← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

وفي رواية لأبي داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان بعدَ "مذّاء": "فجعلتُ أغتسل في الشتاء، حتى تشقّق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أو ذُكر له - فقال: لا تفعل، إذا رأيت المذي، فاغسل ذكرك، وتوضّأ وضوءك للصلاة، فإذا فَضَخْت الماء، فاغتسل". ومعنى "فَضَختَ" بالفاء، والخاء المعجمة: دَفَقتَ. وفي "سنن البيهقيّ" من حديث ابن جريج، عن عطاء أن عليًّا كان يُدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي (١). (وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي) مضارع استحيى، والاستحياء، وهو انقباض النفس؛ خشيةَ ارتكاب ما يُكرَه، وقال الفيّوميّ: الاستحياء: هو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لغة تميم بياء واحدة. انتهى (٢). وقال ابن الملقّن ﵀: المراد بالحياء هنا: تغيّر وانكسارٌ يَعْرِض للإنسان من تخوّف ما يُعاتب به، أو يُذمّ عليه، وأما الحياء الشرعيّ الممدوح عليه الذي لا يأتي إلا بخير، فهو: رؤية النعم، ورؤية التقصير، فيتولّد بينهما حالة تُسمّى حياءً، وتلك حالة حاملة على مزيد الشكر، واستقصار الأعمال، والحياء المذموم، كالحياء المانع من التعلّم، وحياءُ عليّ ﵁ لم يقض عليه، ولهذا أرسل، وسأل. انتهى (٣). (أَنْ أَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "أستحيي"، أي أستحيي سؤالَهُ، أو من سؤاله، عن حكم المذي، هل هو موجب للغسل كالمنيّ، أم لا؟. قال ابن الملقّن ﵀: قوله: "أن أسأل" تقديره من أن أسأل، وحرف الجرّ يُحذف من "أنّ"، و"أَنْ" قياسًا، ثم اختَلف النحاة، هل يكون "أنّ"،

стр. 4202

و"أنْ" في موضع نصب، أو جرّ؟. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة التي ذكرها ابن الملقّن ﵀ أشار في "الخلاصة"، حيث قال: وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ يَطَّرِدُ" … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا" وقوله: (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) متعلّقٌ بـ "أستحيي"، فهو علّة الاستحياء من السؤال، وفي الرواية التالية: "من أجل فاطمة"، وفي رواية النسائيّ: "وكانت فاطمة ابنة النبيّ ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله". والمعنى: أنه استحيى من سؤال النبيّ ﷺ عن حكم المذي؛ لكون ابنته فاطمة ﵂ تحته، والمذي إنما يخرج كثيرًا بسبب ملاعبة الزوجة، وكان في السؤال عن كثرته تعريض بشيء من أحوال ابنته التي يستحيي من إظهارها؛ لأن مثل هذا لا يكاد يُفصح به، ولا سيّما بحضرة الأكابر، وإنما عَلَّل الحياء بذلك؛ رفعًا للّوم عنه بأن الاستحياء من السؤال في الحقّ، وتعلّم الأحكام الدينيّة؛ مذموم (٢). (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ) أي التمست منه أن يسأل عن ذلك. والمِقداد - بكسر الميم، وسكون القاف، وبالمهملتين - ابن الأسود: هو المقداد بن عَمْرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الْكِنْديّ، ثم الزهريّ، كان أبوه حليفًا لبني كِنْدة، وكان هو حليفًا للأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنّاه الأسود، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين إلى الإسلام، مات ﵁ سنة (٣٣)، وهو ابن (٧٠) سنة، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨١. قال الجامع عفا الله عنه: اختلفت الروايات في السائل، ففي هذه الرواية، "فأمرت المقداد إلخ"، وفي رواية للبخاريّ: "فأمرت رجلًا"، وفي رواية أحمد، والنسائيّ: "فأمرت عمّارَ بن ياسر"، وفي "صحيح ابن خزيمة"، وغيره: رواية: "أن عليًّا سأل" من غير شكّ، وقد جمع ابن حبّان ﵀ بأنه يحتمل أن يكون عليّ أمر عمّارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد أيضًا، ثم سأل

стр. 4203

بنفسه (١)، وهو جمع حسنٌ، وسيأتي نقل عبارته بطولها قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وجمع النوويّ في "شرح المهذّب" بأن قال: رواية: "فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ " المراد: أمرت من ذكر، كما جاء في معظم الروايات، قال: وتُحْمَل رواية: "فأمرت المقداد"، ورواية: "فأمرت عمّارًا" على أنه أمر أحدهما، ثم أمر الآخر قبل أن يُخبر الأول. انتهى (٢). (فَسَأَلَهُ) يقال: سأله كذا، وعن كذا، وبكذا، يتعدّى بنفسه إلى المفعول الثاني، وبـ "عن"، وبالباء، والأمر: سَلْ، واسأل، ويقال: سال يسال، كخاف يخاف، أفاده في "القاموس" (٣). والمعنى: أن المقداد ﵁ سأل النبيّ ﷺ سؤالًا مبهمًا بأن قال: رجل خرج من ذكره مذي، فما الحكم فيه؟، وفي الرواية الثالثة: "فسأله عن المذي الذي يَخرُج من الإنسان، كيف يفعل به؟ ". (فَقَالَ) ﷺ جوابًا عن سؤاله (يَغْسِلُ) الرواية بالرفع، وهو خبر بمعنى الأمر، بدليل الرواية الآتية بلفظ: "توضّأ، وانضح فرجك"، أي ليغسل الرجل المسئول له. قال ابن دقيق العيد ﵀: المشهور في الرواية "يَغْسِلُ" بالرفع، على صيغة الإخبار، وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر جائزٌ؛ لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء، ولو رُوي يَغْسِل ذكره بالجزم على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها لجاز عند بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلا للضرورة، كقوله [من الوافر]: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ … إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرٍ تَبَالَا (٤) أي لتفد، وأجازه الفرّاء بلا ضعف، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وارتكابه لذلك في الآية؛ لأنه استبعد

стр. 4204

أن يكون القول سببًا للإقامة، قال الرضيّ: والأولى أن يقال: هو مجزوم لأنه جواب الأمر، ولا يلزم أن يكون الشرط علّة تامّةً لحصول الجزاء، بل يكفي في كونه شرطًا توقّف الجزاء عليه، وإن كان متوقّفًا أيضًا على أشياء أخرى، وقال بعضهم: جَزَمه لكونه شبه الجواب، وفي "الكشّاف" القول محذوف؛ لأن جواب ﴿قُلْ﴾ يدلّ عليه، والتقدير: قل للذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. انتهى (١). [تنبيه]: قال ابن الملقّن ﵀: جاء في القرآن الأمر بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجاء أيضًا الخبر بلفظ الأمر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، والسرّ في العدول عن الأصل فيهما ما أبداه الفاكهيّ: أما سرّ الأول، فلأن الخبر يستلزم ثبوت مخبَره، ووقوعَهُ إذا كان مبيّنًا، بخلاف الأمر، فإذا عُبّر عن الأمر بلفظ الخبر كان ذلك آكد؛ لاقتضائه الوقوع حتى كأنه واقع، ولذلك اختير الدعاء بلفظ الخبر تفاؤلًا بالوقوع. وأما سرّ الثاني، فلأن الأمر شأنه أن يكون بما فيه داعيةٌ للأمر، وليس الخبر كذلك، فإذا عُبِّر عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية، فيكون ثبوته، وصدقه أقرب. انتهى (٢). (ذَكَرَهُ) لخروج النجس عنه؛ لأن المذي نجس، واختُلف في المراد بغسل الذكر، هل هو جميعه، أو ما تلوّث بالمذي، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة مع ترجيح القول بوجوب غسل جميعه - إن شاء الله تعالى -، (وَيَتَوَضَّأُ) أي لانتقاض وضوئه بسبب خروج المذي منه، وفي رواية النسائيّ: "ويتوضّأ وضوءه للصلاة"، أي كما يتوضّأ إذا قام لها، لا أنه يجب الوضوء بمجرّد خروجه، كما ادّعاه قوم، قال في "الفتح": واستُدِلّ به على أن الغسل لا يجب بخروج المذي، وصَرّح بذلك في رواية لأبي داود وغيره، وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وحَكَى الطحاويّ عن قوم

стр. 4205

أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه، ثم رَدّ عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ ﵁، قال: سئل النبيّ ﷺ عن المذي؟ فقال: "فيه الوضوء، وفي المنيّ الغسل"، فعُرِف بهذا أن حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء، لا يوجب الوضوء بمجرّده. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يغسل ذكره" ظاهر هذا أنه يغسل جميع ذكره؛ لأن الاسم للجملة، وهو رأيُ المغاربة من أصحابنا - يعني المالكيّة - وهل ذلك للعبادة، فيفتقر إلى نيّة، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج؟ قولان لأبي العبّاس الإتيانيّ، وأبي محمد بن أبي زيد، وذهب بعض العراقيين من أصحابنا إلى أنه يغسل موضع النجاسة فقط، ولم يختلف العلماء أن المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنه ينقض الوضوء. انتهى (٢). [تنبيه]: هكذا وقع في رواية المصنّف: تقديم غسل الذكر على الوضوء، وهو الأولى، ووقع في رواية للبخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله، ولفظه: "توضّأ، واغسل ذكرك"، فقال في "الفتح": هكذا وقع في البخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله، ووقع في "العمدة" نسبة ذلك إلى البخاريّ بالعكس، لكن الواو لا تُرَتِّب، فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيليّ، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله، لكن مَن يقول بنقض الوضوء بمسّه، يَشترِط أن يكون ذلك بحائل. انتهى. قال الجامع عفا الله عته: هكذا عزا صاحب "الفتح" رواية تقديم غسل الذكر على الوضوء للإسماعيليّ، مع كون مسلم رواها، فكان الأولى له عزوها له؛ لأن هذا هو المتعارف لدى المحقّقين، كما لا يخفى، قال بعض الحذّاق: قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ … وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ إِذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ يَرِدْ … أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَيْنِ قَدْ وُجِدْ فَعَزْوُهُ لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ … إِلَّا إِذَا بِعَزْوِ ذَيْنِ يُرْتَبَطْ (٣) [تنبيه آخر]: قال ابن الملقّن ﵀: احتجّ بعض متأخري المالكيّة بقوله:

стр. 4206

"اغسل ذكرك، وتوضأ" أنه إنما يغسل ذكره عند إرادة الوضوء، ولا يجزيه قبل ذلك؛ لأن الواو ظاهرة في المعيّة، ومشهور مذهبهم خلافه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الاستنباط، وإنما أذكر مثل هذا؛ ليُعلَم، لا ليؤخذ به، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٤/ ٧٠١ و ٧٠٢ و ٧٠٣] (٣٠٣)، و (البخاريّ) في "العلم" (١٣٦)، و"الوضوء" (١٧٨) و"الغسل" (٢٦٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٠٧)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١١٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٤٣٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٠٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٤٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٤)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٦٠٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٠ و ٨٢ و ١٢٤ و ١٤٠ و ١٤٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٠١ و ١١٠٢ و ١١٠٤ و ١١٠٥ و ١١٠٦ و ١١٠٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٦٢ و ٧٦٣ و ٧٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩٢ و ٦٩٣ و ٦٩٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١١٥)، وفي "المعرفة" (١/ ٢٩١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان اختلاف الروايات في هذا الحديث، والجمع بينها:

стр. 4207

(اعلم): أنه اختلفت الروايات في هذا الحديث، هل هو من مسند عليّ نفسه، أو من مسند المقداد، أو من مسند عمار ﵃؟. قال الإمام ابن حبّان في "صحيحه" (٣/ ٣٨٦): قال أبو حاتم: يشبه أن يكون علي بن أبي طالب أمر المقداد أن يسأل رسول الله ﷺ عن هذا الحكم، فسأله، وأخبره، ثم أخبر المقداد عليًّا بذلك، ثم سأل عليّ رسول الله ﷺ عما أخبره به المقداد، حتى يكونا سؤالين في موضعين مختلفين، والدليل على أنهما كانا في موضعين، أن عند سؤال عليّ النبيّ ﷺ أمره بالاغتسال عند المنيّ، وليس هذا في خبر المقداد، يدلك هذا على أنهما غير متضادين. وقال أيضًا: قال أبو حاتم ﵀: قد يَتَوَهّم بعضُ المستمعين لهذه الأخبار، ممن لم يطلب العلم من مظانّه، ولا دار في الحقيقة على أطرافه، أن بينها تضادًّا، أو تهاترًا؛ لأن في خبر أبي عبد الرحمن السُّلميّ (١): "سألت النبيّ ﷺ "، وفي خبر إياس بن خليفة: "أنه أمر عمارًا أن يسأل النبيّ ﷺ "، وفي خبر سليمان بن يسار: "أنه أمر المقداد أن يسأل رسول الله ﷺ "، وليس بينها تهاترٌ؛ لأنه يَحتمل أن يكون عليّ بن أبي طالب أمر عمارًا أن يسأل النبيّ ﷺ ، فسأله، ثم أمر المقداد أن يسأله فسأله، ثم سأل بنفسه رسول الله ﷺ . والدليل على صحة ما ذكرتُ أن متن كل خبر يخالف متن الخبر الآخر؛ لأن في خبر أبي عبد الرحمن: "كنت رجلًا مذّاء، فسألت النبيّ ﷺ ، فقال: إذا رأيت الماء فاغتسل"، وفي خبر إياس بن خليفة: "أنه أمر عمارًا أن يسأل النبيّ ﷺ ، فقال: يغسل مذاكيره، ويتوضأ"، وليس فيه ذكر المني الذي في خبر أبي عبد الرحمن، وخبرُ المقداد بن الأسود سؤال مستأنف، فيسأل أنه ليس بالسؤالين الأولين اللذين ذكرناهما؛ لأن في خبر المقداد: "أن عليّ بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته"، فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة، في مواضع مختلفة، لعلل موجودة من غير أن يكون بينها تضادّ أو تهاترٌ. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (٢).

стр. 4208

وقال في "الفتح" عند شرح قوله: "توضأ" ما نصّه: هذا الأمر بلفظ الإفراد يُشعِر بأن المقداد سأل لنفسه، ويَحتمل أن يكون سأل لمبهم، أو لعليّ، فوجَّه النبيّ ﷺ الخطاب إليه، والظاهر أن عليًّا كان حاضر السؤال، فقد أطبق أصحاب "المسانيد"، و"الأطراف" على إيراد هذا الحديث في مسند عليّ ﵁، ولو حملوه على أنه لم يَحضُر لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيِّده ما في رواية النسائيّ، من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين في هذا الحديث، عن عليّ ﵁ قال: "فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله". ووقع في رواية مسلم: "فقال: يغسل ذكره، ويتوضأ"، بلفظ الغائب فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام، وهو الأظهر، ففي مسلم أيضًا: "فسأله عن المذي يَخرُج من الإنسان"، وفي "الموطأ" نحوه. ووقع في رواية لأبي داود، والنسائيّ، وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حُصين بن قَبيصة، عن عليّ ﵁: "قال: كنت رجلًا مذّاءً، فجعلت أغتَسِل منه في الشتاء، حتى تشَقَّق ظهري، فقال النبيّ ﷺ : لا تفعل". ولأبي داود وابن خزيمة، من حديث سهل بن حُنيف ﵁ أنه وقع له نحو ذلك، وأنه سأل عن ذلك بنفسه. ووقع في رواية للنسائيّ أن عليّا قال: "أمرت عمارًا أن يسأل"، وفي رواية لابن حبان، والإسماعيليّ: "أن عليًّا قال: سألت". وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف بأن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه، وهو جمع جيِّد إلا بالنسبة إلى آخره؛ لكونه مغايرًا لقوله: إنه استحيى عن السؤال بنفسه؛ لأجل فاطمة، فيتعين حمله على المجاز، بأن بعض الرواة أَطلَق أنه سأل، لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم الإسماعيليّ، ثم النوويّ. ويؤيد أنه أمر كلًّا من المقداد وعمار بالسؤال عن ذلك، ما رواه عبد الرزاق، من طريق عطاء، عن عائش بن أنس، قال: "تذاكر عليّ والمقداد وعمار المذي، فقال عليّ: إنني رجلٌ مذّاءٌ، فاسألا عن ذلك النبيّ ﷺ ، فسأله أحد الرجلين، قال عطاء: وسمّاه عائش، ونسيته". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عائش بن أنس مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه

стр. 4209

غير عطاء، وقال ابن خِرَاش: مجهول، انظر "ميزان الاعتدال" ٢/ ٣٦٤. وقال ابن عبد البرّ ﵀: حديث المذي صحيحٌ، ثابتٌ عند أهل العلم، له طرقٌ شتّى، عن عليّ، والمقداد، وعمّار، وكلّها صحاح، وأحسنها رواية عبد الرزّاق هذه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في تحسين هذه الرواية نظر لا يخفى؛ لما ذكرته آنفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وصحح ابن بَشْكوال أن الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد، وعلى هذا فنسبة عمار إلى أنه سأل عن ذلك محمولة على المجاز أيضًا؛ لكونه قَصَدَه، لكن تولى المقداد الخطاب دونه، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن بشكوال هذا فيه نظرٌ لا يخفى، فعندي أن الأولى ما جمع به ابن حبّان ﵀، وهو أن عليًّا ﵁ أمر كلًّا من المقداد، وعمّار ﵄، فسأل كلّ منهما عنه، ثم تولّى بنفسه السؤال ليتثبّت، ولا ينافيه قوله: "أستحيي"؛ لأنه استحيى في أول الأمر، ثم فكّر بأن هذا الأمر دينيّ، لا ينبغي الاستحياء منه، فتولّى بنفسه، كما قالت أم سليم ﵄: "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غسل؟ … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن خروج المذيّ لا يوجب الغسل كالمنيّ، وقد أجمع العلماء على ذلك. ٢ - (ومنها): بيان إيجاب الوضوء بخروج المذيّ، وهو أيضًا مجمع عليه. ٣ - (ومنها): بيان كون المذي نجسًا، ولهذا أوجب النبيّ ﷺ غسل الذكر منه، قال في "الفتح: واستُدِلّ به على نجاسة المذي، وهو ظاهر، وخَرَّج ابن عَقِيل الحنبليّ من قول بعضهم: إن المذي من أجزاء المنيّ روايةً بطهارته. وتُعُقِّب بأنه لو كان منيًّا لوجب الغسل منه. انتهى (١).

стр. 4210

٤ - (ومنها): جواز الاستنابة في الاستفتاء. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون، مع القدرة على المقطوع. قال الحافظ: وفيهما نظر؛ لما قدمناه من أن السؤال كان بحضرة عليّ، ثم لو صحّ أن السؤال كان في غيبته، لم يكن دليلًا على المدَّعَى؛ لاحتمال وجود القرائن التي تَحُفّ الخبر، فترقيه عن الظن إلى القطع، قاله القاضي عياض. وقال ابن دقيق العيد: المراد بالاستدلال به على قبول خبر الواحد، مع كونه خبر واحد، أنه صورة من الصور التي تدلّ، وهي كثيرة تقوم الحجة بجملتها، لا بفرد معيّن منها (١). وعبارة القاضي عياض: قال المازريّ: فيه أن عليًّا كلّف من يسأل له مع القدرة على المشافهة، فإن كان أراد أن يكون سؤال الرسول بحضرته، فيسمع منه، وإنما احتشم من مشافهته؛ لكون ابنته عنده، فلا اعتراض في ذلك، وإن لم يُرد ذلك، فإنه يقال: كيف يُجزئ خبر الواحد عن النبيّ ﷺ مع القدرة على القطع، وسماع قوله؟ وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النصّ، وفي ظاهر الرواية المذكورة أنه قال: أرسلنا المقداد، إشارةً إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال. قال القاضي عياض: قد تفترق عندي هذه المسألة عن مسألة الاجتهاد مع وجود النصّ، فإن الاجتهاد مع القدرة على النصّ خطأ محضٌ، حتى لو كان النصّ خبر واحد لكان الاجتهاد معه خطأ إلا إذا خالف الخبر الأصول، وعارض القياس (٢)، فبين الأصوليين والفقهاء فيه اختلاف، والأصحّ تقديم خبر

стр. 4211

الواحد، بدليل عود الصحابة ﵃ لامتثاله، والمبادرة للعمل به، وقطع التشاجر، ومنازعات الاجتهاد عند حصوله، وها هنا إنما طلب النصّ، لوثوقه بالطريق إليه، وبُعْدِ الناقل عن الكذب، لا سيّما على النبيّ ﷺ ، ولتزكيته للناقل، وثنائه ﷺ عليه، وثناء الله في كتابه عليه، وبعد الوهم والخطأ؛ لقرب النازلة، وسماع الجواب، وفهم السائل الناقل، فارتفع الأمر إلى أعلى درجات غلبة الظنّ، ولم يبق إلا تجويزٌ بعيدٌ، وقد كان الصحابة ﵃ يتناوبون لسماع العلم من رسول الله ﷺ ، ويجزي بعضهم عن بعض، وما علمنا أحدًا، ولا بلغنا أن أحدًا استَثْبَتَ فيما سمعه من النبيّ ﷺ إلا مبتدئ الإسلام، كحديث ضمام وغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ … ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، والأكثر قادرٌ على النفير والسماع بغير واسطة، وقد قال ضمام: أنا رسول مَن ورائي، وقال ﷺ لوفد عبد القيس: "وأخبروا بهنّ من ورائكم"، ونفذت كتبه ﷺ ورسلُهُ إلى عُمّاله، وأمراء المسلمين، فوقفوا عندها، ولم يتزحزح أحد في قبولها، ولا أعمل الراحلة إلى تحقيقها. انتهى كلام القاضي ببعض تصرّف (١). ٦ - (ومنها): استحباب استعمال الأدب في ترك المواجهة بما يُستحيَى منه عرفًا، واستحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج يُسْتَحبّ له أن لا يَذكُر ما يتعلّق بجماع الزوجة، والاستمتاع بها بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها، ولهذا قال عليّ ﵁: فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته. ٧ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": استَدَلّ به بعضهم على وجوب الوضوء على مَن به سَلَسُ المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوصف بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة. وتعقّبه ابنُ دقيق العيد بأن الكثرة هنا ناشئة عن غلبة الشهوة، مع صحة الجسد، بخلاف صاحب السلس، فإنه ينشأ عن علّة في الجسد، ويمكن أن يقال: أمر الشارع بالوضوء منه، ولم يَستفصل، فدلّ على عموم الحكم. انتهى.

стр. 4212

٨ - (ومنها): أن فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء للعذر، سواء كان المستفتي حاضرًا أو غائبًا، قال ابن الملقّن: وأغرب ابن القطّان المالكيّ المتأخّر، فمنع الاستنابة في ذلك معلّلًا بتطرّق الوهم إلى النائب، بخلاف الصحابة ﵃، فإنهم ثقاتٌ فصحاء، وهذا القول ضعيف (١). ٩ - (ومنها): أنه قد يؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله، قاله في "الفتح". ١٠ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة احترامهم للنبيّ ﷺ ، وتوقيره. ١١ - (ومنها): أن المازريّ قال: لم يبيّن في هذه الروايات، هل أمره أن يسأل سؤالًا عامًّا أو خاصًّا؟، فإن كان لا يلتفت إلى كيفيّة السؤال، ففيه دلالة على أن قضايا الأعيان تتعدّى، وهي مسألة أصوليّةٌ، مختلف فيها؛ لأنه لو كان يرى أنها لا تتعدّى لأمره أن يسأله سؤلًا يخصه، ويسمّي له السائل، فإنه قد يُفتح له ما لا يُفتح لغيره. قال الجامع عفا الله عنه: رواية المصنّف الأخيرة بلفظ: "فسأله عن المذي يخرج عن الإنسان"، ظاهرة في كون السؤال عامًّا، وكذا رواية "الموطأ" بلفظ: "أن يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله، يخرُج منه المذي"، نبّه عليه ابن الملقّن ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ ترجم لهذا الحديث في "كتاب العلم" من "صحيحه" بقوله: "باب من استحيى، فأمر غيره بالسؤال". انتهى، أي ففيه الجمع بين المصلحتين: استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال النوويّ ﵀: فيه أن الاستنجاء بالحجر إنما يجوز الاقتصار عليه في النجاسة المعتادة، وهي البول، والغائط، أما النادر، كالدم، والمذي، وغيرهما، فلا بُدّ فيه من الماء، وهذا أصح القولين في مذهبنا، وللقائل الآخر بجواز الاقتصار فيه على الحجر قياسًا على المعتاد أن

стр. 4213

يجيب عن هذا الحديث، بأنه خَرَجَ على الغالب فيمن هو في بلد أن يستنجي بالماء، أو يحمله على الاستحباب. انتهى. وقال في "الفتح": واستَدَلَّ به ابن دقيق العيد على تَعَيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهر الحديث يُعَيِّن الغسل، والْمُعَيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صححه النووي في "شرح مسلم"، وصَحَّح في باقي كتبه جواز الاقتصار على الحجر؛ إلحاقًا له بالبول، وحملًا للأمر بغسله على الاستحباب، أو على أنه خَرَج مخرج الغالب، وهذا المعروف في المذهب. انتهى (١). وكتب الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فيما علّقه على "الفتح" ما نصّه: الصواب ما قاله ابن دقيق العيد من تعيّن الماء في غسل المذي؛ عملًا بظاهر الحديث، ويؤيّده ما ثبت في "مسند أحمد"، و"سنن أبي داود" عن عليّ ﵁ أن النبيّ ﷺ أمره أن يغسل ذكره، وأنثييه (٢)، وهذا حكم يخصّ المذي دون البول، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والحاصل أن غسل الذكر من المذي بالماء واجب؛ لظاهر هذا الحديث، فلا يقوم الاستنجاء بالأحجار مقامه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في غسل الذكر كلّه: ذهب بعض المالكية والحنابلة إلى إيجاب استيعاب الذكر بالغسل؛ عملًا بالحقيقة. وذهب الجمهور إلى أن الواجب غسل محلّه فقط؛ نظرًا إلى المعنى، فإن

стр. 4214

الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج، فلا تجب المجاوزة إلى غير محله، قال في "الفتح": ويؤيده ما عند الإسماعيليّ في رواية: "فقال: توضأ، واغسله"، فأعاد الضمير على المذي، ونظير هذا قوله: "مَن مَسّ ذكره، فليتوضأ"، فإن النقض لا يتوقف على مَسّ جميعه. قال: واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه، هل هو معقول المعنى، أو للتعبد؟، فعلى الثاني تجب النية فيه، قال الطحاويّ: لم يكن الأمر بغسله لوجوب غسله كله، بل لِيَتَقَلَّص، فيبطل خروجه، كما في الضرع إذا غُسِل بالماء البارد، يتفرق لبنه إلى داخل الضرع، فينقطع بخروجه. انتهى. (المسألة السادسة): أوجب الإمام أحمد ﵀ غسل الأنثيين أيضًا؛ لرواية أبي داود بالأمر بغسلهما مع الذكر. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي القول بغسل جميعه، ويؤيّده ما أخرجه أحمد، وأبو داود، بإسناد صحيح، بلفظ: "ليغسل ذكره، وأنثييه"، عن عليّ ﵁ كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحي أن أسأل النبيّ ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: "يغسل ذكره، وأنثييه، ويتوضأ"، ولفظ أبي داود: "ليغسل ذكره، وأنثييه". وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن حرام بن حكيم، عن عمه، عبد الله بن سعد الأنصاريّ، قال: سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: "ذاك المذي، وكلُّ فَحْل يَمْذِي، فتغسل من ذلك فرجك، وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة". فهذا النصّ ظاهر في كون الغسل لجميعه، بل مع أنثييه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَذْي، مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مِنْهُ الْوُضُوءُ").

стр. 4215

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٧] (١٦٠) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"سليمان" هو الأعمش. وقوله: (مِنْهُ الْوُضُوءُ)، وفي رواية البخاريّ: "فيه الوضوء"، وهو جملة اسمية؛ لأن "الوضوءُ" مبتدأ مؤخّر، و"منه" متعلّق بمحذوف، خبر مقدمٌ، تقديره: الوضوء واجبٌ منه، ويجوز أن يكون ارتفاع "الوضوءُ" على الفاعلية بالجارّ والمجرور، وإن لم يعتمد، على مذهب بعض النحاة. وقوله: (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَرْسَلْنَا الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الْإِنْسَان، كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّأْ، وَانْضِحْ فَرْجَكَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدّم قريبًا أيضًا. والباقون تقدّموا قبل باب، وهارون تقدّم في الباب الماضي.

стр. 4216

[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ، وقال: قال حماد بن خالد: سألت مخرمة: هل سمعت من أبيك؟ فقال: لا، وقد خالفه الليث، عن بكير، فلم يذكر فيه ابن عباس، وتابعه مالك، عن أبي النضر، هذا كلام الدارقطنيّ. وقد قال النسائيّ أيضًا في "سننه": مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا، وروى النسائيّ هذا الحديث من طُرُق، وبعضها طريق مسلم هذه المذكورة، وفي بعضها عن الليث بن سعد، عن بكير، عن سليمان بن يسار، قال: أرسل عليّ المقداد، هكذا أتى به مرسلًا. وقد اختَلَف العلماء في سماع مخرمة من أبيه، فقال مالك ﵀: قلت لمخرمة: ما حَدَّثت به عن أبيك سمعته منه؟ فحَلَف بالله لقد سمعته، قال مالك: وكان مخرمة رجلًا صالحًا، وكذا قال معن بن عيسى: إن مخرمة سمع من أبيه. وذَهَب جماعات إلى أنه لم يسمعه، قال أحمد بن حنبل: لم يسمع مخرمة من أبيه شيئًا، إنما يَروي من كتاب أبيه، وقال يحيى بن معين، وابن أبي خيثمة: يقال: وَقَع إليه كتاب أبيه، ولم يسمع منه، وقال موسى بن سلمة: قلت لمخرمة: حدَّثك أبوك؟ فقال: لم أُدرِك أبي، ولكن هذه كتبه، وقال أبو حاتم: مخرمة صالح الحديث، إن كان سمع من أبيه، وقال عليّ بن المدينيّ: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتابَ سليمان بن يسار، ولعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبر عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي. قال النوويّ: فهذا كلام أئمة هذا الفن، وكيف كان فمتن الحديث صحيحٌ من الطريق التي ذكرها مسلم قبل هذه الطريق، ومن الطرُقِ التي ذكرها غيره. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَانْضِحْ فَرْجَكَ) بفتح الضاد، وكسرها، أمر من نَضَحَ الثوب

стр. 4217

يَنْضِحُهُ نَضْحًا، من بابي ضَرَب، ونَفَع: إذا بلّه بالماء، ورشّه، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١). قال ابن دقيق العيد ﵀: النضح يراد به الغسل هنا؛ لأنه المأمور به مبيّنًا في الرواية الأخرى، ولأن غسل النجاسة المغلّظة لا بدّ منه، ولا يُكتفى فيه بالرشّ الذي هو دون الغسل، والرواية "وانضح" بالحاء المهملة، لا نَعرِف غيره، ولو رُوي "انضخ" بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل، فإن النضخ بالمعجمة أكثر من النضح بالمهملة. انتهى (٢). [تنبيه]: ضبط نَضَحَ يَنْضِحُ من بابي ضرب، ونَفَعَ - كما أسلفته آنفًا - هو الصواب الذي أثبته المحقّقون، فما ادعاه ابن الملقّن تبعًا للجوهريّ وغيره من أنه بكسر الضاد فقط، وأن من فتحها، فقد أخطأ (٣)، غير صحيح، وقد أجاد المرتضى ﵀ في "شرح القاموس"، ودونك نصّه: قال ﵀ بعد نقل عبارة "القاموس": قال شيخنا: قضيّة كلام المصنّف - يعني صاحب القاموس - كالجوهريّ أن نَضَحَ ينضِح بمعنى رَشّ كضرب، والأمر منه كاضرِب، وفيه لغة أخرى مشهورة، كَمَنَعَ، والأمر انضَحْ، كامنَعْ، حكاه أرباب الأفعال، والشهاب الفيّوميّ في "المصباح"، وغير واحد، ووقع في الحديث: "انضح فرجك"، فضبطه النوويّ وغيره بكسر الضاد المعجمة، كاضرِبْ، وقال: كذلك قيّده عن جمع من الشيوخ. واتَّفَقَ في بعض المجالس الحديثيّة أن أبا حيّان: أملى هذا الحديث، فقرأ "انضَحْ" بالفتح، فرَدَّ عليه السراج الدمنهوريّ بقول النوويّ، فقال أبو حيّان: حقّ النوويّ أن يستفيد هذا منّي، وما قلته هو القياس. وحُكي عن صاحب "الجامع" أن الكسر لغة، وأن الفتح أفصح، ونقله الزركشيّ، وسلّمه، واعتمد بعضهم كلام الجوهريّ، وأيّد به كلام النوويّ، وتَعَقَّب كلام أبي حيّان، وهو غير صحيح؛ لما سمعت من نقله عن جماعة

стр. 4218

غيرهم، واقتصار المصنّف تبعًا للجوهريّ قصورٌ، والحافظ مقدَّمٌ على غيره، والله أعلم. انتهى (١). هذا أصل معناه، لكن المراد هنا هو الغسل، بدليل الرواية الماضية: "يغسل ذكره"، قال النوويّ: معناه اغسله، فإن النضح يكون غسلًا، ويكون رَشًّا، وقد جاء في الرواية الأخرى: "يغسل ذكره"، فيتعيّن حمل النضح عليه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن الصواب هنا جواز ضبط "وانضِحْ" بفتح الضاد، وكسرها؛ لثبوته عن المحققين من أهل اللغة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: النضح هنا: هو الغسل المذكور في الرواية المتقدّمة، والواو غير مرتّبة، ويحتمل أن يريد به أن يَرُشّ ذكره بعد غسله، أو وضوئه؛ لينقطع أصل المذي، أو يقلّ. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد، فالأول هو المعتمد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٤] (٣٠٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيْل، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، ثُمَّ نَامَ").

стр. 4219

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ) بن حُصين الْحَضْرميّ التنعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. دَخَل على ابن عمر، وزيد بن أرقم، ورَوَى عن أبي جُحيفة، وجندب بن عبد الله، وابن أبي أوفى، وأبي الطفيل، وزيد بن وهب، وسويد بن غفلة، وإبراهيم التيميّ، وكُريب مولى ابن عباس، ومجاهد، ومسلم البطين، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، وابنه سفيان بن سعيد، والأعمش، وشعبة، والحسن وعلي وصالح بنو صالح بن حَيّ، وزيد بن أبي أُنيسة، وإسماعيل بن أبي خالد، ومنصور، ومسعر، وحماد بن سلمة، وجماعة. قال أبو طالب، عن أحمد: سلمة بن كهيل مُتْقِن للحديث، وقيس بن مسلم متقن للحديث، ما نُبالي إذا أخذت عنهما حديثهما، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان فيه تشيع قليلٌ، وهو من ثقات الكوفيين، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال أبو زرعة: ثقة مأمونٌ ذَكِيّ، وقال أبو حاتم: ثقة متقنٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ على تشيعه، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن المبارك، عن سفيان: ثنا سلمة بن كهيل، وكان ركنًا من الأركان، وشدّ قبضته، وقال ابن مهديّ: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصور، وسلمة، وعمرو بن مرة، وأبي حصين، وقال أيضًا: أربعة في الكوفة لا يُختَلَف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو خاطئ، فذكره منهم، وقال جرير: لَمّا قَدِم شعبة البصرة، قالوا له: حدِّثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي، فإنما أحدثكم عن نفر يسير، من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور. وقال ابن المدينيّ في "العلل": لم يَلْقَ سلمة أحدًا من الصحابة، إلا جُندُبًا وأبا جُحيفة، وقال الوليد بن حرب، عن سلمة: سمعت جندبًا، ولم أسمع أحدًا غيره يقول: قال النبيّ ﷺ ، أخرجه مسلم، وهو في البخاريّ من طريق الثوريّ، عن سلمة نحوه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الآجريّ:

стр. 4220

قلت لأبي داود: أيما أحبّ إليك، حبيب بن أبي ثابت، أو سلمة؟ فقال: سلمة، قال أبو داود: كان سلمة يتشيع، وقال عُبيد بن جناد، عن عطاء الخفّاف: أتى سلمة بن كهيل زيد بن علي بن الحسين لَمّا خَرَج، فنهاه عن الخروج، وحَذَّره من غدر أهل الكوفة، فأبى، فقال له: فتأذن لي أن أخرج من البلد؟ فقال: لِمَ؟ قال: لا آمن أن يحدُثَ لك حَدَثٌ، فلا آمن على نفسي، قال: فأذن له، فخرج إلى اليمامة، وقال النسائيّ: هو أثبت من الشيبانيّ، والأجلح. قال يحيى بن سلمة بن كُهيل: وُلِد أبي سنة سبع وأربعين، ومات يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين ومائة، وكذا قال غير واحد، وقال ابن سعد وغيره: مات سنة (١٢٢)، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ، وهارون بن حاتم: مات سنة (١٢٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، إلا "سفيان" وهو الثوريّ، وأبا كريب، وهو محمد بن العلاء، فتقدّما قبل باب، وكريب، وهو: مولى ابن عبّاس تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفية التحمّل، وصيغة الأداء، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال جماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وشيخه أبو كريب أحد المشايخ التسعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سلمة، عن كُريب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ("أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ)، أي في بعض ساعات الليل، فـ "من" بمعنى "في"، (فَقَضَى حَاجَتَهُ)، قال القرطبيّ ﵀: المراد بالحاجة هنا: الْحَدَثُ؛ لأنه الذي يمكن أن يَطَّلع عليه ابن عبّاس ﵄ -

стр. 4221

وأيضًا فهو الذي يُقام له، ويَحْتَمِل أن تكون حاجته إلى أهله، ويُخبر بذلك ابنُ عبّاس عمن أخبره به من زوجات النبيّ ﷺ ، ويَقصد بذلك بيانَ أن الجنب لا يَجِب عليه أن يتوضّأ للنوم الوضوءَ الشرعيَّ، والله تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الصواب أن المراد بالحاجة هنا البول، فسيأتي مفسّرًا في "الصلاة" رقم (٧٦٣) من طريق شعبة، عن سلمة، عن كريب، عن ابن عبّاس ﵄ قال: "بتّ في بيت خالتي ميمونة، فبَقَيتُ (٢) كيف يُصلِّي رسول الله ﷺ ، قال: فبال، ثم غسل وجهه، وكفّيه، ثم نام … " الحديث. فتبيّن بهذا أن احتمال كون الحاجة حاجته إلى أهله غير صحيح، بل باطلٌ؛ لأنه ﷺ لا يُتصوّر أن يفعل ذلك، وابن عبّاس نائم في عرض الوسادة. وكذا احتمال أن يكون أخبره به إحدى زوجات النبيّ ﷺ كما قال القرطبيّ أيضًا - يُبطله ما صرّح به من كونه راقب بنفسه فعله ﷺ حتى رأى ما فعله في تلك الليلة. والحاصل أن الحاجة في هذا الحديث ليست الجنابة، وإنما هي البول، فليس فيه دلالة على جواز نوم الجنب من دون أن يغتسل، أو يتوضّأ وضوء الصلاة، فمن فهم منه ذلك، فقد أبعد النُّجْعة، بل الذي يُفهم منه أنه يدلّ على أن طهارة من أراد أن ينام بعد البول ونحوه أن يغسل وجهه ويديه، ثم ينام، وإن كان الأكمل أن يتوضّأ وضوءه للصلاة، كما ثبت في حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجِع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك .... " الحديث، متّفق عليه (٣). قال النوويّ ﵀: والحكمة في غسل الوجه إذهاب النعاس، وآثار النوم، وأما غسل اليد، فقال القاضي: لعله كان لشيء نالهما. انتهى (٤).

стр. 4222

(ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، ثُمَّ نَامَ") فيه أن النوم بعد الاستيقاظ في الليل ليس بمكروه، وقد جاء عن بعض زهاد السلف كراهة ذلك، ولعلهم أرادوا مَن لم يَأْمَن استغراق النوم بحيث يفوته وظيفته، ولا يكون مخالفًا لما فعله النبيّ ﷺ ، فإنه ﷺ كان يأمن من فوات أوراده ووظيفته، قاله النووي ﵀ (١). [تنبيه]: هذا الحديث هنا مختصر، وسيأتي مطولًا في "الصلاة" برقم (٧٦٣) (٢)، ويأتي شرحه مستوفًى هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٥/ ٧٠٤] (٣٠٤)، وفي "الصلاة" (٧٦٣)، و (البخاريّ) في (٦٣١٦)، و (أبو داود) في (٥٠٤٣)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٥٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٠٨)، و (أبو عوانة) (٧٩٢ و ٧٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ جَوَازِ نَوْمِ الْجُنُبِ، وَاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لَهُ، وَغَسْلِ الْفَرْجِ إَذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَشْرَبَ، أَو يَنَامَ، أَوْ يُجَامِعَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال: [٧٠٥] (٣٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،

стр. 4223

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ ينام"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه مكثٌ [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين ﵄ ماتت سنة (٥٧) عدى الصحيح (ع)، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهم، وذلك لاختلافهم في كيفيّة التحمل، فإن يحيى، وابن رمح أخذا من الليث بقراء غيرهما عليه، ولهذا قالا: أخبرنا، وقتيبة سمعه من لفظه، ولهذا قال: حدّثنا، وأيضًا "الليث" فيه "أل" للّمح عندهما، بخلافه. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير يحيى، وابن رُمح، كما أسلفته آنفًا.

стр. 4224

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريون، غير يحيى، فنيسابوريّ، ودخل مصر، وقتيبة بغلانيّ، ودخل مصر أيضًا. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن أبا سلمة ممن اشتهر بالكنية، واختُلف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: اسماعيل، والصحيح أن اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ ("أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (تَوَضَّأَ) جواب "إذا" (وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ ينام")، أي توضّأ وضوءًا مثل وضوئه لا صلاة، قيّدته به لئلا يُظنّ أن المراد الوضوء اللغويّ، كأن يغسل يديه، وفرجه، وما أصابه من الأذى. قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على بطلان قول من قال: إنه الوضوء اللغويّ. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: حاصل هذه الأحاديث كلِّها أنه يجوز للجنب أن ينام، ويأكل، ويشرب، ويجامع، قبل الاغتسال، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وأجمعوا على أن بَدَن الجنب، وعَرَقه طاهران، وفيها أنه يُسْتَحَبّ أن يَتوضأ، ويغسل فرجه لهذه الأمور كلِّها، ولا سيما إذا أراد جماع مَن لم يجامعها، فإنه يتأكد استحباب غسل ذكره. قال الجامع عفا الله عنه: الفرق بين التي جامعها والتي لم يُجامعها فيه

стр. 4225

نظر، فقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه طاف على نسائه، وهنّ تسع بغسل واحد، ولم يُنقَل أنه توضّأ لكلّ أيضًا، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وقد نَصّ أصحابنا أنه يُكره النوم والأكل والشرب والجماع قبل الوضوء، وهذه الأحاديث تدل عليه، ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب، وبهذا قال مالك، والجمهور. وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه، وهو مذهب داود الظاهريّ، والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل. وأما حديث ابن عباس المتقدم في الباب قبله في الاقتصار على الوجه واليدين، فقد قدّمنا أن ذلك لم يكن في الجنابة، بل في الحدث الأصغر. وأما حديث أبي إسحاق السبيعيّ عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ كان ينام، وهو جنب، ولا يمس ماءً"، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم، فقال أبو داود، عن يزيد بن هارون: وَهِمَ أبو إسحاق في هذا - يعني في قوله: "لا يمس ماءً" -، وقال الترمذيّ: يَرَون أن هذا غلطٌ من أبي إسحاق، وقال البيهقيّ: طَعَن الحفاظ في هذه اللفظة، فبان بما ذكرناه ضعف الحديث. وإذا ثبت ضعفه لم يبق فيه ما يُعْتَرَض به على ما قدمناه، ولو صحّ لم يكن أيضًا مخالفًا، بل كان له جوابان: [أحدهما]: جواب الإمامين الجليلين، أبي العباس بن سُرَيج، وأبي بكر البيهقيّ أن المراد لا يَمَسّ ماءً للغسل. [والثاني]: وهو عندي حسنٌ أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يَمَسّ ماءً أصلًا؛ لبيان الجواز؛ إذ لو واظب عليه لتُوُهِّم وجوبه. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيق حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 4226

أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٦/ ٧٠٥ و ٧٠٦ و ٧٠٧] (٣٠٥)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٨٦ و ٢٨٨)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٢٢)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٨٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنفه" (١٠٧٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦١ و ٦٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٦٠ و ٦١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٣ و ٢١٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢١٧ و ١٢١٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٥)، و (البيهقي) في "الكبرى" (١/ ٢٠٢ و ٢٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٨٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الوضوء للجنب عند إرادة النوم والأكل تخفيفًا. ٢ - (ومنها): بيان أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يُضيّق عند القيام إلى الصلاة، وهذا أمر مُجمع عليه، قال النوويّ ﵀: وقد اختلف أصحابنا في الموجب لغسل الجنابة، هل هو حصول الجنابة بالتقاء الختانين، أو إنزال المنيّ، أم هو القيام إلى الصلاة، أم هو حصول الجنابة مع القيام إلى الصلاة؟ فيه ثلاثة أوجه لأصحابنا، ومن قال: يجب بالجنابة، قال: هو وجوب مُوسَّع، وكذا اختلفوا في موجب الوضوء، هل هو الحدث، أم القيام إلى الصلاة، أم المجموع؟ وكذا اختلفوا في الموجب لغسل الحيض، هل هو خروج الدم، أم انقطاعه؟، والله تعالى أعلم. انتهى (١). ٣ - (ومنها): استحباب التنظّف عند النوم، قال ابن الجوزيّ ﵀: والحكمة فيه أن الملائكة تبعُد عن الوسخ، والريح الكريهة بخلاف الشياطين، فإنها تقرُب من ذلك، أفاده في "الفتح". ٤ - (ومنها): أن في قولها: "وضوءه للصلاة" دلالةً على أن المراد بالوضوء هنا هو الوضوء الشرعيّ، لا اللغويّ، وبه قال جمهور العلماء، فيُردّ

стр. 4227

به على الطحاويّ حيث جنح إلى أن المراد به التنظيف، واحتجّ بأن ابن عمر ﵄ روى هذا الحديث، وكان يتوضّأ، وهو جنبٌ، ولا يغسل رجليه، كما رواه مالك في "الموطّأ" عن نافع، عنه، ويردّ أيضًا بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في مرويّه، ولا تصلح لمعارضته، وقد أشبعت الكلام في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): ما قيل: إن الحكمة في هذا الوضوء تخفيف الحدث، ولا سيّما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات، عن شدّاد بن أوس الصحابيّ ﵁، قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام، فليتوضّأ، فإنه نصف غسل الجنابة" (١). وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد رَوَى البيهقيّ بإسناد حسن، عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان إذا أجنب، فأراد أن ينام توضأ، أو تيمم، وَيحْتَمِل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، ذكره في "الفتح" (٢). وقال النوويّ ﵀: واختَلَفَ العلماءُ في حكمة هذا الوضوء، فقال أصحابنا: لأنه يُخَفِّف الحدث، فإنه يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء، وقال أبو عبد الله المازريّ ﵀: اختُلِف في تعليله، فقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين؛ خشيةَ أن يموت في منامه، وقيل: بل لعله أن يَنشَط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه، قال المازريّ: ويجري هذا الخلاف في وضوء الحائض قبل أن تنام، فمن عَلَّل بالمبيت على طهارة استحبّه لها. انتهى. قال النوويّ: وأما أصحابنا فإنهم متفقون على أنه لا يستحب الوضوء للحائض والنفساء؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهما، فإن كانت الحائض قد انقطعت حيضتها صارت كالجنب. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعيّة من عدم استحباب الوضوء

стр. 4228

للحائض هو الحقّ؛ لأنه لا دليل عليه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجنب إذا أراد النوم: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا فيما يفعله الذي يريد النوم، وهو جنب، فقالت طائفة بظاهر هذه الأخبار التي رُويت في هذا الباب، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك: عليّ، وشداد بن أوس، وأبو سعيد، وابن عباس، وعائشة، والنخعيّ، والحسن، وعطاء، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقد رَوَينا عن ابن عمر أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا غسل قدميه، وذلك إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام. وفيه قول ثالث، قاله ابن المسيِّب، قال: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ. وقال أصحاب الرأي في الجنب إذا أراد أن ينام، أو يعاود أهله قبل أن يتوضأ، فلا بأس بذلك، إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، فإذا أراد أن يأكل غسل يديه، وتمضمض، ثم يأكل. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، وذلك للأخبار الثابتة عنه ﷺ الدالة على ذلك، قال: وفي قوله: "يتوضأ وضوءه للصلاة"، دليل على أن الوضوء الذي يتوضأه من أراد النوم، وهو جنب وضوءٌ كاملٌ تامّ، لو لم يكن جنبًا كان له أن يصلي به. انتهى كلام ابن المنذر ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر: من أن من أراد أن ينام يتوضّأ وضوء الصلاة هو الذي أختاره؛ للأدلّة الواضحة الكثيرة، وقد ذُكر بعضها في الباب، وسيأتي بيان الخلاف هل هذا الوضوء واجب أم مستحبّ؛ في هذا الباب عند شرح حديث عمر ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الجنب إذا أراد الأكل والشرب: (اعلم): أنهم اختَلَفوا في هذه المسألة على أقوال:

стр. 4229

[الأول]: القول بظاهر أحاديث الباب، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك عليّ، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو. [والثاني]: أنه ذهب بعضهم إلى أنه يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا غسل القدمين، هذا قول ابن عمر ﵄. [والثالث]: أنه لا يزيد على غسل كفيه، وروي هذا القول عن عبد الله بن عمرو، ومجاهد، والزهري. [والرابع]: قال ابن المسيِّب: يَغسل كفيه، ويمضمض، ثم يأكل، وقال النخعيّ: لا بأس أن يشرب الجنب قبل أن يتوضأ، وقال مالك: يغسل يديه إذا كان الأذى قد أصابهما، وقال أحمد، وإسحاق: يغسل يده وفاه، وقال أصحاب الرأي: إذا أراد أن يأكل يغسل يده، ويمضمض، ثم يأكل، ولا يضرّه إن كانت يداه نظيفتين أن يأكل، ولم يغسلهما. قال ابن المنذر ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: أُحِبّ إذا أراد أن يطعم أن يتوضأ، فإن اقتصر على غسل فرجه، وتمضمض طَعِمَ، وأحبّ إليّ أن يغسل كفيه إن كان بهما أذى. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر ﵀ هو الذي أختاره؛ لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٦] ( … ) حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، ووَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَآةَ، عَنِ الحَكَم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ").

стр. 4230

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (غُنْدَر) هو: محمد بن جعفر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١. والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال: [٧٠٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا (١): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.

стр. 4231

و"محمد بن جعفر" هو غندر المذكور في السند الماضي، وكذا شعبة. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، وهو عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂. وقوله: (قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ) معنى كلامه هذا، وتوضيحه أن محمد بن المثنى قال في روايته، عن محمد بن جعفر، عن شعبة: قال شعبة: حدثنا الحكم، قال: سمعت إبراهيم يُحَدّث، وكان شعبة قال في الرواية المتقدمة: عن الحكم، عن إبراهيم. والغرض من هذا بيان أن الرواية الثانية أقوى من الأولى، فإن الأولى بـ "عن"، والثانية بـ "حدّثنا"، و"سمعت"، وقد عُلِم أن "حدّثنا"، و"سمعت" أقوى من "عن"، وقد قال جماعة من العلماء: إن "عن" لا تقتضي الاتصال، ولو كانت من غير مدلس (١)، وإن كان الأصح خلافه، وقد تقدَّم إيضاح هذا في "شرح المقدّمة"، وفي مواضع من هذا الشرح، فلتستفد منه، والله تعالى وليّ التوفيق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٨] (٣٠٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثنا (٢) أَبِي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا، وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَم، إِذَا تَوَضَّأَ"). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) (٣) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّميّ الثَّقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.

стр. 4232

٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة صاحب حديث، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع و ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، مات سنة (٧٣)، تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. والباقون تقدّموا قريبًا، و"يحيى بن سعيد" هو القطّان. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، وفيه قوله: "وهو ابن سعيد"، وقوله: "واللفظ لهما"، وقد سبق الكلام فيه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه: أبا بكر، وزهيرًا، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وبالفقهاء من عبيد الله. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد الله، عن نافع. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَن عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ظاهر هذا

стр. 4233

أن الحديث من مسند ابن عمر ﵄، لا من مسند عمر ﵁ نفسه، وسيأتي ما ذكره صاحب "الفتح" بعد حديث - إن شاء الله تعالى -. (أَيَرْقُدُ) بضم القاف، أي أينام، يقال: رَقَدَ يَرْقُدُ رَقْدًا، من باب نصر، ورُقُودًا ورُقَادًا بالضمّ فيهما؛ إذا نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسّرون: إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتَّحةٌ، وهم نيامٌ، ويقال: رَقَدَ عن الأمر: بمعنى قَعَد وتأخَّر (١). (أَحَدُنَا، وَهُوَ جُنُبٌ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقد تقدّم أن جنب بضمّتين يستوي فيه المذكر، والمؤنّث، والمفرد، وغيره، وربّما طابق على قلّة، فيقال: أَجناب، وجنُبُون، ونساء جُنُبات، (قَالَ) ﷺ جوابًا لسوله ("نَعَمْ) بفتحتين، هذه اللفظة يُعبّر عنها النحاة أنها عِدَةٌ وتصديقٌ، زاد الجوهريّ: وجواب الاستفهام، وربّما ناقض "بَلَى"، إذا قال: ليس لي عندك وديعةٌ، فقولك: "نَعَم" تصديق له، و"بَلَى" تكذيب، ونَعِمَ بكسر العين لغة فيه، حكاه الكسائيّ (٢). (إِذَا تَوَضَّأَ")، أي يرقد إذا كان متوضّئًا. وقال في "الفتح": قال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر، وجاء بصيغة الشرط، وهو مُتَمَسَّك من قال بوجوبه. وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وهو شذوذ. وقال ابن العربيّ: قال مالك، والشافعيّ: لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ، واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل، وقال: لم يقل الشافعي بوجوبه، ولا يَعْرِف ذلك أصحابه، وهو كما قال، لكن كلام ابن العربيّ محمول على أنه أراد نفي الإباحة المستوية الطرفين، لا إثبات الوجوب، أو أراد بأنه واجب وجوب سنة، أي متأكد الاستحباب، ويدل عليه أنه قابله بقول ابن حبيب: هو واجب وجوب الفرائض، وهذا موجود في عبارة المالكية

стр. 4234

كثيرًا، وأشار ابن العربي إلى تقوية قول ابن حبيب، وبَوَّب عليه أبو عوانة في "صحيحه": "إيجابُ الوضوء على الجنب إذا أراد النوم"، ثم استَدَلَّ بعد ذلك هو، وابن خزيمة على عدم الوجوب بحديث ابن عباس ﵄، مرفوعًا: "إنما أُمِرتُ بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". وقد قَدَحَ في هذا الاستدلال ابنُ رشد المالكيّ، وهو واضح. قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما ذهب إليه الجمهور من الاستحباب هو الأرجح؛ جمعًا بين الأدلّة، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما" من حديث ابن عمر، عن عمر ﵄، أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا، وهو جنبٌ؛ فقال: "نعم، ويتوضّأ إن شاء" (١)، وحديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ ينام، وهو جنبٌ، ولا يمسّ ماءً"، والحديث وإن تكلّم فيه الأكثرون، إلا أن الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهما صححوه، وقد استوفيت البحث فيه في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد. والحاصل أن الجمع بحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب هو الأحسن، كما لا يخفى على الفطن، والله تعالى أعلم. قال في "الفتح" أيضًا: ونَقَلَ الطحاويّ، عن أبي يوسف أنه ذَهَب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أنه ﷺ كان يُجنِب، ثم ينام ولا يمس ماء"، رواه أبو داود وغيره. وتُعُقِّب بأن الحفاظ قالوا: إن أبا إسحاق غَلِطَ فيه، وبأنه لو صَحَّ حُمِل على أنه ترك الوضوء لبيان الجواز؛ لئلا يُعْتَقد وجوبه، أو أن معنى قوله: "لا يَمَسّ ماء"، أي للغسل، وأورد الطحاويّ من الطريق المذكورة، عن أبي إسحاق ما يَدُلّ على ذلك، ثم جَنَح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث، وهو صاحب القصة، كان يتوضأ، وهو جنب، ولا يغسل رجليه، كما رواه مالك في "الموطأ"، عن نافع. وأُجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة من روايته، ومن رواية عائشة،

стр. 4235

فيُعتَمَد، ويُحْمَل ترك ابن عمر لغسل رجليه على أن ذلك كان لعذر (١). (فائدة): تتعلّق بقوله: "إذا توضّأ": قال ابن الملقّن ﵀: التعليق شرعًا على أربعة أقسام: [أحدها]: تعليق واجب على واجب، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. [الثاني]: تعليق مستحبّ على مستحبّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. [الثالث]: تعليق واجب على غير واجب، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. [الرابع]: تعليق غير واجب على واجب، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الثاني، والرابع، إنما هما على رأي الجمهور، وقد خالف بعضهم، فأوجبهما، وسيأتي تمام البحث فيه في المحلّ المناسب له - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" (٦/ ٧٠٨ و ٧٠٩ و ٧١٠] و ٣٠٦)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٨٧ و ٢٨٩ و ٢٩٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٢١)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٢٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣٩ و ١٤٠)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٨٥)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٤٧)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٠٧٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤ و ٢٥) و (٢/ ٦٤)، و (الحميديّ) في "مسنده"

стр. 4236

(٦٥٧)، و (ابن خزيمة) (٢١١ و ٢١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢١٢ و ١٢١٣ و ١٢١٤ و ١٢١٥ و ١٢١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩٨ و ٦٩٩ و ٧٠٠ و ٧٩٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٩٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٦٣ و ٢٦٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَن عُمَرَ اسْتَفتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ (١): هَلْ يَنَامُ أَحَدُنا، وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، لِيَتَوَضأ، ثُمَّ لِيَنَمْ حَتى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام بن نافع الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، مصنّف، عمي في آخره، فتغير، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، مدلّس، يُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. وقوله: (أَن عُمَرَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ ) السين والتاء للطلب، أي طلب الفتوى، قال في "القاموس": "الْفُتْيَا"، و"الْفُتْوَى"، بضمّ الفاء، وتُفتح: ما أفتَى به الفقيه (٢)، والفاء في "فقال" تفسيريّة (٣).

стр. 4237

وقوله: (لِيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَنَمْ) اللام لام الأمر، وحركتها الكسر، وسُليم تفتحها، وإسكانها بعد الفاء، والواو أكثر من تحريكها، وقد تُسكّن بعد "ثُمّ" (١). وقوله: (حَتَّى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ") "حتى" غاية للنوم المسبوق بالوضوء (٢). وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْل، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، الحافظ الحجة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) هكذا رواه مالك في "الموطأ" باتفاق مِن رُواة "الموطأ"، ورواه خارج "الموطأ"، عن نافع بدل عبد الله بن دينار. قال أبو عليّ الغسّانيّ الجيانيّ ﵀: هكذا روى أبو زيد المروزيّ بإسناد هذا الحديث، ورواه ابن السكن، عن الْفِرَبريّ، عن البخاريّ، عن عبد الله بن

стр. 4238

يوسف، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، جعل نافعًا بدل عبد الله بن دينار، وكذلك كان عند أبي محمد الأصيليّ، عن أبي أحمد، غير أنه ضرب على نافع، وكتب فوقه: عبد الله بن دينار، ورواية أبي ذرّ عن شيوخه مثلُ رواية أبي زيد، قال أبو عليّ: وكلا القولين صواب - إن شاء الله - والحديث محفوظ لمالك عن نافع وعبد الله بن دينار جميعًا. وممن رواه عن مالك، عن نافع إسحاق بن الطبّاع، وخالد بن مَخلَد، وابن بُكير، وسعيد بن عُفير، إلا أنه أشهر برواية عبد الله بن دينار. انتهى كلام أبي عليّ الجيّانيّ ﵀ (١). وقال ابن عبد البر: الحديث لمالك عنهما جميعًا، لكن المحفوظ عن عبد الله بن دينار، وحديث نافع غريب. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: قد رواه عنه كذلك عن نافع خمسةٌ، أو ستةٌ، فلا غرابة، وإن ساقه الدارقطني في "غرائب مالك"، فمراده ما رواه خارج "الموطأ"، فهي غرابة خاصة بالنسبة و "الموطأ"، نعم رواية "الموطأ" أشهر. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) قال في "الفتح": مقتضاه أنه من مسند ابن عمر، كما هو عند أكثر الرواة، ورواه أبو نوح، عن مالك، فزاد فيه: "عن عمر"، وقد بَيَّن النسائيّ سبب ذلك في روايته، من طريق ابن عون، عن نافع، قال: أصاب ابنَ عمرَ جنابةٌ، فأتى عُمَرَ، فذَكَر ذلك له، فأَتَى عمر النبيّ ﷺ ، فاستأمره، فقال: "ليتوضأ، وَيرْقُد"، وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب: "أنه تصيبه" يعود على ابن عمر، لا على عمر، وقوله في الجواب: "تَوَضَّأْ" يَحْتَمِلُ أن يكون ابن عمر كان حاضرًا، فوَجَّه الخطاب إليه. انتهى (٣). وقوله: ("تَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ") في رواية أبي نوح: "اغسل

стр. 4239

ذكرك، ثم توضأ، ثم نَمْ"، وهو يَرُدّ على مَن حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر؛ لأنه ليس بوضوء يرفع الحدث، وإنما هو للتعبد؛ إذ الجنابة أشدّ من مسّ الذكر، فتبين من رواية أبي نوح أن غسله مُقَدَّم على الوضوء، ويُمكِن أن يؤخر عنه بشرط أن لا يمسه على القول بأن مسه ينقض (١). وقوله: (ثُمَّ نَمْ") بفتح النون (٢)؛ لأنه أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انْوَمْ، كاعْلَمْ، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة قبلها عملًا بقول بعضهم: حَرَكَةٌ لِيَا كَوَاوٍ إِنْ عَقِبْ … مَا صَحَّ سَاكِنًا فَنَقْلُهَا يَجِبْ وبقول ابن مالك في "الخلاصة": لِسَاكِنٍ صَحَّ انْقُلِ التَّحْرِيكَ … مِنْ ذِي لِينٍ اتٍ عَيْنَ فِعْلٍ كَـ "أَبنْ" مَا لَمْ يَكُنْ فِعْلَ تَعَجُّبٍ وَلَا … كَـ "ابْيَضَّ" أَوْ "أَهْوَى" بِلَامٍ عُلِّلَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١١] (٣٠٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ، قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو

стр. 4240

عبد الرحمن الْحِمْصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ) ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي موسى، والأول أصحّ، أبو الأسود النصريّ - بالنون - الحمصيّ - مولى عطية بن عازب، ويقال: ابن عفيف، وقيل: كان اسمه عازبًا، فسمّاه رسول الله ﷺ عَفيفًا - ثقةٌ مخضرم [٢]. رَوَى عن مولاه، وابن عمر، وابن الزبير، وغُضَيف بن الحارث، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن زياد الألهانيّ، وعتبة بن ضمرة بن حبيب، وأبو ضَمْرة، محمد بن سليمان الحمصيّ، وزيد بن عمير الرَّحَبِيّ، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من قال عبد الله بن قيس فقد وَهِمَ، وقال سيف بن عمر: كان عبد الله بن قيس على كُردُوس يوم اليرموك. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط. والباقون تقدّموا في هذا الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ) النَّصْريّ الْحِمْصيّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )، أي عن وقت صلاة الوتر (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) الظاهر أن الضمير لعبد الله بن أبي قيس، وَيحْتَمِل أن يكون من دونه. [تنبيه]: أشار المصنّف ﵀ بقوله: "فذكر الحديث" إلى أن هذا الحديث مطوّل، وهذا المذكور هنا مختصره، وقد ساقه الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بسند المصنّف ﵀، فقال: (٢٨٤٨) حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن
следующие страницы →