النَّاسُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؟)، وفي رواية النسائيّ: "أرأيت إذا بُدِّلت السماوات غير السماوات، والأرض غير الأرض؟ ".
قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن معنى هذا التبديل إزالة هذه الأرض، والإتيان بأرض أخرى، لا كما قاله كثير من الناس: إنها تُبدَّل صفاتها، فتُسَوَّى آكامها، وتغيّر صفاتها، وتُمَدّ مَدَّ الأديم، ولو كان هذا لَمَا أشكل كون الناس فيها عند تبديلها، ولَمَا جُمِعوا على الصراط، وقد دلّ على صحّة الظاهر المتقدّم حديث عائشة ﵂ إذ سألت عن هذا رسول الله ﷺ ، فقال مجيبًا لها: "على الصراط"، رواه مسلم (١).
والأرض المبدّلة هي الأرض التي ذُكرت في حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحْشَر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عَفْراء، كقُرْصة النَّقِيّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحد"، متّفقٌ عليه (٢). انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما نفاه القرطبي من تبدّل صفات الأرض قد دلّ عليه بعض النصوص، فلا ينبغي نفيه، بل يُطْلَب الجمع فيه، ولا يستغرب أن يُحمل على اختلاف الأوقات، ففي بعضها تُبدّل صفاتها، وفي بعضها، وهو الموقف تُبدّل ذاتها، والعلم عند الله تعالى، وسيأتي تحقيق البحث فيه في "كتاب صفة القيامة، والجنة والنار" حيث يسوق المصنّف الأحاديث المتعلّقة بهذا - إن شاء الله تعالى -.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُمْ فِي الظُّلْمَة، دُونَ الْجِسْرِ") بفتح الجيم وكسرها: ما يُعْبَر عليه، والمراد به هنا الصراط، و"دون" بمعنى فوق، كما بيّنه حديث عائشة ﵂ المتقدّم: "على الصراط" (٤).
стр. 4307
[فائدة]: "دُونَ" بالضمّ: تأتي لمعانٍ، تكون نقيض "فوقَ"، ويكون ظرفًا، وبمعنى "أَمَامَ"، و"وراءَ"، و"فوقَ"، فهو ضدّ، وبمعنى " غَيْرِ"، قيل: ومنه "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ"، أي من غير خمس أواق، قيل: ومنه الحديث: "أجاز الْخُلْعَ دون عِقَاص رأسها"، أي بما سوى عِقَاص رأسها، أو معناه: بكلّ شيء حتى بعِقاص رأسها، وتأتي بمعنى الشريف، والخسيس، ضدٌّ، وبمعنى الأمر، والوعيد، قاله المجد في "القاموس" (١).
وقد نظمت هذه المعاني بقولي:
لِـ"دُونَ "تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي … قَبْلُ وَفَوْقُ تَحْتُ خُذْ بَيَانِي
أَمَامُ وَالسَّاقِطُ وَالإِغْرَاءُ … وَالأَمْرُ وَالْوَعِيدُ زِدْ وَرَاءُ
وَعَلَّ عِنْدَ وَبِمَعْنَى بَعْدُ … فَاحْفَظْ فَحِفْظُ الْعِلْمِ نِعْمَ السَّعْدُ
(قَالَ) اليهوديّ: (فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟) بكسر الهمزة، وبالزاي، ومعناه جوازًا ومرورًا على الصراط، وفي رواية النسائيّ: "فمن أول الناس أجازه الله؟ ".
(قَالَ) ﷺ ("فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ") الإضافة بمعنى "من"، أو هو من إضافة الصفة للموصوف، يعني الصحابة الذين هاجروا من مكة فرارًا بدينهم، ونصرةً لرسول الله ﷺ ، وتركوا أهلهم، وأموالهم؛ طلبًا لرضا الله تعالى، كما قال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. (قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ)، وفي رواية النسائيّ: "فأَيْشٍ يُتْحَفُ أهل الجنّة؟ ".
و"التُّحْفَةُ" - بضمّ التاء الفوقيّة، وفتح الحاء المهملة، وتُسَكَّن -: ما يُهدى إلى الشخص، ويُخصّ، ويُلاطَف به، قال الفيّوميّ ﵀: "التُّحَفَةُ" وزانُ رُطَبة: ما أتحفت به غيرك، وحَكَى الصغانيّ، سكون الحاء أيضًا، قال الأزهريّ: والتاء أصلها واوٌ. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "التُّحفة": طُرْفة الفاكهة، وقد تُفْتَح الحاء (٣)،
стр. 4308
والجمع التُّحَف، ثم تُستَعمَل في غير الفاكهة من الألطاف والنَّعَص، قال الأزهريّ: أصل تُحفة وُحفة، فأُبدلت الواو تاءً، فيكون على هذا من حرف الواو. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: التُّحفة: ما يُتحف به الإنسان من الفواكه، والطُّرَف؛ محاسنةً، ومُلاطفَةً. انتهى (٢).
(حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟) ظرف و "تُحْفَتهم". (قَالَ) ﷺ ("زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ") بنونين الأولى مضمومة، وهو الحوت، وجمعه نِينَان، أي قطعة من كبد الحوت، قال القاضي عياض ﵀: زيادة الكبد، وزائدتها هي القطعة المنفردة المتعلّقة بها، وهي أطيبه، وقال أيضًا: وجاء في بعض روايات مسلم: "كبد الثور"، وهو تصحيف. انتهى.
وقال بعضهم: تعريف النون يُشعر بأنه حوتٌ مخصوص، وهذا من الأمور السمعيّة التي ينبغي الإيمان بها تعبّدًا. انتهى (٣).
وقد جاء نحو هذا في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال النبيّ ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدةً، يتكَفّؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السَّفَر (٤)؛ نزلًا لأهل الجنة"، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: "بلى"، قال: تكون الأرض خُبزة واحدةً، كما قال النبيّ ﷺ ، فنظر النبيّ ﷺ إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا. متفقٌ عليه (٥).
فقال في "الفتح": قوله: "يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا"، قال
стр. 4309
عياض: زيادة الكبد وزائدتها: هي القطعة المنفردة المتعلقة بها، وهي أطيبه، ولهذا خُصّ بأكلها السبعون ألفًا، ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فُضِّلوا بأطيب النزل، ويحتمل أن يكون عَبّر بالسبعين عن العدد الكثير، ولم يُرِد الحصر فيها، قال: وفي مسائل عبد الله بن سلام: "أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت"، وأن عند مسلم في حديث ثوبان: "تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون"، وفيه: "غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها"، وفيه: "وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا"، وأخرج ابن المبارك في الزهد بسند حسن، عن كعب الأحبار: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جَزُورًا، وإني أَجْزُركم اليوم حوتًا وثورًا، فيُجْزَر لأهل الجنة". انتهى (١).
(قَالَ) اليهوديّ: (فَمَا غَدَاؤُهُمْ) روي بالوجهين: أحدهما بكسر الغين، وبالذال المعجمتين، من الغذاء، وهو الطعام الذي يغذّى به الجسم في أيّ وقت من الأوقات، والثاني: بفتح الغين المعجمة، وبالدال المهملة، من الغداء، وهو الأكل أول النهار، قال القاضي عياض: هذا الثاني هو الصحيح، وهو رواية الأكثرين، قال: والأول ليس بشيء.
وتعقّبه النووي: فقال: له وجه، وتقديره: ما غذاؤهم في ذلك الوقت؟ وليس المراد السؤالَ عن غذائهم دائمًا. انتهى (٢).
(عَلَى إِثْرِهَا؟) بكسر الهمزة، مع إسكان الثاء المثلّثة، وبفتحهما جميعًا لغتان مشهورتان، أي بعد تناولهم تحفتهم (قَالَ) ﷺ ("يُنْحَرُ) بالبناء للمفعول (لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ) الإضافة بمعنى "في"، أي الثور الذي كان في الجنة، و"الثور" بفتح فسكون: الذكر من البقر، والأنثى ثورةٌ، والجمع ثِيرَان، وأَثْوار، وثِيَرَة، وزانُ عِنَبَة (٣). (الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا") بفتح الهمزة، جمع طَرَف بفتحتين، أي أطراف الجنة، وهذا يُشعر بأن ذلك الثور معهود ومعروفٌ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) اليهوديّ (فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟) أي على ما أكلوه من الغداء، أو من
стр. 4310
لحم ذلك الثور. (قَالَ) ﷺ ("مِنْ عَيْنٍ)، أي من ماء عين، فهو على حذف مضاف فلا وجه لاعتراض بعضهم بأن الجواب لم يُطابق السؤال، إذ السؤال عن الشراب، والجواب عن مكان الشراب، فعلى ما قلناه، يذهب الإشكال، ويضمحلّ، والله تعالى أعلم.
والجارّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوف دلّ عليه السؤال، أي يشربون من عين، وقوله: (فِيهَا) متعلّق بصفة لـ "عين"، وقوله: (تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا") ببناء الفعل للمفعول صفة لـ "عين" بعد صفة، أو حال منها؛ لوصفها بالجارّ والمجرور، أي سَلِسَة السبيل، سَهْلةَ الْمَشْرَع.
قال النوويّ ﵀: قال جماعة من أهل اللغة والمفسّرين: السلسبيل اسم للعين، وقال مجاهد وغيره: هي شديدة الْجَرْي، وقيل: هي السَّلِسَةُ اللَّيِّنة. انتهى (١).
وقال في "اللسان" السلسبيل: الليّن الذي لا خشونة فيه، وربما وُصف به الماء، وقال أيضًا: ويقال: شراب سَلْسلٌ، وسلسالٌ، وسلسبيلٌ، وقال الزجّاج: سلسبيلٌ اسم العين، وهو في اللغة في غاية السلاسة، فكأن العين سُمّيت لصفتها، وقال غيره: السلسبيل: اسم عين في الجنّة، ويقال: عين سَلْسَلٌ، وسلْسَالٌ، وسلسبيلٌ معناه: عذبٌ سهل الدخول في الحلق، قيل: جمع السلسبيل سلاسبُ، وسلاسيبُ، وجمع السلسبيلة سلسبيلات، وقال عبد الله بن رواحة [من الخفيف]:
إِنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي جِنَانٍ … يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ والسَّلْسَبِيلَا
الرحيق: الخمر، والسلسبيل: السهل المدخلِ في الحلق. انتهى بتصرّف (٢).
(قَالَ) اليهوديّ (صَدَقْتَ، قَالَ) اليهوديّ (وَجِئْتُ أَسألكَ عَنْ شَيْءٍ، لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، إِلا نَبِيٌّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلَانِ) كناية عن قلّة من يعرفه، بحيث لا يعرفه، إلا من أوحى الله إليه بعلمه، أو من أخبره ذلك النبيّ، وهم قليلون، (قَالَ) ﷺ ("يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ ") بتقدير همزة الاستفهام، (قَالَ)
стр. 4311
اليهوديّ (أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟)، وفي حديث أنس ﵁ عند البخاريّ في قصّة عبد الله بن سلام: "ومن أيِّ شيء يَنْزع الولد إلى أبيه، ومن أيِّ شيء يَنْزع إلى أخواله؟ "، وفي رواية: وما بالُ الولد يَنْزع إلى أبيه، أو إلى أمه؟ ".
(قَالَ) ﷺ ("مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا)، أي في الرحم (فَعَلَا)، أي غلب (مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَة، أَذْكَرَا)، أي وُلد لهما ولدٌ ذكرٌ، وقال ابن الأثير ﵀: "أذكرا"، أي وَلَدا ذَكَرًا، وفي رواية: "أذكرت"، أي ولدت ذكرًا، يقال: أذكرت المرأة، فهي مُذْكِرٌ: إذا ولدت ذَكَرًا، فإذا صار ذلك عادتها قيل: مِذْكَارٌ. انتهى (١). (بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُل، آنثَا)، أي وُلد لهما ولدٌ أُنثى، وقال المجد ﵀: آنثت المرأة إيناثًا: وَلَدَت أُنثى، فهي مؤنثٌ، ومُعتادتها مِئْنَاثٌ. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: معنى الأول: كان الولد ذكرًا، ومعنى الثاني: كان الولد أُنثى، وقوله: آنثا بالمدّ في أوله، وتخفيف النون، وقد رُوي بالقصر، وتشديد النون. انتهى (٣).
(بِإِذْنِ اللهِ") . (قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ)، أي في كلّ ما أخبرت به؛ لأنه موافق لما كان أخذه من التوراة، (وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ). قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أن مجرّد التصديق من غير التزام الشريعة، والدخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يُحكَم له بالإسلام. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ صحيح، لكن استدلاله بهذا الحديث غير صحيح، بل الذي يظهر أن هذا السائل عبد الله بن سلام؛ لتشابه القصتين، وأن قوله في هذه الرواية: "وإنك لنبيّ"، كقوله: في حديث أنس: "أشهد أنك رسول الله"؛ إذ لا فرق بين مفهوميهما، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) اليهوديّ عن مجلس النبيّ ﷺ ، أو مواصلة الأسئلة، وعلى
стр. 4312
كونه عبد الله بن سلام، فيكون المراد بالانصراف انصرافه عن غرائب المسائل، فإنه ثبت في حديث أنس زيادة: "ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ إن عَلِمُوا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله ﷺ : أَيُّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟، قالوا: أعلمنا، وابنُ أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله ﷺ : أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شَرُّنا، وابن شَرِّنا، ووَقَعُوا فيه".
(فَذَهَبَ) إلى مكان حاجته، وقال بعضهم: قد يكون العطف في قوله: "فذهب" عطف تفسير لرفع توهّم أنه انصرف عن قبول الحقّ مع بقائه في المجلس، وقد يكون عطف مغاير، بأن يراد من الانصراف تولية ظهره، ومن الذهاب البعد عن المجلس بحيث لا يسمع، وهذا هو الظاهر. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا)، أي اليهوديّ (عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ)، أي من هذه المسائل المتقدّمة، (وَمَا) نافية (لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ) أي من الذي سأله عنه (حَتَّى أتانِيَ اللهُ بِهِ")، أي أوحى الله إليّ بعلمه، وحديث أنس في قصّة عبد الله بن سلام: "فقال رسول الله ﷺ : خَبَّرني بهنّ آنفًا جبريل، قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٧/ ٧٢٢ و ٧٢٣] (٣١٥)، و (النسائيّ) في "عشرة النساء" (١٨٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٤١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤٢٢)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٤٨١ -
стр. 4313
٤٨٢) و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٤٣ و ٨٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧١٠)، وفي "صفة الجنة" (٣٣٧)، و (البيهقيّ) في "البعث" (٣١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان صفة منيّ الرجل، ومنيّ المرأة، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا.
٢ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً للنبيّ ﷺ ، حيث أخبر بالمغيّبات، واطّلع على أسرار علوم الناس، وعرف ما سيكون في الآخرة من أحوال الناس، ومآل أهل الجنّة، وما يُكرمون به من أصناف الضياف، ما قد خفي على غيره من الناس، وإنما اعترف له اليهوديّ، حيث قال له: صدقتَ، وإنك لنبيّ؛ لما لديه من العلم بالتوراة مما أوحى الله تعالى على موسى ﵇ كما أوحاه إلى نبيّنا ﷺ في وقت السؤال.
٣ - (ومنها): ما أكرم الله تعالى به نبيّه ﷺ ، حيث سئل عن أشياء لا علم له بها، ولا يعلمها إلا الله ، أو من أعلمه بالوحي، فجاءه جبريل ﵇ في الحال، وأعلمه بها، ففي حديث أنس ﵁ قال ﷺ : "أخبرني بهنّ جبريل آنفًا"، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٤ - (ومنها): بيان جواز اتخاذ الْمِخْصَرة، ونحوها للحاجة، ونَكتِ الأرض بها عند التفكّر في الأمر، وليس مُخِلًّا بالمروءة كما يظنّه بعضهم.
٥ - (ومنها): ما قاله عياض ﵀: فيه أن من قال مثل هذا - يعني قوله: "صدقت، وإنك لنبيّ" - من أهل الكتاب عن غير التزام للشريعة، فلا يُحسب قوله إيمانًا حتى يعتقده، ويلتزمه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد قدّمنا احتمال أن يكون اليهوديّ عبد الله بن سلام، وعليه فلا يصحّ هذا الاستنباط، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه على كون الحبر عبد الله بن سلام يؤخذ من صنيعه هذا فضل العلم الذي اتّصف به عبد الله، حيث بدأ بالسلام، وسأل الدافع سبب
стр. 4314
دفعه، ولم يُعنّفه، وقال: "إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله"، ولم يقل ما قالته قريش في الحديبية: "لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك"، فهذا من جراءتهم، ومعاندتهم، فإنهم يعلمون رسالته، ولكنهم يكابرون، فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقد أخرج الحاكم، في "المستدرك" من طريق أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن عليّ ﵁ قال: قال أبو جهل للنبيّ ﷺ : إنا لا نكذّبك، ولكن نكذّب بما جئت به، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق، واستئلاف الخلق إلى الإيمان، حيث قال: "إن اسمي الذي سمّاني به أهلي محمد".
٧ - (ومنها): بيان فضل فقراء المهاجرين، حيث أكرمهم الله تعالى بسبق غيرهم في الجواز على الصراط.
قال الأبيّ ﵀: ولا يدلّ هذا على أن فقراء المهاجرين أفضل من أغنيائهم، للإجماع على أن عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي هريرة، وأبي ذرّ ﵃، وقد يختصّ المفضول بخاصيّة ليست في الفاضل، ولا يكون بسببها أفضل، ولهذا المعنى لا يُحتجّ به لترجيح الفقراء، ولا يشترط في فقر المهاجرين دوامه، بل فقر زمنه ﷺ . انتهى (٢).
٨ - (ومنها): ما قاله أبو محمد بن أبي جمرة فيما يتعلّق بتبدّل الأرض: فيه دليلٌ على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة، ليكون السامع على بصيرة، فيُخَلِّص نفسه من ذلك الهول، لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضةَ النفس، وحملَها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتةً. انتهى.
٩ - (ومنها): ما قاله أيضًا: فيه إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًّا، والحكمة في الصفة المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حقٍّ، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه على عباده المؤمنين على أرض
стр. 4315
تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده. انتهى ملخصًا، ذكره في "الفتح" (١).
١٠ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن أرض الدنيا اضمَحَلَّت، وأُعدِمت، وأن أرض الموقف تجددت (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، فِي هَذَا الإِسْنَاد، بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: "زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ"، وَقَالَ: "أَذْكَرَ، وَأَنَّثَ (٣) "، وَلَمْ يَقُلْ: "أَذْكَرَا، وَآنَثَا").
رجال هذا الإسناد: ثلاثةٌ:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ متقنٌ، إمام [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) بن حيّان التّنِّيسيّ - بكسر المثنّاة، والنون الثقيلة، وسكون التحتانيّة، ثم مهملة - البكريّ، أبو زكريّا البصريّ، سكن تِنِّيس، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن وهيب بن خالد، ومعاوية بن سلام، وابن أبي الزناد، وسليمان بن بلال، والحمادين، وقريش بن حيان، ومحمد بن راشد المكحوليّ، وجماعة.
ورَوى عنه الشافعيّ، ومات قبله، وابنه محمد بن يحيى، ودُحَيم، وأحمد بن صالح المصريّ، والربيع بن سليمان المراديّ، ومحمد بن سهل بن
стр. 4316
عسكر، ومحمد بن مسكين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن الْبَرْقيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ، وقال الأثرم، عن أحمد: ثقةٌ، صاحب حديث، وقال العجليّ: كان ثقةً مأمونًا عالِمًا بالحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر البزار: يحيى بن حسان ثقةٌ، صاحب حديث، وقال مُطَيَّن: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مروان بن محمد: لم نكن نطلب الحديث حتى قَدِم يحيى بن حسان، وقال ابن يونس: كان ثقةً، حسن الحديث، وصنَّفَ كتبًا، وحَدَّث بها، وتُوُفِّي بمصر سنة ثمان ومائتين، وقال البخاريّ، عن الحسن بن عبد العزيز الجزريّ: مات سنة ثمان ومائتين، وفيها ذكره جماعةٌ، وقيل: مات سنة سبع، وقال دُحَيم: وُلد سنة أربع وأربعين (١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
وقوله: (فِي هَذَا الإسْنَاد، بمِثْلِهِ) يعني إسناد معاوية بن سلّام الماضي، وهو عن زيد بن سلّام، عن أَبي سلّام، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ، عن ثوبان ﵁.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا … إلخ) الضمير ليحيى بن حسّان، يعني أنه قال في روايته: "كنت قاعدًا إلخ" بدل قول الربيع بن نافع: "كنت قائمًا … " إلخ.
وقوله: (وَقَالَ: "زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ") يعني أن يحيى أيضًا قال في روايته: "زائدة كبد النون" بدل قول الربيع: "زيادة كبد النون"، وهو بمعناه، كما تقدّم بيانه.
وقوله: (وَقَالَ: "أَذْكَرَ، وَأَنَّثَ … إلخ) يعني أن يحيى أيضًا قال في روايته: "أذكر، وأنث" بضمير الواحد المذكّر، بدل قول الربيع: "أذكرا، وآنثا" بضمير التثنية، ولا يختلف المعنى؛ لأن معنى أذكر، وآنث: وُلد له ولدٌ ذكر، وولد
стр. 4317
أنثى، فهو بمعنى "أذكرا، وآنثا"؛ لأنه إذا ثبت للرجل ولد ذكرٌ، أو أنثى، فقد ثبت لامرأته، كما لا يخفى.
وقوله: (وَأنَّثَ) بفتح الهمزة بلا مدّ، وتشديد النون، هكذا في النسخة التي شرحها الأبيّ ﵀، ووقع في النسخة التي شرحها النووي ﵀: "وآنث" بالمدّ، والأول هو الموافق لما في رواية النسائيّ الآتية، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية يحيى التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية الربيع بن نافع، لم أجد نصها، إلا أن الإمام النسائيّ أخرج نَحْوَها في "كتاب عشرة النساء"، من "السنن الكبرى" (٥/ ٣٣٧)، من رواية مروان بن محمد، عن معاوية بن سلام، فقال ﵀:
(٩٠٧٣) أخبرني محمود بن خالد، عن مروان بن محمد، قال: نا معاوية بن سلام، قال: أخبرني أخي، أنه سمع جدَّه أبا سلام، يقول: حدثني أبو أسماء الرَّحَبِيّ، عن ثوبان، قال: كنت قاعدًا عند رسول الله ﷺ ، فأَتَى حِبْرٌ من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، قال: فدفعته حتى صَرَعته، فقال: لم دفعتني؟ قلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهوديّ: أنا أُسَمِّيه بالاسم الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : "أَجَلْ أهلي سَمَّوني محمدًا"، قال: جئت لأسأل، قال: "فينفعك إن أخبرتك؟ "، فقال: أسمع بأذنيّ، فقال رسول الله ﷺ : "سل عما بدا لك"، فقال اليهوديّ: أرأيتَ إذا بُدِّلت السماوات غير السماوات والأرض غير الأرض، أين يكون الناس؟ قال: "في الظلمة، دون الْجِسر"، قال: فمَنْ أَوَّلُ الناس أجازه الله؟ قال: "فقراء المهاجرين"، قال: فأَيْشٍ يُتْحَفُ بها أهل الجنة؟ قال: "زائدة كبد نون"، قال: فما غذاؤهم على إثر ذلك؟ قال: "يُنْحَر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها"، قال: فما شرابهم؟ قال: "من عين تسمى سلسبيل"، قال: صدقت، قال اليهوديّ: أسألك عن واحدة لا يعلمها إلا نبيّ، أو رجل، أو رجلان، قال: "هل ينفعك إن أخبرتك؟ "، قال: أسمع بأذني، قال: "سل عما بدا لك"، قال: من أين يكون شبه الولد؟ قال رسول الله ﷺ : "إن ماء الرجل غليظٌ أبيض، وماء المرأة أصفر رقيقٌ، فإن علا ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَ بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل أَنَّثَ بإذن الله"، قال: صدقت، وأنت نبيّ، ثم
стр. 4318
ذهب، فقال نبيّ الله ﷺ : "لقد سألني حين سألني، وما عندي علمٌ، حتى أنبأني الله به". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨) - (بَابُ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٤] (٣١٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا (٢) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْه، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِه، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْر، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأ (٣)، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِه، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد:
خمسة كلهم تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) لفظة "كان" تدلّ على الملازمة والتكرار، كقول ابن عبّاس ﵂: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير"، متّفقٌ عليه، ويقال: كان فلانٌ يَقْري الضيف، وقد تُستَعمل "كان" لإفادة مجرّد الفعل ووقوعه، دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، قاله ابن الملقّن ﵀ (٤).
(إِذَا اغْتَسَلَ) أي أراد الاغتسال، أو شرع في الاغتسال، قال ابن
стр. 4319
الملقّن ﵀: قولها: "إذا اغتسل" يَحْتَمل أن يكون من باب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي إذا أراد الاغتسال، ويَحْتَمِل أن يكون اغتسل بمعنى شَرَعَ فيه، فإنه يقال: فَعَلَ كذا: إذا فرغ منها، وفعل: إذا شرع فيه، فإذا حملنا "اغتسل" على معنى شرع صحّ؛ لأنه يُمكن أن يكون الشروع وقت الابتداء بغسل اليدين، وهذا بخلاف الآية، فإنه لا يمكن أن يكون وقتُ الشروع في القراءة وقتَ الاستعاذة، فلهذا تعيّن حمله على الإرادة فقط. انتهى (١).
(مِنَ الْجَنَابَةِ)، أي بسبب حدوث الجنابة له، فـ "من" سببيّة مجازًا عن ابتداء الغاية، من حيث إن السبب مصدر المسبّب، ومنشأ له، فتكون الجنابة هنا بمعنى الأمر الحكميّ الذي يتسبّب عن التقاء الختانين، أو الإنزال (٢).
(يَبْدَأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ) هذا الغسل يَحْتَمِل أن يكون للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويَحْتَمِل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، قال الحافظ ﵀: ويدلّ عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام: "قبل أن يُدخلهما الإناء"، رواه الشافعيّ، والترمذيّ.
(ثُمَّ يُفْرغُ) بضم أوله، من الإفراغ، بمعنى الصبّ، يقال: أفرغت الشيءَ: إذا صببته، إذا كان يسيل، أو من جوهر ذائب، قاله الفيّوميّ (٣). (بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ)، أي يصبّ بيده اليمنى على يده اليسرى (فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ) هكذا في رواية أبي معاوية عن هشام ذكر غسل الفرج، وليست هذه الزيادة في رواية مالك، قال الحافظ ﵀: وهي زيادة جليلة؛ لأن بتقديم غسله يَحصُل الأمن من مس فرجه في أثناء الغسل.
(ثمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) احترز به عن الوضوء اللغويّ، وَيحْتَمِل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنةً مستقلةً، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل. وَيحْتَمل أن يُكتَفَى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قُدِّم غسل
стр. 4320
أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وإلى هذا جَنَح الداوديّ، شارح "المختصر" من الشافعية، فقال: يُقَدِّم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء، لكن بنية غسل الجنابة.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الداوديّ هو الظاهر، والله تعالى أعلم.
ونقل ابنُ بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود، وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق هذا الخلاف في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ)، وفي رواية البخاريّ: "ثم يُدخل أصابعه في الماء" (فَيُدْخِلُ) بضم حرف المضارعة، من الإدخال (أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ)، ولفظ البخاريّ: "ثم يُدخل أصابعه في الماء، فيُخلّل بها أصول شعره"، وفي رواية الترمذيّ من طريق ابن عيينة، عن هشام: "ثم يُشَرِّبُ شعره الماء".
والمراد بأصول الشعر شعر الرأس، بدليل رواية النسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن هشام: "ويخلّل رأسه حتى يَصِلَ إلى شعره"، ويدل عليه رواية حماد بن سلمة، عن هشام عند البيهقيّ: "يُخَلِّل بها شِقَّ رأسه الأيمن، فَيَتَّبعُ بها أصول الشعر، ثم يفعل بشِقّ رأسه الأيسر كذلك".
وقال القاضي عياض: احتَجَّ به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل، إما لعموم قوله: "أصول الشعر"، وإما بالقياس على شعر الرأس.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعموم أصول الشعر فيه نظر لا يَخفى؛ لأن الرواية الأخرى تردّه، حيث بيّنت أنه شعر الرأس، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد؛ ليحصل تعميمه بالماء، وتأنيس البشرة؛ لئلا يصيبها بالصبّ ما تتأذى به.
стр. 4321
وقال القرطبيّ ﵀: قيل: إنما فعل ذلك - أي إدخال الأصابع في أصول الشعر - ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر، وقيل: ليستأنس بذلك حتى لا يَجِد بعده من صبّ الماء الكثير نفرة. انتهى (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: للتخليل ثلاث فوائد:
[الأولى]: تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
[ثانيها]: مباشرة الشعر باليد؛ ليحصل تعميمه.
[ثالثها]: تأنيس البشرة؛ خشيةَ أن يُصيب صبّه دَفْعَةً آفة في رأسه. انتهى (٢).
ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقًا إلا إن كان الشعر مُلَبَّدًا بشيء، يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله، قاله في "الفتح" (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الاتّفاق غير صحيحة، إلا إذا أراد الاتّفاق في مذهبه خاصّةً، وإلا فقد قال العينيّ: إن مذهب الحنفيّة وجوبه في غسل الجنابة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
ثم إن هذا التخليل يكون بأصابع اليدين العشر؛ لظاهر قولها: "أصابعه"، وفي رواية: "ثم يُخلّل بيديه شعره".
وقال ابن دقيق العيد ﵀: التخليل هنا إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، قال: ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل هل يكون بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولةً بغير نقل الماء؟، وأشار إلى ترجيح نقل الماء؛ لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في مسلم: "ثم يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشعر"، فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر هو ردٌّ على من يقول: يُخلِّل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائيّ في "السنن" ما يُبيّن هذا، فقال: "باب تخليل الجنب رأسه"، وأدخل حديث عائشة هذا فيه، قالت: "كان رسول الله ﷺ يُشرِّب رأسه، ثم يَحثي عليه
стр. 4322
ثلاثًا"، قال: فهذا بَيِّنٌ في التخليل بالماء. انتهى كلامه (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا رَأَى)، أي علم، فـ "رأى" هنا علميّة، لا بصريّة، وفي رواية البخاريّ: "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته" (أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأ) "أن" بفتح الهمزة، مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي أنه، وخبرها الجملة الفعليّة بعدها، وقد فُصِلت بـ "قد"، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ "قَدْ" أَوْ نَفْيٍ أَوْ … تَنْفِيسٍ أَوْ "لَوْ" وَقَلِيلٌ ذِكْرُ "لَوْ"
ووقع في بعض النسخ: "أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأ"، يقال: استبرأت الشيءَ: إذا طلبتَ آخره؛ لقطع الشبهة، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢)، فالمعنى هنا: أنه بالغ في إيصال البلل إلى جميع أصول شعره، حتى تأكّد لديه أنه أرواه بالماء، وقال القرطبيّ ﵀: معنى "استبرأ": أي استقصى، وبالغ، من قولهم: استبرأ الخبر. انتهى (٣).
(حَفَنَ)، أي أخذ الماء بيديه جميعًا، ثم صبّه (عَلَى رَأْسِهِ) قال المجد ﵀: "الْحَفْنُ": أخذك الشيءَ براحتيك، والأصابع مضمومة، أو الْجَرْفُ بكلتا اليدين. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: حَفَنْتُ له حَفْنًا، من باب ضَرَبَ، وحَفْنَةً، وهي مِلْءُ الكفّين، والجمع حَفَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى (٥).
وقوله: (ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ "حَفَنَ".
قال في "الفتح": وفيه استحباب التثليث في الغسل، قال النوويّ: ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما انفرد به الماورديّ، فإنه قال: لا يُستحبّ التكرار في الغسل، قال الحافظ: وكذا قال الشيخ أبو عليّ السنجيّ في "شرح الفروع"،
стр. 4323
وكذا قال القرطبيّ، وحَمَل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم، عن عائشة الآتية قريبًا - يعني قولها: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، دعا بشيء نحو الْحِلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه" - فإن مقتضاها أن كل غَرْفة كانت في جهة من جهات الرأس. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح القول باستحباب التثليث، ويُحمل حديث القاسم عن عائشة ﵂ على بعض الأحيان، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَفَاضَ) أي أسال الماء، وإفاضة الماء على الشيء: إفراغه عليه، يقال: فاض الماء: إذا جرى، وفاض الدمع: إذا سال، قاله ابن دقيق العيد (١)، وقال الصنعانيّ: في "القاموس": أفاض الماء على نفسه: أفرغه، والإفراغ الصبّ، وفيه دليل على أنه يُكتَفى بذلك، ولا يشترط الدلك. انتهى (٢). (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ)، أي بقيّة جسمه، فـ "السائر" بمعنى الباقي، على ما عليه الجمهور، كما قال الشنفري [من الطويل]:
إِذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي الرَّأْسِ أَكْثَرِي … وَغُودِرَ عِنْدَ الْمُلْتَقَى ثُمَّ سَائِرِي
أي بقيّتي، "والجسد" بفتحتين: الجسم، قال في "القاموس": "الْجَسَدُ" محرَّكةً: جسم الإنسان، والجنّ، والملائكة، والزعفرانُ، كالْجِسَاد، ككِتَاب. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال الفيّوميّ ﵀: سَئِرَ الشيءُ سُؤْرًا بالهمزة، من باب شَرِبَ: بَقِيَ، فهو سائرٌ، قاله الأزهريّ، واتَّفَقَ أهل اللغة (٤) أن سائرَ الشيءِ باقيه قليلًا كان أو كثيرًا، قال الصغانيّ: سائر الناس باقيهم، وليس معناه جميعهم، كما زَعَمَ من قَصُرَ في اللغة باعه، وجَعْلُهُ بمعنى الجميع من لَحْن العوامّ، ولا يجوز أن يكون مشتقًّا من سُورِ البلد؛ لاختلاف المادّتين. انتهى (٥).
стр. 4324
وقال المجد: السائر: الباقي، لا الجميع، كما توهّم جماعاتٌ، أو قد يُستعمل له، ومنه قول الأحوص [من الخفيف]:
فَجَلَتْهَا لَنَا لُبَابَةُ لَمَّا … وَقَذَ النَّوْمُ سَائِرَ الْحُرَّاسِ
قال الشارح المرتضى ﵀: في قوله: "أو يُستعمل له" إشارة إلى أن في السائر قولين: [الأول]: وهو قول الجمهور من أئمة اللغة، وأرباب الاشتقاق أنه بمعنى الباقي، ولا نزاع فيه بينهم، واشتقاقه من السؤر، وهو البقيّة.
[والثاني]: أنه بمعنى الجميع، وقد أثبته جماعة، وصوّبوه، وإليه ذهب الجوهريّ، والجواليقيّ، وحقّقه ابن برّيّ في "حواشي الدرّة"، وأنشد عليه شواهد كثيرة، وأدلّةً ظاهرةً، وانتصر لهم الشيخ النوويّ في مواضع من مصنّفاته، وسبقهم إمام العربيّة أبو عليّ الفارسيّ، ونقله بعضٌ عن تلميذه ابن جنّي، واختلفوا في الاشتقاق، فقيل: من السير، وهو مذهب الجوهريّ، والفارسيّ، ومن وافقهما، أو من السُّور المحيط بالبلد، كما قاله آخرون. انتهى كلام المرتضى ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن إطلاق "سائر" بمعنى الجميع، صحيح، وإن كان الغالب إطلاقه بمعنى الباقي، وذلك لوروده في أشعار العرب، وغيرها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فدعوى بعضهم كما سبق آنفًا أنه من لحن العوامّ، فيه نظر لا يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) هكذا رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة بزيادة غسل الرجلين بعد الاغتسال، قال في "الفتح": وهذه الزيادة تفرَّد بها أبو معاوية، دون أصحاب هشام، قال البيهقيّ: هي غريبة صحيحة، قال الحافظ: لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقالٌ، نعم له شاهدٌ من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه أبو داود الطيالسيّ، فذكر حديث الغسل، وزاد في آخره: "فإذا فَرَغَ غَسَلَ رجليه"، فإما أن تُحْمَل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها: "وضوءه للصلاة"، أي أكثرَه، وهو ما سوى الرجلين، أو يُحْمَل على ظاهره، ويستَدَلُّ برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء، ويَحْتَمِل أن يكون قوله في
стр. 4325
رواية أبي معاوية: "ثم غَسَل رجليه"، أي أعاد غسلهما؛ لاستيعاب الغسل بعد أن كان غَسَلَهما في الوضوء، فيوافق قوله في حديث الباب - يعني رواية البخاريّ -: "ثم يُفيض على جلده كله". انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أولى هذه الاحتمالات، وأقربها هو الاحتمال الأول؛ لأن غيره فيه نوع تكلّف، فيكون المراد أكثر وضوء الصلاة، فتكون روايات عائشة ﵂ موافقةً لروايات ميمونة ﵂، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٨/ ٧٢٤ و ٧٢٥ و ٧٢٦ و ٧٢٧] (٣١٦)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٤٨ و ٢٦٢ و ٢٧٢)، (وأبو داود) في "الطهارة" (٢٤٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٠٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣٤ و ١٣٥ و ٢٠٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٤٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٣٦ و ٣٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٩٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٦٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٠١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٩١ و ١١٩٦ و ١١٩٧) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٤ و ١٧٥ و ١٧٦ و ١٩٣)، وفي "المعرفة" (١/ ٤٢٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٥٩ و ٨٦٠ و ٨٦١ و ٨٦٢ و ٨٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): تكلّم الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد ﵀ في هذا الحديث، فقال: هذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعليّ بن مسهر، وغيرهم، فلم يذكر أحد
стр. 4326
منهم غسل الرجلين، إلا أبو معاوية، ولم يذكر غسل اليدين في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة، وسمعت أبا جعفر الحضرميّ يقول: سمعت ابن نُمير يقول: كان أبو معاوية يضطرب فيما كان من غير الأعمش، وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو معاوية في حديث الأعمش حجّةٌ، وفي غيره لا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في هذا الإعلال نظر؛ لأن لرواية أبي معاوية شاهدًا من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ عند أبي داود الطيالسيّ، فقد ذكر حديث الغسل، وزاد في آخره: "فإذا فرغ غَسَل رجليه"، كحديث أبي معاوية، ويؤيّد هذا حديث ميمونة ﵂ الآتي، ففيه أنه أخّر غسل رجليه، ولذا قال البيهقيّ ﵀: قوله في آخر هذا الحديث: "ثم غسل رجليه" غريبٌ صحيحٌ حَفِظه أبو معاوية، دون غيره من أصحاب هشام من الثقات، وذلك للتنظيف - إن شاء الله تعالى -. انتهى (٢).
والحاصل أن زيادة غسل الرجلين في رواية أبي معاوية صحيحة، فيكون حديث عائشة ﵂ بمعنى حديث ميمونة ﵂، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل، وقد تقدّم تمام البحث فيه.
٢ - (منها): أن قولها: "غسل يديه" هذا الغسل قبل إدخال اليدين الإناء، وقد تبيّن ذلك مصرّحًا به في رواية زائدة الآتية، بلفظ: "كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإناء".
٣ - (ومنها): استحباب تقديم الوضوء على الغسل، وقد اختُلف فيه، فذهب الجمهور إلى استحبابه، وذهب بعضهم إلى وجوبه، وأن الغسل لا ينوب
стр. 4327
عنه، والراجح قول الجمهور، وقد حقّقت المسألة بأدلتها في "شرح النسائيّ"، فراجعه (١) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): ما قال ابن دقيق العيد ﵀: لا شكّ في استحباب تقديم الوضوء على الغسل، نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقةً، فيُكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة، فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة، وإنما قُدّمت على بقيّة الجسد تكريمًا لها وتشريفًا، ويَسقُط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى، فقد يقول قائلٌ: قولها: "وضوءَ الصلاة" مصدرٌ مشبّهٌ به، وتقديره: وُضوءًا مثل وضوئه للصلاة، فيلزم أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة، لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقةً، لكان قد توضّأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصحّ التشبيه؛ لأنه يقتضي تغاير المشبّه والمشبّه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صحّ التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة.
وجوابه بعد تسليم كونه مصدرًا مشبّهًا به من وجهين:
[أحدهما]: أن يكون شُبّه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوءْ بقيد كونه في غسل الجنابة مغايرٌ للوضوء بقيد كونه خارجًا عن غسل الجنابة، فيحصُلُ التغاير الذي يقتضي صحّة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقةً.
[الثاني]: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنويّة ذهنيّة، شُبّه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يُطابق الصورة الذهنيّة لوضوء الصلاة. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): استحباب تخليل الشعر، ويكون ذلك بمجموع الأصابع العشر؛ لظاهر قولها: "فيُدخل أصابعه في أصول الشعر"، وفي رواية: "ثم يُخلّل شعره بيديه".
стр. 4328
٦ - (ومنها): استحباب صبّ الماء على الرأس.
٧ - (ومنها): ما قال في "الفتح": واستَدَلّ بقوله: "ثمّ أفاض … إلخ " مَن لم يشترط الدَّلْك، وهو ظاهرٌ، وقال المازريّ: لا حجة فيه؛ لأن أفاض بمعنى غَسَلَ، والخلاف في الغسل قائمٌ، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، والله أعلم.
وقال ابن الملقّن ﵀: فرّق في الحديث بين إفاضة الماء، وبين الغسل، فذكرت إفاضة الماء مجرّدةً بعد حصول التخليل، ثم الغسل (١)، فاستدل به المالكيّة على أن الغسل لا يكون إلا مع الدلك، وإلا فلا فائدة للتفرقة، وأنصف المازريّ المالكيّ، فقال: الحديث حخة للشافعيّة على عدم وجوب الدلك؛ لأن إفاضة الماء تكون مع الدلك ودونه، بخلاف الغسل، فيُحمل المطلق على المقيّد. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): أن القاضي عياضًا قال: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذِكْرُ التكرار.
فتعقّبه الحافظ، وأجاد فيه، فقال: بل ورد ذلك من طريق صحيحة، أخرجها النسائيّ، والبيهقيّ، من رواية أبي سلمة، عن عائشة ﵂، أنها وَصَفَت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، وفيه: "ثم يتمضمض ثلاثًا، وششنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ثم يُفيض على رأسه ثلاثًا". انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا استحباب التثليث في وضوء الغسل؛ لهذا النصّ الصريح، ولظاهر قولها: "توضّأ وضوءه للصلاة"، فإنكار القاضي عياض، والقرطبيّ، وغيرهما لاستحباب التثليث في الوضوء المذكور
стр. 4329
لا ينبغي أن يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٩ - (ومنها): بيان أن أفعال النبيّ ﷺ كلّها حجةٌ كأقواله، إلا ما كان خصوصيّةً له، وهي لا تثبت إلا بدليل خاصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
١٠ - (ومنها): أن النوويّ ﵀ لخّص في "شرحه" كيفيّة غسل الجنابة، فأجاد، وأفاد، فقال ﵀: قال أصحابنا: كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل، فيغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما على فرجه، وسائر بدنه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله، ثم يُدخل أصابعه كلها في الماء، فيغرف غرفة يُخَلِّل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يَحْثِي على رأسه ثلاث حثيات، ويتعاهد معاطف بدنه، كالإبطين، وداخل الأذنين، والسُّرَّة، وما بين الأليتين، وأصابع الرجلين، وعُكَن البطن، وغير ذلك، فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم يُفِيض على رأسه ثلاث حثيات، ثم يُفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات، يَدلُك في كل مرّة ما تصل إليه يداه من بدنه، وإن كان يغتسل في نهر أو بِرْكةٍ انغمس فيها ثلاث مرّات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته، والشعورِ الكثيفة والخفيفة، وَيعُمّ بالغسل ظاهر الشعر وباطنه، وأصول منابته.
والمستحب أن يبدأ بميامنه، وأعالي بدنه، وأن يكون مستقبل القبلة.
قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ على استحباب استقبال القبلة في حالة الوضوء، ما أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سيِّدًا، وإن سيد المجالس قُبَالةُ القبلة" (١)، والله تعالى أعلم.
قال: وأن يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه، ويَستصحب النية إلى أن يفرغ من غسله، فهذا كمال الغسل.
стр. 4330
والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء، ومن شرطه أن يكون البدن طاهرًا من النجاسة، وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة.
وينبغي من اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يَغفُل عنها، وهي أنه إذا استنجى، وطَهَّر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن رُبَّما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصحّ غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مسّ فرجه، فينتقض وضوؤه، أو يحتاج إلى كُلْفة في لَفّ خِرْقة على يده، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: غسل محلّ الاستنجاء مرّة ثانيةً محلّ نظر، بل الذي يظهر لي أنه حينما يسنتجي أوّلًا ينوي به إزالة الجنابة أيضًا، فلا يحتاج لغسله مرّةً ثانيةً، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: هذا مذهبنا، ومذهب كثيرين من الأئمة، ولم يوجب أحد من العلماء الدلك في الغسل، ولا في الوضوء إلا مالك، والمزنيّ، ومن سواهما يقول: هو سنة، لو تركه صحت طهارته في الوضوء والغسل، ولم يوجب أيضًا الوضوء في غسل الجنابة إلا داود الظاهريّ، ومن سواه يقولون: هو سنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء، صَحّ غسله، واستباح به الصلاة وغيرها، ولكن الأفضل أن يتوضأ كما ذكرنا، وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده.
قال الجامع عفا الله عنه: حصول الفضيلة بالوضوء بعد الغسل فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه خلاف السنّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا توضأ أوّلًا لا يأتي به ثانيًا، فقد اتَّفَقَ العلماء على أنه لا يُستحب وضوءان، فهذا مختصر ما يتعلق بصفة الغسل، وأحاديث الباب تدل على معظم ما ذكرناه، وما بقي فله دلائل مشهورة، والله تعالى أعلم.
(واعلم): أنه جاء في روايات عائشة ﵂، في صحيح البخاري ومسلم: أنه ﷺ توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه، فظاهر هذا أنه ﷺ أكمل الوضوء بغسل الرجلين، وقد جاء في أكثر روايات ميمونة ﵂: توضأ، ثم أفاض الماء عليه، ثم تنحى فغسل رجليه، وفي رواية من حديثها، رواها
стр. 4331
البخاريّ: توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه، ثم أفاض الماء عليه، ثم نَحَّى قدميه، فغسلهما، وهذا تصريح بتأخير القدمين.
وللشافعي ﵀ قولان، أصحهما وأشهرهما، والمختار منهما أنه يُكَمّل وضوءه بغسل القدمين، والثاني أنه يؤخر غسل القدمين، فعلى القول الضعيف، يتأول روايات عائشة، وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، وهو ما سوى الرجلين، كما بيّنته ميمونة في رواية البخاريّ، فهذه الرواية صريحة، وتلك الرواية محتملة للتأويل، فيُجْمَع بينهما بما ذكرناه.
وأما على المشهور الصحيح، فيُعْمَل بظاهر الروايات المشهورة المستفيضة عن عائشة وميمونة ﵄ جميعًا في تقديم وضوء الصلاة، فإن ظاهره كمال الوضوء، فهذا كان الغالب والعادة المعروفة له ﷺ ، وكان يعيد غسل القدمين بعد الفراغ؛ لإزالة الطين، لا لأجل الجنابة، فتكون الرجل مغسولة مرتين، وهذا هو الأكمل الأفضل، فكان ﷺ يواظب عليه، وأما رواية البخاريّ، عن ميمونة ﵂، فجرى ذلك مرةً، أو نحوها؛ بيانًا للجواز، وهذا كما ثبت أنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومرةً مرةً، فكان الثلاث في معظم الأوقات؛ لكونه الأفضل، والمرة في نادر من الأوقات؛ لبيان الجواز، ونظائر هذا كثيرةٌ.
وأما نية هذا الوضوء، فينوى به رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبًا، غير محدث، فإنه ينوي به سنة الغسل. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيق جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح)، وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ،
стр. 4332
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، كلُهُمْ عَن هِشَامٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٦ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٧ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٨ - (هِشَام) بن عروة المذكور في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ)، يعني أن كلَّ هؤلاء الثلاثة: جرير، وعليّ بن مسهر، وعبد الله بن نُمير رووه عن هشام بن عروة بسنده الماضي، وهو عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ)، يعني أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا غسل الرجلين في آخر الحديث، كما ذكره أبو معاوية، في روايته السابقة، وقد تقدّم البحث عنه في الحديث الماضي، فلا تنس، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: رواية عليّ بن مُسهِر التي أحالها المصنّف على رواية أبي معاوية، أخرجها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
стр. 4333
(٤٢٠) أخبرنا عليّ بن حجر، قال: حدثنا عليّ بن مُسهِر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل رأسه بأصابعه، حتى إذا خُيّل إليه أنه قد استبرأ البشرة، غَرَفَ على رأسه ثلاثًا، ثم غسل سائر جسده". انتهى.
وأما رواية عبد الله بن نمير، فأخرجها الإمام الدارقطنيّ ﵀ في "سننه" (١/ ١١٣)، فقال:
(١١) حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، نا عبد الله بن نمير، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يُدخل يده في الإناء، فيخلل بها أصول شعره، حتى إذا خُيِّل إليه أنه قد استبرأ البشرة، غَرَف بيديه ملء كفيه ثلاثًا، فصَبَّها على رأسه، ثم اغتسل، فأفاض الماء على جسده". انتهى.
وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فلم أجد من أخرجها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٦] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَة، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا"، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوَيةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مليح الحافظ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا، وكذلك الباقون تقدّموا في الحديث الماضي.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ … إلخ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير
стр. 4334
وكيع، يعني رواية وكيع عن هشام، نحو رواية أبي معاوية عنه، إلا أنه لم يذكر غسل الرجلين في الأخير.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه التي أحالها المصنّف على رواية أبي معاوية، أخرجها الإمام أبو بكر بن أبي شيبة: في "مصنّفه" (١/ ٤٦) فقال:
(٦٨٥) حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أن النبيّ ﷺ اغتَسَلَ من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أدخل يده، فخَلَّل بها أعول الشعر، حتى يُخَيَّل إليّ أنه استبرأ البشرة، ثم صَبَّ الماء على رأسه ثلاثًا:، ثم أفاض على سائر جسده الماء". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَة، بَدَأَ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الإِنَاء، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (مُعَاوِيَة بْنُ عَمْرِو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنيّ، أبو عمرو البغداديّ، المعروف بابن الْكِرْمانيّ، ثقة، من صغار [٩] (ت ٢١٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٥١١.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
стр. 4335
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإدخال رباعيًّا، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٨] (٣١٧) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ كُرَيْب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ، قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُول اللهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَة، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاء، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهَا (١) عَلَى فَرْجِه، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِه، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة، ثُمَّ أفرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، مِلْءَ كَفِّهِ (٢)، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِه، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْه، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيل، فَرَدَّهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المذكور قبل حديثين.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧)، وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورعٌ، يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، وكان يرسل كثيرًا [٣].
стр. 4336
رَوَى عن عمر، ولم يدركه، وكعب بن مرة، وقيل: لم يسمع منه، وعائشة، والصحيح أن بينهما أبا المليح، وأبا كبشة. وقيل: عن ابن أبي كبشة، عن أبيه، وجابان، وقيل: بينهما نُبيط، وعن ثوبان، وزياد بن لبيد، وعلي بن أبي طالب، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنه الحسن، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن دينار، وعمرو بن مرة، وقتادة، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وعمار الدُّهني، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال الذهلي عن أحمد: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يَلْقَه، بينهما مَعْدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح. وقال العجليّ: ثقة تابعي. وقال إبراهيم الحربي: مُجْمَع على ثقته. وقال أبو حاتم، عن أبي زرعة: سالم بن أبي الجعد عن عمر وعثمان وعلي مرسل. وقال علي: لم يَلْقَ ابن مسعود، ولا عائشة. وقال أبو حاتم: أدرك أبا أمامة، ولم يدرك عمرو بن عبسة، ولا أبا الدرداء، ولا ثوبان. وقال البخاريّ: لا يُعرف لسالم من جابان سماع. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أرى سالمًا سمع زيادًا - يعني ابن لبيد -.
قال مطين: مات سنة مائة. وقيل: سنة إحدى ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة سبع وتسعين، أو ثمان وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، مات سنة مائة. وقيل: إحدى ومائة. وقيل: قبل ذلك. وقال ابن زَبْر: توفي سنة تسع وتسعين، وله من العمر مائة وخمس عشرة سنة.
قال الحافظ: كذا قال، ولا يصح ذلك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا.
٥ - (كُرَيْب) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ مولى ابن عبّاس، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
стр. 4337
٧ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث، أم المؤمنين ﵂ الهلاليّة، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ ﷺ ميمونة، تزوّجها بسرف سنة سبع، وماتت بها، ودُفنت في الظلّة التي بنى بها النبيّ ﷺ سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى سالم، سوى شيخه، فمروزيّ، والباقي مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن سالم، عن كُريب.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته: ابن عباس، عن ميمونة ﵃.
٦ - (ومنها): أن ابن عبّاس أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
٧ - (ومنها): أن ميمونة ﵂ قد اتّفق لها أمر غريبٌ، وهو أن النبيّ ﷺ تزوّجها بسَرِف، مكان قريبٌ من مكة (١)، وبنى بها فيها، وتُوفّيت، ودُفنت في الموضع الذي بنى بها النبي ﷺ بعد أكثر من أربعين سنة، كما أسلفته آنفًا، وهذا من غريب الاتّفاق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي)، أي أخت أمه لبابة
стр. 4338
الكبرى ﵂ (مَيْمُونَةُ) بالرفع على البدليّة من "خالتي"، وقوله: (قَالَتْ) تفسيرٌ وتوضيحٌ لـ "حدّثتني" (أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ )، أي قرّبت إليه، وهكذا في رواية النسائيّ، وعند الترمذيّ، وابن ماجه، وروايةٍ للبخاريّ: "وَضَعتُ لرسول الله ﷺ "، وفي أخرى للبخاريّ: "صَبَبتُ للنبيّ ﷺ غُسْلًا" (غُسْلَهُ) بضمّ، فسكون: اسم من الاغتسال، فهو على حذف مضاف، أي ماءَ غُسله، وقيل: الغسل بالضمّ: الماء الذي يُتطهّر به، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير مضاف.
قال ابن الأثير ﵀: الْغُسْلُ بالضمّ: الماء الذي يُغتسل به، كالأُكْل لما يؤكل، وهو الاسم أيضًا، من غَسَلْتُهُ، والْغَسْلُ بالفتح: المصدر، وبالكسر: ما يُغْسَل به من خِطْميّ وغيره. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: غَسَلْتُهُ غَسْلًا، من باب ضَرَبَ، والاسم الْغُسْلُ بالضمّ، وجمعه أَغْسالٌ، مثلُ قُفْل وأَقْفال، وبعضهم يَجعل المضموم والمفتوح بمعنى، وعزاه إلى سيبويه، وقيل: الْغُسل بالضمّ: هو الماء الذي يُتطهّر به، قال ابن الْقُوطيّة: الْغُسل تمام الطهارة، وهو اسم من الاغتسال. انتهى (٢).
(مِنَ الْجَنَابَةِ) متعلّق بـ "غسل"، أما على كونه اسم مصدر فواضحٌ، وأما على كونه اسمًا للماء، فيتعلّق على مضاف مقدّر بعد "غُسل" أي غُسل اغتساله، أي ماء اغتساله، وعند أبي داود: "غُسلًا يَغتسل به من الجنابة" (فَغَسَلَ كفَّيْهِ)، وعند أبي داود: "فأكفأ الإناء على يده اليمنى، فغسلها" بالإفراد، لكن أكثر الروايات تدلّ على أنه غسل الكفّين (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) منصوبان على الظرفيّة لـ "غَسَلَ"، و"أو" فيه للشكّ، وهو من الأعمش، كما صرّح به البخاريّ من طريق أبي عوانة، عنه، وفيه: "فصَبّ على يده، فغسلها مرّةً، أو مرّتين"، قال سليمان - يعني الأعمش -: لا أدري أَذَكَرَ الثالثة أم لا؟، وفي رواية له من طريق عبد الواحد، عن الأعمش: "فأفرغ على يديه، وغسلهما مرّتين، أو ثلاثًا"، ولابن فُضيل، عن الأعمش: "فصَبّ على يديه ثلاثًا"، ولم يشكّ،
стр. 4339
أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، قال الحافظ ﵀: فكأنّ الأعمش كان يشكّ فيه، ثم تذكّر، فجزم؛ لأن سماع ابن فُضيل منه متأخّر. انتهى (١).
(ثمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ)، أي اليُمنى، ففي رواية النسائيّ: "ثم أدخل يمينه" (فِي الإِنَاءِ)، أي الوعاء الذي أدنته إليه ميمونة ﵂ للاغتسال منه (ثُمَّ أَفْرَغَ بِهَا)، أي صبّ الماء بيده، هكذا وقع في نسخة "شرح الأبيّ" بتأنيث الضمير، وهو الصواب، ووقع في معظم النسخ بلفظ "به" بضمير المذكّر، والظاهر أنه غلطٌ؛ لأن اليد مؤنّثة بلا خلاف، فتأمّل.
(عَلَى فَرْجِهِ) قال ابن الملقّن ﵀: الفرج: العورة، قاله الجوهريّ، واعتَرَضَ عليه بعضُ المالكيّة بأنه يلزم منه أن يقع الفرج على الدبر أيضًا؛ إذ هو عورةٌ، ثم ادّعى أن المعروف أن الفرج مختصّ بالقُبُل، والاست بالدُّبُر، ولا يُسلَّمُ له؛ فإن الفرج أصله لغةً: الخلل بين شيئين، وذلك يعمّهما، نعم المراد به هنا القُبُلُ فيما يظهر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الفرج يعمّ القبل والدبر، وإن كان أكثر استعماله في القبل، قال الفيّوميّ ﵀: الفرج من الإنسان يُطلق على القبل والدُّبُر؛ لأن كلّ واحد منفرِجٌ، أي مُنفتِحٌ، وأكثر استعماله في العُرْف في القبل، انتهى (٣).
(وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ) بكسر الشين المعجمة: خلاف اليمين، وهى مؤنّثة، كاليمين، وجمعها أَشْمُل، وشمائل، قاله الفيّوميّ (٤).
والمعنى: أنه غَسَلَ فرجه بيده اليسرى، وفيه استحباب صبّ الماء باليمين، وغسل الفرج بالشمال.
قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه البداءة بغسل الفرج؛ لإزالة ما عَلِقَ به من أذى، وينبغي أن يُغسَل في الابتداء عن الجنابة؛ لئلا يَحتاج إلى غسله مرّةً
стр. 4340
أخرى، وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء، فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة، وللغسل عن الجنابة، فهل يُكتفى بذلك، أم لا بدّ من غسلتين: مرّةً للنجاسة، ومرّةً للطهارة عن الحدث؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعيّ، ولم يَرِد في الحديث إلا مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، فقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة من حيثُ إن الأصل عدم غسله ثانيًا. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاكتفاء هو الحقّ؛ عملًا بظاهر النصّ؛ إذ هو مطلق، لا يقتضي التكرار، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ ضرَبَ بِشِمَالِهِ) التي غسل بها فرجه (الْأَرْضَ). قال ابن الملقّن ﵀: الظاهر أنه من المقلوب، والأصل ضرب الأرض بيده؛ لأن اليد هي الآلة، والباء لا تدخل إلا على الآلة، كضربت بالعصا، وكتبت بالقلم، وشبه ذلك، وقد جاء القلب كثيرًا في كلامهم، قالوا: عَرَضتُ الناقة على الحوض، وأدخلت القَلَنْسُوة في رأسي، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، أي العُصبة تنوء بالمفاتيح؛ لثقلها على ما قيل.
(فَدَلَكَهَا)، أي دلك شماله (دَلْكًا شَدِيدًا) مفعول مطلق مبيّن للنوع، والدلك: مصدر دَلَكَ الشيءَ، من باب نَصَرَ: إذا مَرَسَهُ، وعَرَكَهُ، قال الشاعر [من الرجز]:
أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … شَعْرَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي
والمعنى: حَكّ شماله على الأرض بقوّة؛ مبالغةً في التنظيف.
قال ابن دقيق العيد ﵀: وضربه ﷺ بالأرض، أو الحائط؛ لإزالة ما لعلّه عَلِقَ باليد من الرائحة؛ زيادة في التنظيف، ثم قال:
إذا بقيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء في الإزالة لم يضرّ على مذهب بعض الفقهاء، وفي مذهب الشافعيّ خلاف، وقد يؤخذ العفو عنه من هذا الحديث، ووجهه أن ضربه ﷺ بالأرض، أو الحائط لا بدّ وأن يكون لفائدة،
стр. 4341
ولا جائز أن يكون لإزالة العين؛ لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتّفاقًا، وإذا كانت اليد نجسةً ببقاء العين فيها، فعند انفصالها ينجس المحلّ بها، وكذلك لا يكون للطعم؛ لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين، ولا يكون لإزالة اللون، لأن الجنابة بالإنزال، أو بالمجامعة لا تقتضي لولًا يلصق باليد، وإن اتّفق فنادرٌ جدًّا، فبقي أن يكون لإزالة الرائحة، ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها؛ لأن اليد قد انفصلت عن المحلّ على أنه قد طهُر، ولو بقي ما تتعيّن إزالته من الرائحة لم يكن المحلّ طاهرًا، لأنه عند الانفصال تكون اليد نجسةً، وقد لابست المحلّ مبتلًّا، فيلزم من ذلك أن يكون بعض الرائحة معفوًّا عنه، ويكون الضرب على الأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته.
وَيَحْتَمِل أن يقال: فصلُ اليد عن المحلّ بناء على ظنّ طهارته بزوال رائحته، والضرب على الأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة مع الاكتفاء بالظنّ في زوالها.
والذي يقوّي الاحتمال الأول ما ورد في الحديث الصحيح من كونه ﷺ دَلَكَها دَلْكًا شديدًا، والدلك الشديد لا يناسبه هذا الاحتمال الضعيف. انتهى كلامه ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام ابن دقيق العيد: كلّه مبنيّ على القول بنجاسة المنيّ، ورطوبة الفرج، وقد تقدّم ترجيح القول بطهارتهما، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أي مثل وضوئه لها، وهكذا رواية المصنّف مجملة، وقد وقعت مفصّلة عند البخاريّ وغيره، حيث قالت: "ثم مضمض، واستنشق، وغسل وجهه، ويديه … " الحديث، وقد تقدم البحث في تشبيه هذا الوضوء بوضوء الصلاة مستوفى في حديث عائشة ﵂ الماضي (ثُمَّ أفرَغَ)، أي صبّ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ) بفتحات، جمع حَفْنة بفتح، فسكون، وهي
стр. 4342
ملء الكفّين جميعًا، فيكون قوله: (مِلْءَ كَفِّهِ) مؤكّدًا، ووقع في بعض النسخ "ملء كفّيه" بالتثنية، ولا تخالف بينهما؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، كما سبق بيانه.
وقال النوويّ في "شرحه": قولها: "ملء كفه" هكذا هو في الأصول التي ببلادنا "كفّه" بلفظ الإفراد، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، وفي رواية الطبريّ "كفيه" بالتثنية، وهي مفسرة لرواية الأكثرين. انتهى (١).
(ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) أي باقيه، وقد سبق تمام البحث في لفظ "سائر" قريبًا.
[تنبيه]: ظاهر قولها: ثم أفرغ على رأسه" يقتضي أنه لم يمسح رأسه، كما يفعل في الوضوء، قاله ابن دقيق العيد (٢)، وقال الحافظ ﵀: لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء. انتهى (٣).
(ثُمَّ تَنَحَّى) أي ابتعد (عَنْ مَقَامِهِ) بفتح الميم: اسم موضع من قام ثلاثيًّا، أو بضمّها من أقام رباعيًّا، أي من محلّه، وقوله: (ذَلِكَ) عطف بيان، أو بدل عن "مقامه" (فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ) فيه تأخير غسل الرجلين عن إكمال وضوء الغسل، وهو مخالف لظاهر حديث عائشة ﵂، كما سبق بيانه، ويمكن الجمع بينهما بحمل رواية عائشة على المجاز، أو على اختلاف الأوقات، والأول أقرب، كما أوضحته فيما سبق، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ) بكسر الميم، وفتحها، وكَمِنبَرٍ: هو الذي يُتمسّح به، وتَنَدّل به، وتمندل: تمسّح، قاله في "القاموس" (٤).
وجعل في "اللسان" فتح الميم نادرًا، قال: قيل: هو من الندل الذي هو الوسخ، وقيل: إنما اشتقاقه من النَّدْل الذي هو التناوُلُ، وتندّلتُ بالمنديل، وتمندلتُ: أي تمسّحتُ به من أثر الوضوء، أو الطُّهُور. انتهى (٥).
стр. 4343
وقال النوويّ ﵀: وأما المنديل فبكسر الميم، وهو معروف، وقال ابن فارس: لعله مأخوذ من النَّدْل، وهو النقل، وقال غيره: هو مأخوذ من النَّدْل، وهو الوسخ؛ لأنه يُنْدَلُ به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهريّ: ويقال أيضًا: تمندلت به، وأنكرها الكسائيّ. انتهى (١).
وقال في "المصباح": "الْمِنْدِيلُ" مذكرٌ، قاله ابن الأنباريّ وجماعة، ولا يجوز تأنيثه؛ لعدم العلامة في التصغير والجمع، فإنه لا يقال: مُنَيدِلةٌ، ولا مُنَيدلاتٌ، ولا يوصف بالمؤنّث، فلا يقال: مِنْديل حسنةٌ، فإن ذلك كلّه يدلّ على تأنيث الاسم، فإذا فقدت علامة التأنيث مع كونها طارئةً على الاسم، تعيّن التذكير الذي هو الأصل، ويقال: هو مشتقّ من نَدَلْتُ الشيءَ نَدْلًا، من باب قَتَلَ: إذا جذبته، أو أخرجته ونقلته. انتهى (٢).
(فَرَدَّهُ) أي المنديل، وفي رواية عبد الله بن إدريس الآتية: "أُتي بمنديل، فلم يسمّه، وجَعَلَ يقول بالماء هكذا" يعني ينفضه، كذا في رواية للنسائيّ: "ثم أتيته بخرقة، فلم يُرِدها"، بضم الياء، من الإرادة، ولأبي داود: "فلم يأخذه"، وفي رواية للبخاريّ: "فناولته الخرقة، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدها"، وفيه عدم استعمال المنديل في التنشيف، وفيه أقوال للعلماء سيأتي تحقيقها في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٨/ ٧٢٨ و ٧٢٩ و ٧٣٠] (٣١٧)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٤٩ و ٢٥٧ و ٢٥٩ و ٢٦٠ و ٢٦٥ و ٢٦٦ و ٢٧٤ و ٢٧٦ و ٢٨١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٤٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة"
стр. 4344
(١٠٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣٧ و ٢٠٠ و ٢٠٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣١٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٦٢ - ٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢٩ و ٣٣٠ و ٣٣٥ و ٣٣٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٩٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩٧ و ١٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٧٤ و ١٧٧ و ١٨٤ و ١٨٥ و ١٩٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٢٣ و ١٠٢٤ و ١٠٢٥ و ١٠٢٦ و ١٠٢٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٦٤ و ٨٦٥ و ٨٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧١٢ و ٧١٣ و ٧١٤ و ٧١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة خدمة الزوجة لزوجها؛ لأن هذا من المعروف الذي أثبته الله على النساء، كما أثبت لهنّ، بقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٢ - (ومنها): استحباب تجهيز المغتسل الإناء الذي فيه ماء الاغتسال ليغتسل منه.
٣ - (ومنها): استحباب تقديم غسل الكفّين على غسل الفرج، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في أبواب الوضوء.
٤ - (ومنها): استحباب الصبّ باليمين على الشمال لغسل الفرج بها.
٥ - (ومنها): استحباب ضرب الأرض باليد بعد الفراغ من غسل الفرج، ودلكها دلكًا شديدًا؛ ليذهب ما تبقّى من الرائحة الكريهة، قال النوويّ ﵀: يستحبّ للمتنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب، أو أشنان، أو يدلكها بالتراب، أو بالحائط؛ ليذهب الاستقذار منها. انتهى (١).
٦ - (ومنها): استحباب تقديم الوضوء للصلاة على الغسل، وهو مستحبّ
стр. 4345
عند الجمهور، وأوجبه أبو ثور، وداود الظاهريّ، والأرجح مذهب الجمهور؛ لأنه لا دليل على إيجابه؛ إلا مجرّد فعله ﷺ ، وهو دليل الاستحباب، لا الإيجاب.
٧ - (ومنها): استحباب البدء بغسل الرأس قبل سائر الجسد، ولعلّ الحكمة فيه كونها أكثر شعثًا من بقيّة البدن.
٨ - (ومنها): إفراغ ثلاث حَفَنات على الرأس قبل تعميم الجسد بالغسل.
٩ - (ومنها): استيعاب جميع الجسد بالغسل، بحيث لا يبقى منه شيء.
١٠ - (ومنها): تأخير غسل الرجلين عن الوضوء والغسل، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
١١ - (ومنها): أن الواجب في غسل الجنابة مرّةً واحدةً، وأن من توضّأ بنية الغسل، وأكمل باقي أعضاء بدنه لا يُشرع له تجديد الوضوء من غير حدث.
١٢ - (ومنها): القيام من محل الاغتسال إلى محلّ آخر لغسل الرجلين، وهذا محمول على ما إذا كان المغتسل في محلّ تجتمع فيه الغسالات، فيصيب قدميه منها الأوساخ، فيحتاج إلى إزالة ذلك في محل آخر.
١٣ - (ومنها): جواز تأخير غسل الرجلين عن غسل الجسد، وقد اختُلف فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
١٤ - (ومنها): عدم استعمال المنديل في التنشيف من الغسل والوضوء، وقد اختُلف فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
١٥ - (ومنها): أن فيه جواز نفض اليد بعد الوضوء والغسل، وأنه لا بأس به، قال النوويّ ﵀: وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه: أشهرها أن المستحب تركه، ولا يقال: إنه مكروه، والثاني: أنه مكروه، والثالث: أنه مباحٌ، يستوي فعله وتركه، وهذا هو الأظهر المختار، فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة، ولم يثبت في النهي شيء أصلًا. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.