← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

[فائدة]: وردت أحاديث في النهي عن الجماع متجرّدًا، ولكنها أحاديث ضعيفة، فمنها ما أخرجه النسائيّ، والطبرانيّ عن عبد الله بن سَرْجِس ﵁، مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر، ولا يتجرّدا تجرّد الْعَيْرَيْن"، وهو حديث ضعيف (١)، وأخرجه ابن ماجة بسند ضعيف، عن عتبة بن عبد السُّلَميّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد الْعَيْرَيْنِ" (٢)، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة ﵁، وهو أيضًا ضعيف. والحاصل أن الأحاديث الواردة في هذا غير صحيحة، لكن التستر أفضل، لحديث: "إن الله حَيِيّ سَتِير، يحبّ الحياء والسَّتر … " الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: أُولِعَ بعض أهل العصر، وما يَقرُب منه بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلًا، أو على الأفعال، كانت عامّةً في ذللث، مطلقةً في الزمان والمكان، والأحوال، والمتعلّقات، ثم يقولون: المطلق يكفي في العمل به سورة واحدة، فلا يكون حجةً فيما عداها، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يُحصى من ألفاظ الكتاب والسنّة، وصار ذلك ديدنًا لهم في الجدال. فمثلًا يقولون: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] قد حصل الامتثال بجلده ﷺ لمن أتى ذلك في عصره، فلا حجة فيه على جلد من أتى هذه الفاحشة بعده، وكذلك ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، وفي الأحاديث، كحديث أبي أيوب ﵁ هذا يقولون مثل ذلك. قال: وهذا عندنا باطلٌ، بل الواجب أن ما دلّ على العموم في الذوات مثلًا يكون دالّا على ثبوت الحكم في كلّ ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها

стр. 3747

ذات إلَّا بدليل يخصّه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذوات، فقد خالف مقتضى العموم. نعم المطلق يكفي العمل به مرّةً كما قالوه، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كلّ ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العملُ به مرّة واحدةً مخالفةً لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في العمل به مرّةً واحدةً، وإن كان العمل به مرّةً واحدةً مما يُخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم؛ محافظةً على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعمّ. مثالُ ذلك إذا قال: من دخل داري، فأعطه درهمًا، فمقتضى الصيغة العموم في كلّ ذات صدق عليها أنَّها داخلة. فإن قال قائلٌ: هو مُطلقٌ في الأزمان، فأعمل به في الذوات الداخلة الدارَ في أول النهار مثلًا، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه مطلقٌ في الزمان، وقد عَمِلتُ به مرّةً، فلا يلزم أن أعمل به مرّةً أخرى؛ لعدم عموم المطلق. قلنا له: لَمّا دلّت الصيغة على العموم في كلّ ذات دخلت الدار، ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات، فقد أخرجت ما دلّت الصيغة على دخوله، وهي كلُّ ذات. وهذا الحديث أحدُ ما يُستدلّ به على ما قلناه، فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: "لا تستقبلوا، ولا تستدبروا" عامًّا في الأماكن، وهو مطلقٌ فيها، وعلى ما قال هؤلاء المتأخّرون لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعمّ؛ لأنه إذا أُخرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ ببعض زيادة (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن دقيق العيد بحث نفيسٌ، وحاصله أن العامّ يُحْمَل على عمومه، ولا يُنظر إلى كونه مطلقًا؛ إذ المحافظة

стр. 3748

على العموم لا تنافي الإطلاق، فالعمل بالعامّ يستلزم العمل بالمطلق، وأقوى دليل على ذلك عمل هذا الصحابيّ الجليل ﵁ بعموم هذا الحديث؛ فإنه عالم بلغة العرب، وعالم بمقاصد الشريعة، وقد حمل العامّ على عمومه. [فإن قلت]: على هذا يلزم ترجيح مذهب من يقول بتحريم الاستقبال والاستدبار في البناء، فكيف رجحتم مذهب من قال بالجواز فيه؟. [قلت]: إنما رجحنا ذلك لدليل آخر، قام بتخصيص عمومه، وهو حديث ابن عمر ﵁، فلولاه لكان مذهب أبي أيوب زجه هو الراجح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٦] (٢٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِه، فَلا يَسْتَقْبِلِ (١) الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠. ٢ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) بن رياح بن عَبِيدة - بفتح أوله - الرياحيّ - بكسر الراء، ثم تحتانيّة - أبو حفص البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن إبراهيم بن سعد، وجُويرية بن أسماء، وعامر بن أبي عامر الخزّاز، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، وطائفة. ورَوَى عنه أحمد بن الحسن بن خِرَاش، والعباس بن عبد العظيم العنبريّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، وأحمد بن منصور الرَّمَاديّ، وعباس

стр. 3749

الدُّوريّ، ومحمد بن رافع، والبخاري في غير "الجامع"، وحنبل بن إسحاق، وإسحاق بن الحسن الحربيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ، مأمونٌ، صدوق، لَمْ يُقْضَ لنا السماع منه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في شعبان سنة إحدى وعشرين ومائتين، وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو داود: مات قبل القعنبيّ بشهرين. تفرّد به المصنّف، له عنده هذا الحديث فقط، والنسائيّ، وله عنده حديث واحد في إعطاء عليّ ﵁ الراية. ٣ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) المذكور في الباب الماضي. ٤ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقة حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٥ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٦ - (الْقَعْقَاع) بن حَكِيم الْكِنانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٤. ٧ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. وقوله: (إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ) أي لقضاء حاجته من البول، أو الغائط. وقوله: (فَلَا يَسْتَقْبِلِ) وفي نسخة: "فلا يستقبلنّ .. إلخ " بنون التوكيد، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 3750

أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٧/ ٦١٦] (٢٦٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤٠)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٣١٢ و ٣١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٣١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٠٩ و ٥١٠ و ٥١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في انتقاد الحفّاظ الإسناد هذا الحديث: قال الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد ﵀ في جزء "علل الأحاديث" التي في "صحيح مسلم": هذا حديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد بن زُريع؛ لأنه حديث يُعرَف بمحمد بن عجلان، عن القعقاع، وليس لسهيل في هذا الإسناد أصل، رواه أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، على الصواب، عن رَوْح، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ بطوله (١)، وحديث عمر بن عبد الوهاب مختصر (٢). وقال الدارقطنيّ ﵀ في "التتبّع" (ص ١٧): وهذا غير محفوظ عن سُهيل، وإنما هو حديث ابن عجلان، حدّث به الناس عنه، منهم روح بن القاسم، وكذلك أميّة بن يزيد. وقال الحافظ أبو الحجاج المزيّ في "تحفة الأشراف" (٩/ ٤٤١ - ٤٤٢) بعد أن أورد سند المصنّف ما نصّه: كذا قال الرياحيّ - يعني عمر بن عبد الوهّاب - عن يزيد بن زُريع، وهو معدود من أوهامه، وخالفه أميّة بن بسطام، وهو أحد الأثبات في يزيد بن زُريع، فقال: عن يزيد بن زريع، عن

стр. 3751

روح بن القاسم، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، وهو محفوظ من رواية ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، رواه عنه جماعة جمّةٌ، منهم: عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الله بن رجاء المكيّ، والمغيرة بن عبد الرَّحمن المخزوميّ. انتهى كلام المزيّ ﵀. وقال النوويّ ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدّم: قلت: ومثل هذا لا يظهر قدحه، فإنه محمول على أن سهيلًا، وابن عجلان سمعاه جميعًا، واشتهرت روايته عن ابن عجلان، وقَلَّتْ عن سهيل، ولم يذكره أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة إلَّا من جهة ابن عجلان، فرواه أبو داود، عن ابن المبارك، عن ابن عجلان، عن القعقاع، والنسائيّ عن يحيى بن سعيد القطّان، عن ابن عجلان، وابن ماجة عن سفيان بن عيينة، والمغيرة بن عبد الرَّحمن، وعبد الله بن رجاء المكيّ، ثلاثتهم عن ابن عجلان. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي فيما قاله النوويّ من تصحيح الإسنادين نظر، بل ما قاله هؤلاء النقّاد من الإعلال المذكور هو الحقّ، فالحديث حديث محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، لا حديث سُهيل، عن القعقاع .. إلخ، فإنه من أوهام عمر بن عبد الوهاب، كما صرّحوا به. لكن هذا كلّه بالنسبة للإسناد، وأما متن الحديث فصحيح؛ لأنه ثابت من حديث أبي هريرة ﵁ من طريق ابن عجلان المذكور، وله شواهد من حديث سلمان، وأبي أيوب، وغيرهما ﵃. والحاصل أن الحديث صحيح، وإن كان إسناد المصنّف معلولًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:

стр. 3752

[٦١٧] (٢٦٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّه، وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَة، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاِتي، انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة، وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْن، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ نزيل البصرة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن أبيه، وأفلح بن حميد، وسلمة بن وَرْدان، ومالك، وشعبة، والليث، وداود بن قيس، وسليمان بن بلال، وزيد بن أسلم، ويزيد بن إبراهيم، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأخرج له مسلم أيضًا، والترمذيّ، والنسائيّ بواسطة أحمد بن الحسن الترمذيّ، وعبد بن حميد، وعمرو بن منصور النسائيّ، وموسى بن حِزَام، وهلال بن العلاء، والميمونيّ، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، ومحمد بن علي بن ميمون، وأبو مسعود الرازيّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذُّهْليّ ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وآخرون، وحدَّث عنه عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، وهو أكبر منه. وقال أبو الحسن ابن القطان، عن الحسن بن منصور: سمعت عبد الله بن داود الْخُريبي يقول: حدَّثني القعنبيّ عن مالك، وهو - والله عندي - خير من مالك، وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا قرأ على مالك كتبه، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ رجل صالحٌ، قرأ مالك عليه نصف "الموطأ"، وقرأ هو على مالك النصف الباقي، وقال أبو زرعة: ما كتبتُ عن أحد أجلّ في عيني منه، وقال

стр. 3753

أبو حاتم: ثقةٌ حجةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: القعنبيّ أحبّ إليك في "الموطأ"، أو ابن أبي أويس؟ قال: القعنبيّ أحبّ إليّ، لَمْ أر أخشع منه، وقال عبد الصمد بن المفضل البلخيّ: ما رأت عيناي مثل أربعة، فذكره فيهم، وقال ابن معين: ما رأيت رجلًا يحدث لله، إلَّا وكيعًا، والقعنبيّ، وقال الْحُنَينيّ: كنا عند مالك، فقيل: قَدِمَ القعنبيّ، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من الْمُتَقَشِّفة الْخُشْن، وكان لا يحدِّث إلَّا بالليل، وربما خرج وعليه باريَةٌ اتَّشَحَ بها، وكان من المتقنين في الحديث، وكان يحيى بن معين لا يقدِّم عليه في مالك أحدًا، وقال الدارقطنيّ: قال النسائيّ: القعنبيّ فوق عبد الله بن يوسف في "الموطأ"، وقال الحاكم: سئل ابن المدينيّ عنه؟ فقال: لا أُقَدِّم من رواة "الموطأ" أحدًا على القعنبيّ، وقال ابن قانع: بصريّ ثقة، وقال عمرو بن عليّ: كان مجاب الدعوة. قال البخاريّ: مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، أو سنة (٢٢٠)، وقال أبو داود وغيره: مات في محرم سنة (٢٢١)، زاد غيره: بمكة، هكذا ذكره أبو موسى الزَّمِنُ في "تاريخه"، وقال مُطَيَّن في "تاريخه": مات بطريق مكة، ولكن قال ابن عديّ، وابن حبان: إنه مات بالبصرة. والله أعلم. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا (١). ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في الإيمان ١٤/ ١٦٠. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٩٦.

стр. 3754

٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن حَبَّان بن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠. ٥ - (عَمُّهُ، وَاسِعُ بْنُ حَبَّانَ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة - ابن مُنقِذ بن عمرو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، صحابيّ ابن صحابيّ، وقيل: بل هو تابعيّ ثقةٌ [٢]، وهو الصحيح (ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٥. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، وعبد الله بن مسلمة، وإن كان بصريًّا، إلَّا أنه مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن محمد بن يحيى، عن عمّه، وهذا هو الأصحّ، وعلى قول من قال: إن لواسع رؤيةً، ولذا عُدَّ في الصحابة، ففيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوي، وقد تقدّم غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى) بن حَبّان (عَنْ عَمِّه، وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) بالفتح، أنه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄، وهو مبتدأ، خبره قوله: (مُسْنَدٌ) اسم فاعل من أسند رباعيًّا، قال الفيّوميّ ﵀: السَّنَدُ - بفتحتين -: ما استندتَ إليه من حائط وغيره، وسَنَدتُ إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندتُ إليه بمعنًى، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أسندته إلى الشيء، فَسَنَد هو. انتهى (١).

стр. 3755

وقوله: (ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ) منصوب على المفعوليّة، وجملة "وعبد الله .. إلخ" في محلّ نصب على الحال، رُبط بالواو، كما قال في "الخلاصة": وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا (فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاِتي) أي انتهيت من أفعالها (انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ) أي إلى عبد الله بن عمر ﵄ (مِنْ شِقِّي) - بكسر الشين، وتشديد القاف -: أي جانبي، وفي رواية أبي عوانة من طريق خالد بن مخلد الْقَطوانيّ، عن سليمان بن بلال: "فلما قضيت صلاتي، انصرفتُ إليه من شقّي الأيسر" (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ (يَقُولُ نَاسٌ) تقدّم أنه اسمٌ وُضِع للجمع، كالقوم والرهط، وواحده إنسان من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تحرّك، فيشمل الإنس والجنّ، قال الله : ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثم فسَّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ (١). قال في "الفتح": يشير بقوله: "ناسٌ" إلى من كان يقول بعموم النهي، كما سبق، وهو مرويّ عن أبي أيوب، وأبي هريرة، ومَعْقِل الأسديّ، وغيرهم. انتهى (٢). (اِذَا قَعَدْتَ) ذكر القعود لكونه الغالب، وإلا فحال القيام كذلك (٣) (لِلْحَاجَةِ) أي لقضاء الحاجة، من البول والغائط، وجملة قوله: (تَكُونُ لَكَ) صفة لـ "الحاجة"، أو منصوب على الحال؛ إذ المعرّف بـ "أل" الجنسيّة كالنكرة، على حدّ قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي (فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) أي الكعبة (وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان: فتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال مخفَّفةً، وهو إما مصدر، أو مكان، والثانية: ضمّ الميم، وفتح القاف والدال المهملة المشدّدة، من التقديس، وهو

стр. 3756

التطهير، سُمي به لأنه موضعٌ يُتقدَّس، أي يُتطَهَّر فيه من الذنوب، وقد تقدّم البحث فيه في أول "باب الإسراء". (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ (وَلَقَدْ) اللام جواب قسم محذوف، أي والله لقد (رَقِيتُ) - بكسر القاف: أي صَعِدتُ، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى صاحب "المطالع" لغتين أُخريين، إحداهما: بفتح القاف بغير همزة، والثانية: بفتحها مع الهمزة، قاله النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هاتان اللغتان اللتان حكاهما صاحب "المطالع" لَمْ أجدهما في كتب اللغة التي بين يديّ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. وقال الفيّوميّ ﵀: رَقِيتُ في السلّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِبَ رُقِيًّا على فُعُولٍ، ورَقْيًا، مثلُ فَلْسٍ أيضًا، وارتقيتُ، وتَرَقَّيتُ مثلُهُ، ورَقِيتُ السطح والجبلَ: عَلَوتُهُ، يتعدّى بنفسه، والْمَرْقَى، والْمُرْتَقَى: موضع الرُّقِيّ، والْمَرْقَاةُ مثلُهُ، ويجوز فتح الميم على أنه موضعُ الارتقاء، ويجوز الكسر تشبيهًا باسم الآلة، كالْمِطْهَرَة، والْمِسْقَاة، وأنكر أبو عُبيد الكسر، وقال: ليس في كلام العرب. انتهى (٢). (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ) هكذا في هذه الرواية متعديًا بـ "على"، والذي في "الصحاح"، و"القاموس"، و"المصباح"، و"اللسان" تعديته بـ "إلى"، وبـ "في"، أو بنفسه، والله تعالى أعلم. (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: "رقيتُ على بيت أختي حفصة"، وفي رواية للبخاريّ: "على ظهر بيتٍ لنا"، وفي رواية له: "على ظهر بيتنا"، وفي رواية ابن خزيمة: "دخلت على حفصة بنت عمر، فصعِدتُ ظهر البيت"، وفي رواية أبي عوانة: "على ظهر منزلنا". وطريق الجمع أن يقال: إضافته البيت إليه على سبيل المجاز؛ لكونها

стр. 3757

أخته، فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبيّ ﷺ فيه، واستمرّ في يدها إلى أن ماتت، فورثه عنها، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه وَرِث حفصة دون إخوته؛ لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، قاله في "الفتح" (١). (فَرَأَيْتُ) عطف على "رَقِيتُ"، وهو بمعنى أبصرتُ، فلا يقتضي إلَّا مفعولًا واحدًا، وهو قوله: (رَسُولَ اللهِ ﷺ ) [فإن قلت]: كيف نظر ابن عمر ﵄ إلى النبيّ ﷺ ، وهو في تلك الحالة، ولا يجوز له ذلك؟. [أجيب]: بأنه لَمْ يقصد الإشراف عليه ﷺ في تلك الحالة، وإنما صَعِد السطح لضرورة له، كما قال في رواية للبيهقيّ، من طريق نافع، عن ابن عمر: "فحانت منه التفاتة"، نعم لَما اتّفَقَت له رؤيته في تلك الحالة من غير قصد أَحَبَّ أن لا يُخْلِي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعيّ، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودَلّ ذلك على شدّة حرص الصحابيّ ﵁ على تتبع أحوال النبيّ ﷺ ؛ ليتبعها، وكذا كان ﵁، أفاده في "الفتح" (٢). وقال في "العمدة": وقعت منه تلك الرؤية اتّفاقًا من غير قصد لذلك، فنَقَلَ ما رآه، وقصده ذلك لا يجوز، كما لا يتعمّد الشهود النظر إلى الزنا، ثم يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويتحضلوا الشهادة بعد ذلك. وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون ابن عمر ﵄ قَصَدَ ذلك، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمّل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله، فنقل ما شاهد. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: هذا الرُّقيّ من ابن عمر ﵄ الظاهر منه أنه لَمْ يكن عن قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجةٍ غير ذلك، ويَحْتَمِلُ أن يكون

стр. 3758

ليطّلع على كيفيّة جلوس النبيّ ﷺ للحدث، على تقدير أن يكون قد استَشعَرَ ذلك، وأنه تحفّظ من أن يطّلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بُعْدٌ. انتهى (١). (قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ) حال من الفاعل، ولابن خزيمة: "فأشرفت على رسول الله ﷺ ، وهو على خلائه"، وفي رواية له: "فرأيته يقضي حاجته، محجوبًا عليه بلبن"، وللحكيم الترمذيّ بسند صحيح: "فرأيته في كَنِيف"، وهو بفتح الكاف، وكسر النون، بعدها ياء تحتانية، ثم فاء، وانتَفَى بهذا إيراد مَن قال ممن يرى الجواز مطلقًا: يَحْتَمِل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه رآه على لبنتين لا يدلّ على البناء؛ لاحتمال أن يكون جَلَس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، وَيرُدُّ هذا الاحتمال أيضًا أن ابن عمر ﵄ كان يَرَى المنعَ من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساتر، كما رواه أبو داود، والحاكم بسند لا بأس به (٢). [تنبيه]: قوله: "لَبِنتين": تثنية لَبِنَةٍ، واحد اللَّبِن، وهو ما يُعْمَل من الطين، ويُبْنَى به، وهو بفتح اللام، وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء، مع فتح اللام، ومع كسرها، وكذا كلُّ ما كان على هذا الوزن، أعني مفتوح الأول، مكسور الثاني يجوز فيه الأوجه الثلاثة، كَكَتِفٍ، فإن كان ثانيه، أو ثالثه حرف حلق، جاز فيه وجهٌ رابعٌ، وهو كسر الأول والثاني، كَفَخِذٍ (٣)، والله تعالى أعلم. (مُسْتَقْبِلًا) منصوبٌ على الحال كسابقه، إما على الترادف، أو التداخل، وقوله: (بَيْتَ الْمَقْدِسِ) منصوب على المفعوليّة لـ "مستقبلًا"، وقوله: (لِحَاجَتِهِ) متعلّق بـ"قاعدًا"، أو بخبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك كائن لحاجته، واللام فيه للتعليل؛ أي لأجل قضاء حاجته، ويحتمل أن تكون للتوقيت، أي وقت قضاء حاجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والمستعان، وعليه التكلان.

стр. 3759

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٧/ ٦١٧ و ٦١٨] (٢٦٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٤٥ و ١٤٨ و ١٤٩) وفي "فرض الخمس" (٣١٠٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٢٣)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٣٢٢)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٩٣ - ١٩٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١ و ٩٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤١٨ و ١٤٢١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٦١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٠)، و (الطبرانيُّ) في "الكبير" (١٣٣١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥١٢ و ٥١٣ و ٥١٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦١١ و ٦١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٩٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: دلّ الحديث على أن النهي إنما أُريد به الصحاري، لا البيوت؛ لما في ذلك من الضِّيق والحرج، وما جعل الله في الدين من حرج. انتهى (١). ٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: واستقباله بيت المقدس يدلّ على خلاف ما ذَهَبَ إليه النخعيّ، وابن سيرين، فإنهما منعا ذلك، وما رُوي من النهي عن استقبال شيء من القبلتين بالغائط لا يصحّ؛ لأنه من رواية عبد الله بن نافع، مولى ابن عمر ﵄، وهو ضعيفٌ، وقد ذهب من منع استقبال القبلة

стр. 3760

واستدبارها مطلقًا إلى أن حديث ابن عمر ﵄ لا يصلَحُ تخصيص حديث أبي أيوب ﵁ به؛ لأنه فعلٌ في خلوة، وهو محتمِلٌ للخصوص، وحديث أبي أيوب قولٌ قُعِّدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى. والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله ﷺ ، فأقلّ مراتبه أن يُحْمَل على الجواز بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وبدليل قوله ﷺ لأم سلمة ﵂ (١) حين سألتها المرأة عن قبلة الصائم: "ألا أخبرتها أني أفعل ذلك؟ " (٢) وقالت عائشة رمنها: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا" (٣)، تعني التقاء الختانين، وقَبِلَ ذلك الصحابة، وعَمِلُوا عليه. وأما كون هذا الفعل في خلوة، فلا يصلح مانعًا من الاقتداء؛ لأن الحدث كلّه كذلك يُفعَلُ، ويمنَعُ أن يُفعَلَ في الملإ، ومع ذلك فقد نُقِلَ، وتُحُدّث به، سيّما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته، من الأمور المشروعة.

стр. 3761

وأما دعوى الخصوص، فلو سمعها النبيّ ﷺ لغضب على مدّعيها، وأنكر ذلك، كما قد غَضِبَ على من ادّعى تخصيصه بجواز القُبْلة، فإنه غَضِب عليه، وأنكر ذلك، وقال: "إني لأخشاكم، وأعلمكم بحدوده"، وكيف يجوز توهّم هذا؟ وقد تبيّن أن ذلك إنما شُرعَ إكرامًا للقِبلة، وهو أعلم بحرمتها، وأحقّ بتعظيمها، وكيف يَستَهين بحرمة ما حرّم الله؟ هذا ما لا يصدُر توهّمه إلَّا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول ﷺ . انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي الوقوف على هدي النبيِّ ﷺ حتى فيما يُطلَب إخفاؤه؛ ليُقتدى به، ويُهتدى بضوئه. ٤ - (ومنها): ما كان عليه ابن عمر ﵄ من شدّة الحرص على تتبّع آثار النبيّ ﷺ ، وهو معروف بذلك. ٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن مثل هذا الفعل عن النبيّ ﷺ ، وإن كان عادة مما يُخفى؛ لأجل الاقتداء، والعمل به. ٦ - (ومنها): بيان أن أفعال النبيّ ﷺ كلّها للتشريع، إلَّا ما خُصّ به، وهو معنى قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. ٧ - (ومنها): استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط. ٨ - (ومنها): أن في قوله: "يقول ناس .. إلخ" دليلًا على أن الصحابة ﵃ يختلفون في معاني السنن، وكان كلّ واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف. قال الخطابيّ ﵀: قد يتوهّم السامع من قول ابن عمر ﵄: "يقول ناس .. إلخ" أنه يريد إنكار ما رُوي في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة نسخًا لما حكاه من رؤيته ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يُتوهّم؛ لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجيز الاستقبال والاستدبار

стр. 3762

في الصحراء، ويُجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثّل لما شاهد من قعوده في الأبنية. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما ذكره الخطابيّ ﵀ ما أخرجه أبو داود في "سننه" بسند حسن، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر، أناخ راحلته، مستقبل القبلة، ثم جَلَس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرَّحمن، أليس قد نُهِي عن هذا؟ قال: بلي، إنما نُهِي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يستُرُك فلا بأس. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِه، مُسْتَقْبِلَ الشَّام، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور أول الباب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.

стр. 3763

والباقون تقدّموا في السند الماضي، وشرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ) [٦١٩] (٢٦٧) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِه، وَلَا يَتَنَفَّس" (١) في الْإِنَاءِ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الإمام المشهور المذكور قريبًا أيضًا. ٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ السُّلَميّ، أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وجابر، وعنه ابنه ثابت، ويحيى بن أبي كثير، وزيد بن أسلم، وحصين بن عبد الرَّحمن، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعبد العزيز بن رفيع، وغيرهم.

стр. 3764

قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عديّ: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين، وقال غيره: وسبعين بتقديم السين، وهو وَهَمٌ ظاهر. وفي كتاب ابن سعد: تُوُفِّي في خلافة الوليد، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال البخاري: روى عنه ابنه قتادة بن عبد الله وكذا ذكر البخاري في "التاريخ". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٦ - (أبو قتادة) الأنصاري السَّلَمِيّ فارس رسول الله ﷺ اسمه الحارث بن رِبْعيّ - بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها عين مهملة -، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو، وقيل: عون، وقيل: مراوح، والمشهور: الحارث بن ربعي بن بُلْدُمَة - بضم الموحدة والمهملة، بينهما لام ساكنة - ابن خُناس - بضم المعجمة، وتخفيف النون، وآخره مهملة - ابن سنان بن عُبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سَلَمَة السَّلَمي - بفتحتين - المدني. وأمه كبشة بنت مُطَهَّر بن حرام بن سَوَاد بن غَنْم. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وعنه ولداه ثابت وعبد الله، ومولاه أبو محمد نافع بن عباس بن الأقرع، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن رباح الأنصاري، ومعبد بن كعب بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف، وعمرو بن سليم الزرقي، وآخرون. قال ابن سعد: شهد أُحُدًا وما بعدها، وقال الحاكم أبو أحمد يقال: كان بدريًّا ولا يصح. وأخرج مسلم في "صحيحه" عن إياس بن سلمة عن أبيه، قال النبي ﷺ : "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة بن الأكوع". وأخرج مسلم أيضًا عن أبي قتادة في قصة طويلة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذ مال عن راحلته، قال: فدعمته، فاستيقظ … فذكر الحديث، وفيه: "حفِظَك الله كما حفِظت نبيّه ﷺ ". وقال أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة.

стр. 3765

وقال الواقدي: توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ويقال: ابن سبعين، ولم أَرَ بين علمائنا اختلافًا في ذاك، قال: وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة، وعلي بها، وصلى عليه. وحكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين، وهو شاذّ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين. ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في "الأوسط" في "فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين"، ثم روى بإسناده أن مروان بن الحكم لما كان واليًا على المدينة من قِبَل معاوية أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق معه فأراه. وقال ابن عبد البر: رُوي من وجوه عن موسى بن عبد الله والشعبي أنهما قالا: صلى عليٌّ على أبي قتادة، وكبّر عليه سبعًا، قال الشعبي: وكان بدريًّا، ورجح هذا ابن القطان، ولكن قال البيهقي: رواية موسى والشعبي غلط؛ لإجماع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين. قال الحافظ: ولأن أحدًا لَمْ يوافق الشعبي على أنه شهد بدرًا، والظاهر أن الغلط فيه ممن دون الشعبي، والله تعالى أعلم. انتهى (١). والحاصل أن الأصحّ في وقت وفاته ما قاله الواقديّ. أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٧٠) حديثًا، اتفقا على (١١) وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بثمانية، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج الله أبو داود، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعي: يحيى، عن عبد الله، والابن عن أبيه.

стр. 3766

٤ - (ومنها): أن النوويّ ﵀ ادّعى في "شرحه"، أن في هذا السند تصحيفًا، ودونك نصّه: قوله: "حدّثنا يحيى بن يحيى، حدّثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن همام .. إلخ" هكذا هو في الأصول التي رأيناها في الأول "هَمّام" بالميم، عن يحيى بن أبي كثير، وفي الثاني "هشام" بالشين، وأظن الأول تصحيفًا من بعض الناقلين عن مسلم، فإن البخاريّ، والنسائيّ، وغيرهما من الأئمة رووه عن هشام الدّستوائيّ، كما رواه مسلم في الطريق الثاني، وقد أوضح ما قلته الإمام الحافظ، أبو محمد، خَلَفٌ الواسطيّ، فقال: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن هشام، وعن يحيى بن يحيى، عن وكيع، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، فصَرَّح الإمام خلفٌ بأن مسلمًا رواه في الطريقين، عن هشام الدّستوائيّ، فدَلّ هذا على أن همّامًا بالميم تصحيفٌ وَقَعَ في نسخنا ممن بعد مسلم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ادَّعى النوويّ التصحيف هنا، ولي فيه نظر؛ لأنه لا دليل عليه إلَّا احتجاجه بما قاله خلف الواسطيّ، وهذا وحده لا يكفي، وقد ذكر الحافظ المزيّ ﵀ ما ذكره خلف، ولكن الظاهر من سياقه أنه لَمْ يُوافقه عليه، ودونك عبارته: في كتاب خلف، وأبي مسعود: "عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن هشام"، وفي "صحيح مسلم": "عن همّام"، وفي بعض الأصول الصحيحة منه: "عن همّام بن يحيى". انتهى كلام المزيّ ﵀ (٢). فظاهر كلام المزيّ ﵀ أنه يصوّب ما وقع في "صحيح مسلم" بلفظ "همّام"، فقد أيّد ذلك بقوله: "وفي بعض الأصول الصحيحة .. إلخ"، ولم يعلّق الحافظ ابن حجر في "نكته"، ولا الحافظ وليّ الدين في "أطرافه" شيئًا، مع شدّة اهتمامهما في مثل ذلك.

стр. 3767

ومما يؤيّد ما ذكرته أن الحافظ أبا نُعيم ﵀ أثبت ذلك في "مستخرجه" (١/ ٣٢٢)، ونصّه: "رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن همّام. انتهى. والحاصل أن الحكم على هذا السند بالتصحيف عندي غير مقبول، فهمّام بن يحيى مشهور بالرواية عن يحيى بن أبي كثير، كاشتهار رواية هشام الدستوائيّ عنه، وإن لَمْ يكن في الحفظ مثله، فغير مستغرب وقوعه في هذا السند، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ يُلقّب بأنه فارس رسول الله ﷺ ؛ لأنه ﷺ قال: "خير فرساننا أبو قتادة"، وذلك في قصّة طويلة ساقها الشيخان، وغيرهما من حديث سلمة بن الأكوع حينما أُغير على لقاح النبيّ ﷺ ، وهي قصّة مشهورة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) تقدّم الخلاف في اسمه، والمشهور أنه الحارث بن رِبْعيّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا) ناهية، وقوله: (يُمْسِكَنَّ) مجزوم المحلّ بها؛ لكونه مبنيًّا؛ لاتّصال نون التوكيد به، كما قال في "الخلاصة": .................... … وَأَعْرَبُوا مُضَارِعًا إِنْ عَرِيَا مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ … نُونِ إِنَاثٍ كَـ"يَرُعْنَ مَنْ فُتِنْ" وذكر في "الفتح" ما يُفيد أن "لا" ناهية والأفعال الثلاثة مجزومة، ورُوي بالرفع فيها على أن "لا" نافية (١). وقوله: "يُمْسِكَن" - بضم أوله - من الإمساك: أي لا يأخذنّ (أحَدُكُمْ ذَكَرَهُ) - بفتحتين -: الفرج من الحيوان، جمعه ذِكَرَةٌ - بكسر، ففتح - بوزن عِنبَةٍ، ومَذَاكيرُ على غير قياس؛ قاله الفيّوميّ (٢).

стр. 3768

(بِيَمِينِهِ) أي بيده اليمين؛ تشريفًا لها، وقال ابن الملقّن ﵀: "اليمين" قيل: من اليمن، وقيل: من القوّة، قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة: ٤٥]، وقال نفطويه: أي لأخذنا بيمينه، فمنعناه من التصرّف، وفي "الصحاح": أن تصغيرها يُمَيِّنٌ بالتشديد بلا هاء، وفي "الجمهرة": الجمع أَيْمُن. انتهى (١). وقوله: (وَهُوَ يَبُولُ) جملة حاليّة في محلّ نصب، أفادت أن النهي مقيّد بحالة البول، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَلَا يَتَمَسَّحْ) أي لا يستنج، وهو من باب التفعُّل، أشار به أنه لا يتكلّف المسح باليمين؛ لأن التفعّل للتكلّف غالبًا، قاله العينيّ ﵀ (٢). (مِنَ الْخَلَاءِ) - بالفتح، والمدّ، كالفضاء وزنًا ومعنًى - وقال النوويّ ﵀: الخلاء بالمدّ: الغائط، قال: وليس التقييد به للاحتراز عن البول، بل هما سواء. انتهى (٣). وقال ابن الملقّن ﵀: المسح هنا الاستنجاء، وسُمّي الخارج من القبل والدبر خلاءً؛ لكونه يُفعل في المكان الخالي، ويلازم ذلك غالبًا، ولفظ الحديث يتناول القبل والدبر. انتهى (٤). وقال ابن دقيق العيد ﵀: ظاهر النهي التحريم، وعليه حمله الظاهريّة، وجمهور الفقهاء على الكراهة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حمله على التحريم هو الأرجح؛ لأن الأصل في المناهي للتحريم، وسيأتي تحقيق الحقّ فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: قال في "الفتح": محل الخلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة

стр. 3769

غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة، فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمين. انتهى (١). (وَلَا يَتَنَفَّسْ) وفي نسخة: "ولا يتنفّسَنَّ" بنون التوكيد، وهو من باب التفعيل أيضًا (فِي الإِنَاءِ") أي الوعاء، جمعها آنيةٌ، وجمع الآنية الأواني، مثلُ سِقَاءٍ، وأسقيةٍ، وأساقي، وأصله غير مهموز، ولهذا ذكره الجوهريّ في باب "أَنى، فعلى هذا أصله إنايٌ، قُلبت الياء همزةً؛ لوقوعها في الطرف بعد ألف ساكنة"؛ قاله العينيّ ﵀ (٢). وقال النوويّ ﵀: معناه: لا يتنفّس في نفس الإناء، وأما التنفّس ثلاثًا خارج الإناء فسنّة معروفة، قال العلماء: والنهي عن التنفّس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره، ونتنه، وسقوط شيء من الفم والأنف فيه، ونحو ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بقوله: "هو من طريق الأدب" أن النهي للتنزيه، لا للتحريم، ففيه نظر؛ لما سيأتي في المسألة الرابعة. [تنبيه]: قيل: الحكمة في النهي عن التنفّس في الإناء أنه أبعد عن تقذير الإناء والماء، فإنه من الطف الجواهر، وأقبلها للتغيّر بالريح، وعن خروج شيء تَعَافُهُ النفس من الفم، فإذا أبانه عند إرادة التنفّس أمن من ذلك، وقد ثبت إبانة الإناء للتتفّس ثلاثًا، وهو في هذا الحديث مطلقٌ، ولأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب، وأحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخفّ للمعدة، وإذا تنفّس في الإناء، واستوفى رِيّه حمله ذلك على فوات ما ذكرناه من حكمة النهي، وتكاثر الماء في حلقه، وأثقل معدته، وربّما شُرق به، وآذى كبده. وقيل: علّة الكراهة أن كلّ عبّة شربةٌ مستأنفة، فيستحبّ الذكر في أولها، والحمد في آخرها، فإذا وصل، ولم يفصل بينها، فقد أخلّ بسنن كثيرة. وقد أخرج الطبرانيّ في "الأوسط" بسند حسن، عن أبي هريرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه

стр. 3770

يُسمّي الله، فإذا أخّره محمد الله، يفعل ذلك ثلاثًا"، وأصله في ابن ماجة، وله شاهد من حديث ابن مسعود ﵁ عند البزّار، والطبرانيّ، وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عبّاس المشار إليه قبلُ: "وسَمُّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم". قال في "الفتح": وهذا يحتمل أن يكون شاهدًا لحديث أبي هريرة المذكور، ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عبّاس ﵄ ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد بن سنان الجزريّ، ضعيف، وشيخه مجهول، فتنبّه. ومسألة الشرب سيأتي البحث عنها مستوفًى في "كتاب الأشربة" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٨/ ٦١٩ و ٦٢٠ و ٦٢١] (٢٦٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٥٣ و ١٥٤) وفي "الأشربة" (٥٦٣٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣١)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤٧)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٣١٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٨٣) و (٥/ ٢٩٥ و ٢٩٦ و ٣٠٠ و ٣٠٩ و ٣١٠ و ٣١١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٨ و ٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٨٨ و ٥٨٩ و ٥٩٠ و ٥٩١ و ٥٩٢ و ٥٩٣ و ٥٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦١٣ و ٦١٤ و ٦١٥ و ٦١٦ و ٦١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١١٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨١)، والله تعالى أعلم.

стр. 3771

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن مسّ الذكر بيمينه عند البول. ٢ - (ومنها): النهي عن الاستنجاء باليمين. ٣ - (ومنها): النهي عن التنفّس عند الشرب في الإناء. ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى جواز الشرب في نَفَس واحد؛ لأنه إنما نهي عن التنفّس في الإناء، والذي يشرب في نفس واحد، ولم يتنفّس في الإناء، فلا يكون مخالفًا للنهي، وهو مقتضى حديث أبي سعيد الخدريّ منه، حيث أقرّه ﷺ عليه، وقال المازريّ: ومذهبنا جوازه، وحكاه القاضي عن ابن المسيّب، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، قال: وكرهه ابن عبّاس، وطاوس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان؛ قاله ابن الملقّن ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي سعيد ﵁ المشار إليه هو ما أخرجه أحمد، والترمذيّ ﵀ بسند حسن، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ نَهَى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: القَذَاة أراها في الإناء؟ قال: "أهرقها"، قال: فإني لا أَرْوَى من نَفَسبى واحد، قال: "فَأَبِن القَدَحَ إِذَنْ عن فيك". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى (٢). ووجه الاستدلال أنه ﷺ أقرّه على قوله: "من نفَس واحد"، وإنما أرشده إلى إبانة القدح عن فيه؛ لأجل أن يروي، فدلّ على جواز الشرب من نفس واحد. قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد" بعد أن أورد حديث أبي سعيد المذكور ما نصّه: وفيه إباحة الشرب في نَفَس واحد، وكذلك قال مالك ﵀ ثم أخرج بسنده، عن ابن القاسم، عن مالك، أنه رأى في قول النبيّ ﷺ للرجل الذي قال له: إني لا أَرْوَى من نفس واحد، فقال له النبيّ ﷺ : "فأَبِنِ القَدَح عن فيك"، قال مالك: فكأني أرى في ذلك الرخصة أن يشرب من

стр. 3772

نفس واحد ما شاء، ولا أرى بأسًا بالشرب من نفس واحد، وأرى فيه رخصة لموضع الحديث: "إني لا أروى من نفس واحد"، قال أبو عمر: يريد مالك ﵀ أن النبيّ ﷺ لَمْ ينه الرجل حين قال له: "إني لا أروى من نفس واحد" أن يشرب في نفس واحد، بل قال له كلامًا، معناه: فإن منت لا تروى في نفس واحد، فأبن القدح عن فيك، وهذا إباحة منه للشرب من نفس واحد إن شاء الله. وقد رُوِيت آثار عن بعض السلف فيها كراهة الشرب في نفس واحد، وليس منها شيء تجب به حجة، ثم أخرج بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: الشراب بنفس واحد شرب الشيطان، وفي سنده إبراهيم بن أبي حبيبة، قال أبو عمر: ضعيفٌ، لا يحتجّ به، ولو صح كان المصير إلى المسند أولى من قول الصاحب (١). قال الجامع عفا الله عنه: يعني أن ما دلّ عليه حديث أبي سعيد ﵄ من جواز الشرب بنفس واحد أولى من هذا الموقوف الضعيف؛ لأنه مرفوع، وصحيح. والحاصل أن الشرب بنفس واحد لا كراهة فيه، ولكن المستحبّ أن يشرب بثلاثة أنفاس؛ لحديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: إنه أروي، وأبرأ، وأمرأ، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم. وسيأتي تمام البحث في "كتاب الأشربة" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء باليمين: ذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه، وذهب الظاهريّة إلى أنه للتحريم، حتى قال الحسين بن عبد الله الناصريّ في كتابه "البرهان على مذهب

стр. 3773

أهل الظاهر": ولو استنجى بيمينه لا يُجزيه، وهو وجه عند الحنابلة، وطائفة من الشافعيّة؛ قاله العينيّ (١). ومال العلامة الشوكانيّ ﵀ إلى رأي أهل الظاهر، حيث قال: وهو الحقّ؛ لأن النهي يقتضي التحريم، ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشوكانيّ هو الصواب، وأما ما قاله في "الفتح" من أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم هي أن ذلك من الآداب، فقد تعقّبه الصنعانيّ ﵀، فقال: ولا يخفى بُعد هذه القرينة. انتهى. والحاصل أن كون النهي هنا للتحريم هو الأظهر؛ لعدم وجود صارف معتبر، وقولهم: "يصرفه كونه للأدب" عجيب، كيف يكون كونه أدبًا صارفًا عن التحريم؟، أليست كلّ الأحكام الشرعية أوامرها، ونواهيها آدابًا، وإرشادات، فهل كلّها للندب، والكراهة التنزيهيّة؟ إن هذا لهو العجب العجاب!!!. وخلاصة القول أن كون الشيء أدبًا من الآداب الشرعيّة لا ينافي وجوبه، أو تحريمه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): الأصحّ أن النهي عن مسّ الذكر باليمين محمول على حالة البول، فيكون ما عداه مباحًا، وقال بعضهم: يكون ممنوعًا أيضًا من بابٍ أولى؛ لأنه إذا نُهي عنه في تلك الحالة، وهي مظنّة الحاجة، فلأن يُنهى في غيرها أولى. وتعقّبه أبو محمد بن أبي جمرة ﵀ بأن مظنّة الحاجة لا تختصّ بحالة الاستنجاء، وإنما خُصّ النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطَى حكمه، فلما مُنِع الاستنجاء باليمين مُنع مسّ آلته بها حَسْمًا للمادّة، ثم استدلّ على الإباحة بقوله ﷺ لطلق بن عليّ ﵁ حين سأله عن مسّ الذكر: "إنما هو

стр. 3774

بضعةٌ منك"، فدلَّ على الجواز في كلّ حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه ابن أبي جمرة ﵀ حسنٌ جدًّا، وحديث طلق ﵁ الذي احتجّ به حديث صحيح رواه أصحاب السنن، والله تعالى أعلم. وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: الحديث يقتضي النهي عن مسّ الذكر باليمين في حالة البول، ووردت روايات أخرى في النهي عن مسّه باليمين مطلقًا، من غير تقييد بحالة البول، فمن الناس من أخذ بهذا العامّ المطلق، وقد يسبق إلى الفهم أن المطلق يُحْمَل على المقيّد، فيختصّ النهي بهذه الحالة، وفيه بحثٌ؛ لأن هذا الذي يقال يتّجه في باب الأمر والإثبات، فإنا لو جعلنا الحكم للمطلق، أو العامّ في حورة الإطلاق، أو العموم مثلًا كان فيه إخلال باللفظ الدالّ على المقيّد، وقد تناوله لفظ الأمر، وذلك غير جائز، وأما في باب النهي، فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيّد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ. هذا كلّه بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث، وهو أن يُنظر في الروايتين، هل هما حديث واحدٌ، أو حديثان؟، وذلك أيضًا بعد النظر في دلائل المفهوم، وما يُعمَل به منه، وما لا يُعمل به، وبعد أن ننظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم - أعني رواية الإطلاق والتقييد - فإن كان حديثًا واحدًا، مخرجه واحد، واختلف عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيّد؛ لأنَّها تكون زيادةً من عدل في حديث واحد، فتُقبَل، وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (٢). وقوله: "وهذا الحديث .. إلخ" أراد حديث أبي قتادة ﵁ المذكور هنا، يعني أنه روي بلفظ: "لا يمسكنّ أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول"، وبلفظ:

стр. 3775

"نهى أن يمسّ ذكره بيمينه"، فالرواية المطلقة والمقيّدة كلتاهما من حديث أبي قتادة ﵁، فهو حديث واحد، وحينئذ يتعيّن حمل المطلق على المقيّد، ولا بدّ. قال الصنعانيّ ﵀: بل التحقيق أنه ليس من المطلق والمقيّد، بل هو مقيّد لا غير؛ إذ الرواية المطلقة لَمْ تَرِد عنه ﷺ ، إنما أحد الرواة أسقط القيد نسيانًا، قال: إلَّا أنه لا يتمّ هذا إلَّا إذا ثبت أنه ﷺ لَمْ ينطق بذلك الحديث إلَّا مرّةً واحدةً مقيّدًا، ولا دليل على هذا، لِمَ لا يجوز أنه نطق به مطلقًا، ثم نطق به مقيّدًا، كما في كثير من الأحاديث؟ والتقييد زيادة من عدل، وإن كان الحديث ليس واحدًا. وبالجملة فالتقييد زيادة، سواءٌ كانت في حديث، أو في حديثين، وإن جرى الاصطلاح بأن الزيادة إنما تُسمّى كذلك إذا كانت في حديث واحد، لكن المعنى الحاصل عنها حاصل عن الروايتين؛ إذ الفرض أنه اتّحد التكلّم والموقف، وجالله حديث التقييد بزيادة من عدل، فيجب قبولها، ويجري قبول الزيادة دليلًا لحمل المطلق على المقيّد، فلا فرق بين الحديثين والواحد، فليُتأمّل. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسى جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قوله: "ولا يتمسّح من الخلاء بيمينه": قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: هذا يتناول القبل والدبر، وقد اختَلَف أصحاب الشافعيّ في كيفيّة التمسّح في القبل، إذا كان الحجر صغيرًا، لا بدّ من إمساكه بإحدى اليدين، فمنهم من قال: يُمسك الحجر باليمني، والذكر باليسرى، فتكون الحركة لليسرى، واليمنى قارّةٌ، ومنهم من قال: يؤخذ الذَّكر باليمنى، والحجر باليسري، وتُحرّك اليسري، والأول أقرب إلى المحافظة على الحديث؛ لأنه هناك لَمْ يتمسّح باليمين، ولا أمسك ذكره بها، بخلاف هذه

стр. 3776

الصورة، فإنه أمسكه بها، قال الصنعانيّ: ولا يخفى أن الذي في الصورة الأولى محافظة تامّة، لا قريبة منها. انتهى (١). وقال في "الفتح": وقد أثار الخطابيّ هنا بحثًا، وبالغ في التبجح، وحَكَى عن أبي عليّ بن أبي هريرة أنه ناظر رجلًا من الفقهاء الخراسانيين، فسأله عن هذه المسألة، فأعياه جوابها، ثم أجاب الخطابيّ عنه بجواب فيه نظرٌ. ومُحَصَّل الإيراد أن الْمُستَجْمِر متى استجمر بيساره استلزم مَسَّ ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شَمِله النهي. ومحصل الجواب أنه يَقْصِد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة، كالجدار ونحوه، من الأشياء البارزة، فيستجمر بها بيساره، فإن لَمْ يَجِد، فليلصق مقعدته بالأرض، ويُمسك ما يستجمر به بين عقبيه، أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره، فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه. انتهى. وهذه هيئةٌ منكرة، بل يَتَعَذَّر فعلُها في غالب الأوقات. وقد تعقبه الطيبيّ بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختصّ بالدبر، والنهي عن المس مختصّ بالذكر، فبطل الإيراد من أصله. قال الحافظ: كذا قال، وما ادّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردودٌ، والمس وإن كان مختصًّا بالذكر لكن يُلْحَق به المدبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خَصَّ الذَّكر بالذكر؛ لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الإحكام إلَّا ما خُصّ. والصواب في الصورة التي أوردها الخطابيّ ما قاله إمام الحرمين، ومَن بعده كالغزاليّ في "الوسيط"، والبغوي في "التهذيب" أنه يُمِرّ العضو بيساره على شيء، يمسكه بيمينه، وهي متحركةٌ، فلا يُعَدّ مستجمرًا بَاليمين، ولا ماسًّا بها، ومن ادَّعَى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمينه فقد غَلِطَ، وإنما هو كمن

стр. 3777

صَبّ بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٢٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ، فَلَا يَمَسَّ (٢) ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت في آخر سنة ٦ أو أول سنة ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (هِشَام الدَّسْتَوَائِيُّ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر - كجعفر - أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٢١] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: "أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ في الْإِنَاء، وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه، وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ").

стр. 3778

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف "المسند"، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، واسمه كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجةٌ، من كبار الفقهاء الْعُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: (وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ) أي أن يستنجي، قال الفيّوميّ ﵀: الاستطابة: الاستنجاء، يقال: استطاب، وأطاب إطابةً أيضًا؛ لأن المستنجي تَطِيب نفسه بإزالة الْخَبَث عن المخرج. انتهى (١). وقال ابن الملقّن ﵀: الاستطابة: إزالة الأذى عن المخرجين بحجر ونحوه، أو مأخوذ من الطيب؛ لأن إزالة الفضلة تُطيِّب المحلّ، وتُذهِب عنه القذر، يقال: استطاب الرجل، فهو مستطيب، وأطاب، فهو مُطيبٌ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء السادس من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج"

стр. 3779

رحمه الله تعالى بعد صلاة الظهر يوم الثلاثاء المبارك ٤/ ١٠/ ١٤٢٥ هـ الموافق ١٥/ نوفمبر/ ٢٠٠٤ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء السابع مفتتحًا بـ (١٩) - (بَابُ التَّيمُّنِ فِي الطُّهُورِ وَغَيْرِهِ) رقم الحديث [٦٢٢] (٢٦٨). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك". * * *

стр. 3780

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يوم الثلاثاء ٤/ ١٠/ ١٤٢٥ هـ أول الجزء السابع من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى. (١٩) - (بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الطُّهُورِ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٢٢] (٢٦٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ، وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٣ - (أَشْعَثُ) بن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣. ٤ - (أَبُوهُ) هو: سُلَيم بن أسود بن حنظلة، أبو الشّعْثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن عمر، وأبي ذرّ، وحذيفة، وابن مسعود، وأبي موسى، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي أيوب، وطارق بن عبد الله ﵃، ومسروق، والأسود بن يزيد، وقيس بن السكن. ورَوَى عنه ابنه أشعث، وإبراهيم النخعيّ، وإبراهيم بن مهاجر، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الرحمن بن الأسود، وجامع بن شدّاد، وأبو إسحاق السبيعيّ، وغيرهم.

стр. 3781

قال الميمونيّ، عن أحمد: بَخٍ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا يُسأَل عن مثله، وقال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ. قال خليفة: مات بعد الجماجم، سنة اثنتين وثمانين، وقال الواقديّ: شَهِد مع عليّ ﵁ مشاهده، وهلك في خلافة عبد الملك، أو الوليد. قال الحافظ ﵀: وَقْعَةُ الجماجم كانت سنة (٨٣) بالاتفاق، فلعلّ خليفة قال: مات بعد الجماجم، وأرّخه ابن قانع سنة (٨٥) فهو أشبه، وقال ابن سعد: تُوُفّي زمن الحجاج، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وقال البخاري في "التاريخ الصغير": كان يحيى بن سعيد يُنكر أن يكون سمع من سلمان، وقال ابن حزم في "المحلَّى": سليم بن أسود مجهول، فكأنه ما عَرَفَ أن أبا الشعثاء هذا اسمه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٦٨) وأعاده بعده، و (٥٨٦) و (٦٥٥) وأعاده بعده، و (٧٤١) و (١٤٥٥). ٥ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ ماتت سنة (٥٧) على الأصحّ، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة.

стр. 3782

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: أبو الشعثاء، عن مسروق. ٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: إِنْ) مخفّفة من "إنّ" المشدّدة المؤكّدة، وهي هنا مهملة، غير عاملة (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُحِبُّ) دخلت هذه اللام للفرق بين "إن" المخفّفة من الثقيلة المهملة، وبين "إن" النافية، كما قال في "الخلاصة": وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وإنما قيّد بإهمالها؛ لأنها إذا عملت، نحو "إنْ زيدًا قائمٌ" لا تحتاج إلى الفارق؛ لعدم الالتباس، وقوله: "وربما استُغني .. إلخ" إشارة إلى نحو قول الشاعر: أَنَا ابْنُ أُبَاةِ الضَّيْمِ مِنْ آلِ مَالِكٍ … وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ فإنه لا التباس فيه؛ لأن المراد المدح، ولا تأتي النافية فيه، والله تعالى أعلم. وقوله: (التَّيَمُّنَ) منصوب على المفعوليّة، أي استعمال اليد اليمنى، وقال ابن الملقّن ﵀: التيمّن: معناه هنا: الابتداء باليمين قبل الشمال، وفي "المغرب" للمطرّزيّ: يامن، وتيامن: أخذ جانب اليمين، ومنه: "كان ﷺ يُحبّ التيامن في كلّ شيء"، وهذا اللفظ الذي ذكره رواه ابن حبّان في "صحيحه" بزيادة: "حتى في الترجّل والانتعال"، والتيمّن من الألفاظ المشتركة؛ لأنه أيضًا مصدر تَيَمَّنَ بالشيء: إذا تبرّك به، مأخوذ من اليمن - بضمّ الياء - وهو البركة، والتيمّن أيضًا: النسبة إلى اليمن - بفتح الياء والميم - يقال: تيمّن: إذا انتسب إلى اليمن. انتهى (١).

стр. 3783

(فِي طُهُورِهِ) بضمّ الطاء، والمراد به فعل الطهارة، ويجوز أيضًا فتحها؛ فقد قال سيبويه: الطَّهُور بالفتح يقع على الماء، والمصدر معًا (١). وقال الكرمانيّ: هو بضمّ الطاء، ولا يجوز فتحها، وتعقّبه العينيّ، فقال: لا نُسلّم هذا على الإطلاق؛ لأن الخليل، والأصمعيّ، وأبا حاتم السجستانيّ، والأزهريّ، وآخرين ذهبوا إلى أن الطَّهُور بالفتح في الفعل الذي هو المصدر، والماء الذي يُتطهَّر به، وقال صاحب "المطالع": وحُكي الضمّ فيهما، والفرق المذكور نقله ابن الأنباريّ عن جماعة من أهل اللغة، فإذا كان كذلك، فقول الكرمانيّ: ولا يجوز فتحها غير صحيح على الإطلاق. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الضمّ والفتح جائزان هنا، أما الضمّ فواضح؛ لأن معناه الحدث، ويكون المعنى أنه يحبّ التيمّن في طهارته، وأما الفتح فيحتمل أن يكون بمعنى الحدث أيضًا كالمضموم على ما ذكره أئمة اللغة الذين ذكرهم العينيّ، ويحتمل أن يكون بمعنى المطهّر، فيكون على حذف مضاف، أي في استعمال الماء الذي يتطهّر به. والحاصل أن الوجهين هنا صحيحان، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِذَا تَطَهَّرَ) أي أراد التطهّر. (وَفِي تَرَجُّلِهِ) أي تمشيطه شعره، وهو تسريحه، وهو أعمّ من أن يكون في الرأس، أو في اللحية (٣). قال أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٣٢٤): الترجيل: التدهين. انتهى. وقال ابن الأثير: الترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه. انتهى (٤). وقال ابن دقيق العيد ﵀: الترجيل تسريح الشعر، قال الهرويّ: شعرٌ مرجّلٌ: أي مسرَّحٌ، وقال كُرَاع: شَعْرٌ رَجِلٌ، ورَجْلٌ، وقد رَجَّلَه صاحبه: إذا سرّحه، ودَهَنه. انتهى (٥).

стр. 3784

وقال الفتح: ترجيل الشعر: تسريحه ودهنه، قال في "المشارق": رجّل شعره: إذا مشطه بماء، أو دهن؛ لِيَلين، ويرسل الثائر، ويمدّ المنقبض. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: بهذا يظهر لك خطأ العينيّ في تعقّبه على صاحب "الفتح" بأن قوله: "ودهنه" تفسير من عنده، ولم يفسّره أهل اللغة، فإن كراعًا من أهل اللغة المعروفين، وكذا فسّره به غيره (٢)، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (إِذَا تَرَجَّلَ) أي إذا أراد أن يسرّح شعره. (وَفِي انْتِعَالِهِ) أي في لبسه نعله، يقال: نَعَلَ يَنْعَلُ - بالفتح فيهما - وتنعَّلَ، وانتَعَلَ: إذا لبس النعل، وأنعلتُ الخيل بالهمزة، ومنه حديث: "إن غسّان تُنعل خيلها"، و"النعل" - بفتح، فسكون -: الحذاء، وهي مؤنّثة، وهي التي تُلبَس على الرجل في المشي، وتُسمَّى التاسومة، والجمع أَنْعُلٌ، ونِعَالٌ، مثلُ سَهْمٍ وأَسْهُمٍ وسِهَامٍ (٣)، وفي "القاموس": النعلُ: ما وُقِيت به القدم من الأرض، كالنَّعْلَة، مؤنّثةٌ. انتهى (٤). (إِذَا انْتَعَلَ) أي إذا أراد لبس نعله، قال ابن دقيق العيد ﵀: معنى التيمّن في التنعّل: البداءة بالرجل اليمنى، ومعناه في الترجّل: البداءة بالشقّ الأيمن من الرأس في تسريحه ودَهْنه، وفي الطهور: البداءة باليد اليمنى، والرجل اليمنى في الوضوء، وبالشقّ الأيمن في الغسل، والبداءة باليمنى عند

стр. 3785

الشافعيّ من المستحبّات، وإن كان يقول بوجوب الترتيب؛ لأنهما كالعضو الواحد، حيث جُمعا في لفظ القرآن الكريم في لفظ واحد، حيث قال الله : ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. انتهى (١). وقال ابن الملقّن ﵀: معنى التيمّن في النعل البداءة بالرجل اليمنى، بخلاف النزع، فإنه ينزع اليسرى؛ لأن الانتعال للرجل أفضل من الْحَفَاء، إلى آخر ما ذكره ابن دقيق العيد، ثم قال: والضابط في ذلك أن كلّ ما كان من باب التكريم والزينة كان باليمين، وما كان بخلافه فباليسار. انتهى (٢). [تنبيه]: وقع اختلاف في ألفاظ هذا الحديث، ففي هذه الرواية: "إن كان رسول الله ﷺ ليُحبّ التيمّن في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل"، وفي الرواية التالية: "كان رسول الله ﷺ يُحبّ التيمّن في شأنه كلّه، في نعليه، وترجّله، وطهوره"، وعند البخاريّ في "الوضوء": "كان النبيّ ﷺ يُعجبه التيمّن في تنعّله، وترجّله، وطهوره، في شأنه كلّه"، قال الحافظ: كذا للأكثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة"، وعند البخاريّ في "الأطعمة" من طريق عبد الله بن المبارك، عن شعبة أن أشعث شيخه كان يُحدّث به تارةً مقتصرًا على قوله: "في شأنه كلّه"، وتارةً على قوله: "في تنعّله .. إلخ"، وزاد الإسماعيليّ من طريق غندر، عن شعبة: "أن عائشة أيضًا كانت تُجمله تارةً، وتبيّنه أخرى"؛ قاله في "الفتح" (٣). وعند النسائيّ: "أن رسول الله ﷺ كان يُحبّ التيامن ما استطاع، في طهوره، ونعله، وترجّله"، قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: "يُحبّ التيامن، فذكر شأنه كلّه"، ثم سمعته بالكوفة يقول: "يُحبّ التيامن ما استطاع". وعند ابن حبّان: "كان يُحبّ التيامن في كلّ شيء حتى في الترجّل، والانتعال"، وفي رواية ابن منده: "كان يحبّ التيامن في الوضوء،
следующие страницы →