ولا جائز أن يكون لإزالة العين؛ لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتّفاقًا، وإذا كانت اليد نجسةً ببقاء العين فيها، فعند انفصالها ينجس المحلّ بها، وكذلك لا يكون للطعم؛ لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين، ولا يكون لإزالة اللون، لأن الجنابة بالإنزال، أو بالمجامعة لا تقتضي لولًا يلصق باليد، وإن اتّفق فنادرٌ جدًّا، فبقي أن يكون لإزالة الرائحة، ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها؛ لأن اليد قد انفصلت عن المحلّ على أنه قد طهُر، ولو بقي ما تتعيّن إزالته من الرائحة لم يكن المحلّ طاهرًا، لأنه عند الانفصال تكون اليد نجسةً، وقد لابست المحلّ مبتلًّا، فيلزم من ذلك أن يكون بعض الرائحة معفوًّا عنه، ويكون الضرب على الأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته.
وَيَحْتَمِل أن يقال: فصلُ اليد عن المحلّ بناء على ظنّ طهارته بزوال رائحته، والضرب على الأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة مع الاكتفاء بالظنّ في زوالها.
والذي يقوّي الاحتمال الأول ما ورد في الحديث الصحيح من كونه ﷺ دَلَكَها دَلْكًا شديدًا، والدلك الشديد لا يناسبه هذا الاحتمال الضعيف. انتهى كلامه ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام ابن دقيق العيد: كلّه مبنيّ على القول بنجاسة المنيّ، ورطوبة الفرج، وقد تقدّم ترجيح القول بطهارتهما، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أي مثل وضوئه لها، وهكذا رواية المصنّف مجملة، وقد وقعت مفصّلة عند البخاريّ وغيره، حيث قالت: "ثم مضمض، واستنشق، وغسل وجهه، ويديه … " الحديث، وقد تقدم البحث في تشبيه هذا الوضوء بوضوء الصلاة مستوفى في حديث عائشة ﵂ الماضي (ثُمَّ أفرَغَ)، أي صبّ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ) بفتحات، جمع حَفْنة بفتح، فسكون، وهي
стр. 4342
ملء الكفّين جميعًا، فيكون قوله: (مِلْءَ كَفِّهِ) مؤكّدًا، ووقع في بعض النسخ "ملء كفّيه" بالتثنية، ولا تخالف بينهما؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، كما سبق بيانه.
وقال النوويّ في "شرحه": قولها: "ملء كفه" هكذا هو في الأصول التي ببلادنا "كفّه" بلفظ الإفراد، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، وفي رواية الطبريّ "كفيه" بالتثنية، وهي مفسرة لرواية الأكثرين. انتهى (١).
(ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) أي باقيه، وقد سبق تمام البحث في لفظ "سائر" قريبًا.
[تنبيه]: ظاهر قولها: ثم أفرغ على رأسه" يقتضي أنه لم يمسح رأسه، كما يفعل في الوضوء، قاله ابن دقيق العيد (٢)، وقال الحافظ ﵀: لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء. انتهى (٣).
(ثُمَّ تَنَحَّى) أي ابتعد (عَنْ مَقَامِهِ) بفتح الميم: اسم موضع من قام ثلاثيًّا، أو بضمّها من أقام رباعيًّا، أي من محلّه، وقوله: (ذَلِكَ) عطف بيان، أو بدل عن "مقامه" (فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ) فيه تأخير غسل الرجلين عن إكمال وضوء الغسل، وهو مخالف لظاهر حديث عائشة ﵂، كما سبق بيانه، ويمكن الجمع بينهما بحمل رواية عائشة على المجاز، أو على اختلاف الأوقات، والأول أقرب، كما أوضحته فيما سبق، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ) بكسر الميم، وفتحها، وكَمِنبَرٍ: هو الذي يُتمسّح به، وتَنَدّل به، وتمندل: تمسّح، قاله في "القاموس" (٤).
وجعل في "اللسان" فتح الميم نادرًا، قال: قيل: هو من الندل الذي هو الوسخ، وقيل: إنما اشتقاقه من النَّدْل الذي هو التناوُلُ، وتندّلتُ بالمنديل، وتمندلتُ: أي تمسّحتُ به من أثر الوضوء، أو الطُّهُور. انتهى (٥).
стр. 4343
وقال النوويّ ﵀: وأما المنديل فبكسر الميم، وهو معروف، وقال ابن فارس: لعله مأخوذ من النَّدْل، وهو النقل، وقال غيره: هو مأخوذ من النَّدْل، وهو الوسخ؛ لأنه يُنْدَلُ به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهريّ: ويقال أيضًا: تمندلت به، وأنكرها الكسائيّ. انتهى (١).
وقال في "المصباح": "الْمِنْدِيلُ" مذكرٌ، قاله ابن الأنباريّ وجماعة، ولا يجوز تأنيثه؛ لعدم العلامة في التصغير والجمع، فإنه لا يقال: مُنَيدِلةٌ، ولا مُنَيدلاتٌ، ولا يوصف بالمؤنّث، فلا يقال: مِنْديل حسنةٌ، فإن ذلك كلّه يدلّ على تأنيث الاسم، فإذا فقدت علامة التأنيث مع كونها طارئةً على الاسم، تعيّن التذكير الذي هو الأصل، ويقال: هو مشتقّ من نَدَلْتُ الشيءَ نَدْلًا، من باب قَتَلَ: إذا جذبته، أو أخرجته ونقلته. انتهى (٢).
(فَرَدَّهُ) أي المنديل، وفي رواية عبد الله بن إدريس الآتية: "أُتي بمنديل، فلم يسمّه، وجَعَلَ يقول بالماء هكذا" يعني ينفضه، كذا في رواية للنسائيّ: "ثم أتيته بخرقة، فلم يُرِدها"، بضم الياء، من الإرادة، ولأبي داود: "فلم يأخذه"، وفي رواية للبخاريّ: "فناولته الخرقة، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدها"، وفيه عدم استعمال المنديل في التنشيف، وفيه أقوال للعلماء سيأتي تحقيقها في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٨/ ٧٢٨ و ٧٢٩ و ٧٣٠] (٣١٧)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٤٩ و ٢٥٧ و ٢٥٩ و ٢٦٠ و ٢٦٥ و ٢٦٦ و ٢٧٤ و ٢٧٦ و ٢٨١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٤٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة"
стр. 4344
(١٠٣)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣٧ و ٢٠٠ و ٢٠٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣١٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٦٢ - ٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢٩ و ٣٣٠ و ٣٣٥ و ٣٣٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٩٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩٧ و ١٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٧٤ و ١٧٧ و ١٨٤ و ١٨٥ و ١٩٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٢٣ و ١٠٢٤ و ١٠٢٥ و ١٠٢٦ و ١٠٢٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٦٤ و ٨٦٥ و ٨٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧١٢ و ٧١٣ و ٧١٤ و ٧١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة خدمة الزوجة لزوجها؛ لأن هذا من المعروف الذي أثبته الله على النساء، كما أثبت لهنّ، بقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٢ - (ومنها): استحباب تجهيز المغتسل الإناء الذي فيه ماء الاغتسال ليغتسل منه.
٣ - (ومنها): استحباب تقديم غسل الكفّين على غسل الفرج، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في أبواب الوضوء.
٤ - (ومنها): استحباب الصبّ باليمين على الشمال لغسل الفرج بها.
٥ - (ومنها): استحباب ضرب الأرض باليد بعد الفراغ من غسل الفرج، ودلكها دلكًا شديدًا؛ ليذهب ما تبقّى من الرائحة الكريهة، قال النوويّ ﵀: يستحبّ للمتنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب، أو أشنان، أو يدلكها بالتراب، أو بالحائط؛ ليذهب الاستقذار منها. انتهى (١).
٦ - (ومنها): استحباب تقديم الوضوء للصلاة على الغسل، وهو مستحبّ
стр. 4345
عند الجمهور، وأوجبه أبو ثور، وداود الظاهريّ، والأرجح مذهب الجمهور؛ لأنه لا دليل على إيجابه؛ إلا مجرّد فعله ﷺ ، وهو دليل الاستحباب، لا الإيجاب.
٧ - (ومنها): استحباب البدء بغسل الرأس قبل سائر الجسد، ولعلّ الحكمة فيه كونها أكثر شعثًا من بقيّة البدن.
٨ - (ومنها): إفراغ ثلاث حَفَنات على الرأس قبل تعميم الجسد بالغسل.
٩ - (ومنها): استيعاب جميع الجسد بالغسل، بحيث لا يبقى منه شيء.
١٠ - (ومنها): تأخير غسل الرجلين عن الوضوء والغسل، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
١١ - (ومنها): أن الواجب في غسل الجنابة مرّةً واحدةً، وأن من توضّأ بنية الغسل، وأكمل باقي أعضاء بدنه لا يُشرع له تجديد الوضوء من غير حدث.
١٢ - (ومنها): القيام من محل الاغتسال إلى محلّ آخر لغسل الرجلين، وهذا محمول على ما إذا كان المغتسل في محلّ تجتمع فيه الغسالات، فيصيب قدميه منها الأوساخ، فيحتاج إلى إزالة ذلك في محل آخر.
١٣ - (ومنها): جواز تأخير غسل الرجلين عن غسل الجسد، وقد اختُلف فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
١٤ - (ومنها): عدم استعمال المنديل في التنشيف من الغسل والوضوء، وقد اختُلف فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
١٥ - (ومنها): أن فيه جواز نفض اليد بعد الوضوء والغسل، وأنه لا بأس به، قال النوويّ ﵀: وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه: أشهرها أن المستحب تركه، ولا يقال: إنه مكروه، والثاني: أنه مكروه، والثالث: أنه مباحٌ، يستوي فعله وتركه، وهذا هو الأظهر المختار، فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة، ولم يثبت في النهي شيء أصلًا. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 4346
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تأخير غسل الرجلين عن غسل الجسد:
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى استحباب التأخير، وذهبت الحنفيّة إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أوّلًا، إن كان يغتسل في محل لا يجتمع فيه الماء، وتأخير غسل القدمين إن كان يغتسل في نحو طست، وعن مالك إن كان المكان غير نظيف، فالمستحبّ تأخير غسلهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعيّ في الأفضل قولان: أصحّهما، وأشهرهما أنه يكمل وضوءه لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك، قاله النوويّ ﵀.
وقال الحافظ ﵀: وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة، كرواية: "توضّأ وضوءه للصلاة"، أو ظاهرة في تأخيرهما، كرواية أبي معاوية، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما، كحديث الباب - يعني حديث البخاريّ - وراويه مقدّمٌ في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش - يعني سفيان الثوريّ -.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن قول النوويّ: لأن أكثر الروايات كذلك محلّ نظر، فتأمله، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ ﵀: وقول من قال: إنما فعل ذلك لبيان الجواز معقّبٌ، فإن في رواية أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش ما يدلّ على المواظبة، ولفظه: "كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل يديه"، فذكر الحديث، وفي آخره: "ثم يتنحّى، فيغسل رجليه" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل مما سبق أن أرجح الأقوال قول من قال بتأخير غسل الرجلين مطلقًا؛ لوضوح أدلّته، وقد قيل في حكمة ذلك أن يحصُل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
стр. 4347
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في التنشيف بعد الوضوء والغسل:
قال أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في التمسح بالمنديل بعد الوضوء والاغتسال، فممن رَوَينا عنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان بن عفان، والحسين بن عليّ، وأنس بن مالك، وبشير بن أبي مسعود، ورَخَّص فيه الحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك بن مُزاحِم، وكان مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا.
وفيه قول ثان، رَوَينا عن جابر بن عبد الله، أنه قال: إذا توضأت فلا تَمَنْدَل، وكَرِهَ ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعيّ، ومجاهد، وابن المسيِّب، وأبو العالية.
واختُلِف فيه عن سعيد بن جبير، ورَوَينا عن ابن عباس أنه كَرِهَ أن يُمسَح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا اغتَسَل من الجنابة، وكان سفيان يُرَخِّص فيهما جميعًا، الوضوءِ والاغتسالِ.
قال ابن المنذر ﵀: أعلى شيء رُوِي في هذا الباب خبران: خبر يدُلّ على إباحة أخذ الثوب يُنَشَّف به، والخبر الآخر يدُلّ على ترك ذلك، ثم أخرج بسنده عن قيس بن سعد ﵁، قال: أتانا النبيّ ﷺ ، فوضعنا له غُسلًا، فاغتسل، ثم أتيناه بِمِلْحَفةٍ وَرْسِيّةٍ، فالتَحَفَ بها، فكأنّي أنظر إلى أثر الْوَرْس على عُكَنِهِ (١).
ثم أخرج الخبر الثاني، وهو حديث ميمونة ﵂ المذكور هنا، ثم قال: وهذا الخبر لا يوجب حَظْرَ ذلك، ولا المنع منه؛ لأن النبيّ ﷺ لم يَنْهَ عنه، مع أنه قد كان يَدَعُ الشيء المباح؛ لئلا يَشُقّ على أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: "لولا أن تُغْلَبُوا على سقايتكم لنزعت معكم"، رواه مسلم،
стр. 4348
ودخل الكعبة، وقال بعد دخوله: "لوددت أني لم أكن دخلتها، أخشى أن أكون أتعبت أمتي" (١).
وحديثُ قيس بن سعد يدُلّ على إباحة ذلك، فأخذ المنديل مباح بعد الوضوء والاغتسال.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث قيس المذكور أخرجه أبو داود، بسند رجاله رجال الصحيح، وإنما اختلفوا في وصله هارساله، كما قال أبو داود، فقد أرسله عمر بن عبد الواحد، وابن سماعة، عن الأوزاعيّ، ووصله الوليد بن مسلم، وهو ثقة حافظ، وقد صرّح فيه بالتحديث، فزال عنه تهمة التدليس، فالظاهر أن وصله زيادة ثقة مقبولة.
وقال النوويّ في "شرحه": وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل، على خمسة أوجه:
أشهرها أن المستحب تركه، ولا يقال: فعله مكروه.
والثاني أنه مكروه.
والثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره، فإن المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر.
والرابع: أنه مستحب؛ لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ.
والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء، هذا ما ذكره أصحابنا.
وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك، والثوريّ.
والثاني: مكروه فيهما، وهو قول ابن عمر، وابن أبي ليلى.
والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس ﵄.
стр. 4349
وقد جاء في ترك التنشيف هذا الحديث، والحديث الآخر في الصحيح أنه ﷺ اغتَسَل، وخرج ورأسه يقطر ماء.
وأما فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة ﵃ من أوجه، لكن أسانيدها ضعيفة، قال الترمذيّ: لا يصح في هذا الباب عن النبيّ ﷺ شيء.
وقد احتَجّ بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة ﵂ في هذا الحديث: "وجَعَل يقول بالماء هكذا" يعني ينفضه، قال: فإذا كان النفض مباحًا، كان التنشيف مثله، أو أولى لاشتراكهما في إزالة الماء، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال جواز استعمال المنديل؛ لقوّة حجته؛ فقد دلّ حديث الباب على أنه ﷺ نفض الماء، وكذلك حديث قيس بن سعد المذكور.
ومن أوضح الأدلّة أيضًا ما أخرجه ابن ماجه من حديث سلمان ﵁ بإسناد حسن: "أن رسول الله ﷺ توضّأ، فقلب جُبّة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه" (١).
وأما أحاديث النهي، فلا يثبُت منها شيء، كما سبق في قول الترمذيّ ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم تفريق غسل الأعضاء في الوضوء والغسل:
(اعلم): أن البخاريّ ﵀ احتجّ في "صحيحه" بهذا الحديث على جواز تفريق الغسل والوضوء، فقال: "باب تفريق الغسل، والوضوء"، ثم قال: ويُذكَرُ عن ابن عمر أنه غَسَلَ قدميه بعدما جفّ وضوءه. انتهى.
قال في "الفتح" ما حاصله: أراد به جواز ذلك، وهو قول الشافعي في الجديد، واحتَجَّ له بأن الله تعالى أوجب غسل أعضائه، فمن غسلها فقد أَتَى
стр. 4350
بما وجب عليه فَرَّقها، أو نَسّقَها، ثم أَيَّد ذلك بفعل ابن عمر، وبذلك قال ابن المسيِّب، وعطاء، وجماعة، وقال ربيعة، ومالك: مَن تَعَمَّد ذلك، فعليه الإعادة، ومَن نَسِي فلا، وعن مالك: إن قَرُب التفريق بَنَى، وإن طال أعاد، وقال قتادة، والأوزاعيّ: لا يعيد إلا إن جَفّ، وأجازه النخعيّ، مطلقًا في الغسل دون الوضوء، ذَكَر جميع ذلك ابن المنذر، وقال: ليس مع مَن جَعَل الجفاف حدًّا لذلك حجة، وقال الطحاويّ: الجفاف ليس بحدث، فينقضَ، كما لو جَفَّ جميع أعضاء الوضوء لم تبطل الطهارة. انتهى.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في تفريق الوضوء والغسل، فقالت طائفة: لا يجوز ذلك حتى يَتْبَع بعضه بعضًا، روينا عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلًا يصلي، وقد ترك مثل موضع الظفر، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وكان قتادة، والأوزاعيّ يقولان: إذا ترك غسل عضو من الأعضاء حتى جَفّ الوضوء أعاد الوضوء، وكان ربيعة يقول: تفريق الغسل مما يكره، وإنه لا يكون غسلًا حتى يتبع بعضه بعضًا.
وقال مالك: من تعمَّد ذلك، فإني أرى عليه أن يعيد الغسل، وقال الليث بن سعد كذلك، مع أن قول مالك مختلف في هذا الباب.
وقد حَكَى ابن القاسم عنه أنه قال: إن قام لأخذ الماء، وكان قريبًا بنى على وضوئه، وإن تطاول ذلك وتباعد، فأرى أن يعيد الوضوء من أوله.
وقال أحمد: إذا جَفّ وضوؤه يعيد، وذكر حديث عمر.
وأجازت طائفة تفريق الوضوء والغسل، ثَبَت أن ابن عمر توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دُعِي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأسًا، وأباح ذلك النخعيّ في الغسل، وكان الحسن، والنخعيّ لا يريان بأسًا للجنب أن يغسل رأسه، ثم يؤخّر غسل جسده بعد ذلك، ورُوي معنى ذلك عن سعيد بن المسيِّب، وطاوس، وهذا على مذهب الثوريّ، وممن رأى ذلك جائزًا الشافعيّ، وأصحاب الرأي.
стр. 4351
قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الله جل ذكره أوجب في كتابه غسل الأعضاء، فمن أتى بغسلها، فقد أتى بالذي عليه، فَرَّقها أو أتى بها نَسقًا متتابعًا، وليس لِمَن جَعَل حدَّ ذلك الجفوفَ حجةٌ، وذلك يختلف في الشتاء والصيف. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن تفريق الغسل والوضوء جائزٌ؛ لما ذُكِرَ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٢٩] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَبَّاح، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَالْأَشَجُّ، وَإسْحَاقُ، كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعٍ (ح)، وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدثنا (٢) أَبُو مُعَاوِيةَ، كِلَاهُمَاَ عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثَهِمَا إِفْرَاغُ ثَلَاثِ حَفَنَاتٍ عَلَى الرَّأْس، وَفي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَصْفُ الْوُضُوءِ كُلِّه، فَذَكَرَ الْمَضْمَضَةَ (٣)، وَالاسْتِنْشَاقَ فِيه، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ ذِكْرُ الْمِنْدِيلِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٧.
٢ - (الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧، من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، كأبي كريب، وجملتهم تسعة، كما مرّ غير مرة.
٣ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن مَخْلَد الحنظليّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
стр. 4352
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعٍ)، أي كلّ هؤلاء الأربعة: محمد بن الصبّاح، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، والأشجّ، وإسحاق، رووا عن وكيع بن الجرّاح.
[تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى إلخ). قال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ الجيّانيّ ﵀ في "تقييده" بعد سوق هذه الأسانيد ما نصّه: هكذا رويتْ هذه الأسانيد على الصواب، وفي نسخة أبي عبد الله بن الحذّاء: "نا يحيى بن أيوب، وأبو كريب، قالا: نا أبو معاوية"، هكذا عنده: "نا يحيى بن أيوب"، والصواب ما تقدّم: "نا يحيى بن يحيى، وأبو كريب"، وكذلك في نسخة أبي زكريّا، عن ابن ماهان. انتهى (١).
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) ضمير التثنية ليحيى، وأبي كريب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الضمير لوكيع، وأبي معاوية، يعني أن وكيعًا، وأبا معاوية رويا هذا الحديث عن الأعمش، بإسناده السابق، وهو: عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عبّاس، عن ميمونة ﵃.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا إلخ) يعني أنه ليس في حديث وكيع، وأبي معاوية ذكر إفراغ ثلاث حَفَنات على رأسه، كما ذكره عيسى بن يوننس في روايته السابقة.
وقوله: (فَذْكَرَ الْمَضْمَضَةَ إلخ)، وفي بعض النسخ: "يَذكُرُ المضمضة إلخ" بصيغة المضارع.
[تنبيه]: رواية وكيع التي أحالها هنا أخرجها أبو نعيم في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (١/ ٣٦٨) فقال:
(٧١٤) حدثنا أبو عليّ، محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا أحمد بن يحيى الحلوانيّ، ثنا محمد بن الصباح (ح)، وحدثنا عبد الله بن يحيى الطَّلْحيّ، ثنا
стр. 4353
عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، ثنا ابن عباس، عن خالته ميمونة، قالت: وَضَعت للنبيّ ﷺ غُسْلًا، فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله على يمنيه، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم أفاض على فرجه فغسله، ثم مال بيده على الحائط، أو على الأرض، فدَلَكها، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تَنَحَّى، فغسل رجليه، قال: فأتيته بثوب، فرمى به، وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه، وقال محمد بن الصباح: ثم أتيته بثوب، فقال بيده هكذا، ونفض وكيع بيده، وكأنه يقول: لا، لفظ الحلوانيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر قوله: "وكأنه يقول: لا" يقتضي أن النفض للثوب، لا للماء، يعني أنه قال: لا أريد الثوب، لكن الرواية السابقة بلفظ: "وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه"، ظاهرة في أن النفض للماء، لكن لا يبعد أن يراد المعنيان، فكأنه نفض الماء بيده، مع إشارته إلى ردّ الثوب، والله تعالى أعلم.
وأما رواية أبي معاوية، فأخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٢٩٩)، فقال:
(٨٦٥) - وحدثنا علي بن حرب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث، قالت: وَضَعتُ لرسول الله ﷺ غُسْلًا، فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بيمينه على يساره، فغَسَل كفيه، ثم أدخل يده في الإناء، فأفاض على فرجه، ثم دَلَك يده على الأرض، أو بالحائط، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحى، فغسل رجليه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 4354
[٧٣٠] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَمَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا (١)، يَعْني يَنْفُضُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ) بالبناء للمفعول، والآتي به هي ميمونة نفسها ﵂.
وقوله: (فَلَمْ يَمَسَّهُ) - بفتح الميم، وفي لغة بضمها - قال الفيّوميّ ﵀: مَسِسْتُهُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسًّا، من باب قَتَلَ: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه، والاسم الْمَسِيسُ، مثلُ كريم، وماسّها مُمَاسّةً كذلك، ومَسّت الحاجة إلى كذا ألجأت إليه، وماسّه مُماسّةً، ومِسَاسًا، من باب قاتل، بمعنى مَسّه، وتماسّا: مَسَّ كلُّ واحد منهما الآخَرَ، ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثانٍ بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ بماءٍ، وأمسستُ الجسدَ ماءً. انتهى.
وقوله: (وَجَعَلَ)، أي شَرَع، وأَخَذَ، وهي من أفعال الشروع التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، من أخوات كاد، ويكون خبرها فعلًا مضارعًا غير مقرون بـ "أن"، كما قال في "الخلاصة":
...................... … وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
وقوله: (يَقُولُ بِالْمَاءِ) فيه إطلاق القول على النفض، كما فسّره هنا، وقد كثر إطلاق القول على معان كثيرة، جمعتها بقولي:
تَجِيءُ "قَالَ" لِمَعَانٍ تُجْتَلَى … تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا
стр. 4355
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا … وَللتَّهَيُّؤِ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى
فَجُمْلَةُ الْمَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ … فَاحْفَظْ فَإنَّهَا مَعَانٍ سَامِيَهْ (١)
وقوله: (هَكَذَا) وفي نسخة: "هكذا هكذا" مكرّرًا.
(يَعْني يَنْفُضُهُ) تفسير لقولها: "هكذا"، من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي.
وقال في "الفتح": واستَدَلّ بعضهم بقولها: "فناولته ثوبًا، فلم يأخذه" على كراهة التنشيف بعد الغسل، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حالٍ يَتَطَرّق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلًا، أو غير ذلك، قال المهلَّب: يَحْتَمِل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب، من حرير، أو وسخ.
وقد وقع عند أحمد، والإسماعيليّ من رواية أبي عوانة في هذا الحديث، عن الأعمش، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعيّ، فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما ردَّه مخافةَ أن يصير عادةً.
وقال التيميّ في "شرحه": في هذا الحديث دليل على أنه كان يَتَنَشَّف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل.
وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف؛ لأن كلًّا منهما إزالة. انتهى (٢)، وقد تقدّم تمام هذا البحث قريبًا، فارجع إليه، تستفد علمًا جَمّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء السابع من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" ﵀
стр. 4356
تعالى بعد صلاة المغرب ليلة الخميس المبارك ١٦/ ١٢/ ١٤٢٥ هـ الموافق ٢٧/ يناير/٢٠٠٥ م.
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن مفتتحًا بـ (٩) - (بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَة، وَجَوَازِ غَسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَغَسْلِ أَحَدِهِمَا بِفَضْلِ الآخَرِ) رقم الحديث [٧٣١] (٣١٨).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 4357
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ليلة الخميس ١٦/ ١٢/ ١٤٢٥ هـ أول الجزء الثامن من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى.
(٩) - (بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَة، وَجَوَازِ غَسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَغَسْلِ أَحَدِهِمَا بِفَضْلِ الآخَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٣١] (٣١٨) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَة، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابٍ، فَأَخَذَ بِكَفِّه، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَن، ثُمَّ الْأَيْسَر، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْه، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ") (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) (٢) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل (٣) البصريّ،
стр. 4358
ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٢٩.
٣ - (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) واسمه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٣.
٤ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ﵂ ماتت سنة (٥٧) على الأصحّ، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة النبويّة، وقد تقدّم غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ)، أي أراد أن يغتسل، كما بيّنته رواية الإسماعيليّ (مِنَ الْجَنَابَةِ)، أي بسببها، فـ "من" سببيّة، كما تقدّم (دَعَا)، أي طلب (بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَاب) بجرّ "نحوِ" على أنه صفة لـ "شيء"، و"الْحِلاب" - بكسر الحاء، وتخفيف اللام، وآخره باء موحّدة - وهو: إناء يُحلَب فيه، ويقال له: الْمِحْلَب أيضًا بكسر الميم، قال الخطّابيّ: هو إناء يسع قدر حَلْبة ناقة، وهذا هو المشهور الصحيح المعروف في الرواية،
стр. 4359
وذَكَر الهرويّ، عن الأزهريّ أنه الْجُلَّابُ - بضمّ الجيم، وتشديد اللام - قال الأزهريّ: وأراد به ماء الورد، وهو فارسيّ مُعَرَّبٌ، وأنكر الهرويّ هذا، وقال: أراه الْحِلَابَ، وذكر نحو ما قدّمناه، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": قوله: "نحوِ الْحِلاب": أي إناء قريب من الإناء الذي يُسَمَّى الْحِلاب، وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عنه، وفي رواية لابن حبان: وأشار أبو عاصم بكفيه فكأنه حلّق بشبريه، يصف به دوره الأعلى، وفي رواية للبيهقيّ: "كقدر كُوز يسع ثمانية أرطال". انتهى.
(فَأَخَذَ بكَفِّهِ) بالإفراد (بَدَأَ بِشِقِّ) بكسر الشين المعجمة: أي جانب (رَأْسِهِ الأيَمَن، ثُمَّ) ثَنَّى بشقّه (الْأَيْسَر، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ) بالتثنية، (فَقَالَ بِهِمَا)، أي قلب الماء الذي في الكفّين، ففيه اطلاق القول على الفعل، قال في "العمدة": والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتُطلقه أيضًا على غير الكلام، فتقول: قال بيده: أي أخذ، وقال برجله: أي مَشَى، قال الشاعر [من الطويل]:
وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً
أي أومأت، وجاء في حديث آخر: "فقال بثوبه": أي دفعه، وكلُّ ذلك على المجاز والاتساع. انتهى، وقد تقدّم نظم معاني "قال" قريبًا، فلا تغفل.
(عَلَى رَأْسِهِ)، وفي رواية البخاريّ: "فقال بهما على وسط رأسه" - بفتح السين -.
[تنبيه]: قال الجوهريّ ﵀: "الْوَسْطُ" بالسكون: ظرفٌ، وبالحركة اسمٌ، وكل موضع صلح فيه "بَيْن" فهو بالسكون، وإن لم يصلح فيه، فهو بالتحريك، وقال الْمُطَرّزيّ: سمعت ثعلبًا يقول: استنبطنا من هذا الباب أن كل ما كان أجزاء ينفصل قلت فيه وَسْطٌ بالتسكين، وما كان لا ينفصل، ولا يتفرق، قلت بالتحريك، تقول من الأول: اجعل هذه الْخَرَزة وَسْط السُّبْحة، وانظم هذه الياقوتة وَسْط القِلادة، وتقول أيضا منه: لا تقعد وَسْط الحلقة، ووَسْط القوم، هذا كله يتجزأ، ويتفرق، وينفصل، فيقال فيه بالتسكين، وتقول في القسم
стр. 4360
الثاني: احتَجَم وَسَط رأسه، وقَعَد وَسَطَ الدار، وقس على هذا، وفي "الواعي" لأبي محمد: قال الفراء: سمعت يونس يقول: وَسَطٌ، وَوَسْطٌ بمعنًى، وفي "المخصص" عن الفارسيّ: سَوَّى بعضُ الكوفيين بين وَسْطٍ ووَسَطٍ، فقال: هما ظرفان، واسمان، ذكره العينيّ ﵀ (١).
[تنبيه آخر]: ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" لهذا الحديث بقوله: "باب من بدأ بالحِلاب، أو الطيب عند الغسل"، ثم أورده عن شيخ المصنّف بسنده، فاختلف الشرّاح في شرح كلامه اختلافًا كثيرًا، فإن أردت أن ترى العجب، فراجع "فتح الباري" (١/ ٤٤٠ - ٤٤٢)، و"عمدة القاري" (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٩/ ٧٣١] (٣١٨)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٥٨)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٤٠)، و (النسائيّ) في "الغسل" (١/ ٢٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٩١ و ١١٩٦ و ١١٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٥٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧١٦) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قدر الماء الذي يُستحبّ الاغتسال به، وهو ما كان بمقدار الحلاب، أي الإناء الذي يسع حَلَب الناقة، وقد بيّنه في رواية البيهقيّ (١/ ١٨٤)، ولفظه: "كان يغتسل في حِلاب قدرِ هذا، وأرانا أبو عاصم قدر الْحِلاب، فإذا هو كقدر كُوز يسع ثمانية أرطال". انتهى.
стр. 4361
٢ - (ومنها): بيان أن المغتسل يُستَحَبّ له أن يُجَهِّز الإناء الذي فيه الماء؛ ليغتسل منه.
٣ - (ومنها): استحباب البدء بغسل الرأس أوّلًا؛ ولعله لكونه أكثر شَعَثًا من سائر البدن.
٤ - (ومنها): بيان استحباب البدء بشقه الأيمن، ثم بالشق الأيسر، ثم الصبّ على وسط رأسه.
٥ - (ومنها): أن المالكيّة استدلّوا به على أن وضوء الغسل لا يُمسح فيه الرأس، بل يُكتفى عنه بغسله، وهو الظاهر، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): بيان طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهّر.
٧ - (ومنها): أنه يُستَنبَط من قولها: "كان رسول الله ﷺ مداومته على ذلك؛ لأن لفظة "كان" تدلّ على الاستمرار والدوام غالبًا.
٨ - (ومنها): بيان ما كانت عليه عائشة ﵂ من شدّة العناية في حفظ سنة رسول الله ﷺ ، وتبليغها للناس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٣٢] (٣١٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ، هُوَ الْفَرَقُ، مِنَ الْجَنَابَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ إمام [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
стр. 4362
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما روى عنه أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، فكلّ رواته مشهور بالفقه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.
٦ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، روى عن خالته عائشة ﵂، وهي من المكثرين السبعة.
وقولها: (مِنْ إِنَاءٍ) "من" للابتداء، وفي الكلام مضاف محذوفٌ، أي كان يغتسل من ماء إناء.
وقوله: (هُوَ الْفَرَقُ) بفتح الفاء والراء، وإسكانها لغة، كما يأتي وهو ثلاثة آصع، كما يأتي بيانه.
وقوله: (مِنَ الْجَنَابَةِ) الجار والمجرور متعلّقٌ بـ "يغتسل"، بيّنت به أن ذلك الغسل كان من الجنابة، لا أنه من الأغسال المسنونة، وتمام شرح الحديث يأتي في الذي يليه، وإنما أخرته إليه لكون ذاك مطوّلًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٣٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدْح، وَهُوَ الْفَرَقُ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ"، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: "مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ"، قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ، ثَلَاَثَةُ آصُعٍ).
стр. 4363
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وفي السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ستة من الشيوخ جمع بين أربعة منهم لاتّفاق كيفيّة تحمّلهم وهي السماع من لفظ شيخهم سفيان بن عيينة، ولذا قالوا: حدّثنا سفيان، وفرّق بين اثنين بالتحويل، لاختلاف كيفيّة تحمّلهما، بالقراءة والسماع، فقتيبة سمع مع غيره، من لفظ شيخ الليث، ولذا قال: حدّثنا، ومحمد بن رمح، مع قراءة من يقرأ عليه، ولذا قال: أخبرنا، وبقيّة اللطائف ذُكرت في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، قال في "الفتح": كذا رواه أكثر أصحاب الزهريّ، وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عنه، عن القاسم بن محمد، أخرجه النسائيّ، ورجّح أبو زرعة الأول، وَيَحْتَمِل أن يكون للزهريّ شيخان، فإن الحديث محفوظ عن عروة، والقاسم، من طُرُق أخرى. انتهى (١).
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ). قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول، وهو صحيحٌ، ومعناه: من القَدَح. انتهى (٢). أشار به إلى أن "في" فيه بمعنى "من"، أي الماء الذي في القَدَح، وفي رواية البخاريّ: "من إناء واحد، من قَدَحٍ"، فـ "من" الأولى ابتدائيّة، والثانية بيانيّة، وقال الكرمانيّ: الأولى أن يكون "قَدَح" بدلًا من "إناء" بتكرار حرف الجرّ في البدل.
стр. 4364
و"الْقَدَحُ" بفتحتين: واحد الأَقْدَاح، مثلُ سَبَب وأسباب، وهو إناء يُرْوي الرجلين، وليس له حدّ، وقيل: هو اسم يجمع صغارها وكبارها، ومُتّخذها قَدّاح، وصِناعته قِدَاحة (١)، وفسّرته عائشة ﵂ هنا بقولها: (وَهُوَ الْفَرَقُ)، وعند البخاريّ من رواية ابن أبي ذئب: "يقال له: الفرق"، ولأبي داود الطيالسيّ من روايته: "وذلك الْقَدَحُ، يُدْعَى الْفَرَقَ".
قال ابن التين ﵀: "الْفَرْقُ" بتسكين الراء، ورَوَيناه بفتحها، وجَوَّز بعضهم الأمرين، وقال الْقُتيبيّ وغيره: هو بالفتح، وقال النوويّ: الفتح أفصح وأشهر، وزعم أبو الوليد الباجيّ أنه الصواب، قال: وليس كما قال، بل هما لغتان.
قال الحافظ: لعل مُستَنَد الباجيّ ما حكاه الأزهريّ، عن ثعلب وغيره: "الْفَرَقُ" بالفتح، والمحدثون يُسَكّنونه، وكلام العرب بالفتح. انتهى.
وقد حَكَى الإسكان أبو زيد، وابن دُريد، وغيرهما، من أهل اللغة، والذي في روايتنا هو الفتح، والله أعلم.
وحَكَى ابن الأثير ﵀: "الْفَرَقُ" بالتحريك: مكيالٌ يَسَعُ ستة عشر رِطْلًا، وهو اثنا عشر مُدًّا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الْفَرَق خمسة أَقْساط، والْقِسْطُ: نصف صاع، فأما الْفَرْقُ بالسكون، فمائة وعشرون رطلًا. انتهى (٢)، قال في "الفتح": وهو غريب (٣).
(وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ)، أي النبيّ ﷺ ، وإنما أبرز الضمير لأجل عطف المظهر على الضمير المتّصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وفي رواية البخاريّ: "كنت أغتسل أنا والنبيّ ﷺ ، قال الطيبيّ ﵀: أبرز الضمير؛ ليعطف عليه المظهر.
стр. 4365
[فإن قلت]: كيف يستقيم العطف؛ إذ لا يقال: أغتسل، والنبيّ ﷺ ؟.
[قلت]: هو على تغليب المتكلّم على الغائب، كما غُلِّب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، عطف ﴿زَوْجُكَ﴾ على ﴿أَنْتَ﴾.
[فإن قلت]: الفائدة في تغليب ﴿اسْكُنْ﴾ هي أن آدم ﵇ كان أصلًا في سُكنى الجنّة، وحوّاءُ ﵍ تابعةٌ له، فما الفائدة فيما نحن فيه؟.
[قلت]: الإيذان بأن النساء محلّ الشهوات، وحاملات للاغتسال، فكُنّ أصلًا فيه. انتهى (١).
(فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ")، أي من الإناء الواحد، فـ "في" بمعنى "من"، كما بيّنته رواية سفيان، قال ابن التين: كان هذا الإناء من شَبَهٍ، وهو بفتح المعجمة والموحدة، وهو نوع من النحاس، قاله في "العمدة" (٢)، وقال في "الفتح": وكأن مُستند ابن التين ما رواه الحاكم، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ولفظه: "تَوْر مِن شَبَهٍ". انتهى (٣).
(وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) بن عيينة (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ)، أي بدل قول الليث: "في الإناء الواحد". (قَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد: (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (وَالْفَرَقُ) تقدّم ضبطه بفتح الفاء، وفتح الراء، وإسكانها، وهما لغتان، والفتح أفصح وأشهر، وهو مبتدأ خبره قوله: (ثَلَاثَةُ آصُعٍ) بمدّ الهمزة، وضمّ الصاد المهملة، قال النوويّ ﵀: هو صحيح فصيح، وقد جَهِلَ مَن أنكر هذا، وزَعَم أنه لا يجوز إلا أَصْوُع، وهذه منه غفلة بيِّنةٌ، أو جهالة ظاهرةٌ، فإنه يجوز أَصْوُعٌ، وآصُعٌ، فالأول هو الأصل، والثاني على القلب، فتقدم الواو على الصاد، وتُقْلَب ألفًا، وهذا كما قالوا: آدر وشبهه، وفي الصاع لغتان: التذكير والتأنيث، ويقال: صَاعٌ، وصَوَعٌ، بفتح الصاد والواو، وصُوَاعٌ، ثلاث لغات. انتهى (٤).
стр. 4366
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "آصُع" يُروى هكذا، ويُروى "أَصْوُع"، وكلاهما صحيح الرواية، وهو جمع صاع، ويقال: صُوَاع، وصُوَّعٌ، وهو جمع قلّة، وأصله أَصْوُعٌ، بواو مضمومة، كدار وأَدْؤُر، غير أن من العرب من يستثقل الضمّة هنا على الواو، فيُبْدلها همزةً، فيقول: أصؤُعٌ، كما يقول: أَدْؤُرٌ، وهو مكيال أهل المدينة المعروف فيهم، وهو يسع أربعة أمداد بمدّ النبيّ ﷺ . انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: الصاع يُذكّر، ويؤنّث، قال الفرّاء: أهل الحجاز يؤنّثون الصاع، ويَجمعونها في القلّة على أَصْوُعٍ، وفي الكثرة على صِيعانٍ، وبنو أسد، وأهل نَجْد يُذكّرون، ويجمعون على أَصْوَاع، وربّما أنّثها بعض بني أسد، وقال الزجّاج: التذكير أفصح عند العلماء، ونَقَلَ الْمُطَرِّزِيّ، عن الفارسيّ أنه يُجمع أيضًا على آصُعٍ بالقلب، كما قيل: دارٌ وآدُرٌ بالقلب، وهذا الذي نقله جعله أبو حاتم من خطأ العوامّ، وقال ابن الأنباريّ: وليس عندي بخطأ في القياس؛ لأنه وإن كان غير مسموع من العرب، لكنه قياسُ ما نُقِل عنهم، وهو أنهم ينقلون الهمزة من موضع العين إلى موضع الفاء، فيقولون: أَبْآرٌ، وآبارٌ. انتهى (٢).
وقال المجد ﵀: الصّاع، والصُوَاع بالكسر، وبالضمّ، والصَّوْعُ، ويُضمّ: الذي يُكال به، وتدور عليه أحكام المسلمين، وقُرئ بهنّ، أو الصّاع غير الصِّوَاع، ويؤنّث، وهو أربعة أمداد، كلُّ مدّ رطلٌ وثُلُثٌ، قال الداوديّ: مِعْيارُه الذي لا يَختَلف، أربع حَفَنَات بكفَّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفَّين، ولا صغيرهما؛ إذ ليس كلُّ مكان يوجد فيه صاع النبيّ ﷺ . انتهى. قال المجد: وجرّبتُ ذلك، فوجدته صحيحًا، جمعه أَصْوُعٌ، وأَصْؤُعٌ، وأَصْوَاعٌ، وصُوعٌ بالضمّ، وصِيعان، أو هذا جمع صُوَاع، وهو الجامُ الذي يُشرَب فيه. انتهى (٣).
стр. 4367
وقال في "الفتح" ما حاصله: وأما مقدار الْفَرَق، فقد تبيّن في رواية ابن عيينة حيث قال: الفَرَقُ ثلاثة آصع، قال النوويّ: وكذا قال الجماهير، وقيل: الفَرَق صاعان، لكن نقل أبو عُبيد الاتفاق على أن الفَرَق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلًا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بما رُويَ عن مجاهد في حديث عائشة أنه حَزَرَ الإناء ثمانية أرطال، والصحيح الأول، فإن الْحَزْر لا يعارض به التحديد، وأيضًا فلم يُصَرِّح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع، فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها.
ويؤيد كون الفرَق ثلاثة آصع ما رواه ابن حبان، من طريق عطاء، عن عائشة، بلفظ: "قدر ستة أَقْسَاط"، والقِسْط بكسر القاف، وهو باتفاق أهل اللغة نصف صاع، والاختلاف بينهم أن الفرَق ستة عشر رطلًا، فصح أن الصاع خمسة أرطال وثلث.
وتوسط بعض الشافعية، فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيفٌ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٩/ ٧٣٢ و ٧٣٣] (٣١٩) و [٩/ ٧٣٤] (٣٢٠) و [٩/ ٧٣٥ و ٧٣٦ و ٧٣٧ و ٧٣٨] (٣٢١)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٥٠ و ٢٦١ و ٢٦٣) و"الحيض" (٢٩٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣٨)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٠٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٢٧ - ١٢٨)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٣٧٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٤٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه"
стр. 4368
(١٠٢٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٦٥) (١/ ٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و ١٢٧ و ١٩٩ و ٢٣٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٠٨ و ١١٩٢ و ١١٩٣ و ١١٩٤ و ١١٩٥ و ١٢٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨٧ - ١٨٨) وفي "المعرفة" (١/ ٤٤٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٤٥ و ٨٤٦ و ٨٤٧ و ٨٤٨ و ٨٤٩ و ٨٥٠ و ٨٥١ و ٨٥٢ و ٨٥٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧١٨ و ٧١٩ و ٧٢٠ و ٧٢١ و ٧٢٢ و ٧٢٣ و ٧٢٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مقدار الماء الذي يستحبّ استعماله في الغسل.
٢ - (ومنها): بيان أن الماء لا تؤثّر فيه الجنابة، لأنها لو كانت تؤثّر فيه لامتنع الاغتسال من الإناء الذي تتقاطر فيه ما لاقى بدن الجنب من ماء اغتساله.
٣ - (ومنها): جواز اشتراك الرجل مع امرأته في الغسل من إناء واحد، ومثله الوضوء، بلا فرق، وأن اغترافهما من الإناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم، وتعذّر تساويهما في الاغتراف من غير تعاقب.
٤ - (ومنها): جواز تطهّر الرجل بفضل المرأة، وعكسه؛ لتأخّر اغتراف أحدهما عن الآخر في بعض الاغترافات، وفيه خلاف، والأصحّ الجواز، وسيأتي بيانه.
٥ - (ومنها): طهارة فضل الجنب.
٦ - (ومنها): جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته، وعكسه، قاله الداوديّ، قال الحافظ: ويؤيّده ما رواه ابن حبّان من طريق سليمان بن موسى، أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً، فقال: سألت عائشة، فذكر هذا الحديث بمعناه، وهو نصّ في المسألة. انتهى (١).
стр. 4369
٧ - (ومنها): ما نقله ابن الملقّن في "شرح العمدة" عن ابن القطّان الفاسيّ في "أحكام النظر"، قال: سئل مالك، أيجامع الرجل زوجته، وليس بينهما سترٌ؟ قال: نعم، فقيل له: إنهم يرون كراهة ذلك، فقال: قد كان النبيّ ﷺ وعائشة يغتسلان عريانين، والجماع أولى بالتجرّد، وقال: لا بأس أن ينظر إلى فرجها في الجماع.
قال ابن الملقّن: وهو المرجّح عندنا. انتهى (١).
٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن أفعال النبيّ ﷺ كلّها حجةٌ كأقواله، إلا ما كان خُصوصيّة له، ولا تثبت الخصوصيّة إلا بدليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في مقدار الماء الذي يُغتسل به:
(اعلم): أنه قد اختلفت الروايات في هذا الباب، ففي رواية المصنّف، من حديث عائشة ﵂ "كانت تغتسل هي والنبيّ ﷺ في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد"، وفي رواية: "من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه"، وفي رواية: "فدَعَت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت فيه"، وفي حديث أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ يغتسل بخمسة مكاكيك، ويتوضأ بمكّوك"، وفي حديثه الآخر: "كان النبيّ ﷺ يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد"، وفي حديث سفينة ﵁: "كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء، ويوضئه المدّ".
وفي رواية البخاريّ: "بنحو من صاع"، وفي لفظ: "من قَدَح، يقال له الفرق".
وفي رواية أبي داود، من حديث عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد" (٢)، ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمارة ﵂: "أن النبيّ ﷺ توضأ، فأُتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المدّ" (٣)، وفي روايته عن أنس ﵁: "كان النبيّ ﷺ يتوضأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل
стр. 4370
بالصاع"، وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم في "مستدركه"، من حديث عبد الله بن زيد ﵁: "أن النبيّ ﷺ أُتِي بثلثي مدّ من ماء، فتوضأ، فجَعَل يدلُك ذراعيه"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال الجامع عفا الله عنه: الجمع بين هذه الروايات - كما قاله المحقّقون - أنها كانت اغتسالات في أوقات مختلفة، نُقل فيها أكثر ما استعمله النبيّ ﷺ ، وأقلّه، فدلّ على أنه لا حدّ في قدر ماء الطهارة، يجب الوقوف عنده، والله تعالى أعلم.
قال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر اختلاف الروايات: (اعلم): أن اختلاف هذه المقادير، وهذه الأواني يدلّ على أنه ﷺ لم يكن يُراعي مقدارًا مؤقّتًا، ولا إناءً مخصوصًا، لا في الوضوء، ولا في الغسل، وأن كلّ ذلك بحسب الإمكان والحاجة، ألا ترى أنه تارةً اغتسل بالْفَرَق، وأخرى بالصاع، وأخرى بثلاثة أمداد.
والحاصل أن المطلوب إسباغ الوضوء والغسل من غير إسراف في الماء، وأن ذلك بحسب أحوال المغتسلين، وقد ذهب ابنُ شعبان إلى أنه لا يُجزئ في ذلك أقلّ من مدّ في الوضوء، وصاعٍ في الغسل، وحديث الثلاثة أمداد يردّ عليه، والصحيح الأول. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: أجمع المسلمون على أن الماء الذي يُجزئ في الوضوء والغسل غير مُقَدَّر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وُجد شرط الغسل، وهو جَرَيان الماء على الأعضاء، قال الشافعيّ ﵀: وقد يَرْفُق بالقليل، فيكفي، وَيَخْرَقُ (٢) بالكثير فلا يكفي.
قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مُدّ، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغداديّ، والمدّ رطل وثلث، وذلك معتبر على التقريب، لا على التحديد، وهذا هو الصواب المشهور،
стр. 4371
وذكر جماعة من أصحابنا (١) وجهًا لبعض أصحابنا أن الصاع هنا ثمانية أرطال، والمدّ رطلان.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في المسألة أن الماء الذي يتوضّأ به، أو يُغتسل به، لا حدّ له يُلتزم، ما لم يبلغ في الزيادة حدّ الإسراف، فيُمنَعَ، أو في النقص حدًّا لا يُسمّى غسلًا، بل مسحًا، وذلك بأن لا يتقاطر أصلًا، فيكون باطلًا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: جعل الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام ﵀ للمتوضئ والمغتسل ثلاث حالات:
(أحدها): أن يكون معتدل الخلق، كاعتدال خَلْقه ﷺ ، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المدّ والصاع.
(الثاني): أن يكون ضَئِيلًا، نَحِيف الخَلْق، بحيث لا يُعادل جسدُه جسدَهُ ﷺ ، فيُستحبّ له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته إلى جسده، كنسبة المدّ والصاع إلى جسده ﷺ .
(الثالث): أن يكون متفاحش الْخَلْق طولًا وعرضًا، وعِظَمَ البطن، وثَخَانة الأعضاء، فيُستحبّ له أن لا ينقص عن مقدار، تكون النسبة إلى بدنه كنسبة المدّ والصاع إلى رسول الله ﷺ . انتهى، وهو تحقيقٌ جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في "الفتح": الصاع: تقدَّم أنه خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله الرافعيّ وغيره مائةٌ وثلاثون درهمًا، ورَجَّحَ النوويّ أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقد بَيَّنَ الشيخ الموفَّق سبب الخلاف في ذلك، فقال: إنه كان في الأصل مائة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع، ثم زادوا فيه مثقالًا لإرادة جبر الكسر، فصار مائة وثلاثين، قال: والعمل على الأول؛ لأنه هو الذي كان موجودًا وقت تقدير العلماء به. انتهى (٢).
стр. 4372
وقال الشيخ عبد الله البسّام ﵀ في "شرح بلوغ المرام": الصاع مكيالٌ معروفٌ، والمراد به الصاع النبويّ، ويبلغ وزنه (٤٨٠) مثقالًا من البرّ الجيّد، وبالغرامات يبلغ (٢٥٠٠) غرامًا، فيكون بالكيلو اثنين من الأكيال، وخمسمائة غرام.
والمدّ بضمّ الميم: مكيالٌ معروفٌ، وهو ربع الصاع النبويّ، ويُجمع على أمداد، ومُدَدٍ، ومقداره بالغرامات (٦٢٥) غرامًا بحَبّ البرّ الجيّد الرزين. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ مفيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال النوويّ ﵀: أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعض أصحابنا: الإسراف حرام. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتحريم الإسراف، هو الأرجح عندي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ الآية [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]، فإن التحريم ظاهر في الآيتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم اغتسال الرجل بفضل المرأة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فنهت طائفة أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، رُوي هذا القول عن أبي هريرة.
وفيه قول ثان: وهو الرخصة أن تتوضأ المرأة، وتغتسل بفضل طهور الرجل، وكراهية أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، رَوَينا عن عبد الله بن
стр. 4373
سَرْجِس ﵁، قال: تتوضأ المرأة وتغتسل بفضل طهور الرجل، ولا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة وغسلها.
وكَرِه الحسن، وابن المسيّب أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وذكر أبو العالية ذلك عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ .
وفيه قول ثالث: وهو أن لا بأس بفضل طهور المرأة ما لم تخلُ به، رُوي هذا القول عن الحسن، وغُنيم بن قيس، ورُوي أن جويرية بنت الحارث توضأت، فأراد كلثوم بن عامر أن يتوضأ بفضلها، فنهته عن ذلك، وكان ابن عمر يقول: لا بأس بالوضوء من فضل شراب المرأة، وفضل وضوئها ما لم تكن جنبًا، أو حائضًا، فإذا خَلَت به فلا يقربه.
وبهذا قال أحمد بن حنبل، قال: إذا خلت به، فلا يتوضأ به، وحُكِي ذلك عن إسحاق.
وفيه قول رابع: وهو أن لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه شرعَا فيها جميعًا، أو خلا كلُّ واحد منهما بالماء، ما لم يكن الرجل جنبًا، أو المرأة جنبًا، أو حائضًا، رَوَينا عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة، إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا.
ورُوي عن الشعبيّ أنه كان يكره فضل طهور الجنب والحائض، وهذا قول الأوزاعيّ، وقال مالك، والأوزاعيّ: يتوضأ به إذا لم يجد غيره، ولا يتيمم.
وفيه قول خامس: وهو إباحة اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، ثبتٌ عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ في الإناء الواحد، ورُوي عن أم الحجاج أنها قالت: ربما نازعت عبد الله الوضوء.
ورَوَينا عن أم سعد، امرأة زيد بن ثابت، أنها قالت: كنت أغتسل أنا وزيد بن ثابت من إناء واحد من الجنابة، وقال أبو هريرة، وابن عمر: لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وهذا قول مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر ﵀: والذي نقول به الرخصة في أن يغتسل كل واحد
стр. 4374
منهما، ويتوضأ بفضل طهور صاحبه، وإن كانا جنبين، أو أحدهما، أو كانت المرأة حائضًا، وسواء ذلك خَلَت به، أو لم تخل به؛ لثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ الدالة على صحة ذلك. انتهى كلامه ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": ونقل الطحاويّ، ثم القرطبيّ، والنوويّْ الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث (٢) حجة عليهم، ونقل النوويّ أيضًا الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت الخلافَ فيه الطحاويّ، وثَبَت عن ابن عمر، والشعبيّ، والأوزاعيّ المنع، لكن مقيدًا بما إذا كانت حائضًا، وأما عكسه فصح عن عبد الله بن سَرْجِس الصحابيّ، وسعيد بن المسيِّب، والحسن البصريّ، أنهم منعوا التطهر بفضل المرأة، وبه قال أحمد، وإسحاق، لكن قيَّداه بما إذا خَلَت به؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا، ونَقَل الميمونيّ عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صَحّ عن عدّة من الصحابة المنع فيما إذا خَلَت به، وعورض بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس، والله تعالى أعلم.
وأشهر الأحاديث في ذلك من الجهتين حديثُ الْحَكَم بن عمرو الغفاريّ في المنع (٣)، وحديث ميمونة في الجواز.
أما حديث الحكم بن عمرو، فأخرجه أصحاب السنن، وحسّنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان، وأغرب النوويّ، فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه.
стр. 4375
وأما حديث ميمونة، فأخرجه مسلم (١)، لكن أعله قوم؛ لترددٍ وَقَع في رواية عمرو بن دينار، حيث قال: علمي، والذي يَخطُر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، فذكر الحديث، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردُّد، لكن راويها غير ضابط، وقد خولف، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان، بلفظ: "أن النبيّ ﷺ ، وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد".
وفي المنع أيضًا ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، من طريق حُميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَريّ، قال: لقيت رجلًا صَحِبَ النبيّ ﷺ أربع سنين، فقال: "نَهَى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعًا"، رجاله ثقات.
قال الحافظ ﵀: ولم أقف لمن أعلّه على حجة قويّة، ودعوى البيهقيّ أنه في معنى المرسل مردودةٌ؛ لأن إبهام الصحابيّ لا يضرّ، وقد صَرّح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حُميد بن عبد الرحمن، هو ابن يزيد الأوديّ، وهو ضعيفٌ مردودةٌ، فإنه ابن عبد الله الأوديّ، وهو ثقةٌ، وقد صرَّح باسم أبيه أبو داود وغيره.
ومن أحاديث الجواز ما أخرجه أصحاب السنن، والدارقطنيّ، وصححه الترمذيّ، وابن خزيمة، وغيرهما، من حديث ابن عباس، عن ميمونة، قالت: أجنبت، فاغتسلت من جَفْنة، ففَضَلت فيها فضلة، فجاء النبيّ ﷺ غتسل منه، فقلت له، فقال ﵀: "الماء ليس عليه جنابة، واغتسل منه"، لفظ الدارقطنيّ، وقد أعلّه قوم بسماك بن حرب، راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يَقْبَل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يَحْمِل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم.
وقول أحمد: إن الأحاديث من الطريقين مضطربة، إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تُحْمَل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابيّ، أو يُحْمَل
стр. 4376
النهي على التنزيه؛ جمعًا بين الأدلة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الجمع الثاني هو الأولى؛ وأما الأول، ففيه نظرٌ، لأنا قد سبق لنا أن الأرجح أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهّر، فتنبّه.
والحاصل أن الأرجح في مسألة تطهر الرجل بفضل المرأة، وعكسه الجواز، كما هو مذهب الجمهور؛ لوضوح أدلّته، وأن أحاديث النهي تُحْمل على التنزيه؛ جمعًا بينها وبين أحاديث الجواز التي هي أقوى وأكثر منها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٣٤] (٣٢٠) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَة، فَسَأَلهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ (٢) ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ، قَدْرِ الصَّاع، فَاغْتَسَلَتْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْز، وَأفرَغَتْ (٣) عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ خُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ، حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) هو: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وجدته، وابن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأنس،
стр. 4377
وعبد الله بن حُنَين، وعبد الله بن مُحَيريز، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، وسلمان الأَغَرّ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وحسن بن حسن بن
عليّ، والزهري، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن جريج، وزيد بن أبي أُنيسة، وأبان بن عبد الله الْبَجَليّ، وبلال بن يحيى الْعَبْسيّ، وسعيد بن أبي بردة، وشعبة، ومحمد بن سُوقة، ومِسْعَر، وجما عة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن عبد البرّ: قيل: كان اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لعروة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٢٠) و (٤٨١) و (٥١٢) و (٢٠٦٨).
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
وعائشة ﵂ تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو بكر، عن أبي سلمة، وأبو بكر شارك شيخه أبا سلمة في كونه زُهْريًّا مدنيًّا مشهورًا بالكنية، وقد قيل: إن اسم كل منهما عبد الله، قاله في "الفتح" (١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالته من الرضاعة، فأبو سلمة بن
стр. 4378
عبد الرحمن ابن أخت عائشة ﵂، أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق ﵁، فعائشة خالته.
[تنبيه]: كون أبي سلمة ابنَ أخت عائشة ﵂ رضاعًا هو الصواب، وأما ما ذكره القرطبيّ في "المفهم" (١) من أنه ابن أخيها نسبًا، فغلط صريح؛ لأن أباه هو عبد الرحمن بن عوف، وليس عبد الرحمن بن أبي بكر، فتفطّن لهذا الغلط، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٦ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أنَا وَأَخُوهَا) أتى بـ "أنا" ليحسُن عطف "أخوها" على الضمير المرفوع المتّصل، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، وفي رواية النسائيّ: "دخلت على عائشة ﵂ وأخوها" بدون لفظة "أنا"؛ لوجود الفصل بالجارّ والمجرور، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصلٍ يَرِدْ فِي … النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وعند البخاريّ: "دخلتُ أنا وأخو عائشة" (مِنَ الرَّضَاعَةِ) بفتح الواو، وكسرها، والفتح أجود، حال من "أخوها"، وكذا وقع عند النسائيّ التصريح بأنه أخوها من الرضاعة، وهو يردّ قول الداوديّ: إنه أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، وقولَ غيره: إنه أخوها لأمها الطُّفَيل بن عبد الله.
قال الحافظ ﵀: زَعَم الداوديّ أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، وقال غيره: هو أخوها لأمها، وهو الطفيل بن عبد الله، ولا يصح واحد منهما؛ لما رَوَى مسلم من طريق معاذ، والنسائيّ من طريق خالد بن الحارث، وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون، كلهم عن شعبة، في هذا الحديث أنه
стр. 4379
في الحفظ ما لا يَثبُت بالقول. انتهى (١).
وقال الحافظ ﵀: ولَمّا كان السؤال محتملًا للكيفية والكمية، فأتت لهما بما يَدُلُّ على الأمرين معًا، أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع. انتهى (٢).
واعترضه العينيّ بما فيه نظرٌ، ولذا تركت ذكره (٣).
(قَالَ) أبو سلمة: (وَكانَ أَزْوَاجُ النَّبِي ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ) "من" تبعيضيّة، أي بعض شعور رءوسهنّ (حَتَّى تَكونَ كَالْوَفْرَةِ) بفتح الواو، وسكون الفاء: شعرُ الرأس إذا وصل الأذنين، قاله ابن الأثير ﵀ (٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الوَفْرةُ": الشعرُ إلى الأذنين؛ لأنه وَفَرَ على الأذن: أي تَمّ عليها، واجتَمَعَ. انتهى (٥).
وقال القاضي عياضٌ ﵀: في هذا دليلٌ على ما قلناه من رؤيتهما ذلك منها، ولا بأس لذي المحرَم أن يرى شعر ذات المحرَمِ منه، وما فوقَ جبينها عند العلماء، إلا ما وقع لابن عبّاس ﵂ من كراهة ذلك، قال: وفيه دليلٌ على جواز تحذيف النساء لشعورهنّ، وجواز اتّخاذهنّ الْجُمَمَ، وقد كان للنبيّ ﷺ جُمّةٌ.
و"الْوَفْرَةُ": أشبع من الْجُمَّة، و"اللِّمَّةُ": ما أَلَمَّ بالمنكبين من شعر الرأس دون ذلك، قاله الأصمعيّ، وقال غيره: الوَفْرة: أقلّها، وهي التي لا تُجاوز الأذنين، والْجُمّة: أكبر منها، واللِّمَّةُ: ما طال من الشعر، وقال أبو حاتم: الوَفْرة: ما غَطَّى الأذنين من الشعر، والمعروف أن نساء العرب إنما كُنّ يتّخذن القرون والذوائب، ولعلّ أزواج النبيّ ﷺ فَعَلْنَ هذا بعد موته؛ لتركهنّ التزيّن، واستغنائهنّ عن تطويل الشعور لذلك، وتخفيفًا لمؤونة رؤوسهنّ. انتهى (٦).
وقال النوويّ بعد نقل كلام عياض ﵀ هذا ما نصّه: وهذا الذي قاله القاضي عياض من كونهنّ فعلنه بعد وفاته ﷺ ، لا في حياته، كذا قاله أيضًا
стр. 4380
غيره، وهو متعيّنٌ، ولا يُظَنّ بهنّ فعلُهُ في حياته ﷺ ، وفيه دليلٌ على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٣٥] (٣٢١) - (حَدَّثَنَا هَارُون بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِه، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاء، فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِه، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِه، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: كلنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَنَحْنُ جُنبَانِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) - بالفتح - السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ) بن عبد الله، أبو الْمِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٥٩) (بخ م دس) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (أَبُوه) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: تقدّم انتقاد الحفّاظ لهذا السند بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادةٌ