قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قَدِم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطرًا الوراق جُثَاةً على أرجلهم، يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟ وقال هشيم: سمعته يقول: استفتيتُ وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، ربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير. وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن عيسى بن يونس قال: كان الحجاج بن أرطاة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك، فقال: أحضر مسجدكم حتى يزاحمني فيه الْحَمّالون والْبَقّالون؟ وقال الساجي: كان مدلسًا صدوقًا، سيئ الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به إلا فيما قال أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفًا، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يُثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه - يعني ممن لقيه - إلا عبد الله بن إدريس. وقال مسعود السِّجْزي عن الحاكم: لا يحتج به. وكذا قال الدارقطني. وقال ابن عيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: من حدثكم؟ قالوا: الحجاج بن أرطاة، قال: والحجاج يُكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرًا لكم. وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيهٌ لا يَلِيق بأهل العلم. انتهى.
وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال، والتدليس، وتغيير الألفاظ.
قال الهيثم: مات بخراسان مع المهدي. وقال خليفة: مات بالريّ، وأرّخه ابن حبان في "الثقات" سنة (١٤٥).
стр. 4167
قال الحافظ: وقد رأيت له في البخاري رواية واحدة متابعةً تعليقًا في "كتاب العتق". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف هذا الحديث فقط، مقرونًا بابن أبي غنيّة، والأربعة.
٣ - (ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ) هو: عبد الملك بن حُميد بن أبي غَنيّة - بفتح الغين المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة - الْخُزَاعيّ الكوفيّ، أصله من أصبهان، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وأبي إسحاق الشيباني، وثابت بن عبيد الأنصاريّ، والحكم بن عُتيبة، وعاصم بن أبي النَّجُود، وأبي الخطاب الهجريّ، والحسن بن قيس، والأعمش، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه، والثوريّ، وهو من أقرانه، ومحمد بن مهاجر الأنصاريّ، وهو من شيوخه، والوليد بن مسلم، ومبشر بن إسماعيل، وأبو أحمد الترمذيّ، ووكيع، ويحيى بن أبي زائدة، وعمارة بن بشر، وأبو المغيرة الْخَوْلانيّ، وأبو نعيم، وآخرون.
قال أحمد، عن يحيى: عبد الملك ثقةٌ، هو وأبوه، متقاربان في الحديث، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: ("تنَاوَليهَا) أي خذيها، وفي نسخة: "فناولينيها"، أي أعطينيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٧] (٢٩٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلينيَ الثَّوْبَ" فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: "إِن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ" فَنَاوَلَتهُ).
стр. 4168
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ) هو: فُضيل بن حسين الْجَحْدَريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ، إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) الْيَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ (ت ٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (نَاوِلينِي الثَّوْبَ) هذا لا ينافي ما تقدّم من قوله: "ناوليني الْخُمْرة"؛ لإمكان الحمل على واقعة أخرى، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩٧] (٢٩٩)، و (النسائيّ) (١/ ١٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4169
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٨] (٣٠٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَام بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ، وَأنا حَائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأتعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَأَنا حَائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (وَكيع) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهَير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحِ) بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الكوفيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦.
٥ - (أَبُوهُ) هو: شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثيّ، أبو الْمِقْدام الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] قُتِل مع أبي بكرة بسِجِسْتان سنة (٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٦.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
стр. 4170
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين غير شيخه زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ، وَأنا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (ثُمَّ أُناوِلُهُ)، أي أُعطي ذلك الشراب (النَّبِيّ ﷺ ) منصوب على أنه المفعول الأول و "أُناول"، والثاني ضمير النصب المتّصل به (فَيَضَعُ فَاهُ) منصوب على المفعوليّة، وهو من الأسماء الستة التي رفعها بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء، كما بيّن ذلك في "الخلاصة" حيث قال:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَ"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
"أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ" كَذَاكَ وَ"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
(عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ) بتشديد الياء، وأصله "فِي" بالتخفيف لغة في "الفم"، كما أسلفته آنفًا، فأُضيفت إلى ياء المتكلّم، فأُدغمت فيها، كما قال في "الخلاصة":
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
والمعنى: أنه ﷺ يضع فمه على الموضع الذي وضعت فيه فمي؛ إظهارًا لموَدّتها، واستجلابًا وإمالةً لقلبها، وبيانًا للجواز.
(فَيَشْرَبُ) بحذف المفعول؛ للعلم به، وكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
أي يشرب ذلك الشراب، (وَأتعَرَّقُ) بتشديد الراء، يقال: عَرَقَ الْعَظْمَ يَعْرُقُهُ عَرْقًا، من باب نصر، وتَعَرّقه، واعترقه: إذا أكل ما عليه، أفاده في "اللسان"، وقال ابن الأثير: عَرَقتُ العظمَ، واعترقته، وتعرّقته: إذا أخذت عنه
стр. 4171
اللحم بأسنانك. انتهى (١).
وقوله: (الْعَرْقَ) منصوب على المفعوليّة، وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء: العظمُ إذا أُخِذ عنه مُعظم اللحم، وجمعه عُرَاق بالضمّ، وهو جمع نادر، قاله ابن الأثير (٢).
وقال في "القاموس": الْعَرْق - يعني بفتح، فسكون، كغُرَاب -: العظم أُكِل لحمه، جمعه ككِتاب، وغُرَابٍ، نادرٌ، أو الْعَرْقُ: العظم بلحمه، فإذا أُكل لحمه: فعُرَاقٌ بالضمّ، أو كلاهما لكليهما. انتهى (٣).
والمعنى هنا: أي آكل من العظم الذي أُخذ عنه معظم لحمه، وبقي عليه بقيّة.
وقال أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه": "أتعرّق: أنزع اللحم من العظم. انتهى (٤).
(وَأئا حَائِضٌ) جملة حاليّة أيضًا (ثُمَّ أُنَاوِلُهُ)، أي ذلك العرق (النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ)، أي على الموضع الذي وضعت فيه فمي؛ إظهارًا لمودّتها، وبيانًا للجواز، كما أسلفته آنفًا.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ فَيَشْرَبُ)، يعني أن شيخه زهير بن حرب لم يذكر في روايته قولها: "فيشرب"، وإنما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية زهير هذه لم أجد من رواها عنه غير المصنّف، إلا أن الإمام أحمد ﵀ رواها في "مسنده"، عن وكيع، فقال:
(٢٤٤١٦) حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومِسْعَر، عن المقدام بن شُرَيح، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كنت أشرب، وأنا حائض، فأناوله النبيّ ﷺ ، فَيَضَع فاه على موضع فِيَّ، وأتَعَرَّق العَرْق، وأنا حائض، فأناوله، فيضع فاه على موضع فِيَّ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4172
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩٨] (٣٠٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٥٩)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٤٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٤٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣٨٨ و ١٢٥٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥١٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٤ و ١٩٢ و ٢١٠)، و (الدارميّ) في "مسنده" (١/ ٢٤٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٩٣ و ١٣٦٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٠٠ و ٩٠١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٨٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان طهارة فم الحائض، وريقها، وسائر بدنها، غير محلّ الدم.
٢ - (ومنها): طهارة سؤرها، وجواز مؤاكلتها، ومشاربتها.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الأخلاق الكريمة، وحسن عشرته لأزواجه.
٤ - (ومنها): جواز مداعبة الرجل لزوجته، وإدخال السرور عليها بمثل هذا.
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمةً لعائشة ﵂، وبيان مقدار حبّ الرسول ﷺ لها.
٦ - (ومنها): جواز إقسام الرجل على زوجته، ففي رواية النسائيّ من طريق يزيد بن المقدام، عن أبيه: "ويدعو بالشراب، فيُقْسِم عليّ قبل أن يشرب منه، فآخذه، فأشرب منه … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 4173
[٦٩٩] (٣٠١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمَكِّيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، وَأنا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ) أبو سليمان العطّار العبديّ، ثقةٌ [٨]، (ت ٤ أو ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٢ - (مَنْصُور) بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الْعُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ القرشيّ العبديّ الْحَجَبيّ المكيّ، وهو ابن صفيّة بنت شيبة، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أمه صفية بنت شيبة، ومُسافِع بن شيبة الحجبيّ، وسعيد بن جبير، ومحمد بن عَبّاد بن جعفر، وأبي سعيد مولى ابن عباس.
ورَوَى عنه أخوه محمد، وزائدة، وابن جريج، ووهيب، وزهير بن معاوية، وزهير بن محمد، وداود بن عبد الرحمن العَطّار، وفضيل بن سليمان، والسفيانان، وآخرون.
قال الأثرم: سئل عنه أحمد؟ فأحسن الثناء عليه، وقال: ابنُ عيينة يثني عليه، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ثبتًا ثقةً، وقال الْحُمَيديّ، عن ابن عيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة، وقال هشام بن الكلبي: رأيته في زمن خالد بن عبد الله يَحْجُب البيت، وهو شيخ كبير، وقال ابن حزم: ليس بالقويّ.
قال الجامع عفا الله عنه: تضعيفُ ابن حزم المتأخر بعد توثيق الأئمة المتقدّمين الخبيرين به، مما لا يُلتفت إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قيل: مات سنة سبع، أو ثمان وثلاثين ومائة.
أخرج لي البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٣٠١) و (٣٣٢) و (٩٠٦) وأعاده بعده، و (١٢٣٦) و (٢١٢٢) و (٢٩٧٥) وأعاده بعده.
стр. 4174
٣ - (أُمُّهُ) هي: صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد الْعُزّى بن عثمان بن عبد الدار العبدرية، لها رؤية، وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية.
رَوَت عن النبي ﷺ ، وعن أم ولد لشيبة بن عثمان، وأم عثمان بن أبي سفيان بن حرب، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة، أمهات المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وحبيبة بنت أبي تجْراةَ، وغيرهم.
ورَوى عنها ابنها منصور بن عبد الرحمن الْحَجَبِيّ، وابنُ أخيها عبد الحميد بن جُبير بن شيبه، وابنُ أخيها الآخر، مُسافع بن عبد الله بن شبيب، وابن ابن أخيها الآخر، مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة، وسبطها محمد بن عمران الحجبي، وإبراهيم بن مهاجر، والحسن بن مسلم، وقتادة، والمغيرة بن حكيم، وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وأم صالح بنت صالح، وغيرهم.
قال ابن معين: لم يسمع ابن جريج منها، وقد أدركها، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. وقال العجليّ: مكيّةٌ تابعيّة ثقة.
وقال الحافظ: ذكر الْمِزّيُّ في "الأطراف" أن البخاري قال في "صحيحه": قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ ، ففي هذا رَدٌّ على ابن حبان، وقد أوضحت حال هذا الحديث فيما كتبته على "الأطراف". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد ما كتبه الحافظ على "الأطراف" في هذا الحديث، ونصّ المكتوب في "الأطراف" بعد ذكره الحديث المذكور من تعليق البخاري، ثم من رواية ابن ماجه موصولًا: قالت: سمعت النبيّ ﷺ يخطب عام الفتح، فقال بهذا. لو صحّ هذا الحديث لكان صريحًا في سماعها من النبيّ ﷺ ، لكن في إسناده أبان بن صالح، وهو ضعيف. انتهى.
ثم أورد حديثًا من رواية أبي داود، وابن ماجه، ثم قال: هذا الحديث يضعّف قولَ من أنكر أن تكون لها رؤية، فإنه حسن الإسناد. انتهى (١).
стр. 4175
وقال في "الإصابة": مختلفٌ في صحبتها، وأبعد مَن قال: لا رؤية لها، فقد ثبت حديثها في "صحيح البخاريّ" تعليقًا، ثم ذكر حديث أبان بن صالح المذكور، ثم قال: وأخرج ابن منده من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر، عن صفيّة بنت شيبة، قالت: "والله لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة … " الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ٦٩ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقد صرّح بالتحديث، فالإسناد صحيح. والحاصل أن ثبوت صحبتها هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم بالصواب.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
والباقيان تقدّما في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة، فمدنيّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعيّ، عن تابعيّة، على القول بأنه لا رؤية لصفيّة، ورواية صحابيّة، عن صحابيّة، على القول بثبوت صحبتها، وهو الحقّ، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ)، أي يعتمد، قال الفيّوميّ ﵀: اتّكأ وزنه افْتَعَلَ، ويُستَعْمَل بمعنيين: أحدهما: الجلوس مع التمكّن، والثاني: القعود مع تمايل، معتمِدًا على أحد الجانبين، وقال
стр. 4176
أيضًا: توكّأ على عصاه: ابعتمد عليها، واتّكأ: جلس متمكّنًا، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]، أي يجلسون، وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، أي مجلسًا يَجلسن عليه، قال ابن الأثير: والعامّة لا تعرف الاتّكاء إلا الميل في القعود معتمدًا على أحد الشِّقّين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعًا، يقال: اتّكأ: إذا أسند ظهره، أو جنبه إلى شيء يَعتمد عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء، فقد اتّكأ عليه، وقال السَّرَقُسْطِيُّ أيضًا: اتّكاتُهُ: أعطيته ما يتّكئ عليه، أي ما يجلس عليه، والتاء مبدلة من واو، والاسمُ التُّكَأَةُ، مثالُ رُطَبَة. انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ في "التوحيد": كان يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض"، فعلى هذا يكون المراد بالاتّكاء وضع رأسه في حجرها (٢).
(فِي حِجْرِي) قال القاضي عياض ﵀: كذا لعامّة شيوخنا، وكافّة الرواة، وكذا عند البخاريّ، ووقع للعذريّ: "في حُجْرتي" - أي بضمّ الجيم، وبالتاء المثنّاة من فوقُ - وهو وَهَمٌ، والمعروف الأول. انتهى (٣).
و"الْحِجْر": بفتح الحاء المهملة، وقد تُكْسَر، وسكون الجيم: الْحِضْنُ، وهو ما بين الإبط إلى الْكَشْح، وفسّره في "النهاية" بأنه طرَفُ الثوب المقدّم، وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا. (وَأَنَا حَائِضٌ) قال القاضي عياض ﵀: وقع في هذا الحديث عند بعض الرواة: "وأنا حائضة"، وكذا كان عند شيخنا الصدفيّ، والْخُشنيّ، والوجهان جائزان، قال الله تعال ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقال تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]. وقال الأعشى [من الطويل]:
أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ … وَمَوْمُوقَةٌ مَا دُمْتِ فِينَا وَوَامِقَهْ
стр. 4177
فأما إثبات الهاء فيها على إجرائها على فغل المؤنّث، حاضت فهي حائضة، وأما قولهم: حائضٌ، فللنحاة فيها وجهان:
أحدهما: أن حائض، وطالق، ومُرضِع مما لا يشترك فيه المذكَّر، فاستُغني فيه عن علامة التأنيث.
والثاني: - وهو الصحيح - أن ذلك على طريق النسب، أي ذات حيض، ورضاع، وطلاق، كما قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزّمل: ١٨]. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١).
[تنبيه]: جملة "وأنا حائض" في محلّ نصب حال، قال الكرمانيّ: إما من فاعل "يتّكئ"، وإما من المضاف إليه، وهي ياء المتكلّم في قوله: "في حجري".
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّبه العينيّ في قوله: من فاعل "يتكئ". وعندي أن ما قاله الكرمانيّ صحيح، كما لا يخفى، فهو كقولك: جاء زيد، وأنا جالسٌ، وجواز مثل هذا لا خفاء فيه.
وجاز مجيء الحال من المضاف إليه، أعني ياء المتكلّم في "حجري"؛ لكون المضاف جزءًا، أو كجزء (٢) من المضاف إليه، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ … إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفَا … أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحِيفَا
قال في "العمدة": وكلمة "في" في قولها: "في حجري" بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل، قال: وفائدة العدول عنه بيان التمكّن فيه، كتمكّن المظروف في الظرف. انتهى (٣).
стр. 4178
(فَيَقْرَأُ) بالبناء للفاعل، أي يقرأ النبيّ ﷺ (الْقُرْآنَ) قيل: فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: فيقرأ القرآن إنما يَحسُنُ التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت القراءة لها جائزةً لكان هذا التوهّم منتفيًا، كذا قال ابن دقيق العيد.
وعكس القاضي عياض ﵀، فقال: وقد استدلّ به بعض مشايخنا على قراءة الحائض القرآن، وإليه نحا البخاريّ في "كتابه"، وكذلك في حملها المصحف. انتهى (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: وجه استدلاله أنها لو كانت ممتنعةً من القراءة لامتنع النبيّ ﷺ من قراءته في محلّ حامل للحيض؛ تشريفًا للقرآن؛ لأن قراءتها له في تلك الحالة حالة استقذار، وقراءته في حجرها قراءة في مكان حامل لمستقذر، ولا فرق بين حالة الاستقذار، ومكان الاستقذار في تنزيه القرآن، كما مُنِعت قراءته في الحمام والسوق، ونحوهما (٢). انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة تحرير الخلاف في هذه المسألة، وترجيح القول بجواز قراءة الحائض والجنب القرآن - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٦٩٩] (٣٠١)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٢٩٧)، و"التوحيد" (٧٥٤٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٦٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٤٧)، و"الحيض" (١/ ١٩١)، و (ابن ماجه) في
стр. 4179
"الطهارة" (٦٣٤)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٢٥٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٦٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٨ و ٦٩ و ٧٢ و ١١٧ و ١٣٥ و ١٤٨ و ١٥٨ و ١٩٠ و ٢٠٤ و ٢٥٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٩٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها، وثيابها على الطهارة ما لم يَلحَق شيئًا منها نجاسةُ الحيض.
٢ - (ومنها): جواز القراءة مضطجعًا، ومتّكئًا على الحائض، وبقرب محلّ النجاسة، قاله النوويّ ﵀ (١).
٣ - (ومنها): جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرةً، وهو أحد القولين عند المالكيّة، قاله القرطبيّ ﵀ (٢).
٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: هذه الأحاديث متّفقةٌ على الدلالة على أن الحائض لا يَنجُسُ منها شيء، ولا يُجتَنَب منها إلا موضع الأذى فحسبُ. انتهى (٣).
٥ - (ومنها): استحباب تبليغ العلم للناس، والإخبارِ بأحواله ﷺ ليُتأسَّى به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قراءة القرآن للحائض، والجنب:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في قراءة الجنب والحائض القرآن، فكَرِهت طائفة أن يقرأ الجنب شيئًا من القرآن، وممن رُوِيَ عنه أنه كره ذلك عمر، وعليّ، والحسن، وإبراهيم، والزهريّ، وقتادة.
стр. 4180
ورُوي عن جابر بن عبد الله بأنه سئل عن المرأة الحائض والنفساء: هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ قال: لا.
وقال عَبِيدة: الجنب مثل الحائض، وقال عطاء: الحائض لا تقرأ شيئًا، والجنب الآية يُنفِذها، وقال أبو العالية، وإبراهيم، والزهريّ، وابن جبير: الحائض لا تقرأ من القرآن، وقال جابر بن زيد: الحائض لا تُتِمّ الآية.
واختُلِف في قراءة الحائض عن الشافعيّ، فحَكَى أبو ثور عنه أنه قال: لا بأس أن تقرأ، وحَكَى الربيع عنه أنه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض، ولا يَحمِلان المصحف.
وحَكَى إسحاق بن منصور عن أحمد أنه قال: يقرأ الجنب طرف الآية والشيءَ، وكذلك قال إسحاق.
وحَكَى أبو ثور عن الكوفي أنه قال: لا تقرأ الحائض، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض، ولا الجنب القرآن.
ورَخَّصت طائفة للجنب في القرآن، رَوَينا عن ابن عباس أنه كان يقرأ وِرْده، وهو جنب، فقيل له؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك، وعنه قال: لا بأس أن يقرأ الجنب الآية ونحوها، وعن أبي مِجْلَز قال: دخلت على ابن عباس، فقلت له: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: دخلتَ عليَّ، وقد قرأت سُبُع القرآن وأنا جنب.
وكان عكرمة لا يرى بأسًا للجنب أن يقرأ القرآن، وقيل لسعيد بن المسيب: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: نعم، أليس في جوفه؟.
وقال مالك: لا يقرأ الجنب القرآن إلا أن يتعوذ بالآية والآيتين عند منامه، ولا يدخل المسجد إلا عابر سبيل، وكذلك الحائض؟.
وقال الأوزاعيّ: لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن إلا آية الركوب، إذا ركب قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، وآية النزول: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩].
стр. 4181
وفيه قول ثالثٌ، قاله محمد بن مسلمة، كَرِه للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل، قال: وقد أُرخِص في الشيء الخفيف مثل الآية والآيتين يتعوذ بهما، وأما الحائض ومن سواها فلا يُكرَه لها أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها يطول، فلا تَدَع القرآن، والجنب ليس كحالها.
قال ابن المنذر: احتج الذين كَرِهوا للجنب قراءة القرآن بحديث عبد الله بن سَلِمة، قال: دخلت على عليّ، فقال: كان النبيّ ﷺ يقضي الحاجة، ثم يقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يَحْجُبُه عن القرآن شيء، ما خلا الجنابة (١).
واحتَجَّ مَن سَهَّل للجنب أن يقرأ القرآن بحديث عن عائشة ﵂ قالت: كان النبيّ ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٢).
قال ابن المنذر: فقال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن وغيره، فكلُّ ما وقع عليه اسم ذكر الله فغير جائز أن يُمْنَع منه أحدٌ، إذا كان النبيّ ﷺ لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث عليّ ﵁ لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سَلِمَة تفرد به، وقد تَكَلَّم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سَلِمة وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل بخبره، فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثَبَتَ خبر عليّ ﵁ لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم يَنْهَهُ عن القراءة، فيكونَ الجنب ممنوعًا منه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه ابن المنذر ﵀ هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه.
والحاصل أنه لم يثبت في منع الجنب عن القرآن شيء يُعتدّ به، كما أوضحه العلماء، ومنهم البيهقيّ، والنوويّ في "المجموع"، فإنه ضعّف الأحاديث التي احتجّ بها المانعون.
стр. 4182
وخلاصة القول أن الراجح قول من قال بجواز قراءة القرآن للحائض والجنب، وهو - كما قال في "الفتح" - مذهب البخاريّ، والطبريّ، وابن المنذر، واحتجّوا بحديث عائشة ﵂ المذكور.
لكنه مع ذلك يُكره؛ لحديث: "إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر"، قاله في ردّ السلام، فالقرآن أولى من السلام، لكنه لا يُنافي الجواز، وقد أشبعت البحث في "شرح النسائيّ" (١)، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا يقرأ الجنب، ولا الحائض شيئًا من القرآن"، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، ضعيفٌ؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عيّاش، وروايته عن غير أهل بلده ضعيفة، وهذا رواه عن موسى بن عقبة، وهو حجازيّ.
وكذا حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "لا تقرأ الحائض، ولا النفساء من القرآن شيئًا"، رواه الدارقطنيّ، ففيه محمد بن الفضل، وهو متروك، أو منسوب إلى الوضع، وقد رُوي موقوفًا، وفيه يحيى بن أبي أُنيسة، كذّاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسّ الجنب والحائض المصحف:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في مَسّ الحائض والجنب المصحف، فكَرِه كثير منهم ذلك، منهم ابن عمر، قال: لا يمس المصحف إلا متوضئ، وكره الحسن للجنب مس المصحف، إلا أن يكون له عِلاقة، ورُوِي ذلك عن الشعبيّ، وطاوس، والقاسم، وعطاء، وقال الحكم، وحماد في الرجل يَمَسّ المصحف، وليس بطاهر قالا: إذا كان في عِلاقة فلا بأس، وكره عطاء، والزهريّ، والقاسم، والنخعيّ، مس الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى على غير وضوء.
وكره مالك أن يَحْمِل المصحف بعِلاقته، أو على وسادة أحد إلا وهو طاهر، قال: ولا بأس أن يَحمله في الْخُرْج، والتابوت، والغِرَارة، ونحو ذلك
стр. 4183
مَن على غير وضوء، ويَحْمِل النصرانيّ، واليهوديّ المصحف في الغِرَارة والتابوت، في مذهبه.
وقال الأوزاعيّ، والشافعيّ: لا يَحمل المصحف الجنب والحائض، وقال أحمد، وإسحاق: لا يقرأ في المصحف إلا متوضئٌ، قال إسحاق: لِمَا صَحّ قول النبيّ ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر"، وكذلك كان فعل أصحاب النبيّ ﷺ ، وكره أحمد أن يمس المصحف أحد على غير طهارة، إلا أن يتصفحه بعُود أو بشيء.
وقال أبو ثور: لا يمس المصحفَ جنبٌ، ولا حائض، ولا غير متوضئ، قال: وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله.
وحَكَى يعقوب عن النعمان أنه قال في الرجل الجنب: يأخذ الصُّرّة فيها دراهم، فيها السورة من القرآن، أو المصحف بعِلاقته قال: لا بأس، وقال: لا يأخذ الدراهم إذا كان جنبًا، وفيها السورة من القرآن في غير صُرّة، وكذلك المصحف في غير عِلاقته.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يأخذ ذلك، وهو على غير وضوء إلا في صُرّة، أو في عِلاقة.
قال ابن المنذر: أعلى ما احتَجّ به مَن كَرِه أن يمس المصحف غير طاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وحديث عمرو بن حزم، قال: في كتاب النبيّ ﷺ لعمرو: "لا تَمَسّ القرآن إلا على طُهُور".
ورَخَّص بعض مَن كان في عصرنا للجنب والحائض في مس المصحف، ولبس التعويذ، وممس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة، وقال: معنى قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، كذلك قال أنس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وقال: وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خبر بضم السين، ولو كان نهيًا لقال: لا يَمَسَّنّه.
واحتَجّ بحديث أبي هريرة، وحذيفة ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "المؤمن لا يَنْجُس"، متّفقٌ عليه.
стр. 4184
والأكثر من أهل العلم على القول الأول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز للمحدث أن يمسّ القرآن؛ لصحّة حديث عمرو بن حزم المذكور: "لا يمسّ القرآن إلا طاهر"، وقد أشبعت الكلام في صحته، وفي بيان أدلّة المانعين، والمجوّزين في "شرح النسائيّ"، فارجع إليه (٢) تجد ما يشفيك - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في المرأة تُجنب، ثم تحيض قبل الاغتسال:
قال ابن المنذر ﵀: اختلفوا في المرأة تُجنب، فلا تغتسل حتى تَحيض، فقالت طائفة: تغتسل، فإن لم تفعل فغسلان عند طهرها، هذا قول الحسن، والنخعيّ، وعطاء، وجابر بن زيد.
وقال أبو ثور في الجنب: عليه أن ينوي بغسله الطهارة والجنابة، فإن اغتسل للجنابة ولم يتوضأ، ولم ينو به الوضوء أجزأه للجنابة، وتوضأ وضوءه للصلاة، وليس له أن يصلي إلا بوضوء.
وقالت طائفة: يجزيها غسل واحد إذا طهرت من الحيض، وروي هذا القول عن عطاء، وبه قال ربيعة، وأبو الزناد، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقد اختلف فيه عن الأوزاعي: فحكى الوليد بن مسلم عنه أنه قال: تغتسل من الجنابة وتقيم على الحيضة، وحكى الوليد بن يزيد عنه أنه قال: إن تركت الغسل فلا حرج، وإن اغتسلت فحسن وأستحب الاغتسال.
وقد احتجّ بعض من أوجب عليها للجنابة غسلًا، وللحيض غسلًا بأن الله تعالى أوجب الاغتسال من الجنابة، وأوجب الاغتسال من الحيض، وكل واحد منهما غير الآخر، فلا يجوز إسقاط أحد الغسلين عنها إلا بحجة من كتاب، أو سنة، أو اتفاق، ومعنى كل واحد منهما غير الآخر.
стр. 4185
واحتَجّ بعض من خالف هذا القول بأن النبيّ ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد، فدَلّ فعله هذا على أن المرأةَ إذا حاضت بعد جنابتها يجزئها غسل واحد، نظير ما فعل النبيّ ﷺ ؛ لأن المجامع عليه الاغتسال إذا جامع، فإذا عاوده أجزأه الاغتسال بالأول والآخر، وكذلك المرأة إذا أجنبت وجب عليها الغسل، فلما حاضت قبل أن تغتسل للجنابة أجزأها غسل واحد، كما أجزأ من جامع ثم عاد، فجامع غسل واحد.
ومن ذلك أن لا خلاف بينهم نعلم أن من بال فلم يُحدث وضوءًا حتى أتى الغائط، أو خرج منه ريح، أو كان ذلك كله منه في مقام واحد أن وضوءًا واحدًا يجزي عنه لذلك كله، وكذلك المرأة الجنب التي لم تغتسل حتى حاضت يجزيها غسل واحد. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بإجزاء الغسل الواحد للجنابة والحيض، هو الأرجح؛ لظهور حجته، ومن أقوى الحجج إجماعهم على أن من تعددت منه أسباب الحدث، من البول والغائط وغيرهما يجزيه وضوء واحد، فهذا مثله من دون فرق، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٠٠] (٣٠٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِثٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ (٢) فِي الْبُيُوت، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [البقرة: ٢٢٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَّاحَ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيه، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَا: يَا
стр. 4186
رَسُولَ الله، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ (١) فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا (٢)، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا).
رجال هذا الإسناد:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل حديثين.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ ناقدٌ بصير [٩] (ت ١٩٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزرجي، خادم رسول الله ﷺ ، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد: خمسة:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأما حماد بن سلمة فقد أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في "كتاب الأدب" من "صحيحه".
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وقد دخل البصرة.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ قد تشرّف بخدمة رسول الله ﷺ عشر سنين،
стр. 4187
وهو من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أنس) بن مالك ﵁ (أَنَّ الْيَهُودَ) بالدال المهملة: اسم للقبيلة، وقيل: إنما اسم هذه القبيلة يهوذا بالذال المعجمة، فعُرّب بقلب الذال دالًا، قال ابن سيده: وليس هذا بقويّ، قاله في "اللسان" (١).
وقال في "المصباح": ويقال: هم يهودُ غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنسبة إليه يهوديّ، وقيل: اليهوديّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇، هكذا أورده الصغاني "يهودا" في باب المهملة. انتهى (٢).
(كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ)، وللنسائيّ: "منهم" (لَمْ يُؤَاكِلُوهَا) بالهمز، ويُبدل واوًا، وقيل: إنه لغة (٣)، أي لم يأكلوا معها؛ استقذارًا لها (وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ)، أي لم يساكنوهنّ، ولم يُخالطوهنّ، وفي نسخة: "ولم يجامعوها"، وفي رواية أبي داود: "لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها" بضمير المفردة في المواضع الثلاثة، وفي رواية النسائيّ بضمير جماعة الإناث في المواضع الثلاثة، وكلّه صحيح.
وقال في "المرقاة": وإنما جمع الضمير - أي في "يجامعوهنّ" -؛ لأن المراد بالمرأة الجنس، فعبّر أوّلًا بالمفرد، ثم بالجمع؛ رعايةً للّفظ والمعنى على طريق التفنّن. انتهى (٤).
(فِي الْبُيُوتِ) متعلّق بـ "يجامعوهنّ"، ومعناه: لم يُخالطوهنّ، ولم يُساكنوهنّ في المحلّ الواحد، وليس المراد مجامعتهنّ في الفرج.
(فَسَأَل أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ) ظاهر هذه الرواية أن السائلين جماعة
стр. 4188
من الصحابة ﵃، وذكر الطبريّ ﵀ أن السائل هو ثابت بن الدَّحْدَاح، وقيل: السائل عبّاد بن بشر، وأُسيد بن حُضير، وعزاه القرطبيّ للأكثرين، ولا تعارض؛ لاحتمال أن يكونوا كلهم سألوا، كما يقتضيه ظاهر رواية المصنّف ﵀.
و"متعلّق "سأل" محذوف، أي عن ذلك، والمعنى أن الصحابة ﵃ سألوا عن حكم ما تفعله اليهود من إبعاد النساء عنهم كلَّ الإبعاد (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) جوابًا عن هذا السؤال: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) أي الحيض، فالمحيض مصدر ميميّ، أي عن حكم الاستمتاع بالنساء زمنَ الحيض.
وقال النوويّ ﵀: المحيض الأول المراد به الدم، والثاني اختُلِف فيه، فمذهبنا أنه الحيض، ونفس الدم، وقال بعض العلماء: هو الفرج، وقال آخرون: هو زمن الحيض. انتهى (١).
(قُلْ هُوَ)، أي المحيض بمعنى الدم السائل، لا بمعنى السيلان، ففيه الاستخدام (أَذًى)، أي قَذَرٌ، وأصل الأذى ما يتأذّى به الإنسان، وكان دم الحيض أذًى؛ لقبح لونه، ورائحته، ونجاسته، وإضراره، والتنكير فيه للقلّة، كما قال البغويّ، أي أذًى يسيرٌ لا يتجاوز الفرج، وما قاربه، فلا يتأذّى به إلا من جامعها، زوج، أو سيّد، دون من آكلها، أو ساكنها (٢).
وقال القرطبيّ المفسّر ﵀: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، أي هو شيء تتأذّى به المرأة وغيرها، أي برائحة دم الحيض، والأذى كناية عن القذر على الجملة، ويُطلق على القول المكروه، كقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي بما تسمعه من المكروه. انتهى (٣).
(فَاعْتَزِلُوا النَّسَاءَ) أي ابتعدوا عنهن (فِي الْمَحِيضِ) أي في زمن الحيض، إن حُمل المحيض على المصدر، أو في محلّ الحيض، إن حُمل على الاسم، ومقصود هذا النهي ترك المجامعة لهنّ، قاله القرطبيّ (٤).
وقال القاري: يعني أن الحيض أذى يَتأذّى معه الزوج من مجامعتها فقط،
стр. 4189
دون المؤاكلة، والمجالسة، والافتراش، أي فابعُدوا عنهنّ في المحيض، أي في مكان الحيض، وهو الفرج، أو حوله مما بين السرّة والركبة احتياطًا. انتهى (١).
وقوله: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) متعلّق بـ "أنزل الله".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) مبيّنًا للاعتزال المذكور في الآية بكونه مقصورًا على بعض أفراده ("اصْنَعُوا)، أي افعلوا (كُل شَيْءٍ) من أنواع الاستمتاع، كالمباشرة، والقُبْلة، والمعانقة، واللمس، وغير ذلك، وفي رواية النسائيّ: "فأمرهم رسول الله ﷺ أن يؤاكلوهنّ، ويشاربوهنّ، ويجامعوهنّ في البيوت" (إِلَّا النِّكَاحَ")، أي الجماع في الفرج، وفي رواية النسائيّ: "ما خلا الجماع"، و"النكاح" في اللغة يُطلق على الوطء، وعلى العقد، يقال: نكحتها: إذا وطئتها، أو تزوّجتها (٢)، فرواية النسائيّ مبيّنة للمراد من رواية المصنّف.
وقال القاري ﵀: قوله: "إلا النكاح" أي الجماع، وهو حقيقةٌ في الوطء، وقيل: في العقد، فيكون إطلاقًا لاسم السبب على المسبّب. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" تفسير للآية، وبيان لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإن الاعتزال شاملٌ للمجانبة عن المؤاكلة، والمضاجعة، والمجامعة، لكنّه قُيّدَ بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فعُلم أن المراد منه المجامعة، فقال ﷺ : "اصنعوا كلّ شيء إلا النكاح"، أي الجماع؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبّب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع. انتهى (٤).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ)، أي وصل إليهم خبر ما قاله النبيّ ﷺ من أمر الصحابة ﵃ بأن يصنعوا في النساء كلّ شيء إلا الجماع في الفرج، (فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ) يعنون النبيّ ﷺ ، وفي رواية النسائيّ: "ما يدَعُ رسول الله ﷺ … "، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اليهود لا تعترف
стр. 4190
برسالته ﷺ (أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا) من الأشياء في حال من الأحوال (إِلَّا خَالَفَنَا) بفتح الفاء، والفاعل ضمير "هذا الرجل" (فِيهِ) أي إلا في حال مخالفته إيانا في ذلك الشيء، يعنون بذلك أن ما جاء به النبيّ ﷺ مخالف لدينهم.
[تنبيه]: هذا الذي قاله اليهود من مخالفة النبيّ ﷺ لدينهم صحيحٌ فيما بدّلوا وغيّروا، واختلفوا فيه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية [النحل: ٦٤]، وأما ما لم يُبدّل من شرع موسى ﵇، فإنه ﵇ ما أتى مخالفًا لأصوله، بل جاء موافقًا له، ومحييًا لما درس منه؛ لأن أصل دين الأنبياء واحد، وإن اختلفت الفروع، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]، وأما الفروع فمنها ما يوافق، ومنها ما يخالف؛ لكونه منسوخًا بشرعنا، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية ما ملخّصه: هي إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بَعَث الله به رسلَهُ الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد، كما ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نحن معاشرَ الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد" - يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضَمّنه كلَّ كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦].
وأما الشرائع فمختلفة، في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا، ثم يَحِل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدّة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنةً، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يُحِلّ الله فيها ما يشاء، ويُحَرِّم ما يشاء؛ لِيَعْلَم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد،
стр. 4191
والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام. انتهى (١).
والحاصل أن زعم اليهود في مخالفة النبيّ ﷺ إنما هو فيما بدّلوا وغيّروا، وأما ما عدا ذلك فإنه ما جاء إلا مبيّنًا وموضّحًا لأصوله، وكاشفًا ما كتموه، وأخفوه من الحقّ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، والله تعالى أعلم.
(فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) - بتصغير الاسمين - ابن سِمَاك بن عَتِيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى، وقيل في كنيته غير ذلك، كان أحد النقباء ليلة العقبة، واختُلِف في شهوده بدرًا، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وروى عنه أبو سعيد الخدريّ، وأنس، وأبو ليلى الأنصاريّ، وكعب بن مالك، وعائشة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وحُصين بن عبد الرحمن، ولم يدركاه.
قال ابن إسحاق: لا عَقِب له، وقال ابن سعد: كان شريفًا في قومه كاملًا، وذكره موسى بن عقبة فيمن شَهِد العقبة الثانية، وقالت عائشة: كان من أفاضل الناس.
وقال عروة: مات أُسيد بن حُضير، وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه، فقال عمر: لا أترك بني أخي عالَةً، فَرَدَّ الأرض، وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كلَّ سنة ألف درهم.
وذكره ابن إسحاق في البدريين، ورَوَى الواقديّ ما يخالفه، أنه تلقى رسول الله ﷺ مرجعه من بدر، واعتَذَر عن تخلفه، وأرَّخ البغويّ، وابن السكن، وغيرهما وفاته سنة (٢٠)، وعن المدائنيّ أنه توفي سنة (٢١)، وقال البخاريّ: مات أُسيد بن حُضير في عهد عمر، قاله عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ (٢).
стр. 4192
أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف حديث واحد برقم (١٨٤٥) في "كتاب الإمارة" حديث: "إنكم ستلقون بعدي أَثَرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
(وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ) بن وَقْش، ويقال: زُغْبة بن زَعُوراء بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ، أبو بشر، وأبو الربيع الأشهليّ، قال ابن عبد البر: لا يختلفون أنه أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير، وذلك قبل إسلام سعد بن معاذ، وشَهِد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان ممن قَتَل كعبَ بن الأشرف، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: وممن شهد بدرًا عبادُ بن بشر، وقُتِل يوم اليمامة شهيدًا وكان له بَلاءٌ وغَنَاءٌ، وهو ابن (٤٥) سنة.
وقال أبو نعيم في "المعرفة": رَوَى عنه أنس بن مالك، وقال ابن سعد: آخى النبيّ ﷺ بينه، وبين أبي حُذيفة بن عُتبة ﵄.
ليست له رواية في الكتب الستّة، وإنما رَوَى له أبو داود في كتابه "مناقب الأنصار" حديثًا واحدًا، من رواية حُصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن ثابت، عنه، بقوله للأنصار: "أنتم الشعار، والناس الدثار".
(فَقَالَا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا)، أي ما تقدّم من كلامهم البذئ (أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟)، وفي بعض النسخ بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية النسائيّ: "أنجامعهنّ في المحيض"، والمعنى: أتأمرنا بمخالفة اليهود فيهنّ المخالفة التامّة، فنجامعهنّ في حالة الحيض، وإنما حملهما على ما قالا؛ شدّةُ بغضهما لليهود، فأرادا إدخال الغيظ عليهم بذلك، (فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ )، وفي رواية النسائيّ: "فتمعّر وجه رسول الله ﷺ تمعّرًا شديدًا"، وهو بمعنى تغيّر، وأصل التمعّر قلّة النَّضَارة، وعدم إشراق اللون، ومنه المكان الأمعر، وهو الْجَدْبُ الذي ليس فيه خِصْبٌ.
وإنما تغيّر وجه رسول الله ﷺ من قولهما هذا؛ لمخالفته نصّ كتاب الله، حيث قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ)، أي أنّه ﷺ (قَدْ وَجَدَ)، أي غَضِب، يقال: وَجَد عليه يَجِد وَجْدًا، من باب وَعَد، ومَوْجِدَةً: غَضِبَ عليه، وفي رواية النسائيّ: "حتى ظنّنا أنه قد غَضِب" (عَلَيْهِمَا) أي على أُسيد، وعبّاد ﵄.
стр. 4193
[تنبيه]: "أَنْ" في قوله: "أن قد وجد" بفتح الهمزة، وسكون النون، هي المخفّفة من الثقيلة، واختُلف في اسمها، فقيل: ضمير شأن محذوف، وقيل: ضمير النبيّ ﷺ ، وخبرها الجملة بعدها، وإلى هذا أشار ابن مالك: في "الخلاصة" حيث قال:
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ "قَدْ" أَوْ نَفْيٍ اوْ … تَنْفِيسٍ اوْ "لَوْ" وَقَلِيلٌ ذِكْرُ "لَوْ"
و"أن" وما دخلت عليه في تأويل المصدر سدّت مسدّ مفعولي "ظنّ".
(فَخَرَجَا)، وفي رواية النسائيّ: "فقاما"، أي خرج أُسيدٌ وعبّادٌ ﵄ من عند رسول الله ﷺ ، وانطلقا إلى حاجتهما، ويحتمل أن يكون خروجهما؛ خوفًا من زيادة تغيّره ﷺ عليهما (فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ) ذكّر الفعل؛ لكون الفاعل، وهو "هديّة" مجازيَّ التأنيث، أي فاستقبل الرجلين شخص معه هديّة يُهديها إلى رسول الله ﷺ ، والإسناد مجازيّ، قاله الطيبيّ (١). (مِنْ لَبَنِ) "من" بيانيّة، والجارّ والمجرور صفة لـ "هديّة"، وقوله: (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّقَ بصفة لـ "هديّة" أيضًا، أي "يُهديها" إليه ﷺ (فَأَرْسَلَ) بالبناء للفاعل، أي أرسل النبيّ ﷺ من يردّهما إليه (فِي آثَارِهِمَا) بالمدّ جمع أَثَر، كسبب وأسباب، وفي نسخة: أثرهما" بالإفراد، وهو بفتحتين، وقيل: بكسر، ففتح، والمراد آثار أقدامهما، وهو كناية عن سرعة الإرسال وراءهما؛ لأن أثر المشي لا يبقى طويلًا، وفي رواية النسائيّ: "فبعث في آثارهما، فردّهما" (فَسَقَاهُمَا) معطوف على محذوف، أي فحضرا، فسقاهما ذلك اللبن، وإنما خصّهما به؛ تطييبًا لخاطرهما، حيث ظنّا أنه غضب عليهما (فَعَرَفَا) بالبناء للفاعل، والألف ضمير أسيد، وعبّاد ﵄، وفي رواية النسائيّ: "فعُرف" بالبناء للمفعول، أي عرف الناس (أَنْ) تقدّم أنها مخفّفة من الثقيلة، أي أنه ﷺ (لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا)، وفي رواية النسائيّ: "أنه لم يغضب عليهما"، أي لم يغضب على الرجلين، أو لم يستمرّ على الغضب، بل زال عنه، وذهب، وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ .
стр. 4194
وقال القرطبيّ ﵀: وتغيّر وجه رسول الله ﷺ من قول أُسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر ﵄ إنما كان ليُبيّن أن الحامل على مشروعيّة الأحكام إنما هو أمر الله تعالى، ونهيه، لا مخالفة أحد، ولا موافقته كما ظَنّا، ثم لَمّا خرجا من عنده، وتركاه على تلك الحالة خاف عليهما أن يَحزنا، وأن يتكدّر حالهما، فاستدرك ذلك، واستمالهما، وأزال عنهما ما أصابهما، بأن أرسل إليهما اللبن، فسقاهما؛ رأفةً ورحمةً منه ﷺ لهما، على مقتضى خُلُقه الكريم ﷺ ، كما قال الله ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٣/ ٧٠٠] (٣٠٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٥٨)، وفي "النكاح" (٢١٦٥)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٧٧)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٥٢ و ١٨٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٤٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣١ و ٢٤٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم وطء الحائض، وهو مجمع عليه، فمن فعله عالِمًا عصى، ومن استحلّه كفر؛ لأنه محرّم بنصّ كتاب الله، ولا يرتفع التحريم إلا بانقطاع الدم والاغتسال عند أكثر أهل العلم، كما تقدّم بيانه.
стр. 4195
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة.
٣ - (ومنها): جواز الاستمتاع بالحائض بكلّ أنواع الاستمتاع ما عدا الوطء في الفرج.
٤ - (ومنها): سماحة دين الإسلام، حيث أحلّ الاستمتاع المذكور.
٥ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ ﵀: فعلُهُ ﷺ مع الصحابيين في تطييب نفوسهما، وزوال الوحشة من قلوبهما بسقيهما اللبن إِثْرَ ما أظهر من الإنكار لسؤالهما في وطء الحائض مخالفةً لليهود، وتغيّر وجه النبيّ ﷺ لذلك حتى ظُنّ أن قد وجَدَ عليهما فيه من حسن العشرة، والرفق، والرأفة بالمؤمنين، والرحمة التي جعلها الله من صفات نبيّه ﷺ ، لا سيّما ما كان يَلحقهما من ظنهما غضب النبيّ ﷺ عليهما، ولا سيّما فيما هو من باب الدين والشريعة. انتهى (١).
٦ - (ومنها): عدم مقابلة المسلم بما يسوؤه وإن أساء، فإنه ﷺ ما كلّمهما، بل سكت عنهما.
٧ - (ومنها): مشروعيّة الغضب على من ارتكب ما لا يليق به.
٨ - (ومنها): أنه لا يجوز إغاظة العدوّ بما فيه مخالفة الشريعة.
٩ - (ومنها): مشروعيّة قبول الهديّة، وتفريقها على غير الْمُهْدَى إليه.
١٠ - (ومنها): أنه لا ينبغي استمرار الغضب على المسلم إذا لم يوجد ما يقتضي ذلك.
١١ - (ومنها): استحباب سكوت التابع عند غضب المتبوع تأدّبًا معه.
١٢ - (ومنها): استحباب الملاطفة، والمؤانسة بعد الغضب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 4196
(٤) - (بَابُ الْمَذْيِ)
قال الجامع عفا الله عنه: "الْمَذي" فيه لغاتٌ، أفصحها فتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وتخفيف الياء، ثم كسر الذال، وتشديد الياء، وهو ماء أبيض رقيقٌ، لَزِجٌ، يخرُج عند الملاعبة، أو تذكّر الجماع، أو إرادته، وقد لا يُحَسُّ بخروجه، قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: في "المذي" لغات: مَذْيٌ بفتح الميم، وإسكان الذال، ومَذِيّ بكسر الذال، وتشديد الياء، ومَذِي بكسر الذال، وتخفيف الياء، فالأوليان مشهورتان، أولاهما أفصحهما وأشهرهما، والثالثة حكاها أبو عمرو الزاهد، عن ابن الأعرابيّ، ويقال: مَذَى، وأمذى، ومَذّى الثالثة بالتشديد، والمذي: ماءٌ أبيض، رقيق لَزِج يخرج عند شهوة، لا بشهوة، ولا دِفْقٍ، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: الْمَذْيُ: ماء رقيقٌ يَخرُج عند الملاعبة، ويَضرِب إلى البياض، وفيه ثلاث لغات: الأولى: سكون الذال، والثانية: كسرها مع التثقيل، والثالثة: الكسر مع التخفيف، ويعرب في الثالثة إعراب المنقوص، ومَذَى الرجلُ يَمْذي، من باب ضَرَبَ، فهو مَذّاءٌ، ويقال: الرجل يَمْذِي، والمرأة تَقْذي، وأمذى بالألف، ومذَّى بالتثقيل كذلك. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": المذي بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر الذال، وتشديد الياء، وبكسر الذال المعجمة، وتخفيف الياء، حُكِي ذلك عن ابن الأعرابيّ، وهو الماء الرقيق الذي يَخرُج عند الملاعبة والتقبيل، وقال ابن الأثير: هو البلل اللَّزِج الذي يَخرُج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يَعْقُبُه فُتُور، وربما لا يُحَسُّ بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال.
стр. 4197
وقال الأمويّ: المذيّ، والوديّ، مشددتان، كالمنيّ، قلت (١): المشهور أن الودي بفتح الواو، وسكون الدال، هو البلل اللَّزِج، يخرُج من الذكر بعد البول، يقال: وَدَى، ولا يقال: أودى، قاله الجوهريّ، وقال غيره: يقال: أودى أيضًا، وقيل: التشديد أصحّ وأفصح من السكون.
والمنيّ بتشديد الياء: ماء خاثر، أبيض يتولد منه الولد، ويَنكَسِر به الذكر، يقال: مَنَى الرجل، وأمنى، ومَنَّى مشددًا الكل بمعنًى. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٠١] (٣٠٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُشَيْمٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى، وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّة، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِه، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَد، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن القاسم السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مُنْذِرُ بْنُ يَعْلَى) الثوريّ - بالمثلّثة - أبو يعلى الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن محمد بن علي بن أبي طالب، والربيع بن خُثيم، وسعيد بن جبير، وعاصم بن ضمرة، والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه الربيع، والأعمش، وفِطْر بن خليفة، وسالم بن أبي حفصة، وسعيد بن مسروق الثوريّ، والحسن بن عمرو الْفُقَيميّ، ومحمد بن سُوقة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً، قليل
стр. 4198
الحديث، وقال ابن معين، والعجليّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: رَوَى عن أم سلمة إن كان سَمِعَ منها.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ) هو: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، أبو القاسم المدني المعروف بابن الحنفية، وهي خولة بنت جعفر بن قيس، من بني حَنِيفة، ويقال: من مواليهم، سُبِيَت في الرِّدّة من اليمامة، ثقة، عالمٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وعثمان، وعمار، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عباس، ودخل على عمر.
ورَوَى عنه أولاده: إبراهيم، والحسن، وعبد الله، وعمر، وعون، وابن أخيه، محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وحفيد أخيه، محمد بن علي بن الحسين، وابن أخته، عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم.
قال العجليّ: تابعي ثقة، كان رجلًا صالِحًا يُكنى أبا القاسم. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نَعلَم أحدًا أسند عن عليّ، ولا أصحّ مما أسند محمد. وقال الزبير بن بكار: وتسميه الشيعة المهديّ، قال: وكانت شيعة محمد بن علي تَزْعُم أنه لم يمت، وأورد لِكُثّيِّر عَزَّة، وللسيّد الْحِمْيَريّ في ذلك أشعارًا.
قيل: إنه وُلد في خلافط أبي بكر، وقيل: في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين وثمانين، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك.
قال البخاري في "تاريخه": ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبي حَمْزَة، قال: قضينا نُسُكنا حين قُتِل ابن الزبير، ثم رجعنا إلى المدينة مع محمد، فمكث ثلاثة أيام، ثم تُوُفّي، وقد دخل على عمر، وهو غلام.
وقال ابن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبي حَمَزة، قال: كانوا يُسَلِّمون على محمد بن عليّ: السلام عليك يا مهديُّ، فيقول: أَجَلْ أنا مَهْدِيّ أَهْدِي إلى الخير، ولكن إذا سَلَّمَ أحدكم، فليقل: السلام عليك يا محمد. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل بيته.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
стр. 4199
٤ - (عَلِيّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب الهاشميّ الخليفة الراشد ﵁ (ت ٤٠) عن (٦٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير هُشيم، فواسطيّ، وابن الحنفيّة، فمدنيّ، وعليّ ﵁ مدنيّ، نزل الكوفة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، وهو الأعمش، وهو من الطبقة الخامسة، عن غير تابعيّ، وهو منذر؛ لأنه من الطبقة السابعة، فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر.
٥ - (ومنها): ما قيل: لا يُعلَم أحدٌ أسند عن عليّ ﵁، عن النبيّ ﷺ أكثر، ولا أصحّ مما أسنده محمد ابن الحنفيّة ﵀، قاله العينيّ ﵀ (١).
٦ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: محمد بن عليّ، عن عليّ ﵁.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، ابن عمّ المصطفى ﷺ ، وزوج بنته فاطمة ﵂، وأبو الحسنين، وأول من آمن من الصبيان، وصلّى مع النبيّ ﷺ ، وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة على الأصحّ، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأول خليفة أبواه هاشميّان، ولم يَلِ بعده ممن أبوأه هاشميّان غير محمد الأمين ابن زُبيدة، وهو من النبيّ ﷺ بمنزلة هارون من موسى في الأخوّة، وشدّ الأزر، لا في النبوّة (٢)، وغير ذلك من الفضائل ﵁ لا يشاركه في معظمها غيره، والله تعالى أعلم.
стр. 4200
شرح الحديث:
(عَنْ مُنْذِرِ) بضمّ الميم، وسكون النون، وكسر الذال المعجمة (ابْنِ يَعْلَى) بفتح الياء التحتانيّة، وسكون العين المهملة، وفتح اللام (وَيُكْنَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير منذر، قال المجد ﵀: كَنَى زيدًا أبا عمرو، وبه، كُنْيَةً بالكسر والضمّ: سمّاه به، كأكناه، وكَنّاه، وأبو فلانٍ كُنْيَتُهُ، وكُنْوَته، ويُكسران. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: كنيته أبا محمد، وبأبي محمد، قال ابن فارس: وفي كتاب الخليل: الصواب الإتيان بالياء، قال: والكُنية اسم يُطلق على الشخص للتعظيم، نحو أبي حفص، وأبي الحسن، أو علامةً عليه، والجمع كُنًى بالضمّ في المفرد والجمع، والكسر فيهما لغةٌ، مثلُ بُرْمة وبُرَمٍ، وسِدْرة وسِدَرٍ. انتهى (٢).
(أَبَا يَعْلَى) منصوب على أنه مفعول ثان لـ "يُكنَى"؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى اثنين، ويتعدّى إلى الثاني أيضًا بالباء، كما أسلفناه آنفًا، (عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) هو محمد بن عليّ المترجم آنفًا، والحنفيّة أمه، وهي خولة بنت جعفر الحنفيّ اليماميّ، وكانت من سبي بني حَنِيفة، (عَنْ عَلِيٍّ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا) قال ابن الملقّن ﵀: فيه احتمالان: أحدهما: أن ذلك حكاية عما مضى، وانقطع عنه حين إخباره به، وهو بعيد، وأظهرهما أن هذه حالة مستدامة له، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي أنه لَمّا علم الناس أنه تعالى عليم حكيم، قيل لهم، ولذلك كان في الأول على ما هو عليه الآن من العلم والحكمة (٣).
وقوله: (مَذَّاءً) بالنصب صفة لـ "رجلًا"، أي كثير المذي، وهو بفتح الميم، وتشديد الذال المعجمة على الأفصح، وبالمدّ، على وزن فَعّال بالتشديد، كضرّاب من الضرب، يقال: مَذَى الرجل يَمْذِي، من باب ضرب يضرب، ثلاثيًّا، وأمذى يُمْذي، كأعطى يُعطي رباعيًّا، وقد استوفيتُ بيان لغات المذي والمنيّ، والودي، ومعانيها أول الباب.
стр. 4201
وفي رواية لأبي داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان بعدَ "مذّاء": "فجعلتُ أغتسل في الشتاء، حتى تشقّق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أو ذُكر له - فقال: لا تفعل، إذا رأيت المذي، فاغسل ذكرك، وتوضّأ وضوءك للصلاة، فإذا فَضَخْت الماء، فاغتسل".
ومعنى "فَضَختَ" بالفاء، والخاء المعجمة: دَفَقتَ.
وفي "سنن البيهقيّ" من حديث ابن جريج، عن عطاء أن عليًّا كان يُدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي (١).
(وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي) مضارع استحيى، والاستحياء، وهو انقباض النفس؛ خشيةَ ارتكاب ما يُكرَه، وقال الفيّوميّ: الاستحياء: هو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لغة تميم بياء واحدة. انتهى (٢).
وقال ابن الملقّن ﵀: المراد بالحياء هنا: تغيّر وانكسارٌ يَعْرِض للإنسان من تخوّف ما يُعاتب به، أو يُذمّ عليه، وأما الحياء الشرعيّ الممدوح عليه الذي لا يأتي إلا بخير، فهو: رؤية النعم، ورؤية التقصير، فيتولّد بينهما حالة تُسمّى حياءً، وتلك حالة حاملة على مزيد الشكر، واستقصار الأعمال، والحياء المذموم، كالحياء المانع من التعلّم، وحياءُ عليّ ﵁ لم يقض عليه، ولهذا أرسل، وسأل. انتهى (٣).
(أَنْ أَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "أستحيي"، أي أستحيي سؤالَهُ، أو من سؤاله، عن حكم المذي، هل هو موجب للغسل كالمنيّ، أم لا؟.
قال ابن الملقّن ﵀: قوله: "أن أسأل" تقديره من أن أسأل، وحرف الجرّ يُحذف من "أنّ"، و"أَنْ" قياسًا، ثم اختَلف النحاة، هل يكون "أنّ"،
стр. 4202
و"أنْ" في موضع نصب، أو جرّ؟. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة التي ذكرها ابن الملقّن ﵀ أشار في "الخلاصة"، حيث قال:
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ يَطَّرِدُ" … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
وقوله: (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) متعلّقٌ بـ "أستحيي"، فهو علّة الاستحياء من السؤال، وفي الرواية التالية: "من أجل فاطمة"، وفي رواية النسائيّ: "وكانت فاطمة ابنة النبيّ ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله".
والمعنى: أنه استحيى من سؤال النبيّ ﷺ عن حكم المذي؛ لكون ابنته فاطمة ﵂ تحته، والمذي إنما يخرج كثيرًا بسبب ملاعبة الزوجة، وكان في السؤال عن كثرته تعريض بشيء من أحوال ابنته التي يستحيي من إظهارها؛ لأن مثل هذا لا يكاد يُفصح به، ولا سيّما بحضرة الأكابر، وإنما عَلَّل الحياء بذلك؛ رفعًا للّوم عنه بأن الاستحياء من السؤال في الحقّ، وتعلّم الأحكام الدينيّة؛ مذموم (٢).
(فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ) أي التمست منه أن يسأل عن ذلك.
والمِقداد - بكسر الميم، وسكون القاف، وبالمهملتين - ابن الأسود: هو المقداد بن عَمْرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الْكِنْديّ، ثم الزهريّ، كان أبوه حليفًا لبني كِنْدة، وكان هو حليفًا للأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنّاه الأسود، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين إلى الإسلام، مات ﵁ سنة (٣٣)، وهو ابن (٧٠) سنة، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨١.
قال الجامع عفا الله عنه: اختلفت الروايات في السائل، ففي هذه الرواية، "فأمرت المقداد إلخ"، وفي رواية للبخاريّ: "فأمرت رجلًا"، وفي رواية أحمد، والنسائيّ: "فأمرت عمّارَ بن ياسر"، وفي "صحيح ابن خزيمة"، وغيره: رواية: "أن عليًّا سأل" من غير شكّ، وقد جمع ابن حبّان ﵀ بأنه يحتمل أن يكون عليّ أمر عمّارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد أيضًا، ثم سأل
стр. 4203
بنفسه (١)، وهو جمع حسنٌ، وسيأتي نقل عبارته بطولها قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
وجمع النوويّ في "شرح المهذّب" بأن قال: رواية: "فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ " المراد: أمرت من ذكر، كما جاء في معظم الروايات، قال: وتُحْمَل رواية: "فأمرت المقداد"، ورواية: "فأمرت عمّارًا" على أنه أمر أحدهما، ثم أمر الآخر قبل أن يُخبر الأول. انتهى (٢).
(فَسَأَلَهُ) يقال: سأله كذا، وعن كذا، وبكذا، يتعدّى بنفسه إلى المفعول الثاني، وبـ "عن"، وبالباء، والأمر: سَلْ، واسأل، ويقال: سال يسال، كخاف يخاف، أفاده في "القاموس" (٣).
والمعنى: أن المقداد ﵁ سأل النبيّ ﷺ سؤالًا مبهمًا بأن قال: رجل خرج من ذكره مذي، فما الحكم فيه؟، وفي الرواية الثالثة: "فسأله عن المذي الذي يَخرُج من الإنسان، كيف يفعل به؟ ".
(فَقَالَ) ﷺ جوابًا عن سؤاله (يَغْسِلُ) الرواية بالرفع، وهو خبر بمعنى الأمر، بدليل الرواية الآتية بلفظ: "توضّأ، وانضح فرجك"، أي ليغسل الرجل المسئول له.
قال ابن دقيق العيد ﵀: المشهور في الرواية "يَغْسِلُ" بالرفع، على صيغة الإخبار، وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر جائزٌ؛ لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء، ولو رُوي يَغْسِل ذكره بالجزم على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها لجاز عند بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلا للضرورة، كقوله [من الوافر]:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ … إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبَالَا (٤)
أي لتفد، وأجازه الفرّاء بلا ضعف، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وارتكابه لذلك في الآية؛ لأنه استبعد
стр. 4204
أن يكون القول سببًا للإقامة، قال الرضيّ: والأولى أن يقال: هو مجزوم لأنه جواب الأمر، ولا يلزم أن يكون الشرط علّة تامّةً لحصول الجزاء، بل يكفي في كونه شرطًا توقّف الجزاء عليه، وإن كان متوقّفًا أيضًا على أشياء أخرى، وقال بعضهم: جَزَمه لكونه شبه الجواب، وفي "الكشّاف" القول محذوف؛ لأن جواب ﴿قُلْ﴾ يدلّ عليه، والتقدير: قل للذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. انتهى (١).
[تنبيه]: قال ابن الملقّن ﵀: جاء في القرآن الأمر بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجاء أيضًا الخبر بلفظ الأمر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، والسرّ في العدول عن الأصل فيهما ما أبداه الفاكهيّ:
أما سرّ الأول، فلأن الخبر يستلزم ثبوت مخبَره، ووقوعَهُ إذا كان مبيّنًا، بخلاف الأمر، فإذا عُبّر عن الأمر بلفظ الخبر كان ذلك آكد؛ لاقتضائه الوقوع حتى كأنه واقع، ولذلك اختير الدعاء بلفظ الخبر تفاؤلًا بالوقوع.
وأما سرّ الثاني، فلأن الأمر شأنه أن يكون بما فيه داعيةٌ للأمر، وليس الخبر كذلك، فإذا عُبِّر عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية، فيكون ثبوته، وصدقه أقرب. انتهى (٢).
(ذَكَرَهُ) لخروج النجس عنه؛ لأن المذي نجس، واختُلف في المراد بغسل الذكر، هل هو جميعه، أو ما تلوّث بالمذي، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة مع ترجيح القول بوجوب غسل جميعه - إن شاء الله تعالى -، (وَيَتَوَضَّأُ) أي لانتقاض وضوئه بسبب خروج المذي منه، وفي رواية النسائيّ: "ويتوضّأ وضوءه للصلاة"، أي كما يتوضّأ إذا قام لها، لا أنه يجب الوضوء بمجرّد خروجه، كما ادّعاه قوم، قال في "الفتح": واستُدِلّ به على أن الغسل لا يجب بخروج المذي، وصَرّح بذلك في رواية لأبي داود وغيره، وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وحَكَى الطحاويّ عن قوم
стр. 4205
أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه، ثم رَدّ عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ ﵁، قال: سئل النبيّ ﷺ عن المذي؟ فقال: "فيه الوضوء، وفي المنيّ الغسل"، فعُرِف بهذا أن حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء، لا يوجب الوضوء بمجرّده. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يغسل ذكره" ظاهر هذا أنه يغسل جميع ذكره؛ لأن الاسم للجملة، وهو رأيُ المغاربة من أصحابنا - يعني المالكيّة - وهل ذلك للعبادة، فيفتقر إلى نيّة، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج؟ قولان لأبي العبّاس الإتيانيّ، وأبي محمد بن أبي زيد، وذهب بعض العراقيين من أصحابنا إلى أنه يغسل موضع النجاسة فقط، ولم يختلف العلماء أن المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنه ينقض الوضوء. انتهى (٢).
[تنبيه]: هكذا وقع في رواية المصنّف: تقديم غسل الذكر على الوضوء، وهو الأولى، ووقع في رواية للبخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله، ولفظه: "توضّأ، واغسل ذكرك"، فقال في "الفتح": هكذا وقع في البخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله، ووقع في "العمدة" نسبة ذلك إلى البخاريّ بالعكس، لكن الواو لا تُرَتِّب، فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيليّ، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله، لكن مَن يقول بنقض الوضوء بمسّه، يَشترِط أن يكون ذلك بحائل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عته: هكذا عزا صاحب "الفتح" رواية تقديم غسل الذكر على الوضوء للإسماعيليّ، مع كون مسلم رواها، فكان الأولى له عزوها له؛ لأن هذا هو المتعارف لدى المحقّقين، كما لا يخفى، قال بعض الحذّاق:
قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ … وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ
إِذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ يَرِدْ … أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَيْنِ قَدْ وُجِدْ
فَعَزْوُهُ لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ … إِلَّا إِذَا بِعَزْوِ ذَيْنِ يُرْتَبَطْ (٣)
[تنبيه آخر]: قال ابن الملقّن ﵀: احتجّ بعض متأخري المالكيّة بقوله: