وكانت تُلَقَّب ذات النطاقين، قال أبو عمر: سماها رسول الله ﷺ ؛ لأنها هَيَّأَت له لَمّا أراد الهجرة سُفْرَةً، فاحتاجت إلى ما تَشُدُّها به، فشَقَّت خمارها نصفين، فشدت بنصفه السُّفْرة، واتخذت النصف الآخر مِنطَقًا، قال كذا ذكر ابن إسحاق وغيره، وأصل القصة في "صحيح مسلم" دون التصريح برفع ذلك إلى النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وقد أسند ذلك أبو عمر من طريق أبي نَوْفل بن أبي عَقْرب قال: قالت أسماء للحجاج: كيف تُعَيّره - تعني ابنها عبد الله - بذات النطاقين؟ أَجَلْ قد كان لي نطاق، لا بد للنساء منه، ونطاق أُغَطّي به طعام رسول الله ﷺ .
وقال ابن سعد: أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وفاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قال: "صَنَعْت سُفْرةً للنبيّ ﷺ في بيت أبي بكر، حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نَجِد لسُفْرته ولا لسقائه ما نَرْبِطهما به، فقلت لأبي بكر: ما أجد إلا نطاقي، قال: شُقِّيه باثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخر السفرة"، وسنده صحيح.
وبهذا السند عن عروة، عن أسماء، قالت: تزوجني الزبير، وما له في الأرض مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنت أَعْلِف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه وأَدُقّ النَّوَى لناضحه، وكنت أَنقُل النوى من أرض الزبير … " الحديث، وفيه: حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك خادمًا، فكفتني سياسة الفرس، قال: وقال الزبير بن بكار في هذه القصة: قال لها رسول الله ﷺ : "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة"، فقيل لها: ذات النطاقين.
رَوَت أسماء عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - عِدّة أحاديث، وهي في "الصحيحين"، و"السنن"، رَوَى عنها ابناها: عبد الله، وعروة، وأحفادها: عباد بن عبد الله، وعبد الله بن عروة، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، ومولاها عبد الله بن كيسان، وابن عباس، وصفية بنت شيبة، وابن أبي مليكة، ووهب بن كيسان، وغيرهم.
وأخرج ابن السكن من طريق أبي المُحياة يحيى بن يعلى التيمي، عن أبيه، قال: دخلت مكة بعد أن قُتل ابن الزبير، فرأيته مصلوبًا، ورأيت أمه أسماء عجوزًا طوالة، مكفوفةً، فدخلتْ حتى وقفت على الحجاج، فقالت: أما
стр. 4062
آن لهذا الراكب أن يَنْزِل، قال: المنافق؟ قالت: لا والله ما كان منافقًا، وقد كان صوّامًا قوّامًا، قال: اذهبي فإنك عجوز، قد خَرِفْت، فقالت: لا والله، ما خَرِفت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج في ثقيف كذّاب ومُبِيرٌ، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو"، فقال الحجاج: منه المنافقون. وأخرج ابن سعد بسند حسن، عن ابن أبي مليكة: كانت تُصْدَع، فتضع يدها على رأسها، وتقول: بذنبي، وما يغفر الله أكثر، وقال هشام بن عروة، عن أبيه: بلغت أسماء مائة سنة، لم يسقط لها سِنٌّ، ولم يُنكَر لها عقلٌ (١).
وقال ابن إسحاق: أَسلَمَت قديمًا بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة، وهي حامل بابنها عبد الله، وماتت بمكة بعد قتله بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يومًا، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين (٢).
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من - خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما، ونكتة التفريق اختلاف كيفتة التحمّل، فإنه سمع الحديث من شيخه أبي بكر مع جماعة، ولهذا قال: حدّثنا أبو بكر، وسمعه من شيخه محمد بن حاتم وحده، ولهذا قال: حدّثني، وهذه من احتياطات المصنّف ﵀، وورعه، وشدّة محافظته على أداء ما تحمّله على الوجه الذي تحمّله به، فلله درّه ما أجود صنيعه، وأحسن أداءه ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة: هشام، عن فاطمة، وهي زوجه، وهي أكبر منه بعشر سنين، عن جدّتهما، وهي أسماء ﵂.
стр. 4063
٥ - (ومنها): أن أسماء وفاطمة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلٍّ منهما فيه من الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير، أنه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ) بنت المنذر، زوجته بنت عمّه المنذر بن الزبير (عَنْ) جدّتهما لأبيهما (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق ﵂، أنها (قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأةٌ) قال في "الفتح": وقع في رواية الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، عن هشام، في هذا الحديث أن أسماء هي السائلة، وأغرب النوويّ، فضَعَّف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد، لا علَّةَ لها، ولا بُعْدَ في أن يُبْهِم الراوي اسم نفسه، كما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ في قصة الرُّقية بـ "فاتحة الكتاب" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وقد وقع مثل هذا السؤال أيضًا لأم قيس بنت محصن ﵂، فقد أخرج حديثها أصحاب السنن إلا الترمذيّ، بإسناد صحيح، من طريق ثابت الحداد، عن عديّ بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبيّ - صلي الله عليه وسلم - عن دم الحيض، يكون في الثوب؟ قال: "حُكَيه بضِلَع، واغسليه بماء "وسدر" (٢).
ويَحْتَمِل أن تكون هي السائلة المبهمة في حديث أسماء هذا، لكن الاحتمال الأوّل أقرب؛ لأن تفسير المبهم بما وقع في بعض طرق نفس الحديث أولى.
والحاصل أنهما واقعتان متشابهتان، والله تعالى أعلم.
وفي رواية أبي داود، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ : كيف تصنع إحدانا بثوبها، إذا رأت الطهر، أتصلي فيه؟ قال: "تنظر، فإن رأت فيه دمًا، فلتقرُصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، ولتصلِّ فيه".
وعند الترمذي: "اقرُصيه بماء، ثم رُشِّيه"، وعند ابن خزيمة: كيف تصنع بثيابها التي كانت تَلْبَس؟ فقال: "إن رأت فيها شيئًا، فلتَحُكّه، ثم لتقرُصه بشيء من
стр. 4064
ماء، وتَنضَحُ في سائر الثوب بماء، ولتصلِّ فيه"، وفي لفظ: "إن رأيت فيه دمًا، فحُكِّيه"، وفي لفظ: "رُشِّيه، وصلّي فيه"، وفي لفظ: "ثم تنضحه، وتصلّي فيه".
وعند أبي نعيم: "لتحتّه، ثم لتقرصه، ثم لتنضحه، ثم لتصلّ فيه".
وفي حديث مجاهد، عن عائشة عند البخاريّ: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فمَصَعَته بظفرها"، أي فركته (١).
واختُلِف في سماع مجاهد، عن عائشة، فأنكره ابن حبان، ويحيى بن معين، ويحيى بن سعيد، وشعبة، وآخرون، وأثبته البخاريّ، وعلي ابن المدينيّ، ومسلم، وآخرون.
وعند البخاري من حديث القاسم عنها: "ثم تقرُص الدم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه".
وفي حديث أم قيس بنت محصن، عند ابن خزيمة، وابن حبان: "اغسليه بالماء والسدر، وحُكِّيه ولو بِضِلْع"، زاد ابن حبان: قولُهُ ﷺ : "اغسليه بالماء" أمرُ فرض، وذِكرُ السدر، والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد.
وقال ابن القطان: هو حديث في غاية الصحة، وعاب على أبي أحمد قولَهُ: الأحاديثُ الصحاحُ ليس فيها ذكر الضِّلْع والسِّدْر.
وعند أبي أحمد العسكريّ: "حُكِّيه بضِلَع، وأتبعيه بماء وسدر".
وعند أحمد من حديث أبي هريرة ﵁: إن خولة بنت يسار ﵂ قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟، قال: "فإذا طَهُرت، فاغسلي موضع حيضك، ثم صلي فيه"، قالت: يا رسول الله أَرَى لم يخرج أثره؟ قال: "يكفيك الماء، ولا يضرُّك أثره" (٢)، ولمّا ذكره ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير" جعله من مسند خَوْلة، وكذلك الطبرانيّ.
стр. 4065
وفي "سنن أبي داود" عن امرأة من غِفَار أن رسول الله لَمّا رأى ثيابها من الدم، قال: "أصلحي من نفسك، ثم خُذي إناءً من ماء، واطرحي فيه مِلْحًا، ثم اغسلي ما أصاب حقيبة الرّحل من الدم، ثم عُودي لمركبك" (١).
وعند الدارميّ بسند فيه ضعف، عن أم سلمة ﵂: إن إحداهن تسبقها القطرة من الدم، فقال ﷺ : "إذا أصاب إحداكنّ بذلك، فلتقْصَعْه بريقها".
وعند ابن خزيمة: وقيل لها: كيف كُنْتُنّ تَصنعْنَ بثيابكنّ، إذا طَمِثتُنّ على عهد النبيّ - صلي الله عليه وسلم -؟ قالت: "إن كنا لنَطْمِث في ثيابنا، أو في دُرُوعنا، فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم" (٢).
(إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بـ"جاءت" (فَقَالَتْ: إِحْدَانَا) مبتدأ خبره قوله: (يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ) بفتح الحاء: المرّة من الحيض، و"من" اسم بمعنى "بعض" فاعل "يُصيب"، والتقدير: يصيب بعض الحيضة ثوبها، وفي رواية البخاريّ: "أرأيت إحدانا تَحِيض في الثوب": أي يَصِلُ دم الحيض إلى الثوب، هكذا فسّره الكرمانيّ، وقال العينيّ: المعنى: تحيض حال كونها في الثوب، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب (كَيْفَ) اسم استفهام مفعول مقدّم و (تَصْنَعُ بِهِ؟)، أي: أيَّ شي تصنع بذلك الثوب المصاب بالحيضة؟ (قَالَ) ﷺ ("تَحُتُّهُ) - بفتح أوله، وضمّ الحاء المهملة، وتشديد المثناة الفوقانية -: أي تحكّه، وتفرُكه، وتقشره، وتَنْحَته، وقيل: الْحَتّ دون النّحت، وقال في "الفتح": قوله: "تحتّه": أي تحُكّه، وكذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه. انتهى (٣).
وقال العينيّ ﵀: قوله: "تَحُتّه" مِن حَتّ الشيءَ عن الثوب وغيره يَحُتُّه حَتًّا: فَرَكَه، وقَشَرَه، فانحتّ وتَحَاتّ، وفي "المنتهى": الحتّ: حَتُّك الورقَ من الشجر، والمنيَّ، والدمَ، ونحوهما من الثوب وغيره، وهو دون النَّحْت، وعند ابن طريف: حَتَّ الشيءَ: نَفَضه، وقيل: معناه تَحُكّه، وكذا وقع في رواية ابن خزيمة. انتهى (٤).
стр. 4066
(ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) أي تقطعه بأطراف الأصابع مع الماء؛ ليتحلّل، قال النوويّ ﵀: رُوي "تَقْرِصُهُ" بفتح التاء، وإسكان القاف، وضمّ الراء، ورُوي بضمّ التاء، وفتح القاف، وكسر الراء المشدّدة، قال القاضي عياضٌ: رويناه بهما جميعًا. انتهى (١).
وقال في "الفتح": "تَقْرُصه" - بالفتح، وإسكان القاف، وضم الراء والصاد المهملتين - كذا في روايتنا، وحَكَى القاضي عياض وغيره فيه الضم، وفتح القاف، وتشديد الراء المكسورة: أي تَدْلُك موضع الدم بأطراف أصابعها؛ ليتحلل بذلك، وَيخرُج ما تَشَرَّبه الثوب منه. انتهى (٢).
وقال العينيّ ﵀: قال في "المغرب": الْحَتّ: القرص باليد، والقَرْصُ: بأطراف الأصابع، وفي "المحكم": القَرْصُ: التجميش (٣)، والغمز بالأصبع، والْمِقَرَّصُ: الْمُقَطَّع المأخوذ بين شيئين، وقد قَرَصَهُ، وقَرَّصَه (٤)، وفي "الجامع": كلُّ مُقَطَّع مُقَرَّضٌ، وفي "الصحاح": اقْرُصِيه بماء": أي اغسليه بأطراف أصابعك، ويُرْوَى: "قَرِّصيه" بالتشديد، قال أبو عبيد: أي قَطِّعيه (٥)، وقال في "مجمع الغرائب": هو أبلغ في إذهاب الأثر عن الثوب، وقال عياض: رَوَيْناه بفتح التاء المثناة من فوق، وسكون القاف، وضم الراء، وبضم التاء، وفتح القاف، وكسر الراء المشددة، قال: وهو الدلك بأطراف الأصابع، مع صَبّ الماء عليه حتى يذهب أثره. انتهى (٦).
(ثُمَّ تَنْضَحُهُ) - بفتح الضاد المعجمة، وضم الحاء -: أي تغسله، قاله الخطابيّ.
وقال القرطبيّ: المراد به الرّشّ؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: "تقرصه بالماء"، وأما النضح فهو لِمَا شَكّت فيه من الثوب.
стр. 4067
قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: "تنضحه" يعود على الثوب، بخلاف "تَحُتُّه" فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل، ثم إن الرّشّ على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابيّ. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ هذا الكلام، فقال: الأحسن ما قاله القرطبيّ؛ لأنه يلزم التكرار من قول الخطّابيّ بلا فائدة؛ لأنا ذكرنا أن الحتّ هو الفرك، والقرص هو الدلك بأطراف الأصابع مع صبّ الماء عليه حتى يذهب أثره؛ لما نقلناه عن القاضي عياض، ففُهِم الغسل من لفظة القَرْص، فإذا قلنا: الرشّ بمعنى الغسل يلزم التكرار.
وقال أيضًا: الرشّ هنا لإزالة الشكّ المتردّد في الخاطر، كما جاء في رشّ المتوضّئ الماء على سراويله بعد فراغه من الوضوء، وليس معناه على الوجه الذي ذكرناه، فافهم. انتهى تعقّبه (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الخطّابي أولى - كما قال الحافظ -؛ لأن المراد بالقرص بالماء هو تحليل الدم حتى يخرج ما تشرّبه الثوب منه، ثم يغسل بعده، وهو معنى "تنضحه"، فيكون أبلغ في التنظيف.
والحاصل أن المراد بقوله: "تحتّه" الفرك يابسًا، وبقوله: "تقرصه بالماء" الدلكُ مع صبّ الماء ليتحلّل، وبقوله: "تنضحه" الغسلُ غسلًا تامًّا حتى يتحقّق زوال أثره بالكلّيّة.
وقد اختلفت الروايات في هذا، ففي بعضها: "الْحَتّ، ثم القرص، ثم الرشّ"، وفي بعضها: "الْقَرْصُ، ثم الغسل"، وفي بعضها: "الحكّ، ثم الغسل بماء وسِدْر".
ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأن القصود بذلك المبالغة في الإزالة، والله تعالى أعلم.
стр. 4068
(ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ") أي في ذلك الثوب الذي أصابه دم الحيضة، ثم غسلته على الوجه المذكور، وهذا أمر إباحة؛ لأنه لا يجب عليها أن تصلّي في ذلك الثوب إذا كان لها ثوب غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣٣/ ٦٨١ و ٦٨٢] (٢٩١)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٢٧)، و"الحيض" (٣٠٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣٦٠ و ٣٦١ و ٣٦٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٣٨)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٥٥)، و "الحيض" (١/ و ١٩٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٢٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٧٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٢ و ٤٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٢٢٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٢٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٥٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٥ و ٢٧٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٩٦ و ١٣٩٧ و ١٣٩٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٢٨٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٣ و ٤٠٢ و ٤٠٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٩٠)، و (أبو عوانة)، في "مسنده" (٥٣٣ و ٥٣٤ و ٥٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٠ و ٦٧١ و ٦٧٢ و ٦٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): نجاسة دم الحيض، قال النوويّ ﵀: وفيه أن الدم نجسٌ، وهو بإجماع المسلمين (١).
стр. 4069
٢ - (ومنها): أنه لا يُعفَى عن يسير الدم وكثيره؛ لإطلاق النصّ، حيث لم يفرّق النبي ﷺ حينما قال: "فاغسلي عنك الدم"، بين القليل والكثير، ولم يسأل المرأة عن مقداره، وهذا مذهب الشافعيّ، ويؤيّده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، ولم يرخّصوا إلا في دم البراغيث؛ لعدم الاحتراز عنه.
وأما المالكيّة، والحنفيّة، فقد حملوا الحديث على الدم الكثير، والأول هو الأرجح.
قال الإمام ابن المنذر ﵀: غسل دم الحيضة يجب لأمر النبيّ - صلي الله عليه وسلم - بغسله، وحكم سائر الدماء كحكم دم الحيض، لا فرق بين قليل ذلك وكثيره، وليس لقول من قال: "إذا كان ما أدركه الطَّرْفُ منه لا تكون لمعة لا يُفسد الصلاة" معنًى؛ لأن الأخبار على العموم، ويدخل فيها قليل الدم وكثيره فيما أمر النبيّ - صلي الله عليه وسلم - من غسل دم الحيضة، وليس لأحد أن يستثني من ذلك شيئًا بغير حجة. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن طهارته شرط لصحّة الصلاة.
٤ - (ومنها): أن هذه النجاسة، وأمثالها لا يُعتبَر في تطهيرها عدد، ولا تراب، وإنما الشرط فيها الإنقاء.
قال النوويّ ﵀: (اعلم): أن الواجب في إزالة النجاسة الإنقاء، فإن كانت النجاسة حُكْمية، وهي التي لا تشاهَدُ بالعين، كالبول ونحوه، وجب غسلها مرةً، ولا تجب الزيادة، ولكن يستحب الغسل ثانية وثالثة، لقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا"، وقد تقدم بيانه، وأما إذا كانت النجاسة عينية، كالدم وغيره، فلا بُدّ من إزالة عينها، ويستحب غسلها بعد زوال العين ثانية وثالثة، وهل يشترط عصر الثوب إذا غسله؟ فيه وجهان، الأصح أنه لا يشترط، وإذا غسل النجاسة العينية، فبقي لونها لم يضرّه، بل قد حصلت الطهارة، وإن بقي طعمها، فالثوب نجس، فلا
стр. 4070
بد من إزالة الطعم، وإن بقيت الرائحة ففيه قولان للشافعيّ، أصحهما يطهر، والثاني لا يطهر. انتهى (١).
٥ - (ومنها): أن الماء متعيّن في إزالة النجاسة، قال النوويّ: في هذا الحديث وجوب غسل النجاسة بالماء، ويؤخذ منه أن من غسل بالخلّ أو غيره من المائعات لم يجزه؛ لأنه ترك المأمور به. انتهى.
وهذا الذي قاله النوويّ فيه خلاف سيأتي تحقيقه، وترجيح خلافه، في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): أن المرأة تصلّي في الثوب الذي تحيض فيه، وإن أصابه دم الحيض إذا غسلته، فلا يلزمها إعداد ثوب آخر للصلاة.
٧ - (ومنها): مشروعيّة سؤال المرأة عما يُستحيى من ذكره، والإفصاح بذكر ما يُستقذر للضرورة.
٨ - (ومنها): مشافهة المرأة للرجال الأجانب فيما يتعلّق بأمور الدين.
٩ - (ومنها): استحباب فرك النجاسة اليابسة ليهون غسلها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل يتعيّن الماء في إزالة النجاسة أم لا؟:
ذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسات لا تزال إلا بالماء، فلا يقوم مقامه غيرُه من المائعات.
وذهب بعضهم إلى أنها تطهّر بكلّ مائع طاهر، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، واحتجّوا بقول عائشة ﵂: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته (٢) بظفرها"، رواه البخاريّ في "صحيحه" (٣)، ولأبي داود: "بَلَّتْهُ بريقها".
وأجيب بأنها ربما فَعَلت ذلك تحليلًا لأثره، ثم غسلته بعد ذلك.
стр. 4071
قال العلامة الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: والحق أن الماء أصل في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا وسنةً وصفًا مطلقًا غير مقيد، لكن القول بتعيّنه، وعدم إجزاء غيره يرُدّه حديث مسح النعل، وفرك المنيّ وحتّه، وإماطته بإذخرة، وأمثال ذلك كثيرٌ، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعيّنه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سُلم.
فالإنصاف أن يقال: إنه يُطَهَّر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصّ، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء، فلا يجوز العدول إلى غيره؛ للمزية التي اختَصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وُجِد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير فالاقتصار على الماء هو اللازم؛ لحصول الامتثال به بالقطع، وغيرُه مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين، لا محيص عن سلوكها.
[فإن قلت]: مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب يشاركه في ذلك.
[قلت]: وصف التراب بالطهورية مُقَيَّد بعدم وجدان الماء بنص القرآن، فلا مشاركة بذلك الاعتبار. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ تحقيقٌ جيّد، لكن تمثيله بفرك المنّي، وحَتّه مبنيّ على ما رجّحه هو من أن المنيّ نجسٌ، وقد سبق ترجيح القول بطهارته، فلا تكن من الغافلين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: أصل التطهير بالماء، وأما تعيّنه، وعدم إجزاء غيره، فيَحتاج إلى دليل، ولم يَرِد دليلٌ يَقضي بحصر التطهير بالماء، ومجرّد الأمر به لا يستلزم الأمر به مطلقًا، فقد أذن الله بالإزالة بغير الماء في مواضع، منها الاستجمار، ومنها قوله في ذيل المرأة: "يطهّره ما
стр. 4072
بعده"، وقوله في النعلين: "ثم ليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طَهُور". انتهى كلامه ﵀ (١).
وقال بعض المحقّقين المعاصرين: ومن الإنصاف القول بأن بعض المائعات، كالخلّ، والبنزين لا تنقص عن الماء في إزالة آثار النجاسة، بل تزيد عليه، وحيث كان القصد الإنقاء، وإزالة عين النجاسة - طعمها، وريحها، ولونها - وسال المائع وعُصِر، فإنه يُلحق بالماء. نعم، الماء أصل في التطهير؛ لوصفه بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله ﷺ : "الماء طهور"، فهو يُطهّر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها، وقد يتعيّن غيره مطهّرًا، كالدباغ في جلود الميتة مثلًا، لكن كونه أصلًا لا يمنع قيام غيره مقامه إذا أدّى مؤدّاه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل مما سبق أن الماء هو الأصل في إزالة النجاسة مطلقًا، لكن ورد في طهارة بعض النجاسة استعمال غير الماء فيه، فإيجاب استعمال الماء في ذلك تنطّعٌ، وسلوك مسلك غير الإنصاف.
والحاصل أن استعمال الماء في إزالة جميع أنواع النجاسات هو الأصل، وما ورد فيه تعيين تطهيره بغير الماء مثل الدباغ يتعيّن فيه ذلك، ولا يجوز تطهيره بالماء، وما ورد التخفيف في إزالته بغير الماء، كمسح النعلين من الأذى، فجائز استعمال الماء فيه، كما يجوز الاكتفاء بما ورد فيه من المسح أو غيره، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨٢] ( … ) - (وَحَدثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (ح)، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ (٣)، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ
стр. 4073
أَنَسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِث، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضى.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو عبد الله بن نُمير المذكور قبل باب.
٣ - (أَبُو الطَّاهرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (ابْنُ وَهْب) هو عبد الله بن وهب المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٩] (ت ١٩٧) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٥ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ المدنيّ، صدوقٌ، من كبار [٨].
رَوَى عن موسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن الحارث بن عيّاش، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، وأبي بكر بن نافع، وغيرهم.
ورَوَى عنه الليث، وابن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، ومكي بن إبراهيم، وأبو صالح كاتب الليث، وغيرهم.
قال النسائيّ: مستقيم الحديث، وقال الساجيّ: قال ابن معين: صدوقٌ، ضعيف الحديث، وقال الدارقطنيّ: ثقة، حَدَّث بمصر، ولا أعلم لأبيه حديثًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب.
قال ابن يونس: يقال: توفي بمصر سنة ثلاث وخمسين ومائة.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٩١) و (٣٨١) و (٥٩٤).
٦ - (مَالِكُ بْنُ أنسٍ) أبو عبد الله إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة المجتهد [٧] (١٧٩) (ع) تقدم في "المقدّمة" ١/ ٣٨٢.
٧ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، ثقة فقيه حافظ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
стр. 4074
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من عبد الله بن نمير، ويحيى بن عبد الله، ومالك، وعمرو بن الحارث رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء ﵂.
[تنبيه]: مُلْتَقَى التحويل في هذا الإسناد هو هشام بن عروة، فعبد الله بن نمير مشارك ليحيى بن عبد الله، ومالك، وعمرو بن الحارث في روايتهم عن هشام، وليس مشاركًا لابن وهب في روايته عن هؤلاء الثلاثة، فإسناد أبي كريب أعلى من إسناد أبي الطاهر، فتنبّه.
[تنبيه آخر]: رواية عبد الله بن نمير التي أحالها المصنّف هنا أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٧٥)، فقال:
(٥٣٣) حدثنا أبو الأزهر، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: أتت النبيّ - صلي الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: يا رسول الله، أرأيت ثوب إحدانا، يصيب من دم الحيضة، فكيف تصنع به؟. قال: "إذا أصاب ثوب إحداكنّ من دم الحيضة، فلتحُتَّه، ثم لتقرصه بالماء، ثم لتنضحه، ثم لتصلّ فيه". انتهى.
وأما رواية يحيى بن عبد الله، ومالك، وعمرو بن الحارث، فقد أخرجها أبو عوانة أيضًا (١/ ١٧٥ - ١٧٦) فقال:
(٥٣٤) حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن عبد الله بن سالم، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الثوب يصيب الدم من الحيضة؟ فقال: "لِتَحُتَّه، ثم لتقرصه، ثم لتنضحه بالماء، ثم لتصلي فيه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٣٤) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْل، وَوُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨٣] (٢٩٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 4075
الْعَلَاء، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْن، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَة، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ"، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْن، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور في الباب الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخلد الحنظليّ المعروف بابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبت حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (وَكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان المذكور قبل بابين.
٦ - (مُجَاهِد) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٧ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ٤/ ١٨.
٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرَنَ بينهم.
стр. 4076
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وفيه الإخبار، والسماع، والعنعنة من صيغ الأداء.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٤ - (ومنها): أن شيخيه الأول والثاني من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، غير إسحاق، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، ورواية الأخيرين من رواية الأقران، فإن كلًّا منهما من الطبقة الثالثة.
٧ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ) الأعمش: (سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) أي ابن جبر، قال في "الفتح": هو صاحب ابن عباس، وقد سمع الكثير منه، واشتَهَرَ بالأخذ عنه، لكن رَوَى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوسًا، كما هو عند المصنّف هنا، ورواه أيضًا عن مجاهد، عن ابن عبّاس بلا واسطة، أخرجه البخاريّ على الوجهين، وهو يقتضي صحتهما عنده، فيُحْمَل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس، عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة، أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وقد صَرَّح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذيّ: رواية الأعمش أصح، أفاده في "الفتح" (١).
стр. 4077
(يُحَدِّثُ) جملة حاليّة من الفاعل، أو مفعول ثان على رأي بعض النحاة من أن "سمع" من أخوات "ظنّ"، (عَنْ طَاوُس) بن كيسان، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: مَرَّ) أي اجتاز، يقال: مررتُ بزيد، وعليه، فيتعدّى بالباء، وبـ"على" مَرًّا ومُرُورًا ومَمَرًّا: اجتزتُ، ومرّ الدهر مرًّا ومُرورًا أيضًا: ذَهَبَ (١). (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) مرفوع على الفاعليّة (عَلَى قَبْرَيْنِ) تثنية قبر، وهو موضع دَفْن الموتى، وأقلّه حُفْرةٌ تُواري الميت، وأكمله اللحد (٢)، وقال الفيّوميّ ﵀: القبر: معروف، والجمع قُبُور، والْمَقْبرة بضمّ الثالث وفتحه: موضع القبور، والجمع مقابر، وقَبَرتُ الميت قَبْرًا، من باب قتل، وضرب: دفنته، وأقبرته بالألف: أمرتُ أن يُقْبَرَ، أو جعلتُ له قبرًا. انتهى (٣).
وقال المجد ﵀: القبر: مَدْفَنُ الإنسان، جمعه قُبُور، والْمَقْبرة مثلّثة الباء، وكمِكْنَسَة: موضعها. انتهى (٤).
[تنبيه]: قال ابن الملقّن ﵀: للقبر أسماء:
أحدها: الرَّمْسُ بالراء، وثانيها: الْجَدَثُ، ثالثها: الْجَدَف، رابعها: البيت، خامسها: الضريح، سادسها: الرَّيْمُ، سابعها: الرجم، ثامنها: البلد، قال الشاعر:
كُلُّ امْرِئٍ تَارِكٌ أَحِبَّتَهُ … وَمُسْلِمٌ نَفْسَهُ إَلَى الْبَلَدِ
ذكرهنّ صاحب "المخصّص".
التاسع: الْخِتَانُ، ذكره ابن السّكِّيت والعسكريّ، والعاشر: الجامور، ذكره الهنائيّ في "المنتخب"، الحادي عشر: الدمس بالدال، الثاني عشر: المِنْهَال، ذكرهما ابن السكّيت والعسكريّ. انتهى (٥).
ونظمت ذلك بقولي:
لِلْقَبْرِ أَسْمَاءٌ ضَرِيحٌ جَدَفُ … وَالرَّجْمُ وَالرَّمْسُ وَبَيْتٌ يُعْرَفُ
وَالْجَدَثُ الْخِتَانُ وَالْمِنْهَالُ مَعْ … بَلَدٍ الدَّمْسِ وَجَامُورٌ تَبَعْ
стр. 4078
وفي رواية ابن ماجه: "بقبرين جديدين".
وفي رواية البخاريّ من طريق منصور، عن مجاهد: "مَرَ النبيّ ﷺ بحائط من حِيطان المدينة، أو مكة"، أي بستان، وله في "كتاب الأدب": "خَرَجَ النبيّ ﷺ من بعض حِيطان المدينة".
قال في "الفتح": فيحمل على أن الحائط الذي خَرَج منه غير الحائط الذي مَرَّ به، وفي الأفراد للدارقطنيّ من حديث جابر ﵁ أن الحائط كان لأمّ مبشر الأنصارية، وهو يُقَوِّي رواية "الأدب"؛ لجزمها بالمدينة، من غير شك، والشك في قوله: "أو مكة" من جرير (١). انتهى (٢).
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: "فسمع صوت إنسانين يُعَذَّبان في قبورهما"، قال ابن مالك في قوله: "صوت إنسانين" شاهد على جواز إفراد المضاف المثنى مَعْنًى، إذا كان جزء ما أضيف إليه من دليل اثنين، نحو: أكلتُ رأس شاتين، وجمعه أجود، نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وقد اجتمع التثنية والجمع في قول الراجز:
وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن … ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ (٣)
فإن لم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية، نحو سَلَّ الزيدان سيفيهما، فإن أُمِن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي "يُعذّبان في قبورهما" شاهد على ذلك. انتهى كلام ابن مالك ﵀ (٤).
(فَقَالَ) ﷺ لَمّا سمع صوتًا من داخلهما ("أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ"أَلَا" (إِنَّهُمَا) أي من فيهما من المقبور (لَيُعَذَّبَانِ) أي يعاقبان، يقال: عَذّبته تعذيبًا: إذا عاقبته، والاسم العذاب، وأصله في كلام العرب: الضرب، ثم استُعمل في كلّ عقوبة مؤلمة، واستُعير للأمور الشاقّة، فقيل: السفرُ قطعةٌ من العذاب (٥).
стр. 4079
وأسند التعذيب إلى القبرين مجازًا، من إطلاق المحلّ على الحالّ؛ لأن المعذّب في الحقيقة مَن فيهما، كما قدّرته آنفًا.
وقال ابن الملقّن ﵀: هو من الضمير الذي يُفسّره سياق الكلام؛ إذ ليس في اللفظ ما يعود إليه، فهو من باب قوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وأشباه ذلك، وورد مصرّحًا به عند ابن أبي شيبة، لكن من حديث يعلى بن سيابة: "مرّ ﵇ بقبر يُعذّب صاحبه في غير كبيرة".
قال: "وإنّ" يجوز أن تكون مبتدأ (١)، ويجوز أن تكون جوابًا لقسم محذوف: أي والله إنهما ليُعذّبان. انتهى (٢).
(وَمَا) (يُعَذَّبَانِ فِي كَبيرٍ) زاد في رواية البخاريّ من طريق منصور، عن مجاهد: "ثم قال: بلى"، أَي إنه لكبير، وصَرّح بذلك في "كتاب الأدب" من طريق عبد بن حُميد، عن منصور: "فقال: وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير"، قال في "الفتح": وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش، ولم يخرجها مسلم.
[تنبيه]: قد تبيّن بهذه الزيادة أن فعل هذين المقبورين من الكبائر، فلا بدّ من تأويل قوله: "وما يعذبان في كبير"، وقد ذكر العلماء فيه تأويلات كثيرة:
فقال أبو عبد الملك الْبُونيّ: يَحْتَمِل أنه ﷺ ظَنّ أن ذلك غير كبير، فأُوحِي إليه في الحال بأنه كبير، فاستَدرَك.
وتُعُقّب بأنه يستلزم أن يكون نسخًا، والنسخ لا يدخل الخبر.
وأُجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه، فقوله: "وما يعذبان في كبير" إخبار بالحكم، فإذا أُوحي إليه أنه كبير، فأخبر به كان نسخًا لذلك الحكم.
وقيل: يَحْتَمِل أن الضمير في قوله: "وإنه" يعود على العذاب؛ لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁: "يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هَيِّن".
стр. 4080
وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنها من الكبائر، بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفيّ ليس المراد به كشف العورة فقط، كما سيأتي.
وقال الداوديّ، وابن العربيّ: "كبير" المنفيّ بمعنى "أكبر"، والمثبت واحد الكبائر: أي ليس ذلك بأكبر الكبائر، كالقتل مثلًا، وإن كان كبيرًا في الجملة.
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة؛ لأن تعاطي ذلك يدلّ على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب.
وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك، وهذا الأخير جزم به البغويّ، وغيره ورجحه ابن دقيق العيد، وجماعة.
وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وَصَفَ كلًّا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه؛ للإتيان بصيغة المضارعة بعد لفظة "كان"، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: جملة هذه الأقوال ثمانية، وأقواها عندي ما جزم به البغويّ وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد وغيره، وحاصله أنه ليس بكبير عليهما في مشقّة الاحتراز، أي كان لا يشقّ الاحتراز منه، وهو عند الله كبير، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه آخر]: قال ابن مالك ﵀: في قوله: "في كبير" شاهد على ورود "في" للتعليل، قال: وخفي ذلك على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن، وفي الحديث، كما تقدم، وفي الشعر القديم، فمن الوارد في القرآن العظيم قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، ومن الوارد في الحديث قوله ﷺ في هذا الحديث: "وما يعذّبان في كبير"، وقوله ﷺ : "عُذِّبت امرأة في هرّة"، متّفق عليه، ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل [من الطويل]:
стр. 4081
فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي … وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقُونِي
ومنه قول أبي خِرَاش [من الطويل]:
لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي وَمَالَ بِوُدِّهِ … أَغَانِيجُ خُودٍ كَانَ فِينَا يَزُورُهَا
ومنه قول الآخر [من الطويل]:
أَفِي قَمَلِيٍّ (١) مِنْ كُلَيْبٍ هَجَوْتَهُ … أَبُو جَهْضَمٍ تَغْلِي عَلَيَّ مَرَاجِلُهْ
انتهى كلام ابن مالك ﵀ (٢).
(أَمَّا) حرف تفصيل، نائب عن حرف الشرط وفعله، تقول لمن قال: زيد عالمٌ كريمٌ مثلًا: أما زيد فعالم، أي مهما يكن من شيء، فزيد عالم، فنابت "أما" مناب حرف الشرط، وهو "مهما"، والمجزوم، وهو "يكن"، وما تضمّنه من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب دون الشرط؛ لقيامه مقامه، وأُجيب بالفاء كما يُجاب به الشرط، وجوابه هنا قوله: (أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)، أي يسعى بالإفساد بين القوم، بأن ينقل لكلّ واحد منهم ما يقوله الآخر من الشتم والأذى.
والنميمة: فَعِيلةٌ، من نمّ الرجلُ الحديث نَمًّا، من باب قَتَلَ وضَرَبَ: سَعَى به ليوقع فتنةً أو وَحْشةً، فالجل نَمٌّ، تسميةً بالمصدر، ونَمّامٌ مبالغةٌ، والاسم النَّمِيمة، والنَّمِيم أيضًا، أفاده الفيّوميّ (٣).
وقال ابن الأثير ﵀: النميمة: نَقْلُ الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشرّ. انتهى (٤).
وقال المجد ﵀: النَّمُّ: التوريش، والإغراء، ورفع الحديث إِشَاعةً له وإفسادًا، وتزيين الكلام بالكذب، ونَمّ الحديثَ يَنِمُّهُ بالكسر، وَينُمّه بالضمّ نَمًّا، فهو نَمُومٌ، ونَمّامٌ، ومِنَمٌّ، كمِجَنّ، ونَمٌّ. انتهى (٥).
стр. 4082
وقال ابن دقيق العيد ﵀: هي نقل كلام الناس، والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار، فأما ما اقتضى فِعْلَ مصلحة، أو ترك مفسدة، فهو مطلوب. انتهى.
قال في "الفتح": وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم، وكلام غيره يخالفه، وقال النوويّ: وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح.
وتعقبه الكرمانيّ، فقال: هذا لا يصحّ على قاعدة الفقهاء، فإنهم يقولون: الكبيرة هي الموجبة للحدّ، ولا حدّ على المشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرارُ هو المستفاد منه جعلَهُ كبيرةً؛ لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة، أو أنّ المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحيّ. انتهى.
قال الحافظ: وما نقله عن الفقهاء ليس هو قولَ جميعهم، لكن كلام الرافعيّ يُشعر بترجيحه، حيث حَكَى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما هذا، والثاني ما فيه وعيد شديدٌ، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى.
ولا بُدّ من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نُصّ عليه في الأحاديث الصحيحة، وإلا لَزِم أن لا يُعَدّ عقوق الوالدين، وشهادة الزور من الكبائر، مع أن النبيّ ﷺ عَدَّهما من أكبر الكبائر، وتمام البحث في هذا سيأتي في محلّه من كتاب الحدود - إن شاء الله تعالى -.
(وَأمَّا الْآخَرُ) أي الرجل المعذّب الآخر (فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ")، أي لا يجعل بينه وبين بوله سُتْرةً، حتى يتحفّظ منه، كما قال في رواية الأعمش الآتية: "لا يستنزه عن البول"، أي لا يتباعد منه، قاله القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "لَا يَسْتَتِرُ" رُوي ثلاث روايات: "يَسْتَتِرُ" بتاءين مثناتين، و"يَسْتَنْزِهُ" بالزاي والهاء، و"يستبرئ" بالباء الموحدة والهمزة، وهذه الثالثة في البخاريّ وغيره، وكلها صحيحة، ومعناها: لا يتجنبه، ويتحرز منه. انتهى (٢).
стр. 4083
وقال في "الفتح": قوله: "لا يستتر" كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوقُ، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر: "يستبرئ" بموحدة ساكنة، من الاستبراء، ولمسلم، وأبي داود في حديث الأعمش: "لا يستنزه" بنون ساكنة، بعدها زايٌ، ثم هاء، فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سُتْرَةً، يعني أنه لا يتحفظ منه، فتوافق رواية "لا يستنزه"؛ لأنها من التنزه، وهو الإبعاد، وقد وقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق وكيع، عن الأعمش: "كان لا يَتَوَقَّى"، وهي مفسرة للمراد.
وأجراه بعضهم على ظاهره، فقال: معناه: لا يستر عورته، وضُعِّفَ بأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقلّ الكشف بالسببية، واطُّرِح اعتبار البول، فيترتب العذاب على الكشف، سواء وُجِد البول أم لا، ولا يَخفَى ما فيه.
وأما رواية الاستبراء، فهي أبلغ في التوقي.
وقال ابن دقيق العيد: لو حُمِل الاستتار على حقيقته، للزم أن مُجَرَّد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدلّ على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، يُشير إلى ما صححه ابن خزيمة، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أكثرُ عذاب القبر من البول"، أي بسبب ترك التحرز منه، قال: ويؤيده أن لفظ "من" في هذا الحديث لَمّا أضيف إلى البول، اقتَضَى نسبة الاستتار الذي عدمُهُ سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حُمِل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعيّن الحمل على المجاز؛ لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد؛ لأن مخرجه واحد، ويؤيده أن في حديث أبي بكرة ﵁ عند أحمد، وابن ماجه: "أما أحدهما، فيعذَّب في البول"، ومثله للطبرانيّ، عن أنس ﵁ (١).
(قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (فَدَعَا)، أي طلب النبيّ ﷺ ، يقال: دعا الناس: إذا طلبهم، أفاده الفيّوميّ (٢).
ولعلّ الباء في المفعول زائدة، أو على تضمين "دعا" معنى فعلٍ يتعدّى بالباء، أي أمر بعسيب، ونحوه.
стр. 4084
وقال المجد ﵀: دَعَيتُ - بالياء - لغةٌ في دَعَوت بالواو (١).
(بِعَسِيبٍ) - بفتح العين، وكسر السين المهملتين، بوزن كريم -: الْجَريدة التي لم يَنبُت فيها خُوص، وإن نبت فهي السَّعَفَةُ، كقَصبَة، وفي "القاموس": "الْعَسِيب": جريدة من النخل مستقيمة دقيقةٌ، يُكشَط خُوصُها، والذي لم يَنبُت عليه الْخُوص من السَّعَفِ. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": السَّعَفُ" كقَصَب: جمعُ سَعَفَة، كقَصَبة: أغصان النخل ما دامت بالخُوص، فإن زال الْخُوص عنها قيل: جَرِيدة (٣).
وقال أيضًا: "الْخُوصُ" بالضمّ: وَرَقُ النخل، الواحدةُ خُوصة. انتهى (٤).
وقال النوويّ ﵀: "العَسِيب": الجريد، والغصن من النخل، ويقال له: الْعِثْكَال (٥). انتهى (٦).
وقال الطيبيّ ﵀: الجريدة: السّعَفَةُ التي جَرَّدتَّ عنها الْخُوصَ، أي قشرته، وكلُّ شي قشرته عن شيء فقد جَرَدته. انتهى (٧).
(رَطْبٍ) - بفتح، فسكون -: خلاف اليابس، قيل: خَصَّ الجريد بذلك؛ لأنه بطيء الجفاف، وسيأتي ذكر الخلاف فيمن أتى بالجريد في المسائل - إن شاء الله تعالى -.
(فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ) أي فأُتي به، فكسره، وجعله اثنين، فالباء زائدة للتوكيد، و"اثنين" مفعول مطلقٌ، أي شقّه شقّين اثنين، أي نصفين، أو منصوب على الحال، وزيادة الباء في الحال جائز في الكلام، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
فَمَا رَجَعَتْ بِخَائِبَةٍ رِكَابٌ … حَكِيمُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مُنْتَهَاهَا
وفي رواية للبخاريّ: "فكسرها كِسْرتين".
стр. 4085
(ثُمَّ غَرَسَ) أي غَرَزَ بالزاي، كما في رواية للبخاريّ، وفي رواية له: "فَوَضَعَ"، والأول أخصّ (عَلَى هَذَا) القبر (وَاحِدًا) من الشقّين (وَعَلَى هَذَا) القبر الثاني (وَاحِدًا) منهما، وموضع الْغَرْس كان بإزاء الرأس؛ لما وقع في "مسند عبد بن حُميد" من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: "ثم غرز عند رأس كلّ منهما قِطْعَةً"، قاله في "الفتح" (١).
(ثمَّ قَالَ) ﷺ بعد غرسه لَمّا قيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ كما في رواية للبخاريّ ("لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضم أوله، وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ونائب فاعله ضمير العذاب (عَنْهُمَا) أي عن المقبورين.
قال ابن مالك ﵀ (٢): يجوز كون الهاء من "لعلّه" ضمير الشأن، وجاز تفسير ضمير الشأن بـ"أَنْ وصِلَتها" مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدّت مسدّ مطلوبي "حسب"، و"عسى" في نحو ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وفي ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦].
ويجوز في قول الأخفش أن تكون "أن" زائدةً مع كونها ناصبةً، ونظيرها زيادة الباء، و"من" مع كونهما جارّتين، ومن تفسير ضمير الشأن بـ"أن وصلتها" قول عمر ﵁: "والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر تلاها، فَعُقِرتُ حتى ما تُقلّني رجلاي"، متّفقٌ عليه. انتهى كلام ابن مالك ﵀ (٣).
стр. 4086
وقال الكرمانيّ: شَبَّه "لعلّ" بـ"عَسَى"، فأتى بـ"أن" في خبره.
وقال الطيبيّ ﵀: لعلّ الظاهر أن يكون الضمير مبهمًا يفسّره ما بعده، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] قال صاحب "الكشّاف": هذا ضمير لا يُعلم ما يُعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وُضع "هي" موضع "الحياة"؛ لأن الخبر يدلّ عليها، ويُبيّنها، ومنه: هي النفس تتحمّل ما حُمّلت، والرواية بتثنية الضمير في "عنهما" لا تستدعي إلا هذا التأويل. انتهى (١).
(مَا لَمْ يَيْبَسَا") "ما" مصدريّة ظرفيّةٌ، و"ييبسا"، أي يجفّ الشِّقّان، قال النوويّ: "يَيْبَسَا" مفتوح الباء الموحدة، قبل السين، ويجوز كسرها لغتان، وقال الفيّوميّ: يَبِسَ يَيْبَسُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة بالكسر فيهما: إذا جفّ بعد رُطوبة، فهو يابسٌ، وشيء يَبْسٌ ساكن الباء بمعنى يابسٍ أيضًا (٢).
والمعنى: يُخفّف عنهما مدّة عدم يبس الشقّين.
وفي رواية للبخاريّ: "ما لم تيبسا" قال في "الفتح": كذا في أكثر الروايات بالمثناة الفوقانية: أي الكِسْرَتان، وللكشميهنيّ: إلا أن تيبسا" بحرف الاستثناء، وللمستملي: "إلى أن ييبسا" بـ"إلى" التي للغاية، والياء التحتانية: أي العودان. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٣٤/ ٦٨٣ و ٦٨٤] (٢٩٢)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢١٦ و ٢١٨ و ١٣٦١)، و"الجنائز" (١٣٦١ و ١٣٧٨)، و"الأدب" (٦٠٥٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٠ و ٢١)،
стр. 4087
و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٧٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٢٨ و ٣٠)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٤٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٤٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٧٥ و ٣٧٦ و ٣٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٨ و ١٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٢٨ و ٣١٢٩)، و (الآجرّيّ) في "الشريعة" (ص ٣٦١ و ٣٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤١٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٩٥ و ٤٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٤ و ٦٧٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على نجاسة بول الإنسان؛ لقوله: "مِنْ بَوْلِهِ" بالإضافة، وروايةُ: "من البول" "أل" فيها عِوَضٌ عن المضاف إليه، وقد استَدَلّ به البخاريّ على أن نجاسة البول مقصورة على بول الناس، ولا يَعُمّ بول سائر الحيوانات، فقال: وقال النبيّ ﷺ لصاحب القبر: "كان لا يستتر من بوله"، ولم يذكُر سوى بول الناس. انتهى. قال ابن بطّال: أراد البخاريّ أن المراد بقوله ﷺ : "كان لا يستتر من البول" بول الناس، لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجةٌ لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الردّ على الخطّابيّ حيث قال: فيه دليلٌ على نجاسة الأبوال كلها، ومحصّل الردّ أن العموم في رواية "من البول" أريد به الخصوص؛ لقوله: "من بوله"، والألف واللام بدل من الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس؛ لعدم الفارق، قال: وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله، ولمن قال بطهارته حُجج أخرى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "من البول" اسم مفرد لا يقتضي العموم، ولو سُلِّمَ فهو مخصوص بالأدلّة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل لحمه. انتهى (٢)، وسيأتي في هذا قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
стр. 4088
٢ - (ومنها): وجوب التنزّه من البول، وعقوبة من تساهل في ذلك.
٣ - (ومنها): أن التساهل في أمر البول من الكبائر، كما صرّح به النبيّ ﷺ .
٤ - (ومنها): وجوب إزالة النجاسة، خلافًا لمن خص الوجوب بوقت إرادة الصلاة.
٥ - (ومنها): كون النميمة من الكبائر أيضًا، وهي محرّمة بالنصوص، والإجماع، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وقال النبي ﷺ : "لا يدخل الجنّة نمّام"، وفي لفظ: "قتّات"، وهو النمّام، متّفق عليه.
٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن بطال بهذه الرواية على أن التعذيب، لا يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يَرِدْ فيه وعيد، يعني قبل هذه القصة.
وتُعُقِّب بالزيادة التي في "صحيح البخاريّ" وغيره، من قوله ﷺ : "بل إنه كبير"، وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة ﵁ عند أحمد، والطبرانيّ، ولفظه: "وما يعذبان في كبير، بلى"، أفاده في "الفتح" (١)، فهذا نصّ صريح في الوعيد، يردّ ما قاله ابن بطال، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضرار بن عمرو، وبشْر المريسيّ، ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل السنّة، وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه يقع على الكفّار دون المؤمنين، وتردّه الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك (٢).
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلًا لذلك، وكذا سؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلّم في كيفيّته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيّته؛ لكونه لا عهد له به في
стр. 4089
هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تُحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تَحار فيه العقول، قاله شارح "العقيدة الطحاويّة" (١).
وقد ذكرت بحثًا طويلًا في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): شدّة رأفة النبيّ ﷺ بأمته، فإنه لَمّا سمع صاحبي القبرين بادر إلى الشفاعة لهما.
٨ - (ومنها): إثبات الشفاعة للنبيّ ﷺ ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في "كتاب الإيمان"، فلا تنس نصيبك، وبالله تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): إثبات المعجزة له ﷺ حيث أطلعه تعالى على تعذيب المقبورين، مع أن الذين كانوا معه لم يسمعوا، ولم يعلموا شيئًا من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية [الجنّ: ٢٦ - ٢٧].
١٠ - (ومنها): وجوب الاستنجاء؛ إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول، فلا يجعل بينه وبين البول حجابًا من ماء، أو حجارة، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات فيمن أتى بالعسيب إلى النبيّ ﷺ :
قال في "الفتح": رَوَى النسائي من حديث أبي رافع، بسند ضعيف، أن الذي أتاه بالجريدة بلال ﵁، ولفظه: كُنّا مع النبيّ ﷺ في جنازة، إذ سمع شيئًا في قبر، فقال لبلال: "ائتني بجريدة خضراء … " الحديث.
وفي حديث أبي بكرة ﵁ عند أحمد، والطبرانيّ أنه الذي أتى بها إلى النبيّ ﷺ .
стр. 4090
وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب أنه الذي قَطَع الغصنين، فهو في قصة أخرى غير هذه، فالمغايرة بينهما من أوجه:
(منها): أن هذه كانت في المدينة، وكان معه ﷺ جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده.
(ومنها): أن في هذه القصة أنه ﷺ غَرَس الجريدة بعد أن شَقّها نصفين، وفي حديث جابر أنه ﷺ أمر جابرًا بقطع غصنين من شجرتين، كان النبيّ ﷺ استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرًا، فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره، حيث كان النبيّ ﷺ جالسًا، وأن جابرًا سأله عن ذلك؟ فقال: "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرْفَع عنهما ما دام الغصنان رطبين"، ولم يذكر في قصة جابر أيضًا السبب الذي كانا يعذبان به، ولا الترجي الذي في قوله هنا: "لعله"، فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر ﵃، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك.
وقد رَوَى ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ مَرّ بقبر، فوقف عليه، فقال: "ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه"، فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع: فسمع شيئًا في قبر، وفيه: فكسرها باثنين، ترك نصفها عند رأسه، ونصفها عند رجليه، وفي قصة الواحد: جعل نصفها عند رأسه، ونصفها عند رجليه، وفي قصة الاثنين: جعل على كل قبر جريدةً. انتهى ما في "الفتح"، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في معنى قوله ﷺ : "لعله أن يُخفّف عنهما":
قال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون أوحي إليه ﷺ أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة. انتهى.
وعلى هذا فـ"لعلّ" هنا للتعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا.
وتعقبه القرطبي بأنه لو حصل الوحي لما أتى بحرف الترجي، كذا قال، ولا يَرِد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل.
стр. 4091
قال القرطبيّ: وقيل: إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث جابر؛ لأن الظاهر أن القصة واحدةٌ، وكذا رجح النوويّ كون القصة واحدةً.
قال الحافظ: وفيه نظرٌ لما أوضحناه من المغايرة بينهما.
وقال الخطابيّ ﵀: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطّرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة، كالذكر، وتلاوة القرآن، من باب أولى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وكذلك فيما فيه بركة إلخ، سيأتي الردّ عليه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
وقال الطيبيّ ﵀: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب، يَحتَمِل أن تكون غير معلومة لنا، كعدد الزبانية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قد استنكر الخطابي، ومن تبعه وَضْعَ الناس الجريد ونحوه في القبر؛ عملًا بهذا الحديث، وقال الطرطوشيّ: لأن ذلك خاص ببركة يده ﷺ ، وقال القاضي عياض: لأنه عَلّلَ غرزهما على القبر بأمر مغيب، وهو قوله: "لَيُعَذَّبان".
وتعقّب هذا صاحب "الفتح" بأنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن لا نتسبب له في أمر يُخفف عنه العذاب أَنْ لو عُذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أَرُحم أم لا؟ أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بُريدة بن الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما ذكره البخاريّ عنه في "صحيحه"، وهو أولى أن يُتَّبَعَ من غيره. انتهى (١).
وقد تعقّب العينيّ في "عمدته" قوله: "وليس في السياق ما يقطع على أنه
стр. 4092
باشر إلخ" بأنه قد صرّح في الحديث بأنه دعا بجريدة، فكسرها، فوضع على كلّ قبر منهما كِسرةً، فهذا صريحٌ في أنه ﷺ وضعه بيديه الكريمتين، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهي كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك: جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يُعتدّ به. انتهى كلام العينيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله الخطابيّ، ومن تبعه من استنكار وضع الجريدة ونحوها على القبر هو الذي يترجح عندي؛ لأنه أمر يختصّ به النبيّ ﷺ من حيث كونه مغيّبًا، لا يمكن الاطّلاع عليه إلا بالوحي، ومن حيث بركة يده ﷺ كما علّله الخطابيّ، والقاضي عياض.
وأما قول الحافظ: لا يلزم من كوننا إلخ ففيه نظر لا يخفى؛ إذ الدعاء أمرنا به اطّلعنا على التعذيب أم لا، فليس معلّلًا بالتعذيب بخلاف وضع الجريدة، ولأنه ﷺ دعا لكلّ ميت، وأمر به بخلاف وضعها، فإنه ما فعله إلا لأشخاص مُعَيَّنِينَ، معلِّلًا ذلك بما ذكر، ولأن الصحابة ومن بعدهم أجمعوا على الاقتداء به فيه بخلَاف الوضع، فلم يُنقل إلا عن بُريدة ﵁، فهو قياس مع الفارق.
والحاصل أن خصوصيّة وضع الجريد أوضح من كونه محلّ أسوة، فتأمل بالإنصاف.
قال صاحب "المرعاة" ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم -: والظاهر عندي أنه مخصوص بالنبيّ ﷺ ليس بأعمّ، وأما ما يفعله القبريّون من وضع الرياحين على القبور، وغرس الأشجار عليها، وسترها بالثياب، وإجمارها، وتبخيرها بالعود، واتّخاذ السرج عليها، فلا شكّ في كونه بدعة وضلالةً، ومن زعم أن هذا الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة، فقد جهل، وافترى على الرسول ﷺ . انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب المرعاة ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، ومثل ذلك من استدلّ بهذا الحديث على مشروعيّة قراءة القرآن في القبر، فقد ابتدع في الدين، وأتى بما لم يشرعه الله تعالى، فإن النبيّ ﷺ مع
стр. 4093
كثرة من يموت في عهده، لم يأمر أحدًا أن يقرأ القرآن للميت، ولا فعله الخلفاء الراشدون بعده، ولا القرون المفضّلة.
وأما ما أورده العينيّ محتجًّا على مشروعيّة ذلك من الأحاديث (١) فمما يُتعجّب منه، فإنها كلها أحاديث واهية، لا يثبت منها شيء، فلا تغترّ بها، وكن من الْيَقِظِين الْحَذِرين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في ذكر ما جاء من الاختلاف في اسم المقبورَين:
(اعلم): أنه لم يُعرف اسم المقبورين، ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان عمدًا من الرواة قصدًا للستر، وأنه لا ينبغي الفحص عن مثل هذا.
قال الحافظ: وما حكاه القرطبيّ في "التذكرة" وضعّفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ، فهو قول باطلٌ لا ينبغي ذكره إلا مقرونًا ببيانه، ومما يدلّ على بطلانه الحكاية المذكورة أن النبيّ ﷺ حضر دفن سعد بن معاذ، كما ثبت في الحديث الصحيح، وأما قصّة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه ﷺ قال لهم: "من دفنتم اليوم ها هنا؟ "، فدلّ على أنه لم يحضرهما.
قال: وإنما ذكرت هذا ذَبًّا عن هذا السيد الذي سماه النبيّ ﷺ سيّدًا، وقال لأصحابه: "قوموا إلى سيدكم"، وقال: "إن حكمه قد وافق حكم الله"، وقال: "إن عرش الرحمن اهتَزَّ لموته" إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة؛ خشيةَ أن يَغْتَرّ ناقص العلم بما ذكره القرطبيّ، فيعتقد صحة ذلك، وهو باطل.
وقد اختُلِفَ في المقبورَين، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المدينيّ، واحتجّ بما رواه من حديث جابر، بسند فيه ابن لَهِيعة: "أن النبيّ ﷺ مَرّ على قبرين من بني النجار، هَلَكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة"، قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقويّ، لكن معناه صحيح، لأنهما لو كانا مسلمين لَمَا كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنًى، ولكنه لَمّا رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه، فشفع لهما إلى المدة المذكورة.
стр. 4094
وجزم ابن العطار في "شرح العمدة" بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين؛ لأنهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجّاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيّنه - يعني كما في قصة أبي طالب -.
قال الحافظ: وما قاله أخيرًا هو الجواب، وما طالب به من البيان قد حَصَلَ، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية، لكن الحديث الذي احتجَّ به أبو موسى ضعيف، كما اعتَرَف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح، على شرط مسلم، وليس فيه سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي قدمنا أن مسلمًا أخرجه، واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهرٌ.
وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين، ففي رواية ابن ماجه: "مَرّ بقبرين جديدين"، فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أُمامة عند أحمد: "أنه ﷺ مَرّ بالبقيع، فقال: من دفنتم اليوم ها هنا؟ "، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين؛ لأن البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب للمسلمين، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم.
ويُقَوِّي كونهما كانا مسلمين روايةُ أبي بكرة، عند أحمد، والطبرانيّ، بإسناد صحيح: "يعذبان، وما يُعَذَّبان في كبير، بلى، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول".
فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين؛ لأن الكافر، وإن عُذِّب على ترك أحكام الإسلام، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في ذكر اختلاف أهل العلم في الأبوال، والأرواث، الطاهر منها والنجس:
стр. 4095
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: دلت الأخبار عن رسول الله ﷺ على أن أبوال بني آدم نَجِسَة، يجب غسلها من البدن، ومن الثوب الذي يُصلي فيه، إلا ما روي عنه في بول الغلام الذي لم يَطْعَم الطعام.
واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، فقالت طائفة: بول ما يؤكل لحمه طاهرٌ، وليس كذلك عندها أبوال ما لا يؤكل لحمه، فممن قال: ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله: عطاء، والنخعيّ، والثوريّ، ورَخَّص في أبوال الإبل والغنم الزهريّ، وقال يحيى الأنصاريّ في الأبوال: لا يكره ذلك من الإبل والبقر والغنم، ورَخَّص الشعبيّ في بول التيس، وقال الحسن، وقتادة فيمن وَطِئ على الروث الرَّطْب: يمسح قدميه، ويُصلي، ورَخَّص الحكم في أبوال الشياه، قال: لا تغسله، وروي عن أبي موسى ﵁ أنه صَلّى على التراب والسرقين (١).
ورخص في ذَرْقِ (٢) الطير أبو جعفر، والحكم، وحماد، وقال حماد في خرء الدجاج: إذا يبس فافرُكه، وكان الحسن لا يَرَى على من صلى وفي ثوبه خرء الدجاج إعادةً.
وقالت طائفة: الأرواث، والأبوال كلها نَجِسة، ما أُكل لحمه، أو لم يؤكل، وكذلك ذَرْقُ الطير كلها نجس، هذا قول الشافعيّ، وقد حُكِي عنه أنه استثنى من ذلك بول الغلام الذي لم يَطعَم، وأَمَرَ بالرشّ عليه، وكان الشافعيّ يقول: لا يجوز بيع الْعَذِرة، ولا الروث، ولا البول، كان ذلك من الناس، أو من الدواب، وقال أبو ثور كقول الشافعيّ في الأبوال والأرواث: إنها كلها نجسة، رطبًا كان أو يابسًا، وقال الحسن: البول كله يُغْسَل، وكان يَكْرَه أبوال البهائم كلّها، يقول: اغسل ما أصابك منها، وقال حماد في بول الشاة: اغسله.
стр. 4096
وفيه قول ثالث، قاله مالك، قال: لا يَرَى أهلُ العلم أبوال ما أُكِل لحمه، وشُرِب لبنه من الأنعام نَجَسًا، وكذلك أبعارها، وهم يستحسنون مع ذلك غسلها، ولا يرون بالاستشفاء بشرب أبوالها بأسًا، ويكرهون أبوال ما لا يؤكل لحمه من الدواب، وأرواثها الرَّطْبة ويرون أن يعيد ما كان في الوقت، ويكرهون شرب أبوالها وألبانها، هذه حكاية ابن وهب عنه.
وحَكَى ابنُ القاسم أن مالكًا كان لا يَرَى بأسًا بأبوال ما أُكل لحمه، مما لا يأكل الْجِيَف، وأرواثها إن وقع في الثوب، وقال في الطير التي تأكل الجيف والأذى: يعيد من كان في ثوبه منه شيء صلاته في الوقت، قال: فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه.
ووَقَفَ أحمد عن الجواب في أبوال ما يؤكل لحمه مرةً، وقال مرة: يُنَزَّه عن بول الدواب كلها أحبّ إليّ، ولكن البغل والحمار أشدّ، وقال إسحاق كذلك، وقد اختلف قول أحمد في هذا الباب.
وقالت طائفة: الأبوال كلها سوى بول بني آدم طاهرٌ لا يجب غسله، ولا نضحه إلا أن يوجَب ذلك مما يجب التسليم له، قال: وليس بين بول ما أُكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه فرق؛ لأن الفرائض لا تجب إلا بحجة.
وقدْ ذَكَر مغيرة بن أبي معشر أنه قال: بال بَغْلٌ قريبٌ مني، فتنحيت، فقال لي إبراهيم: ما عليك لو أصابك، وقد رَوَينا عن عطاء، والزهريّ أنهما أمرا بالرشّ على بول الإبل، وقال النعمان في روث الفرس، وروث الحمار، والروثِ كلِّهِ: سواءٌ إذا أصاب الثوبَ منه أكثر من الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وكذلك إذا أصاب الخفّ والنعل.
وقال يعقوب ومحمد: يجزيه إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا، وقال النعمان في بول الفرس: لا يُفسِد إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا، وبول الحمار يُفسد إذا كان أكثر من الدرهم، وهو قول النعمان ويعقوب، وقال محمد: لا يُفسد بول الفرس، وإن كان كثيرًا فاحشًا؛ لأنه بول ما يؤكل لحمه.
وقال النعمان في أَخْثاء البقر، وخُرء الدجاج، مثلُ السِّرْقين: يُفسد منه أكثر من قدر الدرهم، وكذلك قال يعقوب ومحمد في خُرء الدجاج خاصةً، وقال محمد: الكثير الفاحش الربعُ فصاعدًا.
стр. 4097
قال ابن المنذر: احتَجّ مَن جَعَلَ الأبوال كلها نجسة بأن أبوال بني آدم لَمّا كانت نجسةً، فأبوال البهائم أولى بذلك؛ لأن مأكول الآدميين، ومشروبهم يدخل حلالًا، ثم يتغير في الجوف، حتى يخرج نجسًا، فكان ما كان تَعْتَلِف البهائم، وتأكل السباع أولى بهذا؛ لأنها لا تتوقأ (١) ما تأكل.
قال ابن المنذر: ويلزم مَن جعل أبوال البهائم قياسًا على أبوال بني آدم، أن يجعل شعر بني آدم قياسًا على أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار الأنعام، هذا إذا جاز أن يجعل أحد الصنفين قياسًا على الآخر، فإذا فَرَّقَ مُفَرِّق في غير هذا الباب بين بني آدم، والأنعام بفروق كثيرة، ومَنَعَ أن يُجعَل أحدهما قياسًا على الآخر، وَجَبَ كذلك في هذا الباب، أن لا يُجعَل أحد الصنفين قياسًا على الآخر، والأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ دالةٌ على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوال الإبل، وبين أبوال البقر والغنم.
ثم أخرح بسنده عن أنس ﵁ أن أُناسًا من عُرَينة، قَدِموا المدينة، فأرسلهم النبيّ ﷺ في إبل الصدقة، وقال لهم: "اشرَبُوا من ألبانها وأبوالها"، متفقٌ عليه.
قال ابن المنذر: وهذا يدل على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوالها وأبوال سائر الأنعام، مع أن الأشياء على الطهارة حتى تَثْبُت نجاسة شيء منها بكتاب، أو سنة، أو إجماع.
فإن قال قائل بأن ذلك للعرنيين خاصّةً، قيل له: لو جاز أن يقال في شيء من الأشياء خاصّةٌ بغير حجة لجاز لكل من أراد فيما لا يوافق من السنن مذاهب أصحابه، أن يقول: ذلك خاصّ، وظاهر خبر رسول الله ﷺ في هذا الباب، مُسْتَغْنًى به عن كل قول.
واستعمالُ الخاصة والعامة أبوال الإبل في الأدوية، وبيعُ الناس ذلك في أسواقهم، وكذلك الأَبْعَار تُباع في الأسواق، ومَرابضُ الغنم يُصَلَّى فيها، والسنن الثابتة دليل على طهارة ذلك، ولو كان بيع ذلك مُحَرَّمًا لأنكَرَ ذلك أهل
стр. 4098
العلم، وفي ترك أهل العلم إنكار بيع ذلك في القديم والحديث، واستعمال ذلك، معتمدين فيها على السنة الثابتة بيان لما ذكرناه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّق الإمام ابن المنذر ﵀ بحث نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح كون الأبوال والأبعار، والأخثاء طاهرة مطلقًا، من جميع الحيوانات، مأكولة اللحم، وغير مأكولته، إلا بول الآدميّ؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عن بول ما يؤكل لحمه، هل هو نَجَسٌ؟.
فأجاب: أما بول ما يؤكل لحمه وروثه، فإن أكثر السلف على أن ذلك ليس بنجس، وهو مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما، ويقال: إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَثٌ، لا سلف له من الصحابة، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليلٌ شرعيّ على نجاسته أصلًا، فإن غاية ما اعتَمَدوا عليه قوله ﷺ : "تنزّهوا من البول"، وظنّوا أن هذا عامّ في جميع الأحوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدميّ، ودليله قوله: "تنزّهوا من البول، فإن عامّة عذاب القبر منه"، ومعلوم أن عامّة عذاب القبر إنما هو من بول الآدميّ نفسِهِ الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يُصيبه إلا نادرًا.
وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبيّ ﷺ أنه أمر العُرَنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام أن يَلْحَقُوا بإبل الصدقة، وأمر أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يُصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال، مع حِدْثان عهدهم بالإسلام، ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبًا، ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيّما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلالٌ ظاهرة، مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن النبيّ ﷺ من وجوه كثيرة.
стр. 4099
وأيضًا فقد ثبت في "الصحيح" أن النبيّ ﷺ كان يُصلّي في مَرابض الغنم، وأنه أَذِن في الصلاة في مرابض الغنم من غير اشتراط حائل، ولو كانت أبعارها نَجِسةً لكانت مرابضها كحُشُوش بني آدم، وكان ينهى عن الصلاة فيها مطلقًا، أو لا يصلى فيها إلا مع الحائل المانع، فلما جاءت السنّة بالرخصة في ذلك، كان مَن سَوَّى بين أبوال الآدميين، وأبوال الغنم مخالفًا للسنّة.
وأيضًا فقد طاف النبيّ ﷺ بالبيت على بعيره مع إمكان أن يبول البعير.
وأيضًا فما زال المسلمون يدُوسون حُبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحبّ من البول وأخباث البقر.
وأيضًا فإن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة؛ إذ ليس في ذلك نصّ، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. انتهى كلام شيخ الإسلام (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، وقد ذكر في رسالة أخرى لترجيح هذا المذهب بضعة عشر دليلًا (٢)، فأجاد، وأفاد.
وقال العلامة الشوكانيّ بعد ذكر الأقوال المتقدّمة: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان، يؤكل لحمه؛ تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعيّ، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقْبَل قول مُدَّعِيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مُرادًا به الخصوص كما سلف عمومٌ ظنيُّ الدلالة، لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف.
[فإن قلت]: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يَرِدَ دليلٌ، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول، وزِبْله على العموم؟.
[قلت]: قد تمسكوا بحديث: "إنها رِكْسٌ"، قاله ﷺ في الروثة، أخرجه
стр. 4100
البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، وبما تقدم في بول الآدميّ، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتَقِضٌ بالقول بنجاسة زِبْل الجلالة، والدفعُ بأن العلة في زِبل (١) الجلالة هو الاستقذار، منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر، كالطاهر إذا صار منتنًا، إلا أن يقال: إن زبل الجلّالة هو محكوم بنجاسته، لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة؛ لعدم الاستحالة التامة.
وأما الاستدلال بمفهوم حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه"، فغير صالح لضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به، حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سَوّار بن مُصْعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، مُتَّفَقٌ على ترك الرواية عنه، يَرْوِي الموضوعات.
قال: فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزِبْله، والروثة.
وقد نقل التيميّ أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته: "إنها رِكْسٌ، إنها روثة حمار".
وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فإن وَجَدتَّ في بول بعضها أو زِبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارةً أو نجاسةً ألحقته، وإن لم تَجِد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة، كما عرفت. انتهى كلام الشوكاني ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما أسلفته من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها، أن أرجح المذاهب هو القول بأن الأبوال والأزبال طاهرةٌ مطلقًا، من مأكول اللحم وغيره، إلا الآدميّ، وكذلك الروثة؛ لحديث: "إنها ركسٌ"، وذلك للأدلة التي سبقت، وتمسّكًا بالبراءة الأصليّة؛ إذ لم يَرْدْ نصّ قاطعٌ يَنْقُل عنها، فالبقاء عليها هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.