وقال أحمد في جنبٍ اغتسل في بئر فيها من الماء أقل من قلتين، قال: لا يجزيه قد أنجس ذلك الماء.
وقالت طائفة: لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل؛ لأنه ماء طاهر، وليس مع من أبطل الطهارة بهذا الماء حجة، وليس لأحد أن يتيمم وهو يجد الماء.
واحتَجَّ بعضُ مَن يقول بهذا القول بأَخْبَار رُويت عن عليّ، وابن عمر، وأبي أمامة، فيمن نسي مسح رأسه، أو وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل.
ثم أخرج ما نُقل عن هؤلاء بأسانيده، ثم قال: وكذلك قال عطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، والنخعيّ، ومكحول، والزهريّ، وهذا من قولهم يدلّ على طهارة الماء المستعمل، وعلى استعمال الماء المستعمل، وكان أبو ثور يقول: إن توضأ بالماء المستعمل الذي تَوَضّأ به أجزأه إذا كان نظيفًا.
قال ابن المنذر ﵀: ومن حجة مَن يرى الوضوء بالماء المستعمل قوله جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قال: فلا يجوز لأحد أن يتيمم، وماء طاهر موجود، وهذا يلزم من أوجب القول بظاهر الكتاب، وترك الخروج عن ظاهره.
واحتُجَّ في إثبات الطهارة للماء المستعمل بحديث جابر ﵁، قال: أَتَى رسول الله ﷺ يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصَبّ عليّ من وَضُوئه، متّفق عليه.
قال: فهذا الحديث يدل على طهارة الماء المتوضأ به.
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الرُّبَيِّع أن النبيّ ﷺ مَسَحَ رأسه من فضل ماء في يده، فبدأ بموخَّر رأسه إلى مقدمه، ثم جرّه إلى مؤخره.
قال ابن المنذر: فدَلّ هذا الحديث على مثل ما دل عليه الحديث الأول، فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه لو صَبّ ماء على وجهه أو ذراعيه، فسال ذلك عليه، وعلى ثيابه، أنه طاهر، وذلك أن ماء طاهرًا لاقى بدنًا طاهرًا، وكذلك في باب الوضوء ماءٌ طاهرٌ لاقى بدنًا طاهرًا، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر، وَجَب أن يَتَطَهَّر به من لا
стр. 3992
يجد السبيل إلى ماء غيره، ولا يتيمم، وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الصعيد الطيّب وَضُوء المسلم، ما لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء، فأَمْسِسه بشرتك" (١).
فأوجب الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ الوضوء بالماء، والاغتسال به على كل مَن كان واجدًا له ليس بمريض، وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قَطَر منه على ثيابهما طاهرٌ دليلٌ على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة يَرْجِع إليها مَن خالف القول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه.
واحتجُّوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم بما رُوي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه.
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا، بل مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال، فيبطل نفعه، ويوضِّح ذلك قولُ أبي هريرة: "يتناوله تناولًا"، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخصّ من الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدَّعَى خروج كل مستعمل عن الطَّهُورية.
وأجيب عن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا، ولو سُلِّم فالدليل أخص من الدعوى؛ لأن المدَّعَى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة، وأخرجه أحمد أيضًا، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضًا
стр. 3993
أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وصححه من حديثه بلفظ: اغتَسَلَ بعضُ أزواج النبيّ ﷺ في جَفْنَة، فجاء النبيّ ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يُجْنِب".
وأيضًا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال.
وأجيب عن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم، لا بما تساقط، بأنه لا يكون حجةً إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصريّ، والزهريّ، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فَنِي؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير، لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطَّهُورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لاسيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث: "خُلِق الماء طهورًا"، وحديث مسحه ﷺ رأسه بفضل ماء كان بيده، وغيرهما.
قال الجامع عفا الله عنه: ومن الأحاديث الدالّة على مذهب من قال بطهوريّة الماء المستعمل حديث صَبِّه ﷺ لوَضُوئه على جابر ﵁، وتقريره للصحابة على التبرك بوَضُوئه، متّفقٌ عليه.
ومنها: حديث أبي جحيفة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتي بوَضُوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضوئه، فيتمسحون به، متّفقٌ عليه.
وحديثُ أبي موسى ﵁ عنده أيضًا قال: دعا النبيّ ﷺ بقَدَح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجّ فيه، ثم قال لهما - يعني أبا موسى وبلالًا -: "اشْرَبَا منه، وأَفْرِغَا على وجوهكما ونُحوركما"، متّفقٌ عليه.
وحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: ذهبت بني خالتي إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِعٌ - أي مريض - فمسح رأسي، ودعا لي
стр. 3994
بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضوئه، ثم قمت خلف ظهره. . . الحديث، متّفق عليه.
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية
ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به ﷺ ، ولعل ذلك من خصائصه ﷺ .
قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه ﷺ ، وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يَقْضِي بالاختصاص، ولا دليل هنا، وأيضًا الحكم بكون الشيء نجسًا حكمٌ شرعيّ يَحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو؟، قاله الشوكانيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال القولُ بطهارة الماء المستعمل، وأنه تجوز الطهارة به؛ للأدلّة الواضحة الكثيرة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: نختم بها هذا الباب:
(اعلم): أن مما يتعلّق بهذا الباب من المسائل المهمّة ما أصدره مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربيّة السعودية من القرار تجاه المياه المتلوّثة بالنجاسات إذا عُولجت بواسط الوسائل الفنّيّة، ثم زالت منها النجاسة، فقد قرّر ما يلي:
قرارٌ رقم ٦٤ في ٢٥/ ١٠/ ١٣٩٨ هـ الآتي:
بعد البحث والمداولة والمناقشة قرّر المجلس ما يلي:
بناءً على ما ذَكَره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغيّر بنجاسة يطهر إذا زال تغيّره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيّره بطول مكث، أو تأثير الشمس، ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علّته.
وحيث إن المياه المتنجّسة يمكن التخلّص من نجاستها بعدّة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنّيّة الحديثة لأعمال التنقية يُعتبر من أحسن وسائل التطهير حيث يبذل الكثير من الأسباب المادّيّة لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرّره الخبراء المختصّون بذلك ممن لا يتطرّق الشكّ إليهم في عملهم وخِبْرتهم وتجاربهم.
стр. 3995
لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خِلْقتها الأولى، لا يُرى فيها تغيّر بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحيّة تنشأ عن استعمالها، فيمتنع ذلك؛ محافظة على النفس، وتفاديًا للضرر لا لنجاستها.
والمجلس إذ يقرّر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وُجِد إلى ذلك سبيل؛ احتياطًا للصحّة، واتّقاءً للضرر، وتنزّهًا عما تستقذره النفوس، وتنفر منه الطباع.
والله الموفّق، وصلى الله على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
انتهى قرار مجلس هيئة كبار العلماء، والله تعالى أعلم.
وأما مجلس مجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ فقد نظر في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟.
وبعد مراجعة المختصّين بالتنقية بالطرق الكيماويّة، وما قرّروه من أن التنقية تتمّ بإزالة النجاسة منه على مراحل أربع، وهي الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجهاسة أثرٌ في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون، عدولٌ، موثوق بصدقهم وأمانتهم.
قرّر المجمع ما يأتي: إن ماء المجاري إذا نُقّي بالطرق المذكورة وما يُماثلها، ولم يَبقَ للنجاسة أثر في طعمه، ولا في لونه، ولا في ريحه صار طَهُورًا، يجوز رفع الحدث، وإزالة النجاسة به؛ بناءً على القاعدة الفقهيّة التي تقرّر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثرٌ فيه، والله أعلم. انتهى قرار مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أجمع عليه المجلسان من طهارة ماء المجاري بعد المعالجة بالطرق الحديثة، بحيث لم يبق للنجاسة أثرٌ من طعم،
стр. 3996
أو لون، أو ريح تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، ينبغي الاعتماد عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٠) - (بَابُ وُجُوبِ غَسْلِ الْبَوْل، وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِذَا حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِد، وَأَن الأَرْضَ تُطَهَّرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَفْرِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٥] (٢٨٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، أَن أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِد، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ، وَلَا تُزْرِمُوهُ (١) "، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (مات سنة بضع ١٢٠) عن (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، خادم رسول الله ﷺ الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣)، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٠) من رباعيّات الكتاب.
стр. 3997
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فبغلانيّ نسبة إلى بَغْلان، قرية من قُرى بَلْخَ، وهو ممن دخل البصرة أيضًا للأخذ عن أهلها.
٤ - (ومنها): أن ثابتًا ممن لازم أنسًا ﵁، لازمه أربعين سنةً.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو الخادم المشهور خَدَم النبيّ ﷺ عشر سنين، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، وهو من المعمّرين، كما ذكرته آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة، أي رجلًا واحدًا من الأعراب، وهم: أهل البادية من العرب، أو من مواليهم، وهو مما يُفرّق بين واحده وبين اسم جنسه بالياء، كيهوديّ ويهود، ومجوسيّ ومجوس، وروميّ وروم.
وقال الفيّوميّ ﵀: الأعراب بالفتح: أهل البدو من العرب، الواحد أعرابيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحبَ نُجْعَة (١) وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بظَعْنهم، فهم أعراب، ومن نزلى بلاد الرِّيف، واستوطن الْمُدُن والقُرَى العربيّة وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصَحاء. انتهى (٢).
وقال ابن الملقّن ﵀: الأعرابيّ: الذي سكن البادية، وإن لم يكن من العرب، والعربيّ: منسوبٌ إلى العرب، وإن كان في الحضر، والعرب ولد إسماعيل ﵇، وإنما نُسب الأعراب إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة، كأنمار، كما قال في "الخلاصة":
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
стр. 3998
وقيل: لأنه لو نُسِب إلى العرب الواحد، وهو عرب لقيل عربيّ، فيشتبه المعنى، فإن العربيّ كلُّ من هو من ولد إسماعيل ﵇، كما تقدّم، سواء كان ساكنًا في البادية أَوْ لا، وهذا غير المعنى الأول. انتهى (١).
وزاد في رواية الترمذي من طريق ابن عيينة في أوله: أنه صَلّى، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبيّ ﷺ : "لقد تحجَّرت واسعًا"، فلم يلبث أن بال في المسجد. . .، وهي عند البخاريّ من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.
[تنبيه]: اسم هذا الأعرابيّ حُرْقُوص بن زُهير، ذو الْخُوَيصرة التميميّ، وقيل: عيينة بن حِصْن الْفَزَاريّ.
وقد رَوَى ابنُ ماجهْ، وابنُ حتان الحديث تامًّا، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وكذا رواه ابنُ ماجهْ أيضًا، من حديث واثلة بن الأسقع، وأخرجه أبو موسى المديني في "الصحابة"، من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، قال: اطَّلَعَ ذو الْخُوَيْصِرة - اليمانيّ، وكان رجلًا جافيًا، فذكره تامًّا بمعناه، وزيادةٍ، وهو مرسلٌ، وفي إسناده أيضًا مبهم بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهو عنده من طريق الأصمّ، عن أبي زرعة الدمشقيّ، عن أحمد بن خالد الوَهبيّ، عنه، وهو في جمع مسند ابن إسحاق لأبي زرعة الدمشقيّ، من طريق الشاميين عنه بهذا المسند، لكن قال في أوله: اظَلَع ذو الخويصرة التميميّ، وكان جافيًا، والتميميّ هو حُرْقُوص بن زُهَير الذي صار بعد ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليمانيّ، لكن له أصل أصيل، واستُفيد منه تسمية الأعرابيّ.
وحَكَى أبو بكر التاريخيّ، عن عبد الله بن نافع الْمُزنيّ أنه الأقرع بن حابس التميميّ، ونقل عن أبي الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن، والعلم عند الله تعالى، قاله في "الفتح" (٢).
стр. 3999
(بَالَ فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد الذهنيّ، وفي رواية يحيى بن سعيد التالية: "أن أعرابيًّا قام إلى ناحية المسجد، فبال فيها".
و"المسجد" بكسر الجيم، كالمجلِس، ويجوز فتحها: اسم لموضع السجود، وقيل: بالفتح اسم لمكان السجود، وبالكسر: اسم للموضع المتَّخذ مسجدًا، وحَكَى ابن مكيّ في "تثقيفه" عن غير واحد من أهل اللغة أنه يقال للمسجد مسْيِد بفتح الميم، وبالياء المكسورة بدل الجيم، وهو في الأصل لموضع السجود، ويُطلق في العرف على كلّ مكان مبنيّ للصلاة التي فيها السجود، قاله ابن الملقّن ﵀ (١).
(فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ) أي ليزجروه عن إتمام بوله، وفي رواية يحيى المذكورة: "فصاح به الناس"، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة الثالثة: "فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَهْ مَهْ"، وفي رواية للبخاريّ: "فتناوله الناس"، وفي رواية له: "فثار إليه الناس"، وللإسماعيليّ: "فأراد أصحابه أن يمنعوه"، فظهر بهذا أن تناوله كان بالألسنة، لا بالأيدي، قاله في "الفتح" (٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ) أي اتركوه، أمر من وَدَعَ يَدَعُ وَدْعًا: إذا ترك، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمّ حُذفت الواو، ثم فُتِحَ لمكان حرف الحلق، وقد تقدّم تمام البحث فيه (وَلَا تُزْرِمُوهُ") وفي نسخة بحذف العاطف، وهو بفتح التاء، وضمّها، ثلاثيًّا ورباعيًّا، قال في "القاموس": زَرِمَ بولُهُ، ودمعُهُ، وكلامُهُ: انقَطَعَ، كازْرَأَمَّ، وزَرَمَهُ يَزْرِمُهُ - أي من باب ضرب - وأزرمه، وزَرَّمه: قَطَعَهُ، وأزرمه: قطع عليه بوله. انتهى (٣).
والمعنى هنا: لا تقطعوا عليه بوله، وإنما أمرهم بتركه؛ لأنه كان شرع في المفسدة، فلو مُنِعَ لزادت؛ إذ حَصَل تلويث جزء من المسجد، فلو مُنِعَ لدار بين أمرين: إما أن يَقطعه، فيتضررَ، وإما أن لا يقطعه، فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد، قاله في "الفتح" (٤).
стр. 4000
(قَالَ) أنس ﵁ (فَلَمَّا فَرَغَ) أي انتهى من بوله (دَعَا) أي طلب النبيّ ﷺ ، و"دعا" يتعدّى إلى اثنين بنفسه، ويتعدّى إلى الثاني أيضًا بالباء، يقال: دعوت الولدَ زيدًا، وبزيد (١)، ولذلك قال: (بِدَلْوٍ) بفتح، فسكون، يذكّر، ويؤنّث، وهو الأكثر، قال الفيّوميّ ﵀: الدَّلْوُ تأنيثها أكثر، فيقال: هي الدلو، وفي التذكير يُصَغَّر على دُلَيّ، مثلُ فَلْسٍ وفُلَيس، وثلاثةُ أَدْلٍ، وفي التأنيث دُلَيّة بالهاء، وثلاثُ أَدْلٍ، وجمع الكثرة الدِّلاءُ، والدُّلِيُّ، والأصلُ فُعُولٌ، مثلُ فُلُوسٍ. انتهى (٢).
وقال في "اللسان": الدّلو: معروفةٌ، واحدة الدلاء التي يُستقى بها، تذكّر وتؤنّث، والتأنيث أكثر. انتهى باختصار (٣).
وقوله: (مِنْ مَاءٍ) متعلّقٌ بصفة لـ "دلو"، أي مملوء من ماء.
(فَصَبَّهُ) أي أمر النبيّ ﷺ بسكب ذلك الماء، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "دَعُوه، وهَرِيقوا على بوله سَجْلًا من ماء".
و"الصبّ": السكبُ، يقال: صَبَبتُ الماء، فانصبّ: أي سَكَبته، فانسكب، والماء ينصبّ من الجبل، أي ينحدر، قاله العينيّ (٤).
(عَلَيْهِ) أي على محلّ بوله، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية: "فلما فَرَغ أمر رسول الله ﷺ بذنوب، فصُبّ على بوله"، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة الثالثة: "فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنّه عليه".
وزاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة الآتية: "ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا الْقَذَر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن".
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "وهَرِيقوا سَجْلًا من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسّرين، ولم تُبعثوا معسّرين".
وقوله: "سَجْلًا" بفتح المهملة، وسكون الجيم، قال أبو حاتم السجستانيّ: هو الدلو مَلآى، ولا يقال لها ذلك، وهي فارغة، وقال ابن دُريد: السَّجْل دَلْوٌ واسعة، وفي "الصحاح": الدلو الضخمة.
стр. 4001
وقوله: "أو ذنوبًا" قال الخليل: الدلو ملآى ماءً، وقال ابن فارس: الدلو العظيمة، وقال ابن السِّكِّيت: فيها ماء قريب من الْمَلْء، ولا يقال لها، وهي فارغة ذنوب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنسل ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣٠/ ٦٦٥ و ٦٦٦] (٢٨٤) و [٣٠/ ٦٦٧] (٢٨٥)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢١٩ و ٢٢١) وفي "الأدب" (٦٠٢٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٨٠)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٤٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٤٧ و ٤٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٢٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٦٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٣٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٦٦٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٩٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٠ و ١١٤ و ١٦٧ و ١٩١ و ٢٢٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٣ و ٢٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٢ و ٤١٣ و ٤٢٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٦٥ و ٥٦٦ و ٥٦٧ و ٥٦٨ و ٥٦٩ و ٥٧٠ و ٥٧١)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٦٥٢ و ٦٥٣ و ٦٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نجاسة البول، قال النوويّ ﵀: وهو مجمع عليه بإجماع من يُعتدّ به، ولا فرق بين الكبير والصغير، إلا أن بول الصغير يكفي فيه النضح، ولم يُخالف في بول الصبيّ إلا داود الظاهريّ (١)، وسيأتي تحقيق المسألة في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
стр. 4002
٢ - (ومنها): بيان وجوب غسل البول.
٣ - (ومنها): بيان أن الاحتراز من النجاسة كان مُقَرَّرًا في نفوس الصحابة ﵃، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته ﷺ قبل استئذانه، ولمَا تَقَرَّر عندهم أيضًا من طلب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، قال ابن دقيق العيد ﵀: والذي يظهر أن التمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم لذلك؛ لأن علماء الأمصار ما بَرِحُوا يُفتُون بما بلغهم من غير توقف على البحث عن التخصيص، ولهذه القصة أيضًا؛ إذ لم يُنكر النبيّ ﷺ على الصحابة ﵃، ولم يقل لهم: لم نَهيتم الأعرابيّ، بل أمرهم بالكفّ عنه؛ للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفّهما؛ لقوله ﷺ : "دَعُوه"، قال العلماء: كان قوله ﷺ : "دَعُوه" لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرّر، وأصل التنجيس قد حَصلَ، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقامه في أثناء بوله لتنجّست ثيابه، وبدنه، ومواضع كثيرة من المسجد. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأمرهم عند فراغه بصبّ الماء.
٦ - (ومنها): تَعَيُّن الماء لإزالة النجاسة؛ لأن الجفاف بالريح أو الشمس لو كان يكفي لَمَا حَصَل التكليف بطلب الدلو.
٧ - (ومنها): أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرةٌ، وَيلْتَحق به غير الواقعة؛ لأن البِلَّةَ الباقية على الأرض غُسَالة نجاسة، فإذا لم يثبت أن
стр. 4003
التراب نُقِلَ، وعَلِمنا أن المقصود التطهير تَعَيَّن الحكم بطهارة البِلَّة، وإذا كانت طاهرة، فالمنفصلة أيضًا مثلها؛ لعدم الفارق، قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، ولأصحابنا فيها ثلاثة أوجه: أحدها أنها طاهرة، والثاني أنها نجسةٌ، والثالث إن انفصلت، وقد طهر المحلّ فهي طاهرة، وإن انفصلت، ولم يطهر المحلّ، فهي نجسةٌ، وهذا الثالث هو الصحيح، وهذا الخلاف إذا انفصلت غير متغيّرة، أما إذا انفصلت متغيّرةً، فهي نجسةٌ بإجماع المسلمين، سواء تغيّر طعمها، أو لونها، أو ريحها، وسواء كان التغيّر قليلًا أو كثيرًا. انتهى كلام النوويّ (٢)، وهو تفصيل حسنٌ، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أنه يُستَدَلُّ به أيضًا على عدم اشتراط نُضُوب الماء؛ لأنه لو اشتُرِط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يُشترط عصر الثوب؛ إذ لا فارق، قال الموفق ﵀ في "المغني" - بعد أن حَكَى الخلاف -: الأولى الحكم بالطهارة مطلقًا؛ لأن النبيّ ﷺ لم يَشترط في الصبّ على بول الأعرابي شيئًا. انتهى.
٩ - (ومنها): الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يَلزمه من غير تعنيف، ولا إيذاء، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيما إن كان ممن يُحتاج إلى استئلافه.
١٠ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الرأفة، وحسن الخلق، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة الآتية: "ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول. . ." الحديث، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن ماجه، وابن حبّان: "فقال الأعرابيّ بعد أن فَقِهَ في الإسلام: فقام إليَّ النبيّ ﷺ ، بأبي وأمي، فلم يُؤَنِّب، ولم يَسُبّ. . ." الحديث.
١١ - (ومنها): أن فيه تعظيمَ المسجد، وصيانته، وتنزيهه عن الأقذار، والقَذَى، والبصاق، ورفع الأصوات والخصومات، والبيع والشراء، وسائر العقود، وما في معنى ذلك، قاله النوويّ (٣).
стр. 4004
وقال في "الفتح": وظاهر الحصر في قوله: "إنما هي لذكر الله تعالى إلخ" أنه لا يجوز في المسجد شيء غيرُ ما ذُكِر من الصلاة، والقرآن، والذكر، لكن الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به، ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلافُ الأولى، والله تعالى أعلم (١).
١٢ - (ومنها): أن الأرض تُطَهَّر بصب الماء عليها، ولا يشترط حفرها، وهذا مذهب الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية، حيث قالوا: لا تطهر إلا بحفرها، كذا أطلق النوويّ وغيره، والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين ما إذا كانت رِخْوَةً بحيث يتخللها الماء حتى يَغْمُرها، فهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين ما إذا كانت صَلْبةً، فلا بُدّ من حفرها، وإلقاء التراب؛ لأن الماء لم يَغْمُر أعلاها وأسفلها، واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاثة طرق، أحدها موصول عن ابن مسعود، أخرجه الطحاويّ، لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان، أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، والآخر أخرجه سعيد بن منصور، من طريق طاوس، ورواتهما ثقات.
قال الحافظ: وهو يَلزَم مَن يَحتَجُّ بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتَضَدَ مطلقًا، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، وكان من أرسل إذا سَمَّى لا يُسَمِّي إلا ثقةً، وذلك مفقود في المرسَلَين المذكورين، على ما هو ظاهر من سنديهما. انتهى (٢).
١٣ - (ومنها): أن الماء إذا كان واردًا على النجاسة طهّرها، وقال القرطبيّ: فرّقت الشافعيّة بين وُرود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء؛ تمسّكًا بهذا الحديث، وقالوا: إذا كان الماء دون القلّتين، فحلّ به نجاسة تنجّس، وإن لم تُغيّره، وإن ورد ذلك القدر، فأقلّ على النجاسة، فأذهب عينها بقي الماء على طهارته، وأزال النجاسة، قال: وهذه مناقضة؛ إذ المخالطة حصلت في الصورتين، وتفريقهم بالورود فرقٌ صوريّ، ليس فيه من الفقه شيء، وليس الباب من باب التعبّدات، بل من باب عقليّة المعاني، فإنه
стр. 4005
من أبواب إزالة النجاسة وأحكامها، قال: ثم هذا كلّه منهم يردّه قوله ﷺ : "الماء طهورٌ لا يُنجّسه شيء إلا ما غيّر طعمه، أو لونه، أو ريحه".
قال ابن الملقّن: هذا الاستثناء ضعيف، ويقوّي الفرق الذي ذكروه قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يَغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده"، رواه مسلم، كما قرّرناه هناك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعيّة من الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه فرقٌ صحيحٌ، واستنباطه من هذا الحديث واضحٌ؛ لأنه ﷺ أمر بصبّ دلو من ماء على البول؛ ليُطهّره، وقد صحّ عنه منع المستيقظ من غمس يده في الماء قبل غسلها، حتى لا تفسده، فتبيّن بهذا أن ورود النجاسة على الماء غير وروده عليها، فاختلف حكمهما، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أن ابن الملقّن: استنبط من رواية أن هذا الأعرابيّ صلّى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا. . .، صحّة صلاة مدافع الأخبثين، قال: لأن الظاهر من حال من يبول عقب الصلاة أنه كان يدافعه، ويحتمل أنه سبقه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر النوويّ في "شرحه" بحثًا نفيسًا يتعلّق بقوله ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ، لَا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل، وَلَا الْقَذَر، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلَاة، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ"، في رواية إسحاق بن أبي طلحة الآتية.
قال ﵀: في هذا الفصل مسائل ينبغي أن أذكر أطرافًا منها مختصرةً:
(أحدها): أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدِث، فإن كان جلوسه لعبادة، من اعتكاف، أو قراءة علم، أو سماع موعظة، أو
стр. 4006
انتظار صلاة، أو نحو ذلك كان مستحبًّا، وإن لم يكن لشيء من ذلك كان مباحًا، وقال بعض أصحابنا: إنه مكروه، وهو ضعيف.
(الثانية): يجوز النوم عندنا في المسجد، نَصّ عليه الشافعيّ في "الأم"، قال ابن المنذر في "الإشراف": رَخَص في النوم في المسجد ابنُ المسيب، والحسن، وعطاء، والشافعيّ، وقال ابن عباس: لا تتخذوه مَرْقَدًا، ورُوي عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس، وقال الأوزاعيّ: يكره النوم في المسجد، وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر، وقال أحمد: إن كان مسافرًا، أو شبهه فلا بأس، وإن اتخذه مقيلًا، أو مبيتًا فلا، وهذا قول إسحاق، هذا ما حكاه ابن المنذر.
واحتَجَّ مَن جَوَّزه بنوم عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وأهل الصُّفَّة، والمرأة صاحبة الْوِشَاح، والغريبين، وثُمَامة بن أُثَال، وصفوان بن أمية، وغيرهم، وأحاديثهم في "الصحيح" مشهورة، والله تعالى أعلم.
ويجوز أن يُمَكَّن الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين، ويُمنَع من دخوله بغير إذن.
(الثالثة): قال ابن المنذر أباح كلُّ من يُحفَظ عنه العلم الوضوء في المسجد، إلا أن يتوضأ في مكان يَبُلّه، أو يتأذى الناس به، فإنه مكروه، ونقل الإمام أبو الحسن بن بَطّال المالكيّ هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وابن القاسم المالكيّ، وأكثر أهل العلم، وعن ابن سيرين، ومالك، وسحنون أنهم كرهوه تنزيهًا للمسجد، والله تعالى أعلم.
(الرابعة): قال جماعة من أصحابنا - الشافعيّة -: يكره إدخال البهائم، والمجانين، والصبيان الذين لا يميزون المسجد لغير حاجة مقصودة؛ لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد، ولا يَحرُم؛ لأن النبيّ ﷺ طاف على البعير، ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه ﷺ فَعَل ذلك بيانًا للجواز، أو ليَظْهَر؛ ليُقتَدَى به ﷺ . انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالكراهة فيه نظر؛ لأنه دليل عليه، ودعوى نجاسة بول البعير ونحوه غير صحيح، بل الراجح طهارته؛ لخبر قصّة العرنيين، وسيأتي تحقيق ذلك بعد ثلاثة أبواب - إن شاء الله تعالى -.
стр. 4007
(الخامسة): يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، وأما مَن على بدنه نجاسة، فإن خاف تنجيس المسجد لم يجز له الدخول، وإن أمن ذلك جاز، وأما إذا افتصد في المسجد، فإن كان في غير إناء فحرام، وإن قطر دمه في إناء فمكروه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحريم مبنيّ على نجاسة الدم الخارج من البدن، وهو محلّ خلاف، والراجح أنه طاهر، سوى دم الحيض، كما سيأتي تحقيق ذلك بعد بابين - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
قال: وإن بال في المسجد في إناء ففيه وجهان، أصحهما أنه حرام، والثاني مكروه.
(السادسة): يجوز الاستلقاء في المسجد، ومدّ الرجل، وتشبيك الأصابع، للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك (١)، من فعل رسول الله ﷺ .
(السابعة): يستحبّ استحبابًا مَتأكدًا كَنْسُ المسجد، وتنظيفه؛ للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢)، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٦٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأنصَارِيِّ (ح)، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنِ الدَّرَاوَرْدِيّ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ - الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، يَذْكُرُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِي الْمَسْجِد، فَبَالَ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ"، فَلَمَّا فَرَغَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَنُوبٍ، فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ).
стр. 4008
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ الزَّمِن [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النيسابوريّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظ، إمام قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِي) أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم، صدوقٌ، يُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأنصَارِيُّ) أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقيان تقدّما في المسند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣١) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (إِلَى نَاحِيَةٍ) أي جانب.
وقوله: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَنُوبٍ) بفتح الذال المعجمة، وزانُ رسولٌ: الدلو العظيمة، قالوا: ولا تُسمّى ذَنُوبًا حتى تكون مملوءة ماءً، وتذكّر وتؤنّث، فيقال: هو الذَّنُوب، وهي الذَّنُوب، وقال الزجّاج: مذكّر لا غير، وجمعه ذِنَابٌ، قاله الفيّوميّ (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: الذّنُوب بفتح الذال المعجمة، وضمّ النون، قال الشافعيّ في "المختصر": هو الدلو العظيم، وكذا قال غيره، زاد الأزهريّ: وهو دون الْغَرْب الذي يكون للسانية، ولا يُسمّى ذَنُوبًا حتى يكون مُلئ ماءً، ونقله النوويّ في "شرح المهذّب" عن الأكثرين، وجزم به في "شرح مسلم"، وقال ابن السّكّيت: هي التي فيها قريبٌ من الشك، وقال ابن داود من أصحابنا: إنه لا يُسمّى ذَنُوبًا ما لم يكن الحبل مشدُودًا فيه، وهو مذكّر، وقد
стр. 4009
يؤنّث، قاله ابن سِيده، والجمع في أدنى العدد أَذْنِبَة، والكثير ذِنَاب، مثلُ قَلُوص وقِلَاص. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٧] (٢٨٥) - (حَدَّثَنَا (٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاقَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِد، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَهْ، مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُزْرِمُوهُ، دَعُو"، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ، لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل، وَلَا الْقَذَر، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلَاة، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ"، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْم، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) هو: عمر بن يونس بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير؛ فضعيف، لاضطرابه [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل، نُسب لجدّه، الأنصاريُّ النَّجّاريُّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤].
стр. 4010
رَوَى عن أبيه، وأنس، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، والطفيل بن أبي بن كعب، وعلي بن يحيى بن خلاد الأنصاريّ، وأبي مُرّة مولى عَقِيل، وغيرهم.
ورَوى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأوزاعيّ، وابن جريج، ومالك، وهمام، وعبد العزيز الماجشون، وجماعة.
قال ابن معين: ثقة حجةٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وزاد أبو زرعة: وهو أشهر إخوته، وأكثرهم حديثًا، وقال محمد بن سعد عن الواقديّ: كان مالكٌ لا يُقَدِّم عليه في الحديث أحدًا، وتُوُفّي سنة (١٣٢)، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (٣٤)، وقيل: مات سنة ثلاثين، حكاه ابن الْحَذّاء في رجال "الموطأ"، وأفاد أن اسم أُمِّه أُمُّ سلمة بنت رفاعة بن رافع بن مالك بن الْعَجْلان، قال أبو داود: كان على الصُّوافِي باليمامة، وقال البخاري في "تاريخه الكبير": بَقِي باليمامة إلى زمن بني هاشم، وقال ابن حبان في "الثقات": كان ينزل في دار أبي طلحة، وكان مُقَدَّمًا في رواية الحديث، والإتقان فيه، وكناه اللالكائي أبا يحيى، وقيل: كنيته أبو نَجِيح.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
وقوله: (وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاقَ) الضمير لأنس ﵁، يعني أن أنسًا عمّ لإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أخو أبيه من أمّه.
وقوله: (مَهْ، مَهْ) قال القرطبيّ ﵀: هي: اسمٌ من أسماء الأفعال، بمعنى كُفَّ، وهي ساكنةُ الهاء، ويقال: بَهْ بَهَ بالباء بدل الميم، فإن وصلته نوَّنتَ مَهٍ مَهٍ، ويقال: مَهْمَهْتُ به: أي زجرته. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: هي كلمة زجر، ويقال: بَهْ بَهْ بالباء أيضًا، قال العلماء: هو اسم مبنيّ على السكون، معناه: اسكت، قال صاحب "المطالع": هي كلمة زجر، قيل: أصلها "ما هذا؟ "، ثم حذف تخفيفًا، قال: وتقال مكرَّرةً: مَهْ مَهْ، وتقال فَرْدةً: مَهْ، ومثله بَهْ بَهْ، وقال يعقوب: هي لتعظيم الأمر، كبَخْ بَخْ، وقد تنوّن مع الكسر، وينوّن الأول، ويكسر الثاني بغير تنوين. انتهى (٢).
стр. 4011
وقوله: (حَتَّى بَالَ) أي إلى أن انتهى من بوله.
وقوله: (لَا تَصْلُحُ) بفتح اللام، وضمّها، يقال: صَلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب قَعَدَ، وصَلاحًا أيضًا، وصَلحَ بالضمّ لغة، وهو خلاف فَسَدَ، وصَلَحَ يَصْلَحُ بفتحتين لغة ثالثةٌ، فهو صالحٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (وَلَا الْقَذَرِ) بفتحتين: الوَسخ، وهو مصدر قَذِرَ الشيءُ، فهو قَذِرٌ، من باب تَعِبَ إذا لم يكن نَظِيفًا، وقَذِرته، من باب تَعِبَ أيضًا، واستقذرته، وتقذّرته: كَرِهته لوسَخِه، وأقذرته بالألف وجدته كذلك (٢).
وقوله: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ، لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل، وَلَا الْقَذَرِ) قال القرطبيّ ﵀: فيه حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد، وتنزيهه عن الأقذار جملةً، فلا يُقصّ فيها شعرٌ، ولا ظفرٌ، ولا يتسوّك فيها؛ لأنه من باب إزالة القذر، ولا يُتوضّأ فيها، ولا يؤكل فيها طعامٌ منتن الرائحة إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: في منع إدخال الميت المسجد هذا فيه نظرٌ لا يخفى، فقد صحّ أن النبيّ ﷺ أدخله فيه، وصلّى عليه فيه، فقد أخرج المصنّف في "الجنائز" عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن عائشة أَمرت أن يُمَرّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأَنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء إلا في المسجد.
وقوله: "ولا يتسوّك فيه إلخ" هذا أيضًا خلاف الصواب، فقد ثبت أن النبيّ ﷺ أمر بالسواك عند كلّ صلاة، ومعلوم أن الصلاة لا تكون إلا في المسجد غالبًا، فالسواك مأمور به في المسجد.
ودعوى أنه من باب إزالة القذر غير صحيحة، بل هو من باب الطهارة؛ لقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم. . ." الحديث، وقد تقدّم الردّ على هذا القول في أبواب السواك، فارجع إليها تجد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم.
стр. 4012
وقوله: (إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلَاة، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) قال القرطبيّ ﵀: فيه حجة لمالك في أن المساجد لا يُفعل فيها شيء من أمور الدنيا، إلا أن تدعو ضرورة، أو حاجة إلى ذلك، فيتقدّر بقدر الحاجة فقط، كنوم الغريب فيه، وأكله. انتهى (١).
وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ )، "أو" هنا للشكّ من الراوي، وهذا هو الذي ينبغي للراوي بالمعنى، أو لمن شكّ في اللفظ المرويّ أن يأتي به؛ احتياطًا في الرواية، وخشية أن يكون الحديث مرويًّا بالمعنى، دون اللفظ، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَالَ" وَمَا … أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَا أَبْهَمَا
وقوله: (قَالَ: فَأَمَرَ إلخ) فاعل "قال" ضمير أنس ﵁.
وقوله: (فَشَنَّهُ عَلَيْهِ) يُرْوَى بالشين المعجمة، وبالمهملة، وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة، ومعناه: صَبّه، وفَرّق بعض العلماء بينهما، فقال: هو بالمهملة الصبّ في سهولة، وبالمعجمة التفريقُ في صبّه، قاله النوويّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣١) - (بَابُ حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيع، وَكَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٨] (٢٨٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْج النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَان، فَيُبَرِّكُ (٢) عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُّهُمْ، فَأَتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَيْه، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ).
стр. 4013
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنة (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام، والباقون كلهم كوفيّون.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: هشام، عن أبيه، ورواية الراوي عن خالته: عروة عن عائشة ﵂.
٦ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
стр. 4014
٧ - (ومنها): أن عائشة ﵂ أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ ﷺ إلا خديجة، ففيها خلاف مشهور، وهي من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ بدلٌ مما قبله، واستعمال الزوج للمرأة بلا هاء لغة فصيحة، قال الفيّوميّ ﵀: الرجل زوج المرأة، وهي زوجه أيضًا، هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو قوله : ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، والجمع فيهما أزواج، قال أبو حاتم: وأهل نجد يقولون في المرأة: زوجةٌ بالهاء، وأهل الحرم يتكلّمون بها، وعَكَسَ ابن السّكّيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زوج بغير هاء، وسائر العرب: زوجة بالهاء، وجمعها زوجات، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها؛ للإيضاح، وخوف لبس الذكر بالأنثى؛ إذ لو قيل: تَرِكةٌ فيها زوج وابن، لم يُعلَم أذكرٌ هو أم أنثى؟. انتهى (١).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ) بكسر الصاد، ويجوز ضمّها، كما في "الفتح" (٢)، جمع صبيّ، وهو: من لم يُفْطَم بَعْدُ، وفي "المحكم": من لدن يولد إلى الفطام، وجمعه أَصْبِيَةٌ، وأَصْبٍ، وصِبْوَةٌ - بالكسر، وصَبْيَةٌ - بالفتح - وصِبْيةٌ، وصِبْوانٌ، وصِبْيَانٌ، بكسر الثلاثة، وتُضمّ، أفاده في "القاموس"، و"شرحه" (٣).
(فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ)، وفي نسخة: "فيبارك عليهم": أي يدعو لهم بالبركة، قال في "القاموس": البركة محرَّكةً: النماءُ، والزيادة، والسعادة، والتبريك: الدعاء بها، وبَرِيكٌ: مبارَكٌ فيه، وبارك الله لك، وفيك، وعليك، وبارَكَكَ، وبارِكْ على محمد، وعلى آل محمد: أَدِم ما أعطيته من التشريف والكرامة،
стр. 4015
وتبارك الله: تقدّس، وتَنَزّه، صفةٌ خاصّةٌ بالله تعالى، وتبارك بالشيء: تفاءل به. انتهى (١).
وخَصَّ الصبيان بهذه الدعوة؛ لمناسبتها لأحوالهم، حيث إنهم في أول الأمر قابلون للزيادة، من حيث الجسم، والعقل، والحياة، وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
(وَيُحَنِّكُهُمْ) بتشديد النون، من التحنيك، قال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: التحنيك: أن يَمْضَغَ التمر، أو نحوه، ثم يَدْلُك به حَنَكَ الصغير، وفيه لغتان مشهورتان: حَنَكَهُ، وحَنَّكَهُ بالتخفيف والتشديد، والرواية هنا "فَيُحَنِّكُهم" بالتشديد، وهي أشهر اللغتين. انتهى (٢).
وقال المجد ﵀: الْحَنَك محرّكَةً: باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفل من طرف مُقَدَّم اللَّحْيَيْن، جمعه أَحْنَاك. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ ﵀: الْحَنَك من الإنسان وغيره مذكّرٌ، وجمعه أَحْناك، مثلُ سَبَب وأَسباب، حنكتُ الصبيَّ تحنيكًا: إذا مَضَغْتَ تمرًا ونحوه، ودَلَكت به حَنَكَهُ، وحَنَكْتهُ حَنْكًا، من بأبي ضرب وقَتَلَ كذلك، فهو مُحَنَّكٌ من المشدّد، ومَحْنُوكٌ من المخفّف (٤).
(فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، أي جيء إلى النبيّ ﷺ (بِصَبِيٍّ) قال الحافظ ﵀: يظهر لي أن المراد به ابنُ أم قيس المذكور بعده، ويحتمل أن يكون الحسن بن عليّ، أو الحسين ﵃، فقد رَوَى الطبرانيّ في "الأوسط" من حديث أم سلمة ﵂ بإسناد حسن، قالت: "بال الحسن، أو الحسين على بطن رسول الله ﷺ ، فتركه حتى قَضَى بوله، ثم دعا بماء، فصبَّه عليه"، ولأحمد عن أبي ليلى نحوه، ورواه الطحاويّ من طريقه، قال: "فجيء بالحسن"، ولم يتردد، وكذا للطبرانيّ عن أبي أُمامة.
قال: وإنما رجحت أنه غيره؛ لأن عند البخاريّ في "كتاب العقيقة" من
стр. 4016
طريق يحيى القطان، عن هشام بن عروة، أُتِي النبيّ ﷺ بصبي يحنكه، وفي قصته أنه بال على ثوبه، وأما في قصة الحسن، ففي حديث أبي ليلى، وأم سلمة أنه بال على بطنه ﷺ ، وفي حديث زينب بنت جحش، عند الطبرانيّ أنه جاء، وهو يحبو، والنبيّ ﷺ نائم، فصَعِدَ على بطنه، ووضع ذكره في سُرّته، فبال. . .، فذكر الحديث بتمامه، فظهرت التفرقة بينهما. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استظهره الحافظ حسن، إلا أن العينيّ اعترضه (٢)، على عادته المستمرّة، واستظهر ما جاء عند الدارقطنيّ من رواية الحجاج بن أرطاة أنه عبد الله بن الزبير ﵁، وهذا منه عجيب، كيف يعترض عليه برواية الحجاج المشهور بالضعف؟ وعلى تقدير صحّته فما وجه ترجيحه على ما ذكره الحافظ؟ إلا أن جملة الأمر أنه مغرم بالتعقّب البارد، والاعتراض الكاسد، والله تعالى المستعان.
(فَبَالَ) ذلك الصبيّ (عَلَيْهِ)، أي على النبيّ ﷺ (فَدَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ) بقطع الهمزة، من الإتباع، أي أتبع النبيّ ﷺ (بَوْلَهُ) أي بول ذلك الصبيّ الذي على ثوبه، وفي رواية ابن المنذر من طريق الثوريّ، عن هشام: "فصَبّ عليه الماء"، وللطحاويّ، من طريق زائدة المقفيّ، عن هشام: "فنضحه عليه" (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) فيه أن بول الصبيّ يكفي فيه النضح، ولا يجب غسله، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٣١/ ٦٦٨ و ٦٦٩ و ٦٧٠] (٢٨٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٢٢)، و"العقيقة" (٥٤٦٨)، و"الأدب" (٦٠٠٢)،
стр. 4017
و"الدعوات" (٦٣٥٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٥٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٢٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤٨٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٦٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٢ و ٢١٠ و ٢١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٧٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥١٥ و ٥١٦ و ٥١٧ و ٥١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٥٥ و ٦٥٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٩ و ٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نجاسة بول الصبيّ، وأنه يجب إزالته كسائر النجاسات.
قال في "الفتح": قال الخطّابيّ ﵀: ليس تجويز مَن جَوّز النضح من أجل أن بول الصبيّ غير نجس، ولكنه لتخفيف نجاسته. انتهى.
وأثبت الطحاويّ الخلاف، فقال: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام، وكذا جزم به ابن عبد البر، وابن بطال، ومن تبعهما عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، ولم يَعْرِف ذلك الشافعية، ولا الحنابلة، وقال النوويّ: هذه حكاية باطلة. انتهى.
قال الحافظ: وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم، وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان كيفيّة طهارة بوله، وهو صبّ الماء عليه، ولا يجب غسله.
٣ - (ومنها): بيان سهولة الشرع، وسماحته، حيث خفّف في تطهير بول الصبيّ بالنضح دون إيجاب غسله.
٤ - (ومنها): الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع، والرفق بالصغار وغيرهم.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من كمال الشفقة والرأفة، حيث
стр. 4018
كان يحمل الطفل، ويجعله على جسده الشريف، ويتلطّف به، حتى إن منهم من يبول عليه، فلا يتأثّر، ولا يتأذّى بذلك، بل يصبر عليه، وهذا ما بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﷺ .
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من محبّتهم لرسول الله ﷺ ، حيث يأتون بأطفالهم، رجاء بركته، ودعوته المباركة.
٧ - (ومنها): استحباب تحنيك الأطفال.
٨ - (ومنها): استحباب حمل الأطفال إلى أهل العلم والصلاح؛ ليدعوا لهم بالبركة والصلاح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة تطهير بول الغلام والجارية:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختَلَفَ أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: يُنضَح بولُ الغلام ما لم يأكل الطعام، ويُغسَل بول الجارية، رُوي هذا القول عن عليّ وأم سلمة، وعطاء، والحسن، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة: لا فرق بين بول الغلام والجارية في ذلك، هذا قول النخعيّ، وكان يرى أن يغسل ذلك، وبه قال سفيان في بول الغلام والجارية، قال: يُصَبّ عليه الماء، وكان أبو ثور يقول: يُغسَل بول الغلام والجارية، وإن ثبت حديث الرشّ عن النبيّ ﷺ كان الرشّ جائزًا في بول الغلام.
وقد رَوَينا عن الحسن، والنخعيّ قولًا ثالثًا، وهو أن الغلام والجارية يُنضَحان جميعًا ما لم يَطْعَما.
قال ابن المنذر: يجب رَشّ بول الغلام بحديث أم قيس، وغَسلُ بول الجارية. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: قد اختَلَف العلماء في كيفية طهارة بول الصبيّ والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا:
стр. 4019
الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبيّ، ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بُدّ من غسله كسائر النجاسات.
والثاني: أنه يكفي النضح فيهما.
والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهذان الوجهان حكاهما صاحب "التَّتِمّة" من أصحابنا وغيره، وهما شاذّان ضعيفان.
وممن قال بالفرق عليّ بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رَبَاح، والحسن البصريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وجماعة من السلف، وأصحاب الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك ﵃، ورُوي عن أبي حنيفة.
وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنهما، وأهل الكوفة، قال ابن دقيق العيد: اتبعوا في ذلك القياس، وقالوا: المراد بقولها: "ولم يغسله " أي غسلًا مبالغًا فيه، وهو خلاف الظاهر، ويُبعِده ما ورد في الأحاديث الأُخَرِ - يعني التي قدمناها من التفرقة بين بول الصبي والصبية - فإنهم لا يفرقون بينهما. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال العلماء، وأدلّتهم أن أرجح الأقوال هو القول بالفرق بين بول الغلام والجارية، فيرشّ بوله، ويُغسل بولها، لقوّة أدلّته.
واحتجّوا بحديثي عائشة، وأم قيس ﵄ المذكورين في الباب.
وبما أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذيّ بإسناد صحيح، عن أبي السمح ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "يُغسَلُ من بول الجارية، ويُرَشّ من بول الغلام".
ولفظه قال: كنت أخدُم النبيّ ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: "وَلِّني قفاك"، فأوليه قفاي، فأستره به، فأتِي بحسن أو حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: "يُغْسَل من بول الجارية، ويُرَشّ من بول الغلام".
فهذا الحديث الصحيح قد فرّق بين الغلام والجارية، فحكم على أن بوله
стр. 4020
يُرشّ، وبولها يُغسل، فتبيّن به أن الفرق بين بوليهما هو الحقّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهات]:
(الأول): قال النوويّ ﵀: هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبيّ، ولا خلاف في نجاسته، وقد نَقَل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبيّ، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهريّ، قال الخطابيّ وغيره: وليس تجويز مَن جَوّز النضح في الصبيّ من أجل أن بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، فهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشافعيّ وغيره أنهم قالوا: بول الصبيّ طاهر، فيُنضَح فحكاية باطلة قطعًا. انتهى (١).
(التنبيه الثاني): قال النوويّ ﵀ أيضًا: قد اختَلَف أصحابنا في حقيقة النّضح هنا:
فذهب الشيخ أبو محمد الجوينيّ، والقاضي حسين، والبغويّ إلى أن معناه أن الشيء الذي أصابه البول يُغْمَر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عُصِر لا يُعْصَر، قالوا: وإنما يخالف هذا غيره في أن غيره يُشتَرَط عصره على أحد الوجهين، وهذا لا يشترط بالاتفاق.
وذهب إمام الحرمين، والمحققون إلى أن النَّضْحَ أن يُغْمَر، ويُكاثَر بالماء مكاثرةً لا يَبلُغ جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يُشتَرط فيها أن يكون بحيث يَجري بعضُ الماء، ويتقاطر من المحلّ، وإن لم يُشتَرط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، ويدل عليه قولها: "فنضح، ولم يغسله"، وقوله: "فرَشَّه"، أي نَضَحه.
قال: ثم إن النضح إنما يُجزئ ما دام الصبيّ يَقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية، فإنه يجب الغسل بلا خلاف. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
стр. 4021
(التنبيه الثالث): قد تكلّم العلماء في الحكمة التي من أجلها حصل التفريق بين بول الغلام والجارية:
فقال بعضهم: إن بول الغلام يَخرُج من ثُقب ضيّق من قضيب ممتدّ، فيخرج بقوّة وشدّة دفع، فينتشر بوله، وتكثر الإصابة منه، فاقتضت الحكمة التخفيف من حكم نجاسته، وأما الجارية فيخرج بولها من ثقب فيه سعة، وبدون قضيب، فيستقرّ في مكان واحد، فيثبت على أصل نجاسة البول.
وقال بعضهم: إن الغلام فيه حرارة طبيعيّة زائدة على حرارة الجارية، وهو معلوم، وهذه الحرارة تخفّف فضلات الطعام، فإذا صادف أن الطعام خفيف أيضًا، وهو اللبن حصل من مجموع الأمرين خفّة النجاسة، بخلاف الجارية، فليس لديها هذه الحرارة الملطّفة، فتبقى على الأصل (١).
وقال بعضهم: سبب الفرق كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعمّ البلوى ببوله، فيشقّ غسله، لذلك.
وقال ابن دقيق العيد: وقد ذُكر في الفرق بينهما أوجهٌ، منها ما هو ركيك، وأقوى ذلك ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقّة، قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ركاكة هذه الأوجه كلها مما لا يخفى على بصير، فالأولى أن نكل علم الحكمة إلى الشارع الحكيم، فإننا نعلم بيقين أنه ما فرّق بين النوعين في الحكم المذكور إلا لحكمة تقتضي التفريق بينهما، ولا يلزمنا أن نعرف تلك الحكمة بالتعيين، فأحكام الله تعالى لا تكون إلا وفق مصلحة العباد، ولكن ربما تظهر، وربّما لا تظهر، فتنبّه، ولا تتكلّف ما لم تُكلَّف مما لا يَعنيك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4022
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِه، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (يَرْضَعُ) بفتح أوله، قال المجد ﵀: رَضَعَ الصبيّ أمَّهُ، كسَمِعَ، وضَرَبَ، ومنَعَ (١) رَضْعًا، ويُحرَّك، ورَضَاعًا، ورَضَاعةً، ويُكسران، ورَضِعًا، ككَتِفٍ، فهو راضعٌ، جمعه كرُكَّعٍ، ورَضِعٌ، ككَتِفٍ، جمعه كعُنُقٍ: امْتَصَّ ثَدْيَهَا. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: رَضِعَ الصبيُّ رَضَعًا، من باب تَعِبَ في لغة نَجْد، ورَضَعَ رَضْعًا، من باب ضَرَبَ لغة لأهل تِهَامة، وأهلُ مكة يتكلّمون بها، وبعضهم يقول: أصل المصدر من هذه اللغة كسرُ الضاد، وإنما السكون تخفيف، مثلُ الْحَلِفِ والْحَلْف، ورَضَعَ يَرْضَعُ بفتحتين لغة ثالثة رَضَاعًا ورَضَاعةً بفتح الراء. انتهى (٣).
وقوله: (فِي حِجْرِهِ) حِجْرُ الإنسان: بفتح الحاء المهملة، وقد تُكسَر، حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْح، وهو في حِجْره: أي كَنَفه، وحِمَايته، والجمع حُجُورٌ، قاله الفيّوميّ (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4023
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام السابق، وهو عن أبيه، عن عائشة ﵄.
وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن لفظ حديث عيسى بن يونس مثل لفظ حديث عبد الله بن نُمير، عن هشام بن عروة.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس التي أحالها المصنّف هنا على رواية ابن نمير لم أجد من أخرجها إلا أبا نعيم، فقد أخرجها في "مستخرجه" (١/ ٣٤٥) مقرونًا بوكيع، مختصرةً، فقال:
وحدثنا أبو أحمد، ثنا عبد الله، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عيسى بن يونس، ووكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "أُتِي النبيّ ﷺ بصبيّ رَضِيع، فبال في حَجْره، فدعا بماء، فصبَّه عليه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧١] (٢٨٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَوَضَعَتْهُ في حِجْرِه، فَبَالَ - قَالَ -: فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ).
стр. 4024
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجيبيّ المصريّ المذكور قبل بابين.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المذكور قبل بابين أيضًا.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المذكور قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ) الأسديةُ، أخت عكاشة، أسلمت بمكة قديمًا، وهاجرت إلى المدينة، رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وعنها مولاها عَدِيّ بن دينار، ومولاها آخر أبو الحسن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ووابصة بن مَعْبد الأسديّ، وأبو عبيدة بن عبد بن زَمْعَة، وعمرة أخت نافع مولى حَمْنة بنت شجاع، قال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسن، مولى أم قيس بنت مِحْصَن، عن أم قيس، أنها قالت: تُوُفّي ابني، فجَزِعتُ، فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله، فانطلق عكاشة إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بقولها، فتبسم، ثم قال: "طال عمرها"، فلا نعلم امرأة عُمِّرت ما عُمِّرت (١)، وذكر أبو القاسم الجوهريّ في "مسند الموطأ" أن اسمها آمنة.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره أربع مرات.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وابن ماجه.
стр. 4025
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، والليث فمصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله.
٥ - (ومنها): أن فيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّته ممن أقلّ من الرواية، فليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، مكرّرًا أربع مرّات، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ) بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الصاد المهملتين، قال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ: اسمها جُذَامة - يعني بالجيم والذال المعجمة - وقال السهيليّ: اسمها آمنة، وهي أخت عكاشة بن مِحْصن الأسديّ، وكانت من المهاجرات الأُوَل كما في الرواية الثالثة من طريق يونس، عن ابن شهاب، وليس لها في "الصحيحين" غيره، وغير حديث آخر في "كتاب الطب" (١)، وفي كل منهما قصةٌ لابنها. انتهى (٢).
قيل: اسمها آمنة (أنهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - بِابْنِ) لا يُطلق إلا على الذكر، بخلاف الولد، فإنه يعم الذكر والأنثى، وقوله: (لَهَا) متعلّق بصفة لـ "ابن"، ومات ابنها هذا في عهد النبي ﷺ ، وهو صغير، كما تقدّم قصة غسله بالماء البارد آنفًا، قال الحافظ: ولم أقف على تسميته. انتهى.
(لَمْ يَأكلِ الطَّعَامَ) جملة في محلّ جرّ صفة بعد صفة لـ "ابن"، أو في محلّ نصب على الحال منه.
قال في "الفتح": المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يَرتضعه، والتمر الذي يُحَنَّك به، والعسل الذي يُلْعَقه للمداواة وغيرها، فكأن المراد أنه لم يَحصل له الاغتذاء بغير اللبن علي الاستقلال.
هذا مقتضى كلام النوويّ في "شرح مسلم"، و"شرح المهذب"، وأَطلَق
стр. 4026
في "الروضة" تبعًا لأصلها أنه لم يَطْعَم ولم يَشْرَب غير اللبن، وقال في "نكت التنبيه": المراد أنه لم يأكل غير اللبن، وغير ما يُحَنَّك به، وما أشبهه، وحَمَل الموفق الحمويّ في "شرح التنبيه" قوله: "لم يأكل" على ظاهره، فقال: معناه لم يَستَقِلّ بجعل الطعام في فيه، والأول أظهر، وبه جزم الموفَّق ابن قُدَامة وغيره.
وقال ابن التين: يَحْتَمِل أنها أرادت أنه لم يَتَقَوَّت بالطعام، ولم يَستغن به عن الرضاع، ويَحْتَمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليحنكه ﷺ ، فيُحْمَل النفي على عمومه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الاحتمال الأول أرجح؛ ويؤيّده ما في قصّة الحسن ﵁، ففيه أنه "أتى إلى النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهو يَحْبُو، وهو ﷺ نائم، فصَعِدَ على بطنه، ووضع ذكره في سُرّته، فبال … " الحديث، فإنه في مثل هذا الوقت سبق له التحنيك بالتمر، ونحوه، مما جرت به العادة، فيدلّ على أن مثل ذلك من الطعام لا يضرّ، فيُنضح بوله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَوَضَعَتْهُ)، أي وضعت أم قيس ذلك الصبيّ (فِي حِجْرِهَ) أي حِضنه ﷺ ، وتقدّم في الحديث الماضي ضبطه، ومعناه (فَبَالَ) ذلك الصبيّ (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عبيد الله الراوي عن أم قيس، كما يدلّ عليه قوله الآتي: "قال عبيد الله: أخبرتني أن ابنها ذاك بال في حجر رسول الله ﷺ " (فَلَمْ يَزِدْ) ﷺ (عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ "على" أي على نضحه بالماء، أي رشّه عليه، قال الفيّوميّ: نَضَحتُ الثوب نَضْحًا، من باب ضربَ، ونَفَعَ، وهو الْبَل، والرّشّ، "ويُنْضَحُ من بول الغلام": أي يُرشُّ، ونَضحَ الفرسُ: عَرِقَ، ونَضَحَ الْعَرَقُ: خَرَجَ، وانتضح البول على الثوب: ترشّش. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": قال ابن سِيدَهْ: نَضَحَ الماءَ عليه يَنضَحُهُ نَضْحًا: إذا ضربه بشيء، فأصابه منه رَشَاشٌ، ونَضحَ عليه الماء: رَشَّ، وقال ابن الأعرابيّ: النَّضْحُ ما كان على اعتماد، والنضخ - بالخاء المعجمة - ما كان
стр. 4027
على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان بمعنى، وكلُّهُ رَشّ، وفي "الواعي" لأبي محمد، و"الصحاح" لأبي نصر، و"الْمُجْمَل" لابن فارس، و"الْجَمْهرة" لابن دُريد، وابن القوطية، وابن القطاع، وابن طَرِيف في "الأفعال"، والفارابي في "ديوان الأدب"، وكُرَاع في "المنتخب"، وغيرهم: النّضْحُ: الرّشّ (١).
والمعنى هنا: أنه ﷺ لم يزد على بول ذلك الصبيّ على الرشّ، بمعنى أنه لم يغسله غسلًا مبالغًا فيه، كما يدلّ عليه قوله الآتي: "ولم يغسله غسلًا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم قيس بنت مِحْصَنٍ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣١/ ٦٧١ و ٦٧٢ و ٦٧٣] (٢٨٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٢٣)، و"الطبّ" (٥٦٩٣)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٧٤)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٧١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٢٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٤)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٤٨٥ و ١٤٨٦ و ٢٠١٦٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥٥ و ٣٥٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٥ و ٢٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٧٣ و ١٣٧٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٣٩)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٤٣٥ و ٤٣٦ و ٤٣٨ و ٤٤٥ و ٤٤١ و ٤٤٢ و ٤٤٣ و ٤٤٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥١٩ و ٥٢٠ و ٥٢١ و ٥٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٥٧ و ٦٥٨ و ٦٥٩)، والله تعالى أعلم.
стр. 4028
وأما فوائد الحديث، وبيان مذاهب العلماء في حكم بول الصبيّ، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام النيسابوريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمامٌ، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) عن (٩٠) سنة (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ السابق، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس ﵂.
وقوله: (فَرَشَّهُ) قال في "القاموس": الرّشّ: نَفْضُ الماء، والدم، والدمع، كالتَّرْشَاش، والمطر القليل، جمعه رِشَاشٌ - أي بالكسر. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية ابن عيينة التي أحالها المصنّف: على الليث، أخرجها الترمذيّ في "جامعه"، فقال:
стр. 4029
(٦٦) حدثنا قتيبة، وأحمد بن منيع، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت مِحْصَن، قالت: دخلت بابن لي على النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء، فرَشَّه عليه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أمّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَن، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتي (٢) بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، أَحَدِ بَني أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أنَّهَا أتتْ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - بِابْنٍ لَهَا، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكلَ الطَّعَامَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِه، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيىَ) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المذكور قبل باب.
٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ) بضم، ففتح، جمع أُولى، أي
стр. 4030
النساء اللاتي سبقن غيرهنّ من النساء في الهجرة من مكة إلى المدينة فرَارًا بدينهنّ.
وقوله: (اللَّاتي)، وفي نسخة: "اللائي" بالهمزة بدل التاء، وهو لغة فيه، كما قال في "الخلاصة":
بِاللَّاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا … وَاللَّاءِ كَالَّذِينَ نَزْرًا وَقَعَا
وقوله: (بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -) من المبايعة، قال ابن الأثير ﵀: المبايعة على الإسلام: عبارة عن المعاقدة، والمعاهدة عليه، كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى (١).
وقوله: (وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ إلخ) هو بضمّ العين المهملة، وتشديد الكاف وتخفيفها، وهو الصحابيّ المشهور الذي قال للنبيّ ﷺ حين حدّث بالسبعين ألفًا من أمته الذين يدخلون الجنّة بغير حساب: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال ﵀: "أنت منهم"، فقام آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال ﷺ : "سبقك بها عكاشة"، وقد ضُرب بها المثل، فيقال للسابق في الأمر: سبقك بها عكاشة (٢)، قيل: اسْتُشهِد في قتال أهل الرّدّة، وقد تقدّم تمام ترجمته في "كتاب الإيمان" عند شرح هذا الحديث، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ) ببناء الفعلين للفاعل، تقدّم أن المراد به أنه لم يحصل له الاغتذاء استقلالًا بطعام غير اللبن.
وقوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا) قال في "الفتح": ادَّعَى الأصيليّ أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب، راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله: "فنَضَحَهُ"، قال: وكذلك رَوَى معمر، عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: "فَرَشَّه، لم يزد على ذلك". انتهى.
قال الحافظ: وليس في سياق معمر ما يدلّ على ما اذعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل: "ولم يغسله"،