وأما الوجه المتأخّر فمتأخّر؛ لما بيّنّا أنا لو خصّصناه ببعض أحواله لكان الخارج عن تلك الأحوال مخصوصًا عن العموم مع دلالة العموم على تناوله، ووجوب المحافظة عليها. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - (١) وهو بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): نهيه ﷺ عن إضاعة المال خاصّ بالمال عامّ بالنسبة إلى ما يَلَغ فيه الكلب، وما لم يَلَغ فيه، وأمره ﷺ بإراقة ما ولغ فيه الكلب خاصّ بالنسبة إلى ما لم يَلَغ فيه، عامّ بالنسبة إلى المال وغير المال، فكلّ واحد منهما عامّ من وجه، خاصّ من وجه.
فلئن قال أحد الخصمين: أَخُصّ عموم الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب بالماء؛ عملًا بنهيه ﷺ عن إضاعة المال، قال خصمه: أَخُصّ نهيه ﷺ عن إضاعة المال بما لم يلغ فيه الكلب؛ عملًا بقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرقه"، فإذا تقابلا فلا بدّ من الترجيح، وقد يُرجّح العمل بهذا الحديث؛ لوجهين:
أحدهما: أن يقال: النهي عن إضاعة المال عاتم مخصوص بالاتّفاق، فإنه يُخرج عنه المائعات التي تغلو قيمتها، وتكثر بعد وقوع قطرة من البول فيها، والعموم في هذا الحديث غير مخصوص بالإجماع - أي حيث لم يُجْمَع على تخصيصه - فإن القائل بالنجاسة يعمّ به كلّ ما يُولَغُ فيه، والعمل بالعموم الذي لم يُجمَع على تخصيصه أولى من العمل بالعموم الذي أُجمع على تخصيصه.
فإن قال: لا أسلِّم أن المائع الذي وقعت فيه قطرة البول مالٌ بعد وقوعها فيه، قال خصمه: لا أسلِّم أن الطعام مال بعد ولوغ الكلب فيه.
الوجه الثاني: أن يقال: مقصود ذلك الحديث النهي عن التبذير، وإضاعة المال من غير غرض صحيح، والمقصود من هذا الحديث إما الإبعاد، وإما التنزّه عما لحقه سؤر الكلب؛ لنجاسته، أو لقذره، وهذا المقصود أخصّ بالنسبة إلى ما يقع فيه الولوغ من ذلك المقصود - أي النهي عن إضاعة المال -
стр. 3957
وقد ظهر اعتباره في بعض ما يقع فيه الولوغ، فالعموم بالنسبة إلى هذا المقصود أمسّ من العموم بالنسبة إلى ذلك المقصود إذا اعتبرنا المقاصد. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - بحثٌ نفيسٌ.
وحاصله ترجيح القول بعموم الإناء إناء الماء والطعام؛ لقوة مُدرَكه، كما حقّقه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): لفظ الإناء لَمّا كان عامًّا دخل تحته إناء الفَخَّار (٢) غير المزجَّج مما يتشرّب الماء وغيره، ويغوص فيه، وقد حُكم بطهارته بالغسل، فقد يُجعل أصلًا لمسألة اختُلِف فيها، وهي أن الفَخّار إذا اتّصَل به نجسٌ غَوّاصٌ، كالبول، هل يطهر بالغسل؟ وكذلك ما يناسبه مثل الزيتون يُمَلَّح بماء نجس، والقَمْح يُنقَع بماء نجس، وهذا البحث بناء على نجاسة الماء، فيستمرّ من غير اعتراض؛ لأنه حينئذ لا فرق بين أن يَلَغَ في الماء الذي في الإناء، أو يؤخذ الماء الذي في الإناء بعد وُلُوغه، ويُجعَل في إناء فَخّار.
قال الطحاويّ - رحمه الله تعالى - لَمّا تكلّم في مسألة نزح ماء البئر: فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجسًا بوقوع النجاسة فيها، فكان يقتضي ذلك أن لا تَطهُر البئر أبدًا؛ لأن حيطانها قد تشرّبت ذلك الماء النجس، واستكنّ فيها، فكان ينبغي أن تُطمّ.
قيل له: ألم تر العادات جرت على هذا؟ وقد فَعَل عبد الله بن الزبير ما ذكرنا في ماء زمزم (٣)، ورآه أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم يُنكروا ذلك عليه،
стр. 3958
ولا أنكره من بعدهما، ولا رأى أحد منهم طَمّها، وقد أمر رسول الله ﷺ في الإناء الذي قد نَجِسَ من ولوغ الكلب فيه (١) أن يُغسل، ولم يأمر أن يُكْسَر، وقد تشرّب من الماء النجس، فكما لم يأمر بكسر الإناء في ذلك، فكذلك لا يُؤمر بِطَمّ تلك البئر، فهذه فائدة استنتجها الطحاويّ من هذا الحديث، ذكره ابن دقيق العيد ﵀ (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة هذا البحث أن الإناء الذي أُمر بغسله من وُلُوغ الكلب عامّ، فيتناول ما يتشرّب الماء، كالفخّار، وما لا يتشرّبه كأواني الزجاج، فلا فرق بين النوعين في وجوب غسله فقط، ولا يلزم كسر النوع الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قال الحافظ العراقيّ - رحمه الله تعالى -: هل تتعدّد الغسلات في ولوغ الكلب بتعدّد الولغات من كلب واحد، أو كلبين، فأكثر؟ خلاف بين أصحابنا - يعني الشافعيّة - والأصحّ أنه يكفي للجميع سبع، وقيل: يجب لكلّ وَلْغة سبعٌ، وقيل: يكفي السبع في وَلَغَات الكلب الواحد، وتتعدّد بتعدّد الكلاب، وكذلك لو تنجّس بنجاسة أجنبيّة غير الكلب لم تجب الزيادة على السبع، بل يندرج الأصغر في الأكبر، كالحدث على الصحيح، وادَّعَى النوويّ، وابن الرفعة نفي الخلاف فيه، وليس بجيّد، ففيه وجه حكاه الرافعيّ في الشرح الصغير أنه يجب غسله للنجاسة الأجنبيّة أيضًا. انتهى كلام العراقيّ - رحمه الله تعالى - (٣)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ (٤): "فَلْيُرِقْهُ").
стр. 3959
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٧.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَاني - بضمّ المعجمة، وسكون اللام، بعدها قافٌ - أبو زياد الأسديّ الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا - بفتح المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالمهملة - صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٧.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ)، أي بإسناد عليّ بن مُسهر، عن الأعمش المذكور قبله، حال كون متنه مثل متنه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّاء التي أحالها المصنّف هنا على رواية عليّ بن مسهر لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٥٦] ( … ) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
والباقون تقدّموا في ثاني أحاديث هذا الباب.
وقوله: (إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ) قال في "الفتح": كذا هو في "الموطأ"،
стр. 3960
والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: "إذا وَلَغَ"، وهو المعروف في اللغة، يقال: وَلَغ يَلَغ - بالفتح فيهما -: إذا شَرِبَ بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه، وقال ثعلب: هو أن يُدخِل لسانه في الماء وغيره من كل مائع، فيحرّكه، زاد ابن دُرُسْتُوَيْهِ: شَرِب أو لم يشرَب، وقال ابن مكيّ: فإن غير مائع يقال: لَعِقَه، وقال المطرزيّ: فإن كان فارغًا يقال: لَحَسَه.
وادَّعَى ابنُ عبد البر أن لفظ "شَرِبَ" لم يروه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ "وَلَغَ"، وليس كما ادَّعَى، فقد رواه ابنُ خزيمة، وابن المنذر، من طريقين عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا شَرِب"، لكن المشهور عن هشام بن حسان بلفظ: "إذا وَلَغ"، كذا أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عنه.
وقد رواه عن أبي الزناد شيخِ مالك بلفظ: "إذا شرب" ورقاءُ بن عمر، أخرجه الْجَوْزَقيّ، وكذا المغيرة بن عبد الرحمن، أخرجه أبو يعلى، نعم، ورُوِيَ عن مالك بلفظ: "إذا ولغ"، أخرجه أبو عبيد في "كتاب الطهور" له، عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيليّ، وكذا أخرجه الدارقطنيّ في "الموطآت" له، من طريق أبي عليّ الحنفيّ، عن مالك، وهو في نسخة صحيحة من "سنن ابن ماجه"، من رواية رَوْح بن عُبادة، عن مالك أيضًا، وكأنّ أبا الزناد حدَّث به باللفظين؛ لتقاربهما في المعنى، لكن الشرب كما بينا أخصّ من الوُلُوغ، فلا يقوم مقامهُ. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى أولَ الكتاب قال:
[٦٥٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ").
стр. 3961
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور قريبًا.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُليّة، أبو بشر الأسديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وهشام بن حسّان هو: القُرْدوسيّ.
وقوله: (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) قال النوويّ ﵀: معنى الغسل بالتراب هو أن يُخلَط التراب في الماء حتى يتكدّر، ولا فرق بين أن يُطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يأخذ الماء الكدِرَ من موضع، فيغسل به، فأما مسح موضع النجاسة بالتراب، فلا يُجزئ، ولا يجب إدخال اليد في الإناء، بل يكفي أن يُلقيه في الإناء، ويحرّكه، ويُستحبّ أن يكون التراب في غير الغسلة الأخيرة؛ ليأتي عليه ما يُنظّفه، والأفضل أن يكون في الأولى. انتهى كلام النوويّ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) هكذا رواية ابن سيرين فيها التتريب، قال في "الفتح": ولم يقع في رواية مالك التتريب، ولم يثبت في شيء من الروايات عن أبي هريرة إلا عن ابن سيرين، على أن بعض أصحابه لم يذكره، ورُوي أيضًا عن الحسن، وأبي رافع، عند الدارقطنيّ، وعبد الرحمن والد السُّدّيّ، عند البزار.
واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، فلمسلم وغيره من طريق هشام بن حسّان عنه: "أُولاهنّ"، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وكذا في رواية أبي رافع المذكورة، واختُلِف عن قتادة، عن ابن سيرين، فقال سعيد بن بَشِير عنه: "أُولاهنّ" أيضًا، أخرجه الدارقطنيّ، وقال أبان، عن قتادة: "السابعة"، أخرجه أبو داود، وللشافعيّ عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين: "أولاهن، أو إحداهنّ"، وفي رواية السدّيّ، عند البزار: "إحداهنّ"، وكذا في رواية هشام بن عروة، عن أبي الزناد عنه.
فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: "إحداهنّ" مُبْهَمَةٌ، و"أولاهنّ"،
стр. 3962
و"السابعة" مُعَيَّنةٌ، و"أو" إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمُقتضى حمل المطلق على المقيد أن يُحْمَل على أحدهما؛ لأن فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي نَصَّ عليه الشافعيّ في "الأُمّ"، و"البُوَيطيّ"، وصرح به المرعشيّ، وغيره من الأصحاب، وذكره ابن دقيق العيد، والسبكيّ بحثًا، وهو منصوص كما ذكرنا، وإن كانت "أو" شَكًّا من الراوي، فرواية من عَيَّن ولم يَشُكَّ أولى من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية "أُولاهنّ" ورواية "السابعة"، وروايةُ "أولاهن" أرجح من حيث الأكثرية، والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نَصَّ الشافعي في حرملة على أن الأُولى أَوْلى، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في "الفتح" تحقيقٌ نفيسٌ، خلاصته ترجيح رواية "أُولاهن" روايةً ودرايةً على غيرها، فيكون التتريب في الغسلة الأولى، حتى يتحقّق التنظيف المطلوب على الوجه الأحسن والأليق، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "أولاهنّ"، وفي رواية: "أُخراهنّ" الذي يُفهَم منه أن المراد بالأولى المبتدأ بها، وبالأخرى المختتم بها، وفيه نزاع، وهو أن الأخرى تأنيث آخر - بفتح الخاء - وأن ذلك لا يدلّ إلا على المغايرة، لا على الانتهاء. قال ابن مالك - رحمه الله تعالى -: الفرق بي نآخرة وأخرى أن التي هي أنثى آخر لا تدلّ على الانتهاء، كما لا يدلّ عليه مذكّرها، فلذلك تعطف عليهما مثلهما من صنف واحد، كقولك: عندي رجل، وآخر، وآخر، وعندي امرأةٌ، وأُخرى، وأُخرى، وليس كذلك آخرة تدلّ على الانتهاء، كما يدلّ عليه مذكّرها، ولذلك لا يُعطَف عليهما مثلهما من صنف واحد، فلا يقال: جاء زيدٌ أول، وعمرو آخر، ورجلٌ آخر.
стр. 3963
وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب - رحمه الله تعالى -: لا يقال: العشر الأُخَر؛ لأن الأُخَرَ جمع أُخرى، وأُخرى تأنيث آخر، ومدلوله وصفٌ مغاير بمتقدّمٍ ذِكرُهُ، وإن كان متقدّمًا في الوجود، وكذلك مؤنّثه ومجموعه، وليست دلالته على المتأخّر في الوجود حتى صارت نسيًا منسيًّا، فتقول: مررت بزيد، ورجلٍ آخر، فلا يُفهم من ذلك إلا وصفه لمغاير متقدّم ذكره، وهو زيد، حتى صار معناه أحد الشيئين، ولا يُفهم من ذلك كونه متأخّرًا وجودًا، ومن ثمّ لم يقولوا: ربيع الآخَر، ولا جمادى الأُخرى؛ لعلمهم بانتفاء دلالة ذلك على مقصودهم؛ لأن المقصود التأخّر الوجوديّ، فعدلوا إلى ربيع الآخِرِ - بكسر الخاء - وإلى جمادى الآخِرة، حتى تَحْصُل الدلالة على مقصودهم في التأخّر الوجوديّ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: قوله: "فاغسلوه سبعًا، أولاهنّ، أو أخراهنّ بالتراب"، قد يدلّ لما قاله بعض أصحاب الشافعيّ: إنه لا يكفي ذرّ التراب على المحلّ، بل لا بُدّ أن يجعله في الماء، ويوصله إلى المحلّ.
ووجه الاستدلال أنه جعل مرّة التتريب داخلةً في قسم مسمَّى الغسلات، وذَرّ التراب لا يُسمّى غسلًا، قال: وهذا ممكنٌ، وفيه احتمالُ أنه إذا ذَرّ التراب على المحلّ، وأتبعه بالماء يصحّ أن يقال: غَسَلَ بالتراب، ولا بُدّ من مثل هذا في أمره ﷺ في غسل الميت بماء وسِدْر عند من يرى أن الماء المتغيّر بالطاهر غير طَهُور، إن جرى على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلة واحدة؛ إذ بها يحصل مسمَّى الغسل، وهذا جيّد.
إلا أن قوله: "وعفِّروه" قد يُشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذَرّ التراب على المحلّ، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرًا لغةً، فقد ثبت ما قالوه (٢)، لكن لفظة التعفير حينئذ تُطلق على ذرّ التراب على المحلّ، وعلى إيصاله بالماء
стр. 3964
إليه، والحديث الذي دلّ على اعتبار مسمّى الغسلة إذا دلّ على خلطه بالماء، وإيصاله إلى المحلّ به، فذلك أمر زائد على مطلق التعفير على التقدير الذي ذكرناه من شُمول اسم التعفير للصورتين معًا، أي ذرِّ التراب، وإيصاله بالماء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٥٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢): "طُهُورُ (٣) إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيه، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ").
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد بعينه تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) الأشهر فيه ضمّ الطاء، ويقال بفتحها، لغتان، تقدّمتا في أول كتاب الطهارة (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٥٩] (٢٨٠) - (وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاح، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّل، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَاب، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟ "، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْد، وَكَلْبِ الْغَنَم، وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاء، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ").
стр. 3965
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عَمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجّة الناقد البصير [٧] (ت ١٦٠) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ) - بمثنّاة، ثم تحتانيّة ثقيلة، وآخره مهملة - يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وأبي عثمان النَّهْديّ، وأبي الوَدّاك، وحفص الليثيّ، والحسن البصريّ، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وأبي مِجْلَز، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخّير، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وموسى بن سَلَمة، في آخرين.
ورَوَى عنه سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعبد الوارث بن سعيد، والمثنى بن سعيد الضُّبَعيّ، وهمّام، والحمادان، وبِسْطام بن مسلم، وابن عُلَيّة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثبتٌ ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: معروف، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال رَوْح بن عُبَادة، عن شعبة: كنا نَكْنِيه أبا حماد، وبلغني أنه كان يُكْنَى أبا التياح، وهو صغير، وقال شعبة: قال أبو إسحاق: سمعت أبا إياس يقول: ما بالبصرة أحدٌ أحب إلي من أن ألقى الله تعالى بمثل عمله من أبي التّيّاح، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال الحاكم في "تاريخ نيسابور": ثقةٌ مأمونٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال مسلم بن الحجاج ﵀: مات بِسَرَخْس، وقال الترمذيّ، وعمرو بن عليّ: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال خليفة بن خياط: مات سنة ثلاثين، وقال ابن حبان: مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
стр. 3966
٥ - (مُطَرِّفُ (١) بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الشِّخِّير - بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة، بعدها تحتانيّة، ثم راءٌ - العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملتين مفتوحتين، ثم معجمة - أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وعثمان، وعليّ، وأبي ذرّ، وعمّار بن ياسر، وعِيَاض بن حِمَار، وعبد الله بن مغفل، وعثمان بن أبي العاص، وعمران بن حصين، وعائشة، ومعاوية، وأبي مسلم الْجَذْميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أخوه أبو العلاء يزيد، وابن أخيه الآخر عبد الله بن هانئ بن عبد الله بن الشِّخِّير، وحميد بن هلال، ويزيد الرِّشْك، وأبو نَضْرة، والحسن البصريّ، وغَيْلان بن جرير، وسعيد بن أبي هند، ومحمد بن واسع، وأبو التياح، وثابت البنانيّ، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة، وقال: رَوَى عن أُبَيّ بن كعب، وكان ثقةً ذا فضل ووَرَع وأدب، وقال العجليّ: كان ثقةً، ولم يَنْجُ بالبصرة من فتنة ابن الأشعث إلا مُطَرِّف، وابن سيرين، وقال العجليّ أيضًا: بصريّ ثقةٌ، من كبار التابعين، رجلٌ صالحٌ، وقال مهديّ بن ميمون، عن غيلان بن جرير: كان بينه وبين رجل كلام، فكَذَب عليه، فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبًا فأمته، فخَرّ مكانه ميتًا، وعن غيلان أن مطرفًا كان يلبس المطارف، ويركب الخيل، ويَغْشَى السلطان، ولكن إذا أفضيتَ إليه أفضيتَ إلى قُرّة عين، وقال يزيد بن عبد الله بن الشّخِّير: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، ومطرف أكبر مني - يعني بعشر سنين -، وقال ابن حبان في "الثقات": وُلِد في حياة النبيّ ﷺ ، وكان من عُبّاد أهل البصرة وزُهّادهم.
قال ابن سعد: تُوُفّي في أول ولاية الحجاج، وقال عمرو بن عليّ، والترمذيّ: مات سنة خمس وتسعين.
قال الحافظ ﵀: الأشبه من كلام ابن سعد أنه مات في آخر ولاية الحجاج، فلا مخالفة حينئذ بين ما قال ابن سعد وبين ما قال عمرو بن عليّ. انتهى.
стр. 3967
وذكر جماعة أنه مات في طاعون الجارف سنة سبع وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٦ - (ابْنُ الْمُغَفَّلِ) - بضمّ الميم، وفتح الغين المعجمة، والفاء المشدّدة المفتوحة - هو: عبد الله بن مُغَفَّل بن عبد نَهْم بن عَفِيف بن أسحم بن ربيعة بن عديّ بن ثعلبة بن ذُوَيب المزنيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن، سكن المدينة، ثم تحوَّل إلى البصرة، وهو من أصحاب الشجرة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعثمان، وعبد الله بن سالم، وعنه حميد بن هلال، وثابت البنانيّ، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومعاوية بن قرة، وعقبة بن صُهْبان، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن بُريدة، وابن له غير مُسَمّى يقال: اسمه يزيد، وغيرهم.
قال الحسن البصريّ: كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر، يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه.
قال البخاريّ: قال مسدد: مات بالبصرة سنة (٥٧)، وقال غيره: مات سنة (٦١)، وقال ابن عبد البرّ: سنة ستين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وشعبة، وإن كان واسطيًّا، إلا أنه نزل البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: أبي التيّاح، عن مُطرّف.
٥ - (ومنها): أن أبا التيّاح، ومطرّف، وابن مغفّل هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا جملة ما لهم فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
стр. 3968
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (ابْنِ الْمُغَفَّلِ) ﵁، وهو بصيغة اسم المفعول، و"أل" فيه للمح الوصفيّة، ويجوز حذفها، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كـ "الْفَضْلِ" وَ"الْحَارِثِ" وَ"النُّعْمَانِ" … فذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) سبب ذلك كما في "صحيح مسلم" عن ابن عبّاس، عن ميمونة ﵃ أن رسول الله ﷺ أصبح يومًا واجِمًا، فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ : "إن جبريل كان وَعَدني أن يلقاني الليلة، فلم يَلْقَني، أما والله ما أخلفني"، قال: فظلّ رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جِرْوُ كلبٍ تحت فُسْطاط لنا، فأَمَر به، فأُخرِج، ثم أَخَذ بيده ماءً، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: "قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة"، قال: أَجَلْ، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأَمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
وقيل: إنما أمر بذلك تغليظًا عليهم؛ لأنهم كانوا مُولَعِين به.
وقال القرطبيّ ﵀: إنما أمرهم بقتلها لَمّا كثُرت، وكثُر ضررها، ثم لَمّا قَتَلَ أكثرها، وذهب ضررها أنكر قتلها، وقال: "ما بالهم وبال الكلاب؟ "، ويَحْتَمِلُ أن يكون ذلك ليقطع عنهم عادة إِلْفهم لها؛ إذ كانوا قد أَلِفُوها، ولابسوها كثيرًا. انتهى.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟ ")، أي: ما حالهم وحالها؟، فـ "ما" استفهاميّة، وهو استفهام إنكار، وهو يحتمل أن يكون إنكارًا لاقتنائهم، وهو ظاهر هذه الرواية، وَيحْتَمِل أن يكون إنكارًا لقتلهم، ويؤيّده رواية أبي نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٣٣٥) بلفظ: "ما بالي وبال الكلاب؟ "، (ثُمَّ رَخَّصَ) أي سهّل ﷺ ، ويسّر، يقال: رَخَّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسّره، وسهّله (فِي كَلْبِ الصَّيْدِ)، أي في اقتناء كلب لأجل أن يصطاد به (وَكَلْبِ الْغَنَمِ)، أي وفي اقتناء كلب؛ لحِرَاسة الغنم، وفي الرواية التالية:
стр. 3969
"ورخّص في كلب الغنم، والصيد، والزرع"، (وَقَالَ) ﷺ ("إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ) من باب نفع، وشَرِبَ، ووَعَدَ، وورِثَ، ووَجِلَ، كما سبق بيان ذلك كلّه، أي شَرِبَ بطرف لسانه (فِي الْإِنَاءِ) هذا مبيّن أن ما تقدّم بلفظ: "في إناء أحدكم" بالإضافة غير معتبَر، كما حقّقناه في ما مضى (فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ) هذا ظاهرٌ في أنه ﷺ قال هذا بعد أن رخّص لهم في كلب الصيد والغنم، ففيه ردّ على من زعم من المالكيّة أن الكلب الذي أمر بغسل وُلُوغه غير المأذون فيه، كما سبق تحقيقه (وَعَفِّرُوهُ)، أي ادْلُكُوه، وهو: بتشديد الفاء، وتُخَفَّف، قال في "المصباح": الْعَفَر - بفتحتين -: وجه الأرض، ويُطلق على التراب، وَعَفَرتُ الإناء عَفْرًا، من باب ضَرَبَ: دَلَكتُهُ بالْعَفَر، فانعفر هو، واعتَفَرَ، وعَفَّرته بالتثقيل مبالغةٌ، فتعفّر ومعناه: مَرّغوه، وادْلُكوه بالتراب، وقال صاحب "المطالع": عَفِّروه: اغسلوه بالتراب، أي مع الماء (الثَّامِنَةَ) أي المرّة، أو الْغَسْلَة الثامنة، فهو منصوب على المصدريّة، كما تقدّم نظيره في الحديث الماضي (فِي التُّرَابِ") متعلّق بـ "عفّروه"، و"التُّرَاب": اسم جنس، لا يُثنّى، ولا يُجمع، وقال المبرّد: هو جمعٌ، واحدته تُرَابةٌ، قاله ابن الملقّن ﵀.
[فائدة]: "التراب" فيه لغات، قال في "القاموس"، و"شرحه" (١/ ١٥٧): التُّرْب - أي بضم، فسكون - والتُّرَاب، والتُّرْبة، والتَّرْبَاءُ كصَحْرَاء، والتُّرَبَاءُ، كنُفَسَاء، والتَّيْرَب، كصَيْقَلٍ، والتَّيْرَاب، بزيادة الألف، وتقديم الياء على الراء، والتَّوْرب، كجَوْهَر، والتَّوْرَاب، بزيادة الألف، والتَّرْيَبُ، كعَثْيَر، والتَّرِيب، كأَمِيرٍ، وجمع التُّرَاب أَتْرِبةٌ، وتِرْبان بالكسر، وحُكي الضمّ، ولم يُسمع لسائرها بجمع. انتهى.
وقال النوويّ ﵀ في "تهذيب الأسماء واللغات" (٣/ ٤٠ - ٤١): التراب معروفٌ، والصحيح المشهور الذي قاله الإمام الفرّاء، والمحقّقون: إنه اسم جنس لا يُثَنَّى، ولا يُجمع، ونَقَل أبو عمرو الزاهد في "شرح الفصيح" عن المبرّد أنه قال: هو جمع، واحدته تُرَابةٌ، والنسبة إلى التراب تُرَابيّ، وذكر أبو جعفر النحّاس في كتابه "صِنَاعة الكتاب" في التراب خمس عشرة لغةً، فقال: يقال: تُرَابٌ، وتَوْرَبٌ، يعني على مثال جَعْفَر، وتَوْرَابٌ، وتَيْرَبٌ - بفتح أولهما - والإِثْلِبُ، والأَثْلَبُ، الأول بكسر الهمزة واللام، والثاني بفتحهما، والثاء مثلّثةٌ
стр. 3970
فيهما، ومنه قولهم: بفيه الأَثْلَبُ، وهو الْكَثْكَثُ بفتح الكافين، وبالثاء المثلّثة المكرّرة، والْكِثْكِثُ بكسر الكافين، والدِّقْعِمُ بكسر الدال والعين، والدَّقْعَاءُ بفتح الدال والمدّ، والرَّغَامُ بفتح الراء والغين المعجمة، ومنه: أرغم الله تعالى أنفه، أي ألصقه بالزَغَام، وهو الْبَرَا مقصورًا مفتوح الباء الموحّدة، كالعَصَا، والْكِلْخِمُ بكسر الكاف، والخاء المعجمة، وإسكان اللام بينهما، والْكِمْلِخُ بكسر الكاف واللام، وإسكان الميم بينهما، والخاء أيضًا معجمة، والْعِثْيَرُ بكسر العين المهملة، وإسكان الثاء المثلّثة، وبعدها مثنّاةٌ من تحتُ مفتوحةٌ. انتهى.
وذكر ابن الملقّن ﵀ في "شرح العمدة" (١/ ٣١٦) أن للتراب نحو خمسين اسمًا، ذكرها مفصّلةً في كتابه "الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات"، لكن لم نجد ذلك الكتاب، والله تعالى أعلم.
وقد نظمت اللغات المذكورة هنا بقولي:
اعْلَمْ بِأَنَّ لِلتُّرَابِ سُمِعَا … مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي فَانْتَفِعَا
تُرَابٌ التُّرْبَةُ والتَّرْبَاءُ … جَا وَتَيْرَبٌ وَتُرَبَاءُ أُدْرِجَا
وَتَوْرَبٌ وَتَيْرَبٌ تَيْرَابُ … كَذَا تَرِيبٌ مَعَهُ تَوْرَابُ
ويُجْمَعُ التُّرَابُ بِالأَتْرِبَةِ … كَذَا بِتِرْبَانٍ بِغَيْرِ مِرْيَةِ
وَمِنْ لُغَاتِهِ الرَّغَامُ إِثْلِبُ … وَأَثْلَبٌ كَسْرًا وَفَتْحًا يَصْحَبُ
وَكِثْكِثٌ بِالْكَسْرِ وَافْتَحْ دِقْعِمُ … بِالْكَسْرِ وَالدَّقْعَاءُ فَتْحًا يُعْلَمُ
وَهْوَ الْبَرَا مِثْلُ الْعَصَا وَكِلْخِمُ … وَكِمْلِخٌ بِالْكَسْرِ أَيْضًا يُفْهَمُ
وَعِثْيَرٌ بِالْكَسْرِ قَدْ نَظَمْتُهَا … لِمَنْ أَرَادَ الضَّبْطَ قَدْ قَرَّبْتُهَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٧/ ٦٥٩ و ٦٦٠] (٢٨٠)، و (أبو
стр. 3971
داود) في "الطهارة" (٧٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٥٤ و ١٧٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٦٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٦ و ٥/ ٥٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٩٨)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٦٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٧٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٤٤ و ٥٤٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦٤٧) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده زيادة على ما سبق:
١ - (منها): وجوب غسلة ثامنة، وبه قال الحسن البصريّ من المتقدّمين، وأحمد بن حنبل في رواية حرب عنه، ونُقل عن الشافعيّ أنه قال: هو حديث لم أقف على صحّته، ولكن هذا لا يُثبت العذر لمن وقَفَ على صحّته، وقد ثبتت صحّته، قال الحافظ ابن منده لَمَّا أَخرجه: إسناده مجمع على صحّته (١).
وقد اعتذر بعض الشافعيّة عن العمل به بالإجماع على خلافه، وهو غير صحيح، فقد عرفت أنه مذهب الحسن، ونُقل عن أحمد بن حنبل، فأين الإجماع؟.
وأجاب البيهقيّ بترجيح رواية أبي هريرة ﵁؛ لأنه أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى.
وتُعُقّب بأن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ برواية عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ أولى؛ لأن فيها زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولأن العمل بها يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة ﵁ دون العكس، ولو سلكنا مسلك الترجيح في هذا الباب لم نقل بالتتريب أصلًا؛ لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به أخذًا بزيادة الثقة.
وذكر النوويّ في "شرحه" أن المراد: اغسلوه سبعًا، واحدة منهنّ بالتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسُمّيت ثامنةً.
стр. 3972
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن تأويل النوويّ تكلّف وتعسّفٌ، وعدول عن صريح الحديث دون دليل، وقد أجاد ابن دقيق العيد حيث قال: ومن لم يقُل به احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه. انتهى (١).
والحاصل أن القول بوجوب الغسلة الثامنة هو الحقّ؛ لوضوح دليله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): الأمر بقتل الكلاب، وكان ذلك في أول الأمر، ثم نُسِخ في غير الكلب الأسود والعقور، فقد أخرج مسلم أيضًا، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إِنّ المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نَهَى النبيّ ﷺ عن قتلها، وقال: "عليكم بالأسود البهيم، ذي النُّقْطتين، فإنه شيطان".
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "خمسٌ من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جُنَاح: الغُراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور"، رواه الجماعة، إلا الترمذيّ. وإذا جاز قتله للمحرم فغيره أولى.
٣ - (ومنها): تحريم اقتناء الكلب، قال النوويّ ﵀: قد اتّفق أصحابنا وغيرهم على أنه يحرُم اقتناء الكلب لغير حاجة، مثلُ أن يقتني كلبًا إعجابًا بصورته، أو للمفاخرة به، فهذا حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها، فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء، وهي الزرع، والماشية، والصيد وهذا جائز بلا خلاف.
قال: واختَلَف أصحابنا في اقتنائه لحراسة الدور والدُّروب، وفي اقتناء الْجِرْو لِيُعَلَّم، فمنهم من حَرَّمه؛ لأن الرخصة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة، ومنهم من أباحه، وهو الأصحّ؛ لأنه في معناها.
واختلفوا أيضا فيمن اقتَنَى كلب صيد، وهو رجل لا يصيد، والله أعلم (٢).
стр. 3973
٤ - (ومنها): اهتمام الشرع بإبعاد كلّ ما يحصل منه أذى للمسلمين عنهم، حيث أمر بقتل الكلاب؛ لأنها تؤذي المسلمين بترويعها، وعضّها، وتولّد داء الكلَبِ منها.
قال النوويّ ﵀: وأما الأمر بقتل الكلاب، فقال أصحابنا: إن كان الكلب عقورًا قُتِل، وإن لم يكن عقورًا لم يجز قتله، سواء كان فيه منفعة من المنافع المذكورة، أو لم يكن، قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: والأمر بقتل الكلاب منسوخ، قال: وقد صح أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بقتل الكلاب مرةً، ثم صح أنه نهى عن قتلها، قال: واستَقَرَّ الشرع عليه على التفصيل الذي ذكرناه، قال: وأمر بقتل الأسود البهيم، وكان هذا في الابتداء، وهو الآن منسوخ، هذا كلام إمام الحرمين، ولا مزيد على تحقيقه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه نسخ قتل الجميع الآن فيه نظر لا يخفى، فأين الدليل على ذلك؟ وسيأتي تمام البحث في "كتاب المساقاة" حيث يذكر المصنّف أحاديث قتل الكلاب هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): سماحة الشرع في محلّ الحرج، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فقد رخّص للأمة اقتناء الكلاب لضرورة الصيد والحراسة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ (٢) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ، حَدَّثنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - (ح)، وَحَدَّثَنِي (٣) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا
стр. 3974
الْإِسْنَادِ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَم، وَالصَّيْد، وَالزَّرْعِ"، وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المذكور قبل باب.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور قبل باب أيضًا.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن عبد الحميد القرشيّ الْبُسْريّ - بضمّ الموحّدة، وسكون السين المهملة - أبو عبد الله البصريّ الملقّب حمدان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠)، أو بعدها (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٨.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣/ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
[تنبيه]: رجال هذا الإسناد بصريّون، غير شيخه محمد بن حاتم، فإنه بغداديّ، مروزيّ الأصل.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لخالد بن الحارث، ويحيى القطان، ومحمد بن جعفر غُندر.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) يعني إسناد شعبة السابق، وهو: عن أبي التّيّاح، عن مطرِّف بن عبد الله، عن عبد الله المغفَّل ﵁.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إلخ) بنصب "غيرَ" على الاستثناء، وهي مضافة لما بعدها، كما قال في "الخلاصة":
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِـ "غَيْرٍ" مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِـ "إِلَّا" نُسِبَا
والمعنى أن يحيى بن سعيد القطّان زاد في روايته قوله: "وَرَخَّصَ فِي
стр. 3975
كَلْبِ الْغَنَم، وَالصَّيْد، وَالزَّرْعِ"، ولا يوجد ذكر "الزرع" في رواية خالد بن الحارث، ومحمد بن جعفر، وإنما هو في رواية يحيى القطّان فقط.
وقوله: (وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى) "ذَكَرَ" بفتح الذال، والكاف بصيغة الماضي، و"الزرعَ" منصوب على أنه مفعول مقدَّم، و"غيرُ" مرفوع على أنه فاعل مؤخّر، و"في الرواية" متعلّق بـ "ذَكَرَ".
ووقع في بعض النسخ بلفظ: "وَلَيْسَ ذِكْرُ الزَّرْعِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ يَحْيَى"، وعلى هذا فقوله: "ذِكْرُ" بكسر الذال، وسكون الكاف بصيغة المصدر، وهو اسم "ليس"، مضاف إلى "الزرع"، وقوله: "في رواية" متعلّق بخبر "ليس"، وهو مضاف إلى "غير يحيى"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية خالد التي أشار إليها المصنّف هنا أخرجها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٦٦) أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن أبي التّيّاح، قال: سمعت مُطَرِّفًا، عن عبد الله بن المغفل، أن رسول الله ﷺ أَمَر بقتل الكلاب، ورَخَّص في كلب الصيد والغنم، وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفِّروه الثامنة بالتراب". انتهى.
وأما رواية يحيى القطّان، بزيادة ذكر الزرع، التي أشار إليها المصنّف، فلم أجدها، وإنما أخرجها أبو داود في "سننه" بدونها، ونصّه:
(٦٧) حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثنا أبو التيّاح، عن مطرف، عن ابن مُغَفَّل أن رسول الله ﷺ أَمَر بقتل الكلاب، ثم قال: "ما لهم ولها؟ "، فرَخَّص في كلب الصيد، وفي كلب الغنم، وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفّروه بالتراب". انتهى (١).
وأما رواية محمد بن جعفر، فأخرجه أبو نعيم في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (١/ ٣٣٥)، فقال:
(٦٤٧) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حماد،
стр. 3976
ثنا محمد بن الوليد الْبُسْريّ، ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، ثنا أبو التيّاح، قال: سمعت مُطَرِّف بن عبد الله، يحدِّث عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالي وبال الكلاب؟ "، رَخَّصَ في كلب الصيد، وقال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات، وعَفِّروه بالتراب الثامنة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦١] (٢٨١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان".
والباقون تقدّموا قريبًا، فأما "يَحْيَى بْنُ يَحْيَى"، وهو: التميميّ النيسابوريّ فتقدّم في الباب الماضي، وأما الباقون فتقدّموا قبل باب، و"الليث" هو: ابن سعد الإمام المصريّ، و"أبو الزبير" هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس، و"جابر" هو: ابن عبد الله الأنصاريّ الصحابيّ ﵄.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف، وهو أعلى الأسانيد له، كما مرّ غير مرّة، وهو (٢٩) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين منهما، وإنما أفرد الثالث؛ لبيان اختلاف صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة
стр. 3977
التحمّل، فيحيى، ومحمد بن رُمح سمعاه بقراءة غيرهما على شيخهما الليث ابن سعد، فلذا قالا: أخبرنا الليث، وأما قُتيبة، فسمعه من لفظه مع جماعة، فلذا قال: حدّثنا الليث، فتفطّن لهذه الدقائق الإسناديّة، وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن رمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن هذا مما ثبت سماع أبي الزبير له من جابر ﵁؛ لأنه من رواية الليث عنه، وقد تقدّم أن الليث لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر ﵁، فلا يضرّه كونه مدلّسًا رواه بالعنعنة، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وقد تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله الأنصاريّ ﵄ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى) أي زجر، يقال: نهيته عن الشيء أَنهاه نَهْيًا، فانتهى عنه، ونَهَوْته نَهْوًا بالواو لغة، ونهى الله تعالى أي حرّم، قاله الفيّوميّ (١).
وفي "اللسان": النهي: خلاف الأمر، نهاه ينهاه نَهْيًا، فانتهى، وتناهى: كَفّ، أنشد سيبويه لزياد بن زيد الْعُذريّ [من الطويل]:
إِذَا مَا انْتَهَى عِلْمِي تَنَاهَيْتُ عِنْدَهُ … أَطَالَ فَأَمْلَى أَوْ تَنَاهَى فَأَقْصرَا
قال: نَهَوْته عن الأمر، بمعنى نهيته، قال: ويقال: إنه لأَمُورٌ بالمعروف، ونَهُوٌّ عن المنكر، على فَعُول. انتهى باختصار (٢).
(أَنْ) بالفتح مصدريّة (يُبَالَ) بالبناء للمفعول، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كـ"عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
أي عن البول (فِي الْمَاءِ) أصله مَوَهٌ بدليل تصغيره على مُوَيه، وتكسيره
стр. 3978
على أَمْوَاه، فقلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع حرفان خفيّان: الألف، والهمزة، فقُلبت الهاء همزةً، ولم تُقلب الألف؛ لأنها أُعلّت مرّةً، والعرب لا تجمع على الحرف إعلالين، ولهذا يُردّ إلى أصله في الجمع والتصغير، فيقال: مِيَاهٌ، ومُوَيهٌ، وقالوا أيضًا: أمواه، مثلُ باب وأبواب، وربّما قالوا: أمواء بالهمز، على لفظ الواحد، أفاده الفيّوميّ (١).
(الرَّاكِدِ") أي الساكن والواقف، فهو بمعنى قوله الآتي: "في الماء الدائم الذي لا يجري"، يقال: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا، من باب قَعَدَ: سَكَنَ، وأركدته: أسكنته، ورَكَدَت السفينة: وَقَفَت، فلا تَجري (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٨/ ٦٦١] (٢٨١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٤١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٤١ و/ ٣٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٧٤ و ٥٧٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن البول في الماء الراكد، والنهي هنا للتحريم؛ إذ هو الراجح عند جمهور المحقّقين من الأصوليين.
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ من مفهومه عدم تحريم البول في الماء الجاري، وإن كان الأولى تركه.
قال النوويّ ﵀ في "شرحه": وهذا النهي في بعض المياه للتحريم،
стр. 3979
وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه.
وإن كان قليلًا جاريًا، فقد قال جماعة من أصحابنا: يُكره، والمختار أنه يحرُم؛ لأنه يُقَذِّره، وينجِّسه على المشهور من مذهب الشافعيّ وغيره، وَيغُرّ غيره، فيستعمله مع أنه نجس، وإن كان الماء كثيرًا راكدًا، فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يَحرُم لم يكن بعيدًا، فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحقّقين، والأكثرين من أهل الأصول، وفيه من المعنى أنه يُقَذِّره، وربّما أدَّى إلى تنجيسه بالإجماع لتغيره، أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغَدِير الذي يتحرك بتحرك طرفه الآخر ينجس بوقوع نجس فيه.
وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم البول فيه؛ لأنه ينجسه، ويُتْلِف ماليته، ويَغُرّ غيره باستعماله، والله تعالى أعلم.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: والتغوُّط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذلك إذا بال في إناء، ثم صَبَّه في الماء، وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث يَجري إليه البول، فكله مذموم قبيح، منهيّ عنه على التفصيل المذكور، ولم يخالف في هذا أحد من العلماء إلا ما حُكِي عن داود بن علي الظاهريّ أن النهيَ مختصّ ببول الإنسان بنفسه، وأن الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء، وهو أقبح ما نُقِل عنه في الجمود على الظاهر، والله أعلم.
قال العلماء: ويكره البول والتغوّط بقرب الماء، وإن لم يَصِل إليه؛ لعموم نهي النبيّ ﷺ عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارّين بالماء، ولما يُخاف من وصوله إلى الماء، والله أعلم.
وأما انغماسُ مَن لم يَستَنْجِ في الماء ليستنجي فيه: فإن كان قليلًا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام؛ لما فيه من تلطيخه بالنجاسة، وتنجيسِ الماء. وإن كان كثيرًا لا ينجس بوقوع النجاسة فيه: فإن كان جاريًا فلا بأس
стр. 3980
به، وإن كان راكدًا فليس بحرام، ولا تظهر كراهته؛ لأنه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن. انتهى كلام النوويّ (١).
٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على نجاسة البول.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على عدم جواز الغسل والوضوء بالماء النجس.
٥ - (ومنها): بيان وجوب التنزّه من البول؛ لنجاسته، فلا يجوز استعمال ما خالطه من الماء وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٢] (٢٨٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة".
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"هِشَام" هو: ابن حسّان الْقُردوسيّ، و"ابْنُ سِيرِينَ" هو: محمد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ) بفتح اللام، وبنون التوكيد الثقيلة، وفي رواية همّام التالية: "لا تَبُل" بالخطاب (أَحَدُكُمْ) أيتها الأمّة، فيشمل الذكر والأنثى، وأَتَى بصيغة خطاب المذكّر؛ تغليبًا، ولا
стр. 3981
فرق في ذلك بين الذكر والأنثى (١). (فِي الْمَاءِ الدَّائِم) أي الساكن، قال الفيّوميّ ﵀: دام الشيءُ يدوم دَوْمًا، ودَوَامًا، ودَيْمُومةٌ: ثَبَتَ، ودام غَلَيَانُ القِدْر: سَكَنَ، ودام الماء في الْغَدِير أيضًا، قال: ودام يَدَامُ، من باب خاف يَخَافُ لغةٌ. انتهى (٢).
وفي "اللسان": دام الشيءُ يَدُوم، ويَدَام، قال [من الرجز]:
يَا مَيَّ لَا غَرْوَ وَلَا مَلَامَا … فِي الْحُبِّ إِنَّ الْحُبَّ لَنْ يَدَامَا
وقولهم: دِمْتَ تدوم بالكسر في الماضي، والضمّ في المضارع من تداخل اللغتين، كمِتّ تَمُوت، وفَضَلَ يَفْضُلُ، وحَضرَ يَحْضُر، والأصل دُمْتَ تَدُوم، كقُلت تقول، ودِمْتَ تَدَام، كخِفْت تَخَاف، ثم تركبت اللغتان. انتهى با ختصار وتصرّف (٣).
وقال العينيّ ﵀: أصل الدوام الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء الدائم إذا كان بمكان، فإنه يكون مستديرًا في الشكل، ويقال: الدائم الواقف الذي لا يجري. انتهى (٤).
وقال في "الفتح": قال ابن الأنباريّ: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب الرأس دَوَامٌ: أي دوار، وعلى هذا فقوله: "الذي لا يجري" صفة مخصصة لأحد معنيي المشترك، وقيلِ: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نَبْعٌ، والراكد الذي لا نبْعَ له. انتهى (٥).
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ) بالرفع على المشهور، وقال ابن مالك ﵀: يجوز الجزم عطفًا على "يبولن"؛ لأنه مجزوم الموضع بـ "لا" الناهية، ولكنه بُنِي على الفتح؛ لتوكيده بالنون، ومَنَعَ ذلك القرطبيّ، فقال: لو أراد النهي لقال: ثم لا يغتسلنّ، فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد، وهو الماء، قال: فعُدُوله عن ذلك يدُلّ على أنه لم يُرِد العطف، بل نَبّهَ على مآل الحال، والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يَحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله، ومَثَّلَه بقوله ﷺ : "لا يَضْرِبَنّ أحدكم امرأته ضربَ الأمة، ثم
стр. 3982
يضاجعها"، فإنه لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهي عن الضرب؛ لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب: ثم هو يغتسل منه.
وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يُعْطَف عليه نهيٌ آخر غير مؤكد؛ لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما مَعْنًى ليس للآخر.
قال القرطبيّ ﵀: ولا يجوز النصب؛ إذ لا تُضْمَر "أن" بعد "ثُمّ"، وأجازه ابن مالك ﵀ بإعطاء "ثُمّ" حكم الواو.
وتعقبه النوويّ بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما، وضعّفه ابنُ دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدُلّ على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر.
أي وهو حديث جابر ﵁، عن النبيّ ﷺ "أنه نَهَى عن البول في الماء الراكد" المذكور عند مسلم قبل هذا.
وما يأتي في الباب التالي من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب".
ورَوَى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد، ولفظه: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلْ فيه من الجنابة"، أفاده في "الفتح" (١).
وقوله: (مِنْهُ") أي من الماء الدائم، وهكذا هو في البخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، ووقع في رواية بلفظ: "فيه" بدل "منه" وكلٌّ من اللفظين يفيد حكمًا بالنصّ، وحكمًا بالاستنباط، قاله ابن دقيق العيد ﵀.
قال في "الفتح": ووجهه أن الرواية بلفظ "فيه" تدلّ على منع الانغماس بالنصّ، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ: "منه" بعكس ذلك، وكلّه مبنيّ على أن الماء ينجُس بملاقاة النجاسة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3983
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٨/ ٦٦٢ و ٦٦٣] (٢٨٢)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٣٨)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٦٩)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٦٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٤٩ و ١٩٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٩٩ و ٣٠٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٤١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٩ و ٢٦٥ و ٣٦٢ و ٤٩٢ و ٥٣٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٥١ و ١٢٥٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤ و ١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٧٩ و ٧٨٠ و ٧٨١ و ٧٨٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦٤٩ و ٦٥٠ و ٦٥١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٥٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثنَا محَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١): "لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِل مِنْهُ").
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد بعينه تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) قد تقدّم إيضاح التزام المصنّف ﵀ لهذه العبارة فيما يرويه من صحيفة همّام بن مُنبِّه، غير مرّة، فلا تغفل.
стр. 3984
وقوله: (لَا تَبُلْ) "لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، و"تبُل" بفتح أوله، مضارع بال، من باب قال.
وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه، وقيل: احتَرَزَ به عن راكد يَجري بعضه، كالْبِرَك، وقيل: احتَرَز به عن الماء الدائم؛ لأنه جارٍ من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر هذا القيد في حديث جابر ﵁ الماضي، بلفظ: "الراكد" بدل "الدائم"، وقال ابن الأنباريّ: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب الرأس دَوَامٌ، أي دوار، وعلى هذا فقوله: "الذي لا يَجرِي" صفةٌ مخصِّصةٌ لأحد معنيي المشترك، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نَبْعٌ، والراكد الذي لا نبع له (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٩) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاغْتِسَالِ في الْمَاءِ الرَّاكِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٤] (٢٨٣) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِر، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجّ، أَنَّ أَبَا السَّائِب، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُم فِي الْمَاءِ الدَّائِم، وَهُوَ جُنُبٌ"، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْإَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
стр. 3985
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التَّسْتُريّ، صدوق [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٦ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٧ - (أَبُو السَّائِب، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) هو: أبو السائب الأنصاريّ المدنيّ، مولى هشام بن زُهْرَة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زُهْرة، ويقال: مولى بني زُهْرة، ويقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص ﵃.
ورَوَى عنه العلاء بن عبد الرحمن، وصَيْفيّ مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشجّ، وغيرهم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ، مقبول النقل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووقع في "نوادر الأصول" في الأصل الثامن والستين أنه جُهَنِيّ، وأن اسمه عبد الله بن السائب. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٨٣) و (٣٩٥) و (٢٢٣٦) وأعاده بعده.
٨ - (أَبَو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 3986
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن له فيه ثلاثةً من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى أبي السائب، وهو والصحابيّ مدنيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن أبي السائب.
٤ - (ومنها): أن أبا السائب هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما له فيه من الأحاديث.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ) تقدّم أنه ابن عبد الله، فهو منسوب إلى جدّه (أَنَّ أَبَا السَّائِب، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) بضمّ الزاي، وسكون الهاء (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ)، أي الساكن (وَهُوَ جُنُبٌ")، جملة في محلّ نصب على الحال، قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: مادّة الجنابة دالّةٌ على البعد، وما يقاربه من المعنى، قال الشاعر [من الطويل]:
يَنَالُ نَدَاكَ الْمُعْتَفِي عَنْ جَنَابَةٍ … وَللْجَارِ حَظٌّ مِنْ نَدَاكَ سَمِينُ
أي يناله عن بُعد، وتجانب الرجلان: تباعد كلّ منهما عن صاحبه، والْجُنُبُ من الرجال: البعيد الغريب، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال الشاعر:
مَا ضرَّهَا لَوْ غَدَا لِحَاجَتِنَا … غَادٍ كَرِيمٌ أَوْ زَائِرٌ جُنُبُ
أي بعيد، وقد حُمِل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، فقيل: عن بُعُد، ويُثَنّى هذا ويُجمَعُ، فيقال: هما جنبان، وهم جنبون وأَجْناب، قالت الْخَنْسَاء:
стр. 3987
فَابْكِي أَخَاكِ لأَيْتَامٍ وَأَرْمَلَةٍ … وَابْكِي أَخَاكِ إِذَا جَاوَرْتِ أَجْنَابًا
وقيل: معنى تجنّب الرجلُ الشيء: أي جعله جانبًا وتركه، فقيل: من هذا يقال: رجل جُنُبٌ: أي أصابته جنابة، كأنه في جانب عن الطهارة.
والجنابة في عرف حملة الشرع تُطلَق على إنزال الماء، أو التقاء الختانين، أو ما يترتّب على ذلك.
قال أبو القاسم الراغب في "المفردات": وقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء الختانين، ثم قال: وسُمِّيت الجنابة بذلك؛ لكونها سببًا لتجنّب الصلاة في حكم الشرع. انتهى (١).
(فَقَالَ) السائب (كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ) أبو هريرة: ﵁ (يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا)، أي يغترف منه بالإناء اغترافًا، قال القرطبيّ ﵀: يعني أن يتناول منه، فيغتسل خارجه، ولا ينغمس فيه، وهذا كما قال مالك حيث سُئل عن نحو هذا، فقال: يحتال، وهذا كلّه محمول على غير المستبحر (٢)، وأما إذا كان كثيرًا مستبحرًا بحيث لا يتغيّر، فلا بأس به؛ إذ لم يتناوله الخبر، وللإجماع على أن الماء إذا كان بحيث لا تسري حركة المغتسل، أو المتوضّئ إلى جميع أطرافه، فإنه لا تضرّه النجاسة إذا لم تُغيّره، وهو أقصى ما فُرّق به بين القليل والكثير في المياه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: أقصى ما فرّق إلخ فيه نظر، بل الصواب أن أصحّ الفرق بين القلّة والكثرة هو ما جاء عن النبيّ ﷺ حيث قال: "إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث"، وفي لفظ: "لم ينجس"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الحاكم، وابن حبّان، وغيرهما، وقد استوفيت البحث فيه في "شرح النسائيّ" (٤)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3988
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ عنه هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٢٩/ ٦٦٤] (٢٨٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٩٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٥٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٥١ - ٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٧٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم.
٢ - (ومنها): أن النهي للتحريم؛ لأنه الأصل فيه عند محقّقي الأصوليين حتى يصرفه صارف إلى غيره، ولا حاجة إلى تكلّف بعضهم كالقاضي عياض لصرفه إلى التنزيه بكون النهي على طريق التنزّه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛ لأن هذا لا ينافي التحريم، بل كلّ مناهي الشرع تعود إلى هذا، كما هو ظاهر لمن تأمّله بالإنصاف.
٣ - (ومنها): أن تقييد الحكم بصفة كون الماء دائمًا، يُفهم منه مخالفة هذا الحكم عند كونه جاريًا، فيباح الاغتسال فيه، قال القاضي عياض ﵀: وقوله: "الماء الذي لا يجري" دليلٌ على أن الجاري بخلافه. انتهى (١).
٤ - (ومنها): هذا النهي عامّ بالنسبة إلى المغتسلين، فيدخل فيه المغتسل، وعلى بدنه أذى، والمغتسل، وليس على بدنه شيء، ويشمل أيضًا نوعي الجنابة: إنزال الماء، والتقاء الختانين، وعامّ أيضًا بالنسبة إلى الأَغسال المختلفة باختلاف نيّاتها، من غسلٍ ينوي فيه رفع الحدث، أو أداء فرض
стр. 3989
الغسل، أو استباحة الصلاة، أو استباحة ما لا يُستباح إلا بالغسل، فكلّه غسل عن الجنابة، قاله ابن دقيق العيد ﵀.
٥ - (ومنها): أن تقييده بكونه عن الجنابة يُخرج عنه ما ليس بغسل جنابة، كالغسل تبرّدًا وتنظّفًا، قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا قد يخدش في التعليل بالاستقذار والعِيَافة، فإن ذلك قد يحصل بمجرّد الاغتسال، وإن لم يكن عن جنابة، إلا أنها في الجنابة أقوى إن لم يتحقّق سلامة البدن من الأذى.
قال: ما ليس بغسل جنابة ينقسم قسمين:
أحدهما: ما لا يدخل في باب القرب، كما مثّلناه من التبرّد والتنظّف.
والثاني: ما هو داخل في باب القرب، كالأغسال المسنونة، مثلُ غسل العيدين، والكسوف، وغيرهما، فظاهر التقييد بغسل الجنابة يقتضي إباحة ذلك، ولكن فيه نظرٌ يختصّ به، وينفرد عن القسم الأول، وهو أداء العبادة. انتهى (١).
٦ - (ومنها): هل يتعدّى هذا الحكم إلى الوضوء حتى يكره أن يغمس المحدث أعضاءه في الماء الراكد للطهارة الصغرى؟.
أما من لا يقول بالقياس فلا شكّ أنه لا يُعَدّيه إليه، وأما من يقول به، فيُمكن أن يُعَدّيه بجامع الطهارة عن الحدث، إلا أن هذا ليس قياسًا في معنى الأصل، فيكون ملحقًا بفوائد الحديث، وليس أيضًا بقويّ؛ لأنه إن أخذ قياس شَبَه على ضعف قياس الشبه، فالاختلاف بين الحدث الأكبر والأصغر في الأحكام كثير يضعف ذلك القياس، وإن أخذ قياس علّة، فالعلّة المذكورة في هذا الحديث من الاستقذار والعِيَافة قد لا يساوي فيها الحدث الأصغر الحدثَ الأكبرَ، فيمتنع القياس؛ لفقدان شرطه، قاله ابن دقيق العيد ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن دقيق العيد في كلامه هذا أن قياس الوضوء على الاغتسال غير صحيح، فالأولى الاقتصار على الاغتسال، وهو تحقيق جيّد، والله تعالى أعلم.
стр. 3990
٧ - (ومنها): أنه استَدَلَّ أبو يوسف بهذا الحديث على تنجيس الماء المستعمل؛ لأن البول يُنَجِّس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نُهِي عنهما معًا، وهو للتحريم، فيدُلّ على النجاسة فيهما.
ورُدّ بأنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يَسلُبه الطهورية، ويزيد ذلك وضوحًا قوله في الرواية الآتية من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة ﵁: "كيف يفعلُ يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا"، فدَلّ على أن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يَصِير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابيّ أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طَهُور، قاله في "الفتح".
وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀: وقد استُدِلّ بالنهي عن الاغتسال في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلًا للتطهير؛ لأن النهي ها هنا عن مجرد الغسل، فدَلّ على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا الحكم؛ لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذِّر الماء كما يقذره الغسل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح كون الماء المستعمل طَهُورًا؛ لقوّة أدلّته، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الماء المستعمل:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في الوضوء والاغتسال بالماء المستعمل، فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء به. كان مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي لا يرون الوضوء بالماء الذي تُوُضِّئ به.
واختُلِف فيه عن الثوريّ، فحَكَى عنه الفاريابي أنه قال كقول هؤلاء، وحَكَى عنه الأشجعيُّ أنه قال: إذا نسيت أن تَمْسح برأسك، وقد توضأت، وفي لحيتك بَلَلٌ أجزأك أن تمسح مما في لحيتك أو يدك، وأن تأخذ ماءً لرأسك أحبّ إليّ.
стр. 3991
وقال أحمد في جنبٍ اغتسل في بئر فيها من الماء أقل من قلتين، قال: لا يجزيه قد أنجس ذلك الماء.
وقالت طائفة: لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل؛ لأنه ماء طاهر، وليس مع من أبطل الطهارة بهذا الماء حجة، وليس لأحد أن يتيمم وهو يجد الماء.
واحتَجَّ بعضُ مَن يقول بهذا القول بأَخْبَار رُويت عن عليّ، وابن عمر، وأبي أمامة، فيمن نسي مسح رأسه، أو وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل.
ثم أخرج ما نُقل عن هؤلاء بأسانيده، ثم قال: وكذلك قال عطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، والنخعيّ، ومكحول، والزهريّ، وهذا من قولهم يدلّ على طهارة الماء المستعمل، وعلى استعمال الماء المستعمل، وكان أبو ثور يقول: إن توضأ بالماء المستعمل الذي تَوَضّأ به أجزأه إذا كان نظيفًا.
قال ابن المنذر ﵀: ومن حجة مَن يرى الوضوء بالماء المستعمل قوله جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قال: فلا يجوز لأحد أن يتيمم، وماء طاهر موجود، وهذا يلزم من أوجب القول بظاهر الكتاب، وترك الخروج عن ظاهره.
واحتُجَّ في إثبات الطهارة للماء المستعمل بحديث جابر ﵁، قال: أَتَى رسول الله ﷺ يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصَبّ عليّ من وَضُوئه، متّفق عليه.
قال: فهذا الحديث يدل على طهارة الماء المتوضأ به.
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الرُّبَيِّع أن النبيّ ﷺ مَسَحَ رأسه من فضل ماء في يده، فبدأ بموخَّر رأسه إلى مقدمه، ثم جرّه إلى مؤخره.
قال ابن المنذر: فدَلّ هذا الحديث على مثل ما دل عليه الحديث الأول، فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه لو صَبّ ماء على وجهه أو ذراعيه، فسال ذلك عليه، وعلى ثيابه، أنه طاهر، وذلك أن ماء طاهرًا لاقى بدنًا طاهرًا، وكذلك في باب الوضوء ماءٌ طاهرٌ لاقى بدنًا طاهرًا، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر، وَجَب أن يَتَطَهَّر به من لا
стр. 3992
يجد السبيل إلى ماء غيره، ولا يتيمم، وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الصعيد الطيّب وَضُوء المسلم، ما لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء، فأَمْسِسه بشرتك" (١).
فأوجب الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ الوضوء بالماء، والاغتسال به على كل مَن كان واجدًا له ليس بمريض، وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قَطَر منه على ثيابهما طاهرٌ دليلٌ على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة يَرْجِع إليها مَن خالف القول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه.
واحتجُّوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم بما رُوي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه.
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا، بل مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال، فيبطل نفعه، ويوضِّح ذلك قولُ أبي هريرة: "يتناوله تناولًا"، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخصّ من الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدَّعَى خروج كل مستعمل عن الطَّهُورية.
وأجيب عن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا، ولو سُلِّم فالدليل أخص من الدعوى؛ لأن المدَّعَى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة، وأخرجه أحمد أيضًا، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضًا
стр. 3993
أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وصححه من حديثه بلفظ: اغتَسَلَ بعضُ أزواج النبيّ ﷺ في جَفْنَة، فجاء النبيّ ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يُجْنِب".
وأيضًا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال.
وأجيب عن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم، لا بما تساقط، بأنه لا يكون حجةً إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصريّ، والزهريّ، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فَنِي؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير، لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطَّهُورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لاسيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث: "خُلِق الماء طهورًا"، وحديث مسحه ﷺ رأسه بفضل ماء كان بيده، وغيرهما.
قال الجامع عفا الله عنه: ومن الأحاديث الدالّة على مذهب من قال بطهوريّة الماء المستعمل حديث صَبِّه ﷺ لوَضُوئه على جابر ﵁، وتقريره للصحابة على التبرك بوَضُوئه، متّفقٌ عليه.
ومنها: حديث أبي جحيفة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتي بوَضُوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضوئه، فيتمسحون به، متّفقٌ عليه.
وحديثُ أبي موسى ﵁ عنده أيضًا قال: دعا النبيّ ﷺ بقَدَح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجّ فيه، ثم قال لهما - يعني أبا موسى وبلالًا -: "اشْرَبَا منه، وأَفْرِغَا على وجوهكما ونُحوركما"، متّفقٌ عليه.
وحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: ذهبت بني خالتي إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِعٌ - أي مريض - فمسح رأسي، ودعا لي
стр. 3994
بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضوئه، ثم قمت خلف ظهره. . . الحديث، متّفق عليه.
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية
ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به ﷺ ، ولعل ذلك من خصائصه ﷺ .
قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه ﷺ ، وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يَقْضِي بالاختصاص، ولا دليل هنا، وأيضًا الحكم بكون الشيء نجسًا حكمٌ شرعيّ يَحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو؟، قاله الشوكانيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال القولُ بطهارة الماء المستعمل، وأنه تجوز الطهارة به؛ للأدلّة الواضحة الكثيرة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: نختم بها هذا الباب:
(اعلم): أن مما يتعلّق بهذا الباب من المسائل المهمّة ما أصدره مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربيّة السعودية من القرار تجاه المياه المتلوّثة بالنجاسات إذا عُولجت بواسط الوسائل الفنّيّة، ثم زالت منها النجاسة، فقد قرّر ما يلي:
قرارٌ رقم ٦٤ في ٢٥/ ١٠/ ١٣٩٨ هـ الآتي:
بعد البحث والمداولة والمناقشة قرّر المجلس ما يلي:
بناءً على ما ذَكَره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغيّر بنجاسة يطهر إذا زال تغيّره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيّره بطول مكث، أو تأثير الشمس، ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علّته.
وحيث إن المياه المتنجّسة يمكن التخلّص من نجاستها بعدّة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنّيّة الحديثة لأعمال التنقية يُعتبر من أحسن وسائل التطهير حيث يبذل الكثير من الأسباب المادّيّة لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرّره الخبراء المختصّون بذلك ممن لا يتطرّق الشكّ إليهم في عملهم وخِبْرتهم وتجاربهم.
стр. 3995
لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خِلْقتها الأولى، لا يُرى فيها تغيّر بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحيّة تنشأ عن استعمالها، فيمتنع ذلك؛ محافظة على النفس، وتفاديًا للضرر لا لنجاستها.
والمجلس إذ يقرّر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وُجِد إلى ذلك سبيل؛ احتياطًا للصحّة، واتّقاءً للضرر، وتنزّهًا عما تستقذره النفوس، وتنفر منه الطباع.
والله الموفّق، وصلى الله على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
انتهى قرار مجلس هيئة كبار العلماء، والله تعالى أعلم.
وأما مجلس مجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ فقد نظر في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟.
وبعد مراجعة المختصّين بالتنقية بالطرق الكيماويّة، وما قرّروه من أن التنقية تتمّ بإزالة النجاسة منه على مراحل أربع، وهي الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجهاسة أثرٌ في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون، عدولٌ، موثوق بصدقهم وأمانتهم.
قرّر المجمع ما يأتي: إن ماء المجاري إذا نُقّي بالطرق المذكورة وما يُماثلها، ولم يَبقَ للنجاسة أثر في طعمه، ولا في لونه، ولا في ريحه صار طَهُورًا، يجوز رفع الحدث، وإزالة النجاسة به؛ بناءً على القاعدة الفقهيّة التي تقرّر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثرٌ فيه، والله أعلم. انتهى قرار مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أجمع عليه المجلسان من طهارة ماء المجاري بعد المعالجة بالطرق الحديثة، بحيث لم يبق للنجاسة أثرٌ من طعم،