← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

(٦٥٧)، و (ابن خزيمة) (٢١١ و ٢١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢١٢ و ١٢١٣ و ١٢١٤ و ١٢١٥ و ١٢١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٦٩٨ و ٦٩٩ و ٧٠٠ و ٧٩٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٩٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٦٣ و ٢٦٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٠٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَن عُمَرَ اسْتَفتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ (١): هَلْ يَنَامُ أَحَدُنا، وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، لِيَتَوَضأ، ثُمَّ لِيَنَمْ حَتى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام بن نافع الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، مصنّف، عمي في آخره، فتغير، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، مدلّس، يُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. وقوله: (أَن عُمَرَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ ) السين والتاء للطلب، أي طلب الفتوى، قال في "القاموس": "الْفُتْيَا"، و"الْفُتْوَى"، بضمّ الفاء، وتُفتح: ما أفتَى به الفقيه (٢)، والفاء في "فقال" تفسيريّة (٣).

стр. 4237

وقوله: (لِيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَنَمْ) اللام لام الأمر، وحركتها الكسر، وسُليم تفتحها، وإسكانها بعد الفاء، والواو أكثر من تحريكها، وقد تُسكّن بعد "ثُمّ" (١). وقوله: (حَتَّى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ") "حتى" غاية للنوم المسبوق بالوضوء (٢). وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْل، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، الحافظ الحجة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) هكذا رواه مالك في "الموطأ" باتفاق مِن رُواة "الموطأ"، ورواه خارج "الموطأ"، عن نافع بدل عبد الله بن دينار. قال أبو عليّ الغسّانيّ الجيانيّ ﵀: هكذا روى أبو زيد المروزيّ بإسناد هذا الحديث، ورواه ابن السكن، عن الْفِرَبريّ، عن البخاريّ، عن عبد الله بن

стр. 4238

يوسف، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، جعل نافعًا بدل عبد الله بن دينار، وكذلك كان عند أبي محمد الأصيليّ، عن أبي أحمد، غير أنه ضرب على نافع، وكتب فوقه: عبد الله بن دينار، ورواية أبي ذرّ عن شيوخه مثلُ رواية أبي زيد، قال أبو عليّ: وكلا القولين صواب - إن شاء الله - والحديث محفوظ لمالك عن نافع وعبد الله بن دينار جميعًا. وممن رواه عن مالك، عن نافع إسحاق بن الطبّاع، وخالد بن مَخلَد، وابن بُكير، وسعيد بن عُفير، إلا أنه أشهر برواية عبد الله بن دينار. انتهى كلام أبي عليّ الجيّانيّ ﵀ (١). وقال ابن عبد البر: الحديث لمالك عنهما جميعًا، لكن المحفوظ عن عبد الله بن دينار، وحديث نافع غريب. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: قد رواه عنه كذلك عن نافع خمسةٌ، أو ستةٌ، فلا غرابة، وإن ساقه الدارقطني في "غرائب مالك"، فمراده ما رواه خارج "الموطأ"، فهي غرابة خاصة بالنسبة و "الموطأ"، نعم رواية "الموطأ" أشهر. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) قال في "الفتح": مقتضاه أنه من مسند ابن عمر، كما هو عند أكثر الرواة، ورواه أبو نوح، عن مالك، فزاد فيه: "عن عمر"، وقد بَيَّن النسائيّ سبب ذلك في روايته، من طريق ابن عون، عن نافع، قال: أصاب ابنَ عمرَ جنابةٌ، فأتى عُمَرَ، فذَكَر ذلك له، فأَتَى عمر النبيّ ﷺ ، فاستأمره، فقال: "ليتوضأ، وَيرْقُد"، وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب: "أنه تصيبه" يعود على ابن عمر، لا على عمر، وقوله في الجواب: "تَوَضَّأْ" يَحْتَمِلُ أن يكون ابن عمر كان حاضرًا، فوَجَّه الخطاب إليه. انتهى (٣). وقوله: ("تَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ") في رواية أبي نوح: "اغسل

стр. 4239

ذكرك، ثم توضأ، ثم نَمْ"، وهو يَرُدّ على مَن حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر؛ لأنه ليس بوضوء يرفع الحدث، وإنما هو للتعبد؛ إذ الجنابة أشدّ من مسّ الذكر، فتبين من رواية أبي نوح أن غسله مُقَدَّم على الوضوء، ويُمكِن أن يؤخر عنه بشرط أن لا يمسه على القول بأن مسه ينقض (١). وقوله: (ثُمَّ نَمْ") بفتح النون (٢)؛ لأنه أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انْوَمْ، كاعْلَمْ، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة قبلها عملًا بقول بعضهم: حَرَكَةٌ لِيَا كَوَاوٍ إِنْ عَقِبْ … مَا صَحَّ سَاكِنًا فَنَقْلُهَا يَجِبْ وبقول ابن مالك في "الخلاصة": لِسَاكِنٍ صَحَّ انْقُلِ التَّحْرِيكَ … مِنْ ذِي لِينٍ اتٍ عَيْنَ فِعْلٍ كَـ "أَبنْ" مَا لَمْ يَكُنْ فِعْلَ تَعَجُّبٍ وَلَا … كَـ "ابْيَضَّ" أَوْ "أَهْوَى" بِلَامٍ عُلِّلَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١١] (٣٠٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ، قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو

стр. 4240

عبد الرحمن الْحِمْصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ) ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي موسى، والأول أصحّ، أبو الأسود النصريّ - بالنون - الحمصيّ - مولى عطية بن عازب، ويقال: ابن عفيف، وقيل: كان اسمه عازبًا، فسمّاه رسول الله ﷺ عَفيفًا - ثقةٌ مخضرم [٢]. رَوَى عن مولاه، وابن عمر، وابن الزبير، وغُضَيف بن الحارث، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن زياد الألهانيّ، وعتبة بن ضمرة بن حبيب، وأبو ضَمْرة، محمد بن سليمان الحمصيّ، وزيد بن عمير الرَّحَبِيّ، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من قال عبد الله بن قيس فقد وَهِمَ، وقال سيف بن عمر: كان عبد الله بن قيس على كُردُوس يوم اليرموك. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط. والباقون تقدّموا في هذا الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ) النَّصْريّ الْحِمْصيّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )، أي عن وقت صلاة الوتر (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) الظاهر أن الضمير لعبد الله بن أبي قيس، وَيحْتَمِل أن يكون من دونه. [تنبيه]: أشار المصنّف ﵀ بقوله: "فذكر الحديث" إلى أن هذا الحديث مطوّل، وهذا المذكور هنا مختصره، وقد ساقه الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بسند المصنّف ﵀، فقال: (٢٨٤٨) حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن

стр. 4241

أبي قيس، هو رجل بصريّ (١)، قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ ، كيف كان يوتر، من أول الليل، أو من آخره؛ فقالت: كل ذلك قد كان يصنع، ربما أوتر من أول الليل، وربما أوتر من آخره، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً، فقلت: كيف كانت قراءته، أكان يُسِرّ بالقراءة، أم يجهر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، قد كان ربما أسرّ، وربما جهر، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً، قلت: فكيف كان يصنع في الجنابة، أكان يغتسل قبل أن ينام، أو ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، فربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. قال أبو عيسى ﵀: هذا حديث حسن غريب، من هذا الوجه. انتهى. قال عبد الله بن أبي قيس (قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟)، أي في اغتساله من الجنابة، و"كيف" مفعول مقدّم لـ "يصنع"، و"في" سببيّة، أو بمعنى "من"، والتقدير: أيَّ شيء يَصنع بسبب الجنابة، أو من إصابة الجنابة له، والله أعلم. (أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ) عائشة ﵂ (كُلُّ ذَلِكَ) برفع "كلُّ" على الابتداء، أي كلٌّ من الاغتسال أولَ الليل، والاغتسال آخره، وخبره قوله: (قَدْ كَانَ يَفْعَلُ) والرابط مقدّر، أي يفعله، ويَحْتَمل أن يكون بنصب "كلّ" مفعولًا مقدّمًا لـ "يفعل" (رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ) "ربّما" كافّة ومكفوفة، فـ "ما" كفّت "ربّ" عن عمل الجرّ، وهيّئتها للدخول على الجملة الفعليّة، وهي تفيد التقليل، والتكثير، والظاهر أنها للتكثير للمقابلة في قولها: "ربما … " و"ربما … "، أي كثيرًا ما كان يفعل هذا، وكثيرًا ما كان يفعل هذا (وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ، قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ)، أي في أمر الشريعة، أو أمر الجنابة (سَعَةً)، أي سهولةً ويُسرًا، و"السَّعَةُ" بفتح السين والعين المهملتين، ويجوز كسر السين، قال الفيّوميّ ﵀: وَسِعَ الإناءُ المتاعَ يَسَعُهُ

стр. 4242

سَعَةً بفتح السين، وقرأ به السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وكَسْرُها لغةٌ، وقرأ بها بعض التابعين. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٦/ ٧١١ و ٧١٢] (٣٠٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٤٣٧ و ٢٢٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٢٥)، و"الغسل" (١/ ١٩٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٧ و ٧٣ - ٧٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٨١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٤٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٩٠ و ٧٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز تأخير الغسل عن الجنابة. ٢ - (منها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على السؤال في أمور دينهم. ٣ - (ومنها): بيان ما كانوا عليه من تتبّع أفعال النبيّ ﷺ ، وأقواله، وأحواله حتى يقتدوا به فيها، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ٤ - (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث لم تضيّق على أهلها بإيجاب الغسل كلّما أجنب الإنسان؛ إذ فيه حرج شديد، والحرج مرفوع بالنصّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذه نعمة عظمى ينبغي أن تقابل بالشكر، كما فعل عبد الله بن قيس هنا، حيث

стр. 4243

قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أي حيث أباح لنا الأمرين: تقديم الغسل على النوم وتأخيره، وبيّن ذلك لنا النبيّ ﷺ . ٥ - (ومنها): جواز استفتاء النساء إذا كنّ من أهل العلم، ولا خلاف في ذلك، فان السلف مجمعون على استفتاء أمهات المؤمنين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا اَبْنُ وَهْبٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا، فعبد الرحمن تقدّم قبل بابين، وهارون وابن وهب قبل باب، والباقيان في هذا الباب. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَاد، مِثْلَهُ) أي بإسناد معاوية السابق، عن عبد الله بن قيس، عن عائشة ﵂. [تنبيه]: أما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، فقد ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال: (٤٠١) أخبرنا شعيب بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة، كيف كان نوم رسول الله ﷺ في الجنابة، أيغتسل قبل أن ينام، أو ينام قبل أن يغتسل؟، قالت: كلُّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. انتهى. وأما رواية ابن وهب، عن معاوية، فقد ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٢٧٨) فقال: (٧٩٠) حدثنا بحر بن نصر الخولانيّ، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عبد الله بن أبي قيس حدثه، أنه سأل عائشة: هل كان

стр. 4244

رسول الله ﷺ ينام وهو جنب، أم يغتسل قبل أن ينام؟ قالت: كلُّ ذلك قد كان يفعل، رُبّمَا اغتسل قبل أن ينام، وربما توضأ ثم نام قبل أن يغتسل، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٣] (٣٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح)، وَحَدَّثَني عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ الْفَزَارِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ"، زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "بَيْنَهُمَا وُضُوءًا"، وَقَالَ: "ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ"). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النّخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِي زائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة المذكور قبل بابين. ٥ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير المذكور في الباب. ٧ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دِمَشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.

стр. 4245

٨ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] (ت بعد سنة ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. ٩ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ) عليّ بن داود، ويقال: دُؤَاد - بضمّ الدال، بعدها واوٌ بهمزة - الناجيّ (١) - بنون، وجيم - البصريّ مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٦٠٢. ١٠ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) هو: سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥)، وقيل: سنة (٧٤) (ع)، تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ فرّق بينهم بالتحويل، وإنما فرّق بينهم؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، فقد سمعه من لفظ شيخيه: أبي بكر، وأبي كريب مع غيره، ولهذا قال: "حدّثنا"، وسمعه من لفظ شيخيه: عمرو، وابن نمير وحده، ولهذا قال: "حدّثني"، وكذلك شيوخه، فأبو بكر سمعه من حفص مع غيره، ولهذا قال: "حدّثنا"، وأبو كريب سمع قارئًا يقرأ على يحيى بن أبي زائدة، ولهذا قال: "أخبرنا". ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ" الضمير يرجع إلى كلّ من حفص، وابن أبي زائدة، ومعاوية الفزاريّ، فكلّهم رووه عن عاصم، فهو مُلتقى التحويل. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه: أبي بكر، وعمرو الناقد، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذي يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٥ - (ومنها): فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عاصم، عن أبي المتوكّل.

стр. 4246

٦ - (ومنها): أنّ صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سِنَان ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أتَى)، أي جامع (أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ)، أي زوجته، أو جاريته التي يحلّ له وطؤها (ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ)، أي يرجع إلى جماعها مرّةً أخرى (فَلْيَتَوَضَّأْ") بلام الأمر، والفعل مجزوم بها، والجملة جواب "إذا"، وفي رواية ابن خزيمة، وأبي عوانة: "فليتوضّأ وضوءه للصلاة" (زَادَ أَبُو بَكْرٍ) يعني ابن أبي شيبة، شيخه الأول (فِي حَدِيثِهِ: "بَيْنَهُمَا)، أي بين الجماعينَ (وُضُوءًا")، أي شرعيّا، وهو الكامل، كما بيّنته رواية ابن خزيمة وأبي عوانة، واحترز به عن الوضوء اللغويّ، وهو غسل ذكره، وما أصابه من الأذى، (وَقَالَ)، أي أبو بكر في روايته أيضًا ("ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ") مضارع عاود، من باب فاعل، وهو بمعنى الأول، وزاد ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ: "فإنه أنشط للعود". والمعنى: أنه إذا جامع أهله، ثم أراد أن يُجامعها مرّة أخرى فليتوضّأ وضوءًا شرعيًّا، وهو وضوء الصلاة؛ لأنه المراد عند الإطلاق في كلام الشارع، ومما يؤيّد هذا أنه أكّده بالمصدر، فقال: "وضوءًا"، لأن التأكيد بالمصدر يرفع احتمال المجاز، ولهذا استدلّ أهل السنّة بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] بالتأكيد بالمصدر في هذه الآية على أن تكليم الله لموسى ﵇ على حقيقته، وليس متجوّزًا به، كما ادّعاه أهل الضلال. وأصرح من هذا كلّه رواية ابن خزيمة، وأبي عوانة المذكورة، فقد صرّحت بأنه وضوء الصلاة، وسيأتي تمام البحث في هذا الوضوء في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة التي أشار إليها المصنّف ﵀ هنا، ساقها أبو نعيم، في "مستخرجه" (١/ ٣٦٢) فقال:

стр. 4247

(٧٠٢) حدثنا الطَّلْحِيّ (١)، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود، فليتوضأ بينهما وضوءًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٦/ ٧١٣] (٣٠٨)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٢٠)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٤١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٤٢)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٨٧)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٩ و ٢٢٠ و ٢٢١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢١٠ و ١٢١١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٠٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٩٧)، و (أبي نعيم) في "مستخرجه" (٧٠٢)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هو الصحيح، وقد رُوي من حديث عمر ﵁، رواه ليث بن أبي سُليم، عن عاصم، عن أبي المستهل، عن عمر، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا أتى أحدكم أهله، وأراد أن يعود، فليَغسِل فرجه"، قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٣٤): قال أبي: يرون أنه عاصم، عن أبي المتوكّل، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، وهو أشبه. انتهى.

стр. 4248

[تنبيه آخر]: قال البيهقيّ ﵀ في حديث: إن الشافعيّ قال: لا يثبُتُ مثله، قال البيهقيّ: لعله لم يقف على إسناد حديث أبي سعيد، ووقف على إسناد غيره، فقد رُوي عن عمر، وابن عمر بإسنادين ضعيفين. انتهى. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز وطء الزوجة مرّة ثانيةً من إحداث اغتسال للأول. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الوضوء بين الجماعين، سواء كان الجماع لنفس المرأة، أو لغيرها؛ لكونه أنشط للعود، كما علّله في رواية ابني خزيمة، وحبّان. ٣ - (ومنها): بيان أن الاغتسال من الجنابة ليس على الفور، بل إنما يُضيّق عند إرادة الصلاة ونحوها، مما لا يجوز إلا بالغسل. ٤ - (ومنها): بيان جواز كثرة الجماع، بل هو مستحبّ، لأنه سبب لكثرة النسل، وقد رغّب النبيّ ﷺ في ذلك، فقد أخرج أحمد بسند صحيح، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نَهْيًا شديدًا، ويقول: "تزوجوا الودود الولود، إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الوضوء لمعادوة الجماع: (اعلم): أنهم اختلفوا في المراد بهذا الوضوء، فقيل: هو غسل الفرج فقط مما به من أذى، قال عياض: وهو قول جماعة من الفقهاء، وقال القرطبيّ: ذهب بعض أهل الظاهر إلى أن هذا الوضوءَ هنا هو الوضوء العرفيّ، وأنه واجبٌ، واستحبّه أحمد وغيره، وذهب الفقهاء، وأكثر أهل العلم إلى أنه غسل الفرج فقط، مبالغةً في النظافة، واجتنابًا لاستدخال النجاسة، ويُستدلّ على ذلك بأمرين: [أحدهما]: أنه قد روى هذا الحديث ليث بن أبي سُليم من حديث عمر، وقال فيه: "فليغسل فرجه" مكان: "فليَتوضّأ بينهما وضوءًا".

стр. 4249

[وثانيهما]: أن الوطء ليس من قبيل ما شُرع له الوضوء، فإن أصل مشروعيّته للقُرَب والعبادات، والوطء ينافيه، فإنه للملاذّ والشهوات، وهو من جنس المباحات، ولو كان ذلك مشروعًا لأجل الوطء لشرع في الوطء المبتدأ، فإنه من نوع الْمُعَاد، وإنما ذلك لِمَا يتلطّخ به الذكر من نجاسة الفرج والمنيّ، فإنه مما يُكره، ويُستثقل عادةً وشرعًا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قزر المسألة القرطبيّ على وجه يُتعجّب، ويُستغرب من مثله، فإن هذا التقرير اشتمل على عجائب: (الأول): أن الحديث الذي أورده "فليغسل فرجه" رواه ليث بن أبي سُليم كما قال، وهو متروك الحديث؛ فكيف ساغ له معارضة ما صحّ عنه ﷺ أنه قال فيما رواه مسلم: "فليتوضّأ وضوءًا"، مؤكدًا بالمصدر؛ ليفيد كونه وضوءًا شرعيًّا، بل جاء التصريح به فيما صححه ابن خزيمة، بلفظ: "فليتوضّأ وضوءه للصلاة"، فهل معارضة هذا الصحيح برواية ليث بن أبي سُليم من مناهج المحقّقين، أو من بضائع أهل الجدل الذين انقطعت بهم سبل الأدلة الصحيحة، فاحتاجوا للمغالطة بالواهيات؟ إن هذا لهو العجب العُجاب. (الثاني): أن قوله: إن الوطء ليس من قبيل ما شُرع له الوضوء إلخ، من العجائب أيضًا، فَمِمَّن يريد التشريع؟، أليس الذي قال: "فليتوضّأ وضوءه للصلاة" هو الذي شرع العبادة؟، فهل هناك للتشريع معنى غير هذا؟. (الثالث): قوله: "إن الوطء ينافي العبادة" من أين أخذه؟، أما قال الصحابة ﵃ لما قال النبيّ ﷺ : "وفي بضع أحدكم أجرٌ": "أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ .... " الحديث، أخرجه مسلم. فهلا يكون هذا من قسم العبادة التي يُحبّها الله، ويُثيب عليها؟. (الرابع): قوله: "لما يتلطخ به الذكر من نجاسة ماء الفرج والمني" هذا مما اختلف فيه العلماء، والراجح طهارتهما، فكيف يَستدلّ بما اختُلف فيه على معارضة مقتضى الصحيح؟، هذا شيء غريب. فتبيّن بهذا أن الصواب في معنى الوضوء هنا هو الوضوء الشرعيّ الذي

стр. 4250

هو وضوء الصلاة، لا مطلق النظافة من غسل الفرج ونحوه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الوضوء: ذهب ابن حبيب المالكيّ، والظاهريّة إلى وجوبه؛ أخذًا بظاهر الحديث. وذهب الجمهور إلى استحبابه، وذهب أبو يوسف من الحنفيّة إلى أنه ليس بواجب، ولا مندوب، ورُدّ عليه بحديث الباب وغيره. قال الجامع عفا الله عنه: عندي القول باستحبابه هو الأرجح؛ لما سبق من رواية ابن خزيمة، حيث علّله بكونه أنشط للعود، فإنه يدلّ هذا التعليل على الندبيّة والإرشاد، يؤيّد ذلك ما رواه الطحاوقي بسنده عن عائشة قالت: "كان النبيّ ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضّأ"، وحديث: "إنما أُمرتُ بالوضوء إذا قُمتُ إلى الصلاة". والحاصل أن الأمر بالوضوء للندب، لا للوجوب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٤] (٣٠٩) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ - عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أنسٍ (١): "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ) هو: الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم الأمويّ مولاهم، أبو مسلم الحزانيّ، سَكَن بغداد، ثقةٌ يُغْرِبُ [١١]. وحَدّث عن أبيه، وجدّه، ومحمد بن سَلَمة، ومسكين بن بُكير. ورَوَى عنه مسلم، وابنه أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحرّانيّ،

стр. 4251

وأحمد بن شبابان، وعبد الله بن جعفر بن خُشَيش، وابن أبي الدنيا، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، والدارميّ، وابن أبي داود، وابن صاعد، والسراج، والمحامليّ. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِب، وقال عليّ بن الحسن بن عَلّان الحرّانيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال الخطيب: كان ثقة، ووثَّقه البزار، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال موسى بن هارون: مات سنة (٢٥٠) بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وقال السرّاج: مات بالعسكر سنة (٢٥٢) أو نحوه. روى عنه المصنّف ﵀، وأبو داود في "المراسيل"، و"الزهدُ"، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٠٩)، وحديث رقم (١٦٧١): "ألا تخرُجون مع راعينا في إبله … " الحديث. ٢ - (مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ الْحَذاءُ) أبو عبد الرحمن الْحَرَّانيّ، صدوقٌ، يُخطئ، صاحب حديث [٩]. رَوَى عن سعيد بن عبد العزيز، وجعفر بن بُرْقان، والأوزاعيّ، ومالك، ومحمد بن مهاجر، وثابت بن عَجْلان، والمسعوديّ، وشعبة، وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، والنُّفَيليّ، والمغيرة بن عبد الرحمن الحرّانيّ، وعمرو بن خالد، وأحمد بن أبي شعيب، وابنه الحسن بن أحمد، ومحمد بن وهب بن أبي كريمة الْحَرّانيّون، ومحمد بن عبيد بن ميمون المدنيّ، وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، وآخرون. قال الأثرم: سمعت أحمد يُحَسِّن أمره، وقال مرةً: قدّمه أبو عبد الله على مَخْلد بن يزيد، وقال: حدَّث عن شعبة بأحاديث لم يروها أحدٌ، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ، وقال ابن معين: لا بأس به، وكذا قال أبو حاتم، وزاد: كان صالح الحديث، يَحْفَظ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال أبو أحمد الحاكم في كتابه "الكنى": كان كثير الوهم والخطأ، وقال في موضع آخر: ومن أين كان مسكين يَضْبِط عن سعيد؟، وقال ابن

стр. 4252

شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: يقولون: إنه ثقةٌ، لم أسمع منه شيئًا. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في الترجمة التي قبله. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم في هذا الباب. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زيدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن جدِّه، وعنه ابن عون، وشعبة، وعروة بن ثابت، وحماد بن سلمة. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٥ - (أَنس) بن مالك ﵁، تقدّم قبل بابين. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) ﵁، وفي نسخة: "عن أنس بن مالك" ﵁ (: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ)، أي يدور عليهنّ، وهو كناية عن الجماع، بدليل قوله: (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ") هو على حذف مضاف، أي بنيّة غسل واحد، أي يجامعهنّ ملتبسا، ومصاحبًا لنيّة غسل واحد آخر الأمر، وإنما احتجنا إلى هذا التقدير؛ لأن الغسل الواحد لا يكون إلا بعد الفراغ من جماعهنّ، لا قبله، فتأمل. ولفظ النسائيّ: "أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد"، وعند أبي داود: "طاف ذات يوم"، ولفظ البخاريّ، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدَّثهم: "أن نبيّ الله ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة"، وفي رواية عن أنس: "كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنّ إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أوَ كان يطيقه؟ قال: كنّا نتحدّث أنه أُعطي قوّة ثلاثين رجلًا"، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنسًا حدّثهم تسع نسوة، وجُمع بينهما بأن ذلك كان في حالتين، فمرّةً طاف عليهنّ، وهنّ إحدى عشرة، وأخرى، وهنّ تسع، أو بأنه كان تحته من الزوجات تسع، وسُرّيّتان:

стр. 4253

مارية، ورَيحانة، على أنها أمة، وقيل: هي زوجة (١). وقال النوويّ ﵀ ﵀: يحتمل أنه ﷺ كان يتوضأ بينهما، أو يكون المراد بيان جواز ترك الوضوء، وقد جاء في "سنن أبي داود" أنه ﷺ طاف على نسائه ذات يوم، يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقيل: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ فقال: "هذا أزكى، وأطيب، وأطهر" (٢)، قال أبو داود: والحديث الأول أصحّ، قلت: وعلى تقدير صحته يكون هذا في وقت، وذاك في وقت. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: احتمال الوضوء بعيد، بل الأقرب أنه فعله لبيان الجواز، ولهذا قال البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب الجنُب يخرُج، ويمشي في السوق، وغيره، وقال عطاء: يحتجم الجنب، ويُقلّم أظفاره، ويَحلق رأسه، وإن لم يتوضّأ". انتهى، ثم أورد حديث أنس ﵁ هذا محتجًّا به لما قاله عطاء من جواز الأشياء المذكورة، وإن لم يتوضّأ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا "في الحيض" [٦/ ٧١٤] (٣٠٩)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٦٨ و ٢٨٤ و ٥٠٦٨ و ٥٢١٥)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢١٨)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٤٣ و ١٤٤)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٢٥ و ٢٢٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٩)، و (ابن

стр. 4254

حبّان) في "صحيحه" (١٢٠٨ و ١٢٠٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٠٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٩٨ و ٨٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم وجوب الاغتسال بين الجماعين، سواء كان الجماع الثاني للأولى، أو لغيرها، وهذا لا ينافي استحباب الاغتسال بينهما؛ لما تقدّم من حديث أبي رافع ﵁ أن النبيّ ﷺ طاف على نسائه، واغتسل عند كلّ واحدة، وقال: "هذا أزكى، وأطيب، وأطهر"، أخرجه أبو داود. ٢ - (ومنها): بيان ما اختصّ الله نبيّه ﷺ من القوّة في النكاح، وذلك يدلّ على كمال البنية، وصحّة الذكوريّة. والحكمة في كثرة أزواجه ﷺ أن الأحكام التي ليست ظاهرة يَطَّلِعن عليها، فينقلنها، وقد جاء عن عائشة ﵂ من ذلك الكثير الطيِّب، ومن ثَمَّ فضّلها بعضهم على بقية أمهات المؤمنين ﵅. ٣ - (ومنها): بيان عدم وجوب الوضوء بين الجماعين أيضًا، لأنه لم يُذكَر في الحديث، والأصل عدمه. ٤ - (ومنها): جواز طواف الرجل على نسائه في الليلة الواحدة، لكن بإذن صاحبة النوبة، وهذا في غير النبيّ ﷺ ، وأما في حقّه فالصحيح أنه يجوز له ذلك دون استئذان؛ لأنه لا يجب عليه الْقَسْمُ بين الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، لكنه من كريم أخلاقه وحسن عِشرته كان يَقسم بينهنّ، فعلى هذا لا إشكال في الحديث أصلًا. قال في "الفتح": عدم وجوب القسم عليه ﷺ قولُ طوائف من أهل العلم، وبه جزم الإصطخريّ من الشافعية، والمشهور عندهم، وعند الأكثرين الوجوب، ويَحتاج من قال به إلى الجواب عن هذا الحديث، فقيل: كان ذلك برضا صاحبة النوبة، كما استأذنهنّ أن يُمَرَّض في بيت عائشة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك كان يَحصُل عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف القسمة، وقيل: كان ذلك عند إقباله من سفر؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بينهنّ، فيسافر بمن يخرج

стр. 4255

سهمها، فإذا انصرف استأنف، وهو أخص من الاحتمال الثاني، والأول أليق بحديث عائشة، وكذا الثاني، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك كان يقع قبل وجوب القسمة، ثم تَرَك بعدها. وأغرب ابن العربيّ، فقال: إن الله خَصّ نبيه ﷺ بأشياء، منها أنه أعطاه ساعةً في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حقّ، يدخل فيها على جميعهنّ فيفعل ما يريد، ثم يستقرّ عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتَغَل عنها كانت بعد المغرب، وهذا التفصيل الذي ذكره يَحتاج إلى ثبوت نقلًا، والظاهر عدمه، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): بيان أن الاغتسال لا يجب على الفور، بل عند إرادة الصلاة، وقد تقدّم تمام البحث فيه. ٦ - (ومنها): استحباب الاستكثار من النساء، وقد أخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه" عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس ﵄: هل تزوجتَ؟ قلت: لا، قال: تَزَوَّجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء. انتهى. وفي رواية الطبراني من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: "تزوَّجُوا، فإن خيرنا كان أكثرنا نساء". قال في "الفتح: قيل: المعنى خير أمة محمد ﷺ مَن كان أكثر نساءً من غيره، ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، والذي يظهر أن مراد ابن عباس ﵄ بالخير النبيّ ﷺ ، وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزولج مرجوح؛ إذ لو كان راجحًا ما آثر النبيّ ﷺ غيره، وكان مع كونه أخشى الناس لله، وأعلمهم به، يُكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يَطَّلِع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يَجِد ما يَشبَع به من القوت غالبًا، وإن وجد كان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرًا، ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوةُ البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقوِّيات من مأكول ومشروب، وهي عنده نادرة، أو معدومة. ووقع في "الشفاء": أن العرب كانت تَمْدَحُ بكثرة النكاح؛ لدلالته على الرجولية، إلى أن قال: ولم تَشْغَله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادةً

стр. 4256

لتحصينهنّ، وقيامه بحقوقهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، وكأنه أراد بالتحصين قَصْر طَرْفهنّ عليه، فلا يَتَطَلَّعن إلى غيره، بخلاف العُزْبة، فإن العفيفة تتطلع بالطبع البشري إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهنّ. والذي تَحَصَّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره ﷺ من النساء عشرةُ أوجه: [أحدها]: أن يَكثُر مَن يُشاهِد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يَظُنّ به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك. [ثانيها]: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. [ثالثها]: للزيادة في تألفهم لذلك. [رابعها]: للزيادة في التكليف، حيث كُلِّف أن لا يَشْغَله ما حُبِّب إليه منهنّ عن المبالغة في التبليغ. [خامسها]: لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يُحاربه. [سادسها]: نقل الأحكام الشرعية التي لا يَطَّلِع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يُخْفَى مثله. [سابعها]: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة، وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خُلُقه لنَفَرْنَ منه، بل الذي وَقَع أنه كان أحب إليهنّ من جميع أهلهنّ. [ثامنها]: ما تقدم مبسوطًا من خرق العادة له في كثرة الجماع، مع التقلُّل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أَمَرَ مَن لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . [تاسعها، وعاشرها]: ما تقدم نقله عن صاحب الشفاء من تحصينهنّ، والقيام بحقوقهنّ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 4257

(المسألة الرابعة): لم يقع في رواية المصنّف ﵀ ذكر عدد نسائه ﷺ اللاتي جمعهنّ في ذلك الوقت، وقد وقع عند البخاريّ: من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: "كان النبيّ ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنّ إحدى عشرة"، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنسًا ﵁ حدّثهم: "تسع نسوة". انتهى. قال في "الفتح": وقد جمع ابنُ حبان: في "صحيحه" بين الروايتين بأَنْ حَمَل ذلك على حالتين، لكنه وَهِمَ في قوله: إن الأولى كانت في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة، وموضع الْوَهَمِ منه، أنه ﷺ لَمّا قَدِمَ المدينة لم يكن تحته امرأة سوى سودة، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة في السنة الثالثة، أو الرابعة، ثم تزوج زينب بنت جَحْش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة، وهؤلاء جميعُ من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور. واختُلِف في رَيحانة، وكانت من سبي بني قريظة، فجزم ابن إسحاق بأنه عَرَض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب فاختارت البقاء في ملكه، والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل، قال ابن عبد البر: مكثت عنده شهرين أو ثلاثة، فعلى هذا لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع، مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة، كما سيأتي في مكانه، فرَجَحت رواية سعيد بن أبي عروبة، لكن تُحْمَل رواية هشام الدستوائيّ على أنه ضَمّ مارية وريحانة إليهنّ، وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبًا. وقد سَرَد الدمياطي في السيرة التي جمعها مَن اطَّلَع عليه من أزواجه، ممن دخل بها، أو عَقَد عليها فقط، أو طلَّقها قبل الدخول، أو خطبها ولم يعقد عليها، فبلغت ثلاثين، وفي "المختارة" من وجه آخر، عن أنس: "تزوج خمس عشرة، دخل منهن بإحدى عشرة، ومات عن تسع"، وسرد أسماءهنّ أيضًا أبو الفتح اليعمريّ، ثم مغلطاي، فزدن على العدد الذي ذكره الدمياطي، وأنكر ابن القيم ذلك، والحقّ أن الكثرة المذكورة محمولة على اختلاف في

стр. 4258

بعض الأسماء، وبمقتضى ذلك تنقص العدة. انتهى (١). وقد ذكر الحافظ العراقيّ ﵀ أسماءهنّ بالترتيب، فقال: زَوْجَاتُهُ اللَّاتِي بِهِنَّ قَدْ دَخَلْ … ثِنْتَا أَوِ احْدَى عَشْرَةٍ خُلْفٌ نُقِلْ خَدِيجَةُ الأُولَى تَلِيهَا سَوْدَةُ … ثُمَّ تَلِي عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ وَقِيلَ قَبْلَ سَوْدَةٍ فَحَفْصَةُ … فَزَيْنَبٌ وَالِدُهَا خُزَيْمَةُ فَبَعْدَهَا هِنْدٌ أَي أُمُّ سَلَمَهْ … فَابْنَةُ جَحْشٍ زَيْنَبُ الْمُكَرَّمَهْ تَلِي ابْنَةُ الْحَارِثِ أَيْ جُوَيْرِيَهْ … فَبَعْدَهَا رَيْحَانَةُ الْمَسْبِيَّهْ وَقِيلَ بَلْ مِلْكُ يَمِينٍ فَقَطُ … لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَهَذَا أَضْبَطُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ وَهْيَ رَمْلَةُ … أَمُّ حَبِيبَةَ تَلِي صَفِيَّةُ مِنْ بَعْدِهَا فَبَعْدَهَا مَيْمُونَهْ … حِلًّا وَكَانَتْ كَاسْمِهَا مَيْمُونَهْ وَابْنُ الْمُثَنَّى مَعْمَرٌ قَدْ أَدْخَلَا … فِي جُمْلَةِ اللَّاتِي بِهِنَّ دَخَلَا بِنْتَ شُرَيْحٍ وَاسمُهَا فَاطِمَةُ … عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا الْوَاهِبَةُ وَلَمْ أَجِدْ منْ جَمَعَ الصَّحَابَهْ … ذَكَرَهَا وَلَا بِأُسْدِ الْغَابَهْ وَعَلَّهَا الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ … وَهْيَ ابْنَةُ الضَّحَّاكِ بَانَتْ عَنْهُ وَغَيْرُ مَنْ بَنَى بِهَا أَوْ وَهَبَتْ … إِلَى النَّبيِّ نَفْسَهَا أَوْ خُطِبَتْ وَلَمْ يَقَعْ تَزْوِيجُهَا فَالْعِدَّةُ … نَحْوُ الثَّلَاثِينَ بِخُلْفٍ أَثْبَتُوا انتهى نظم الحافظ العراقيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ وُجُوبِ الْغَسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِخُرُوجِ الْمَنيِّ مِنْهَا، وَبَيَانِ صِفَةِ مَنيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَة، وَأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب: [٧١٥] (٣١٠) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ

стр. 4259

الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: حَدَّثَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَاقَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ لَهُ، وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ: يَا رَسُولَ الله، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَام، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْم، فَضَحْتِ النِّسَاءَ، تَربَتْ يَمِينُك، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: "بَلْ أَنْت، فَتَربَتْ يَمِينُك، نَعَمْ، فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُليْمٍ إِذَا رَأتْ ذَاكِ (١) "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) أبو حفص الْجُرَشيّ اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجْليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيفٌ؛ لاضطرابه فيه [٥] (ت قبيل ١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. ٤ - (إِسْحَاق بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، نُسب لجدّه الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ حجّةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ ﵁ تقدّم في الحديث الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث بصيغة الإفراد في الأول والأخير، والجمع في الباقيين، وفيه القولُ أيضًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عكرمة، عن إسحاق، ورواية الراوي عن عمّه، فإن أنسًا ﵁ عم لإسحاق، وفيه أنس من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.

стр. 4260

شرح الحديث: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، وقوله: (قَالَ إلخ) تفسير وتوضيح لمعنى "حدّثني" (جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) سهلة، وقيل: غيرها، والدة أنس ﵄، وستأتي ترجمتها في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: ظاهر هذه الرواية يدلّ على أن أنسًا ﵁ كان حاضرًا لهذه الواقعة، لكن الرواية التالية تدلّ على خلافه، حيث إن فيها قوله: "أن أم سُليم حدّثت أنها سألت إلخ"، فإنها ظاهرة في كون أنس أخذه عن أم سُليم، وأظهر منه رواية النسائيّ في "عشرة النساء" بسند صحيح، عن أنس، عن أمه أم سليم أنها سألت رسول الله ﷺ … الحديث، فهذا أظهر في كون أنس رواه عن أمه، فالظاهر أن كونه من مسندها أقوى، وسيأتي قريبًا أن أبا حاتم: أعلّ الحديث بالإرسال - إن شاء الله تعالى -. (وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَاقَ) الراوي عن أنس؛ لأنها أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ لَهُ، وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال (يَا رَسُولَ الله، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا) موصولة بمعنى الذي (يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ)، أي في حال نومه أي من مجامعته لزوجته (فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ؟)، تعني أنها رأت في نومها أن زوجها جامعها، ونحو ذلك، مثل ما يرى الرجل في نومه من جماع زوجته ونحوه، وعائد الصلة محذوف، أي يراه، وهذا الحذف كثير في كلامهم، كما قال في "الخلاصة": .......................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ" مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ" ويحتمل أن تكون "ما" موصولًا حرفيًّا، أي مثل رؤيا الرجل، فلا تحتاج إلى عائد، وجملة "يرى" إما حالٌ من المرأة، أو وصف له على ما تقدّم من التوجيه. وقد جاء التصريح بالمكنيّ عنه هنا في رواية أحمد في "مسنده": "أنها قالت: يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يُجامعها في المنام، أتغتسل؟ … ؟ " الحديث، وفي الروايات الآتية ذكره بلفظ الاحتلام، وإنما

стр. 4261

شبّهت ذلك بما يراه الرجل؛ لاشتهاره عندهم حتى لا يُستحيا من ذكره فيما بينهم بخلاف النساء، فيستحيين من ذكره. (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) هذا صريح في أن المنكرة على أم سُليم هي عائشة ﵂، وسيأتي قريبًا أن المنكرة هي أم سلمة ﵂ وهو الراجح، كما سيأتي تحقيقه، والله تعالى أعلم. (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَضَحْتِ النِّسَاءَ)، أي كشفت عيوبهنّ، قال الفيّوميّ ﵀: الفَضِيحة: العيبُ، والجمع فضائح، وفَضَحتُهُ فَضْحًا، من باب نَفَعَ: كشفتُهُ، وفي الدعاء: "لا تفضحنا بين خلقك"، أي استُر عيوبنا، ولا تكشفها، ويجوز أن يكون المعنى: اعصِمْنا حتى لا نَعْصِيَ، فنستحِقّ الكشفَ. انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "فضحت النساء"، أي كشفت من أسرارهنّ، وما يكتُمن من الحاجة إلى الرجال، ورؤية الأحلام؛ إذ هو فيهنّ قليل، ولذلك قالت: "أوَ تجد المرأة"، لا سيّما عائشة؛ لصغر سنّها، وكونها مع بعلها، وقد يكون ذلك لما صَرَّحت به من ذلك، ولم تستحِ في الحقّ فيه. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: معنى "فضَحتِ النساء": حَكَيتِ عنهنّ أمرًا يُستحيا من وصفهنّ به، ويكتمنه، وذلك أن نزول المنيّ منهنّ يدل على شدة شهوتهن للرجال. انتهى (٣). وقال في "الفتح": وهذا يدلّ على أن كتمان مثل ذلك من عادتهن؛ لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال، وقال ابن بطّال: فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن، وعكسه غيره، فقال: فيه دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن، والظاهر أن مراد ابن بطال الجواز، لا الوقوع، أي فيهنّ قابلية ذلك. انتهى (٤). (تَرِبَتْ يَمِينُكِ) أي افتقرت، يقال: تَرِب الرجل بكسر الراء، من باب

стр. 4262

تَعِبَ: إذا افتقر، كأنه لَصِقَ بالتراب، فهو تَرِبٌ، وأترب بالألف لغة فيهما، قاله الفيّوميّ (١). وقال ابن الأثير ﵀: تَرِبَ الرجلُ: إذا افتقر، أي لَصِقَ بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، كما يقولون: قاتله الله. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: قولها: "تربت يمينك" فيه خلاف كثير منتشر جدًّا للسلف والخلف من الطوائف كلها، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون في معناه أنها كلمة أصلها افتقرت، ولكن العرب اعتادت استعمالها غيرَ قاصدة حقيقة معناها الأصليّ، فيذكرون تربت يداك، وقاتله الله ما أشجعه، ولا أم له، ولا أب لك، وثكلته أمه، وويلُ أمه، وما أشبه هذا من ألفاظهم، يقولونها عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، أو الذمّ عليه، أو استعظامه، أو الحثّ عليه، أو الإعجاب به. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: "تَرِبت يمينك": أي افتقرت، قال الهرويّ: تَرِب الرجل: إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفي "الصحاح": تَرِب الشيءُ بالكسر: أصابه التراب، ومنه تَرِب الرجل: افتقر، كأنه لَصقَ بالتراب، قال: وأترب الرجلُ: استغنى، كأنه صار ماله من الكثرة بقدر التراب، وتأوّل مالك قوله ﷺ لعائشة: "تربت يمينك" بمعنى الاستغناء، وكذلك عيسى بن دينار، وقال ابن نافع: معناه: ضعُف عقلُك، وقال الأصمعيّ: معناه الْحَضُّ على تعلّم مثل هذا، كما يقال: انْجُ ثَكِلتك أمُّك، وقيل: "تَرِبت" أصابها التراب، ولم يُرد الفقر. والصحيح أن هذا اللفظ، وشبهه يجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء به، وهذا مذهب أبي عُبيد في هذه الكلمات، وما شابهها، وقد أحسن البديع في رسائله، وأوضح هذا المعنى، فقال: وقد يوحش اللفظ، وكلُّه وُدّ، ويُكره الشيء، وما من فعله بُدّ، هذه

стр. 4263

العرب تقول: لا أبا لك للشيء إذا أهمّ، وقاتله الله، ولا يريدون به الذمّ، وويلُ أمه للأمر إذا تمّ، وللألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء، وإن خَشُن، وإن كان عدوًّا فهو البلاء، وإن حسُن. قال القرطبيّ: وعلى تقدير كونه دعاء على أصله، مقصودًا للنبيّ ﷺ على بُعده، فقد أخرج الشيخان عن النبيّ ﷺ قال: "اللهم فأيما مؤمن سببته، فاجعل ذلك له قربةً إليك يوم القيامة"، لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم: "اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاةً ورحمةً" (١). وإنكار عائشة وأم سلمة على أم سُليم قضيّة احتلام النساء تدلّ على قلّة وقوعه منهنّ. (فَقَالَ) ﷺ (لِعَائِشَةَ: "بَلْ أَنْتِ) "بل" للإضراب الإبطاليّ، فهو ﷺ أبطل قول عائشة لأم سُليم: تربت يمينك، ثم قال لها ما أبطله عن أم سليم، و"أنت" مبتدأ محذوف الخبر، أي أنت أحقّ أن يقال لك ذلك. (فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ) الفاء فصيحيّة أفصحت عن جواب شرط مقدّر، أي إذا لم تستحقّ هي الإنكار، وكنت أنت أحقّ به، فتربت يمينك، ويحتمل أن يكون "أنت" مبتدأ، وجملة "فتربت يمينك" خبره، والفاء زائدة. وقال النوويّ ﵀: معناه أنتِ أحقّ أن يقال لك هذا، فإنها فَعَلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها، فلم تستحقّ الإنكار، واستحقَقْتِ أنتِ الإنكار؛ لإنكارك ما لا إنكار فيه. انتهى. وقال القاضي عياض ﵀: هذا يَحْتَمِل وجهين، إن كانت عائشة ﵂ قالت ذلك لأم سُليم على الذمّ والدعاء لَمّا فَضَحَت النساء، فقابلها النبيّ ﷺ بذلك، أي أنتِ أحقّ أن يقال لك هذا، إذ فَعَلَتْ هي ما يَجِبُ عليها من السؤال عن دينها، فلم تستوجب الإنكار، واستوجبتِهِ أنتِ بإنكارك ما لا يجوز إنكاره.

стр. 4264

قال: وقد وقع في كتاب مسلم من رواية السمرقنديّ، والطبريّ قولها: "تربت يمينك خير"، كذا هو بالياء المثنّاة من تحتُ، ضدّ الشرّ، كأنه فسّر معناه، وأنه لم يُرد سبّها، وعند بعض رواة ابن ماهان: "خبر" بفتح الباء الموحّدة، وليس بشيء. انتهى كلام القاضي (١). وتعقّب النوويّ ﵀ قوله: وليس بشيء، فقال: بل كلاهما صحيح، فالأول معناه: لم تُرِد بهذا شَتْمًا، ولكنها كلمة تَجرِي على اللسان، ومعنى الثاني: أن هذا ليس بدعاء، بل هو خبر لا يراد حقيقته. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: لفظ "خير" سواء ضبطناها بالياء، أو بالباء لا تزال غامضة، والله تعالى أعلم. (نَعَمْ) جوابٌ منه ﷺ لأمّ سُليم ﵂ وقد تقدّم معناها، والفرق بينهما، وبين "بلى"، قريبًا، فلا تنس نصيبك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ") وفي نسخة: "ذلك"، أي الماء، يعني أنه يجب عليها أن تغتسل إذا رأت بعد استيقاظها ما يراه الرجل، وخرج منها ما يخرج منه، وهو المنيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٧١٥] (٣١٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٩٥)، وفي "الكبرى" (٢٠٢) و (٨٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قد أعلّ الإمام الناقد أبو حاتم الرازيّ هذا الإسناد، فقال ابنه في "علل الحديث" (١/ ١٦٢ - ١٦٣): سمعت أبي، وذكر حديثًا، رواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي

стр. 4265

طلحة، عن أنس، قال: جاءت أم سليم، وهي جدّة إسحاق إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، المرأة تَرَى ما يرى الرجل في المنام بأنّ زوجها جامعها، أتغتسل؟، فقال رسول الله ﷺ : "إذا وجدت الماء فلتغتسل". ورَوَى الأوزاعيّ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن جدّته أم سليم، قالت: دَخَلَتْ أمُّ سليم على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ ، فقالت له أم سليم: أرأيت إذا رأت المرأة؟ قال أبي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم سليم مرسلٌ، وعكرمةُ بن عمار رواه عن إسحاق، عن أنس، أن أم سليم، وحديث الأوزاعيّ مرسلًا أشبهُ من الموصول. انتهى بتصرّف يسير. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو حاتم: أن هذا الإسناد رُوي متّصلًا بذكر أنسٍ ﵁ من طريق عكرمة بن عمّار، كما عند المصنّف ﵀ هنا، ورُوي مرسلًا بإسقاط أنس من طريق الأوزاعيّ، كما عند أحمد في "مسنده" (٦/ ٣٧٧)، وروايته المرسلة أشبه بالصواب من رواية عكرمة المتّصلة؛ لأن الأوزاعيّ إمام، وعكرمة متكلّم في حفظه، هذا خلاصة ما أشار إليه. لكن الحديث صحيح من الطرق الآتية وغيرها، فلا يضرّ إرسال هذا الإسناد، فتبصّر. وفوائد الحديث ستأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٦] (٣١١) - (حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيد، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ، أَنها سَأَلَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا (١) مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ، فَلْتَغْتَسِلْ"، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَتْ:

стр. 4266

وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا، أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ"). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبَّاسُ بْنُ الْوَليدِ) بن نصر النَّرْسِيّ (١) - بفتح النون، وسكون الراء، بعدها مهملة - أبو الفضل البصريّ، مولى باهلة، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عبد الواحد بن زياد، ويزيد بن زُريع، ومعتمر بن سليمان، وأبي عوانة، والحمادين، ويحيى القطان، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له النسائيّ بواسطة أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي عاصم، وعبد الله بن أحمد، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم. قال ابن معين: رجلٌ صدوقٌ، وقال في روايةٍ: النَّرْسيّان ثقتان، وما يصلُح عبد الأعلى - يعني ابن حماد - إلا خادمًا لعباس، وهو كَيِّسٌ، وكان من وَلَد نَرْسِيّ بعضِ كُتّاب المعجم، فقالوا: ما نُحِبّ أن نُنْسَب إليه، وقال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه، وكان علي بن المدينيّ يتكلَّم فيه، وقال ابن قانع، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقال غيره: سنة (٣٧). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وله عند البخاريّ ثلاثة أحاديث فقط. [تنبيه]: ضبط عبّاس بن الوليد هذا بالباء الموحدة، والسين المهملة، هو الصواب، وصَحّفه بعض الرواة لكتاب مسلم، فقال: عَيّاش، بالياء المثناة

стр. 4267

تحتُ، والشين المعجمة، وهو غلط صريحٌ؛ لأن عيّاشًا بالمعجمة، هو عياش بن الوليد الرَّقّام البصريّ، ولم يرو عنه مسلم شيئًا، ورَوَى عنه البخاريّ، وأما عباس فهو ابن الوليد البصريّ النَّرْسيّ، وروى عنه البخاريّ ومسلم جميعًا، وهذا مما لا خلاف فيه، وكان غلط هذا القائل وقع له من حيث إنهما مشتركان في الأب والنسب والعصر، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال القاضي عياضٌ ﵀: "عبّاس بن الوليد" كذا للعذريّ، والشنتجاليّ (٢) بباء واحدة، ومهملة، وعند السمرقنديّ: "عيّاش بن الوليد"، والأول الصواب، وكلاهما بصريّان، فأما الأول، فهو النرسيّ، خرّج عنه البخاريّ ومسلم، والثاني هو الرّقّام، تفرّد به البخاريّ. انتهى (٣). ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيْشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان الْيَشكُريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ تقدم في السند الماضي. ٦ - (أُمَّ سُلَيْمٍ) - بنت مِلْحان، أخت أم حَرَام الأنصارية، لها صحبة، واسمها سَهْلَة، ويقَال: رُمَيلة، ويقال: رُمَيثة، ويقال: أُنيثة، ويقال: مُلَيكة، وهي والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة الأنصاريّ، يقال: إنها هي الْغُمَيصاء، أو الرُّميصاء، ثَبَت ذلك في "صحيح البخاريّ"، في حديث ابن المنكدر، عن جابر ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "دخلت الجنةَ، فإذا أنا بالرُّميصاء، امرأة أبي طلحة … "، وفي "صحيح مسلم"، من حديث ثابت، عن

стр. 4268

أنسٍ ﵁، عن النبيّ ﷺ : "دخلت الجنة، فسمعت خَشَفَةً (١)، فقلت: مَن هذا؟ فقالوا: هذه الرُّميصاء"، وفي رواية: "الرُّميصاء بنت مِلْحان، أم أنس بن مالك". رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وعنها ابنها أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعمرو بن عاصم الأنصاريّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فوَلَدت له أنسًا، فلما جاء الله تعالى بالإسلام أسلمت، وعَرَضَتْ على زوجها الإسلام، فغَضِب عليها، وخَرَج إلى الشام، فهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة، خطبها وهو مشركٌ، فأبت عليه إلا أن يُسلم، فأسلم، فوَلدت له غلامًا، كان قد أُعْجِب به، فمات صغيرًا، وأَسِفَ عليه، وقيل: إنه أبو عُمير، صاحب النُّغَير، ثم وَلَدت له عبد الله بن أبي طلحة، فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته وكانوا عشرةً، كلُّهم حُمِل عنه العلم. ورُوي عن أم سليم، قالت: لقد دعا لي رسول الله ﷺ حتى ما أريد زيادةً، ومناقبها كثيرةٌ شهيرةٌ. أخرج لها البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط (٢)، هذا برقم (٣١١)، و (٢٣٣٢) حديث: "يا أم سُليم ما هذا؟ قالت عَرَقُك، أَدُوف به (٣) طيبي"، و (٢٤٨٠) حديث: "اللهم أكثر ماله وولده … " الحديث. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ.

стр. 4269

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، فكلهم بصريون غير أم سليم ﵂ فمدنيّة، وأنسٌ ﵁ مدنيّ، ثم بصريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، وقد صرّح كلّ من سعيد بن أبي عروبة، وقتادة به، فزال عنهم تهمة التدليس. ٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، وأن أم سُليم هذا أول محلّ ذكرها في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عِدّة ما لها فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أنس بن مالك ﵁ (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) هي أمه، وقد تقدّم الخلاف في اسمها (حَدَّثَتْ) هكذا بحذف المفعول، وهو جائز؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة": وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ أي حدّثته، وهذا ظاهر أن أنسًا أخذه عنها، ولم يحضر القصّة. (أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ)، أي عن حكمها من وجوب الاغتسال وعدمه، ففي الرواية التالية: "فهل على المرأة من غُسل إذا احتَلَمت؟ " (تَرَى فِي مَنَامِهَا)، وفي نسخة: "ترى في المنام"، أي في حال نومها (مَا يَرَى الرَّجُلُ؟)، أي في منامه، ففيه الحذف للاكتفاء، وقد صُرّح به في الرواية التالية، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ)، أي المنيّ، وفي رواية النسائيّ: "إذا رأت الماء" (الْمَرْأَةُ، فَلْتَغْتَسِلْ"، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) هكذا هو في الأصول، والصواب أم سلمة، قال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ الجيّاني ﵀ في "كتابه تقييد المهمل": هكذا في أكثر النسخ عن الْجُلُوديّ والكسائيّ: "فقالت أم سُليم"، وكذلك عند ابن ماهان، إلا أنه غُيِّر في بعض النسخ: "فقالت أم سلمة"، جُعِل مكان أم سليم أم سلمة، والمحفوظ من طرُق شَتَّى: "فقالت أم سلمة". انتهى (١). وقال القاضي عياض بعد نقل كلام الجيّاني: وهذا هو الصواب؛ لأن

стр. 4270

السائلة هي أمُّ سليم، والرادّة عليها أمّ سلمة في هذا الحديث، وعائشة في الحديث المتقدم، ويحتمل أن عائشة وأم سلمة كلتاهما أنكرتا عليها، وإن كان أهل الحديث يقولون: الصحيح هنا أم سلمة، لا عائشة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه أهل الحديث من تصحيح كون الرادّ لأم سلمة ﵂ هو الظاهر، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (وَاسْتَحْيَيْتُ) بضمّ التاء للمتكلّم (مِنْ ذَلِكَ)، أي من هذا الكلام الذي سألته أم سليم ﵂؛ لكونه مما يُستحيى منه عادةً. [تنبيه]: جملة "واستحييت من ذلك" مقول "قالت"، ويحتمل أن يكون مقول القول جملة: "وهل يكون هذا؟ "، وجملة "واستحييت" حاليّة معترضة بين القول ومقوله، ويكون "قالت" الثاني مؤكّدًا لوقوع الفصل بالجملة المعترضة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ الآية [البقرة: ٨٩]. (قَالَتْ) أي أم سلمة، كما هو المحفوظ (وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟)، أي رؤية المرأة في النوم الاحتلام، (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : (نَعَمْ)، أي ترى المرأة ذلك، ثم أوضح ثبوت ذلك لها بالدليل الواضح الذي يعترف به كلّ من سمعه، وهو قوله ﷺ : (فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟) الفاء فصيحيّةٌ: أي إذا لم يكن لها منيّ، فمن أين يُشبهها ولدها، و"الشبه" بفتحتين، أو بفتح، فسكون: المشابهة، أي المماثلة بين الولد والمرأة التي ولدته تكون من المنيّ. وقال القرطبيّ ﵀: يُروى بكسر الشين، وسكون الباء، وفتح الشين والباء، لغتان، كما يقال مِثْلٌ، ومَثَلٌ، ومعنى ذلك مفسّرٌ في عائشة، وثوبان ﵄. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أراد بحديث عائشة الحديث الآتي بعد حديث، وبحديث ثوبان الحديث الآتي في الباب التالي. والمعنى: أنه إذا لم يكن للمرأة ماء فبأيّ شيء يُشبهها ولدها؟ يعني أن شبهه بها إنما يكون؛ لكونه مخلوقًا من مائها، والله تعالى أعلم.

стр. 4271

ثم بيّن صفة منيّ الرجل والمرأة، فقال: (إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ)، أي منيّه (غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيق أَصْفَرُ)، أي إذا كان مزاجهما معتدلًا، وإلا فقد يتغيّر الوصفان، قال القرطبيّ ﵀: ما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر، واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض. انتهى (١). (فَمِنْ أَيِّهِمَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "فَمِن أَيِّهما" بكسر الميم، وبعدها نون ساكنةٌ، وهي الحرف المعروف، وإنما ضبطته، لئلا يُصَحَّفَ بِمَنِيٍّ. انتهى (٢). وقال الطيبيّ ﵀: "من" فيه زائدة. انتهى (٣). (عَلَا)، أي فأيّ المنيين غلب فيما إذا وقعا في الرحم معًا (أَوْ سَبَقَ)، أي تقدّم وقوعه في الرحم قبل وقوع المنيّ الآخر، فـ "أو" هنا للتقسيم، لا للشكّ (يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ) ويحتمل أن "من" أصليّة، ويكون التقدير: فمن أي الشخصين: الرجلِ والمرأةِ علا، أي غلب المنيّ، أو سبق يكون منه الشبه. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فمن أيهما علا إلخ"، أي فمن أجل علوّ، أو سبق أحدهما يكون الشبه، وَيَحْتَمِل أن يقال: إن "مِنْ" زائدة على قول بعض الكوفيين: إنها تُزاد في الواجب، بتقدير: "أيُّهما"، ويحتمل أن يكون "أو" شكًّا من أحد الرواة، ويحتمل أن يكون تنويعًا، أي: أيّ نوع كان منهما كان منه الشبه، كما قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا … صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَوْ سَلَاسِلُ أي أحد النوعين لا بُدّ منه. وقوله: "سَبَقَ" أي بادر في الخروج، وقد جاء في غير كتاب مسلم: "سَبَقَ إلى الرحم"، وَيَحْتَمِل أن يكون بمعنى غَلَبَ، من قولهم: سابقني، فسبقته: أي غلبته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، أي مغلوبين، فيكون معناه: كَثُرَ. انتهى (٤).

стр. 4272

وقال القرطبيّ ﵀: مقتضى هذا أن العلوّ يقتضي الشبه، وقد جعل العلوّ في حديث ثوبان ﵁ الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام، والذكورة إن علا منيّ الرجل، وكذلك يلزم إذا علا منيّ المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولا علّة واحدةٍ، وليس الأمر كذلك، بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشَّبَه للأخوال والذكورة، والشَّبَهَ للأعمام والأنوثة، فتعيّن تأويل أحد الحديثين، والذي يتعيّن تأويله العلوّ الذي في حديث ثوبان ﵁، فيقال: إن ذلك العلوّ معناه: سبق الماء إلى الرحم والذكورة، ووجهه أن العلوّ لَمَّا كان معناه الغلبةَ، كما فسّرناه، وكان السابق غالبًا في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيّد هذا التأويل ما يأتي في حديث ثوبان ﵁ أنه قد روي في غير كتاب مسلم: "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا". وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربيّ على اختلاف هذه الأحاديث بناءً، فقال: إن للماءين أربعة أحوال: (الأول): أن يخرج ماء الرجل أوّلًا. (والثاني): أن يخرج ماء المرأة أوّلًا. (والثالث): أن يخرج ماء الرجل أولًا ويكون أكثر. (والرابع): أن يخرج ماء المرأة أوّلًا، ويكون أكثر. ويتمّ التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أوّلًا، ثم يخرج ماء المرأة بعده، فيكون أكثر، أو بالعكس، وبالعكس، فإن خرج ماء الرجل أوّلًا، وكان أكثر جاء الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أوَّلًا، وكان أكثر جاء الولد أنثى، بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرج ماء الرجل أوّلًا، لكن لَمّا خرج ماء المرأة بعده كان أكثر، كان الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة، لكن لَمّا خرج ماء الرجل، وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل، قال: وبانتظام

стр. 4273

هذه الأقسام يستتبّ الكلام، ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه ابن العربيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، إلا أنه يشكل عليه قوله في هذه الرواية: "فمن أيهما علا، أو سبَقَ يكون الشبه"، فقد جعل الشبه بالعلوّ، أو بالسبق. ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إن الذكورة والأنوثة شبهٌ أيضًا باعتبار الجنسيّة، فتكون كثرته مُقتضيةً للشبه في الصورة، وسبقُهُ مقتضيةً للشبه في الجنسيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سُلَيم ﵂ عنها هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٧/ ٧١٦] (٣١١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١١٢)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٩٩) و (٧/ ١٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٦٤) (١/ ١٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٢٩ و ٨٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الغسل على المرأة بالاحتلام، إذا خرج منها المنيّ. ٢ - (منها): إثبات أن المرأة يخرج منها المنيّ، كما يخرج من الرجل، وفيه ردّ على من أنكر بروز الماء من المرأة، وقال: إنما يُعرف إنزالها بانقضاء شهوتها.

стр. 4274

٣ - (ومنها): سؤال المرأة الرجل الأجنبيّ بنفسها في أمر دينها، وإن كان مما يُستحيى منه. ٤ - (ومنها): ترك الاستحياء من عَرَضت له مسألة دينيّة. ٥ - (منها): أن فيه الردّ على من زعم أن الولد يكون من ماء المرأة فقط، وأما ماء الرجل فهو عاقد له، كالإِنْفَحَّة (١) للّبن، فقد أثبت هذا النصّ أنه مخلوقٌ من الماءين، كما قال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ الآية [الإنسان: ٢]، قال ابن عبّاس ﵄ في تفسير هذه الآية: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس (٢). ٦ - (ومنها): استعمال القياس؛ لأن معناه: من كان منه إنزال الماء عند الجماع أمكن منه إنزال الماء عند الاحتلام، فأثبت الإنزال عند الجماع بدليل الشبه، وقاس عليه الإنزال بالاحتلام. ٧ - (ومنها): جواز الضحك في التعجّب. ٨ - (ومنها): زجر من يلوم على من يسأل عما جَهِله، وإن كان مما يُستحيى منه. ٩ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في بيان صفة المنيّ، وهذه صفته في حال السلامة، وفي الغالب، قال العلماء: منيّ الرجل في حال الصحة أبيض ثَخِينٌ، يتدفَّق في خروجه دفقة بعد دفقة، ويَخرُج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، وإذا خرج استعقب خروجُهُ فُتورًا، ورائحته كرائحة طَلْع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العَجِين، وقيل: تشبه رائحته رائحة الفَصِيل، وقيل: إذا يبس كان رائحته كرائحة البول، فهذه صفاته، وقد يُفارقه بعضها مع بقاء ما يَستقلّ بكونه منيًّا، وذلك بأن يَمْرَض، فيصير منيّه رقيقًا

стр. 4275

أصفر، أو يَسترخِي وعاء المنيّ، فيسيل من غير التذاذ وشهوة، أو يَستكثر من الجماع، فيَحْمَرَّ ويصير كماء اللحم، وربما خرج دمًا عَبِيطًا (١)، وإذا خرج المنيّ أحمر، فهو طاهر موجب للغسل، كما لو كان أبيض. ثم إن خواص المني التي عليها الاعتماد في كونه منيًّا ثلاث: [أحدها]: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه. [والثانية]: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع كما سبق. [والثالث]: الخروج بدِفْق، ودَفَعَات، وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيًّا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم يُحكَم بكونه منيًّا، وغَلَب على الظن كونه ليس منيًّا، هذا كله في منيّ الرجل. وأما منيّ المرأة: فهو أصفر رقيق وقد يبيضّ لفضل قوتها، وله خاصيتان، يُعرَف بواحدة منهما: [إحداهما]: أن رائحته كرائحة منيّ الرجل. [والثانية]: التلذذ بخروجه، وفتور شهوتها عقب خروجه، قالوا: ويجب الغسل بخروج المنيّ بأيّ صفة، وحال كان. انتهى كلام النوويّ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ١ - (ومنها): أن فيه إثبات الوراثة، وشبه الولد لأبيه أو أمه، قال بعضهم: وما زال العلم - رغم تقدّمه - عاجزًا عن التحكّم في علوّ ماء الرجل، أو سبقه، وعلوّ ماء المرأة، أو سبقه، بل عاجزًا عن إدراك كيفيّة هذا العلوّ وأسبابه. يقول علماء الطبّ الحديث: إن ثلاثة سنتميترات مكعّبة من منيّ الرجل تحوي مائتين وخمسين مليونًا من الحيوان المنويّ، كلّ حيوان منها يمكن أن يكون جنينًا، ويحمل ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثيّة، ولكلّ عامل من هذه العوامل مكونات داخليّة، تبلغ المائة، وتسمّى بالمورثات. أما الأنثى، فإن مبيضها يقذف ببويضة واحدة كلّ شهر، تحمل هذه البويضة ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثيّة للمرأة أيضًا.
следующие страницы →