← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

ثم بيّن صفة منيّ الرجل والمرأة، فقال: (إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ)، أي منيّه (غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيق أَصْفَرُ)، أي إذا كان مزاجهما معتدلًا، وإلا فقد يتغيّر الوصفان، قال القرطبيّ ﵀: ما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر، واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض. انتهى (١). (فَمِنْ أَيِّهِمَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "فَمِن أَيِّهما" بكسر الميم، وبعدها نون ساكنةٌ، وهي الحرف المعروف، وإنما ضبطته، لئلا يُصَحَّفَ بِمَنِيٍّ. انتهى (٢). وقال الطيبيّ ﵀: "من" فيه زائدة. انتهى (٣). (عَلَا)، أي فأيّ المنيين غلب فيما إذا وقعا في الرحم معًا (أَوْ سَبَقَ)، أي تقدّم وقوعه في الرحم قبل وقوع المنيّ الآخر، فـ "أو" هنا للتقسيم، لا للشكّ (يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ) ويحتمل أن "من" أصليّة، ويكون التقدير: فمن أي الشخصين: الرجلِ والمرأةِ علا، أي غلب المنيّ، أو سبق يكون منه الشبه. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فمن أيهما علا إلخ"، أي فمن أجل علوّ، أو سبق أحدهما يكون الشبه، وَيَحْتَمِل أن يقال: إن "مِنْ" زائدة على قول بعض الكوفيين: إنها تُزاد في الواجب، بتقدير: "أيُّهما"، ويحتمل أن يكون "أو" شكًّا من أحد الرواة، ويحتمل أن يكون تنويعًا، أي: أيّ نوع كان منهما كان منه الشبه، كما قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا … صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَوْ سَلَاسِلُ أي أحد النوعين لا بُدّ منه. وقوله: "سَبَقَ" أي بادر في الخروج، وقد جاء في غير كتاب مسلم: "سَبَقَ إلى الرحم"، وَيَحْتَمِل أن يكون بمعنى غَلَبَ، من قولهم: سابقني، فسبقته: أي غلبته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، أي مغلوبين، فيكون معناه: كَثُرَ. انتهى (٤).

стр. 4272

وقال القرطبيّ ﵀: مقتضى هذا أن العلوّ يقتضي الشبه، وقد جعل العلوّ في حديث ثوبان ﵁ الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام، والذكورة إن علا منيّ الرجل، وكذلك يلزم إذا علا منيّ المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولا علّة واحدةٍ، وليس الأمر كذلك، بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشَّبَه للأخوال والذكورة، والشَّبَهَ للأعمام والأنوثة، فتعيّن تأويل أحد الحديثين، والذي يتعيّن تأويله العلوّ الذي في حديث ثوبان ﵁، فيقال: إن ذلك العلوّ معناه: سبق الماء إلى الرحم والذكورة، ووجهه أن العلوّ لَمَّا كان معناه الغلبةَ، كما فسّرناه، وكان السابق غالبًا في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيّد هذا التأويل ما يأتي في حديث ثوبان ﵁ أنه قد روي في غير كتاب مسلم: "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا". وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربيّ على اختلاف هذه الأحاديث بناءً، فقال: إن للماءين أربعة أحوال: (الأول): أن يخرج ماء الرجل أوّلًا. (والثاني): أن يخرج ماء المرأة أوّلًا. (والثالث): أن يخرج ماء الرجل أولًا ويكون أكثر. (والرابع): أن يخرج ماء المرأة أوّلًا، ويكون أكثر. ويتمّ التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أوّلًا، ثم يخرج ماء المرأة بعده، فيكون أكثر، أو بالعكس، وبالعكس، فإن خرج ماء الرجل أوّلًا، وكان أكثر جاء الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أوَّلًا، وكان أكثر جاء الولد أنثى، بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرج ماء الرجل أوّلًا، لكن لَمّا خرج ماء المرأة بعده كان أكثر، كان الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة، لكن لَمّا خرج ماء الرجل، وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل، قال: وبانتظام

стр. 4273

هذه الأقسام يستتبّ الكلام، ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه ابن العربيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، إلا أنه يشكل عليه قوله في هذه الرواية: "فمن أيهما علا، أو سبَقَ يكون الشبه"، فقد جعل الشبه بالعلوّ، أو بالسبق. ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إن الذكورة والأنوثة شبهٌ أيضًا باعتبار الجنسيّة، فتكون كثرته مُقتضيةً للشبه في الصورة، وسبقُهُ مقتضيةً للشبه في الجنسيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سُلَيم ﵂ عنها هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٧/ ٧١٦] (٣١١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١١٢)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٩٩) و (٧/ ١٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٦٤) (١/ ١٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٢٩ و ٨٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الغسل على المرأة بالاحتلام، إذا خرج منها المنيّ. ٢ - (منها): إثبات أن المرأة يخرج منها المنيّ، كما يخرج من الرجل، وفيه ردّ على من أنكر بروز الماء من المرأة، وقال: إنما يُعرف إنزالها بانقضاء شهوتها.

стр. 4274

٣ - (ومنها): سؤال المرأة الرجل الأجنبيّ بنفسها في أمر دينها، وإن كان مما يُستحيى منه. ٤ - (ومنها): ترك الاستحياء من عَرَضت له مسألة دينيّة. ٥ - (منها): أن فيه الردّ على من زعم أن الولد يكون من ماء المرأة فقط، وأما ماء الرجل فهو عاقد له، كالإِنْفَحَّة (١) للّبن، فقد أثبت هذا النصّ أنه مخلوقٌ من الماءين، كما قال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ الآية [الإنسان: ٢]، قال ابن عبّاس ﵄ في تفسير هذه الآية: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس (٢). ٦ - (ومنها): استعمال القياس؛ لأن معناه: من كان منه إنزال الماء عند الجماع أمكن منه إنزال الماء عند الاحتلام، فأثبت الإنزال عند الجماع بدليل الشبه، وقاس عليه الإنزال بالاحتلام. ٧ - (ومنها): جواز الضحك في التعجّب. ٨ - (ومنها): زجر من يلوم على من يسأل عما جَهِله، وإن كان مما يُستحيى منه. ٩ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في بيان صفة المنيّ، وهذه صفته في حال السلامة، وفي الغالب، قال العلماء: منيّ الرجل في حال الصحة أبيض ثَخِينٌ، يتدفَّق في خروجه دفقة بعد دفقة، ويَخرُج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، وإذا خرج استعقب خروجُهُ فُتورًا، ورائحته كرائحة طَلْع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العَجِين، وقيل: تشبه رائحته رائحة الفَصِيل، وقيل: إذا يبس كان رائحته كرائحة البول، فهذه صفاته، وقد يُفارقه بعضها مع بقاء ما يَستقلّ بكونه منيًّا، وذلك بأن يَمْرَض، فيصير منيّه رقيقًا

стр. 4275

أصفر، أو يَسترخِي وعاء المنيّ، فيسيل من غير التذاذ وشهوة، أو يَستكثر من الجماع، فيَحْمَرَّ ويصير كماء اللحم، وربما خرج دمًا عَبِيطًا (١)، وإذا خرج المنيّ أحمر، فهو طاهر موجب للغسل، كما لو كان أبيض. ثم إن خواص المني التي عليها الاعتماد في كونه منيًّا ثلاث: [أحدها]: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه. [والثانية]: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع كما سبق. [والثالث]: الخروج بدِفْق، ودَفَعَات، وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيًّا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم يُحكَم بكونه منيًّا، وغَلَب على الظن كونه ليس منيًّا، هذا كله في منيّ الرجل. وأما منيّ المرأة: فهو أصفر رقيق وقد يبيضّ لفضل قوتها، وله خاصيتان، يُعرَف بواحدة منهما: [إحداهما]: أن رائحته كرائحة منيّ الرجل. [والثانية]: التلذذ بخروجه، وفتور شهوتها عقب خروجه، قالوا: ويجب الغسل بخروج المنيّ بأيّ صفة، وحال كان. انتهى كلام النوويّ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ١ - (ومنها): أن فيه إثبات الوراثة، وشبه الولد لأبيه أو أمه، قال بعضهم: وما زال العلم - رغم تقدّمه - عاجزًا عن التحكّم في علوّ ماء الرجل، أو سبقه، وعلوّ ماء المرأة، أو سبقه، بل عاجزًا عن إدراك كيفيّة هذا العلوّ وأسبابه. يقول علماء الطبّ الحديث: إن ثلاثة سنتميترات مكعّبة من منيّ الرجل تحوي مائتين وخمسين مليونًا من الحيوان المنويّ، كلّ حيوان منها يمكن أن يكون جنينًا، ويحمل ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثيّة، ولكلّ عامل من هذه العوامل مكونات داخليّة، تبلغ المائة، وتسمّى بالمورثات. أما الأنثى، فإن مبيضها يقذف ببويضة واحدة كلّ شهر، تحمل هذه البويضة ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثيّة للمرأة أيضًا.

стр. 4276

ويتكوّن الجنين باختراق حيوان منويّ واحد جدار البويضة، واستقراره فيها، وهنا تلتقي العوامل الوراثية للذكر بالعوامل الوراثيّة للأنثى، فتعلو وتغلب إحداهما الأخرى. ولا يتنافى هذا التشريع الطبيّ مع أحاديثنا التي تُثبت للمرأة ماءً، ولا مع تفسير المفسّرين لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] حيث قالوا: من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، فإن منيّ الرجل الذي يتم تكوينه في الخصية مرّ بالصلب كمرحلة من مراحله، وإن بويضة المرأة التي تتكون في المهبل هي في أصلها ماء يخرج من بين ترائب المرأة، كمرحلة من مراحله. إن الطب لا ينكر أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل، ولا يُنكر أن المرأة تفرز عند شهوتها ماء رقيقًا أصفر، وإن قال: إن اللقاح يتم عن طريق البويضة. لقد كان الهنود قبل المسيحيّة يعتقدون أن الأب هو عامل التكوين في إيجاد الطفل؛ إذ يضع البذرة في بطن المرأة، وأن المرأة ليست أكثر من حقل لإنماء هذه البذرة، وأخذ عنهم المصريون القدامى هذه الفكرة، وتأثر بهم كذلك اليونان والرومان، وكان هذا هو الشائع حين سأل اليهود رسول الله ﷺ ، ولهذا قال: "لا يعلمه إلا نبيّ، أو رجلٌ أو رجلان"، وكان جوابه ﷺ دليلًا على صدقه، بل إن أوربا لم تكتشف مشاركة ماء المرأة ماء الرجل في تكوين الجنين إلا عام (١٦٦٧ م) حين اكتشف عالم التشريح الفلورنسي "ستينو" البويضة عند المرأة، ثم تابع العلم اكتشافات وراثة الطفل لأبويه في الصفات، ولكنه كعادته حين يعجز عن إدراك الطريقة والسبب يعزو الأمر إلى الصدفة. يقول الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس بجامعة دمشق: أما الثلاثة والعشرون صبغيًا - أي عاملًا وراثيًّا - الموجودة في النطفة، والتي ستلتقي بالثلاثة والعشرين صبغيًا الأخرى الموجودة في البويضة، والتي ستكون المخلوق الجديد، فأمرها متروك للصدفة مرّة أخرى، وهكذا تكون قوانين الوراثة قوانين متصلة بالصدفة في تجمع الصبغيات في كل بويضة أو نطفة. اهـ. ولكن الإسلام يقول: إن علوّ عوامل الوراثة في ماء الرجل وغلبتها لمثيلاتها عند المرأة مرتبط بعلم الله تعالى، ومشيئته جلّت قدرته: ﴿يَخْلُقُ مَا

стр. 4277

يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] و ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في حكم الاحتلام: قال أبو بكر بن المنذر ﵀: دلَّت الأخبار عن النبيّ ﷺ بإيجاب الاغتسال على من احتلم. وممن رُوي عنه أنه قال: "على المرأة الغسل بالاحتلام" عليّ، وذرّ الهمدانيّ، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم أني حفظت في ذلك اختلافًا إلا شيئًا، رُوي عن النخعيّ، رَوَينا عنه أنه قال - وقد سئل عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، أتغتسل؟ - فقال: إنما الحيض على النساء، والحلُمُ على الرجال، قال ابن المنذر: وبالخبر عن النبيّ ﷺ أقول. وقال أيضًا: أجمع كلُّ من أَحفَظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم، أو جامع، ولم يجد بَلَلًا أنه لا غسل عليه. واختَلَفوا فيمن رأى بِلّةً، ولم يذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل، رُوي هذا القول عن ابن عباس، وعطاء، والشعبيّ، وابن جبير، والنخعيّ، وقال أحمد: أَعْجَب إليّ أن يغتسل إلا رجل به أَبْرِدةٌ، وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بِلّةَ نُطفَة. ورَوَينا عن الحسن أنه قال: إن كان انتشر إلى أهله من أول الليل، فوجد بِلّةً فهو من ذلك، فلا يغتسل، وإن لم يكن انتشر إلى أهله، فوجد بِلّةً، فليغتسل، وقول الحسن هذا قول ثان. وقالت طائفة: لا يغتسل حتى يُوقِن بالماء الدافق، هكذا قال مجاهد، وقال الحكم: لا يغتسل، وقال قتادة: إذا كان ماء دافقًا اغتسل، فقلت لقتادة: كيف يَعلَم ذلك؟ قال: يشمه.

стр. 4278

وقال مالك: إذا وجد بِلّةً لا يغتسل، إلا أن يجد الماء الدافق، وقال الشافعيّ: إذا شك أنزل أو لم ينزل، لم يجب عليه غسل، حتى يستيقن الإنزال، وهذا قول أبي يوسف. قال ابن المنذر: وقد روينا عن النبيّ ﷺ في هذا الباب حديثًا، وقد تُكُلِّم في إسناده، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عُمر، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة: أن النبيّ ﷺ سئل، فقال: إن أحدنا يَرَى أنه قد أصاب امرأته في النوم، ولا يجد بللًا، قال: "لا يغتسل، وقال: إن وجد ماءً، ولم ير شيئًا فليغتسل". قال ابن المنذر: عبد الله بن عمر كان يحيى القطان يضعفه، يعني أن الحديث ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عمر العمريّ، لأنه سيئ الحفظ. قال ابن المنذر: فمن رأى بللًا فإن أيقن أنه بِلَّة نطفة اغتسل، وإن عَلِم أنه مذي، أو غيره، بعد أن يعلم أن البلة ليست ببلة نطفة، لم يجب عليه الاغتسال، والأحوط له إذا شك، فلم يدر بِلّة نطفة أو مذي، أن يغتسل، فإن أمكنه التمييز بينها بشَمٍّ، كما قال قتادة فَعَل، فإن رائحة نطفة الرجل يشبه رائحة الطلع. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره ابن المنذر: هو الذي يترجّح عندي (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: في الرجل يأتي المرأة دون الفرج، فيَدخُل من مائه في فرجها، قالت طائفة: عليها الغسل، قال عطاء، وعمرو بن شعيب، والزهريّ كذلك. قال ابن المنذر: ولا أجد دلالةً أوجب عليها الغسل لدخول ماء الرجل في فرجها.

стр. 4279

قال: واختلفوا في المرأة يَخرُج من فرجها ماء الرجل بعد الاغتسال، فكان الأوزاعيّ يقول: تتوضأ، وكذلك قال قتادة، وأحمد، وإسحاق، وقال الحسن: تغتسل. قال ابن المنذر: تتوضأ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما رجحه ابن المنذر في المسألتين هو الذي يترجّح عندي؛ لوضوح حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٧] (٣١٢) - (حَدَّثنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدثنَا صَالِحُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ؟ فَقَالَ: "إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ فَلْتَغْتَسِلْ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) - بالتصغير - الهاشميّ مولاهم الْخُوَارزميّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٢ - (صَالِحُ بْنُ عُمَرَ) الواسطيّ، نزيل حُلْوَان، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن أبي خَلْدَة، خالد بن دينار، وداود بن أبي هند، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم. وروى عنه يونس بن محمد المؤدِّب، وداود بن رُشيد، وأبو معمر القَطِيعيّ، وعلي بن حجر، وأحمد بن إبراهيم الموصليّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة، وقال أسلم في "تاريخ واسط": ثنا أسد بن الحكم، سمعت يزيد بن هارون، أنا صالح بن عمر، وكان ثقةً، وأحسن الثناء عليه،

стр. 4280

وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات"، وقال ابن معين: هو ثقةٌ، وقال ابن خلفون: وَثّقَه ابن نمير وغيره، وقال ابن الأعرابي في "معجمه": صالح بن عمر ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاريّ في "تاريخه": مات سنة (٦) أو (١٨٧)، وكذا قال ابن حبّان، وقال أسلم في "تاريخ واسط": قال زحمويه: تُوُفّي سنة (٥). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ) سَعْد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود سنة (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٣٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) هي أمه أمّ سُليم، كما بيّنتها الروايات الأخرى، وقال صاحب "التنبيه": هذا السؤال صدر عن جماعة من الصحابيّات، منهنّ أمّ سُليم كما في مسلم قبل هذا، وخولة بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه، وفي سنده عليّ بن زيد بن جُدعان، كذا قاله ابن الملقّن، وهذا الحديث في أصلنا بابن ماجه، وهو أصلٌ مُعتمدٌ، وقد عزاه ابن القيّم في: إعلام الموقّعين" إلى "مسند أحمد"، وعزاه المزيّ أيضًا إلى (ق س) كلاهما في "الطهارة"، ولعلّه سقط من أصلنا. وبُسْرة بنت صفوان، وحُجته في "مسند ابن أبي شيبة"، وسَهلة بنت سُهيل، رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، وفي سنده ابن لَهِيعة. انتهى كلام صاحب "التنبيه" (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذه المرأة المبهمة في هذه الرواية الظاهر أنها أم سُليم، كما أسلفته، لأنها من رواية أنس ﵁، والسائلات الأخر لم يرو عنهم أنس، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ("إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ فَلْتَغْتَسِلْ") معناه: إذا خرج منها المنيّ

стр. 4281

فلتغتسل، كما أن الرجل إذا خرج منه المنيّ اغتسل، وهذا من حسن العِشْرة، ولُطْف الخطاب، واستعمال اللفظ الجميل موضع اللفظ الذي يُستحيا منه في العادة، قاله النوويّ ﵀ (١)، وتمام شرح الحديث تقدّم فيما قبله. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٧/ ٧١٧] (٣١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٣٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧٠٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٨] (٣١٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أَمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَىَ الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللْهِ ﷺ : "نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ"، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ الله، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: "تَرِبَتْ يَدَاك، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الحافظ الإمام المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ الفقيه، تقدّم قريبًا.

стр. 4282

٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام المدنيّ الفقيه الحجة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد، ربيبة النبيّ ﷺ ، تقدّمت قريبًا أيضًا. ٦ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة المخزوميّة، أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قريبًا أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، وأبو معاوية كوفيّ، ويحيى نيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ على القول بأن زينب تابعيّة، وصحابيّة عن صحابيّة هي أمها على القول الآخر، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) وهكذا في رواية البخاريّ في "كتاب الغسل"، نُسبت إلى أبيها، وفي رواية له في "كتاب العلم": "عن زينب بنت أم سلمة"، نُسِبت إلى أمها، واسم أبيها عبد الله بن عبد الأسد الصحابيّ الجليل ﵁. قال في "الفتح": وقد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث من طُرُق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، ورواه مسلم أيضًا من رواية الزهريّ، عن عروة، لكن قال: عن عائشة، وفيه أن المراجعة وقعت بين أم سليم وعائشة، ونَقَل القاضي عياض عن أهل الحديث أن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة، لا لعائشة، وهذا يقتضي ترجيح رواية هشام، وهو ظاهر صنيع البخاريّ، لكن نَقَل ابن عبد البرّ، عن الذُّهْليّ أنه صحح الروايتين، وأشار أبو داود إلى تقوية

стр. 4283

رواية الزهريّ؛ لأن مسافع (١) بن عبد الله تابعه عن عروة، عن عائشة. وأخرج مسلم أيضًا رواية مسافع، وأخرج أيضًا من حديث أنس قال: "جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ ، فقالت له، وعائشة عنده … فذكر نحوه. ورَوَى أحمد من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن جدّته أم سليم، وكانت مُجاوِرةً لأم سلمة، فقالت أم سليم: يا رسول الله … فذكر الحديث، وفيه أن أم سلمة هي التي راجعتها، وهذا يُقَوِّي رواية هشام. قال النوويّ في "شرح مسلم": يَحْتَمِلُ أن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سليم، وهو جمع حسن؛ لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة، وعائشة، عند النبيّ ﷺ في مجلس واحد. وقال في "شرح المهذب": يُجمع بين الروايات بأن أنسًا، وعائشة، وأم سلمة، حضروا القصّة. انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أن أنسًا لم يحضر القصّة، وإنما تَلَقَّى ذلك من أمه أم سليم، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس ما يشير إلى ذلك، يعني الحديث المذكور قبل حديث، ففيه قوله: "أن أم سُليم حَدَّثت". ورَوَى أحمد من حديث ابن عمر نحو هذه القصة، وإنما تَلَقَّى ذلك ابن عمر من أم سليم، أو غيرها. وقد سألت عن هذه المسألة أيضًا خولة بنت حكيمٍ، عند أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وفي آخره: "كما ليس على الرجل غُسل إذا رأى ذلك، فلم يُنْزِل"، وسهلة بنت سهيل عند الطبرانيّ، وبُسْرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبة. انتهى ما في "الفتح" (٢)، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا. (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين ﵂ أنها: (قَالَتْ: جَاءَتْ أَمُّ سُلَيْم) واسمها سهلة، وقيل: غيرها ﵂ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) تقدّم أن فيه لغتين:

стр. 4284

استحييت منه، بياءين، وهي لغة الحجاز، وبها جاء القرآن، واستحيتُ بياء واحدة، وهي لغة تميم، والاستحياء: هو الانقباض، والانزواء. وإنما قَدَّمت هذا القول تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يُستَحيَى منه، والمراد بالحياء هنا معناه اللغويّ؛ إذ الحياء الشرعى خير كلُّهُ، وقد تقدم في كتاب الإيمان: أن الحياء لغةً تغيُّرٌ، وانكسار، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فيُحْمَل هنا على أن المراد أن الله لا يأمر بالحياء في الحقّ، أو لا يَمنَع من ذكر الحق، وقد يقال: إنما يُحتاج إلى التأويل في الإثبات، ولا يشترط في النفي أن يكون ممكنًا، لكن لَمّا كان المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحقّ عاد إلى جانب الإثبات، فاحتيج إلى تأويله، قاله ابن دقيق العيد (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن الحياء صفة من صفات الله ، ثابتة له، كما أثبتتها النصوص الصحيحة الصريحة، ولا يلزم من إثباتها له أن تفسّر بمعنى الحياء الذي يُفسّر به الحياء المنسوب إلى الخلق، وإنما هي صفة لائقة بجلاله ، لا تعلم كيفيّتها، وإنما احتاج ابن دقيق العيد وغيره إلى نفيها عن الله تعالى؛ لأنهم حملوها على الحياء المضاف إلى الخلق. وبالجملة فالحياء صفة ثابتة لله تعالى، على ما يليق بجلاله، بلا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى أعلم بالصواب. وقال النوويّ ﵀: وإنما قالت هذا اعتذارًا بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه، مما تَستَحِي النساء في العادة من السؤال عنه، وذكرِهِ بحضرة الرجال، ففيه أنه ينبغي من عَرَضت له مسألة أن يسأل عنها، ولا يَمتنع من السؤال حياءً من ذكرها، فإن ذلك ليس بحياء حقيقيّ؛ لأن الحياء خيرٌ كلُّه، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير، بل هو شَرّ، فكيف يكون حياءً؟ وقد تقدم إيضاح هذه المسألة في أوائل "كتاب الإيمان"، وقد قالت عائشة ﵂: "نِعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياءُ

стр. 4285

أن يتفقهن في الدين". انتهى (١). (فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) "من" زائدة، وقد سقطت في رواية البخاريّ في "كتاب الأدب" (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) الاحتلام: افتعالٌ من الْحُلُم - بضم المهملة، وسكون اللام - وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حَلَمَ - بالفتح - واحتلم، والمراد به هنا أمر خاصّ منه، وهو الجماع، وفي رواية أحمد من حديث أم سليم، أنها قالت: يا رسول الله، إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) مجيبًا لها ("نَعَمْ) تغتسل (إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ")، أي المنيّ بعد الاستيقاظ، وفي رواية الحميديّ، عن سفيان، عن هشام: "إذا رأت إحداكنّ الماء، فلتغتسل". (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) ﵂ (يَا رَسُولَ الله، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟) بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية للبخاريّ: فقالت أم سلمة: وهل تحتلم المرأة؟، قال في "الفتح": وكذلك رَوَى هذه الزيادة أصحاب هشام عنه، غير مالك، فلم يذكرها، وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي معاوية، عن هشام: "أوَ تحتلم المرأة"؟، وهو معطوف على مُقَدَّر يظهر من السياق: أي أترى المرأة الماء، وتحتلم؟، وفيه: "فغَطّت أم سلمة وجهها"، وفي رواية من طريق يحيى القطان، عن هشام: "فَضَحِكت أم سلمة". ويُجمَع بينهما - قال الحافظ ﵀ بأنها تبسمت تعجبًا، وغَطَّت وجهها حياءً، ويأتي للمصنّف في الرواية التالية من طريق وكيع، عن هشام: "قالت: قلت: فَضحْتِ النساء"، وكذا لأحمد من حديث أم سليم. وفيه دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال ونَفَى ابن بطال الخلاف فيه، لكن قدّمناه عن النخعيّ (٢). وكأن أم سليم ﵂ لم تسمع حديث: "الماءُ من الماء"، أو سمعته، وقام عندها ما يوهم خروج المرأة عن ذلك، وهو ندور بروز الماء منها.

стр. 4286

وقد رَوَى أحمد من حديث أم سليم في هذه القصة: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، وهل للمرأة ماء؟ فقال: "هنّ شقائق الرجال". وروى عبد الرزاق في هذه القصة: "إذا رأت إحداكنّ الماء كما يراه الرجل". وروى أحمد من حديث خولة بنت حكيم في نحو هذه القصة: "ليس عليها غسل حتى تُنزل كما ينزل الرجل". وفيه رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يُعرَف إنزالها بشهوتها، وحَمَل قوله: "إذا رأت الماء"، أي عَلِمت به؛ لأن وجود العلم هنا متعذّرٌ؛ لأنه إذا أراد به علمها بذلك، وهي نائمة، فلا يَثْبُت به حكم؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع، وعَلِم أنه أنزل في النوم، ثم استيقظ فلم ير بللًا، لم يجب عليه الغسل اتفاقًا، فكذلك المرأة، وإن أراد به علمها بذلك بعد أن استيقظت، فلا يصحّ؛ لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إن كان مشاهدًا، فحمل الرؤية على ظاهرها هو الصواب. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ : ("تَرِبَتْ يَدَاكِ)، أي افتَقَرَتْ، وصارت على التراب، وهي من الألفاظ التي تُطلق عند الزجر، ونحوه، ولا يُراد بها ظاهرها، وقد تقدّم تمام البحث فيها قريبًا، (فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ ") الباء سببيّة، أي فبأيّ سبب يُشبهها ولدها؟، و"ما" استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها؛ عملًا بقاعدتها إذا جُرّت، كما قال في "الخلاصة": وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 4287

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٧/ ٧١٨ و ٧١٩] (٣٨٣) و [٧/ ٧٢٠ و ٧٢١] (٣١٤)، و (البخاريّ) في "العلم" (١٣٠)، و"الغسل" (٢٨٢)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٢٨)، و"الأدب" (٦٠٩١ و ٦١٢١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣٧)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٢٢)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١١٢ و ١١٤)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٠٤٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩٢ و ٦/ ٣٠٢ و ٣٠٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٦٥ و ١١٦٦ و ١١٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٣٥ و ٨٣٦ و ٨٣٧ و ٨٣٨ و ٨٣٩ و ٨٤٠ و ٨٤١ و ٨٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٠٧ و ٧٠٨ و ٧٠٩)، وأما بقيّة المسائل، فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَ مَعْنَاهُ، وَزَادَ: قَالَتْ: قُلْتُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل مكة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم

стр. 4288

المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٩] (ت ١٨٩) عن (٩١) سنة (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂. وقوله: (مِثْلَ مَعْنَاهُ) بنصب "مثلَ" على الحال، يعني أن وكيعًا وسفيان رويا هذا الحديث عن هشام، حال كونه مثل معنى حديث أبي معاوية، أي لا يوافقه في لفظه. وقوله: (وَزَادَ: قَالَتْ: قُلْتُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ)، أي كشفتِ عيوبهنّ، قال في "المصباح": الْفَضِيحة: العيب، والجمع فَضَائح، وفَضَحْتُهُ فَضْحًا، من باب نَفَعَ: كَشَفْتُهُ، وفي الدعاء: "لا تَفْضَحنا بين خلقك": أي استُر عُيُوبنا، ولا تكشفها، ويجوز أن يكون المعنى: اعْصِمنا حتى لا نَعْصي، فنستحقّ الكشف. انتهى (١). [تنبيه]: رواية وكيع التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية أبي معاوية، أخرجها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (٥٩٢) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى النبيّ ﷺ ، فسألته عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ قال: "نعم، إذا رأت الماء فلتغتسل"، فقلت: فَضَحْتِ النساءَ، وهل تحتلم المرأة؟. قال النبيّ ﷺ : "تَرِبَت يمينك، فبم يشبهها ولدها إذًا". انتهى. وأما رواية سفيان بن عيينة، فقد أخرجها الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال: (١١٣) حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم بنت

стр. 4289

ملحان إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة - تعني غسلًا - إذا هي رأت في المنام مثل ما يرى الرجل؟. قال: "نعم، إذا هي رأت الماء، فلتغتسل"، قالت أم سلمة: قلت لها: فَضَحْتِ النساءَ يا أم سليم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وهو قول عامة الفقهاء أن المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل، فأَنزَلت أن عليها الغسل، وبه يقول سفيان الثوريّ، والشافعيّ. قال: وفي الباب عن أم سليم، وخَوْلة، وعائشة، وأنس ﵃. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٠] (٣١٤) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْب بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، أنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ، أُمَّ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ، دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَام، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: أُفٍّ لَك، أتَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكِ؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠. ٢ - (أَبُوهُ) هو شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ إمامٌ مشهور [٧] (ت ١٧٥)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأَيْليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.

стр. 4290

٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في هذا الباب. وقوله: (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ، أُمَّ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ) بنصب "أمّ" بدلًا عن الأول، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب، بتقدير مبتدأ، أو فعل، أي هي، أو أعني، يعني أنها التي ولدت لأبي طلحة أبناءه، والظاهر أن المراد ما فوق الواحد؛ لأنها إنما ولدت له ابنين: أحدهما: أبو عُمير، صاحب النُّغير، وهو الذي مات صغيرًا، وقصته مشهورة (١). [والثاني]: عبد الله بن أبي طلحة، والد إسحاق، وغيره. ووقع في بعض النسخ: "امرأة أبي طلحة" بدل "أم بني أبي طلحة"، فقال القاضي عياض ﵀: قوله: "امرأة أبي طلحة" كذا لابن الحدّاد، ولغيره: "أمّ بني أبي طلحة"، وكلاهما صحيح، كان أبو طلحة تزوّجها بعد مالك بن النضر، والد أنس بن مالك، وهي أم أنس، فولدت لأبي طلحة أبا عمير، مات صغيرًا، وعبد الله الذي دعا له النبيّ ﷺ ، وحنكه، وهو والد إسحاق بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته العشرة كلهم حُمِل عنهم العلم، واستُجيبت فيهم الدعوة. انتهى (٢).

стр. 4291

و"أبو طلحة" هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النّجّار الأنصاريّ، المدنيّ، شَهِدَ العقبةَ (١)، وبدرًا، والمشاهد كلها، وهو أحدُ النقباء. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه عبد الله، وربيبه أنس بن مالك، وحفيده إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يدركه، وزيد بن خالد الجهنيّ، وابن عباس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، وغيرهم. وقال ابن نمير، وابن بُكير، وأبو حاتم: مات سنة أربع وثلاثين، وصَلَّى عليه عثمان، وقيل: إنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقال ثابت، عن أنس: إن أبا طلحة غزا البحر، فمات فيه، فما وَجَدُوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير، أخرجه الفَسَويّ في "تاريخه"، وأبو يعلى، وإسناده صحيح. وقال شعبة، عن ثابت، وحميد، عن أنس: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فصام بعده أربعين سنةً، لا يفطر إلا يوم أضحى أو فطر، وقال أبو زرعة الدّمشقيّ: توفي بالشام، وعاش بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة. قال الحافظ: كأنه أخذه من حديث شعبة، وكذا رَوَى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فعلى هذا يكون وفاته سنة إحدى وخمسين، وقد قاله أبو الحسن المدائنيّ، وزعم أبو نعيم أنه وَهَمٌ، والظاهر أنه الصواب، ويؤيد كون ذلك صوابًا رواية مالك في "الموطأ" عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دَخَل على أبي طلحة، فذكر الحديث في التصاوير، وقد صححه الترمذيّ، وعبيد الله بن عبد الله لم يدرك عثمان، ولا يصح له سماع من عليّ، فهذا يدل على تأخر وفاة أبي طلحة ﵁. انتهى (٢).

стр. 4292

أخرج له الجماعة (١)، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢١٠٦) حديث: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ … "، وكرره خمس مرّات، و (٢١٦١) حديث: "ما لكم ولمجالس الصعدات … "، و (٢٨٧٥) حديث: "أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًّا … " الحديث. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ) يعني أن حديث ابن شهاب، عن عروة، بمعنى حديث هشام بن عروة، عن أبيه. وقوله: (غَيْرَ أَن فِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ لَهَا) بنصب "غيرَ" على الاستثناء، فهي بمعنى "إلا"، أي إلا أن ابن شهاب قال في روايته: "قالت عائشة إلخ"، فخالف هشامًا، حيث إن في روايته أم سلمة، بدل عائشة، وقد تقدّم أن الصحيح، ترجيح رواية هشام، كما هو صنيع البخاريّ، فالمنكِرة هي أم سلمة، لا عائشة، وقَوّى أبو داود رواية ابن شهاب، وقد نقل ابن عبد البرّ عن الذهليّ أنه صحّح الروايتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقولها: (أُفٍّ لَكِ إلخ) كلمةٌ تُستَعْمَل في الاحتقار، والاستقذار، والإنكار، وهو المناسب هنا، قال الباجيّ ﵀: والمراد بها هنا الإنكار. و"أُفّ": اسم صوت إذا صوّت به الإنسان يُعلم أنه متضجّر، وقيل: أصل الأُفّ وَسَخُ الأظفار إذا فُتِل، ويقال: أَفَّفْتُ بفلان تأفيفًا: إذا قلتَ له: أُفّ لك، وفيها لغات، أفصحها، وأكثرها استعمالًا ضمّ الهمزة، وتشديد الفاء مكسورةً منوّنةً (٢). وقال النوويّ: في "أُفّ" عشر لغات: "أُفِ" و"أُفَ" و"أُفُ" بضم الهمزة مع كسر الفاء وفتحها وضمها، بغير تنوين، وبالتنوين، فهذه ستة، والسابعة "إِفَ" بكسر الهمزة، وفتح الفاء، والثامنة: "أُفْ" بضم الهمزة، وإسكان الفاء، والتاسعة: "أُفِي" بضم الهمزة، وبالياء، والعاشرة: "أُفّه" بالهاء، وهذه اللغات مشهورات ذَكَرهنّ كلهن ابن الأنباريّ، وجماعات من العلماء، ودلائلها

стр. 4293

مشهورة، ومن أخصرها ما ذكره الزجاج، وابن الأنباريّ، واختصره أبو البقاء، فقال: مَن كَسَر بناه على الأصل، ومَن فَتَح طلب التخفيف، ومن ضم أتبع، ومن نَوَّن أراد التنكير، ومن لم ينوّن أراد التعريف، ومن خَفَّف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفًا، وقال الأخفش، وابن الأنباريّ في اللغة التاسعة بالياء: كأنه أضافه إلى نفسه. انتهى (١). وقال المجد ﵀ في "القاموس": أَفّ يَؤُفُّ ويَئِفّ: تأفّفَ من كرب، أو ضجر، وأُفّ كلمة تكرُّه، وأَفَّفَ تأفيفًا، وتأفّف: قالها. ولغاتها أربعون (٢): "أُفّ" بالضمّ، وتُثلّث الفاء وتُنوّن، وتُخّفف فيهما، "أُفْ". كطُفْ، "أُف" مشدّد الفاء (٣)، "أُفَّى" بغير إمالة، وبالإمالة المحضة، وبالإمالة بينَ بينَ، والألف في الثلاثة للتأنيث، "أُفي" بكسر الفاء، "أُفُّوهْ"، "أُفُّهْ" بالضمّ، مثلّثة الفاء، مشدّدة، وتُكسر الهمزة، "إِفْ" كـ "مِنْ"، "إِفِّ" مشدّدةً، "إِفِ" بكسرتين مخفّفةً، "إِفٍ" منونةً مخفّفةً ومشدّدةً، وتُثلّثُ، "إِفُّ" بضم الفاء، مشدّدةً، "إفَّا" كـ "إنّا"، "إفّى" بالإمالة، "إِفي" بالكسر، وتُفتح الهمزة، "أَفْ" كـ "عَنْ"، "أَفّ" مشدّدة الفاء مكسورة، "آفْ" ممدودةً، "أفٍ" "آفٍ" منوّنتين. انتهى (٤). وقد أوصلها الشارح المرتضى إلى خمسين لغةً، فلتُراجع شرحه (٥). [تنبيه]: رواية ابن شهاب التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية هشام، أخرجها النسائيّ: في "سننه"، فقال: (١٩٦) أخبرنا كثير بن عُبيد، عن محمد بن حَرْب، عن الزُّبَيديّ، عن الزهريّ، عن عروة، أن عائشة أخبرته، أن أم سليم كَلَّمَتْ رسول الله ﷺ وعائشةُ جالسة، فقالت له: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحقّ، أرأيت المرأةَ ترى في النوم ما يرى الرجل، أفتغتسل من ذلك؟ فقال لها رسول الله ﷺ :

стр. 4294

"نعم"، قالت عائشة: فقلت لها: أُفّ لك، أوَ ترى المرأة ذلك؟ فالتفت إليّ رسول الله ﷺ ، فقال: "تَرِبت يمينك، فمن أين يكون الشبه؟ ". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢١] ( … ) - (حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَ سَهْلٌ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ، إِذَا احْتَلَمَتْ، وَأَبْصَرَتِ الْمَاءَ؟ (٢) فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاك، وَأُلَّتْ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعِيهَا، وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكِ؟، إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ) هو: إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، المعروف بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠]. رَوَى عن هشام بن يوسف الصنعانيّ، والوليد بن مسلم، ويحيى بن أبي زائدة، وعيسى بن يونس، وعَبْدة بن سليمان، وأبي الأحوص، ويزيد بن زُريع، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة، ويحيى بن موسى خَتّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعمرو بن منصور النسائيّ، وابن وَارَة، والذُّهْليّ، وأبو إسماعيل الترمذيّ، وغيرهم. قال أبو زرعة: هو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة، وأصح حديثًا منه، لا

стр. 4295

يحدث إلا من كتابه، وهو أتقن وأحفظ من صفوان بن صالح، وقال أبو حاتم: من الثقات، وهو أتقن من أبي جعفر الجَمّال، وقال صالح جَزَرة: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن موسى مائة ألف حديث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة: مائة ألف حديث، وقال النسائيّ: ثقة، وكان أحمد يُنكر على من يقول له: الصغير، ويقول: هو كبير في العلم والجلالة، وفي سؤالات الآجريّ، عن أبي داود السجستانيّ، قال أبو داود: كان عند إبراهيم حديثٌ بخط إدريس، فحَدَّث به، فأنكروه عليه، فتركه، وهذا - كما قال الحافظ - يدلّ على شدة توقّيه، وقال الخليلي في "الإرشاد": ومن الحفاظ الكبار العلماء الذين كانوا بالريّ يُقْرَنون بأحمد ويحيى إبراهيم بمن موسى الصغير، ثقةٌ، إمامٌ إلى أن قال: مات بعد العشرين ومائتين، وقال ابن قانع: مات سنة بضع وعشرين ومائتين. روى عنه الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنْديّ، أبو مسعود الْعَسْكريّ، نزيل الريّ، أحد الْحُفّاظ، صدوقٌ، لة غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ أَبِيَ زَائِدَةَ) يحيى بن زكريّا، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٥ - (أَبُوهُ) هو: زكريّا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يُدلّس [٦] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩. ٦ - (مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ) بن جُبير بن شيبة بن عثمان الْعَبدريّ الحجبيّ المكيّ، ليّن الحديث [٥] (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٦/ ٦١٠. ٧ - (مُسَافِعُ (١) بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الْعَبْدريّ، أبو سليمان الْحَجَبيّ المكيّ، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وجدِّه، وعمته صفية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسين بن عليّ، وعروة بن الزبير، والزهريّ.

стр. 4296

ورَوَى عنه ابن عمته منصور ابن صفية، وابن ابن عمه مصعب بن شيبة، والزهريّ، وهو من أقرانه، وأبو يحيى رجاء بن صُبيح، والمثنى بن الصباح، وجويرية بن أسماء، وغيرهم. قال العجليّ: مكيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأفاد أنه قُتِل يوم الجمَل. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا يصحّ ذلك، فلعل المقتول يوم الجمل أبوه، أو عمه. انتهى. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقيان تقدّما قبله. [تنبيه]: للحافظ أبي الفضل بن عمّار الشهيد ﵀ هنا اعتراضٌ حاصله: أن هذا الحديث رواه عن ابن أبي زائدة غير واحد، فقالوا: عبد الله بن مسافع الْحَجَبيّ، وهو الصحيح، وقد روى عنه ابن جُريج حديثًا واحدًا غير هذا، وحديث أبي كريب خطأ حيث قال: "مسافع بن عبد الله". انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله أبو الفضل غير صحيح؛ لأن عبد الله بن مسافع راو آخر ولدٌ لمسافع الراوي هنا، ولم يذكروا له راويًا إلا منصور بن عبد الرحمن الْحَجَبيّ، وابنَ جريج، وليس له إلا حديث واحد في سجود السهو، عند أبي داود والنسائيّ (٢)، ولا رواية له في "صحيح مسلم" أصلًا، وهو مترجم في "التقريب"، و"التهذيبين"، وغيرها من كتب التراجم، وجعله في "التقريب" من الطبقة الرابعة (٣).

стр. 4297

وأما مسافع بن عبد الله فقد رَوَى عنه جماعة، كما أسلفناهم آنفًا في ترجمته، وحديثه عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ، وجعله في "التقريب" من الطبقة الثالثة. والحاصل أن ما وقع في سند المصنّف من قوله: "مسافع بن عبد الله"، هو الصواب، فتفطّن، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقولها: (أَنَّ امْرَأَةً) تقدّم أنها أم سُليم، والدة أنس ﵂، ويحتمل أن تكون غيرها. وقولها: (وَأَبْصَرَتِ الْمَاءَ؟) وفي نسخة: "فأبصرت" بالفاء، وهذه الرواية تبيّن أن المراد بقولها في الروايات السابقة: "إذا رأت الماء" الرؤية البصريّة، لا العلميّة، كما ظنّه بعضهم. وقولها: (وَأُلَّتْ) - بضم الهمزة، وفتح اللام المشدّدة، وإسكان التاء - هكذا الرواية فيه، ومعناه: أصابتها الأَلَّةُ - بفتح الهمزة، وتشديد اللام - وهي الْحَرْبة، وأنكر بعض الأئمة هذا اللفظ، وزَعَم أن صوابه أَلِلْتِ بلامين: الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وبكسر التاء، وهذا الإنكار فاسد، بل ما صَحّت به الرواية صحيح، وأصله أُلِلَتْ، بكسر اللام الأولى، وفتح الثانية، وإسكان التاء، كرُدَّت، أصله رُدِدَت، ولا يجوز فكّ هذا الإدغام إلا مع المخاطب، وإنما وَحَّد أُلَّت مع تثنية "يداك"؛ لوجهين: أحدهما أنه أراد الجنس، والثاني صاحبة اليدين، أي وأصابتكِ الأَلَّةُ، فيكون جمعًا بين دعاءين، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال ابن الأثير: "أُلّت"، أي صاحت (٢) لِمَا أصابها من شدّة هذا الكلام، ورُوي بضمّ الهمزة مع التشديد، أي طُعِنت بالأَلَّة، وهي الحربة العريضة النَّصْل، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لا يلائم لفظ الحديث. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استبعده ابن الأثير ليس كما زَعَم، بل

стр. 4298

هو صحيح المعنى، ملائم للفظ الحديث، كما سبق بيانه في كلام النوويّ ﵀، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (دَعِيهَا)، أي اتركيها تسأل عما أشكل عليها من حكم الاحتلام، لأنه مهمّ دينيّ، لا بد للمكلّف أن يعلمه. وقوله: (وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ) بفتحتين، أو بفتح، فسكون: أي المشابهة، وتمام شرح الحديث، وكذا مسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٢] (٣١٥) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّام، عَنْ زيدٍ، يَعْنِي أَخَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ، أَنَّ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُ، قَالَ: كنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُود، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً، كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا (١) تَقُولُ: يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي"، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَشْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ "، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ (٢)، فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مَعِهُ، فَقَالَ: "سَلْ"، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُمْ فِي الظُّلْمَة، دُونَ الْجِسْرِ"، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: "فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ"، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "زِيادَةُ كَبِدِ النُّونِ"، قَالَ: فَمَا غَدَاؤُهُمْ (٣) عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّة، الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا"، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى

стр. 4299

سَلْسَبِيلًا"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ، لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، إِلَّا نَبِيُّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلَان، قَالَ: "يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ "، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟، قَالَ: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِي الْمَرْأَة، أَذْكَرَا بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُل، آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ"، قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافط، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) الْحَلَبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠]. رَوَى عن أبي إسحاق الفزاريّ، وأبي المليح الحسن بن عُمر الرقيّ، ومعاوية بن سلام، والهيثم بن حميد، ويزيد بن المقدام بن شُريح بن هاني، وعبيد الله بن عَمْرو الرقيّ، وسعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود فأكثر، وروى له البخاري بواسطة الحسن بن الصباح البزار، وروى له أبو داود في "المراسيل" بواسطة إسماعيل بن مسعدة، ومسلم بواسطة الحسن بن علي الحلوانيّ، والنسائي بواسطة إبراهيم بن يعقوب، ومحمد بن يحيى بن كثير الحرانيّ، وأبو حاتم، وابن ماجه بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وأبو الأحوص العكبريّ، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الأثرم، وعبد الله الدارميّ، ويعقوب بن سفيان، وموسى بن سعيد الدندانيّ، وعبد الكريم بن الهيثم الدير عاقوليّ، وغيرهم. قال النسائيّ: أخبرنا سليمان بن الأشعث، سمعت أحمد يقول: أبو توبة لم يكن به بأس، كان يجيئني، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، وذكر أبا توبة، فأثنى عليه، وقال: لا أعلم إلا خيرًا، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، صدوقٌ، حجةٌ، وقال

стр. 4300

يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: أبو توبة، كان يحفظ الطِّوَال، يجيء بها، ورأيته يمشي حافيًا، وعلى رأسه طويلةٌ، وكان يقال: إنه من الأبدال، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر أبو الوليد الباجيّ في "رجال البخاري" أنه ليس له عند البخاري سوى حديث واحد موقوف، وغَفَل عن حديثٍ أخرجه له في "المزارعة" مرفوعًا، لكن قال فيه: قال الربيع بن نافع، فذكره. مات سنة (٢٤١). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٣١٥) و (٨٠٤) و (٨٦٥) و (١٠٠٧) و (١٥٤٤) و (١٥٣٦) و (١٨٧٩). ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنَ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] (ت في حدود ١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ - بالمهملة، ثم الموحّدة، ثم المعجمة - الدمشقيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّام) ممطور الأسود الْحَبَشيّ، ثقةٌ يُرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٦ - (أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ) عمرو بن مَرْثَد الدمشقيّ، ويقال: ابنُ سميع: اسم أبيه أسماء، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ثوبان، وأبي ذر، وشداد بن أوس، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني. ورَوَى عنه أبو الأشعث الصنعاني، وأبو قلابة الجرمي، وشداد أبو عَمّار، ومكحول الشامي، وراشد بن داود الصنعانى، ويحيى بن الحارث الذماري، وربيعة بن يزيد القصير، والصالح بن جبير. قال العجلي: شامي تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن زبر: "الرَّحَبيّ": نسبة إلى رَحَبة دمشق، قرية من قُراها، بينها وبين دمشق ميل، رأيتها عامرة". وذكر أبو سعد ابن السمعاني أنه من رَحَبَة حِمْيَر، وقال: مات

стр. 4301

في خلافة عبد الملك بن مروان. ويُروَى عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرَّحَبيّ عبدُ الله. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٧ - (ثوبان) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن الهاشمي، مولى النبيّ ﷺ ، قيل: أصله من اليمن، أصابه سِبَاء، فاشتراه النبيّ ﷺ ، فأعتقه، وقال: "إن شئت أن تَلْحَق بمن أنت منهم فعلتَ، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهلَ البيت"، فثبت، ولم يزل معه في سفره وحضره، ثم خرج إلى الشام، فنزل الرَّمْلة، ثم حِمْص، وابتنى بها دارًا، ومات بها في إمارة عبد الله بن قُرْط، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أبو أسماء الرَّحَبيّ، ومعدان بن أبي طلحة اليعمريّ، وأبو حيّ المؤذن، وراشد بن سعد، وجُبير بن نُفير، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو عامر الألهاني، وأبو إدريس الخولاني، وجماعة. قال صاحب "تاريخ حِمْص": بلغنا أن وفاته كانت سنة (٥٤)، وكذا قال ابن سعد، وغير واحد. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فحُلْوانيّ، ثم مكيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو سلّام، عن أبي أسماء، وهو من رواية الأقران؛ لأن كلًّا من أبي سلّام وأبي أسماء من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن ثوبان صحابي مشهور، اشتهر بخدمة رسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْد) بن سلّام (أَنَّهُ سَمِعَ) جدّه (أَبَا سَلَّامٍ) ممطورًا الحبشيّ، أنه

стр. 4302

(قَالَ: حَدَّثَني أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثَد (الرَّحَبِيُّ) بفتحتين، تقدّم بيان نسبته في ترجمته آنفًا (أَنَّ ثَوْبَانَ) ﵁ (مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُ)، أي حدّث أبا أسماء، وقوله: (قَالَ) بيان وتوضيح و "حدّث" (كُنْتُ قَائِمًا) ولفظ أبي عوانة، وأبي نُعيم في "مستخرجيهما" من طريق الربيع بن نافع، عن معاوية: "كنت قاعدًا" (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ) "الْحِبْر" بفتح الحاء، وكسرها لغتان مشهورتان: هو العالم، قاله النوويّ (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "الْحِبْرُ" بالكسر: المِداد الذي يُكتب به، وإليه نُسِب كعبٌ، فقيل: كعبُ الْحِبْر؛ لكثرة كتابته بالحِبر، حكاه الأزهريّ عن الفرّاء، والْحِبْرُ: العالم، والجمع أحبار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، والْحَبْرُ بالفتح لغةٌ فيه، وجمعه حُبُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، واقتَصَرَ ثَعْلبٌ على الفتح، وبعضهم أنكر الكسر. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: الْحِبْرُ: العالم، يقال: بفتح الحاء وكسرها، وأما الْحِبْر: المداد فبالكسر لا غير. انتهى (٣). [تنبيه]: هذا الحبر قال صاحب "التنبيه": لا أعرف اسمه. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: عندي لا يبعد أن يكون عبد الله بن سلام ﵀؛ لأن قصّته مشابهة لهذه القصّة، ويحتمل أن يكون غيره. وقصّة عبد الله بن سلام ﵁ أخرجها الإمام البخاريّ ﵀: في "صحيحه" من طريق حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁، أن عبد الله بن سلام بَلَغَه مَقْدَم النبيّ ﷺ المدينةَ، فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني به جبريل آنفًا"، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماءَ المرأة نَزَع

стр. 4303

الولدَ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل، نَزَعَت الولد"، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، فاسألهم عني قبل أن يَعْلَموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبيّ ﷺ : "أَيُّ رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وأفضلنا، وابن أفضلنا، فقال النبيّ ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ "، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قالوا: شرُّنا، وابن شرنا، وتنقّصوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله. انتهى (١). (فَقَالَ) ذلك الحبر (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ) قال ثوبان ﵁ (فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً)، أي نحّيته تَنْحيةً، وأبعدته إبعادًا (كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا) بالبناء للمفعول: أي يُطرح على الأرض، قال المجد ﵀: الصَّرْعُ - أي بالفتح - ويُكسَر: الطرحُ على الأرض، كالمَصْرَع، كمَقْعَد، وهو موضعه أيضًا، وقد صَرَعه، كمَنَعَهُ. انتهى (٢). وفي رواية النسائيّ الآتية من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن سلّام: "فدفعته، حتى صرعته". (فَقَالَ) ذلك الحبر (لِمَ تَدْفَعُنِي؟)، أي لأيّ سبب دفعتني؟، (فَقُلْتُ: أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، وفي نسخة: بتشديدها، وهي أداة تحضيض مختصّةٌ بالجملة الفعليّة الخبريّة (تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؟)، أي ألا تناديه بما فيه تعظيمه، واحترامه، وهو الوصف بالرسالة؟، (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ) أي نناديه (بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ)، أي وهو محمد ﷺ ، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي")، وفي رواية النسائيّ المذكورة: فقال رسول الله ﷺ : "أَجَلْ، أهلي سَمَّوني محمدًا". والمراد بأهله هنا جدّه عبد المطّلب؛ لأنه الذي سمّاه به بإلهام من الله تعالى، وهو اسم مفعول من حُمّد مضعّفًا، منقول من صفة الحمد، وهو بمعنى

стр. 4304

محمود، وفيه معنى المبالغة، وقد أخرج البخاريّ في "التاريخ الصغير" من طريق عليّ بن زيد قال: كان أبو طالب يقول [من الطويل]: وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ والمحمَّد هو الذي حُمِد مرةً بعد مرة، كالممَدَّح، قال الأعشى [من الطويل]: إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ وَجِيفُهَا … إِلَى الْمَاِجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ أي الذي حُمِد مرة بعد مرة، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. قال القاضي عياض ﵀: كان رسول الله ﷺ أحمد قبل أن يكون محمدًا، كما وقع في الوجود؛ لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمدًا وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حَمِدَ ربه قبل أن يَحمَده الناس، وكذلك في الآخرة يَحمد ربه، فيُشَفِّعه، فيحمده الناس، وقد خُصّ بسورة الحمد، وبلواء الحمد، وبالمقام المحمود، وشُرع له الحمد بعد الأكل، وبعد الشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسُمِّيت أمته الحمادين، فجُمعت له ﷺ معاني الحمد، وأنواعه. وقال عياضٌ أيضًا: حَمَى الله هذا الاسم أن يُسَمَّى به أحد قبله، وإنما تَسَمَّى بعض العرب محمدًا قرب ميلاده لَمّا سَمِعوا من الكهان والأحبار أن نبيًّا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمدًا، فرَجَوْا أن يكونوا هم، فسَمَّوا أبناءهم بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، وتعقّبه الحافظ بما يأتي. وقال السهيليُّ في "الرَّوْض الأُنُف": لا يُعْرَف في العرب مَن تسمى محمدًا قبل النبيّ ﷺ إلا ثلاثة: محمد بن سفيان بن مُجاشع، ومحمد بن أُحيحة بن الْجُلاح، ومحمد بن حُمران بن ربيعة، وسَبَقَ السهيليّ إلى هذا القول أبو عبد الله بن خالويه في "كتاب ليس". وتعقَّب كلّ هذا الحافظ ﵀، فقال: هو حصرٌ مردودٌ، وقد جمعتُ أسماء من تَسَمَّى بذلك في جزء مفرد، فبلغوا نحو العشرين، لكن مع تكرر في بعضهم، ووَهَمٍ في بعض، فيتلخّص منهم خمسة عشر نفسًا، ثم ذكرهم (١)،

стр. 4305

وسنذكرهم في "كتاب الفضائل" حيث يذكر المصنّف ﵀ حديث: "لي خمسة أسماء … " الحديث، - إن شاء الله تعالى -. (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ) بالياء، وهي الياء الفارقة بين اسم الجنس وواحده، كروم وروميّ، ومجوس ومجوسيّ، وقد تقدّم أن اليهود اسم للقبيلة المنسوبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇، وهو غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل (جِئْتُ أَسْأَلُكَ)، أي عن شيء مما يتبيّن به صدق نبوّتك، وجملة "أسألك" في محلّ نصب على الحال المقدّرة، أي حال كوني مقدّرًا وقاصدًا سؤالك، وهو كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ ")، أي هل أنت قاصد بسؤالك الانتفاع بما أحدّثك به، وليس قصدك التحدّي والمعاكسة. (قَالَ) اليهوديّ: (أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ) بصيغة التثنية، ووقع في نسخة بالإفراد، والمراد به المثنّى؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، وليس المراد أنه يسمع بأذنيه، ولا يعقل، ويتأثّر، بل مراده أنه يسمع، ثم ينظر فيما سمعه، هل هو محلّ للاتّباع أم لا؟ يدلّ على ذلك قوله في الأخير: "صدقت، وإنك لنبيّ" (فَنَكَتَ) بفتح النون والكاف، وبالمثنّاة من فوقُ، من باب نصر، ومعناه يضرب بالعود في الأرض، ويؤثّر به، وهذا يفعله من يُفكّر في أمر ما (١). وقال القرطبيّ ﵇: ونَكْتُ النبيّ ﷺ الأرض بعود معه: هو ضربُهُ فيها، وهذا العُود هو المسمّى بالمِخْصرة، وهو الذي جرت عوائد رؤساء العرب وكبرائهم باستعمالها، بحيث تَصِلُ إلى خَصْره، ويَشْغَل بها يديه من العبث، وإنما يَفعَل ذلك النَّكْتَ المتفكّر. انتهى (٢). (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ) متعلّق بـ "نكت"، والْعُود بالضمّ: أي الخشب، جمعه عِيدان بالكسر، وأعواد بالفتح، وقوله: (مَعَهُ) متعلّق بصفة لـ "عُود"، (فَقَالَ) ﷺ : ("سَلْ") بفتح السين، أمر من سال يسأل، من باب خاف يخاف، ويقال في المثنى سَلا، وفي الجمع: سلوا، على غير قياس؛ إذ القياس أن يقال: سالا، كخافا، وسالوا، كخافوا، وَيَحْتَمل أن يكون سَلْ مخفّفَ اسأل بهمزة الوصل، أمرًا من سأل يسأل، كقرأ يقرأ، (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ

стр. 4306

النَّاسُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؟)، وفي رواية النسائيّ: "أرأيت إذا بُدِّلت السماوات غير السماوات، والأرض غير الأرض؟ ". قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن معنى هذا التبديل إزالة هذه الأرض، والإتيان بأرض أخرى، لا كما قاله كثير من الناس: إنها تُبدَّل صفاتها، فتُسَوَّى آكامها، وتغيّر صفاتها، وتُمَدّ مَدَّ الأديم، ولو كان هذا لَمَا أشكل كون الناس فيها عند تبديلها، ولَمَا جُمِعوا على الصراط، وقد دلّ على صحّة الظاهر المتقدّم حديث عائشة ﵂ إذ سألت عن هذا رسول الله ﷺ ، فقال مجيبًا لها: "على الصراط"، رواه مسلم (١). والأرض المبدّلة هي الأرض التي ذُكرت في حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحْشَر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عَفْراء، كقُرْصة النَّقِيّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحد"، متّفقٌ عليه (٢). انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣). قال الجامع عفا الله عنه: ما نفاه القرطبي من تبدّل صفات الأرض قد دلّ عليه بعض النصوص، فلا ينبغي نفيه، بل يُطْلَب الجمع فيه، ولا يستغرب أن يُحمل على اختلاف الأوقات، ففي بعضها تُبدّل صفاتها، وفي بعضها، وهو الموقف تُبدّل ذاتها، والعلم عند الله تعالى، وسيأتي تحقيق البحث فيه في "كتاب صفة القيامة، والجنة والنار" حيث يسوق المصنّف الأحاديث المتعلّقة بهذا - إن شاء الله تعالى -. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُمْ فِي الظُّلْمَة، دُونَ الْجِسْرِ") بفتح الجيم وكسرها: ما يُعْبَر عليه، والمراد به هنا الصراط، و"دون" بمعنى فوق، كما بيّنه حديث عائشة ﵂ المتقدّم: "على الصراط" (٤).

стр. 4307

[فائدة]: "دُونَ" بالضمّ: تأتي لمعانٍ، تكون نقيض "فوقَ"، ويكون ظرفًا، وبمعنى "أَمَامَ"، و"وراءَ"، و"فوقَ"، فهو ضدّ، وبمعنى " غَيْرِ"، قيل: ومنه "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ"، أي من غير خمس أواق، قيل: ومنه الحديث: "أجاز الْخُلْعَ دون عِقَاص رأسها"، أي بما سوى عِقَاص رأسها، أو معناه: بكلّ شيء حتى بعِقاص رأسها، وتأتي بمعنى الشريف، والخسيس، ضدٌّ، وبمعنى الأمر، والوعيد، قاله المجد في "القاموس" (١). وقد نظمت هذه المعاني بقولي: لِـ"دُونَ "تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي … قَبْلُ وَفَوْقُ تَحْتُ خُذْ بَيَانِي أَمَامُ وَالسَّاقِطُ وَالإِغْرَاءُ … وَالأَمْرُ وَالْوَعِيدُ زِدْ وَرَاءُ وَعَلَّ عِنْدَ وَبِمَعْنَى بَعْدُ … فَاحْفَظْ فَحِفْظُ الْعِلْمِ نِعْمَ السَّعْدُ (قَالَ) اليهوديّ: (فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟) بكسر الهمزة، وبالزاي، ومعناه جوازًا ومرورًا على الصراط، وفي رواية النسائيّ: "فمن أول الناس أجازه الله؟ ". (قَالَ) ﷺ ("فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ") الإضافة بمعنى "من"، أو هو من إضافة الصفة للموصوف، يعني الصحابة الذين هاجروا من مكة فرارًا بدينهم، ونصرةً لرسول الله ﷺ ، وتركوا أهلهم، وأموالهم؛ طلبًا لرضا الله تعالى، كما قال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. (قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ)، وفي رواية النسائيّ: "فأَيْشٍ يُتْحَفُ أهل الجنّة؟ ". و"التُّحْفَةُ" - بضمّ التاء الفوقيّة، وفتح الحاء المهملة، وتُسَكَّن -: ما يُهدى إلى الشخص، ويُخصّ، ويُلاطَف به، قال الفيّوميّ ﵀: "التُّحَفَةُ" وزانُ رُطَبة: ما أتحفت به غيرك، وحَكَى الصغانيّ، سكون الحاء أيضًا، قال الأزهريّ: والتاء أصلها واوٌ. انتهى (٢). وقال ابن الأثير ﵀: "التُّحفة": طُرْفة الفاكهة، وقد تُفْتَح الحاء (٣)،

стр. 4308

والجمع التُّحَف، ثم تُستَعمَل في غير الفاكهة من الألطاف والنَّعَص، قال الأزهريّ: أصل تُحفة وُحفة، فأُبدلت الواو تاءً، فيكون على هذا من حرف الواو. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: التُّحفة: ما يُتحف به الإنسان من الفواكه، والطُّرَف؛ محاسنةً، ومُلاطفَةً. انتهى (٢). (حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟) ظرف و "تُحْفَتهم". (قَالَ) ﷺ ("زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ") بنونين الأولى مضمومة، وهو الحوت، وجمعه نِينَان، أي قطعة من كبد الحوت، قال القاضي عياض ﵀: زيادة الكبد، وزائدتها هي القطعة المنفردة المتعلّقة بها، وهي أطيبه، وقال أيضًا: وجاء في بعض روايات مسلم: "كبد الثور"، وهو تصحيف. انتهى. وقال بعضهم: تعريف النون يُشعر بأنه حوتٌ مخصوص، وهذا من الأمور السمعيّة التي ينبغي الإيمان بها تعبّدًا. انتهى (٣). وقد جاء نحو هذا في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال النبيّ ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدةً، يتكَفّؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السَّفَر (٤)؛ نزلًا لأهل الجنة"، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: "بلى"، قال: تكون الأرض خُبزة واحدةً، كما قال النبيّ ﷺ ، فنظر النبيّ ﷺ إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا. متفقٌ عليه (٥). فقال في "الفتح": قوله: "يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا"، قال

стр. 4309

عياض: زيادة الكبد وزائدتها: هي القطعة المنفردة المتعلقة بها، وهي أطيبه، ولهذا خُصّ بأكلها السبعون ألفًا، ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فُضِّلوا بأطيب النزل، ويحتمل أن يكون عَبّر بالسبعين عن العدد الكثير، ولم يُرِد الحصر فيها، قال: وفي مسائل عبد الله بن سلام: "أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت"، وأن عند مسلم في حديث ثوبان: "تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون"، وفيه: "غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها"، وفيه: "وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا"، وأخرج ابن المبارك في الزهد بسند حسن، عن كعب الأحبار: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جَزُورًا، وإني أَجْزُركم اليوم حوتًا وثورًا، فيُجْزَر لأهل الجنة". انتهى (١). (قَالَ) اليهوديّ: (فَمَا غَدَاؤُهُمْ) روي بالوجهين: أحدهما بكسر الغين، وبالذال المعجمتين، من الغذاء، وهو الطعام الذي يغذّى به الجسم في أيّ وقت من الأوقات، والثاني: بفتح الغين المعجمة، وبالدال المهملة، من الغداء، وهو الأكل أول النهار، قال القاضي عياض: هذا الثاني هو الصحيح، وهو رواية الأكثرين، قال: والأول ليس بشيء. وتعقّبه النووي: فقال: له وجه، وتقديره: ما غذاؤهم في ذلك الوقت؟ وليس المراد السؤالَ عن غذائهم دائمًا. انتهى (٢). (عَلَى إِثْرِهَا؟) بكسر الهمزة، مع إسكان الثاء المثلّثة، وبفتحهما جميعًا لغتان مشهورتان، أي بعد تناولهم تحفتهم (قَالَ) ﷺ ("يُنْحَرُ) بالبناء للمفعول (لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ) الإضافة بمعنى "في"، أي الثور الذي كان في الجنة، و"الثور" بفتح فسكون: الذكر من البقر، والأنثى ثورةٌ، والجمع ثِيرَان، وأَثْوار، وثِيَرَة، وزانُ عِنَبَة (٣). (الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا") بفتح الهمزة، جمع طَرَف بفتحتين، أي أطراف الجنة، وهذا يُشعر بأن ذلك الثور معهود ومعروفٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) اليهوديّ (فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟) أي على ما أكلوه من الغداء، أو من

стр. 4310

لحم ذلك الثور. (قَالَ) ﷺ ("مِنْ عَيْنٍ)، أي من ماء عين، فهو على حذف مضاف فلا وجه لاعتراض بعضهم بأن الجواب لم يُطابق السؤال، إذ السؤال عن الشراب، والجواب عن مكان الشراب، فعلى ما قلناه، يذهب الإشكال، ويضمحلّ، والله تعالى أعلم. والجارّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوف دلّ عليه السؤال، أي يشربون من عين، وقوله: (فِيهَا) متعلّق بصفة لـ "عين"، وقوله: (تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا") ببناء الفعل للمفعول صفة لـ "عين" بعد صفة، أو حال منها؛ لوصفها بالجارّ والمجرور، أي سَلِسَة السبيل، سَهْلةَ الْمَشْرَع. قال النوويّ ﵀: قال جماعة من أهل اللغة والمفسّرين: السلسبيل اسم للعين، وقال مجاهد وغيره: هي شديدة الْجَرْي، وقيل: هي السَّلِسَةُ اللَّيِّنة. انتهى (١). وقال في "اللسان" السلسبيل: الليّن الذي لا خشونة فيه، وربما وُصف به الماء، وقال أيضًا: ويقال: شراب سَلْسلٌ، وسلسالٌ، وسلسبيلٌ، وقال الزجّاج: سلسبيلٌ اسم العين، وهو في اللغة في غاية السلاسة، فكأن العين سُمّيت لصفتها، وقال غيره: السلسبيل: اسم عين في الجنّة، ويقال: عين سَلْسَلٌ، وسلْسَالٌ، وسلسبيلٌ معناه: عذبٌ سهل الدخول في الحلق، قيل: جمع السلسبيل سلاسبُ، وسلاسيبُ، وجمع السلسبيلة سلسبيلات، وقال عبد الله بن رواحة [من الخفيف]: إِنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي جِنَانٍ … يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ والسَّلْسَبِيلَا الرحيق: الخمر، والسلسبيل: السهل المدخلِ في الحلق. انتهى بتصرّف (٢). (قَالَ) اليهوديّ (صَدَقْتَ، قَالَ) اليهوديّ (وَجِئْتُ أَسألكَ عَنْ شَيْءٍ، لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، إِلا نَبِيٌّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلَانِ) كناية عن قلّة من يعرفه، بحيث لا يعرفه، إلا من أوحى الله إليه بعلمه، أو من أخبره ذلك النبيّ، وهم قليلون، (قَالَ) ﷺ ("يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ ") بتقدير همزة الاستفهام، (قَالَ)
следующие страницы →