أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَحْتجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: "إلا بحقّه".
قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: "بحقّه" للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى (١).
(فَمَنْ قَالَ: لَا إِله إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من الْعِصَام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، هو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به.
وأما بالنسبة للنفس فهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل عمدًا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل"، والله تعالى أعلم.
(وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ") أي حساب سريرته على الله تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن أخلص في إيمانه، اْعماله، جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم لي في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوإ الكافرين.
ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى قوله: (وحسابه على الله") أي فيما يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء.
وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويُحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل رحمهما الله. هذا كلام الخطّابيّ.
وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص
стр. 457
عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة". وهذا كلام القاضي.
قلت (١): ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ ، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة ﵁، هي مذكورة في "صحيح مسلم": "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به". والله أعلم.
قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا:
أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة.
والثاني: لا تُقبل، ويتحتّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة.
والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل.
والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا.
والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صححه النووي رحمه الله تعالى من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص ﵁ مرفوعًا: "أما علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله". أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم.
стр. 458
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، "فَرَقَ"، و"فَرَّقَ" بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى.
وعبارة الحافظ: يجوز تشديد "فرّق" وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم الصدّيق ﵁، ولم يَعْذِرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودها في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا واحدًا، انتهى (١).
(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة، وحقّ المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فمن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: "ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فإن الزكاة حقّ المال"، هذا الرّدّ يدلّ على أن عمر ﵁ حَمَلَ الحقّ في قوله: "عَصَم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه" على غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر ﵁ بالحديث على منع المقاتلة، وردُّ أبي بكر ﵁ بقوله: "فإن الزكاة حقّ المال"، أو يقال: إن عمر ظنّ أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، أجابه أبو بكر ﵁ بأني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة، ويَعضد هذا الوجه قوله: "كَفَرَ من كَفَرَ". انتهى (٢).
(واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا)، هكذا رواية مسلم بلفظ: (عِقَالًا)، قال الحافظ
стр. 459
رحمه الله تعالى في "الفتح" بعد أن ذكره بلفظ "عناقًا" ما نصّه: ووقع في رواية قتيبة، عن الليث، عند مسلم "عقالًا"، وأخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصام" عن قتيبة، فكَنَى بهذه اللفظة، فقال: "لو منعوني كذا".
واختُلِفَ في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في "الاعتصام" عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير - يعني شيخه فيه هنا - وعبدُ الله - يعني ابن صالح - عن الليث: "عَنَاقًا"، وهو أصحّ، ووقع في روايةٍ ذكرها أبو عُبيدة: "لو منعوني جَدْيًا أَذْوَط"، وهو يؤيّد أن الرواية "عَناقًا"، و"الأذوط" الصغير الفَكّ والذَّقَنِ. قال: و"العَنَاق" - بفتح المهملة، والنون -: الأنثى من ولد المعز. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": هكذا في مسلم "عِقَالًا"، وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها "عَنَاقًا" - بفتح العين، وبالنون وهي الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين، فقال في مرة: عقالًا، وفي الأخرى "عناقًا"، فرُوي عنه اللفظان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض الحافظ على النووي هذا التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة، انتهى.
لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يُكَرِّر أبو بكر ﵁ الكلام في مجلس واحد تأكيدًا، وتشديدًا، فيتلفّظ باللفظين، فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه، فما قاله النووي قريب، لا بعيد، فتأمّله. والله تعالى أعلم.
قال: فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا، هذا هو الصحيح المشهور.
وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعية: لا يزكِّي الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب.
стр. 460
قال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. والله أعلم.
وأما رواية "عِقَالًا" فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرّد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبيّ [من البسيط]:
سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا (١) … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ
لأَصْبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا … عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ (٢)
أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف.
وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلّاه عمه معاوية بن أبي سفيان ﵄ صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك.
قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه.
وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير.
وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب "التحرير"، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين.
قال صاحب "التحرير": قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج المضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما عُلِّق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى، قال: ولست أشبّه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله ﷺ : "لعن الله السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، وَيسرق الحبل، فتقطع يده"، أن المراد
стр. 461
بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطَّى بها الرأس في الحرب، وبالحبل الواحدُ من حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة.
قال بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة، ومخارج كلام العرب؛ لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر السارق على حمله، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبّح الله فلانًا عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنه الله تعرّض لقطع اليد في حبل رَثٍّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان من هذا أحقر كان أبلغ.
فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَل به البعير، ولم يُرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: "عَنَاقًا"، وفي بعضها: "لو منعوني جَدْيًا أذوط". والأذوط صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام صاحب "التحرير".
قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ "منعوني عِقالًا"، فقيل: قدر قيمته، وهو ظاهر متصوَّرٌ في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة الفطر، وفي المواشي أيضًا في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم يكن عنده، ونزل إلى سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهمًا، فمنعه من العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالًا، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي تساوي عقالًا، ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه الصورة تنبيهًا بها على غيرها، وعلى أنه متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت كثيرين ممن لم يُعَانِ الفقه يستصعب تصوّره حتى حمله بعضهم - وربما وافقه بعض المتقدّمين - على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّرًا، وهذا غلطٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ.
وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيحٌ أيضًا.
ويجوز أن يراد منعوني عقالًا، أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من
стр. 462
يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى على أحد أقواله، فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثةَ أقوال:
[أحدها]: يتعيّن أن يأخذ منها عرضًا، حبلًا أو غيره، كما يأخذ من الماشية من جنسها.
[والثاني]: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب والفضّة.
[والثالث]: يتخيّر بين العرض والنقد. والله أعلم.
وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها.
قال الخطّابيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمِد إلى قَرَن - وهو بفتح القاف، والراء - وهو حبلٌ، فيقرن به بين بعيرين، أي يشدّه في أعناقهما لئلا تشرد الإبل.
وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي ﷺ محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما، وكان عمر ﵁ أيضًا يأخذ مع كلّ فريضة عقالًا. والله أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
ونقل ابن الصلاح عن أبي العبّاس المبرّد في كتابه "الكامل" أن المصدّق إذا أخذ من مال الصدقة ما فيه، ولم يأخذ ثمنه قيل: أخذ عِقالًا، وإذا أخذ ثمنه قيل: أخذ نقدًا، قال الشاعر [من الطويل]:
أَتَانَا أَبُو الْخَطَّاب يَضْرِبُ طَبْلَهُ … فَرُدَّ وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدَا
وذكر أن الصحيح في العقال المذكور تفسيره بهذا، قال ابن الصلاح: وليس ذلك عندنا بصحيح. انتهى (٢).
وذكر القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه "المفهم" في معنى "العقال" خمسة أقوال:
(الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النضر بن شُميل.
стр. 463
(الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد قوله: "سَعَى عِقَالًا إلخ".
(الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل عن مالكه، قاله أبو سعيد الضرير.
(الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها، قيل: أخذ نقدًا، ومنه قول الشاعر:
وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا
(الخامس): أنه اسم لما يُعقل به البعير، قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالًا، ورِوَاء (١).
قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه خرج مخرج التقليل. والله أعلم (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن رواية "عِقَالًا" صحيحة، وأن أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به الدوابّ، وأن من منع إعطاء العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعًا لبعض الزكاة. والله تعالى أعلم.
(كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، قَالَ عُمَرُ ﵁: (فَوَاللهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن، وقال السنديّ: أي ما سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ) أي: علمت وأيقنت أن الله تعالى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: المستثنى منه غير مذكور، أي ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر مُحِقّ، ونحوه قوله تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فـ ﴿هِيَ﴾ ضمير مبهم يفسّره ما بعده. انتهى (٣).
стр. 464
(قَدْ شَرَحَ) أي فتح، ووسع، وليّن (صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (لِلْقِتَالِ) قال النوويّ: معناه: علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى الله ، في قلبه من الطمأنينة لذلك، واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من الدليل، وأقامه أبو بكر ﵁ من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى ذلك أن عمر ﵁ قلّد أبا بكر ﵁، فإن المجتهد لا يقلّد المجتهد.
وقد زعمت الرافضة أن عمر ﵁ إنما وافق أبا بكر تقليدًا، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسأله الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا فقط (٨/ ١٣٢) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة، عن عمر وأبي بكر ﵃.
وأخرجه (البخاريّ) في "الزكاة" ٢/ ١٣١ (١٣٩٩) و ١٤٧ (١٤٥٦) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة - وفي ٢/ ١٤٧ (١٤٥٦) وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر - وفي "استتابة المرتدّين" ٩/ ١٩ (٦٩٢٤) عن يحيى بن بُكير - وفي "الاعتصام" ٩/ ١١٥ (٨٢٨٤) و (٨٢٨٥) عن قتيبة - كلاهما عن الليث، عن عُقيل - ثلاثتهم عن الزهريّ، عن عبيد الله به.
و (أبو داود) في "الزكاة" (١٥٥٦) عن قتيبة - به، و (١٥٥٧) عن أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ عن أبي بكر به مرسلًا.
و (الترمذيّ) في "الإيمان" (٢٦٠٧) عن قتيبة به، وقال: حسنٌ صحيح، وهكذا روى شعيبٌ عن الزهريّ، وروى هذا الحديث عن عمران القطّان، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ، وقد خولف عمران في روايته عن معمر.
стр. 465
و (النسائيّ) في "الزكاة" ٥/ ١٤ (٢٢٢٣) وفي "المحاربة" ٧/ ٧٧ (٣٤٣٢) عن قتيبة به، وفي "الجهاد" ٥/ ٦ (٤٣٠٠) عن كثير بن عبيد، عن بقية بن الوليد ٦/ ٥ (٤٣٠٠) وفي "المحاربة) أيضًا (٣٤٣٥) عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة به، و ٦/ ٥ (٤٢٩٩) عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيديّ، و ٦/ ٦ (٤٣٠١)، وفي "المحاربة أيضًا" (٣٤٣٧) و ٧/ ٧٨ عن أحمد بن سليمان، عن مؤمّل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة، وذكر آخر، أربعتهم عن الزهريّ به، وفي "المحاربة" أيضًا ٧/ ٧٧ (٣٤٣٣) عن زياد بن أيوب، عن محمد بن يزيد، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي هريرة، عن عمر، عن النبيّ ﷺ .
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ١/ ١٩ (١١٧) عن عصام بن خالد، وأبي اليمان، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة، وفي ١/ ٤٧ (٣٣٥) عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح، عن معمر به.
وأخرجه أيضًا ١/ ٣٥ (٢٣٩) عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لَمّا ارتدّ أهل الردّة في زمان أبي بكر قال عمر … الحديث، ليس فيه أبو هريرة. و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٣ و ١١٤ و ١١٥ و ١١٦ و ١١٧ و ١١٨).
وأخرجه (عبد الرزاق) (١٨٧١٨) و (ابن منده) في "الإيمان" (٢١٦) و (البيهقيّ) في "الكبرى" ٤/ ١١٤ و ٧/ ٣ (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان فوائده:
١ - (منها): بيان أن الناس يُقاتلون إلى أن يوحّدوا الله تعالى، ويلتزموا أحكام الشريعة كلها.
٢ - (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر ﵁، وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو
стр. 466
أكبر نعمة، أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، فقد استنبط ﵁ من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول الله ﷺ . وقد صنّف العلماء رحمهم الله تعالى في معرفة رجحانه أشياء كثيرة، مشهورة في الأصول وغيرها، ومن أحسنها كتاب "فضائل الصحابة ﵃" للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ، قاله النوويّ رحمه الله تعالى (١).
٣ - (ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعًا، فإن النبيّ ﷺ حكم بذلك، حيث قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله … " إلى أن قال: "فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم … " الحديث.
وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلا حقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ بالله من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
وقد استوفيتُ هذا البحث في المسائل التي ذكرتها أوائل "كتاب الإيمان"، فارجع إليها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لأظهار الحقّ.
٥ - (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله ﷺ ، وقد جمع ذلك النبيّ ﷺ كما في رواية
стр. 467
لمسلم - بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بما جئت به".
٦ - (ومنها): مشروعيّة مقاتلة مانع الزكاة، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت منه قهرًا.
٧ - (ومنها): وجوب الجهاد.
٨ - (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف.
٩ - (ومنها): أن الأحكام تُجْرَى على الظواهر، والله تعالى يتولّى السرائر.
١٠ - (ومنها): أن الصحابة كانوا قائلين بجواز القياس والعمل به.
١١ - (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرها من واجبات الإسلام، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر ﵁: "لو منعوني عقالًا"، أو "عناقًا".
١٢ - (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: "فإن الزكاة حقّ المال".
١٣ - (ومنها): وجوب قتل أهل البغي.
١٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه وجوب الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها.
١٥ - (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه.
١٦ - (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذٍ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله.
١٧ - (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وإن كان دون استحلاف.
١٨ - (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد واحد. قاله النوويّ رحمه الله تعالى: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول.
١٩ - (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه.
стр. 468
٢٠ - (ومنها): أنه استدلّ به مالك والشافعيّ رحمهما الله تعالى، ومن قال بقولهما على قتل تارك الصلاة، وإن كان معتقدًا لوجوبها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٢١ - (ومنها): أنه تمسّك برواية "لو منعونى جَذَعًا" بدل "عَنَاقًا" من أجاز أخذ الْجَذَع من المعز في الزكاة إذا كانت سخالًا كلها، وهو قول الشافعيّ، وأحد قولي مالك، وليس بالمشهور عنه، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولا حجة في ذلك؛ لأنه خرج مخرج التقليل، فإن عادة العرب إذا أغيت تقليل شيء ذكرت في كلامها ما لا يكون مقصودًا، كما قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسَنَ شاة"، متّفقٌ عليه، وقال أيضًا: "ولو ظِلْفًا مُحرَقًا" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليسا مما يُنتفع بهما، وكذلك قوله ﷺ : "من بَنَى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة" (١)، وذلك القدر لا يكون مسجدًا، ونحو من هذا في الإغياء قول امرئ القيس [من الطويل]:
مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ … مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإِتْبِ (٢) مِنْهَا لأَثَّرَا
ونحوه كثير في كلامهم في التقليل والتكثير، والتعظيم والتحقير. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٣)، وسيأتي تمام البحث في هذا في محله من "كتاب الزكاة" - إن شاء الله تعالى -.
٢٢ - (ومنها): أن الحديث حجة على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ بردّته، بل يؤخذ منه ما وجب عليه منها، فإن تاب، وإلا قُتل، وكان ماله فيئًا.
٢٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: في الحديث أن من أظهر الإسلام أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر، ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطُّلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل
стр. 469
يُقبل منه، أو لا؟ وأما من جُهل أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
في قوله ﷺ : حتى يقولوا: "لا إله إلا الله" فإنه يفيد منع قتل من قال: "لا إله إلا الله"، ولو لم يزد عليه، "محمد رسول الله".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: "إلا بحقّ الإسلام".
وقال البغويّ رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان وثنيًّا، أو ثنويًّا، لا يقرّ بالوحدانيّة، فإذا قال: "لا إله إلا الله" حُكم بإسلامه، ثُمَّ يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرًّا بالوحدانيّة، منكرًا للنبوّة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: "محمد رسول الله"، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن يقول: "إلى جميع الخلق"، فإن كان كفر بجحود واجب، أو استباحة محرّم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: "يجبر" أنه إذا لم يلتزم تُجرى عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في "صحيحي البخاري ومسلم" في "كتاب الإيمان" من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ويحتمل أن يكون المراد بقول: "لا إله إلا الله" هنا التلفّظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيّده ورودهما صريحًا في الطرق الأخرى، انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من نطق بكلمة التوحيد فقط حُكم له بحكم الإسلام، وهذا الظاهر متروك قطعًا؛ إذ لا بدّ مع
стр. 470
ذلك من النطق بالشهادة بالرسالة، أو بما يدلّ عليها، لكنه سكت عن كلمة الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنهما متلازمان، فهي مرادة قطعًا، ثم النطق بالشهادتين يدلّ على الدخول في الدين، والتصديق بكلّ ما تضمّنه، وعلى هذا فالنطق بالكلمة الأولى يفيد إرادة الثانية، كما يقال: قرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، والمراد جميع السورة، ويدلّ على صحّة ما قلناه الروايات الأخرى التي فيها: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وفي لفظ آخر: "أُمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به"، غير أن أبا بكر وعمر لم يحضرهما في وقت المناظرة غير ذلك اللفظ الذي ذكراه؛ إذ لو حضرهما قوله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" لارتفع البحث بينهما؛ لأن اللفظ نصّ في المطلوب، وأوضح في الدلالة مما استدلّ به أبو بكر ﵁ من قوله: "لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة"، ويعني بهذا أبو بكر ﵁ والله أعلم - أن الله تعالى قد سوّى بين الصلاة والزكاة في الوجوب في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وفي غيرها، فقد جمع الله تعالى بينهما في الأمر بهما، والصلاة المأمور بها واجبة قطعًا، فالزكاة مثلها، فمن فرّق بينهما قُوتل.
ويمكن أن يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ودليل خطابها أن من لم يفعل جميع ذلك لم يُخَلَّ سبيله، فيُقاتَلُ إلى أن يُقتَلَ أو يتوب. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
أنه استُدلّ بهذا الحديث على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يطالب
стр. 471
بالإيمان، وليس في فعل الصدّيق حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى ذراريّهم كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ الإجماع عليه في حقّ من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع، وإلا عومل معاملة الكفار حينئذٍ، ويقال: إن أصبغ من المالكية استقرّ على القول الأول، فعُدّ من ندرة المخالف.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم إذا أدّاه اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا وجب عليه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر ﵄ فيما رأى من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم.
وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتيّ، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها. انتهى كلام عياض رحمه الله تعالى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يستفاد من فعل عمر ﵁ وحكمه أن الإمام المجتهد العدل إذا أمر بأمر، أو حَكَم بحكم وجبت موافقته على ذلك، وإن كان في رعيّته من يرى خلاف رأيه، بل يجب عليه ترك العمل والفتيا بما عنده، وإن اعتقد صحّته، فإن عاد الأمر إليه عمل برأيه الذي كان يعتقده صوابًا، كما فعل عمر ﵁، حيث ردّ في خلافته السبايا.
ويحصل من قضيّة الخليفتين أن سبي أولاد المرتدّين لم يكن مجمعًا عليه، وأن عمر ﵁ إنما وافق أبا بكر ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميع لا غير، وأما سبيُ الذراريّ فلم يوافقه عليه باطنًا، لكنه ترك العمل بما ظهر
стр. 472
له، والفتيا به؛ لِمَا يجب عليه من طاعة الإمام وموافقته، فلَمّا وُلِّي عَمِلَ بما كان عنده، هذا هو الظاهر من حال عمر ﵁، ولا يجوز أن يقال: إنه قد ظهر له من جواز السبي ما ظهر لأبي بكر، ثم تغيّر اجتهاده؛ لأن ذلك يلزم منه خرق إجماع الصحابة ﵃ السابق، فإنهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر ﵁ على السبي، وعَمِلُوا بذلك من غير مخالفة ظهرت من أحد منهم، ولا إنكار ظاهر، غير أنهم منقسمون في ذلك إلى من ظهر له جواز ذلك، فسكت لذلك، ومنهم من ظهر له خلاف ذلك، فسكت بحكم ترجيح قول الإمام العدل المجتهد على رأيه، ولوجوب اتّباع الإمام على ما يراه، والعمل به، فإذا فُقد ذلك الإمام، تعيّن على ذلك المجتهد أن يَعمل على ما كان قد ظهر له، لكن بعد تجديد النظر، لا أنه يعتمد على ذلك الرأي الأول من غير إعادة البحث ثانيةً؛ لإمكان التغيّر على ما بُيّن في محلّه من "أصول الفقه".
وقد حكى بعض الناس أن الإجماع انعقد بعد أبي بكر ﵁ على أن المرتدّ لا يُسبَى، وليس ذلك بصحيح؛ لوجود الخلاف في ذلك، كما حكيناه عن أصبغ، ولأنه يؤدّي إلى تناقض الإجماعين، وهو محالٌ، كما يُعرف في "الأصول"، ولَمّا اعتقد بعض الأصوليين في هذه المسألة إجماعين متناقضين، رأى أن الْمَخْلَص من ذلك اشتراط انقراض العصر في صحّة الإجماع، فلم ينعقد عند هذا القائل فيها إجماع أوّلًا وآخرًا؛ لأن عصر الصحابة لم يكن انقرض في زمان عمر ﵁.
قال القرطبيّ: واشتراط انقراض العصر في دلالة الإجماع باطلٌ؛ لأنه زيادة شرط في دلالات الإجماع الصحيحة من غير أن يشهد لتلك الزيادة عقلٌ ولا نقلٌ، والصحيح من هذه المسألة أنه لا إجماع فيها أوّلًا ولا آخرًا؛ لإضمار الخلاف فيها في عصر أبي بكر ﵁، والتصريح به بعده (١). انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 473
[١٣٣] (٢١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) ٢/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران، أبو حفص التُّجيبيّ (١) المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) ٢/ ١٤).
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان، أبو عبد الله العسكريّ المصريّ، المعروف بابن التُّسْتَرِيّ (٢)، صدوقٌ، تُكُلِّم في بعض سماعاته بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق).
رَوَى عن ابن وهب، والمفضل بن فَضَالة، وضِمَام بن إسماعيل وغيرهم.
وَرَوى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وحنبل بن إسحاق، وإبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وحرب الكرماني، وابن الضُّرَيس، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال أبو داود: كان ابن معين يَحْلف أنه كذّاب، وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه، قيل لي بمصر: إنه قَدِمَها، واشترى كُتُب ابن وهب، وكتاب الْمُفَضَّل بن فَضَالة، ثم قَدِمتُ بغداد، فسألت هل يحدث عن المفضل؟ فقالوا:
стр. 474
نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب، والرواية عن المفضل لا يستويان. وقال سعيد بن عَمْرو الْبَرْدعيّ: أنكر أبو زرعة على مسلم روايته عن أحمد بن عيسى في "الصحيح"، قال سعيد: قال لي: ما رأيت أهل مصر يَشُكُّون في أنه، وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب. وقال الخطيب: ما رأيت لمن تكلم فيه حجةً توجب ترك الاحتجاج بحديثه.
قال الحافظ: إنما أنكروا عليه ادّعاء السماع، ولم يُتَّهَم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكير. والله أعلم.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال النسائيّ: أحمد بن عيسى كان بالْعَسْكَر ليس به بأس، وقال البغويّ، وابن قانع، وابن يونس: مات سنة (٢٤٣).
روى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد فقيه [٩] ١٩٧ (ع) ٢/ ١٠.
٥ - (يُونُسُ) (١) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقة، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) ٢/ ١٤.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب) (٢) بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهَاء الكبار، من كبار [٣] بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) ٤/ ٧٠.
والباقيان تقدّما في السند السابق، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به.
стр. 475
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنف) هنا [٨/ ١٣٣] (٢١) و (البخاري) في "الجهاد" ٤/ ٥٨ (٢٩٤٦)، و (النسائيّ) في "الجهاد" ٦/ ٤ (٤٢٩٨) وفي "المحاربة" (٣٤٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ. (ح) وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ - واللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِه، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ (١) الضَّبِّيُّ) أَبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) ١/ ١٠٢.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هُوَ: عَبد العزيز بن محمد بن عُبيد بن أبي عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، وكان يُحدّث من كُتُب غيره فيُخطئ، قال النسائيّ: منكر الحديث عن عبيد الله العمريّ [٨].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعمرو بن أبي عمرو، وثور بن زيد الدِّيليّ، وحميد الطويل، وجعفر الصادق، والحارث بن فُضَيل، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وَرَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وهما أكبر منه، وابن إسحاق، وهو من
стр. 476
شيوخه، والشافعيّ، وابن مهديّ، وابن وهب، ووكيع، وداود بن عبد الله الْجَعْفري، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، والقعنبيّ، وأصبغ بن الْفَرَج، وبشر بن الحكم، وسعيد بن منصور، والحميديّ، وإبراهيم بن حمزة، وهارون بن معروف، وغيرهم.
قال مصعب الزبيريّ: كان مالك يوثق الدَّرَاورديّ. وقال أحمد بن حنبل: كان معروفًا بالطلب، وإذا حَدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كُتُب الناس وَهِمَ، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قَلَب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر.
وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: الدَّراورديّ أثبت من فُلَيح، وابن أبي الزناد، وأبي أويس.
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو زرعة: سيء الحفظ، رُبَّما حَدَّث من حفظه الشيء فيخطئ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن يوسف بن الماجشون، والدَّراورديّ؟ فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وقال العجليّ: ثقة. وقال الساجيّ: كان من أهل الصدق والأمانة، إلا أنه كثير الوَهَم، قال: وقال أحمد: حاتم بن إسماعيل أحب إليّ منه، وقال عمرو بن عليّ: حَدَّث عنه ابن مهديّ حديثًا واحدًا. وقال الزبير: حدثني عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن: جاء الدَّراورديّ إلى أبي يَعْرِض عليه الحديث، فجَعَل يَلْحَن لَحْنًا منكرًا، فقال له أبي: ويحك إنك كنت إلى لسانك أحوج منك إلى هذا.
وقال ابن سعد: وُلد بالمدينة، ونشأ بها، وسمع بها العلم والأحاديث، ولم يزل بها حتى توفي سنة (١٨٧)، وكان ثقةً، كثير الحديث، يَغْلَط.
وَحَكَى البخاريّ أنه مات سنة (٨٩) وجزم به ابن قانع، والْقَرّاب، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في صفر سنة (٨٦) وكان يخطئ، قال: وقد قيل: إنه تُوُفّي سنة (٨٢) انتهى.
أخرج له الجماعة، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا.
стр. 477
[تنبيه]: قال ابن سعد: دَراورد قرية بخراسان، وقال أبو حاتم، عن داود الْجَعْفَريّ: كان أصله من قرية من قُرى فارس، يقال لها: دراورد، وقال البخاريّ: دار بجرد بفارس، كان جدّه منها، وقال أحمد بن صالح: كان من أهل أصبهان، نَزَلَ المدينة، وكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون، فلَقّبه أهل المدينة الدراوردي. وقال ابن حبّان: كان أبوه من درابجرد، مدينة بفارس، فاستثقلوا أن يقولوا: درابجردي، فقالوا: دراورديّ، وقد قيل: إنه من أندرانه، ووقع في "سنن أبي داود" في "الجهاد": حدثنا النُّفَيليّ، ثنا عبد العزيز الأَنْدَرَاورديّ، وقال أبو حاتم السجستانيّ، عن الأصمعيّ: نسبوا إلى درابجرد الدراوردي، فغَلِطُوا، قال أبو حاتم: والصواب دَرَابِيّ، أو جِرْدِيّ، ودَرَابِيّ أجود. انتهى (١).
وقال الشيخ ابن الصلاح في "صيانة صحيح مسلم"ج ١، ص ١٦٧: "الدَّراورديّ" عبد العزيز بن محمد، حروفه مهملة كلها، وهو بدال مفتوحة، ثم راء، بعدها ألف، ثم واو مفتوحة، بعدها راء ساكنة، ثم دال - والأثبت فيه أنه نَسَبٌ شاذّ مسموع على غير القياس، وأنه نسبة إلى دَرَابَجِرد، مدينة من فارس، وهي بدال مهملة مفتوحة، ثم راء، بعدها ألف، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم مكسورة، بعدها راء ساكنة، ثم دال، ومنهم من يُثبت فيها بعد الدال الأولى ألفًا أخرى - وما ذكرناه من كونه نسبةً إلى دَرَا بجرد هو قول أهل العربية، أو من ذَكَرَ ذلك منهم، وممن قاله من أهل الحديث الحافظان: أبو حاتم بن حبان الْبُسْتيّ، وأبو نصر الْكلاباذيّ، قال ابن حبان: كان أبوه منها، وقال الكلاباذي: كان جدّه منها، وقال أبو حاتم السجستانيّ اللغويّ: زعم الأصمعي أن الدراوردي الفقيه منسوب إلى درابجرد، قال أبو حاتم: وهو منسوب على غير قياس، بل هو خطأ، وإنما الصواب: دَرَابِيّ، أو جِرْديّ، ودرابي أجود، قلت: وليس من المرضي قولُ ابن قتيبة: إنه منسوب إلى دراورد، وكذا قول الكلاباذي: دراوردي هي درابجرد؛ لأن ذلك مشعر بأنه غير مخصوص بالنسب، وهو به مخصوص.
стр. 478
وقرأت بخط الحافظ أبي سعد السمعانيّ في كتابه "الأنساب": إنه قد قيل: إنه من أندرابة، قلت: وهذا لائق بقول من يقول فيه: الأندراورديّ، بزيادة همزة مفتوحة، ونون ساكنة في أوله، وهو قول أبي عبد الله الْبُوشَنْجيّ، من أئمة الحديث وأدبائهم.
وأَنْدَرابة مدينة من عمل بَلْخ، وقرية بمرو أيضًا.
قال: أخبرني شيخنا المسند، أبو الفتح، منصور بن عبد المنعم، حفيد الْفُرَاويّ بقراءتي عليه بنيسابور، عن أبي جَدّه، أبي عبد الله الفُرَاوي وغيره، عن أبوي عثمان: إسماعيل بن عبد الرحمن الصابونيّ، وسعيد بن محمد الْبَحِيريّ، وأبي بكر البيهقيّ، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر يقول: سمعت أبا عبد الله الْبُوشَنْجِيَّ غير مرّة يقول: عبد العزيز بن محمد الأَنْدَرَاورديّ، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى (١).
٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ) الْحُرَقِيّ - بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - أبو شِبْل - بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة - المدنيّ، مولى الْحُرَقة من جُهَينة، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأنس، وأبي السائب، مولى هشام بن زهرة، ونعيم المجمر، وسعد بن كعب بن مالك، وعليّ بن ماجد، وعباس بن سهل بن سعد، وغيرهم.
وروى عنه ابنه شِبْل، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن عجلان، ورَوح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، والدَّراورديّ، وابن أبي حازم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء، قال: وسألت أبي عن العلاء وسهيل؟ فقال: العلاء فوق سهيل، وكذا قال حرب عن أحمد، وزاد: وفوق محمد بن عمرو. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وهو وسهيل قريب من السواء.
стр. 479
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وقال أبو زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: صالح، رَوَى عنه الثقات، ولكنه أُنكر من حديثه أشياء، وهو عندي أشبه من العلاء بن المسيب، وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال ابن عديّ: وللعلاء نُسَخٌ يرويها عنه الثقات، وما أَرَى به بأسًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو داود: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان - يعني حديث: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" - وقال عثمان الدارميّ: سألت ابن معين عن العلاء وابنه، كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك، أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف - يعني بالنسبة إليه، يعني كأنه لَمّا قال: أوثق خشي أن يُظَنّ أنه يشاركه في هذه الصفة، فقال: إنه ضعيف. وقال الخليليّ: مدني مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثه: "إذا كان النصف من شعبان، فلا تصوموا"، وقد أخرج له مسلم من حديث المشاهير، دون الشواذّ، وقال الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الحديث.
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: صحيفةُ العلاء بالمدينة مشهورة، كان ثقةً، كثير الحديث، ثَبْتًا، وتُوُفيَ في أول خلافة أبي جعفر، وقال البخاريّ: قال عليّ: مات سنة (٣٢)، وقال ابن الأثير: مات سنة (٣٩).
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٧٠) حديثًا.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، المدني مولى الْحُرَقة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وهانئ مولى عليّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه العلاء، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن عَلْقَمة، وعُمَر بن حفص بن ذَكوان.
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو أوثق، أو المسيب بن رافع؟ فقال: ما أقربهما. وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 480
وذكره ابن المدينيّ مع الأعرج وغيره، من أصحاب أبي هريرة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا. والباقون تقدّموا قريبًا، ورَوْحٌ هو: ابن القاسم المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
وقوله: "أمرتُ أن أُقاتل الناس إلخ"، ووقع في بعض النسخ (١): "أقاتل الناس إلخ" بحذف "أمرت أن".
وقوله: (وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبمَا جِئْتُ بِهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه بيان ما اختُصِر في الروايات الَأُخَر، من الاقتصار على قوله: "لا إله إلا الله"، وقد تقدم بيان هذا، وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه، كَفَاه ذلك، وهو مؤمنٌ من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها؛ خلافًا لمن أوجب ذلك، وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزَعَمَ أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة، وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأٌ ظاهرٌ، فإن المراد التصديق الجازم، وقد حصل، ولأن النبيّ ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ، ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في "الصحيحين" يحصل بمجموعها التواتر بأصلها، والعلم القطعيّ، وقد تقدم ذكر هذه القاعدة في أول الإيمان. انتهى كلام النوويّ، وقد أجاد فيه وأفاد، وفنّد الرأي الباطل مما ابتدعه المتأخّرون من أهل الأهواء والعناد، والله تعالى وليّ الْهُدَى والرشاد.
وقوله: "عصموا منّي إلخ" أي منعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، وقال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، وفسّر العصمة بعده في الحديث بقوله: "حرُم ماله ودمه"، واختصاص ذلك بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة
стр. 481
إلى الإيمان، وأن المراد به مشركو العرب، وأهل الأوثان، ممن لا يوحّد الله ، وهم كانوا أوّل من دُعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيره ممن يوحّد الله، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: "لا إله إلا الله"؛ إذ يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وقد تقدّم تمام شرح الحديث قريبًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(مسألة):
حديث أبي هريرة ﵁ هذا بهذا السياق تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا فقط (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ … " بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(ح) وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ …
(ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِله إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
رجال هذا الإسناد:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبَرِيّ مولاهم، أبو سعيد
стр. 482
البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٩٢.
٤ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بمعجمة مكسورة، وياء ومثلّثة ابن طَلْق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ قاضيها، وقاضي بغداد أيضًا، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨].
رَوَى عن جده، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث الْحُدّاني، وأبي مالك الأشجعيّ، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، ومصعب بن سُليم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، والأعمش، والثوري، وجعفر الصادق، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، وابنا أبي شيبة، وابن معين، وأبو نعيم، وأبو داود الْحَفريّ، وأبو خيثمة، وعفان، وأبو موسى، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعمرو بن محمد الناقد، وأبو كريب، وابنه عمر بن حفص بن غياث، والحسن بن عرفة، وجماعة، ورَوَى عنه يحيى القطان، وهو من أقرانه.
قال ابن كامل: ولاه الرشيد قضاء الشرقية ببغداد، ثم عزله، وولاه قضاء الكوفة، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: صاحب حديث، له معرفة. وقال العجليّ: ثقة مأمون فقيه، كان وكيع ربما سئل عن الشيء، فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فسلوه. وقال يعقوب: ثقة ثبت، إذا حَدّث من كتابه، ويُتَّقَى بعضُ حفظه. وقال ابن خِرَاش: بلغني عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث، فأنكرتُ ذلك، ثم قَدِمت الكوفة بأخرة، فأخرج إليّ عُمَر بن حفص كتاب أبيه، عن الأعمش، فجعلت أترحَّم على يحيى. وحَكَى صاعقة، عن علي بن المديني شبيهًا بذلك، وقال ابن نُمير: كان حفص أعلم بالحديث من ابن إدريس. وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استُقْضِي، فمن كَتَب عنه من كتابه، فهو صالح، وإلا فهو كذا. وقال أبو حاتم: حفص أتقن، وأحفظ من أبي خالد الأحمر. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: حفص أثبت من عبد الواحد بن زياد، وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال ابن معين: جميعُ ما حدث به ببغداد من حفظه. وقال
стр. 483
الآجريّ عن أبي داود: كان ابن مهديّ: لا يُقَدِّم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث، وقال داود بن رُشيد: حفص كثير الغلط. وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حَسَنًا وكان عَسِرًا. وقال الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة: سمعت حفص بن غياث يقول: والله ما وَلِيتُ القضاء حتى حَلَّت لي الميتة، وكذا قال سَجّادة عنه، وزاد: ولم يَخلُف درهمًا يوم مات، وخَلَّف عليه الدين، وكان يقال: خُتِم القضاء بحفص، وقال يحيى بن الليث بعد أن ساق قصةً من عدله في قضائه: كان أبو يوسف لمّا وُلِّي حفص، قال لأصحابه: تعالوا نَكتُب نوادر حفص، فلما وَرَدت قضاياه عليه، قال له أصحابه أين النوادر؟ فقال: ويحكم إن حفصًا أراد الله فوفّقَه.
وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن حفصًا كان يُدلّس. وقال العجليّ: ثبت فقيه البدن.
وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغداديّ: قلت لأبي عبد الله: من أثبتُ عندك شعبة، أو حفص بن غياث؟ يعني في جعفر بن محمد، فقال: ما منهما إلا ثَبْتٌ، وحفص أكثر روايةً، والقليل من شعبة كثير. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا كثير الحديث، يُدَلِّس. وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان حفص بأخرة دخله نسيان، وكان يحفظ، ومما أُنكر على حفص حديثه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنّا نأكل ونحن نمشي"، قال ابن معين: تَفَرَّدَ، وما أراه إلا وَهِمَ فيه. وقال أحمد: ما أدري ماذا؟ كالمنكر له. وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده. وقال ابن المدينيّ: انفرد حفص نَفْسُهُ بروايته، وإنما هو حديث أبي الْبَزَريّ، وكذا حديثه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رفعه: "من أقال مسلمًا عَثْرَته … " الحديث، قال ابن معين: تفرد به عن الأعمش، وقال صالح بن محمد: حفص لَمّا ولي القضاء جفا كُتُبَهُ، وليس هذا الحديث في كتبه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ليس هذا الحديث في كتبه، قال ابن عديّ: وقد رواه عن حفص يحيى بن معين، وزكرياء بن عديّ، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول - في حديث حفص عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا: "خَمِّروا وجوه موتاكم … " الحديث -: هذا خطأ، وأنكره، وقال: قد حدثناه حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، مرسلًا.
стр. 484
قال هارون بن حاتم: سئل حفص، وأنا أسمع عن مولده؟ فقال: وُلدتُ سنة (١١٧)، قال: ومات سنة (١٩٤)، وكذا قال جماعة، وقال سَلْمُ بن جُنَادة: مات سنة (١٩٥)، وقال الفلاس، وأبو موسى: سنة (١٩٦)، والأول أصحّ، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في عشر ذي الحجة سنة خمس أو ست وتسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٩) حديثًا.
[تنبيه]: في الرواة من يُسمّى حفص بن غياث، اثنان: أحدهما هذا، والثاني حفص بن غياث، شيخ يروي عن ميمون بن مهران، مجهول، من الطبقة الثامنة، ليس له في الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر في كتب الرجال للتمييز، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٥ - (وكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي.
٦ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدّم في ١/ ١.
٧ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ ورعٌ، يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٠٢.
٨ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) ٤/ ١١٥.
٩ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) ١/ ٤.
١٠ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) ٤/ ١١٨.
١١ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ وابن الصحابيّ ﵄ مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة ٤/ ١١٥.
١٢ - (أَبُو هريرة) ﵁ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (وعن أبي صالح) عطف في قوله: "عن أبي سفيان"، فالأعمش يَرْوِي هذا الحديث عن شيخين بإسنادين: عن أبي سفيان، عن جابر ﵁، وعن
стр. 485
أبي صالح عن أبي هريرة ﵁، وكلاهما قالا: قال رسول الله ﷺ الحديث.
وقوله: (بمثل حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة ﵁)، يعني أن حديث أبي سفيان عن جابر، وأبي صالح عن أبي هريرة بمثل سياق حديث سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة الماضي قبل حديث.
[تنبيه]: حديث أبي سفيان الذي أحاله المصنف هنا ساقه الحافظ أبو نعيم في "مُستخرجه"، فقال: حدَّثنا عبد الله بن يحيى الطاحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص، وحدّثنا محمد بن عليّ بن حبيش، ثنا القاسم بن زكريّا، ثنا أبو كُريب، ثنا حفص بن غياث، وأبو معاوية، وحدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى الحمّانيّ، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - لفظ القاسم - وقال حفص عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله" (١).
وساقه أيضًا الحافظ ابن منده في "كتاب الإيمان"، فقال:
أنبأنا محمد بن عمرو البختريّ الرَّزَّاز، ثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، ثنا يعلى بن عُبيد، أنبأنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله (٢).
وقوله: (ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] الظاهر أن القارئ هو النبي ﷺ ، فهو من جملة المرفوع.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]: أي فذكّر يا محمد الناسَ بما أرسلت به إليهم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]. انتهى (٣).
стр. 486
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال المفسرون: معناه: إنما أنت واعظ، ولم يكن ﷺ أُمر إذ ذاك إلا بالتذكير، ثم أُمر بعدُ بالقتال، و"المسيطر": الْمُسَلَّط، وقيل: الجبار، وقيل الربّ. انتهى (١).
وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ العامّة على الصاد، وقُنبلٌ في بعض طرقه، وهشام بالسين، وخَلَفٌ بإشمام الصاد زايًا بلا خلاف، وعن خلّاد وجهان، وقرأ هارون "بمسيطر" بفتح الطاء، اسم مفعول؛ لأن سيطر عندهم متعدّ، يدلّ على ذلك فعل مطاوعه، وهو تسيطر، ولم يجئ اسم فاعل على مُفَيعل إلا مُسيطر، ومُبيقِرٌ، ومُهيمِنٌ، ومُبيطِرٌ، من سيطر، وبيقر، وهيمن، وبيطر، وقد جاء مُجَيمرٌ اسم وادٍ، ومُديبِرٌ، قيل: ويمكن أن يكون أصلهما مُجمِر، ومُدبر، فصُغِّرا، قلت: وقد تقدّم لك أن بعضهم جوّز مهيمنًا مصغّرًا، وتقدّم أنه خطأٌ عظيم، وذلك في سورة المائدة، وغيرها. انتهى كلام السمين (٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾، أي فعظهم يا محمد، وخَوِّفهم ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] أي واعظ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢] أي بمسلط عليهم، فتقتلهم، ثم نسختها آية السيف، وقرأ هارون الأعور "بمسيطَر" بفتح الطاء. انتهى (٣).
وفي "اللسان": "المسيطر"، و"المصيطر": الْمُسَلَّط على الشيء؛ ليُشرِف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السَّطْر؛ لأن الكتاب مُسَطَّرٌ، والذي يفعله مُسَطِّرٌ، ومُسَيْطِرٌ، يقال: سيطرتَ علينا، وقال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، أي مسلّط، يقال: سيطر يُسيطر، وتسيطر يتسيطر، فهو مُسيْطِرٌ، ومُتسيطِرٌ، وقد تُقلب السين صادًا؛ لأجل الطاء، وقال الزجّاج: المسطرون: الأرباب المسلَّطون، يقال: قد تسيطر علينا، وتَصَيْطَرَ، بالسين والصاد، والأصل السين، وكلُّ سين بعدها طاء يجوز أن تُقلب صادًا، يقال: سَطَرَ
стр. 487
وصَطَرَ، وسطا عليه وصطا، وسَطَرَهُ: أي صرعه. انتهى (١). والله تعالى بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث جابر ﵁ هذا انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية):
في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا ٨/ ١٣٥ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - وعن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ - كلاهما عن سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، عنه.
وأخرجه (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٤١) عن محمد بن بشّار، عن ابن مهديّ به، وقال: حسنٌ صحيح.
و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١٦٧٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن الثوريّ به.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٠٠ من طريق الثوريّ - ٣/ ٢٩٥ ومن طريق ابن جريج - كلاهما عن أبي الزبير به و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٦] (٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاح، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ").
стр. 488
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريُّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفيّ، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عديّ، وبشر بن المفضل، وعبد العزيز بن عبد الصمد العميّ، وعبد الملك بن الصبّاح، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ بن هشام، ويزيد بن هارون وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن يونس الْكُدَيميّ، وغيرهم.
قال ابن حبان في "الثقات": يُغرِبُ، مات سنة ثلاثين ومائتين، وفيها أَرّخه ابن قانع، وقال: ثقةٌ ثبتٌ.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
[تنبيه]: "الْمِسْمَعِيّ": - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم -: مَحِلّة بالبصرة، نزلها الْمِسْمَعون، فنُسبت إليهم (١)، وأفاد في "القاموس" أن "مِسْمَعًا" كمِنْبَرٍ: جمعه مَسَامِع: أبو قبيلة، وهم الْمَسَامِعَةُ. انتهى باختصار (٢).
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْن الصَّبَّاحِ) الْمِسْمَعِيُّ، أبو محمد الصَّنْعَانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وابن عون، والأوزاعيّ، وهشام بن حَسّان، وعبد الحميد بن جعفر، وعمران بن حُدَير، وشعبة، والثوريّ، وثور بن يزيد، الحمصيّ، وغيرهم.
وروَى عنه إسحاق بن راهويه، وبندار، وأبو موسى، وأبو غَسّان المسمعيّ، ونُصير بن الفَرَج، ويحيى بن حكيم الْمُقَوّم، وعبد الرحمن بن عمر، رُسته، والذُّهْليّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح، وقال ابن قانع: ثقة، وذكره ابن حبان في
стр. 489
"الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين ومائة في ذي القعدة، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة مائتين، وقال الخليليّ: عبد الملك بن الصبَّاح، عن مالك مُتَّهَمٌ بسرقة الحديث، قال الحافظ: كذا قال، ولم أر في الرواة عن مالك للخطيب، ولا للدارقطني أحدًا يقال له: عبد الملك بن الصبَّاح، فإن كان محفوظًا، فهو غيرُ الْمِسْمَعِيِّ. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٢) و (٩٠٤) و (٢٧١٩) و (٥٣٣).
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجِهْبِذُ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٥.
٤ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَوِيُّ المدنيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، وسعيد بن مُرْجانة، وابن أبي مليكة، وصفوان بن سُليم، ونافع مولى ابن عمر، وابن المنكدر.
وروى عنه أخوه عاصم، وابنه عثمان بن واقد، وشعبة.
قال أحمد، وأبو داود، وابن معين: ثقة، وقال ابن معين مرة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقةٌ يُحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٢٢) و (٦٥) و (٦٦) و (١٥٠٩) و (٢٠٦٠).
٥ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدّم في ٥/ ١٢١.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (ت ٧٣) (ع) ١/ ١٠١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
стр. 490
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد الملك بن الصبّاح، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، وواقد بن محمد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى مالك بن عبد الواحد، ولا عبد الملك بن الصباح غير المذكورين في هذا السند.
٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى واقدًا في الكتب الستّة سبعة، منهم في "الصحيحين" اثنان: أحدهما: واقد بن محمد هذا، والثاني: واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاريّ، له عند المصنّف حديث واحد فقط، وهو حديث عليّ ﵁ في قيام النبيّ ﷺ للجنازة، والباقون في "السنن".
[تنبيه]: قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: في "صيانة صحيح مسلم": واقد بن محمد الْعُمَريّ - بالقاف - وليس في "الصحيحين" وافد بالفاء أصلًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل ولا يوجد في الرواة، لا في الكتب الستة، ولا في غيرها من يسمّى وافدًا بالفاء أصلًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن واقد بن محمد روى عن أبيه عن جد أبيه، ورواية الأبناء عن الآباء كثيرة، لكن رواية الشخص عن أبيه، عن جدّه قليلة، وهي عن جدّ أبيه أقلّ.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ) أي أمرني الله تعالى؛ لأنه لا آمر لرسول الله ﷺ إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أُمِرتُ فالمعنى أمرني رسول الله ﷺ ، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعيّ: احتمل.
والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهِمَ منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس.
стр. 491
(أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي بأن أُقاتل، فحذف منه حرف الجر، وهو في مثله قياس، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدَّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ "كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
(حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) جُعِلت غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكِر، فمقتضاه أن مَن شَهِدَ، وأقام، وآتى، عَصَمَ دمه، ولو جحد باقي الأحكام.
والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أنّ نص الحديث، وهو قوله: "إلا بحق الإسلام" يدخل فيه جميع ذلك.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يَكْتَفِ به؟ ونَصَّ على الصلاة والزكاة.
[فالجواب]: أن ذلك لعظمهما، والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية.
(وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوق: إذا نَفَقَت، وقامت الحرب: إذا اشتدّ القتال، أو المراد بالقيام الأداء؛ تعبيرًا عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة المفروض منها، لا جنسَها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلًا، وإن صَدَقَ اسم الصلاة عليها.
(وُيؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعْطوها لمستحقيها (فَإِذَا فَعَلُوا) وفي رواية البخاريّ: "فإذا فَعَلوا ذلك"، وذكر اسم الإشارة باعتبار المذكور، أي فعلوا ما ذُكر من الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفيه التعبير بالفعل عما بعضُه قولٌ، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القولُ فعلُ اللسان. انتهى (١)، وقوله: (عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) جواب "إذا"، أي حفظوا، وحَقَنُوا، ومعنى العصمة في اللغة: المنع، ومنه العصام، وهو الخيط الذي تُشدّ به فم القربة، حيث يمنع الماء من السيلان (إِلَّا بِحَقِّهَا) أي بحقّ الدماء، والأموال، وللبخاريّ: "إلَّا بحقّ الإسلام"، وهو بمعناه، والاستثناء مفرّغ،
стр. 492
والعصمة متضمّنة لمعنى النفي؛ فلذا صحّ التفريغ؛ إذ هو شرطه، أي لا يجوز إهدار دمائهم وأموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقّها، والإضافة في "بحقّها" بمعنى اللام، ويجوز أن تكون بمعنى: "من"، وبمعنى "في".
[فائدة]: الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي، وجوّزه ابن مالك في كلّ موجب في النفي، نحو صمت إلا يوم الجمعة؛ إذ معناه لم أفطر، والتفريغ إما في نهي صّريح، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أو ما في معناه، كالشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، وإما في نفي صريح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أو فيما معناه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (١).
[تنبيه]: أراد بحقّ الدماء، ما بيّنه في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، متّفقٌ عليه،
وبحقِّ الأموال الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة بها.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: "إلا بحقها"، سيأتي أن أبا بكر ﵁ أدخل في هذا الحقّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء مَن أدخل فيه فعل الصيام والحج، أيضًا، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها بذلك، أخرجه الطبرانيّ، وابن جرير الطبريّ، من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ، قيل: وما حقُّها؟ قال: "زِنًا بعد إحصان، وكُفْرٌ بعد إيمان، وقتلُ نفس، فيقتل بها" (٢).
ولعل آخره من قول أنس ﵁، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه.
стр. 493
ويشهد لهذا ما في "الصحيحين" عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
(وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ") جملة من مبتدإ وخبر، أي محاسبة الناس بعد تمسّكهم بهذه الأشياء في أمور سرائرهم على الله .
وقال في "الفتح": قوله: "وحسابهم على الله"، أي في أمر سرائرهم، ولفظة "على" مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على الله في تحقيق الوقوع. انتهى (٢).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: "وحسابهم على الله ": يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، تَعْصِم دم صاحبهما وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله ، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد تقدم أن في بعض الروايات في "صحيح مسلم" ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ الآية [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
والمعنى إنما عليك أن تُذَكِّرهم بالله، وتدعوهم إليه، ولست مُسَلَّطًا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرًا، ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه.
وفي "مسند البزار" عن عياض الأنصاريّ، عن النبي ﷺ قال: "إن لا إله إلا الله، كلمةٌ على الله كريمةٌ، لها عند الله مكان، وهى كلمةٌ مَن قالها صادقًا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبًا حَقَنَت ماله ودمه، ولقي الله غدًا، فحاسبه".
وقد استَدَلَّ بهذا من يَرَى قبول توبة الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر
стр. 494
الْعَوْد إلى الإسلام، ولم يَرَ قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية):
في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٣٦] (٢٢) عن أبي غسّان مالك بن عبد الواحد، عن عبد الملك بن الصبّاح، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن أبيه، عنه.
و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٥) عن عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيّ، عن حرميّ بن عُمارة، عن شعبة، به.
وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" ١/ ١١٧ (١٢٠ و ١٢١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢٥) و (البيهقيّ) في "الكبرى" ٣/ ٣٦٧ و ٨/ ١٧٧ و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٣) و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٧٥) و (٢١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
(اعلم): أن هذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة، عن واقد بن محمد، قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيزٌ، تفرّد بروايته عنه عبد الملك بن الصبّاح عند المصنّف، وحَرَمِيّ بن عُمارة عند البخاريّ، وهو عزيز عن حرميّ، تفرّد به عنه الْمُسْنَديّ، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، ومن جهة إبراهيم أخرجه
стр. 495
أبو عوانة، وابن حبان، والإسماعيليّ، وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك، تفرّد به عنه أبو غسان شيخ المصنّف، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في "مسند أحمد" على سعته.
وقد استَبْعَد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لَمَا تَرَكَ أباه يُنازع أبا بكر ﵃ في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه، لَمَا كان أبو بكر يُقِرُّ عمر على الاستدلال بقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وينتقل عن الاستدلال بهذا النّصّ إلى القياس؛ إذ قال: لأُقاتلنّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله.
[والجواب]: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مُستَحضِرًا له، فقد يَحتَمِل أن لا يكون حَضَرَ المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذَكَرَهُ لهما بَعْدُ، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله ﷺ في الحديث الذي رواه: "إلا بحق الإسلام"، قال أبو بكر: والزكاةُ حقُّ الإسلام.
ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سبق بيانه في الأحاديث السابقة.
وفي القصة دليلٌ على أن السنة قد تَخْفَى على بعض أكابر الصحابة ﵃، ويَطَّلِعُ عليها آحادهم، ولهذا لا يجوز أن يُلْتَفَتَ إلى الآراء، ولو قَوِيت مع وجود سنة تخالفها، ولا يجوز أن يقال: كيف خَفِي ذا على فلان الإمام؛ إذ لا يكون أعلم، وأرفع رتبة من أبي بكر وعمر ﵄، وقد خفي عليهما ما حفظه صغار الصحابة ﵃، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الرابعة):
في فوائده:
١ - (منها): أن فيه دليلًا على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم تفنيد ذلك بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.