في "الروضة" تبعًا لأصلها أنه لم يَطْعَم ولم يَشْرَب غير اللبن، وقال في "نكت التنبيه": المراد أنه لم يأكل غير اللبن، وغير ما يُحَنَّك به، وما أشبهه، وحَمَل الموفق الحمويّ في "شرح التنبيه" قوله: "لم يأكل" على ظاهره، فقال: معناه لم يَستَقِلّ بجعل الطعام في فيه، والأول أظهر، وبه جزم الموفَّق ابن قُدَامة وغيره.
وقال ابن التين: يَحْتَمِل أنها أرادت أنه لم يَتَقَوَّت بالطعام، ولم يَستغن به عن الرضاع، ويَحْتَمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليحنكه ﷺ ، فيُحْمَل النفي على عمومه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الاحتمال الأول أرجح؛ ويؤيّده ما في قصّة الحسن ﵁، ففيه أنه "أتى إلى النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهو يَحْبُو، وهو ﷺ نائم، فصَعِدَ على بطنه، ووضع ذكره في سُرّته، فبال … " الحديث، فإنه في مثل هذا الوقت سبق له التحنيك بالتمر، ونحوه، مما جرت به العادة، فيدلّ على أن مثل ذلك من الطعام لا يضرّ، فيُنضح بوله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَوَضَعَتْهُ)، أي وضعت أم قيس ذلك الصبيّ (فِي حِجْرِهَ) أي حِضنه ﷺ ، وتقدّم في الحديث الماضي ضبطه، ومعناه (فَبَالَ) ذلك الصبيّ (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عبيد الله الراوي عن أم قيس، كما يدلّ عليه قوله الآتي: "قال عبيد الله: أخبرتني أن ابنها ذاك بال في حجر رسول الله ﷺ " (فَلَمْ يَزِدْ) ﷺ (عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ "على" أي على نضحه بالماء، أي رشّه عليه، قال الفيّوميّ: نَضَحتُ الثوب نَضْحًا، من باب ضربَ، ونَفَعَ، وهو الْبَل، والرّشّ، "ويُنْضَحُ من بول الغلام": أي يُرشُّ، ونَضحَ الفرسُ: عَرِقَ، ونَضَحَ الْعَرَقُ: خَرَجَ، وانتضح البول على الثوب: ترشّش. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": قال ابن سِيدَهْ: نَضَحَ الماءَ عليه يَنضَحُهُ نَضْحًا: إذا ضربه بشيء، فأصابه منه رَشَاشٌ، ونَضحَ عليه الماء: رَشَّ، وقال ابن الأعرابيّ: النَّضْحُ ما كان على اعتماد، والنضخ - بالخاء المعجمة - ما كان
стр. 4027
على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان بمعنى، وكلُّهُ رَشّ، وفي "الواعي" لأبي محمد، و"الصحاح" لأبي نصر، و"الْمُجْمَل" لابن فارس، و"الْجَمْهرة" لابن دُريد، وابن القوطية، وابن القطاع، وابن طَرِيف في "الأفعال"، والفارابي في "ديوان الأدب"، وكُرَاع في "المنتخب"، وغيرهم: النّضْحُ: الرّشّ (١).
والمعنى هنا: أنه ﷺ لم يزد على بول ذلك الصبيّ على الرشّ، بمعنى أنه لم يغسله غسلًا مبالغًا فيه، كما يدلّ عليه قوله الآتي: "ولم يغسله غسلًا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم قيس بنت مِحْصَنٍ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣١/ ٦٧١ و ٦٧٢ و ٦٧٣] (٢٨٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٢٣)، و"الطبّ" (٥٦٩٣)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٧٤)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٧١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٢٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٤)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٤٨٥ و ١٤٨٦ و ٢٠١٦٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥٥ و ٣٥٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٥ و ٢٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٧٣ و ١٣٧٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٣٩)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٤٣٥ و ٤٣٦ و ٤٣٨ و ٤٤٥ و ٤٤١ و ٤٤٢ و ٤٤٣ و ٤٤٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥١٩ و ٥٢٠ و ٥٢١ و ٥٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٥٧ و ٦٥٨ و ٦٥٩)، والله تعالى أعلم.
стр. 4028
وأما فوائد الحديث، وبيان مذاهب العلماء في حكم بول الصبيّ، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام النيسابوريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمامٌ، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) عن (٩٠) سنة (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ السابق، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس ﵂.
وقوله: (فَرَشَّهُ) قال في "القاموس": الرّشّ: نَفْضُ الماء، والدم، والدمع، كالتَّرْشَاش، والمطر القليل، جمعه رِشَاشٌ - أي بالكسر. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية ابن عيينة التي أحالها المصنّف: على الليث، أخرجها الترمذيّ في "جامعه"، فقال:
стр. 4029
(٦٦) حدثنا قتيبة، وأحمد بن منيع، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت مِحْصَن، قالت: دخلت بابن لي على النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء، فرَشَّه عليه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أمّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَن، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتي (٢) بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، أَحَدِ بَني أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أنَّهَا أتتْ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - بِابْنٍ لَهَا، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكلَ الطَّعَامَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِه، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيىَ) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المذكور قبل باب.
٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ) بضم، ففتح، جمع أُولى، أي
стр. 4030
النساء اللاتي سبقن غيرهنّ من النساء في الهجرة من مكة إلى المدينة فرَارًا بدينهنّ.
وقوله: (اللَّاتي)، وفي نسخة: "اللائي" بالهمزة بدل التاء، وهو لغة فيه، كما قال في "الخلاصة":
بِاللَّاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا … وَاللَّاءِ كَالَّذِينَ نَزْرًا وَقَعَا
وقوله: (بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -) من المبايعة، قال ابن الأثير ﵀: المبايعة على الإسلام: عبارة عن المعاقدة، والمعاهدة عليه، كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى (١).
وقوله: (وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ إلخ) هو بضمّ العين المهملة، وتشديد الكاف وتخفيفها، وهو الصحابيّ المشهور الذي قال للنبيّ ﷺ حين حدّث بالسبعين ألفًا من أمته الذين يدخلون الجنّة بغير حساب: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال ﵀: "أنت منهم"، فقام آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال ﷺ : "سبقك بها عكاشة"، وقد ضُرب بها المثل، فيقال للسابق في الأمر: سبقك بها عكاشة (٢)، قيل: اسْتُشهِد في قتال أهل الرّدّة، وقد تقدّم تمام ترجمته في "كتاب الإيمان" عند شرح هذا الحديث، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ) ببناء الفعلين للفاعل، تقدّم أن المراد به أنه لم يحصل له الاغتذاء استقلالًا بطعام غير اللبن.
وقوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا) قال في "الفتح": ادَّعَى الأصيليّ أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب، راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله: "فنَضَحَهُ"، قال: وكذلك رَوَى معمر، عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: "فَرَشَّه، لم يزد على ذلك". انتهى.
قال الحافظ: وليس في سياق معمر ما يدلّ على ما اذعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل: "ولم يغسله"،
стр. 4031
وقد قالها مع مالك الليث، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، كلهم عن ابن شهاب، أخرجه ابن خزيمة، والإسماعيليّ، وغيرهما، من طريق ابن وهب، عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده.
نعم زاد معمر في روايته: قال: قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يُرَشَّ بول الصبيّ، ويُغْسَل بولُ الجارية، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك، ومن تبعه، لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها، فلا إدراج، وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره، وبَيّنّا أنها غير مخالفة لرواية مالك. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ غَسْلِ الْمَنيِّ مِنَ الثَّوْب، وَفَرْكِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٤] (٢٨٨) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَد، أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ، إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، فَإنْ لَمْ تَرَ (٢) نَضَحْتَ حَوْلَهُ، وَلَقَدْ (٣) رَأَيْتُنِي أفرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
стр. 4032
٢ - (خَالِد) بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازِل (١) البصريّ الْحَذّاء، ثقةٌ يُرسل، وتغير حفظه آخرًا [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٣ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُلَيب التّمِيميّ الْحَنْظليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن إبراهيم النخعيّ، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وفضيل بن عمرو الْفُقَيميّ.
ورَوَى عنه قتادة، وخالد الحذّاء، وسعيد بن أبي عروبة، ومنصور، ومغيرة، وهشام بن حسان، ويونس بن عبيد، وشعبة، وغيرهم من أقرانه، ومن دونه.
قال العجليّ: كان ثقةً في الحديث، قديمَ الموت، وقال أبو حاتم: صالح من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحبّ إلي من حماد بن أبي سليمان، وقال النسائيّ: ثقة، وقال ابن المدينيّ، وأبو جعفر السّبتيّ: ثقة، نقله ابن خَلْفُون، وقال ابن حبّان: وكان من الحفاظ المتقنين، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
قال ابن أبي عاصم: مات سنة عشرين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة تسع عشرة ومائة، وقال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وهذا يرجح أنه مات سنة عشرين.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢٨٨) وأعاده بعده، وحديث (٤٣٢): "ليلني منكم أولو الأحلام … "، و (٤٥٠): "لم أكن ليلة الجنّ مع رسول الله ﷺ … " الحديث.
٤ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٥ - (عَلْقَمَة) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٢] مات بعد الستّين، وقيل: بعد السبعين، تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
стр. 4033
٦ - (الْأَسْوَد) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن، مخضرمٌ، ثقةٌ مكثرٌ، فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥).
رَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وبلال، وعائشة، وأبي محذورة، وأبي موسى، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وأخوه عبد الرحمن، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعيّ، وعمارة بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بردة بن أبي موسى، ومُحارب بن دِثَار، وأشعث بن أبي الشَّعْثاء، وجماعة.
قال أبو طالب، عن أحمد: ثقةٌ من أهل الخير، وقال إسحاق، عن يحيى: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكر ابن أبي خيثمة أنه حَجّ مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، وقال الحكم: كان الأسود يصوم الدهر، وذهبت إحدى عينيه من الصوم، وذكره جماعة ممن صنف في الصحابة لإدراكه، وقال ابن سعد: سمع من معاذ بن جبل باليمن قبل أن يهاجر، ولم يرو عن عثمان شيئًا، وقال العجليّ: كوفيّ جاهليّ ثقةٌ رجل صالح، وذكره إبراهيم النخعيّ فيمن كان يفتي من أصحاب ابن مسعود، وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيهًا زاهدًا.
وقال أبو إسحاق: تُوُفي الأسود بن يزيد بالكوفة، سنة خمس وسبعين، وقال غيره: مات سنة (٧٤)، كذا قال ابن أبي شيبة في "تاريخه".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٢) حديثًا.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، و"يحيى بن يحيى" هو: التميميّ النيسابوريّ، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀، فهو من جملة الأسانيد النازلة له.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبو معشر، فما أخرج له البخاريّ، وابن ماجه.
стр. 4034
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أبي معشر، سوى عائشة، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين مخضرمين: إبراهيم، عن علقمة، والأسود، والأسود خاله، فإن أمه مُليكة بنت يزيد، أخت الأسود، وعلقمة عمّ أمه؛ لأنها بنت يزيد بن قيس أخي علقمة بن قيس، وتقدّم الكلام في عائشة ﵂ قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (وَالْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس، وهو ابن أخي علقمة، كما أسلفته آنفًا (أَنَّ رَجُلًا) هو الأسود نفسه؛ كما في رواية أبي عوانة في "مسنده"، قال: رأتني عائشة أغسل أثر جنابة أصابت ثوبي، قالت: "لقد رأيتني … ".
ويَحتمل أن يكون همّامَ بن الحارث؛ لما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عفّان بن مسلم، وبهز بن أسد، عن شعبة بسنده، عن همام بن الحارث، أنه كان نازلًا على عائشة، قال بهز: إن رجلًا من النَّخَع كان نازلًا على عائشة، فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة، وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه … الحديث.
ويحتمل أن يكون عبدَ الله بن شهاب الْخَوْلانيّ، كما يأتي التصريح به عند المصنّف آخر الباب (نزَلَ بِعَائِشَةَ) أي حلّ عندها ضيفًا، قال المجد ﵀: النُّزول: الْحُلُول، نَزَلَهُم، وبهم، وعليهم يَنْزِل نُزُولًا ومَنْزِلًا: حَلَّ. انتهى (١). (فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ) قال المجد ﵀: "أصبح": دخل في الصباح، وبمعنى صار. انتهى (٢). فجملة "يغسل" على الأول في محلّ نصب على الحال، وعلى الثاني خبر لـ"أصبح"؛ لأنها من أخوات "كان" ترفع الاسم، وتنصب الخبر (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ) أي يَكفيك، وهو بضمّ أوله وكسر ثالثه، من أجْزَأ الرباعيّ، ويجوز أن يكون بفتح أوله، من جَزَى ثلاثيًّا، لكن
стр. 4035
النسخ على الضبط الأول، ونصّ عليه النوويّ في "شرحه"، فيتعيّن، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَنْ رَأَيْتَهُ) يَحْتَمِل أن تكون أن بفتح الهمزة، مصدريّة، وأن تكون بكسرها شرطيّة، وهذا هو الذيّ نصّ عليه القرطبيّ ﵀، بأنه الرواية، فيتعيّن، ودونك عبارته: "أن رأيته" بفتح الهمزة روايتنا، ووجهها أنها مفعولة بإسقاط حرف الجرّ، تقديره: لأن رأيته، أو من أجل، وهو مع الفعل بتأويل المصدر، وكذلك قوله: (أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ) مفتوحة أيضًا على تأويل المصدر، وهو الفاعل بـ "يُجزئك". انتهى (١).
والضمير في "إن رأيته"، و"مكانه" يرجع إلى المنيّ الناشئ عن رؤيا النائم، كما بينته الروايات الأخرى.
(فَإنْ لَمْ تَرَ) بحذف المفعول؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
ووقع في نسخة: "فإن لِم تره"، أي إن لم تر المنيّ الذي أصاب ثوبك (نَضَحْتَ) من بابي ضرب، ونَفعَ، كما مضى قريبًا: أي رَشَشت الماء (حَوْلَهُ) أي في مكان الإصابة، وما في جوانبه، (وَلَقَدْ) وفي نسخة بحذف الواو (رَأَيْتُنِي)، أي رأيت نفسي (أفرُكُهُ) بضم الراء، يقال: فَرَكتُهُ عن الثوب فَرْكًا، من باب قَتَلَ، مثلُ حَتَتُّهُ، وهو أن تَحُكّه بيدك حتى يَتَفَتَّتَ، ويَتَقَشَّر، قاله الفيّوميّ (٢).
وجملة "أفرُكه" حال من الفاعل.
(مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا) منصوب على أنه مصدر مؤكّد، وفائدته - كما قيل - رفع احتمال المجاز (فَيُصَلِّي فِيهِ) الضمير للثوب الذي أصابه المنيّ، ونُظّف بالفرك، أي يصلّي النبيّ - صلي الله عليه وسلم - في ذلك الثوب الذي فَرَكت منه المنيّ، وقد اختَلَف العلماء في طهارة المنيّ، ونجاسته، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الرابعة، مع ترجيح القول بطهارته - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4036
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا بلفظ الفرك (١) من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣٢/ ٦٧٤ و ٦٧٥ و ٦٧٦ و ٦٧٧] (٢٨٨)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٧٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١١٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٥٦ و ١٥٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٣٧ و ٥٣٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥ و ٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٧٩ و ١٧٨٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٣٦ و ١٣٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٨ و ٥٠ و ٥١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥٢٤ و ٥٢٥ و ٥٢٦ و ٥٢٧)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٦٦٠ و ٦٦١ و ٦٦٢ و ٦٦٣ و ٦٦٤ و ٦٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٢):
١ - (منها): أنه استَدَلّ به من قال بطهارة المنيّ، وهو الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن السنّة هي الاقتصار على فرك يابس المنيّ، وغسل رطبه، كما بيّنَتْهُ روايات حديث الباب.
قال الإمام ابن حبّان في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما انصّه: كانت عائشة ﵂ تغسل المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان رطبًا؛ لأن فيه استطابةً للنفس، وتفرُكُهُ إذا كان يابسًا، فيُصلّي ﷺ فيه، فهكذا نقول، ونختار أن الرطب منه يُغسل لطيب النفس، لا أنه نجسٌ، وأن اليابس منه يُكتفى منه بالفرك اتّباعًا للسنّة. انتهى (٣).
стр. 4037
٣ - (ومنها): أن فيه خدمة المرأة زوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان يتعلّق بها، وهو من حسن العِشْرة، وجميل الصحبة.
٤ - (ومنها): أن المرأة الصالحة المتحبّبة إلى زوجها لا تأنَف، ولا تترفّع عن مثل هذه الأعمال من إزالة الأوساخ والفضلات من ثوب، أو بدن زوجها لما تعلمه من عِظَم قدر حقّه عليها.
٥ - (ومنها): أنه ينبغي نقلُ أحوال الشخص المقتدى به، وإن كان يُستحيى من ذكره في العادة للناس؛ ليقتدوا به.
٦ - (ومنها): العناية بإزالة المنيّ من الثوب، ونحوه، وسيأتي الخلاف هل هو للوجوب، أو للاستحباب، وهو الراجح - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلي الله عليه وسلم - من التقلّل من الحياة الدنيا ومتاعهما؛ إذ ثوب نومه هو ثوب صلاته، وخروجِه، وذلك كلُّه إرشاد منه ﷺ لأمته بعدم الرفاهية فيها والرغبة فيما عند الله تعالى من نعيم الجنة.
٨ - (ومنها): أن الخروج على الناس مع وجود آثار الأمور العاديّة من الأكل والشرب والجماع لا يُعتبر إخلالًا بفضيلة خصلة الحياء.
٩ - (ومنها): أنه استَدَلّ به جماعة على طهارة رطوبة فرج المرأة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة؛ لأن الاحتلام مستحيل في حقّه ﷺ على الأشبه، فتعيّن أن يكون المنيّ من جماع.
وتُعُقّب بأنه قد يكون خرج بمقدّمات الجماع، فسقط منه شيء على الثوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في طهارة المنيّ، ونجاسته:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في طهارة المنيّ، فأوجب طائفة غسله من الثوب، فممن غسله من ثوبه: عمر بن الخطاب، وأمر بغسله: جابر بن سمرة، وابن عمر، وعائشة، وابن المسيب.
وقال مالك: غَسْلُ الاحتلام من الثوب أمر واجب، مجمع عليه عندنا، وهذا على مذهب الأوزاعيّ، وهو قول الثوريّ، غير أنه يقول بمقدار الدرهم.
واحتجّ هؤلاء بحديث عائشة ﵂ قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ .
стр. 4038
وبما أخرجه أبو داود وغيره عن معاوية بن أبي سفيان قال: سألت أم حبيبة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم -: هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم إذا لم يَرَ فيه أذى.
وقالت طائفة: المني طاهر: لا يجب غسل الثوب منه، وقال بعضهم: يُفْرَك من الثوب، فممن كان يَرَى أنه يَفْرُك المنيّ من ثوبه سعد، وابن عمر، وقال ابن عباس: امسحه بإذخرة، أو خرقة، ولا تغسله إن شئت، ورُوي عنه أنه قال: هو كهيئة النخام، أو البزاق، أو المخاط، فَحُتَّه، أو امسحه بخرقة، وقال عطاء: أَمِطه بإذخرة، وقال ابن المسيب: إذا صليت، وفي ثوبك جنابة، فلا إعادة عليك.
وكان الشافعيّ يقول: المنيّ ليس بنجس، وبه قال أبو ثور، وقال أحمد: يُجزيه أن يفرُكه، وقال أصحاب الرأي في المنيّ يكون في الثوب، فيجفّ، فحَتَّه الرجل يُجزيه ذلك، وفي العَذِرة والدم لا يجزيه الْحَتّ، وهما في القياس سواءٌ، غير أنه جاء في المني أثرٌ، فأخذنا به.
واحتج الذين قالوا بالفرك بحديث عائشة ﵂ المذكور في الباب.
قال ابن المنذر ﵀: المنيّ طاهرٌ، ولا أعلم دلالةً من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، يوجب غسله. انتهى (١).
وقال في "الفتح": ليس بين حديث الغسل، وحديث الفرك تعارض؛ لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيّ بأن يُحْمَل الغسل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعيّ، وأحمد، وأصحاب الحديث.
وكذا الجمع ممكنًا على القول بنجاسته، بأن يُحمَل الغسل على ما كان رَطْبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية.
والطريقة الأولى أرجح؛ لأن فيها العمل بالخبر والقياس معًا؛ لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله، دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يَكتفون فيما لا يُعْفَى عنه من الدم بالفرك.
стр. 4039
ويرد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة، من طريق أخرى عن عائشة ﵂: "كانت تَسْلُت المنيّ من ثوبه بعِرْق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتَحُكّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه"، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين.
وأما مالك فلم يَعْرِف الفرك، وقال: إن العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات، وحديث الفرك حجةٌ عليهم، وحمل بعض أصحابه الفرك على الدلك بالماء.
وهو مردود بما في إحدى روايات مسلم عن عائشة: "لقد رأيتني، وإني لأُحكّه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري"، وبما صححه الترمذيّ من حديث هَمّام بن الحارث أن عائشة أنكرت على ضيفها غسله الثوب، فقالت: لِمَ أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، فربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي.
وقال بعضهم: الثوب الذي اكتَفَت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة.
وهو مردود أيضًا بما في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضًا: "لقد رأيتني أفرُكه من ثوب رسول الله ﷺ فَرْكًا، فيصلي فيه".
وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة: "أنها كانت تحكه من ثوبه ﷺ ، وهو يصلي".
وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك، فليس في حديث الباب ما يدلّ على نجاسة المنيّ؛ لأن غسلها فعلٌ، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده.
قال: وطَعَن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المنيّ بأن منيّ النبيّ - صلي الله عليه وسلم - طاهر دون غيره، كسائر فضلاته.
والجواب على تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيّه كان عن جماع، فيخالط منيّ المرأة، فلو كان مَنِيُّهًا نجسًا، لم يكتف فيه بالفرك.
وبهذا احتَجَّ الشيخ الموفق وغيره على طهارة رطوبة فرجها، قال: ومن قال: إن المنيّ لا يَسْلَم من المذي، فيتنجس به لم يصب؛ لأن الشهوة إذا
стр. 4040
اشتدّت خرج المني دون المذي والبول، كحالة الاحتلام. انتهى (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: الصحيح أن المنيّ طاهر، كما هو مذهب الشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وأما كون عائشة ﵂ تغسله تارةً من ثوب رسول الله ﷺ ، وتفركه تارةً، فهذا لا يقتضي تنجيسه، فإن الثوب يُغسل من المخاط، والبصاق، والوسخ، وهذا قاله غير واحد من الصحابة، كسعد بن أبي وقّاص، وابن عبّاس، وغيرهما ﵃: إنما هو بمنزلة البصاق، والمخاط، أَمِطه عنك ولو بإذخِرَة، وسواء كان الرجل مستنجيًا، أو مستجمرًا، فإن منيّه طاهرٌ، ومن قال: إن منيّ المستجمر نجسٌ؛ لملاقاته رأس الذكر، فقوله ضعيفٌ، فإن الصحابة ﵃ كان عامّتهم يستجمرون، ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا القليل جدًّا، بل الكثير منهم لا يَعرِف الاستنجاء، بل أنكروه، والحقّ ما هو عليه، ومع هذا فلم يأمر النبيّ - صلي الله عليه وسلم - أحدًا منهم بغسل المنيّ، ولا فركه. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان المذاهب، وأدلّتها في حكم المنيّ أن الصحيح مذهب من قال بطهارته؛ لقوّة حججه.
ومن الأدلّة على طهارته عدم مبادرة النبيّ - صلي الله عليه وسلم - إلى إزالته، وتركه حتى ييبس، وما ذلك إلا لطهارته؛ لأن المعروف من هديه ﷺ المبادرة في إزالة النجاسة، فقد أمر الصحابة ﵃ فور فراغ الأعرابيّ من بوله بصبّ الماء عليه، وبادر بنضح الماء على ثوبه فور بول الغلام الذي بال في حجره، وغير ذلك.
وقد أطلت البحث في تحقيقه في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]:
(الأول): أخرج البزّار، وأبو يعلى الموصليّ في "مسنديهما"، وابن عديّ في "الكامل"، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والعقيليّ في "الضعفاء"، وأبو نعيم في "الحلية" من حديث عمار بن ياسر ﵁ أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - مرّ بعمّار، فذكر قصّةً،
стр. 4041
وفيها: "إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول، والمنيّ، والمذيّ، والدم، والقيء، يا عمّار ما نُخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء"، وفيه ثابت بن حمّاد، عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، وضعّفه الجماعة المذكورون كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد، واتّهمه بعضهم بالوضع، وقال اللالكائيّ: أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزّار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث، وقال الطبرانيّ: تفرّد به ثابتُ بن حماد، ولا يُروَى عن عمار إلا بهذا السند، وقال البيهقيّ: هذا حديث باطلٌ، إنما رواه ثابت بن حماد، وهو متّهمٌ بالوضع.
قال الحافظ: رواه البزّار، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن زكريّا العجليّ، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، لكن إبراهيم ضعيفٌ، وقد غَلِط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد.
قال الجامع عفا الله عنه: وعليّ بن زيد أيضًا ضعيف.
(التنبيه الثاني): رُوي أنه ﷺ قال لعائشة ﵂ في المنيّ: "اغسليه رطبًا، وافرُكيه يابسًا"، قال ابن الجوزيّ في "التحقيق": هذا حديث لا يُعرَف بهذا السياق، وإنما نُقل أنها كانت تفعل ذلك، ورواه الدارقطنيّ، وأبو عوانة في "صحيحه"، وأبو بكر البزّار كلهم من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: "كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا"، وأعلّه البزّار بالإرسال عن عمرة (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن الأمر بغسل المنيّ لا أصل له، وكذا الأمر بحتّه، ضعيفٌ (٢)؛ لأنه مما تفرّد به أبو حذيفة، موسى بن مسعود النَّهْديّ، عن الثوريّ مخالفًا لرواية الحفّاظ عنه، فإنهم رووه من فعل عائشة ﵂، وليس أمرًا من النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وأبو حذيفة ضعيفٌ، فقد قال عنه أحمد: هو شبه لا شيء، كأن سفيان الذي يحدّث عنه أبو حذيفة ليس سفيان
стр. 4042
الذي يحدّث عنه الناس، وقال في "التقريب": صدوقٌ سيئ الحفظ، وكان يصحّف. انتهى (١).
ولا يقال: إنه من رجال البخاريّ؛ لأن البخاريّ ما أخرج له إلا أربعة أحاديث كلها متابعة (٢)، فمثله إذا خالف الحفّاظ لا يُلتفت إليه.
والحاصل أنه في هذا الحديث تبيّن ضعفه، فلا يصحّ الاحتجاج به، فتبصّر، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا (٣) أَبِي، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، وَهَمَّام، عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْمَنيّ، قَالَتْ: كُنْتُ أفرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النخعيّ، أبو حفص الكوفيّ، ثقة ربّما وَهِمَ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وابن إدريس، وأبي بكر بن عياش، وعَثّام بن عليّ، ومسكين بن بكير.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، ثم رويا، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ له بواسطة محمد بن أبي الحسين السُّمْنانيّ، وأحمد بن يوسف السُّلَميّ، وهارون الحمال، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وسليمان بن عبد الجبار، وعبد الله الدارميّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والعجليّ، وأبو زرعة: ثقة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال أبو داود: تبعته إلى منزله، ولم أسمع منه شيئًا.
стр. 4043
قال البخاريّ، وابن سعد: مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وزاد ابن سعد: في ربيع الأول.
أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٢ - (أَبُوهُ) هو: حفص بن غياث بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيهٌ تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة المشهور، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (هَمَّام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٨.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فِي الْمَنيِّ) أي بيان حكم المنيّ، وهو بفتح الميم، وكسر النون، وتشديد الياء: ماء خاثرٌ أبيض، يتولّد منه الولد، ويتكسّر الذكر بخروجه، ورائحته رائحة الطلع (١).
وقال في "القاموس": الْمَنِيّ كغَنِيّ، ويُخَفّف، والْمَنْيَةُ، كرَمْيَةٍ: ماءُ الرجل والمرأة، جمعه: مُنْيٌ، كقُفْلٍ، ومَنَى، وأَمْنَى، ومَنَّى: بمعنًى، واستمنى: طلب خروجه. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": المنيّ معروفٌ، ومَنَى يَمْنِي، من باب رَمَى، والْمَنِيّ فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والتخفيف لغةٌ، فيُعرَبُ إعراب المنقوص، وجمع المنيّ مُنْيٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد، لكنه أُلزِم الإسكان للتخفيف. انتهى (٣).
وقال بعضهم: سُمّي منيًّا؛ لأنه يُمنى، يقال: أمنى، ومَنَى بالتخفيف، ومنَّى بالتشديد، والأُولى أفصح، وبها جاء القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨].
وللمنيّ صفات يتميّز بها عن غيره، مما يخرج من القُبُل، قال
стр. 4044
النوويّ ﵀: فمنيّ الرجل في حال صحّته أبيض ثخين، يتدفّق في خروجه دفعة بعد دفعة، وَيَخرُج بشهوة، ويتلذّذ بخروجه، ثم إذا خرج يَعقُبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض، هذه صفاته، وقد يُفقد بعضها مع أنه منيّ موجب للغسل، بأن يَرِقّ، ويَصفَرّ لمرض، أو يخرُج بغير شهوة، ولا لذّة لاسترخاء وعائه، أو يحمرّ لكثرة جماعه، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دمًا عَبِيطًا، ويكون طاهرًا موجبًا للغسل.
وأما منيّ المرأة، فأصفر رقيقٌ، ولا خاصيّة له إلا التلذّذ، وفتور شهوتها عقب خروجه. انتهى (١).
وقال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده":
(٢٤٤٣٤) حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة، قالت: "كنت أراه على ثوب رسول الله ﷺ المنيّ، فأَحُكّه"، وقال يحيى مرة: فأفركه.
وقال أيضًا:
(٢٣٧٩٢) حدثنا عفان، وبَهْز، قالا: حدثنا شعبة، قال: الحكم أخبرني عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، أنه كان نازلًا على عائشة، قال بهز: إن رجلًا من النَّخَع كان نازلًا على عائشة، فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة، وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه، أو يغسل ثوبه، قال بهز: هكذا قال شعبة، فقالت: لقد رأيتني، وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (ح)، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
стр. 4045
حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ (ح)، وَحَدَّثَنِي ابْنُ حَاتِمٍ (٢)، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَمُغِيرَةَ، كُلُّ هَؤُلَاَءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، فِي حَتِّ الْمَنِيِّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ).
قال الجامع عفا الله عنه: جمع المصنّف ﵀ بالتحويلات خمسة أسانيد، كلها تلتقي على إبراهيم النخعيّ ﵀.
فأما الإسناد الأول: ففيه ثلاثة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (حَمَّادُ بْنَ زَيْدٍ) المذكور قبل بابين.
٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُرْدوسيّ المذكور قريبًا.
[تنبيه]: رواية حسّان هذه أخرجها النسائيّ في "سننه" بسند المصنّف، فقال:
(٢٩٨) أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "لقد رأيتني أفرُك الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ ".
وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" (٤/ ٢١٩) فقال:
(١٣٨٠) أخبرنا محمد بن علان بأَذَنَةَ، قال: حدثنا لُوَين، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "لقد رأيتني أفرك المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ فَرْكًا، وهو يصلي فيه". انتهى.
وأما الإسناد الثاني: ففيه أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور في الباب الماضي.
стр. 4046
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٣ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) هو: سعيد بن أبي عَرُوبة اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، مدلّس، واختلط [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ) يعني أن كلًّا من هشام بن حسّان، وسعيد بن أبي عروبة رويا هذا الحديث عن أبي معشر زياد بن كُليب المذكور في السند الأول.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة هذه أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٣٥٤٤) حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النَّخَعيّ، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ، فإذا رأيتَهُ فاغسله، وإلا فَرُشَّهُ.
وقال أيضًا:
(٢٤١٣٨) حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعيّ، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، أنها قالت: كنت أفرُكه من ثوب رسول الله ﷺ بيدي، فإذا رأيتَهُ فاغسله، فإن خَفِيَ عليك فارْشُشْه.
وأما الإسناد الثالث: ففيه ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (مُغِيرَة) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، يدلّس [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
[تنبيه]: رواية مغيرة هذه أخرجها الإمام ابن ماجه في "سننه"، بسند المصنّف، فقال:
стр. 4047
(٥٣٢) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ ، فأَحُتُّه عنه".
وأخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ١٧٥) فقال:
(٥٣٠) حدّثنا ابن مسعود المقدسيّ، قال: حدّثنا الهيثم بن جميل (ح)، وحدّثنا أبو أميّة، قال: ثنا مُعَلَّى قالا: ثنا هُشيم، قال: أنبأ مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "لقد رأيتني أَحُكّ المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ ، فأحتّه عنه". انتهى.
وأما الإسناد الرابع: ففيه أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبت حافظ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٤ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاع السابِريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩.
[تنبيه]: رواية واصل هذه أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٧٣) فقال:
(٥٢٤) حدثنا هلال بن العلاء، قال: ثنا عارم (ح)، وحدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قالا: ثنا مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: رأتني أم المؤمنين، قد غسلتُ أثر جنابة، أصابت ثوبي، فقالت: "لقد رأيتني، وإنه لفي ثوب رسول الله ﷺ ، فما أزيد على أن أفرُك به هكذا، فأدلُكَه".
(٥٢٥) حدثنا الزعفرانيّ، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا مهدي بن ميمون، قال: ثنا واصل الأحدب، عن إبراهيم النخعيّ، عن الأسود بن يزيد، قال: رأتني عائشة أغسل أثر جنابة أصابت ثوبي، قالت: "لقد رأيتني، وإنه ليصيب ثوب رسول الله ﷺ ، وما أزيد على أن أفرُك به هكذا".
стр. 4048
وأما الإسناد الخامس: ففيه خمسة:
١ - (ابْنُ حَاتِمٍ) هو محمد بن حاتم المذكور قبله.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للتشيّع [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٨.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الْهَمدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (وَمُغِيرَة) هو ابن مقسم المذكور قبله.
[تنبيه]: رواية إسرائيل عن منصور وحده (١) أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٣٤٨) فقال:
(٦٦٤) وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا مِهْران بن هارون، ثنا عباس الدُّوريّ، ثنا الحسن بن عطية، ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يصلي فيه".
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ إلخ) يعني أبا معشر، ومغيرة، وواصلًا الأحدب، ومنصورًا أربعتهم رووه عن إبراهيم النخعيّ إلخ.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ) يعني لفظ حديث هؤلاء الأربعة بمعنى حديث خالد الحذّاء، عن أبي معشر الذي ساقه في أول الباب، وقد عرفت أحاديثهم بما ذكرته في التنبيهات التي ذكرتها عقب كلّ سند، من الأسانيد المحوّلة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4049
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الماضي، ومنصور هو ابن المعتمر، وهمّام: هو ابن الحارث المذكور في ثاني سند الباب.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه أخرجها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٢٩٦) أخبرنا الحسين بن حريث، أنبأنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة ﵂، قالت: "كنت أفرُكه من ثوب النبيّ - صلي الله عليه وسلم -"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٨] (٢٨٩) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَألتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ ثَوْبَ الرَّجُل، أَيَغْسِلُهُ أَمْ يَغْسِلُ الثَّوْبَ؟ (١) فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - كَانَ يَغْسِلُ المنيَّ، ثم يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْب، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ) بن مِهْرَان الْجَزَريّ، أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، الرَّقّيّ، أمه أم عبد الله بنت سعيد بن جبير، ثقةٌ فاضل [٦].
стр. 4050
رَوَى عن أبيه، وسليمان بن يسار، والشعبيّ، وأبي قلابة، ونافع مولى ابن عُمر، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والزهريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وابن أخيه بَزِيع الرَّقّيّ، وابن أخيه أيضًا عبد الحميد بن عبد الحميد بن ميمون، والد أبي الحسن عبد الملك الميمونيّ، ومحمد بن إسحاق، وهو من أقرانه، والثوريّ، وزهير بن معاوية، وابن المبارك، ويزيد بن زريع، وأبو معاوية، ويحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن بشر، وبشر بن المفضَّل، ويزيد بن هارون، وآخرون.
قال الميموني: قال لي أحمد: جدك عمرو بن ميمون، ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن خِرَاش شيخ صدوق، وقال ابن سعد: كان ثقةً - إن شاء الله تعالى - وقال الميمونيّ: سمعت أبي يصف عمرو بن ميمون بالقرآن والنحو، قال: وحدّثنا أبي، قال: ما سمعت عمرًا يَغتاب أحدًا قط، قال: وسمعته يقول: لو علمت أنه بَقِي عليَّ حرفٌ من السنة باليمن لأتيتها.
حَكَى البخاريّ، عن موسى بن عُمَر بن عَمْرو بن ميمون أنّ جدّه مات سنة (٤٧)، وقال أبو الحسن الميمونيّ: أظنه مات سنة (٤٨). قال: وسمعت أبي يقول: وَجَّه ميمون بن مِهْران عمرًا إلى عمر بن عبد العزيز يَستعفيه من ولاية الجزيرة، فلم يُعفه وولَّى عمرًا البريد، قال: وقال أبي: مات بالكوفة، وقال هلال بن العلاء: مات بالرّقّة، وقال خليفة، والواقديّ، وغيرهما: مات سنة خمس وأربعين ومائة، وفيها أَرّخه ابن حبان لَمّا ذكره في "الثقات"، ووَثَّقه النسائيّ، وابن نمير، وغيرهما.
أخرج له الجماعة، وله عند البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ هذا الحديث فقط، وعند أبي داود حديثان، هذا وحديث في الحج، وعند ابن ماجه ثلاثة أحاديث، هذا وحديث في الطلاق، وحديث في الأضاحي.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقةٌ فاضلٌ، فقيهٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى اعلم.
стр. 4051
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
٤ - (ومنها): أن عمرو بن ميمون الجزريّ لا رواية له عند المصنّف إلا في هذا الموضع، من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا ما أسلفته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن من يسمّى بعمرو بن ميمون في الكتب الستّة اثنان:
[أحدهما]: هذا المترجم هنا.
[والثاني]: عمرو بن ميمون الأوديّ، أبو عبد الله، أو أبو يحيى الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه عابد مكثر من الرواية، مات سنة (٧٤) أو بعدها، وقد تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١١/ ١٥٢، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الْجَزريّ، أنه (قَالَ: سَألتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنِ الْمَنِيِّ) أي حكم المنيّ، وقد سبق قبل حديث بيان ضبطه، ومعناه، فلا تنس، وقوله: (يُصِيبُ ثَوْبَ الرَّجُلِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ لوقوعها بعد معرفة، أو في محلّ جرّ صفة لـ "المنيّ" على تقدير "أل" جنسيّة؛ إذ المعرّف بها بمنزلة النكرة، وهذا مثل قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
فجملة "يسبّني" تحتمل الوجهين، وقد مرّ البحث في هذا فلا تنس نصيبك منه.
(أَيَغْسِلُهُ) أي المنيّ الذي أصاب الثوب (أَمْ) وفي نسخة: "أو" (يَغْسِلُ الثَّوْبَ؟) معنى كلامه أنه سأل: هل المشروع غسل المنيّ فقط؛ للنظافة، أم غسل الثوب الذي أصابه؛ لكونه نجسًا؟ (فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) وفي رواية
стр. 4052
للبخاريّ من طريق يزيد بن هارون (١)، عن عمرو بن ميمون: قال: "سمعت عائشة .... "، وفي رواية له من طريق عبد الواحد، عن عمرو: "سألت عائشة عن المنيّ … ".
قال في "الفتح": فيه رَدٌّ على البزار حيث زَعَم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة، على أن البزار مسبوق بهذه الدعوى، فقد حكاه الشافعيّ في "الأم" عن غيره، وزاد أن الحفاظ قالوا: إن عمرو بن ميمون غَلِطَ في رفعه، وإنما هو في فتوى سليمان. انتهى.
قال: وقد تبَيَّن من تصحيح البخاري له، وموافقة مسلم له على تصحيحه، صحةُ سماع سليمان منها، وأن رفعه صحيح، وليس بين فتواه وروايته تنافٍ، وكذا لا تأثير للاختلاف في الروايتين، حيث وقع في إحداهما أن عمرو بن ميمون سأل سليمان، وفي الأخرى أن سليمان سأل عائشة؛ لأن كلًّا منهما سأل شيخه، فحَفِظَ بعض الرواة ما لم يَحفظ بعضٌ، وكلهم ثقات. انتهى ما في "الفتح" (٢)، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(أَن رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - كَانَ يَغْسِلُ الْمَنيَّ) هكذا في رواية محمد بن بشر بنسبة الغسل إلى النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، ووافقه عليه يحيى بن أبي زائدة، وخالفه عبد الله بن المبارك، وعبد الواحد بن زياد، فجعلا الغسل من عائشة، فقالا: قالت: "كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ … " الحديث، وقد بيّن المصنّف ﵀ هذا الاختلاف في الحديث التالي.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن المبارك، وعبد الواحد هي الراجحة؛ لمتابعة زهير بن معاوية لهما، ولذا أخرج روايتهما البخاريّ، كما أخرج رواية زهير أيضًا.
على أنه لا تنافي بين الروايتين؛ لإمكان حمل قولها: "كان يغسل المنيّ"
стр. 4053
على أنه كان يرى غسلها له، فيسكت عليه، فنُزّل رضاه منزلة الفعل، أو أنه كان يفعل ذلك بنفسه في بعض الأحيان؛ تواضعًا، وتعليمًا للأمة، والله تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ يَخْرُجُ)، أي من الحجرة (إِلَى) المسجد؛ لأجل (الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ) الذي غسل عنه المنيّ (وَأنا أَنْظُرُ إِلَى أثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ)، أي في ذلك الثوب، وفي رواية البخاريّ: "وأثر الغسل في ثوبه بُقَع"، وفي لفظ: "وأثر الغسل فيه بُقَعُ الماء"، قال في "الفتح": "بُقَع" بضم الموحّدة، وفتح القاف، جمع بُقْعة، قال أهل اللغة: الْبُقَع اختلاف اللونين، وقوله: "بقع الماء" بدل من قول: "أثر الغسل" (١)، ويجوز النصب على الاختصاص. انتهى (٢).
وجملة "وأنا أنظر إلخ" حال من فاعل "يَخرُج" بتقدير رابط، أي يخرج في حالة نظري إلى أثر غسل ثوبه، أو حال من "الثوب"، أي يخرج بثوبه المبلول، حال كونه منظورًا إليه منّي، وأرادت ﵂ بهذا: الكناية عن خروجه ﷺ بذلك الثوب مبلولًا، وعدم انتظاره جفافه؛ لحاجته إلى الخروج للصلاة، وعدم وجود ثوب آخر غير ذلك المبلول.
وفيه بيان ما كان عليه النبيّ - صلي الله عليه وسلم - من الزهد في الدنيا، وتواضعه، ولين أخلاقه، وحسن عشرته.
وفي قول سليمان: "سألت عائشة إلخ " من الفوائد: جواز سؤال النساء عما يُستحيى منه؛ لمصلحة تعلّم الأحكام، وفيه خدمة الزوجات لأزواجهنّ.
والمسائل المتعلّقة بالحديث قد تقدّمت في شرح الحديث الأول في الباب، فلا حاجة إلى إعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٧٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ - (ح)، وَحَدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ
стр. 4054
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، أمَّا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، فَحَدِيثُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - كَانَ يَغْسِلُ الْمَنيَّ، وَأَمَّا ابْنُ الْمُبَارَك، وَعَبْدُ الْوَاحِد، فَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) عن أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو عبد الله المروزيّ الإمام الحجة الحافظ المشهور [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٣٢.
٥ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٦ - (عَمْرِو بْنُ مَيْمُونٍ) الجزريّ المذكور قبله.
وقوله: (كلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من عبد الواحد بن زياد، وابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة رووا هذا الحديث عن عمرو بن ميمون الجزريّ، عن سليمان بن يسار، عن عائشة ﵂.
ثم بيّن رحمه الله تعالى أن حديث يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن بشر متّفقان على كون الغسل من النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، لا من عائشة ﵂، وأما ابن المبارك، وعبد الواحد، فيخالفانهما في لفظ الحديث، حيث جعلا الغسل من فعل عائشة ﵂، كما ساقه بلفظه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية محمد بن بشر السابقة، قد أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
стр. 4055
(٢٤١٣٠) حدثنا يحيى بن زكريا، أخبرنا عمرو بن ميمون بن مِهْران، عن سليمان بن يسار، عن عائشة: "أنها كانت تغسل المنيّ من ثوب النبيّ - صلي الله عليه وسلم -".
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أخرج الإمام أحمد رواية ابن أبي زائدة، وهي بمعنى رواية ابن المبارك، وعبد الواحد، لا بمعنى رواية محمد بن بشر، كما نصّ عليه المصنّف هنا، ولعله وقعت له روايته هكذا، ولم أجدها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما رواية ابن المبارك، فقد أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٢٢٢) حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عمرو بن ميمون الْجَزَريّ، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فيخرج إلى الصلاة، وإن بُقَعَ الماء في ثوبه".
وأما رواية عبد الواحد بن زياد، فقد أخرجها البخاريّ أيضًا، فقال:
(٢٢٣) وَحدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، قال: سألت عائشة عن المني يصيب الثوب؟ فقالت: "كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة، وأثر الغسل في ثوبه بُقَعُ الماءِ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨٠] (٢٩٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِي، قَالَ: كُنْتُ نَازِلًا عَلَى عَائِشَةَ، فَاحْتَلَمْتُ فِي ثَوْبَيَّ، فَغَمَسْتُهُمَا فِي المَاء، فَرَأتْنِي جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَيَ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْبَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائِمُ فِي مَنَامِه، قَالَتْ: هَلْ رَأَيْتَ فِيهِمَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: فَلَوْ رَأَيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُني، وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي).
стр. 4056
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ (١) الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ) الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ) - بفتح الغين المعجمة، والقاف، بينهما راء ساكنة - السّلَميّ، ويقال: البارقيّ الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن عُروة البارقيّ، وسليمان بن عمرو بن الأحوص، وعبد الله بن شهاب الْخَوْلانيّ، وجمرة بنت قُحَافة، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، ومنصور بن المعتمر، وزائدة، وقيس بن الربيع، والحسن بن عُمارة، وابن عيينة، وأبو الأحوص، وشريك.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، في عداد الشيوخ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ، ونقل ابنُ خَلْفُون، عن ابن نُمَير توثيقه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٩٠)، وحديث (١٨٧٣): "الخيرُ معقود بنواصي الخيل … ".
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شِهَاب الْخَوْلَانِيُّ) أبو الْجَزْلِ - بفتح الجيم، وسكون الزاي - الكوفيّ، صدوقٌ (٢) [٣].
رَوَى عن عُمَر، وعائشة، وعنه شبيب بن غَرْقدة، والشعبيّ، وخيثمة بن عبد الرحمن، روى له مسلم حديث عائشة في حك المني من الثوب وما له عنده غيره.
قال الحافظ ﵀: جَرَى ذكره في أثر علّقه البخاريّ، عن عمر في
стр. 4057
"الخلع"، ووصله ابن أبي شيبة من طريق خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شهاب الْخَوْلانيّ، قال: شهدت عمر أُتِي في خُلْع كان بين رجل وامرأة، فأجازه، وقال البخاريّ في "التاريخ": عبد الله بن شهاب، أبو الجزل، سَمِع عمر، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، ووثقه ابن خَلْفُون.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵁، تقدّمت في شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير عائشة ﵂، فمدنيّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: شبيب، عن عبد الله بن شهاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو -: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرّة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وبعض الخولان يقولون: خولان بن عمرو الحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة نزلت الشام، قاله في "الأنساب"، و"اللباب" (١).
(قَالَ: كُنْتُ نَازِلًا) أي ضيفًا (عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَاحْتَلَمْتُ)، أي رأيت في نومي أني أُجامِع، يقال: حَلَمَ يَحْلُمُ، من باب قَتَلَ حُلُمًا بضمّتين، ويُسكّن الثاني تخفيفًا، واحتَلَمَ: إذا رأى في منامه رُؤيا، قاله الفيّوميّ (٢)، وقال المجد: الْحُلْمُ بالضمّ، وبضمّتين: الرؤيا، "جمعه أحلام، وحلم في نومه،
стр. 4058
واحتَلَمَ، وتحلَّمَ، وانْحَلَمَ، وتَحَلَّم الْحُلْمَ: استعمله، والْحُلْم بالضمّ، والاحتلام: الجماع في النوم، والاسم الْحُلُمُ كَعُنُقٍ. انتهى (١).
(فِي ثَوْبَيَّ) متعلّق بـ"احتَلمت"، وهو بصيغة التثنية.
والمعنى: أنه رأى في نومه أنه يُجامع امرأةً، فأنزل في ثوبيه اللذين لبسهما في نومه.
(فَغَمَسْتُهُمَا) من باب ضرب: أي أدخلت الثوبين (فِي الْمَاءِ)، لغسلهما، والظاهر أنه غمس الثوبين بكمالهما، ولم يكتف بغمس مكان الإصابة منهما، (فَرَأتنِي جَارِيَةٌ)، أي أمة، سمّيت جاريةً؛ لأنها تجري مسخَّرةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة، لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سمّوا كلّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدِرُ على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، والجمع الجَوَاري (٢). (لِعَائِشَةَ) ﵂ (فَأَخْبَرَتْهَا)، أي بما صنعه في ثوبيه (فَبَعَثَتْ إِلَيَّ عَائِشَةُ) ﵂ (فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ) "ما" استفهاميّة، و"حمل" من باب ضرب: بمعنى أغرى، يقال: حمله على الأمر يحمله، فانحَمَلَ: أغراه به (٣)، أي: أيُّ شيء أغراك (عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْبَيْكَ؟)، أي من غمسهما في الماء (قَالَ) عبد الله بن شهاب: (قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ) أراد به رؤيا الجماع، لا رؤيا مطلقًا، وهذا أدب رفيعٌ في التعبير عما يُستَهْجَن (قَالَتْ) عائشة ﵂: (هَلْ رَأَيْتَ فِيهِمَا شَيْئًا؟) أرادت بالشيء المنيّ، والمعنى: هل رأيت في ثوبيك بلل المنيّ، أو جِرْمه، أو أثره؟ قال عبد الله: (قُلْتُ: لَا)، أي لم أر فيهما شيئًا (قَالَتْ: فَلَوْ رَأَيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ). قال النوويّ ﵀: هو استفهام إنكار، حُذفت منه الهمزة، تقديره: أكنت غاسله معتقدًا وجوب غسله؟ وكيف تفعل هذا، وقد كنت أحُكّه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري؟ ولو كان نجسًا لم يتركه النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، ولم يَكتف بحكّه. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من كون الكلام استفهامًا فيه نظر لا يخفى، فتأمله، والله تعالى أعلم.
стр. 4059
(لَقَدْ) اللام هي الموطّئة للقسم، أي والله لقد (رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي، وقد سبق أن من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين لمسمّى واحد، كظننتني قائمًا، وكقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]، ولا يجوز ذلك في غيرها من الأفعال، فلا تقول: ضربتني؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، وإنما تقول: ضربت نفسي، وقوله: (وَإنِّي لَأَحُكُّهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي: والحال أني أفرُك المنيّ (مِنْ ثَوْب رَسُولِ اللهِ ﷺ يَابِسًا) حال من الضمير المفعول، أي حال كونه جافًّا (بِظُفُرِي) تقدَّم أن فيه خمس لغات: بضمتين، وبسكون الثاني، والجمع أَظفار، وربما جُمع على أَظْفُر، كرُكْن، وأَرْكُن، وبكسر الظاء، وِزان حِمْلٍ، وبكسرتين؛ للإتباع، وأظفور، بهمزة مضمومة، والجمع أظافير، مثل أسبوع وأسابيع، وهو مذكّر (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣٢/ ٦٨٠] (٢٩٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٧)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح الحديث الأول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٣٣) - (بَابُ حُكْمِ دَمِ الْحَيْض، وَكَيْفِيَّةِ غَسْلِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨١] (٢٩١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا
стр. 4060
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْني فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى النَبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَة، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: "تَحُتُهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاء، ثُمَّ تَنْضِحُهُ، ثُمَّ تُصَلَّي فِيهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل باب.
٦ - (فَاطِمَةُ) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام الأسديّة، زوج هشام بن عروة، ثقةٌ [٣].
رَوَت عن جدتها أسماء بنت أبي بكر، وأم سلمة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وعمرة بنت عبد الرحمن.
وعنها زوجها هشام بن عروة، ومحمد بن سُوقة، ومحمد بن إسماعيل بن يسار.
قال العجليّ: مدنيةٌ تابعيةٌ ثقةٌ، وقال هشام بن عروة: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة، فيكون مولدها سنة ثمان وأربعين، وذكرها ابن حبان في "الثقات".
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، برقم (٢٩١) و (٩٠٥) و (١٠٢٩) وأعاده بعده، و (١٩٤٢) و (٢١٢٢) و (٢١٣٠) و (٢١٤٦) و (٢٢١١).
٧ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصدّيق عبد الله بن عثمان، زوج الزبير بن العوام ﵁ التيميّة، وأمها قتلة، أو قُتيلة بنت عبد العزَّى، قرشية من بني عامر بن لؤي.
стр. 4061
وكانت تُلَقَّب ذات النطاقين، قال أبو عمر: سماها رسول الله ﷺ ؛ لأنها هَيَّأَت له لَمّا أراد الهجرة سُفْرَةً، فاحتاجت إلى ما تَشُدُّها به، فشَقَّت خمارها نصفين، فشدت بنصفه السُّفْرة، واتخذت النصف الآخر مِنطَقًا، قال كذا ذكر ابن إسحاق وغيره، وأصل القصة في "صحيح مسلم" دون التصريح برفع ذلك إلى النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وقد أسند ذلك أبو عمر من طريق أبي نَوْفل بن أبي عَقْرب قال: قالت أسماء للحجاج: كيف تُعَيّره - تعني ابنها عبد الله - بذات النطاقين؟ أَجَلْ قد كان لي نطاق، لا بد للنساء منه، ونطاق أُغَطّي به طعام رسول الله ﷺ .
وقال ابن سعد: أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وفاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قال: "صَنَعْت سُفْرةً للنبيّ ﷺ في بيت أبي بكر، حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نَجِد لسُفْرته ولا لسقائه ما نَرْبِطهما به، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاقي، قال: شُقِّيه باثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخر السفرة"، وسنده صحيح.
وبهذا السند عن عروة، عن أسماء، قالت: تزوجني الزبير، وما له في الأرض مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنت أَعْلِف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه وأَدُقّ النَّوَى لناضحه، وكنت أَنقُل النوى من أرض الزبير … " الحديث، وفيه: حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك خادمًا، فكفتني سياسة الفرس، قال: وقال الزبير بن بكار في هذه القصة: قال لها رسول الله ﷺ : "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة"، فقيل لها: ذات النطاقين.
رَوَت أسماء عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - عِدّة أحاديث، وهي في "الصحيحين"، و"السنن"، رَوَى عنها ابناها: عبد الله، وعروة، وأحفادها: عباد بن عبد الله، وعبد الله بن عروة، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، ومولاها عبد الله بن كيسان، وابن عباس، وصفية بنت شيبة، وابن أبي مليكة، ووهب بن كيسان، وغيرهم.
وأخرج ابن السكن من طريق أبي المُحياة يحيى بن يعلى التيمي، عن أبيه، قال: دخلت مكة بعد أن قُتل ابن الزبير، فرأيته مصلوبًا، ورأيت أمه أسماء عجوزًا طوالة، مكفوفةً، فدخلتْ حتى وقفت على الحجاج، فقالت: أما
стр. 4062
آن لهذا الراكب أن يَنْزِل، قال: المنافق؟ قالت: لا والله ما كان منافقًا، وقد كان صوّامًا قوّامًا، قال: اذهبي فإنك عجوز، قد خَرِفْت، فقالت: لا والله، ما خَرِفت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج في ثقيف كذّاب ومُبِيرٌ، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو"، فقال الحجاج: منه المنافقون. وأخرج ابن سعد بسند حسن، عن ابن أبي مليكة: كانت تُصْدَع، فتضع يدها على رأسها، وتقول: بذنبي، وما يغفر الله أكثر، وقال هشام بن عروة، عن أبيه: بلغت أسماء مائة سنة، لم يسقط لها سِنٌّ، ولم يُنكَر لها عقلٌ (١).
وقال ابن إسحاق: أَسلَمَت قديمًا بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة، وهي حامل بابنها عبد الله، وماتت بمكة بعد قتله بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يومًا، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين (٢).
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من - خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما، ونكتة التفريق اختلاف كيفتة التحمّل، فإنه سمع الحديث من شيخه أبي بكر مع جماعة، ولهذا قال: حدّثنا أبو بكر، وسمعه من شيخه محمد بن حاتم وحده، ولهذا قال: حدّثني، وهذه من احتياطات المصنّف ﵀، وورعه، وشدّة محافظته على أداء ما تحمّله على الوجه الذي تحمّله به، فلله درّه ما أجود صنيعه، وأحسن أداءه ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة: هشام، عن فاطمة، وهي زوجه، وهي أكبر منه بعشر سنين، عن جدّتهما، وهي أسماء ﵂.
стр. 4063
٥ - (ومنها): أن أسماء وفاطمة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلٍّ منهما فيه من الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير، أنه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ) بنت المنذر، زوجته بنت عمّه المنذر بن الزبير (عَنْ) جدّتهما لأبيهما (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق ﵂، أنها (قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأةٌ) قال في "الفتح": وقع في رواية الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، عن هشام، في هذا الحديث أن أسماء هي السائلة، وأغرب النوويّ، فضَعَّف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد، لا علَّةَ لها، ولا بُعْدَ في أن يُبْهِم الراوي اسم نفسه، كما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ في قصة الرُّقية بـ "فاتحة الكتاب" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وقد وقع مثل هذا السؤال أيضًا لأم قيس بنت محصن ﵂، فقد أخرج حديثها أصحاب السنن إلا الترمذيّ، بإسناد صحيح، من طريق ثابت الحداد، عن عديّ بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبيّ - صلي الله عليه وسلم - عن دم الحيض، يكون في الثوب؟ قال: "حُكَيه بضِلَع، واغسليه بماء "وسدر" (٢).
ويَحْتَمِل أن تكون هي السائلة المبهمة في حديث أسماء هذا، لكن الاحتمال الأوّل أقرب؛ لأن تفسير المبهم بما وقع في بعض طرق نفس الحديث أولى.
والحاصل أنهما واقعتان متشابهتان، والله تعالى أعلم.
وفي رواية أبي داود، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ : كيف تصنع إحدانا بثوبها، إذا رأت الطهر، أتصلي فيه؟ قال: "تنظر، فإن رأت فيه دمًا، فلتقرُصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتصلِّ فيه".
وعند الترمذي: "اقرُصيه بماء، ثم رُشِّيه"، وعند ابن خزيمة: كيف تصنع بثيابها التي كانت تَلْبَس؟ فقال: "إن رأت فيها شيئًا، فلتَحُكّه، ثم لتقرُصه بشيء من
стр. 4064
ماء، وتَنضَحُ في سائر الثوب بماء، ولتصلِّ فيه"، وفي لفظ: "إن رأيت فيه دمًا، فحُكِّيه"، وفي لفظ: "رُشِّيه، وصلّي فيه"، وفي لفظ: "ثم تنضحه، وتصلّي فيه".
وعند أبي نعيم: "لتحتّه، ثم لتقرصه، ثم لتنضحه، ثم لتصلّ فيه".
وفي حديث مجاهد، عن عائشة عند البخاريّ: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فمَصَعَته بظفرها"، أي فركته (١).
واختُلِف في سماع مجاهد، عن عائشة، فأنكره ابن حبان، ويحيى بن معين، ويحيى بن سعيد، وشعبة، وآخرون، وأثبته البخاريّ، وعلي ابن المدينيّ، ومسلم، وآخرون.
وعند البخاري من حديث القاسم عنها: "ثم تقرُص الدم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه".
وفي حديث أم قيس بنت محصن، عند ابن خزيمة، وابن حبان: "اغسليه بالماء والسدر، وحُكِّيه ولو بِضِلْع"، زاد ابن حبان: قولُهُ ﷺ : "اغسليه بالماء" أمرُ فرض، وذِكرُ السدر، والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد.
وقال ابن القطان: هو حديث في غاية الصحة، وعاب على أبي أحمد قولَهُ: الأحاديثُ الصحاحُ ليس فيها ذكر الضِّلْع والسِّدْر.
وعند أبي أحمد العسكريّ: "حُكِّيه بضِلَع، وأتبعيه بماء وسدر".
وعند أحمد من حديث أبي هريرة ﵁: إن خولة بنت يسار ﵂ قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟، قال: "فإذا طَهُرت، فاغسلي موضع حيضك، ثم صلي فيه"، قالت: يا رسول الله أَرَى لم يخرج أثره؟ قال: "يكفيك الماء، ولا يضرُّك أثره" (٢)، ولمّا ذكره ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير" جعله من مسند خَوْلة، وكذلك الطبرانيّ.
стр. 4065
وفي "سنن أبي داود" عن امرأة من غِفَار أن رسول الله لَمّا رأى ثيابها من الدم، قال: "أصلحي من نفسك، ثم خُذي إناءً من ماء، واطرحي فيه مِلْحًا، ثم اغسلي ما أصاب حقيبة الرّحل من الدم، ثم عُودي لمركبك" (١).
وعند الدارميّ بسند فيه ضعف، عن أم سلمة ﵂: إن إحداهن تسبقها القطرة من الدم، فقال ﷺ : "إذا أصاب إحداكنّ بذلك، فلتقْصَعْه بريقها".
وعند ابن خزيمة: وقيل لها: كيف كُنْتُنّ تَصنعْنَ بثيابكنّ، إذا طَمِثتُنّ على عهد النبيّ - صلي الله عليه وسلم -؟ قالت: "إن كنا لنَطْمِث في ثيابنا، أو في دُرُوعنا، فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم" (٢).
(إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بـ"جاءت" (فَقَالَتْ: إِحْدَانَا) مبتدأ خبره قوله: (يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ) بفتح الحاء: المرّة من الحيض، و"من" اسم بمعنى "بعض" فاعل "يُصيب"، والتقدير: يصيب بعض الحيضة ثوبها، وفي رواية البخاريّ: "أرأيت إحدانا تَحِيض في الثوب": أي يَصِلُ دم الحيض إلى الثوب، هكذا فسّره الكرمانيّ، وقال العينيّ: المعنى: تحيض حال كونها في الثوب، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب (كَيْفَ) اسم استفهام مفعول مقدّم و (تَصْنَعُ بِهِ؟)، أي: أيَّ شي تصنع بذلك الثوب المصاب بالحيضة؟ (قَالَ) ﷺ ("تَحُتُّهُ) - بفتح أوله، وضمّ الحاء المهملة، وتشديد المثناة الفوقانية -: أي تحكّه، وتفرُكه، وتقشره، وتَنْحَته، وقيل: الْحَتّ دون النّحت، وقال في "الفتح": قوله: "تحتّه": أي تحُكّه، وكذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه. انتهى (٣).
وقال العينيّ ﵀: قوله: "تَحُتّه" مِن حَتّ الشيءَ عن الثوب وغيره يَحُتُّه حَتًّا: فَرَكَه، وقَشَرَه، فانحتّ وتَحَاتّ، وفي "المنتهى": الحتّ: حَتُّك الورقَ من الشجر، والمنيَّ، والدمَ، ونحوهما من الثوب وغيره، وهو دون النَّحْت، وعند ابن طريف: حَتَّ الشيءَ: نَفَضه، وقيل: معناه تَحُكّه، وكذا وقع في رواية ابن خزيمة. انتهى (٤).