُكسر الحاء؛ لمكان الياء، مثلُ عِصِيّ، وقُرئ ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بالضمّ، والكسر، وحِلْيةُ السيف، جمعها: حِلًى، مثلُ لِحْية ولحًى، وربّما ضُمّ. انتهى (٣). والمعنى المراد هنا: أن زينة المؤمن التي يُزيّنه الله تعالى بها في القيامة تبلغ (حَيْثُ يَبْلُغُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قَعَدَ، مبنيًّا للفاعل، والفاعل
следующие страницы →