← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وفيه قول ثالث، قاله مالك، قال: لا يَرَى أهلُ العلم أبوال ما أُكِل لحمه، وشُرِب لبنه من الأنعام نَجَسًا، وكذلك أبعارها، وهم يستحسنون مع ذلك غسلها، ولا يرون بالاستشفاء بشرب أبوالها بأسًا، ويكرهون أبوال ما لا يؤكل لحمه من الدواب، وأرواثها الرَّطْبة ويرون أن يعيد ما كان في الوقت، ويكرهون شرب أبوالها وألبانها، هذه حكاية ابن وهب عنه. وحَكَى ابنُ القاسم أن مالكًا كان لا يَرَى بأسًا بأبوال ما أُكل لحمه، مما لا يأكل الْجِيَف، وأرواثها إن وقع في الثوب، وقال في الطير التي تأكل الجيف والأذى: يعيد من كان في ثوبه منه شيء صلاته في الوقت، قال: فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه. ووَقَفَ أحمد عن الجواب في أبوال ما يؤكل لحمه مرةً، وقال مرة: يُنَزَّه عن بول الدواب كلها أحبّ إليّ، ولكن البغل والحمار أشدّ، وقال إسحاق كذلك، وقد اختلف قول أحمد في هذا الباب. وقالت طائفة: الأبوال كلها سوى بول بني آدم طاهرٌ لا يجب غسله، ولا نضحه إلا أن يوجَب ذلك مما يجب التسليم له، قال: وليس بين بول ما أُكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه فرق؛ لأن الفرائض لا تجب إلا بحجة. وقدْ ذَكَر مغيرة بن أبي معشر أنه قال: بال بَغْلٌ قريبٌ مني، فتنحيت، فقال لي إبراهيم: ما عليك لو أصابك، وقد رَوَينا عن عطاء، والزهريّ أنهما أمرا بالرشّ على بول الإبل، وقال النعمان في روث الفرس، وروث الحمار، والروثِ كلِّهِ: سواءٌ إذا أصاب الثوبَ منه أكثر من الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وكذلك إذا أصاب الخفّ والنعل. وقال يعقوب ومحمد: يجزيه إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا، وقال النعمان في بول الفرس: لا يُفسِد إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا، وبول الحمار يُفسد إذا كان أكثر من الدرهم، وهو قول النعمان ويعقوب، وقال محمد: لا يُفسد بول الفرس، وإن كان كثيرًا فاحشًا؛ لأنه بول ما يؤكل لحمه. وقال النعمان في أَخْثاء البقر، وخُرء الدجاج، مثلُ السِّرْقين: يُفسد منه أكثر من قدر الدرهم، وكذلك قال يعقوب ومحمد في خُرء الدجاج خاصةً، وقال محمد: الكثير الفاحش الربعُ فصاعدًا.

стр. 4097

قال ابن المنذر: احتَجّ مَن جَعَلَ الأبوال كلها نجسة بأن أبوال بني آدم لَمّا كانت نجسةً، فأبوال البهائم أولى بذلك؛ لأن مأكول الآدميين، ومشروبهم يدخل حلالًا، ثم يتغير في الجوف، حتى يخرج نجسًا، فكان ما كان تَعْتَلِف البهائم، وتأكل السباع أولى بهذا؛ لأنها لا تتوقأ (١) ما تأكل. قال ابن المنذر: ويلزم مَن جعل أبوال البهائم قياسًا على أبوال بني آدم، أن يجعل شعر بني آدم قياسًا على أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار الأنعام، هذا إذا جاز أن يجعل أحد الصنفين قياسًا على الآخر، فإذا فَرَّقَ مُفَرِّق في غير هذا الباب بين بني آدم، والأنعام بفروق كثيرة، ومَنَعَ أن يُجعَل أحدهما قياسًا على الآخر، وَجَبَ كذلك في هذا الباب، أن لا يُجعَل أحد الصنفين قياسًا على الآخر، والأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ دالةٌ على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوال الإبل، وبين أبوال البقر والغنم. ثم أخرح بسنده عن أنس ﵁ أن أُناسًا من عُرَينة، قَدِموا المدينة، فأرسلهم النبيّ ﷺ في إبل الصدقة، وقال لهم: "اشرَبُوا من ألبانها وأبوالها"، متفقٌ عليه. قال ابن المنذر: وهذا يدل على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوالها وأبوال سائر الأنعام، مع أن الأشياء على الطهارة حتى تَثْبُت نجاسة شيء منها بكتاب، أو سنة، أو إجماع. فإن قال قائل بأن ذلك للعرنيين خاصّةً، قيل له: لو جاز أن يقال في شيء من الأشياء خاصّةٌ بغير حجة لجاز لكل من أراد فيما لا يوافق من السنن مذاهب أصحابه، أن يقول: ذلك خاصّ، وظاهر خبر رسول الله ﷺ في هذا الباب، مُسْتَغْنًى به عن كل قول. واستعمالُ الخاصة والعامة أبوال الإبل في الأدوية، وبيعُ الناس ذلك في أسواقهم، وكذلك الأَبْعَار تُباع في الأسواق، ومَرابضُ الغنم يُصَلَّى فيها، والسنن الثابتة دليل على طهارة ذلك، ولو كان بيع ذلك مُحَرَّمًا لأنكَرَ ذلك أهل

стр. 4098

العلم، وفي ترك أهل العلم إنكار بيع ذلك في القديم والحديث، واستعمال ذلك، معتمدين فيها على السنة الثابتة بيان لما ذكرناه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّق الإمام ابن المنذر ﵀ بحث نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح كون الأبوال والأبعار، والأخثاء طاهرة مطلقًا، من جميع الحيوانات، مأكولة اللحم، وغير مأكولته، إلا بول الآدميّ؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم. وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عن بول ما يؤكل لحمه، هل هو نَجَسٌ؟. فأجاب: أما بول ما يؤكل لحمه وروثه، فإن أكثر السلف على أن ذلك ليس بنجس، وهو مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما، ويقال: إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَثٌ، لا سلف له من الصحابة، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليلٌ شرعيّ على نجاسته أصلًا، فإن غاية ما اعتَمَدوا عليه قوله ﷺ : "تنزّهوا من البول"، وظنّوا أن هذا عامّ في جميع الأحوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدميّ، ودليله قوله: "تنزّهوا من البول، فإن عامّة عذاب القبر منه"، ومعلوم أن عامّة عذاب القبر إنما هو من بول الآدميّ نفسِهِ الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يُصيبه إلا نادرًا. وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبيّ ﷺ أنه أمر العُرَنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام أن يَلْحَقُوا بإبل الصدقة، وأمر أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يُصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال، مع حِدْثان عهدهم بالإسلام، ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبًا، ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيّما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلالٌ ظاهرة، مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن النبيّ ﷺ من وجوه كثيرة.

стр. 4099

وأيضًا فقد ثبت في "الصحيح" أن النبيّ ﷺ كان يُصلّي في مَرابض الغنم، وأنه أَذِن في الصلاة في مرابض الغنم من غير اشتراط حائل، ولو كانت أبعارها نَجِسةً لكانت مرابضها كحُشُوش بني آدم، وكان ينهى عن الصلاة فيها مطلقًا، أو لا يصلى فيها إلا مع الحائل المانع، فلما جاءت السنّة بالرخصة في ذلك، كان مَن سَوَّى بين أبوال الآدميين، وأبوال الغنم مخالفًا للسنّة. وأيضًا فقد طاف النبيّ ﷺ بالبيت على بعيره مع إمكان أن يبول البعير. وأيضًا فما زال المسلمون يدُوسون حُبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحبّ من البول وأخباث البقر. وأيضًا فإن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة؛ إذ ليس في ذلك نصّ، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. انتهى كلام شيخ الإسلام (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، وقد ذكر في رسالة أخرى لترجيح هذا المذهب بضعة عشر دليلًا (٢)، فأجاد، وأفاد. وقال العلامة الشوكانيّ بعد ذكر الأقوال المتقدّمة: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان، يؤكل لحمه؛ تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعيّ، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقْبَل قول مُدَّعِيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مُرادًا به الخصوص كما سلف عمومٌ ظنيُّ الدلالة، لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف. [فإن قلت]: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يَرِدَ دليلٌ، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول، وزِبْله على العموم؟. [قلت]: قد تمسكوا بحديث: "إنها رِكْسٌ"، قاله ﷺ في الروثة، أخرجه

стр. 4100

البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، وبما تقدم في بول الآدميّ، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتَقِضٌ بالقول بنجاسة زِبْل الجلالة، والدفعُ بأن العلة في زِبل (١) الجلالة هو الاستقذار، منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر، كالطاهر إذا صار منتنًا، إلا أن يقال: إن زبل الجلّالة هو محكوم بنجاسته، لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة؛ لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه"، فغير صالح لضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به، حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سَوّار بن مُصْعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، مُتَّفَقٌ على ترك الرواية عنه، يَرْوِي الموضوعات. قال: فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزِبْله، والروثة. وقد نقل التيميّ أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته: "إنها رِكْسٌ، إنها روثة حمار". وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فإن وَجَدتَّ في بول بعضها أو زِبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارةً أو نجاسةً ألحقته، وإن لم تَجِد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة، كما عرفت. انتهى كلام الشوكاني ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما أسلفته من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها، أن أرجح المذاهب هو القول بأن الأبوال والأزبال طاهرةٌ مطلقًا، من مأكول اللحم وغيره، إلا الآدميّ، وكذلك الروثة؛ لحديث: "إنها ركسٌ"، وذلك للأدلة التي سبقت، وتمسّكًا بالبراءة الأصليّة؛ إذ لم يَرْدْ نصّ قاطعٌ يَنْقُل عنها، فالبقاء عليها هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4101

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٤] ( … ) - (حَدَّثَنِيهِ (١) أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَكَانَ الْآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ - أَوْ - مِنَ الْبَوْلِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنة (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٠. ٢ - (مُعَلَّى (٢) بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ (٣)، أبو الهيثم البصري، أخو بهز، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن وهيب بن خالد، وعبد الواحد بن زياد، وعبد العزيز بن المختار، ويزيد بن زُريع، وعبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس، ومحمد بن حُمْران، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى الباقون له بواسطة أحمد بن يوسف السلميّ، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن عبد الله بن عليّ بن مَنْجُوف، وأبو داود سليمان بن مَعْبد السِّنْجيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعمرو بن منصور النسائيّ، ومحمد بن داود المصيصيّ، وهلال بن العلاء، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وأبو حاتم الرازيّ، وغيرهم. قال العجليّ: شيخ بصريّ ثقةٌ كَيِّس، وكان مُعَلّمًا، وأخوه بهز أسنّ منه، وهو ثبتٌ في الحديث، رجلٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: ثقة ما أعلم أني عثرت له على خطأ غير حديث واحد، وقال مسلمة بن قاسم: ثقةٌ، وقال مسعود بن الحكم: ثقةٌ مأمونٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها أَرَّخَه ابن قانع، والقرّاب، وقال خليفة: مات سنة تسع عشرة.

стр. 4102

روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجَهْ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٢٩٢) و (٣٣٦) و (٧٢١) و (١٢٤٨) (١٤٣٥) و (٢٢٢٣) و (٢٣٤١). ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إلخ) الضمير لعبد الواحد، يعني أن عبد الواحد قال في روايته: "وكان الآخر لا يستنزه من البول"، بنون ساكنة، بعدها زاي، ثم هاء، من الاستنزاه، قال ابن الأثير ﵀: أي لا يستبرئ، ولا يتطهّر، ولا يستبعد من البول (١)، وقال في "الفتح": "لا يستنزه" من التنزّه، وهو الإبعاد. انتهى (٢). وفي "المصباح": التنزّه: التباعد عن المياه والأَرْياف، ومنه فلانٌ يَتَنَزّه عن الأقذار: أي يتباعد عنها. انتهى (٣). وقوله: (أَوْ مِنَ الْبَوْلِ) "أو" للشكّ من الراوي. [تنبيه]: رواية عبد الواحد هذه أخرجها الإمام الدارميّ في "سننه" (١/ ٢٠٥) فقال: (٧٣٩) أخبرنا الْمُعَلَّى بن أسد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مَرّ رسول الله ﷺ بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان في قبورهما، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه عن البول - أو - من البول"، قال: ثم أخذ جريدة رطبةً، فكسرها، فغرَزَ عند رأس كل قبر منهما قطعةً، ثم قال: "عسى أن يُخَفَّفَ عنهما حتى يَيْبَسَا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 4103

(٣) - (كِتَابُ الْحَيْضِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بيان أحكام الحيض، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في تعريفه لغةً، وشرعًا: قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضًا ومَحِيضًا، فهي حائض بغير هاء؛ لأن هذه صفة لا تكون للمذكر، فلم يُحتج إلى إلحاق الهاء فيه للفرق، بخلاف مسلمة، وقائمة، وحَكَى الجوهريّ عن الفرّاء أنه يقال أيضًا: حائضةٌ بالهاء، وأنشد: كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْرَ طَاهِرِ (١) وقال أهل اللغة: عَرَكَت - بفتح العين والراء - تَعْرُك عُرُوكًا، كقَعَدَتْ تقعُد قُعُودًا: أي حاضت، قال الهرويّ في "الغريبين": يقال: حاضت المرأةُ وتحيَّضَت، ودَرَسَت، وعَرَكَت، وطَمَثَت تَحِيض حيضًا ومَحِيضًا ومَحَاضًا: إذا سال دمها في أوانه، فإذا سال في غير أوقاته المعلومة، فهي مستحاضة. وقال أهل اللغة: يقال: نساءٌ حُيَّضٌ، وحوائض، والْحَيْضَةُ - بفتح الحاء - المرّة الواحدة من الحيض، والْحِيضة - بكسر الحاء - اسم للحالة والهيئة. وقال أبو منصور الأزهريّ في "شرح ألفاظ مختصر المزنيّ": الحيض دمٌ يُرخيه رَحِم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، وأصله من حاض السيل، وفاض: إذا سال، سُمّي حيضًا لسيلان الدم في الأوقات المعتادة، قال: والاستحاضة أن يسيل الدم في غير أوقاته المعتادة، قال: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ويكون أسود مُحتدِمًا، أي حارًّا كأنه محترق، وأما دم

стр. 4104

الاستحاضة، فيسيل من العاذل، وهو عرقٌ فمُهُ الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره، قال: وذُكر ذلك عن ابن عبّاس ﵄. انتهى ملخّصًا من "تهذيب الأسماء واللغات" للنوويّ ﵀ (١). وقال في "شرح مسلم": وأما الحيض فأصله في اللغة السيلان، وحاض الوادي: إذا سال، قال الأزهريّ، والهرويّ، وغيرهما من الأئمة: الحيض جَرَيَان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرْخيه رَحِمُ المرأة بعد بلوغها، والاستحاضةُ: جريان الدم في غير أوانه، قالوا: ودم الحيض يَخرُج من قَعْر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل - بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة - وهو عِرْقٌ فَمُهُ الذي يَسيل منه في أدنى الرحم دون قعره، قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضًا، ومَحِيضًا ومَحَاضًا، فهي حائض بلا هاء، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى الجوهريّ عن الفراء حائضةٌ بالهاء، ويقال: حاضت، وتَحَيَّضت، ودَرَسَت، وطَمَثت (٢)، وعَرَكَت (٣)، وضَحِكَت، ونُفِسَت، كله بمعنى واحد، وزاد بعضهم: أكبرت، وأعصرت بمعنى حاضت. انتهى (٤). وقال ابن قُدامة ﵀: الحيض: دمٌ يُرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة؛ لحكمة تربية الولد، فإذا حَمَلت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته، ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا وضَعت الولدَ قلبه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذى به الطفل، ولذلك قلما تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع، بقي ذلك الدم لا مَصْرِف له، فيستقرّ في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقلّ، ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع. وسُمِّي حيضًا من قولهم: حاض السيل: إذا فاض، قال عمارة بن عقيل: أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ … عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ

стр. 4105

وقوله: حَيَّضَت: أي سَيَّلَت، والذَّوَارِي، والذاريات: الرياح. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فيما جاء في ابتداء الحيض: قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب كيف كان بدءُ الحيض"، وقول النبيّ ﷺ : "هذا شيءٌ كتبه الله علي بنات آدم" (٢)، وقال بعضهم: كان أوّلُ ما أُرسل الحيض على بني إسرائيل، وحديث النبيّ ﷺ أكثر. انتهى. قوله: وقال بعضهم: "كان أول إلخ" قال في "الفتح: وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن مسعود ﵁ بإسناد صحيح، قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد". وقوله: وحديث النبيّ ﷺ أكثر، قيل: معناه: أشمل؛ لأنه عامّ في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات، ومَن قبلهنّ، أو المراد: أكثر شواهد، أو أكثر قوّةً، وقال الداوديّ: ليس بينهما مخالفةٌ، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله: "بنات آدم" عامّ أُريد به الخصوص. قال الحافظ: ويمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتعميم، بأن الذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبةً لهنّ، لا ابتداء وجوده. وقد رَوَى الطبريّ وغيره عن ابن عباس وغيره، أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب.

стр. 4106

ورَوَى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄ أن ابتداء الحيض كان على حواء، بعد أَن أُهبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها. انتهى (١). وقال ابن المنذر ﵀ في "الأوسط" (٢/ ٢٠١): (٧٧٩) حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو الربيع، ثنا عباد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "لَمّا أكل آدم من الشجرة التي نُهِي عنها، قال آدم: رَبِّ زينته لي حواء، قال: فإني قد أَعْقبتها أن لا تَحْمِل إلا كرهًا، ولا تضع إلا كرهًا، ودَمَّيتها في الشهر مرتين، فَرَنَّت حواء عند ذلك، فقيل لها: الرنة عليك، وعلى بناتك". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أقلّ الحيض، وأكثره: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقالت طائفة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، هذا قول عطاء بن أبي رَبَاح، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور. وقالت طائفة: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، كذلك قال سفيان الثوريّ، والنعمان، ويعقوب، ومحمد. ورَوَينا عن سعيد بن جبير قولًا ثالثًا، أنه قال: الحيض إلى ثلاثة عشر يومًا، فما سوى ذلك فهي مستحاضة. وقد بلغني من نساء آل الماجشون أنهن كنّ يحضن سبعة عشر، قيل لأحمد: الحيض عشرين (٣) يومًا؟ قال: لا، فإن أكثر ما سمعناه سبعة عشر يومًا. وحَكَى عبد الرحمن بن مهديّ عن رجل يثق به، ويثني عليه خيرًا أنه

стр. 4107

يَعْرِف أن امرأة تحيض سبعة عشر، قال الأوزاعيّ: عندنا امرأة تحيض وتطهر عشيةً، قال الأوزاعيّ: يرون أنه حيضٌ تَدَعُ له الصلاة. وحَكَى محمد بن كثير، عن الأوزاعيّ أنه قال: كانت امرأة تحيض يومًا، وتنفس ثلاثًا، وحَكَى الحسن الحلوانيّ، عن يزيد بن هارون أنه قال: كانت عندي امرأة تحيض يومين يومين. وقالت فرقة: ليس لأقل الحيض بالأيام حدّ، ولا لأكثره وقتٌ، والحيض إقبال الدم المنفصل من دم الاستحاضة، والطهر إدباره. قال ابن المنذر: أما أصحاب الرأي فإن حجتهم فيما وَقّتوه، وقالوا به حديث رواه الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قُرّة، عن أنس (١)، وقد دَفَعَ هذا الحديث جماعة من أهل العلم، ذَكَر الميمونيّ أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره؟ قال: لا، قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء، أو قال: ليس يصحّ، قلت: فأعلى شيء في هذا الباب؟ فذكر حديث مَعْقِل، عن عطاء: الحيض يومٌ وليلةٌ. وكان ابن عيينة يقول: حديث محدث لا أصل له، وقال ابن المبارك: الجلد لا يُعْرَف بالحديث، ووَهَّنَ حديثه، وقال حماد بن زيد: ما كان الجلد بن أيوب يَسْوَى في الحديث شيئًا (٢). واحتج آخر بالحديث الذي رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال لامرأة: "دَعِي الصلاة أيام أَقْرائكِ" (٣)، وإن أقل الأيام ثلاثة.

стр. 4108

قال ابن المنذر: وهو حديث لا تقوم به الحجة، ولو ثبت لم يكن لقائل هذا القول فيه حجة، وذلك أنه قال: "أيام أقرائك"، فأضاف الأيام إلى الأقراء، والأقراء جمع قُرْء، وقد يقع اسم أيام على يومين، فإذا جمعت أيام من عدة أقراء، فهي أكثر من ثلاثة، وقد يقال لرجلين: رجال، وليومين: أيام، قال الله : ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء: ١١]، وأكثر أهل العلم يحجبون الأم عن الثلث بأخوين. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: عما يروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام ولياليهنّ، وأكثره خمسة عشر يومًا"، هل هو صحيح؟، وما تأويله على مذهب الشافعيّ، وأحمد؟. فأجاب: أما نقلُ هذا الخبر عن النبيّ ﷺ فهو باطلٌ، بل هو مكذوب موضوع باتّفاق علماء الحديث، ولكن هو مشهور عن أبي الخلد (٢)، عن أنس، وقد تُكُلّم في أبي الخلد، وأما الذين يقولون: أكثر الحيض خمسة عشر كما يقوله الشافعي وأحمد، ويقولون: أقلّه يوم، كما يقوله الشافعيّ وأحمد، أو لا حدّ له، كما يقوله مالك، فهم يقولون: لم يثبُت عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة كما قلنا، والله أعلم. انتهى كلامه ﵀ (٣). وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في كتابه "المحلى" (٢/ ١٩١): أقل الحيض دَفْعَة، فإذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن

стр. 4109

الصلاة والصوم، وحَرُم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغُسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التامّ، فقد طهرت، وتغتسل، أو تتيمم إن كانت من أهل التيمم، وتصلي وتصوم، ويأتيها بعلها أو سيدها، وهكذا أبدًا متى رأت الدم الأسود فهو حيض، ومتى رأت غيره فهو طهر، وتعتد بذلك من الطلاق، فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يومًا، فإن زاد ما قل أو كثر فليس حيضًا. قال: برهان ذلك ما ذكرناه من ورود النصّ بأن دم الحيض أسود يُعرَف، وما عداه ليس حيضًا، ولم يخُصّ النبيّ ﷺ لذلك عدد أوقات من عدد، بل أوجب برؤيته أن لا تصلي ولا تصوم، وحَرَّم الله تعالى نكاحهن فيه، وأمر ﵇ بالصلاة عند إدباره والصوم، وأباح تعالى الوطء عند الطهر منه، فلا يجوز تخصيص وقت دون وقت بذلك، وما دام يوجد الحيض فله حكمه الذي جعله الله تعالى له، حتى يأتي نصّ أو إجماع على أنه ليس حيضًا، ولا نص ولا إجماع في أقل من سبعة عشر يومًا، فما صحّ الإجماع فيه أنه ليس حيضًا وُقِف عنده، وانتقلت عن حكم الحائض، وما اختُلِف فيه فمردود إلى النبيّ ﷺ ، وهو ﵇ جعل للدم الأسود حكم الحيض، فهو حيض مانع مما ذكرنا، ولم يأت نصّ ولا إجماع على أن بعض الطهر المبيح للصلاة والصوم، لا يكون قرءًا في العدّة، فالمفرق بين ذلك مخطئ، متيقن الخطأ، قائلٌ ما لا قرآنٌ جاء به، ولا سنةٌ لا صحيحة ولا سقيمةٌ، ولا قياسٌ، ولا إجماع، بل القرآن والسنة كلاهما يوجب ما قلنا من امتناع الصلاة والصوم بالحيض، ووجودهما بعدم الحيض، ووجود الطهر، وكون الطهر بين الحيضتين قرءًا يحتسب به في العدّة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فمن حدّ في أيام القرء حدًّا فهو مبطل، وقافٍ ما لا علم له به، وما لم يأت به نصّ، ولا إجماع. ثم ذكر ابن حزم اختلاف العلماء في ذلك، وأدلّتها، وناقشها بما لا تراه في كتابه، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأقوال، وأدلتها أنّ مرجع

стр. 4110

أقل الحيض، وأكثره هو العرف، فلا حدّ لأقلّه، ولا لأكثره؛ لعدم ورود نصّ قاطع، ولا إجماع على ذلك، فما حصل من المرأة بصفة الحيض في أوقاته المعلومة، فهو حيض قلّ أو كثُر إلى أن تطهر، فإن تمادى بها فلا يتجاوز سبعة عشر يومًا؛ لأن ذلك أقصى ما نُقل عن أهل العلم، ووقع عليه الإجماع، كما أشار إليه ابن حزم ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة): (اعلم): أنه قد علّق الشرع على الحيض أحكامًا: (فمنها): أنه يَحرُم وطء الحائض في الفرج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (ومنها): أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، بدليل قول النبيّ ﷺ : "أليست إحداكُنّ إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي؟ "، رواه البخاريّ، وقالت حمنة ﵂ للنبيّ ﷺ : "إني أُستحاض حيضةً شديدةً منكرةً، وقد منعتني الصوم والصلاة … " الحديث، وقال النبيّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة … "، الحديث. (ومنها): أنه يُسقِط وجوب الصلاة دون الصيام؛ لِمَا رُوي أن معاذة قالت: سألت عائشة ﵂، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، متفق عليه، إنما قالت لها عائشة ذلك؛ لأن الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة. (ومنها): أنه يمنع قراءة القرآن؛ لقوله ﷺ : "لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئًا من القرآن". قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، وترجيح القول بجواز قراءتها القرآن - إن شاء الله تعالى -. (ومنها): أنه يمنع اللبث في المسجد، والطواف بالبيت، لأنه في معنى الجنابة. (ومنها): أنه يُحَرِّم الطلاق؛ لقول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ

стр. 4111

لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، ولَمّا طَلَّق ابن عمر ﵄ امرأته، وهي حائض، أمره النبيّ ﷺ برجعتها، وإمساكها حتى تطهر، متفقٌ عليه. (ومنها): أنه يمنع صحة الطهارة؛ لأن حدثها مقيم. (ومنها): أنه يوجب الغسل عند انقطاعه؛ لقوله ﵇: "امكُثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي"، متفق عليه. (ومنها): أنه عَلَمٌ على البلوغ؛ لقوله ﷺ : "لا يَقْبَل الله صلاة حائض إلا بخمار". (ومنها): أنه لا تنقضي العدة في حقّ المطلقة وأشباهها إلا به؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة، وإذا ثبت هذا فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض لِيُعْلَم ما يتعلق به من الأحكام. قال أحمد ﵀: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة ﵅، وفي رواية: حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. [فائدتان]: (الأولى): ذكر الجاحظ في "كتاب الحيوان" أن الذي يحيض من الحيوانات أربعة: الآدميات، والأرنب، والضبع، والخفّاش، وزاد غيره أربعة أخرى، وهي الناقة، والكلبة، والوزغة، والْحِجْرُ، أي الأنثى من الخيل، وجعلها بعضهم عشرةً، ونظمها، بقوله [من الكامل]: الْحَيْضُ يَأْتِي للنِّسَاءِ وَتِسْعَةٍ … وَهِيَ النِّيَاقُ وَضَبْعُهَا وَالأَرْنَبُ وَالْوَزْغُ وَالْخُفَّاشُ حِجْرٌ (٢) كَلْبَةٌ … وَالْعِرْسُ وَالْحَيَّاتُ مِنْهَا تُحْسَبُ وَالْبَعْضُ زَادَ سُمَيْكَةً رَعَّاشَةً … فَاحْفَظْ فَفِي حِفْظِ النَّظَائِرِ يُرْغَبُ وزاد بعضهم على ذلك بنات وردان، والقردة، وزاد المناويّ الحدأة.

стр. 4112

والحيض المنسوب إلى هذه الحيوانات بمعنى السيلان (١). (الثانية): قيل: للحيض عشرة أسماء: حيضٌ، وطَمْثٌ - بالمثلّثة - وضَحِك، وإكبارٌ، وإعصارٌ، ودِرَاس، وعِرَاك - بالعين المهملة - وفِرَاك - بالفاء - وطَمْس - بالسين المهملة - ونفاس، وأوصلها بعضهم إلى خمسة عشر اسمًا، ونظمها بقوله [من البسيط]: لِلْحَيْضِ عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ وَخَمْسَتُهَا … حَيْضٌ مَحِيضٌ مَحَاضٌ طَمْثُ إِكْبَارُ طَمْسٌ عِرَاكٌ فِرَاكٌ مَعْ أَذًى ضَحِكٌ … دَرْسٌ دِرَاسٌ نِفَاسٌ قُرْءٌ اعْصَارُ (٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٥] (٢٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ (٣) إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشيّ أبو معاوية النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ تقدّم قبل بابين.

стр. 4113

٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويهْ الإمام الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، تقدّم قبل بابين. ٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر الكوفي الحافظ، تقدّم قبل باب. ٦ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد النخعيّ الكوفي الفقيه، تقدّم قبل باب. ٧ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ تقدّم قبل باب أيضًا. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قبل باب أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): فيه قوله: "قال إسحاق أخبرنا إلخ"، ومعنى ذلك أن شيوخه اختلفوا في كيفيّة التحمّل، فأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير رويا الحديث عن جرير سماعًا من لفظه، ولذا قالا: حدّثنا جرير، وأما إسحاق فسمع قراءة قارئ يقرأ على جرير، ولذا قال: أخبرنا جرير، فقوله: "جرير" مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كلّ من "أخبرنا"، و"حدّثنا"، كما مرّ نظيره غير مرّة، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير زهير، فنسائيّ، نزيل بغداد، وإسحاق مروزيّ، وعائشة ﵂ مدنيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، على قول من عدّ منصورًا من صغار التابعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا)، أي إحدى أزواج النبيّ ﷺ ، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول في الرواية في الكتاب: "عن عائشة:

стр. 4114

كان إحدانا" من غير تاء في "كان"، وهو صحيحٌ، فقد حَكَى سيبويه في كتابه في "باب ما جَرَى من الأسماء التي هي من الأفعال، وما أشبهها من الصفات مَجْرَى الفعل"، قال: وقال بعض العرب: قال امرأةٌ، فقد نَقَلَ إمام هذه الصنعة أنه يجوز حذف التاء من فِعْلِ ما له فرج من غير فصل، وقد نَقَلَه أيضًا الإمام أبو الحسين بن خَرُوف في "شرح الْجُمَل"، وذكره آخرون، ويجوز أن تكون "كان" هنا التي للشأن والقصة، أي كان الأمر، أو الحال، ثم ابتَدَأَت، فقالت: إحدانا إذا كانت حائضًا أَمَرَها، والله أعلم. انتهى (١). وإلى هذه اللغة أشار ابن مالك: في "الخلاصة" حيث قال: وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَصْلٍ وَمَعْ … ضَمِيرِ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ (إِذَا كَانَتْ حَائِضًا) تقدّم أن "حائضًا" بلا تاء هو اللغة الفصحى؛ وذلك لكونه وصفًا خاصًّا بالنساء، فلا حاجة إلى إدخال التاء، وجاء أيضًا "حائضة" بتاء بناءً له على حاضت، وجمع الحائض: حُيَّض، مثل راكع ورُكَّع، وجمع الحائضة: حائضات، مثلُ قائمة وقائمات (٢). (أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) حذف مفعوله، أي بالائتزار، ولفظ البخاريّ: "أمرها أن تتّزر" (فَتَأْتَزِرُ) بهمزة ساكنة، مضارع ائتزر، قال القرطبيّ ﵀: الائتزار: شدّ الإزار على الوسط إلى الركبة، وقال ابن القصّار: من السرّة إلى الركبة، وهذا منه ﷺ مبالغة في التحرّز من النجاسة، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها. انتهى (٣). [تنبيه]: قوله: "فتَأْتَزر" بالهمزة هكذا رواية المصنف، وهي اللغة الفصحى، وفي رواية البخاريّ: "فتتّزر"، بتشديد التاء الثانية، وأصله تأتزر، بوزن تفتعل، وأنكر أكثر النحاة الإدغام فيه، حتى قال صاحب "المفصّل": إنه خطأٌ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين (٤)، وحكاه الصغانيّ في "مجمع البحرين"، وقال ابن مالك (٥): إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن

стр. 4115

محيصن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد، قاله في "الفتح" (١). وقال العينيّ ﵀ عند شرح قولها "فأتَّزِر" ما نصّه: بفتح الهمزة، وتشديد التاء المثناة من فوقُ وأصله ائتزر بالهمزتين، أولاهما مفتوحة، والثانية ساكنة؛ لأن أصله من أَزَرَ، فنُقل إلى باب افتعل، فصار ائتزر يَأْتَزِرُ، وكذا استُعمِل من غير إدغام في حديث آخر، وهو: "كان النبيّ ﷺ يباشر بعض نسائه، وهي مؤتزرة في حالة الحيض"، وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: وهي مُتَّزِرة، وهو خطأ؛ لأن الهمزة لا تُدْغَم في التاء. قال العينيّ: فعلى هذا ينبغي أن يقرأ فآتَزِر بالمد؛ لأن الهمزتين إذا اجتمعتا، وكانت الأولى متحركة، والثانية ساكنة، أُبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى، فتبدل ألفًا بعد الفتحة، فكذلك ها هنا؛ لأن أصله أَأْتَزِر، بهمزتين الأولى متحركة، والثانية ساكنة، فأُبدلت الثانية ألفًا، فصار آتزر بالمد. وقال ابن هشام: وعوامّ المحدثين يُحَرِّفونه، فيقرؤونه بألف وتاء مشددة، ولا وجه له؛ لأنه افتَعَل من الإزار، ففاؤه همزة ساكنة، بعد همزة المضارعة المفتوحة، وكذا الزمخشري أنكر الإدغام. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف، قال صاحب "المفصل": قول من قال: "اتَّزر" خطأ. قلت: قول عائشة، وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالْمُخَطِّئ مخطئٌ. قال العينيّ: إنما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت بالإدغام، فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأً مثل ما قال معظم أئمة هذا الشأن، ويكون الخطأ من بعض الرواة، أو من عوامّ المحدثين، لا من عائشة رضي الله تعالى عنها؟. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أشار ابن مالك ﵀ إلى أن الإدغام المذكور شاذّ في "الخلاصة" بقوله: ذُو اللِّينِ فَاتَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلَا … وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ "ائْتَكَلَا"

стр. 4116

(بِإِزَارٍ) بكسر الهمزة، هو ثوب يُحيط بالنصف الأسفل من البدن، يُذكّر، ويؤنّث (١). وقال في "المصباح": الإزار معروفٌ، والجمع في القلّة آزرة، وفي الكثرة أُزُرٌ بضمّتين، مثل حِمَار وحُمُر، ويُذكّر ويؤنّث، فيقال: هو الإزار، وهي الإزار، وربّما أُنّث بالهاء، فقيل: إزارة. انتهى باختصار (٢). (ثُمَّ يُبَاشِرُهَا) من المباشرة التي هي أن يمسّ الجلد الجلدَ، أي يمسّ بشرته بشرتها، وليس المراد به الجماع؛ لأن جماع الحائض حرام (٣). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ثم يباشرها": أي تلتقي بشرتاهما، والبَشَرة: ظاهر الجلد، والأدمة باطنه، ويعني بذلك الاستمتاع بما فوق الإزار، والمضاجعة، كما قال ﷺ للذي سأله عما يحلّ من امرأته الحائض، فقال: "لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها" (٤)، وهذا مبالغة في الحماية، وأما المحرَّم لنفسه فهو الفرج، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، من السلف وغيرهم. انتهى (٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١/ ٦٨٥ و ٦٨٦] (٢٩٣)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٣٠٠ و ٣٠٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٦٨)،

стр. 4117

و (الترمذيّ) فيه (١٣٢)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٥١ و ١٨٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٣٥ و ٦٣٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٣٧٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٢٣٧) (١/ ٦٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٥ و ١٣٤ و ١٧٠ و ١٧٤ و ١٨٢ و ١٨٧ و ١٨٩ و ٢٠٦ و ٢٠٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٤٢ و ٢٤٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٠٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٦٤)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ١٧٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١٠ و ٣١٢ و ٣١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩١ و ٨٩٢ و ٨٩٣ و ٨٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٦ و ٦٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): بيان جواز مباشرة الحائض، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أمر الرجل زوجته الحائض أن تتّزر، فإذا اتّزرت جاز له مباشرتها. ٣ - (ومنها): الأخذ بالأحوط خشية الوقوع في الحرام. ٤ - (ومنها): بيان أن المباشرة تكون فوق الإزار، لا تحته، وفيه خلاف سيأتي ترجيح الجواز في المسألة التالية أيضًا - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من ضبط النفس، وقوّة الإرادة، حيث لا تغلبه شهوته. ٦ - (ومنها): جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في لحاف واحد، إذا ائتزرت. ٧ - (ومنها): أنه أبدى في "الفتح" وجهًا مفرّقًا بين ابتداء الحيض وما بعده؛ لظاهر التقييد بقولها: "فور حيضتها"، قال: ويؤيّده ما رواه ابن ماجه

стр. 4118

بإسناد حسن، عن أم سلمة ﵂: "أن النبيّ ﷺ كان يتّقي سَوْرة الدم ثلاثًا، ثم يباشر بعد ذلك" (١)، ويُجمع بينه وبين الأحاديث الدالّة على المبادرة إلى المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين. انتهى (٢). ٨ - (ومنها): أن عرق الحائض طاهر؛ لأن الاضطجاع معها في لحاف واحد لا يخلو غالبًا من إصابة العرق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم مباشرة الحائض: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه كان يباشر المرأة من نسائه، وهي حائض، قال: ورَوَينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال فيما يحل للرجل من امرأته حائضًا: ما فوق الإزار، لا يَطَّلعَنّ إلى ما تحته حتى تطهر، وقالت عائشة ﵂: تَشُدّ إزارها على أسفلها، ثم يباشرها، وبمثل هذا المعنى قال سعيد بن المسيِّب، وشُريح، وعطاء، وطاوس، وسليمان بن يسار، وقتادة، وكان مالك بن أنس يقول: تشدّ إزارها، ثم شأنه بأعلاها، وكان الشافعيّ يقول: دَلَّت السنة على اعتزال ما تحت الإزار، وإباحة ما فوقه. ورَخَّصَ أحمد، وإسحاق، وأبو ثور في مباشرتها، ورَوَينا عن عليّ، وابن عباس ﵃ قالا: ما فوق الإزار، وعن أم سلمة، أنها أباحت مضاجعة الحائض، إذا كان على فرجها خِرْقة. ورَخَّصت طائفة لزوج الحائض إتيانها دون الفرج، ورَوَينا هذا القول عن عكرمة، والشعبيّ، وعطاء، وقال الحكم: لا بأس أن يَضَعَه على الفرج، ولا يُدْخِله، وقال الحسن: له أن يَلْعَب على بطنها، وبين فخذيها، وقال سفيان الثوريّ: لا بأس أن يباشرها زوجها إذا أنقَى (٣) موضع الدم، وقال أحمد: ما

стр. 4119

دون الجماع، وقال إسحاق: لو جامعها دون الفرج، فأنزل لم يكن به بأس، وقال النخعيّ: إن أم عمران لتعلم أني أطعن بين أَلْيتها (١)، وهي حائض. قال ابن المنذر ﵀: الأعلى، والأفضل اتباع السنة، واستعمالها، ثبت أن النبيّ ﷺ أَمَر عائشة ﵂ أن تتزر، ثم يباشرها، وهي حائض، ولا يَحرُم عندي أن يأتيها دون الفرج، إذا اتّقى موضع الأذى، والفرجُ بالكتاب، وبإتفاق أهل العلم مُحَرَّم في حال الحيض، وسائرُ البدن إذا اختلفوا فيه على الإباحة التي كانت قبل أن تحيض، وغير جائز تحريم غير الفرج، إلا بحجة، ولا حجة مع مَن مَنَعَ ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال غير واحد من العلماء: من حيث أمركم الله: أن يعتزلوهن في حال الحيض، والمباح منها بعد أن تطهر هو الممنوع منها قبل الطهارة، والفرج مُحَرَّم في حال الحيض بالكتاب، والإجماع، وسائرُ البدن على الإباحة التي كانت قبل الحيض. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وقال النوويّ ﵀: (اعلم): أن مباشرة الحائض أقسام: [أحدها]: أن يباشرها بالجماع في الفرج، فهذا حرام بإجماع المسلمين، بنصّ القرآن العزيز، والسنة الصحيحة، قال أصحابنا: ولو اعتَقَد مسلم حِلَّ جماع الحائض في فرجها، صار كافرًا مرتدًّا، ولو فعله إنسان غير معتقد حِلَّه، فإن كان ناسيًا، أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه، أو مُكْرَهًا، فلا إثم عليه، ولا كفارة، وإن وَطِئها عامدًا عالِمًا بالحيض والتحريم مختارًا، فقد ارتَكَب معصية كبيرةً، نَصّ الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان للشافعيّ، أصحهما وهو الجديد، وقول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه، وممن ذهب إليه من السلف: عطاءٌ، وابن أبي مليكة، والشعبيّ، والنخعيّ،

стр. 4120

ومكحول، والزهريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وحماد بن أبي سليمان، وأيوب السختيانيّ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد - رحمهم الله تعالى أجمعين -. والقول الثاني، وهو القديم الضعيف أنه تجب عليه الكفارة، وهو مرويّ عن ابن عباس، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وقتادة، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأحمد في الرواية الثانية عنه. واختَلَف هؤلاء في الكفارة، فقال الحسن، وسعيد: عِتْقُ رقبة، وقال الباقون: دينار، أو نصف دينار، على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار، ونصف الدينار، هل الدينار في أول الدم، ونصفه في آخره، أو الدينار في زمن الدم، ونصفه بعد انقطاعه؟ وتعلقوا بحديث ابن عباس المرفوع: "مَن أتى امرأته، وهي حائض، فليتصدق بدينار، أو نصف دينار"، وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، فالصواب ألّا كفّارة، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "حديث ضعيف باتّفاق الحفّاظ" غير صحيح، فقد صححه جمع من الأئمة، وهو الذي يظهر لي، فممن صحّحه الحاكم، والذهبيّ، وابن القطّان الفاسيّ، وابن دقيق العيد، وابن حجر، ومن المتأخرين الشوكاني، وأحمد شاكر، والألبانيّ، قال الحافظ ﵀ ما حاصله: الصواب تصحيحه، فكم من حديث قد احتجّوا به، فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا الحديث، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلّتين، ونحوهما، وفي ذلك ما يَرُدّ على النوويّ دعواه أنه ضعيف باتفاق الأئمة، وتبعه في ذلك ابن الصلاح. انتهى (١). وقد حقق الكلام فيه العلامة أحمد شاكر: فيما كتبه على الترمذيّ تحقيقًا بالغًا، فارجع إليه، تجد علمًا جمًّا (٢). والحاصل أن الحديث صحيح، وهو حجة لمن أوجب التصدّق بدينار، أو نصف دينار، وأن الراجح أن "أو" للتخيير، فيكون من الواجب المخيّر بين أن يعطي دينارًا، أو نصف دينار، وقد حقّقت البحث في هذا في شرح

стр. 4121

النسائيّ، فراجعه تستفد علمًا (١)، وبالله تعالى التوفيق. [القسم الثاني]: المباشرة فيما فوق السرة، وتحت الركبة بالذَّكَر، أو بالقبلة، أو المعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك، وهو حلال، باتفاق العلماء، وقد نَقَل الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وجماعة كثيرة الإجماع على هذا، وأما ما حُكِي عن عَبِيدة السلمانيّ وغيره، من أنه لا يباشر شيئًا منها بشي منه، فشاذٌّ منكر، غير معروف، ولا مقبول، ولو صَحّ عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة في "الصحيحين" وغيرهما في مباشرة النبيّ ﷺ فوَق الإزار، وإذنه في ذلك، بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده. ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به شيء من الدم، أو لا يكون، هذا هو الصواب المشهور الذي قطع به جماهير أصحابنا وغيرهم من العلماء؛ للأحاديث المطلقة، وحَكَى المحاملي من أصحابنا وجهًا لبعض أصحابنا أنه يَحرُم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة، إذا كان عليه شيء من دم الحيض، وهذا الوجه باطلٌ لا شكّ في بطلانه، والله تعالى أعلم. [القسم الثالث]: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب أنها حرام. والثاني أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل، وهو المختار. والوجه الثالث إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويَثِقُ من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوته، وإما لشدة ورعه جاز، وإلا فلا، وهذا الوجه حسن، قاله أبو العباس البصريّ من أصحابنا. وممن ذهب إلى الوجه الأول، وهو التحريم مطلقًا: مالك، وأبو حنيفة، وهو قول أكثر العلماء، منهم سعيد بن المسيب، وشريحٌ، وطاوس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة. وممن ذهب إلى الجواز عكرمة، ومجاهد، والشعبيّ، والنخعيّ،

стр. 4122

والحكم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود، وقد قدمنا أن هذا المذهب أقوى دليلًا، واحتجوا بحديث أنس الآتي: "اصنَعُوا كل شيء إلا النكاح"، قالوا: وأما اقتصار النبيّ ﷺ في مباشرته على ما فوق الإزار، فمحمول على الاستحباب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم، أن الأرجح هو مذهب القائلين بجواز مباشرة الحائض مطلقًا فوق الإزار وتحته إلا الفرج؛ لقوّة حجته، كما أشار إليه ابن المنذر ﵀ في كلامه السابق، وصرّح به النوويّ ﵀ في كلامه المذكور آنفًا، ولكن الأولى أن يكون فوق الإزار اتّباعًا للسنة. والحاصل أن الاستمتاع بالحائض جائز غير الجماع في الفرج، كما نصّ عليه ﷺ بقوله: "اصنَعُوا كلّ شيء إلا النكاح"، أي الجماع في الفرج، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر اختلاف أهل العلم في وطء الرجل زوجته بعد أن تطهر قبل الاغتسال: قال ابن المنذر ﵀: اختَلَفُوا في وطء الرجل زوجته بعد انقطاع دمها قبل أن تغتسل، فمنعت من ذلك طائفة، وممن منع منه، أو كَرِه سالمُ بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وربيعة، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت فرقة: إذا أدرك الزوج الشَّبَقُ (٢) أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها إن شاء، رُوي هذا القولُ عن عطاء، وطاوس، ومجاهد. واحتج بعض من نَهَى عن ذلك بظاهر الكتاب، وهو قول الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وبمنع الجميع الزوج وطأها في حال

стр. 4123

الحيض، فلما اختلفوا بعد إجماعهم من منع وطئها في حال الحيض، وجب أن يكون التحريم قائمًا حتى يتفقوا على الإباحة، ولم يتفقوا قط إلا بعد أن تطهر بالماء، في حال وجود الماء. قال ابن المنذر: فأما ما رُوي عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، فقد رَوَينا عن عطاء، ومجاهد خلافَ هذا القول، ثبت عن عطاء أنه سئل عن الحائض أنها تَرَى الطهر، ولم تغتسل أتحل لزوجها؟ فقال: لا حتى تغتسل، ثم أخرج عن ابن جريج، عن عطاء، وعن مجاهد، أنهما قالا: لا يأتيها حتى تحلّ لها الصلاة. قال: فهذا ثابت عنهما، والذي رَوَى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد الرخصةَ ليثُ بن أبي سليم، وليث ممن لا يجوز أن يقابل به ابن جريج، ولو لم يخالفه ابن جريج لم تثبت رواية ليث بن أبي سليم، وإذا بطلت الروايات التي رُوِيت عن عطاء، وطاوس، ومجاهد كان المنع من وطء مَن قد طَهُرت من المحيض، ولم تتطهّر بالماء كالإجماع من أهل العلم، إلا ما قد ذكرناه من منع ذلك، ولا نجد أحدًا ممن يُعَدّ قوله خلافًا قابلهم إلا بعض من أدركنا من أهل زماننا، ممن لا (١) أن يقابَلُ عوام أهل العلم به (٢). واحتجّ بعض من أدركنا ممن يخالف ما عليه عوام أهل العلم، فقال: نَهَى الله ﵎ عن وطء الحائض، وأباح وطأ الطاهر بقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وأجمعوا أن للزوج وطأ زوجته الطاهر، ولو كانت إذا انقطع دمها إنما تطهر باغتسالها وجب ما لم يكن الغسل منها أنها حائض، وليس على الحائض عند الجميع غسل، والحيض معنًى، والطهر

стр. 4124

ضدّه، ولما حظر الله تبارك اسمه وطأ الحائض، وأباح وطأ الطاهر، ولزم الحائض الاسم لطهور (١) الدم، وجب أنها طاهر؛ لانقطاعه وطهور النقاء. وقال آخر: حَرَّم الله وطأ الحائض حتى تطهر بقول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية، قال: وكان وطؤها إذا طهرت من الحيض قبل أن تطهر بالماء مباحًا؛ لأن النهي لما لم يقع في هذه الحال كان داخلًا في جملة قوله ﷺ : "وما سكت عنه فهو معفو عنه". وقال آخر: وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فإذا يَطْهُرن يَحْتَمِل غسلهنّ فروجهنّ، ويَحْتَمِل اغتسلن. قال ابن المنذر ﵀: والذي أقول به ما عليه جُلُّ أهل العلم، أن لا يطأ الرجل زوجته إذا طهرت من المحيض، حتى تطهر بالماء. انتهى كلامه ﵀ (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ (ح)، وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا (٤) أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَسْوَد، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ إِحْدَانَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا - قَالَتْ -: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 4125

٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعد ما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو حفص، ويقال: أبو بكر الفقيه الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. أدرك عمر، وروى عن أبيه، وعم أبيه علقمة بن قيس، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، ومالك بن مِغْوَل، والأعمش، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وابن خِرَاش: ثقة، وزاد ابن خِرَاش: من خيار الناس، وقال محمد بن إسحاق: قَدِمَ علينا عبد الرحمن بن الأسود حاجًّا، فاعتَلَّت إحدى قدميه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم، فصلى الفجر بوضوء العشاء (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال خليفة: مات قبل المائة، وقال في موضع آخر: مات في آخر خلافة سليمان، وقال ابن حبّان: مات سنة تسع وتسعين ومائة، وكذا جزم به ابن قانع، وقال أبو حاتم: أُدْخِل على عائشة، وهو صغير، ولم يسمع منها، وقال ابن حبان: كان سنه سنّ إبراهيم النخعيّ. قال الحافظ: فعلى هذا كيف يدرك عمر؟. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٩٣) و (٥٧٢) و (٨٣٥) و (١١٩٠)، وأعاده بعده، و (٢١٩٣).

стр. 4126

والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الحديث رواه أبو إسحاق الشيبانيّ من حديث عائشة، ومن حديث ميمونة ﵄. فأما حديث عائشة ﵄، فأخرجه الشيخان من رواية عليّ بن مسهر، عن الشيبانيّ بسند المصنّف، وقال البخاريّ بعده: تابعه خالد، وجرير، عن الشيبانيّ. قال في "الفتح": قوله: "تابعه خالد" هو ابن عبد الله الطحّان الواسطيّ، وجرير، هو ابن عبد الحميد، أي تابعا عليّ بن مسهر في رواية هذا الحديث، عن أبي إسحاق الشيبانيّ بهذا الإسناد، وللشيباني فيه إسناد آخر كما سيأتي عقبه. ومتابعة خالد وصلها أبو القاسم التنوخيّ في "فوائده" من طريق وهب بن بقية عنه. ومتابعة جرير وصلها أبو داود، والإسماعيليّ، والحاكم في "المستدرك"، وهذا مما وَهِمَ في استدراكه؛ لكونه مُخَرَّجًا في "الصحيحين" من طريق الشيبانيّ. ورواه أيضًا عن الشيبانيّ، عن عبد الرحمن بن الأسود، بسنده هذا منصور بن أبي الأسود، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١). وأما حديث ميمونة ﵂، فأخرجه الشيخان أيضًا، أخرجه البخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، والمصنّف من طريق خالد بن عبد الله الطحّان، عن الشيبانيّ، عن عبد الله بن شدّاد، عنها. ثم قال البخاريّ ﵀: ورواه سفيان، عن الشيبانيّ. قال في "الفتح": قوله: "رواه سفيان"، يعني الثوريّ "عن الشيبانيّ"، يعني بسند عبد الواحد، وهو عند الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، نحوه، وقد رواه عن الشيبانيّ أيضًا بهذا الإسناد خالد بن عبد الله، عند مسلم - يعني الحديث التالي - وجرير بن عبد الحميد، عند الإسماعيلي،

стр. 4127

وذلك مما يَدْفَع عنه توهّم الاضطراب، وكأن الشيبانيّ كان يُحَدّث به تارةً من مسند عائشة، وتارة من مسند ميمونة، فسمعه منه جرير، وخالد بالإسنادين، وسمعه غيرهما بأحدهما. ورواه عنه أيضًا بإسناد ميمونة حفص بن غياث، عند أبي داود، وأبو معاوية، عند الإسماعيليّ، وأسباط بن محمد، عند أبي عوانة في "صحيحه". انتهى ملخّص ما في "الفتح" (١)، وهو بحثُ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقولها: (أَنْ تَأتَزِرَ) معناه: أن تَشُدَّ إزارًا تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة فما تحتها. وقولها: (فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا) هو بفتح الفاء، وإسكان الواو، معناه: مُعْظَمها، ووقتُ كثرتها. و"الحيضة" بفتح الحاء: أي الحيض. وقال القاضي عياض ﵀: "في فَوْر حيضها" فَوْرُ الشيء جَأشُه، واندفاعه، وانتشاره، وفورُ الحيض معظم صبّه، ومنه فَوْرُ العين، وفورُ القِدْر: إذا جاشا، قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، ومنه في الحديث: "فإن شدّة الحرّ من فَوْر جهنّم"، رواه البخاريّ، وفي كتاب أبي داود: "في فَوْح حيضتنا"، وكذلك في البخاريّ: "من فوح جهنم"، و"فيح جهنّم"، والكلّ بمعنى واحد. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: فار الماءُ يفورُ فَوْرًا: نَبَعَ، وجَرَى، وفارت القِدْرُ فورًا وفَوَرَانًا: غَلَتْ، وقولهم في الشُّفْعة: على الْفَوْر من هذا، أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه، ثم استُعْمِل في الحالة التي لا بُطْءَ فيها، يقال: جاء فلانٌ في حاجته، ثم رجع من فَوْره، أي من حركته التي وصل فيها، ولم يسكن بعدها، وحقيقته أن يَصِلَ ما بعد المجيء بما قبله من غير لُبْث. انتهى (٣). وقال أبو نعيم ﵀ في "المستخرج": فَوْرُ الحيض: شِدّته، وأوّله. انتهى (٤).

стр. 4128

وقولها: (وَأيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ إلخ) قال النوويّ (٢) ﵀: أكثر الروايات فيه بكسر الهمزة، مع إسكان الراء، ومعناه: عُضْوُه الذي يستمتع به، أي الفرج، ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع، والمقصود: أملككم لنفسه، فيَأمَن مع هذه المباشرة الوقوعَ في المحرَّم، وهو مباشرة فرج الحائض، واختار الخطابيّ هذه الرواية، وأنكر الأولى، وعابها على المحدثين. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "وأيّكم يملك إربه" قيّدناه بكسر الهمزة، وإسكان الراء، وبفتح الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيح، وإن كان الخطّابيّ أنكر الأول على المحدّثين، ووَجْهُ الأول أن الإِرْب: العضو، والآراب: الأعضاءُ، فكَنَت به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضوٌ من الأعضاء، وهذا تكلّفٌ، بل في "الصحاح" أن الإرب العضو، والدَّهاء، والحاجة أيضًا، وفيه لغات: إِرْبٌ، وإِرْبةٌ، وأَرَبٌ، ومَأرَبةٌ، ويقال: هو ذو أَرَبٍ، أي ذو عقل، فقولها: "يملك إربه" بالروايتين، تعني حاجته للنساء. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: الأَرَبُ بفتحتين، والإِرْبةُ بالكسر، والْمَأرُبَةُ بفتح الراء وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل: مصدرٌ، من باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ على فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستَعْمَلُ في الحاجة، وفي العُضْو، والجمع آراب، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَال، وفي الحديث: "وكان أملككم لإربه"، أي لنفسه عن الوقوع في الشهوات. انتهى (٣). وقال أبو نعيم ﵀ في "المستخرج": الإرب: الحاجة، وقال النضر: الإرب العقلُ، يعني: أيكم يصبر كما صبر ﵇؟. انتهى (٤). وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4129

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٧] (٢٩٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإزَار، وَهُنَّ حُيَّضٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان المذكور في السند الماضي. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّاد) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، كان يأتي الكوفة، وأمه سَلْمى بنت عُميس الخثعمية، أخت أسماء، ثقة فقيه [٢]. رَوَى عن أبيه، وعمر، ويعلى، وطلحة، ومعاذ، والعباس، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وخالته أسماء بنت عميس، وغيرهم. وروى عنه سعد بن إبراهيم، وأبو إسحاق الشيباني، ومعبد بن خالد، والحكم بن عتيبة، وذَرّ بن عبد الله الْمُرْهبي، ورِبْعِيّ بن حِرَاش، وغيرهم. قال الميموني: سئل أحمد: أسمع عبد الله بن شداد من النبي ﷺ شيئًا؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شَهِد مع علي يوم النَّهْرَوان. وقال العجلي والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم. وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانيًّا (١) ثقة في الحديث، تُوُفّي في ولاية الحجاج على العراق. وقال الواقدي: خرج مع القراء أيام ابن الأشعث على الحجاج، فقُتل يوم دُجَيل، وكان ثقة، فقيهًا، كثير الحديث، متشيعًا.

стр. 4130

قال ابن نُمير: قُتل بدُجيل سنة (٨١). وقال يحيى بن بُكير وغير واحد: فُقِد ليلة دُجيل سنة (٨٢). وقال الثوري: فُقد ابن شدّاد، وابنُ أبي ليلى بالجماجم، وكذا قال العجلي، وزاد: اقتَحَمَ بهما فرساهما الماء فذهبا، وقال ابن حبان في "الثقات": غَرِقَ بدُجَيل، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": وُلد على عهد النبي ﷺ . وقال يعقوب بن شيبة في "مسند عمر": كان يتشيع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٩٤) و (٥١٣) وأعاده بعده، و (٢١٩٥) وأعاده بعده، و (٢٤١١). ٥ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث العامرية الهلالية، زوجُ النبيّ ﷺ ، تزوجها سنة سبع، رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وروى عنها ابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أختها الأخرى عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن أختها عبد الرحمن بن السائب الهلاليّ، وابن أختها الأخرى يزيد بن الأصم، وربيبها عبيد الله الخولانيّ، ومولاتها نَدَبَة، ومولاها عطاء بن يسار، ومولاها سليمان بن يسار، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، وكُريب مولى ابن عباس، وعُبيد بن السَّبّاق، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والعالية بنت سبيع، وغيرهم. وقيل: كان اسمها بَرّة، فسماها رسول الله ﷺ ميمونة، وتُوُفِّيت بِسَرِف حيث بَنَى بها رسول الله ﷺ ، وهو ما بين مكة والمدينة، وذلك سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وصَلَّى عليها عبد الله بن عباس. قال الحافظ: والقول الأول هو الصحيح، وأما الأخيران فغَلَطٌ بلا ريب، فقد صَحَّ من حديث يزيد بن الأصم، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا، وقال يعقوب بن سفيان: تُوُفِّيت سنة تسع وأربعين. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (٢٠) حديثًا. وشرح الحديث يُعلم مما سبق. وقولها: ("كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ إلخ)، ولفظ البخاريّ: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه، أمرها، فاتّزَرَت، وهي حائض".

стр. 4131

وقولها: (وَهُنَّ حُيَّضٌ") بضمّ الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة: جمع حائض، كما قال في "الخلاصة": وَفُعَّلٌ لَفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١/ ٦٨٧] (٢٩٤)، و (البخاريّ) فيه (٣٠٣)، و (أبو داود) في "النكاح" (٢١٦٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩٥ و ٨٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٨ و ٦٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٤٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٨] (٢٩٥) - (حَدَّثَني أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْطَجِعُ (١) مَعِي، وَأنا حَائِضٌ، وَبَيْني وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل بابين.

стр. 4132

أيضًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ الفقيه المصريّ، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤. ٥ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، روايته من أبيه وجادةٌ من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سَمِع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٦ - (أَبُوهُ) هو: بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كُريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع). أدرك عثمان، وروى عن مولاه ابن عباس، وأمه أم الفضل، وأختها ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي طالب، وغيرهم، وأرسل عن الفضل بن عباس. ورَوَى عنه ابناه: محمدٌ ورِشْدين، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهما من أقرانه، وشريك بن أبي نَمِر، ومحمد، وموسى، وإبراهيم، بنو عقبة، وحبيب بن أبي ثابت، وسالم بن أبي الجعد، ومكحول الشاميّ، وبكير، ويعقوب ابنا عبد الله بن الأشج، وسلمة بن كهيل، ومخرمة بن سليمان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً، حسن الحديث، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: كريب أحبّ إليك عن ابن عباس، أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وَضَعَ عندنا كريب حِمْلَ بعير من كتب ابن عباس، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 4133

قال الواقديّ، وآخرون: مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا. ٨ - (ميمونة زوج النبيّ ﷺ ) تقدّمت في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهما، وسبب ذلك أن أبا الطاهر سمع الحديث عن ابن وهب بقراءة غيره عليه، ولذا قال: أخبرنا ابن وهب، وأما هارون، وأحمد، فسمعاه من لفظه، ولذا قالا: حدّثنا ابن وهب، وهذا هو إفراد المصنّف لشيخه الأول، وجمعه بين الأخيرين. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: مخرمة، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكير، عن كريب. ٥ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى بكُريب غير مولى ابن عبّاس المذكور هنا، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدّة ما له فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: - (عَنْ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضم أوله مصغّرًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أو عطف بيان لـ "ميمونة"، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير "هو"، أو النصب بتقدير "أعني" (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْطَجِعُ (١) مَعِي) هكذا النسخ "يَضطجع"، وذكر في هامش نسخة محمد ذهني التي اعتمدتّ عليها في هذا الشرح؛ لكونها أصحّ النسخ التي بين يديّ، ما نصّه: وفي نسخة معتمَدة "ينضجع" - أي بالنون بدل الطاء - قال ابن الأثير:

стр. 4134

"انضجع" مطاوع أضجعه، نحو أزعجته فانزعج، وأطلقته فانطلق، وانفعل بابه الثلاثيّ، وإنما جاء في الرباعيّ قليلًا على إنابة أفعل مناب فَعَلَ. انتهى (١). (وَأنا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ياء المتكلّم، وتقدّم أن حائض" بدون هاء؛ هو اللغة الفصحى، ويجوز بقلّة حائضة بالهاء، (وَبَيْني وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، إما على التداخل، أو الترادف. قال القاضي عياض ﵀: قولها:، "وبيني وبينه ثوب"، هذا الثوب يرجع إلى الإزار في الحديث الآخر، وتكون المباشرة حقيقة لما فوق الإزار، ويجتنب ما تحت الإزار، وقال ابن الجهم، وابن القصّار: حدّه من السرّة إلى الركبة؛ لأنه موضع الإزار، ولأنه مفسّر في حديث آخر، وهذا مذهب عامّة أهل العلم في جواز الاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، ومضاجعتها ومباشرتها في مِئْزَر بمفهوم هذه الأحاديث، وبقوله في غير هذا الكتاب: "ثم لك ما فوق الإزار" (٢)، وقوله: "ثم شأنك بأعلاها" (٣)، وتعلّق بعض من شذّ بظاهر القرآن إلى اعتزال النساء في المحيض جملةً، وقد بيّنت السنّة هذا الاعتزال، وفسّرته بما تقدّم، وبقوله ﷺ بعد هذا: "اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح"، وقد يتعلّقون بظاهر حديث ميمونة ﵂، وقولها: "وبيني وبينه ثوبٌ"، ولكن قولها في الرواية الأخرى: "فوق الإزار" يفسّر أنه الثوب الذي عَنَته، وفي البخاريّ: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه أمرها، فاتّزرت، وهي حائض". وذهب بعض السلف، وبعض أصحابنا - يعني المالكيّة - إلى أن الممنوع منها الفرج وحده، وأن غيره مما تحت الإزار حماية منه، مخافةَ ما يُصيبه، ورُوي عن عائشة معناه، وحَكَى ابن المرابط في "شرحه" إجماع السلف على

стр. 4135

جواز ذلك، وقد يحتجّ باختصاصه الشّدّ بفور حيضها في الحديث المتقدّم. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: فيه جواز النوم مع الحائض، والاضطجاع معها في لِحَاف واحد، إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من لا يُحَرِّم إلا الفرج (٢). قال: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها، وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها، وعَرَقها طاهران، وكل هذا متفقٌ عليه. وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد بن جرير في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائلُهُ من السنة ظاهرة مشهورة. واما قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فالمراد: اعتزلوا وطأهنّ، ولا تقربوا وطأهنّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢/ ٦٨٨] (٢٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣١١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
следующие страницы →