وقولها: (وَهُنَّ حُيَّضٌ") بضمّ الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة: جمع حائض، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لَفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١/ ٦٨٧] (٢٩٤)، و (البخاريّ) فيه (٣٠٣)، و (أبو داود) في "النكاح" (٢١٦٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩٥ و ٨٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٨ و ٦٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٤٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨٨] (٢٩٥) - (حَدَّثَني أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْطَجِعُ (١) مَعِي، وَأنا حَائِضٌ، وَبَيْني وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل بابين.
стр. 4132
أيضًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ الفقيه المصريّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٥ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، روايته من أبيه وجادةٌ من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سَمِع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٦ - (أَبُوهُ) هو: بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كُريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع).
أدرك عثمان، وروى عن مولاه ابن عباس، وأمه أم الفضل، وأختها ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي طالب، وغيرهم، وأرسل عن الفضل بن عباس.
ورَوَى عنه ابناه: محمدٌ ورِشْدين، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهما من أقرانه، وشريك بن أبي نَمِر، ومحمد، وموسى، وإبراهيم، بنو عقبة، وحبيب بن أبي ثابت، وسالم بن أبي الجعد، ومكحول الشاميّ، وبكير، ويعقوب ابنا عبد الله بن الأشج، وسلمة بن كهيل، ومخرمة بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، حسن الحديث، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: كريب أحبّ إليك عن ابن عباس، أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وَضَعَ عندنا كريب حِمْلَ بعير من كتب ابن عباس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 4133
قال الواقديّ، وآخرون: مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
٨ - (ميمونة زوج النبيّ ﷺ ) تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهما، وسبب ذلك أن أبا الطاهر سمع الحديث عن ابن وهب بقراءة غيره عليه، ولذا قال: أخبرنا ابن وهب، وأما هارون، وأحمد، فسمعاه من لفظه، ولذا قالا: حدّثنا ابن وهب، وهذا هو إفراد المصنّف لشيخه الأول، وجمعه بين الأخيرين.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: مخرمة، عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكير، عن كريب.
٥ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى بكُريب غير مولى ابن عبّاس المذكور هنا، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدّة ما له فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
- (عَنْ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضم أوله مصغّرًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أو عطف بيان لـ "ميمونة"، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير "هو"، أو النصب بتقدير "أعني" (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْطَجِعُ (١) مَعِي) هكذا النسخ "يَضطجع"، وذكر في هامش نسخة محمد ذهني التي اعتمدتّ عليها في هذا الشرح؛ لكونها أصحّ النسخ التي بين يديّ، ما نصّه: وفي نسخة معتمَدة "ينضجع" - أي بالنون بدل الطاء - قال ابن الأثير:
стр. 4134
"انضجع" مطاوع أضجعه، نحو أزعجته فانزعج، وأطلقته فانطلق، وانفعل بابه الثلاثيّ، وإنما جاء في الرباعيّ قليلًا على إنابة أفعل مناب فَعَلَ. انتهى (١).
(وَأنا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ياء المتكلّم، وتقدّم أن حائض" بدون هاء؛ هو اللغة الفصحى، ويجوز بقلّة حائضة بالهاء، (وَبَيْني وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، إما على التداخل، أو الترادف.
قال القاضي عياض ﵀: قولها:، "وبيني وبينه ثوب"، هذا الثوب يرجع إلى الإزار في الحديث الآخر، وتكون المباشرة حقيقة لما فوق الإزار، ويجتنب ما تحت الإزار، وقال ابن الجهم، وابن القصّار: حدّه من السرّة إلى الركبة؛ لأنه موضع الإزار، ولأنه مفسّر في حديث آخر، وهذا مذهب عامّة أهل العلم في جواز الاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، ومضاجعتها ومباشرتها في مِئْزَر بمفهوم هذه الأحاديث، وبقوله في غير هذا الكتاب: "ثم لك ما فوق الإزار" (٢)، وقوله: "ثم شأنك بأعلاها" (٣)، وتعلّق بعض من شذّ بظاهر القرآن إلى اعتزال النساء في المحيض جملةً، وقد بيّنت السنّة هذا الاعتزال، وفسّرته بما تقدّم، وبقوله ﷺ بعد هذا: "اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح"، وقد يتعلّقون بظاهر حديث ميمونة ﵂، وقولها: "وبيني وبينه ثوبٌ"، ولكن قولها في الرواية الأخرى: "فوق الإزار" يفسّر أنه الثوب الذي عَنَته، وفي البخاريّ: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه أمرها، فاتّزرت، وهي حائض".
وذهب بعض السلف، وبعض أصحابنا - يعني المالكيّة - إلى أن الممنوع منها الفرج وحده، وأن غيره مما تحت الإزار حماية منه، مخافةَ ما يُصيبه، ورُوي عن عائشة معناه، وحَكَى ابن المرابط في "شرحه" إجماع السلف على
стр. 4135
جواز ذلك، وقد يحتجّ باختصاصه الشّدّ بفور حيضها في الحديث المتقدّم. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: فيه جواز النوم مع الحائض، والاضطجاع معها في لِحَاف واحد، إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من لا يُحَرِّم إلا الفرج (٢).
قال: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها، وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها، وعَرَقها طاهران، وكل هذا متفقٌ عليه.
وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد بن جرير في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائلُهُ من السنة ظاهرة مشهورة.
واما قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فالمراد: اعتزلوا وطأهنّ، ولا تقربوا وطأهنّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢/ ٦٨٨] (٢٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣١١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4136
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٨٩] (٢٩٦) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ زينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ (١) حَدَثَتْهُ، أَن أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا، قَالَتْ: بَيْنَمَا أنا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْخَمِيلَة، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أنَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَة، قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ فِي الإنَاءِ الْوَاحِدِ مِنَ الْجَنَابَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر، بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ الدّستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلس، ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" أيضًا جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) هي: زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، ربيبة النبيّ ﷺ ، وأمها أم
стр. 4137
سلمة، يقال: إنها وُلدت بأرض الحبشة (١).
وكان اسمها بَرَّة فسماها رسول الله ﷺ زينب.
رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وعن أمها، وعائشة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، أمهات المؤمنين، وعن حبيبة.
ورَوَى عنها ابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحميد بن نافع المدنيّ، وعِرَاك بن مالك، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وكُليب بن وائل، وعلي بن الحسين بن عليّ، وأبو قِلابة الْجَرْميّ، وآخرون.
وذكرها العجليّ في ثقات التابعين، قال الحافظ: كأنه كان يشترط للصحبة البلوغ، وأظن أنها لم تحفظ، وذكرها ابن سعد فيمن لم يرو عن النبيّ ﷺ شيئًا، ورَوَى عن أزواجه.
وقال ابن سعد: كانت أسماء بنت أبي بكر أرضعتها، فهي أخت أولادها من الرضاعة، وقال بكر بن عبد الله الْمُزَنيّ: أخبرني أبو رافع، قال: كنت إذا ذَكَرت امرأة بالمدينة فقيهةً ذكرت زينب بنت أبي سلمة، وقال سليمان التيميّ، عن أبي رافع: غَضِبت علي امرأتي، فذكر قِصَّةً فيها: فقالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة.
ماتت في ولاية طارق على المدينة سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر جنازتها (٢).
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
٧ - (أمُّ سَلَمَةَ) هي: هند بنت أبي أمية حُذيفة، ويقال: سُهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين ﵂، توفيت سنة (٦٢) وقيل غير ذلك، تقدمت ترجمتها في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
стр. 4138
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته كلهم رُواة الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: يحيى، عن أبي سلمة، عن زينب، أو رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّة، عن صحابيّة، على قول من يقول: إن زينب لها رؤية، وإن لم يكن لها رواية.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية البنت، عن أمها. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (أَنَّ زينَبَ بِنْتَ أُمَّ سَلَمَةَ)، وفي نسخة:
"بنت أبي سلمة"، وكلاهما صحيح؛ لأن أم سلمة أمها، وأبو سلمة أبوها، وليس هو أبا سلمة الراوي عنها؛ لأنه ابن عبد الرحمن بن عوف، تابعيّ، وأبو سلمة والد زينب هو عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ الصحابيّ ﵁ (حَدَّثَتْهُ)، أي حدّثت أبا سلمة (أَن أُمّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة، أم المؤمنين ﵂ (حَدَّثَتْهَا)، أي حدّثت زينب، وقوله: (قَالَتْ) بيان وتوضيح لمعنى التحديث (بَيْنَمَا) أصله "بَيْنَ" زيد عليها "ما"، ويقال: "بينا" كما هو رواية البخاريّ ﵀، أُشبعت فتحة النون بالألف، و"بينما" و"بينا" ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ومضافان إلى جملةٍ، مِن فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، ويُقرن جوابهما بـ "إذ"، كقولها هنا: "إذ حضت"، و"إذا"، كقولك: بينما زيد جالسٌ إذا دخل عمرو، وإن كان الأكثر عدم الاقتران بهما.
(أَنَا مُضْطَجِعَةٌ) جملة من مبتدأ وخبره في محل جرّ بإضافة "بينما" إليها، وأصل "مضطجعة" مُضْتجِعة؛ لأنه من باب الافتعال، فقلبت التاء طاءً، كما قال في "الخلاصة":
стр. 4139
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِي
ويجوز في "مضطجعة" الرفع والنصب، أما الرفع فعلى الخبرية لـ "أنا"، كما أسلفته آنفًا، وأما النصب فعلى الحال، فعلى الأول يكون قوله: (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) متعلّقًا بحال مقدّر، أو بـ "مضطجعة"، وعلى الثاني يكون هو الخبرَ (فِي الْخَمِيلَةِ) هذه رواية الأكثرين من أصحاب يحيى، ثم أصحاب هشام، فكلّهم قالوا: "الْخَمِيلة"، ووقع عند البخاريّ، من رواية المكيّ بن إبراهيم، عن هشام الدستوائيّ: "الخميصة" بدل "الخميلة". قال الحافظ ﵀: لم أر - يعني الخميصة - في شيء من طرقه إلا في هذه الرواية. انتهى.
و"الْخَمِيلة" - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم - قال أهل اللغة: الخميلة، والخميل بحذف الهاء: هي القَطِيفة، وكلُّ ثوب له خَمْلٌ من أيّ شيء كان، وقيل: هي الأسود من الثياب، قاله النوويّ (١).
وقال الفيّوميّ: الْخَمْلُ، مثلُ فَلْس: الْهُدْبُ، والْخَمْلُ: الْقَطِيفة، والْخَمِيلةُ: الطِّنْفِسة، والجمع خَمِيل بحذف الهاء. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير: الْخَمِيلُ، والْخَمِيلة: القَطِيفة، وهي كلّ ثوب له خَمْل، من أيّ شيء كان، وقيل: الْخَمِيلُ الأسود من الثياب. انتهى (٣).
وأما "الْخَمِيصة" - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم - فهي كساءٌ مُرَبَّعٌ، له عَلَمان، وقيل: الخمائص ثياب من خَزّ ثِخَانٌ سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثِخَان أيضًا، قاله ابن سِيدَهْ، وفي "الصحاح": كساء أسود مربع، وإن لم يكن مُعْلَمًا فليس بخميصة (٤).
وقال ابن الأثير: الخميصة: ثوبُ خَزّ، أو صُوف مُعْلَمٌ، وقيل: لا تُسمّى خَمِيصةً إلا أن تكون سوداء مُعْلَمَةً، وكانت لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص. انتهى (٥).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم: لا منافاة بين الخميصة
стр. 4140
والخميلة، فكأنها كانت كساءً أسود لها أهداب. انتهى (١).
(إِذْ حِضْتُ) أي أصابني الحيض (فَانْسَلَلْتُ) بلامين الأولى مفتوحةٌ، والثانية ساكنةٌ، أي ذهبت في خُفية، وإنما فَعَلت ذلك؛ لاحتمال وصول شيء من الدم إليه ﷺ ، أو لأنها تقذَّرت نفسها، ولم ترتضها لمضاجعته ﷺ ، أو خافت أن يَنْزِل الوحي على النبيّ ﷺ ، فانسلت لئلا تَشْغَله حركتها عما هو فيه من الوحي أو غيره، أو خافت أن يطلُب منها النبيّ ﷺ منها الاستمتاع بها، وهي على هذه الحالة التي لا يُمكن فيها الاستمتاع.
(فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) قال في "الفتح": وقع في روايتنا بفتح الحاء وكسرها معًا، ومعنى الفتح: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض؛ لأن الحيضةَ بالفتح، هي الحيض، ومعنى الكسر: أخذت ثيابي التي أَعْددتها لألبسها حالة الحيض، وجزم الخطابيّ برواية الكسر، ورجحها النوويّ، ورَجّح القرطبيّ رواية الفتح؛ لوروده في بعض طرقه بلفظ "حيضي" بغير تاء. انتهى (٢).
وعبارة النوويّ: وقولها: "فأخذت ثياب حيضتي" هي بكسر الحاء، وهي حالة الحيض، أي أخذت الثياب الْمُعَدَّة لزمن الحيض، هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبط "حِيضتي" في هذا الموضع، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل فتح الحاء هنا أيضًا، أي: الثياب التي ألبسها في حال حَيْضَتي، فإن الحيضة بالفتح هي الحيض. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": قولها: "ثياب حِيضتي" بكسر الحاء، وهي حال الحيض، هذا هو الصحيح المشهور، وقال الكرمانيّ: وقيل: يحتمل فتح الحاء هنا أيضًا، فإن الحيضة بالفتح هي الحيض.
قال العينيّ: لا يقال هنا بالاحتمال، فإن كلًّا منهما لغةٌ ثبتت عن العرب، وهي أن الْحِيضة بالكسر الاسم من الْحَيض، والحال التي تَلزمُها الحائض من التجنب، والتحيُّض، كالجِلْسة والقِعْدة من الجلوس والقعود، فأما
стр. 4141
الحيضة بالفتح، فالمرة الواحدة من دُفَعِ (١) الحيض ونُوَبه (٢)، وأنت تُفَرِّق بينهما بما تقتضيه قرينة الحال من مَسَاق الحديث (٣)، وجاء في حديث عائشة ﵂: "ليتني كنت حِيضَةً مُلْقاةً"، هي بالكسر خِرْقةُ الحيض. انتهى (٤).
(فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَفِسْتِ؟ "). قال الخطابيّ ﵀: أصل هذه الكلمة من النَّفْس، وهو الدم، إلا أنهم فرَّقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس، فقالوا في الحيض: نفِست بفتح النون، وفي الولادة بضمها. انتهى.
قال في "الفتح": وهذا قول كثير من أهل اللغة، لكن حَكَى أبو حاتم، عن الأصمعيّ، قال: يقال: نُفِسَت المرأة في الحيض والولادة، بضم النون فيهما، وقد ثبت في روايتنا بالوجهين، فتح النون وضمها. انتهى (٥).
وعبارة النوويّ: قوله ﷺ : "أَنَفِست" هو بفتح النون، وكسر الفاء، وهذا هو المعروف في الرواية، وهو الصحيح المشهور في اللغة، أن "نَفِسَتْ" بفتح النون، وكسر الفاء: معناه حاضت، وأما في الولادة فيقال: نُفِست، بضم النون، وكسر الفاء أيضًا، وقال الهرويّ: في الولادة نَفِست بضم النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير، وقال القاضي عياض: روايتنا فيه في مسلم بضم النون هنا، قال: وهي رواية أهل الحديث، وذلك صحيح، وقد نقل أبو حاتم، عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غير واحد، وأصل ذلك كلّه خروج الدم، والدم يسمى نَفْسًا. انتهى (٦).
وقال القرطبيّ ﵀: قيّدناه بضمّ النون وفتحها، قال الهرويّ وغيره: نُفِست المرأة، ونَفِسَت: إذا ولدت، وإذا حاضت، قيل: نَفِسَت بفتح النون لا غير، فعلى هذا يكون ضمّ النون هنا خطأً، فإن المراد به هنا الحيض قطعًا، لكن حَكَى أبو حاتم، عن الأصمعيّ الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك
стр. 4142
غيرُ واحد، فعلى هذا تصحّ الروايتان، وأصل ذلك كلّه من خروج الدم، وهو المسمّى نَفْسًا، كما قال الشاعر [من الطويل]:
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ نُفُوسُنَا … وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ
انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: نُفِسَت المرأةُ بالبناء للمفعول، فهي نُفَساءُ، والجمع نِفَاسٌ بالكسر، ومثلُهُ عُشَرَاءُ وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوسٌ، والنِّفَاسُ بالكسر أيضًا اسم من ذلك، ونَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ: حاضت، ونُقِل عن الأصمعيّ: نُفِست بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض نُفِست بالبناء للمفعول، وهو من النفس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نفسَ له سائلةٌ، أي لا دم له يَجري، وسُمّي الدم نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قِوَامها بالدم، والنُّفساء من هذا. انتهى (٢).
(قُلْتُ: نَعَمْ) أي حِضتُ، لأن "نعم" - بفتحتين - معناها التصديق، إن وقعت بعد الماضي، كهذا الحديث، وكنحو هل قام زيد؟، وإن وقعت بعد المستقبل، نحو تقوم، فمعناها الوعدُ، وقد تقدّم تمام البحث فيها في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَدَعَانِي) أي طلبني، وناداني ﷺ لأنام معه؛ لأن الحيض ليس مانعًا من ذلك (فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ) أي نِمْتُ مع النبيّ ﷺ ، يقال: ضَجَعَ ضَجْعًا، من باب نَفَعَ، وضُجُوعًا، وضَجَعْتُ جنبي بالأرض، وأضجعتُ بالألف لغةٌ، فأنا ضاجعٌ، ومُضْجِعٌ، وأضجعت فلانًا بالألف لا غير: ألقيته على جنبه، واضطجعتُ افتعالٌ منه، أُبدلت تاؤه طاءً على القاعدة التي مرّت في "مُضْطجعة"، ومن العرب من يقول: اضَّجَعَ، فيقلب التاء ضادًا، ويُدغمها في الضاد؛ تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَعَ بطاء مشدّدة؛ لأن الضاد لا تُدغم في الطاء؛ لكونها أقوى منها، والحرف لا يُدغم في
стр. 4143
أضعف منه، وما ورد شاذٌّ لا يقاس عليه، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١).
(فِي الْخَمِيلَةِ) أي القطيفة المتقدّم ذكرها؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة تكون عينها غالبًا، كما قال السيوطيّ ﵀ في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إذَ أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوينَا مُسْنَدَا … "لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدَا (٢)
(قَالَتْ) زينب، وفي رواية البخاريّ: "وكنت أغتسل أنا والنبيّ ﷺ … " (وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ )، وأتى بالضمير المنفصل؛ لعطف الاسم الظاهر على الضمير المتّصل، كما قال في "الخلاصة" بقوله:
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وفي رواية البخاريّ: "قالت: وحدّثتني أن النبيّ ﷺ كان يقبّلها، وهو صائم، وكنت أغتسل أنا والنبيّ ﷺ من إناء واحد من الجنابة"، وفي رواية أبي عوانة: "قالت: وكان رسول الله ﷺ يُقبّلها، وهو صائم، وكانا يغتسلان من إناء واحد".
(يَغْتَسِلَانِ فِي الانَاءِ الْوَاحِدِ) "في" بمعنى "من"، أي من الإناء الواحد (مِنَ الْجَنَابَةِ) "من" تعليليّة، أي لأجل الجنابة، قال في "القاموس": الجنابة: المنيّ. انتهى (٣). فيكون المعنى هنا: من أجل خروج المنيّ، وفي "المعجم
стр. 4144
الوسيط": الجنابة: حالُ من ينزل منه منيّ، أو يكون منه جماع. انتهى (١)، وعليه فيكون المعنى: من أجل حدوث الجنابة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢/ ٦٨٩] (٢٩٦)، و (البخاريّ) فيه (٢٩٨ و ٣٢٢ و ٣٢٣)، و"الصوم" (١٩٢٩)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٤٩ و ١٨٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٣٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٥٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٢٣٥ و ١٢٣٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦٢٩٤ و/ ٣٠٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٤٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩٨ و ٨٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في لحاف واحد.
٢ - (ومنها): استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة.
٣ - (ومنها): أن عَرَق الحائض طاهر، وأما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، فمعناه: اعتزلوا وَطْأَهُنَ.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع، وحسن العشرة، ومن الزهادة في الدنيا، حيث كان ينام مع أزواجه في الثياب التي يحضن فيها، ويغتسل معهنّ في إناء واحد.
стр. 4145
٥ - (ومنها): بيان أن الحيض يُسمّى بالنفاس.
٦ - (ومنها): التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب الصلاة، وعدم جواز الصوم، وغير ذلك من الأحكام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِه، وَطَهَارَةِ سُؤْرِهَا، وَالاتِّكَاءِ فِي حِجْرِهَا، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٠] (٢٩٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ، يُدْني إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الانْسَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام الحافظ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الفقيه المجتهد [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الفقيه الحافظ، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] (ت ٩٣) على الصحيح (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصارية المدنية، كانت في حِجْر عائشة، ثقة [٣]، ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها، تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
стр. 4146
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك ﵀.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن تابعيّة، كلاهما عن عائشة ﵂.
٥ - (ومنها): أن عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى بعمرة، إلا هذه عندهم، وعمرة بنت مقاتل بن حيّان، روت عن عائشة ﵂ أيضًا، ولا يُعرف حالها، من الطبقة الرابعة، روى لها أبو داود حديثًا واحدَّا فَي الانتباذ (١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ) هكذا رواه مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، وخالفه الليث وغيره، فقالوا: عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة معًا، قال الإمام الترمذيّ ﵀ بعد إخراجه من رواية أبي مُصْعب، عن مالك، عن
стр. 4147
ابن شهاب، عن عروة وعمرة معًا ما نصّه: هكذا رواه غير واحد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ) الاعتكاف في اللغة: الحبسُ، وفي الشرع: حبس النفس في المسجد خاصةً مع النية (٢). (يُدْنِي) بضمّ أوله من الإدناء رباعيًّا، وهو التقريب (إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَتجَلُهُ) بضمّ حرف المضارعة، وتشديد الجيم، من الترجيل، وترجيلُ الشعر تسريحه، وهو نحو قولها: "فأغسله"، وقال أبو نعيم: الترجيل: تدهين الشعر. انتهى (٣). (وَكَانَ) ﷺ (لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإنْسَانِ") فسّره الزهريّ بالبول والغائط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ من هذا الطريق من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩٠] (٢٩٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٦٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٨٠٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٠٤ و ٢٦٢ و ٢٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٣١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٧٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣١٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٣٦).
стр. 4148
وفوائد الحديث تأتي في شرح الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدثَنَا لَيْثٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمن، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِي ﷺ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَة، وَالْمَرِيضُ فِيه، فَمَا أَسْأل عَنْهُ، إِلّا وَأنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِد، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا، وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ). قال في "الفتح": كذا في رواية الليث جَمَعَ بينهما، ورواه يونس، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عروة وحده، ورواه مالك عنه، عن عروة، عن عمرة، - يعني الرواية الماضية - قال أبو داود وغيره: لم يُتَابَعْ عليه، وذكر البخاري أن عُبيد الله بن عمر تابع مالكًا، وذكر الدارقطنيّ أن أبا أويس رواه كذلك، عن الزهريّ، واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختَصَرُوا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في
стр. 4149
رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد، وقد رواه بعضهم عن مالك، فوافق الليث، أخرجه النسائي أيضًا (١).
(أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ). "إن" بكسر الهمزة هي المخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام في خبرها، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ الَّلامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
ثم الغالب أنه لا يليها إلا الأفعال الناسخة للابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [القلم: ٥١]، وقوله: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٠٢]، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة"، فقال:
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا … تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ "إِنْ" ذِي مُوصَلَا
(لِلْحَاجَةِ)، وفي رواية مالك الماضية: "إلا لحاجة الإنسان"، قال في "الفتح": وفسّرها الزهريّ بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات، كالأكل والشرب، ولو خرج لهما، فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء، والفصد لمن احتاج إليه.
ووقع عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: قالت: السنةُ على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازةً، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بُدّ منه، قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه البتة.
وجزم الدارقطنيّ بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: "لا يخرج إلا لحاجة"، وما عداه ممن دونها.
قال: ورَوَينا عن عليّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ: إن شَهِد المعتكف جنازةً، أو عاد مريضًا، أو خرج للجمعة بَطَلَ اعتكافه، وبه قال الكوفيون، وابن المنذر في الجمعة، وقال الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق: إن شَرَطَ شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه، لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد. انتهى (٢).
стр. 4150
(وَالْمَرِيضُ فِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (فَمَا أَسْأل عَنْهُ)، أي عن حال ذلك المريض (إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ)، تعني أنها لا تجلس في ذلك البيت للسؤال عن ذلك المريض، ومؤانسته، وإنما تسأل عنه حال مرورها، وذلك لأنها ترى بطلان الاعتكاف بذلك، (وَإِنْ) تقدّم آنفًا أنها مخفّفة من الثقيلة (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ) بضمّ أوله من الإدخال رباعيًّا (عَلَيَّ رَأسَهُ)، أي في بيتها (وَهُوَ فِي الْمَسْجدِ) جملة حاليّة من الفاعل، و"أل" فيه للعهد، أي المسجد النبويّ (فَأُرَجِّلُهُ)، أيَ أُسَرّحه، وفسّر أبو نعيم الترجيل بالتدهين، وقال ابن الأثير: الترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه. انتهى (١). (وَكَانَ لَا يَدْخُلُ) بفتح أوله من الدخول ثلاثيًّا (الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) الاعتكاف: حبس النفس عن التصرّفات العاديّة لأجل التفرّغ للعبادة، وقوله: (وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ)، أي شيخه الثاني (إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ) يعني أن محمد بن رُمْح قال في روايته: "إذا كانوا معتكفين" بصيغة الجمع، بدل قول قتيبة: "إذا كان معتكفًا" بالإفراد، والمعنى أنه ﷺ لا يدخل البيت إذا اعتكف هو وأصحابه وأهل بيته معه إلا لحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩١ و ٦٩٢ و ٦٩٣ و ٦٩٤] (٢٩٧)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٢٩٥ و ٢٩٦ و ٣٠١)، و"الاعتكاف" (٢٠٢٨ و ٢٠٢٩ و ٢٠٣١ و ٢٠٤٦)، و"الجهاد" (٢٩٢٥)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٦٨)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٩٣)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٣٣)، "الصيام" (١٧٧٦ و ١٧٧٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٨٨ و ٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢ و ٥١ و ٨١ و ١٠٠ و ١٧٠ و ٢٠٤
стр. 4151
و ٢٣١ و ٢٤٧ و ٢٦٤ و ٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٣٠ و ٢٢٣١ و ٢٢٣٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٦٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠٨ و ٣١٥ و ٣١٦ و ٣٢٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٧ و ١٨٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز غسل الحائض رأس زوجها، وترجيله، قال في "الفتح": وألحق عروة الجنابة بالحيض قياسًا، وهو جليّ؛ لأن الاستقذار بالحائض أكثر من الجنب، وألحق الخدمة بالترجيل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وألحق عروة إلخ" أراد بذلك ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن عروة أنه سُئل: أتخدمني الحائض؟ أوَ تدنو مني المرأة، وهي جنب؟ فقال عروة: كلُّ ذلك عليّ هَيِّنٌ، وكلُّ ذلك تخدمني، وليس على أحد في ذلك بأس، أخبرتني عائشة أنها كانت تُرَجّل - تعني رأس رسول الله ﷺ وهي حائض ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد، يُدني لها رأسه، وهي في حجرتها، فترجِّله، وهي حائض. انتهى (١).
٢ - (ومنها): طهارة بدن الحائض، وعَرَقها.
٣ - (ومنها): منع الحائض من الجلوس في المسجد؛ خشية تلويثها له بما يخرج منها من الدم، واختُلف في دخولها عابرة سبيل كالجنب، والأرجح إن خافت التلويث لا تدخل، وإلا جاز دخولها.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الاعتكاف للرجال والنساء.
٥ - (ومنها): بيان أن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع، ومقدَّماته.
٦ - (ومنها): بيان أن الحائض لا تدخل المسجد، وقال ابن بطّال: فيه حجة على الشافعيّ في قوله: إن المباشرة مطلقًا تنقض الوضوء.
وتعقّبه في "الفتح" بأنه لا حجة له فيه؛ لأن الاعتكاف لا يُشترط فيه
стр. 4152
الوضوء، وليس في الحديث أنه عَقَّبَ ذلك الفعل بالصلاة، وعلى تقدير ذلك، فمسّ الشعر لا ينقض الوضوء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة نقض الوضوء بمسّ المرأة، قد استوفيت البحث فيها في "شرح النسائيّ"، وبيّنت أن الراجح عدم النقض؛ لقوة أدلّته، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): جواز استخدام الرجل زوجته في الغسل والطبخ والْخَبْز وغيرها، وعلى هذا تظاهرت دلائل الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وهذا من المعروف الذي جرى به عمل السلف، وإجماع الأمة، وأما الأحاديث في هذا فكثيرة، كالأحاديث التي وردت في هذا الباب، وغيرها.
[تنبيه]: قيّد النوويّ في "شرحه" جواز استخدام المرأة برضاها، قال: وأما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها تمكين الزوج من نفسها، وملازمة بيته فقط. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر لا يخفى؛ لأنه مخالف للأدلّة الصريحة، فإن الله أوجب عليها ذلك، فإن الآية السابقة نصّ في وجوب ما تعارفه الناس، من خدمة الزوج، والقيام بشؤون بيته، وأولاده، وغير ذلك، وليس مقصود النكاح الاستفراج فقط.
ومما يوضّح المراد من الآية ما كان عليه أزواج النبيّ ﷺ ، وأزواج أصحابه، فإنهنّ كنّ يخدمن أزواجهنّ، كما بُيّن في أحاديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، وكما في قصّة فاطمة ﵁ في الطحن حتى أثّر ذلك في يدها، وهو في "الصحيح"، وكما في قصّة أسماء بنت أبي بكر ﵂، فإنها كانت تحمل النوى من أرض الزبير لعلف فرسه، وهو أيضًا في "الصحيح"، وغير ذلك مما لا يخفى على من له إلمام بكتب السنّة، ومعرفة بسير أزواج النبيّ ﷺ ، وأزواج أصحابه ﵁.
والحاصل أن القول بأن المرأة لا يجب عليها خدمة الزوج، وإنما
стр. 4153
الواجب عليها تمكين نفسها فقط غير صحيح؛ لمنابذته الكتاب والسنة، وعمل السلف، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٨ - (ومنها): أن المعتكف إذا خرج بعضه من المسجد، كيده، ورجله، ورأسه لم يبطل اعتكافه.
٩ - (ومنها): أن مَن حَلَف أن لا يدخل دارًا، أو لا يخرج منها، فأدخل أو أخرج بعضه، لا يَحْنَث.
١٠ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": في إخراجه رأسه دلالةٌ على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكانٍ حَلَف أن لا يخرُج منه لم يَحنث حتى يُخرج رجليه، ويعتمد عليهما. انتهى (١).
١١ - (ومنها): الترجُّلُ للمعتكف، ومثله التنظّف، والتطيُّب، والغسل، والحلق، والتّزَيُّن؛ إلحاقًا بالترجل، والجمهور على أنه لا يُكره فيه إلا ما يُكرَه في المسجد، وعن مالك تكره فيه الصنائع والْحِرَف، حتى طلب العلم، ولا وجه له؛ لأن الصحابة ﵃ ما كانوا يطلبون العلم إلا في المسجد غالبًا، وأغلب ما كان النبيّ ﷺ يُلقي عليهم المسائل العلميّة فيه، فكيف يقال بكراهته؟ إن هذا لمن الغرائب.
١٢ - (ومنها): أن المعتكف لا يخرُج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وقد تقدّم أن الزهريّ فسّرها بالبول والغائط.
قال الإمام الترمذيّ ﵀ بعد إخراجه الحديث -: والعمل على هذا عند أهل العلم، إذا اعتَكَف الرجل أن لا يخرُج من اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وأجمَعُوا على أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول.
ثم اختَلَفَ أهل العلم في عيادة المريض، وشهود الجمعة، والجنازة للمعتكف، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أن يعود المريضَ، ويُشَيّع الجنازة، ويَشْهَد الجمعة، إذا اشترط ذلك، وهو قول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وقال بعضهمْ ليس له أن يفعل شيئًا من هذا، ورأوا
стр. 4154
للمعتكف إذا كان في مصر يُجَمَّع فيه أن لا يَعتكف إلا في مسجد الجامع؛ لأنهم كَرِهوا الخروج له من مُعْتَكَفه إلى الجمعة، ولم يَرَوا له أن يترك الجمعة، فقالوا: لا يعتكف إلا في مسجد الجامع حتى لا يَحتاج أن يخرج من معتكفه لغير قضاء حاجة الإنسان؛ لأن خروجه لغير حاجة الإنسان قَطْعٌ عندهم للاعتكاف، وهو قول مالك، والشافعيّ، وقال أحمد: لا يعود المريض، ولا يتبع الجنازة، على حديث عائشة، وقال إسحاق: إن اشترط ذلك فله أن يتبع الجنازة، ويعود المريض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام أحمد ﵀ من العمل بحديث عائشة ﵂ هو الأرجح؛ لقوّة حجته، وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب الاعتكاف" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِد، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (مات قبل سنة (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] (ت سنة بضع و ١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
والباقون تقدّموا، فهارون وابن وهب تقدّما في الباب الماضي، والباقيان في السند الماضي.
стр. 4155
وقوله: (وَهُوَ مُجَاوِرٌ) أي معتكفُ، وفي رواية أحمد، والنسائيّ: "كان يأتيني، وهو معتكف في المسجد، فيتّكئ على باب حُجْرتي، فأغسل رأسه، وسائرُهُ في المسجد"، قال في "الفتح": يؤخذ منه أن المجاورة والاعتكاف واحد، وفَرَّق بينهما مالك. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، وَأنَّا فِي حُجْرَتي، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور أول الباب.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقولها: (فِي حُجْرَتِي) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم: البيتُ، وجمعه حُجَرٌ بضمّ، ففتح، وحُجُرَات، بضمتين، أو بضم، ففتح، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وغُرُفات في وجوهها، أفاده الفيّوميّ (٢).
وكانت حجرة عائشة ﵂ لاصقةً بالمسجد، قاله في "الفتح" (٣).
وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4156
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٦] ( … ) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُول اللهِ ﷺ ، وَأَنَا حَائِضٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقون تقدّموا قبل باب، و"منصور" هو ابن المعتمر، و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ، و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ، خال إبراهيم.
وقولها: (كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) هذا لا ينافي ما تقدّم من قولها: "فأرجّله"؛ لإمكان الجمع بينهما بأنها جمعت بينهما في وقت واحد، بأن غسلت رأسه، ورَجّلته، أو بكونها فعلت هذا في وقت، وهذا في وقت، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٥] (٢٩٨) - (وَحَدّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَاوِليني الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ").
стр. 4157
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا.
٤ - (ثَابِتُ بْنُ عُبَيْدٍ) الأنصاريّ، مولى زيد بن ثابت الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مولاه، وابن عمر، وأنس، والبراء، وعبد الله بن مُغَفّل، وكعب بن عُجْرة، والمغيرة بن شعبة، وعبيد بن البراء، والقاسم بن محمد، وأبي جعفر الأنصاريّ.
ورَوَى عنه الأعمش، وحجاج بن أرطاة، والثوريّ، ومِسْعَر، وعبد الملك بن أبي غَنِيّة، ومحمد بن شيبة بن نَعَامة الضّبّيّ، وابن أبي ليلى، وغيرهم.
قال أحمد، ويحيى، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال الحربيّ: هو من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٩٨) وأعاده بعده، و (٧٠٩) و (١٩٣٨).
[تنبيه]: قال في "تهذيب التهذيب": فَرَّق أبو حاتم بين ثابت بن عبيد الأنصاريّ، وبين ثابت بن عُبيد مولى زيد بن ثابت، رَوَى عن اثني عشر رجلًا من الصحابة في الإبل، وعنه عبد ربه بن سعيد، وقال فيه: صالح.
قال الحافظ: رأيت لفظة "الإبل" ها هنا بخط المؤلف - يعني الحافظ المزّيّ، صاحب "تهذيب الكمال - وهو تصحيف، وصوابه "الإيلاء"، قال البخاريّ في "تاريخه الكبير": حدثني الأويسيّ، قال: حدثني سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد ربه بن سعيد، عن ثابت بن عبيد، مولى زيد بن ثابت، عن اثني عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ : "الإيلاءُ لا يكون طلاقًا حتى يوقف". انتهى.
стр. 4158
وكذا فرّق بينهما ابن حبّان في "الثقات" كما فرّق أبو حاتم الرازيّ، ثم ذكر الذي رَوَى عن القاسم، وعنه الأعمش. انتهى (١).
٥ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمته، عائشة، وعن العبادلة، وعبد الله بن جعفر، وأبي هريرة، وعبد الله بن خباب، ومعاوية، ورافع بن خَدِيج، وصالح بن خَوّات بن جبير، وغيرهم، وأرسل عن ابن مسعود.
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وهما من أقرانه، ويحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاري، وابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وعبيد الله بن عمر، وسعد بن إبراهيم، وعبيد الله بن مقسم، وأيوب، وابن عون، وربيعة، وأبو الزناد، وأيمن بن نابل، وأفلح بن حميد، وثابت بن عبيد، وآخرون.
قال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها: سودة، وذكر عن الواقديّ أنه قال: كان ثقة، رفيعًا عالمًا فقيهًا إمامًا ورعًا كثير الحديث. وقال البخاري: قُتل أبوه، وبقي القاسم يتيمًا في حجر عائشة ﵂. وقال الزبير: ما رأيت أبا بكر وَلَد ولدًا أشبه من هذا الفتى. وقال عبد الله بن شَوْذَب عن يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم. وقال وهيب، عن أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال البخاري في "الصحيح": حدثنا علي، حدثنا ابن عيينة، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه. وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنة منه، ولا أَحَدَّ ذهنًا. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن ابن معين: عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، ترجمة مُشَبَّكَةٌ بالذهب. وقال ابن عون: كان القاسم، وابن سيرين، ورجاء بن حَيْوَة يحدثون بالحديث على حروفه. وقال خالد بن نزار، عن ابن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة، وعمرة. وقال مالك: كان قليل الحديث والفتيا. وقال يونس بن بكير، عن ابن
стр. 4159
إسحاق: رأيت القاسم يصلي، فجاء إليه أعرابي، فقال له: أيما أعلم أنت أو سالم؟ فقال: سبحان الله، فكرر عليه، فقال: ذاك سالم فاسأله، قال ابن إسحاق: كره أن يقول: أنا أعلم من سالم، فيزكيَ نفسه، وكره أن يقول: سالم أعلم مني، فيكذبَ، قال: وكان القاسم أعلمهما. وقال ابن وهب عن مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة، قال: وكان ابن سيرين يأمر من يحج أن ينظر إلى هدي القاسم، فيقتدي به. وقال مصعب الزبيري، والعجلي: كان من خيار التابعين. وقال العجلي أيضا: مدني تابعي ثقة، نَزِهٌ، رجل صالح. وقال ابن وهب: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز كان يقول له: لو كان لي من هذا الأمر شيء ما عَصَّبْتُهُ إلا بالقاسم.
وقال يعقوب بن سفيان: كان قليل الحديث والفتيا. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من سادات التابعين، من أفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، وكان صَمُوتًا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال أهل المدينة: اليوم تنطق العذراء أرادوا القاسم.
قال ضمرة عن رجاء بن جميل: مات بعد عمر بن عبد العزيز سنة إحدى، أو اثنتين ومائة. وقال عبد الله بن عمر: مات القاسم وسالم أحدهما سنة خمس، والآخر سنة ست. وقال خليفة: مات سنة ست، أو أول سنة سبع. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، وابن المديني: مات سنة ست ومائة. وكذا قال غير واحد، زاد بعضهم: وهو ابن سبعين سنة. وقال ابن سعد: مات سنة اثنتي عشرة ومائة. وقيل غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٣) حديثًا.
والباقون تقدّموا فيما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا … إلخ"، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في كيفيّة التحمل وصيغة الأداء،
стр. 4160
فيحيى سمع قراءة من يقرأ على أبي معاوية، ولهذا قال: "أخبرنا"، وأبو بكر، وأبو كريب سمعاه من لفظ أبي معاوية، ولهذا قالا: "حدّثنا".
فقوله: "أبو معاوية" مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كلّ من "أخبرنا"، و"حدّثنا".
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير يحيى، وأبي بكر، وثابت.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى القاسم، وهو وعائشة مدنيّان، ويحيى نيسابوريّ، إلا أنه دخل الكوفة.
٥ - (ومنها): أن شيخه أبو كريب أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة.
٦ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة، كما تقدّم غير مرّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَاوِلينِي)، أي أعطيني (الْخُمْرَةَ) بضم الخاء المعجمة، على وزن غُرْفة: هي حَصِير صغيرٌ قدر ما يُسْجَد عليه، قاله الفيّوميّ، وقال الخطّابيّ: هي السّجّادة التي يَسجُد عليها المصلّي، ويقال: سُمّيت بها لأنها تخمر وجه المصلّي عن الأرض، أي تستره. انتهى.
وقال ابن الأثير ﵀: الْخُمْرة: هي مقدار ما يَضَعُ الرجل عليه وجهه في سجوده، من حَصِير، أو نَسِيجةِ خُوصٍ، ونحوه من النبات، ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسُمّيت خُمْرةً؛ لأن خيوطها مستورةٌ بِسَعَفها، وقد تكررت في الحديث، وهكذا فُسِّرَت، وقد جاء في "سنن أبي داود" عن ابن عباس ﵄ قال: "جاءت فأرةٌ، فأخذت تَجُرّ الْفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الْخُمْرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل مَوْضِع درهم … " الحديث، قال: وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. انتهى (١).
стр. 4161
وقال ابن منظور ﵀: والْخُمْرة: حَصِيرة، أو سَجّادةٌ صغيرةٌ تُنْسَج من سَعَفِ النخل، وتُرَمَّل بالخيوط، وقيل: حَصِيرة أصغر من المصلِّي، وقيل: الْخُمْرة: الحصير الصغير، الذي يُسْجَد عليه.
وفي الحديث: أن النبيّ ﷺ "كان يَسْجُد على الْخُمْرة"، متّفقٌ عليه، وهو حَصِيرٌ صغيرٌ قَدْرَ ما يُسْجَد عليه، يُنْسَج من السَّعَف، قال الزجاج: سُمِّيت خُمْرَةً؛ لأنها تَستُر الوجه من الأرض (١).
وقولها: (مِنَ الْمَسْجِدِ) اختُلِف في متعلّقه، فذهب بعضهم إلى أنه متعلّق بـ "قال"، أي قال لها النبيّ ﷺ قولًا مبتدأ من المسجد، وإليه ذهب القاضي عياض، وقال: معناه أن النبيّ ﷺ قال لها من المسجد، أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبيّ ﷺ أمرها أن تُخْرِج الخمرة من المسجد؛ لأنه ﷺ كان معتكفًا في المسجد، وكانت عائشة في حُجرتها، وهي حائض؛ لقوله ﷺ : "إن حيضتك ليست في يدك"، فإنها خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمَرَها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنًى.
وذهب بعضهم إلى أنه متعلّق بـ "ناوليني"، وبه قال الخطّابيّ والأكثرون، وهو الذي ترجم عليه الأئمّة: أبو داود، حيث قال: "باب الحائض تتَنَاول من المسجد"، والترمذيّ، حيث قال: "باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد"، وابن ماجه، حيث قال: "باب الحائض تتناول الشيء من المسجد"، ثم أوردوا حديث عائشة ﵂ هذا دليلًا على الحكم، فدلّ على أن المعنى عندهم أنها ناولته الخمرةَ التي داخل المسجد؛ لكونها قريبةً من الباب تَصِل إليها يدها، وهي في الحجرة.
وقال القرطبيّ ﵀: وقد اختُلِفَ في هذا المجرور الذي هو "من المسجد" بماذا يتعلّق؟ فعلّقَته طائفةٌ بـ "ناوليني"، واستدلّوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تَعْرِضُ لها؛ إذ لم يكن على جسدها نجاسةٌ، ولأنها لا تُمنَعُ من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحا محمد بن مسلمة من أصحابنا (٢)، وبعض المتأخّرين إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء
стр. 4162
في الثَّفْر (١) لم تدخله؛ تنزيهًا للمسجد عن النجاسة.
وعلّقته طائفة أخرى بقولها: "قال لي رسول الله ﷺ "، أي قال من المسجد: ناوليني الخمرة، أي فهو على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء أنها لا تدخل المسجد، لا مُقيمةً، ولا عابرةً؛ لقوله ﷺ : "لا أُحل المسجد لحائض، ولا جُنُب" (٢)، وبأن حدَثَها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتُّفِق على أن الجنُب لا يَلْبث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عُبُوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء مَنْعُهُ، والحائض أولى بالمنع.
قال القرطبيّ: وَيَحتمل أن يريد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنفّل فيه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: تعليق قوله: "من المسجد" بـ "ناوليني" هو الذي يظهر لي، كما فهمه الأئمة: أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، فترجموا عليه بـ "بابُ ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد"، ولأن تعليقه على "قال" يؤدّي إلى دعوى التقديم، والتأخير، كما تقدّم في كلام القرطبيّ، وهو خلاف الأصل، ولا ينافيه ما يأتي بعد حديث من قولها: قال لي رسول الله ﷺ : "بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب … " الحديث؛ لأنّ هذه واقعة أخرى، فتأمل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ)، أي لست ممن يَحِلّ له دخول المسجد، ولو بجزء منه، وذلك لظنّها أن جميع أجزائها لا يدخل فيه، (فَقَالَ) ﷺ ردًّا عليها هذا الظنّ ("إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ") "الحَيْضة" بفتح الحاء المهملة: المرّة الواحدة من دُفَعِ الحيض، وبالكسر الهيئة من الحيض، وهي الحالة التي تلزمها الحائض، من التجنّب، والبعد عما لا يحلّ للحائض، كالْجِلْسة، والقِعْدة، من الجلوس، والقعود، والأول هو الصحيح المشهور في الرواية، كما قاله النوويّ، وهو المناسب من جهة المعنى، فإن سيلان الدم،
стр. 4163
والدُّفعة منه ليس في اليد، بخلاف الهيئة، فإنها قائمة بجميع ذاتها، بدليل أنه لا يجوز لها مسّ المصحف.
وقال الخطابيّ ﵀: المحدّثون يقولون بفتح الحاء، وهو خطأٌ، وصوابها بالكسر، أي الحالة والهيئة. انتهى.
وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابيّ، وقال: الصواب هنا ما قاله المحدّثون من الفتح؛ لأن المراد الدم، وهو الحيض بالفتح بلا شكّ؛ لقوله ﷺ : "ليست في يدك"، ومعناه أن النجاسة التي يُصان المسجد عنها، وهي دم الحيض، ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة ﵂، "فأخذت ثياب حِيضتي"، فإن الصواب فيه الكسر. انتهى كلام القاضي عياض ﵀.
قال صاحب "المنهل": والوجه الذي أشار إليه النوويّ، هو أن عائشة ﵂ كانت تعلم أنه ليس في يدها نجاسة الحيض التي يُصان عنها المسجد، وما امتنعت عن إدخال يدها في المسجد إلا لعلمها أن الحالة العارضة لها من الحيض قد حلّت في يدها، ولذا أجابها النبيّ ﷺ بأن هذه الحالة التي هي كونها حائضًا إنما عَرَضَت لها باعتبار مجموعها لا باعتبار أجزائها، فلا يقال: اليد حائضة حتى يصان عنها المسجد. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن كلا الوجهين، أعني الحيضة بالفتح، والْحِيضة بالكسر جائز على التقرير الذي سبق، فلكلّ منهما وجه صحيح، أما الفتح فواضح، وأما الكسر فبالتوجيه الذي قرره صاحب "المنهل"، وهو أنها ظنّت أن الهيئة، وهي الحالة العارضة لها حلّت بيدها، وأنها تمنعها من إدخال يدها، فردّ عليها النبيّ ﷺ بأنها تمنع من دخول جملتها، لا دخول بعض أجزائها.
والحاصل أن كلًّا من الفتح والكسر وجه صحيح، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4164
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩٥ و ٦٩٦] (٢٩٨)، و (أبو داود) في (٢٦١)، و (الترمذيّ) في (١٣٤)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٩٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٢٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٥ و ١٠١ و ١١٤ و ١٧٣ و ٢٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٥٧ و ١٣٥٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٠٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٠٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٠٩ و ٩١٠ و ٩١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨٦ و ٦٨٧).
وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت فيما مضى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُنَاوِلَهُ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِد، فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: "تَنَاوَليهَا (١)، فَإنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ في يَدِكِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٢ - (حَجَّاج) بن أرطاة - بفتح الهمزة - ابن ثور بن هُبَيرة بن شَرَاحيل النخعيّ، أبو أرطاة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوقٌ، كثير الخطإ والتدليس [٧].
стр. 4165
رَوَى عن الشعبي حديثًا واحدًا، وعن عطاء بن أبي رَبَاح، وجَبَلَة بن سُحَيم، وزيد بن جبير الطائي، وعمرو بن شعيب، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير، والزهري، ومكحول، وقيل: لم يسمع منهما، ويحيى بن أبي كثير، ولم يسمع منه، وجماعة.
ورَوَى عنه شعبة، وهُشيم، وابن نمير، والحمادان، والثوري، وحفص بن غياث، وغندر، وأبو معاوية، ويزيد بن هارون، وعدة، ورَوَى عنه منصور بن المعتمر، وهو من شيوخه، ومحمد بن إسحاق، وقيس بن سعد المكي، وهما من أقرانه، وغيرهم.
قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجِيح يقول: ما جاءنا منكم مثله - يعني الحجاج بن أرطاة -. وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وقال العجلي: كان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تِيهٌ، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، قال: وكان حجاج راويًا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد: كان من الحفاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عُبيد الله الْعَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه، إذا بَيَّنَ السماع، ولا يحتج بحديثه، لم يسمع من الزهري، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة، وقال هشيم: قال لي الحجاج بن أرطاة: صِفْ لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج يُدَلّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب، مما يحدثه العرزمي متروك. وقال حماد بن زيد: قَدِم علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا
стр. 4166
قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قَدِم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطرًا الوراق جُثَاةً على أرجلهم، يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟ وقال هشيم: سمعته يقول: استفتيتُ وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، ربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير. وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن عيسى بن يونس قال: كان الحجاج بن أرطاة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك، فقال: أحضر مسجدكم حتى يزاحمني فيه الْحَمّالون والْبَقّالون؟ وقال الساجي: كان مدلسًا صدوقًا، سيئ الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به إلا فيما قال أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفًا، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يُثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه - يعني ممن لقيه - إلا عبد الله بن إدريس. وقال مسعود السِّجْزي عن الحاكم: لا يحتج به. وكذا قال الدارقطني. وقال ابن عيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: من حدثكم؟ قالوا: الحجاج بن أرطاة، قال: والحجاج يُكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرًا لكم. وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيهٌ لا يَلِيق بأهل العلم. انتهى.
وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال، والتدليس، وتغيير الألفاظ.
قال الهيثم: مات بخراسان مع المهدي. وقال خليفة: مات بالريّ، وأرّخه ابن حبان في "الثقات" سنة (١٤٥).
стр. 4167
قال الحافظ: وقد رأيت له في البخاري رواية واحدة متابعةً تعليقًا في "كتاب العتق". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف هذا الحديث فقط، مقرونًا بابن أبي غنيّة، والأربعة.
٣ - (ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ) هو: عبد الملك بن حُميد بن أبي غَنيّة - بفتح الغين المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة - الْخُزَاعيّ الكوفيّ، أصله من أصبهان، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وأبي إسحاق الشيباني، وثابت بن عبيد الأنصاريّ، والحكم بن عُتيبة، وعاصم بن أبي النَّجُود، وأبي الخطاب الهجريّ، والحسن بن قيس، والأعمش، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه، والثوريّ، وهو من أقرانه، ومحمد بن مهاجر الأنصاريّ، وهو من شيوخه، والوليد بن مسلم، ومبشر بن إسماعيل، وأبو أحمد الترمذيّ، ووكيع، ويحيى بن أبي زائدة، وعمارة بن بشر، وأبو المغيرة الْخَوْلانيّ، وأبو نعيم، وآخرون.
قال أحمد، عن يحيى: عبد الملك ثقةٌ، هو وأبوه، متقاربان في الحديث، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: ("تنَاوَليهَا) أي خذيها، وفي نسخة: "فناولينيها"، أي أعطينيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٧] (٢٩٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلينيَ الثَّوْبَ" فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: "إِن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ" فَنَاوَلَتهُ).
стр. 4168
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) هو: فُضيل بن حسين الْجَحْدَريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ، إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) الْيَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ (ت ٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (نَاوِلينِي الثَّوْبَ) هذا لا ينافي ما تقدّم من قوله: "ناوليني الْخُمْرة"؛ لإمكان الحمل على واقعة أخرى، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩٧] (٢٩٩)، و (النسائيّ) (١/ ١٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4169
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٨] (٣٠٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَام بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ، وَأنا حَائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأتعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَأَنا حَائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (وَكيع) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهَير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحِ) بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الكوفيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦.
٥ - (أَبُوهُ) هو: شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثيّ، أبو الْمِقْدام الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] قُتِل مع أبي بكرة بسِجِسْتان سنة (٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
стр. 4170
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين غير شيخه زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ، وَأنا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (ثُمَّ أُناوِلُهُ)، أي أُعطي ذلك الشراب (النَّبِيّ ﷺ ) منصوب على أنه المفعول الأول و "أُناول"، والثاني ضمير النصب المتّصل به (فَيَضَعُ فَاهُ) منصوب على المفعوليّة، وهو من الأسماء الستة التي رفعها بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء، كما بيّن ذلك في "الخلاصة" حيث قال:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَ"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
"أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ" كَذَاكَ وَ"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
(عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ) بتشديد الياء، وأصله "فِي" بالتخفيف لغة في "الفم"، كما أسلفته آنفًا، فأُضيفت إلى ياء المتكلّم، فأُدغمت فيها، كما قال في "الخلاصة":
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
والمعنى: أنه ﷺ يضع فمه على الموضع الذي وضعت فيه فمي؛ إظهارًا لموَدّتها، واستجلابًا وإمالةً لقلبها، وبيانًا للجواز.
(فَيَشْرَبُ) بحذف المفعول؛ للعلم به، وكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
أي يشرب ذلك الشراب، (وَأتعَرَّقُ) بتشديد الراء، يقال: عَرَقَ الْعَظْمَ يَعْرُقُهُ عَرْقًا، من باب نصر، وتَعَرّقه، واعترقه: إذا أكل ما عليه، أفاده في "اللسان"، وقال ابن الأثير: عَرَقتُ العظمَ، واعترقته، وتعرّقته: إذا أخذت عنه