ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه ذاهبٌ لا مَحَالةَ تقول: أما زيد فذاهمب، وأما كونها للتفصيل، فهو غالب أحوالها، كما في الآية السابقة، وقد تأتي لغير تفصيل أصلًا، نحو أما زيد فمنطلق.
إذا تقرّر هذا، فـ "أمّا" في الحديث هنا يحتمل أن تكون للتفصيل، حُذف قسيمها لدلالة الكلام عليه، فكأنه قال: أما أنا فأُفيض إلخ، وأما أنتم فلا أدري ماذا تفعلون؟، أو نحو ذلك، ويدلّ على هذا قول بعض الناس: إني لأغسل كذا وكذا، ويَحْتَمِل أن تكون لمجرّد التوكيد، فلا تفصيل فيها، ولا تحتاج إلى تكرارها، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، وتقدّم أيضًا في "شرح المقدّمة" عند قول المصنّف ﵀: "ما بعدُ إلخ"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَإِنِّي أُفِيضُ) بضمّ الهمزة، من الإفاضة، وهو الإسالة والصبّ: أي فأصبّ (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ اَكُفٍّ") بفتح الهمزة، وضمّ الكاف: جمع كَفّ، وتُجمع أيضًا على كفُوف، مثلُ فَلْس وأَفْلُس وفُلُوس، وهي مؤنّثة، وهي الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَكُفّ الأذى عن البدن، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١).
[تنبيه]: كون الكفّ مؤنّثةً هو الذي نصّ عليه في "المصباح" حيث قال: الكفّ من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزَعَمَ من لا يوثق به أن الكفّ مذكّرٌ، ولا يَعْرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفّ مُخَضَّبٌ، فعلى معنى ساعدٍ مُخَضَّبٍ. انتهى (٢).
فعلى هذا فما وقع في الرواية هنا "ثلاث أكفّ" جار على الفصيح، وأما ما وقع في "صحيح البخاريّ" في حديث جابر ﵁: "كان النبيّ ﷺ يأخذ ثلاثة أكُفّ" فيحتاج للتأويل بمعنى العضو، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" عند قوله: "ثلاث أكفّ" وفي رواية كريمة: "ثلاثة أكفّ"، وهي جمع كفّ، والكفّ تُذكّر وتؤنّث.
стр. 4412
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا صرّح في "الفتح" بأن الكفّ يذكّر، ويؤنّث، وكذا صرّح العينيّ به، وهو خلاف الصواب، فقد صرّح أهل اللغة، ونصّوا على أن الكفّ مؤنّث، كما أسلفته، ومن الغريب اعتراض العينيّ في هذا على الكرمانيّ، ودونك عبارتهما:
قال الكرمانيّ: [فإن قلت]: الكفّ مؤنّثة، فلم دخلت التاء في الثلاثة؟ [قلت]: المراد من الكفّ قدر ما فيها، فباعتباره دخلت، أو باعتبار العضو. انتهى.
فاعترض عليه العينيّ، فقال: قلت: في الجواب الأول نظرٌ، والثاني لا بأس به، والأحسن أن يقال: الكفّ يذكّر ويؤنّث، فيجوز دخول التاء، وتركه على الاعتبارين. انتهى (١).
وهذا الاعتراض غير صحيح، فما قاله الكرماني من التأويل وجيه، فما استحسنه العينيّ من جواز التذكير والتأنيث فلا وجه له؛ لأنه لم يأت له بحجة من كلام أهل اللغة، بل نصّوا على أنه غلط.
ثم وجدت السيّد محمد المرتضى ﵀ في "شرح القاموس" قد حقّق الموضوع، فأفاد وأجاد، ودونك نصّه: قال: قال شيخنا: الكفّ مؤنّثة، وتذكيرها غلطٌ، غير معروف، وإن جوّزه بعضٌ تأويلًا، وقال بعض: هي لغة قليلةٌ، فالصواب أنه لا يُعرف، وما ورد حملوه على التأويل، ولم يتعرّض المصنّف - يعني صاحب "القاموس" - لذلك قصورًا، أو بناءً على شُهرته، أو على أن الأعضاء المزدوجة كلها مؤنّثة. انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح": والمراد أنه يأخذ في كلّ مرّة كفّين، ويدلّ على ذلك رواية إسحاق بن راهويه من طريق الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال في آخر الحديث: "وبسط يديه"، ويؤيّده حديث جُبير بن مُطعم، حيث قال: "وأشار بيديه كلتيهما"، قال: والكفّ اسم جنس، فيُحمل على الاثنين،
стр. 4413
ويَحْتَمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويَحْتَمِل أن يكون لكلّ جهة من الرأس، كما جاء ذلك في حديث القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، يعني الحديث السابق: "فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه" (١).
ومعنى الحديث: فإني أُفيض على رأسي ثلاث حَفَنات، كلُّ حَفْنة منهنّ بملء الكفّين جميعًا، كما بيّنته رواية أحمد في "مسنده" من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، عن جُبَير بن مُطْعِم، قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند النبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا، فآخذُ ملء كفي ثلاثًا، فأُصُبُّ على رأسي، ثم أُفيض بعدُ على سائر جسدي".
ويدلّ على كون المراد ملء الكفّين ما في رواية البخاريّ، قال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما"، أي أشار النبيّ ﷺ بيديه على كيفيّة أخذه الماء.
ودلّ هذا على أنه ﷺ كان لا يُفيض على رأسه أكثر من ثلاث، ودلّ أيضًا على أن غسل سائر الجسد ليس فيه التثليث؛ لأنه قال: "ثم أفيض إلخ"، ولم يذكر الثلاث، فالمطلوب فيه التعميم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جُبير بن مطعم ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٠/ ٧٤٦ و ٧٤٧] (٣٢٧)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٥٤)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٣٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣٥)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٥٥ و ٨٥٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٣١، ٧٣٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 4414
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز المناظرة، والمباحثة في العلم.
٢ - (ومنها): جواز مناظرة الفاضل بحضرة المفضول، ومناظرة الأصحاب بحضرة إمامهم وكبيرهم.
٣ - (ومنها): جواز التنازع عند النبيّ ﷺ من غير رفع صوت، وأما ما أخرجه الشيخان من حديث ابن عبّاس ﵂ قال: لَمّا اشتد بالنبيّ ﷺ وَجَعُه قال: "ائتوني بكتاب، أكتبْ لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبيّ ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، فقال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع … " الحديث.
فهذا محمولٌ على التنازع الذي يؤدّي إلى الخصام، ورفع الصوت، كما يدّل عليه سياق الحديث، فإنه صريحٌ في كون تنازعهم أدّى إلى رفعِ الصوت، والإخلال بالتعظيم الذي أوجبه الله على الأمة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات: ٢].
٤ - (ومنها): كون الإفاضة على الرأس ثلاث غرفات، وهو القدر الكافي فيه، فلا ينبغي تجاوزه، لأن خير الهدي هدي محمد ﷺ الذي قال الله في حقّه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: في هذا الحديث استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، وهو مُتَّفقٌ عليه، وأَلْحَق به أصحابنا سائر البدن قياسًا على الرأس، وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء، فإن الوضوء مبنيّ على التخفيف، ويتكرر، فإذا استُحِبّ فيه الثلاث، ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ صاحب "الحاوي" من أصحابنا، فإنه قال: "لا يستحب التكرار في الغسل"، وهذا شاذّ متروكٌ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد الماورديّ بقوله: "لا يستحبّ التكرار في الغسل" غسلَ الرأس، فقوله باطلٌ مردودٌ بهذه الأحاديث الصحيحة، كما
стр. 4415
أشار النوويّ ﵀، وإن أراد بذلك سائر الجسد - ولا أظنّه يريد إلا هذا - فالظاهر أن ما قاله هو الصواب؛ لأنه لم يُذكر في هذه الأحاديث الصحيحة التثليث إلا في الرأس، وأما سائر الجسد، ففيها الإفاضة فقط، فبأيّ دليل يقال: إن قوله شاذّ متروك؟، فتأملّ بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٦ - (ومنها): التلطّف في التعليم، حيث إنه ﷺ لم يقل لهم: هذا حرامٌ، أو نحو ذلك، بل أرشدهم إلى ما هو عليه من الهدي؛ ليهتدوا به، فما أكرمه ﷺ من معلّم، وأحسنه من مرشد ﷺ .
٧ - (ومنها): أنه قد يستفاد منه أن الوضوء قبل الغسل غير واجب، حيث لم يذكره ﷺ هنا، لكن يُجاب عنه بأنه إنما ذَكَرَ محلّ التنازع، حيث قال بعضهم: إني أغسل رأسي كذا وكذا مرّةً، وقد تقدّم ترجيح القول بعدم وجوب هذا الوضوء، وإنما هو مستحبّ، بدليله، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَة، فَقَالَ: "أَمَّا أَنَا فَأُفْرغُ عَلَىَ رَأْسِي ثَلَاثًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببُنْدَار، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أَو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون تقدّموا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (أنَّهُ ذُكرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ) ببناء الفعل للمفعول، و"الغسل" نائب
стр. 4416
فاعله، والضميران للنبيّ ﷺ ، وَيحْتَمِل أن يكون الأول ضمير الشأن، والجملة تفسير له، والثاني للنبيّ ﷺ .
وقوله: (فَأُفْرِغُ) بضم الهمزة، من الإفراغ، مبنيًّا للفاعل، وهو بمعنى "أُفيض"، أي أصبّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٤٨] (٣٢٨) - (وَحَدَّثنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ سَأَلوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ، فَكَيْفَ بِالْغُسْلِ؟ فَقَالَ: "أمَّا أَنَا فَأُفْرغُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا"، قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، وَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام المذكور أول الباب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، والد محمد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن ابن علية، وهشيم، وعباد بن عباد، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والبخاريّ في غير "الجامع"، وابن أبي عاصم، وابنه محمد بن إسماعيل، ويعقوب بن سفيان.
قال الصَّدَفيّ: سألت أبا صالح بن عبيد الله، عن محمد بن إسماعيل الصائغ، فقال: ثقةٌ مأمونٌ، وأبوه ثقةٌ، وذَكَره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
[تنبيه]: قال أبو بكر الخطيب البغداديّ ﵀: إسماعيل بن سالم اثنان: أحدهما يروي عن هشيم، وهو الصائغ، والآخر يَروِي عنه هُشيم، وهو
стр. 4417
الأسديّ انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: إسماعيل بن سالم الأسديّ له عند المصنّف حديث واحد سيأتي في "كتاب القسامة، والمحاربين" برقم (١٦٨٠) حديث: "القاتل والمقتول في النار … " الحديث.
٣ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو بِشْرِ) بن أبي وَحْشيّة، واسمه: جعفر بن إياس، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) هو: طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوق [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو بشر، عن أبي سفيان، وكلاهما ممن اشتهر بكنيته.
٣ - (ومنها): أن فيه قولَهُ في آخر الحديث: "قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ"، قال النوويّ ﵀: فيه فائدةٌ عظيمة من دقائق هذا العلم ولطائفه، وهي مُصَرِّحة بغَزَارة علم مسلم ﵀، ودقيق نظره، وهي أن هشيمًا: مُدَلّسٌ، وقد قال في الرواية المتقدمة: "عن أبي بِشْر"، والمدلّس إذا قال: "عن" لا يُحتَجّ به إلا إذا أثبت سماعَهُ ذلك الحديثَ من ذلك الشخص الذي عنعن عنه، فَبَيَّن مسلم أنه ثبتٌ سماعه من جهة أُخرى، وهي رواية ابن
стр. 4418
سالم، فإنه قال فيها: "أخبرنا أبو بشر"، وقد قَدّمنا مَرّاتٍ بيانَ مثلِ هذه الدقيقة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ) "الْوَفْد" بفتح الواو، وسكون الفاء: جمع وافد، وهم القوم يجتمعون، وَيرِدون البلاد، وكذلك الذين يَقصِدون الأُمراء لزيارةٍ، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، قاله ابن الأثير (٢).
وقال في "القاموس": وَفَدَ إليه، وعليه يَفِدُ وَفْدًا، وَوُفُودًا، ووِفَادةً، وإِفَادةً: قَدِمَ، وورَدَ، وأوفده عليه، وإليه، وهم: وُفُودٌ، ووَفْدٌ، وأوفادٌ، ووُفَّدٌ. انتهى (٣). وقد تقدّم البحث بأتمّ من هذا في "كتاب الإيمان" عند شرح حديث قصّة وفد عبد القيس، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
و"ثَقِيف" - بفتح الثاء المثلّثة، وكسر القاف، آخره فاء بوزن أَمِير -: أبو قبيلة من هَوَازن، واسمه قَسِيّ بن مُنَبِّه بن بكر بن هَوَازن، قاله في "القاموس" (٤).
وقال في "اللباب": هو: ثَقِيف بن منبِّه بن بكر بن هَوَازن بن منصور بن عِكرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيْلان بن مُضَر، وقيل: إن اسم ثَقِيف قسيّ. انتهى (٥).
(سَأَلوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا) تفسير لمعنى "سألوا" (إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ)، أي في الشتاء، وكانت ثقيف تسكن الطائف، وهي مصيف أهل الحجاز؛ لأن جوّها باردٌ شتاءً، معتدلٌ صيفًا (٦).
(فَكَيْفَ بِالْغُسْلِ؟) الفاء فصيحيّة وقعت في جواب شرط مقدّر، أي إذا كانت أرضنا باردةً، وغسل الجنابة واجب علينا، فعلى أيّ حالة؟ وبكم حَفْنة
стр. 4419
نغتسل؟، و"كيف" خبر مقدّمٌ، والباء زائدة، و"الغسل" مبتدأ مؤخّرٌ، (فَقَالَ) النبيّ ﷺ ("أَمَّا أَنَا فَأُفْرِغُ) بضمّ الهمزة، وتخفيف الراء المكسورة، مبنيًّا للفاعل، من الإفراغ، قال الفيّوميّ ﵀: وأفرغت الشيء: صببته إذا كان يَسيل، أو من جوهر ذائب. انتهى (١).
وَيَحْتَمل أن يكون بتشديد الراء، من التفريغ، وقد أثبته في "القاموس"، ونصّه: وأفرغه: صبّه، كفرَّغه انتهى (٢).
ومعناه هنا: أصبّ على رأسي، فهو بمعنى قوله الماضي: "فأُفيض على رأسي" (عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا")، أي إفراغات ثلاثًا، فهو نعتٌ لمصدر محذوف.
وقوله: (قَالَ ابْنُ سَالِمٍ)، أي شيخه الثاني، إسماعيل بن سالم الصائغ (فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ)، تقدّم آنفًا أن فائدته إزالة خوف تدليس هُشيم؛ لأنه كثير التدليس، وقد رواه في رواية يحيى بـ "عن"، فأزال المصنّف ذلك برواية ابن سالم (وَقَالَ) ابن سالم أيضًا (إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) يعني بدل قول يحيى: "أن وفد ثقيف قالوا للنبيّ ﷺ إلخ"، وهذا أيضًا من ورع المصنّف، واحتياطاته، وتشدّده في التزام ألفاظ المشايخ، وإن لم يختلف به المعنى؛ إذ ليس بين العبارتين اختلاف من حيث المعنى المراد هنا، وهو نسبة القول إلى قائله، وإن اختلف العلماء في النبيّ والرسول، هل هما مترادفان، أم بينهما عموم وخصوص؟ وقد استوفينا بحثه في أوائل "شرح المقدّمة"، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في جواز إبدال الرسول بالنبيّ، وعكسه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولي) حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 4420
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٠/ ٧٤٨] (٣٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٣٣)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، وستأتي أيضًا بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز إبدال النبيّ بالرسول، وعكسه: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: الظاهر أنه لا يجوز تغيير: "قال النبيّ ﷺ " إلى "قال رسول الله ﷺ "، ولا عكسه، وإن جازت الرواية بالمعنى، وكان أحمد إذا كان في الكتاب "عن النبيّ ﷺ "، وقال المحدث: "رسول الله ﷺ "، ضَرَبَ، وكتب: "رسول الله"، وعَلّل ابن الصلاح ذلك، فقال: لاختلاف معنى النبيّ والرسول؛ لأن الرسول مَن أوحي إليه للتبليغ، والنبيّ مَن أوحي إليه للعمل فقط (١).
وتعقّبه النووي، فقال: والصواب جوازه؛ لأنه وإن اختلف معناه في الأصل، لا يختلف به هنا معنى؛ إذ المقصود نسبة القول لقائله، وذلك حاصل بكل من الموضعين، وهو مذهب أحمد بن حنبل، فقد سأله ابنه صالح عنه، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، وما تقدّم عنه محمول على استحباب اتّباع اللفظ دون اللزوم، وهو مذهب حماد بن سلمة، والخطيب البغداديّ أيضًا.
وقد استَدَلّ بعضهم للمنع بحديث البراء بن عازب ﵄ في الدعاء عند النوم، وفيه: "ونبيّك الذي أَرْسَلْتَ"، فأعاده على النبيّ ﷺ ، فقال: ورسولك الذي أَرْسلتَ، فقال: "لا، ونبيّك الذي أرسلتَ".
стр. 4421
وتعقّبه الحافظ العراقيّ ﵀ فقال: ولا دليل فيه؛ لأن ألفاظ الأذكار توقيفيّةٌ، وربما كان في اللفظ سرٌّ لا يحصل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين في موضع واحد، قال: والصواب ما قاله النوويّ، وكذا قال الْبُلْقِينيّ، وقال البدر ابن جماعة: لو قيل يجوز تغيير النبيّ إلى الرسول، ولا يجوز عكسه لَمَا بَعُد؛ لأن في الرسول معنى زائدًا على النبيّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن جماعة لا معنى له فيما نحن فيه، كما سبق في الردّ على ابن الصلاح، فزيادة معنى الرسول، لا يختلف بها نسبة القول إلى قائله؛ لأن النظر إلى ذات الشخص، لا إلى صفاته، فنسبة القول إليه، بأن نقول: قال فلان هذا القول، أو لم يقله متّحدة، لا تختلف باختلاف أوصافه، فتأملّ بالإنصاف.
والحاصل أن إبدال الرسول بالنبيّ، وعكسه جائزان، وإن كان التقيّدُ بالرواية، والأداءُ كما سمع أولى وأحسن، كما أسلفنا قريبًا من الاحتجاج له بالحديث الصحيح: "نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا، فبلّغه كما سمعه. . ." الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٤٩] (٣٢٩) - (وَحَدَّثنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْني الثَّقَفِيَّ - حَدَّثنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ"، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ محَمَّدٍ: إِن شَعْرِي كثِيرٌ، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي كَانَ شَعْرُ رَسُول اللهِ ﷺ أَكثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ).
стр. 4422
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلويّ، أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فَرْوة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: وَلَدَني أبو بكر مرتين، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، ومحمد بن المنكدر، وعبيد الله بن أبي رافع، وعطاء، وعروة، وجدّه لأمه القاسم بن محمد، ونافع، والزهري، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والسفيانان، ومالك، وابن جريج، وأبو حنيفة، وابنه موسى، ووُهيبٌ، والقطان، وأبو عاصم، وخلق كثير. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أقرانه، ويزيد بن الهاد، ومات قبله. قال الدَّرَاوَرْدِيُّ: لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس. وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه حتى يضمه إلى آخر. وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه، فقال: في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلي منه، قال: وأملَى عليّ جعفر الحديث الطويل - يعني في الحج -. وقال إسحاق بن حَكِيم عن يحيى بن سعيد: ما كان كذوبًا. وقال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: ما لك لم تسمع من جعفر، وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث: أشيء سمعته؟ قال: لا، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا. وقال إسحاق ابن راهويه: قلت للشافعيّ: كيف جعفر بن محمد عندك؟ فقال: ثقة - في مناظرة جرت بينهما -. وقال الدُّوريّ عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة وغيره عنه: ثقة. وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى: كنتُ لا أسأل يحيى بن سعيد عن حديثه، فقال لي: لِمَ لا تسألني عن حديث جعفر بن محمد؛ قلت: لا أريده، فقال لي: إنه كان يحفظ. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال ابن عَدِيّ: ولجعفر
стр. 4423
أحاديث ونُسَخٌ، وهو من ثقات الناس، كما قال يحيى بن معين. وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنه من سُلالة النبيين. وقال علي بن الجعد عن زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارًا يزعُم أنّك تَبْرأُ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئًا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يُحتَجّ به، ويُستَضعف، سئل مرة: سمعتَ هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة، فقال: إنما وجدتها في كتبه.
قال الحافظ: يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة، فذكر فيما سمعه أنه سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من سادات أهل البيت فقهًا وعلمًا وفضلًا، يُحتجّ بحديثه من غير رواية أولاده عنه، وقد اعتبرتُ حديث الثقات عنه، فرأيت أحاديث مستقيمة، ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ومن المحال أن يُلصق به ما جناه غيره. وقال الساجيّ: كان صدوقًا مأمونًا إذا حَدّث عنه الثقات، فحديثه مستقيم. وقال أبو موسى: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان عنه، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه. وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ثقة. وقال مالك: اختلفت إليه زمانًا، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مُصَل، وإما صائمٌ، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة.
قال الجعابيّ وغيره: وُلد سنة ثمانين. وقال خليفة وغير واحد: مات سنة (١٤٨).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
٤ - (أَبُوهُ) هو: محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر الهاشمي، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، ثقة فاضل [٤]، مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.
стр. 4424
والصحابيّ تقدّم في المسند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى جعفر، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا اغْتَسَلَ)، أي أراد الاغتسال (مِنْ جَنَابَةٍ)، أي بسببها (صَبَّ) بالبناء للفاعل (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ) - بفتحات -: جمع حَفْنة - بفتح، فسكون - وهي ملء الكفّين، يقال: حَفَنَ له حَفْنًا، من باب ضرب، وحَفْنَةً، والجمع حَفَنات، مثلُ سَجْدةٍ وسَجَدَات، وقوله: (مِنْ مَاءٍ") بيان لـ"حَفَنات" (فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو: الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأبوه يُعْرَف بابن الحنفية، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وعاصم بن عمر بن قتادة، والزهريّ، وأبان بن صالح، وقيس بن مسلم، وعبد الواحد بن أيمن، وجماعة.
قال مصعب الزبيريّ، ومغيرة بن مِقْسم، وعثمان بن إبراهيم الحاطبيّ: هو أول مَن تَكَلَّم في الإرجاء، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عَقِبٌ، وقال ابن سعد: كان من ظُرَفاء بني هاشم، وأهل الفضل منهم، وكان يُقَدَّم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، وهو أول مَن تكلم في الإرجاء،
стр. 4425
وقال الزهريّ: ثنا الحسن، وعبد الله، ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وقال محمد بن إسماعيل الجعفريّ: حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم، عن أبيه، عن حسن بن محمد، قال: وكان من أوثق الناس عند الناس، وقال سفيان، عن عمرو بن دينار: ما كان الزهريّ إلا من غلمان الحسن بن محمد، وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالاختلاف، وقال سلام بن أبي مطيع، عن أيوب: أنا أتبرأ من الإرجاء، إن أول من تكلم فيه رجل من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد، وقال عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة: إنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وَضَعَ في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو، لوددت أني كنت مُتّ، ولم أكتبه.
قال الحافظ ﵀: المراد بالإرجاء الذي تَكَلَّم الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يَعِيبه أهل السنة المتعَلِّق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العَدَنيّ في كتاب الإيمان له في آخره، قال: حدثنا إبراهيم بن عيينة، عن عبد الواحد بن أيمن، قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعدُ فإنا نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة، والوصية لكتاب الله، واتّباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر ﵄، ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تَقْتَتِل عليهما الأمة، ولم تشك في أمرهما، ونرْجِيء مَن بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنَكِل أمرهم إلى الله، إلى آخر الكلام، فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يَرَى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئًا أو مصيبًا، وكان يرى أنه يُرجئ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي تَعَلَّق بالإيمان، فلم يُعَرّج عليه، فلا يلحقه بذلك عاب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: لو كان ما قاله الحافظ في إرجاء الحسن بن محمد صحيحًا لكان الأمر هيّنًا، ولكن ما سبق عن أيوب، ومن قصّته مع زاذان في وضع الكتاب، يدلّ على غير هذا، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
стр. 4426
وقال خليفة: مات سنة (٩٩) أو مائة، وقيل غير ذلك في وفاته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٤٠٥) حديث جابر، وسلمة بن الأكوع ﵄ في جواز متعة النساء، وأعاده بعده، و (١٤٠٧) حديث عليّ ﵁ في النهي عن متعة النساء، وكرره ستّ مرّات.
(إِنَّ شَعْرِي) بفتح الشين، وسكون العين المهملة، وفتحها، قال الفيّوميّ ﵀: الشَّعْر بسكون العين، يُجمع على شُعور، مثلُ فلس وفلُوس، وبفتحها، يُجمع على أَشْعار، مثلُ سبب وأسباب، وهو من الإنسان وغيره، وهو مذكّرٌ، والواحدة شَعْرَةٌ، وإنما جُمِع الشعر تشبيهًا لاسم الجنس بالمفرد، كما قيل: إبلٌ وآبالٌ. انتهى (١). (كَثِيرٌ)، وفي رواية البخاريّ: "إني رجلٌ كثير الشعر"، أي فأحتاج إلى أكثر من الحفنات الثلاث التي كان رسول الله ﷺ يصبّها على رأسه، (قَالَ جَابِرٌ) ﵁، (فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام، لا أخوّة النسب؛ لأنه ليس بينهما قرابة، لأن جابرًا ﵁ أنصاريّ، والحسن بن محمد قرشيّ، هاشميّ، قيل: ويحتمل أن يكون أراد بالأخوّة المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار، ولا يخفى بُعده، والله تعالى أعلم. (كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ)، أي وكان يكفيه ثلاث حفنات، فاقتضى ذلك أن الإنقاء يحصل بها، وفي رواية البخاريّ: "كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا، وخيرٌ منك"، والمراد من الكثرة الطول والغزارة، وقال في "الفتح": وناسب ذكر الخيريّة؛ لأن طلب الازدياد من الماء يُلحَظ فيه التحرّي في إيصال الماء إلى جميع الجسد، وكان ﷺ سيّد الورعين، وأتقى الناس لله تعالى، وأعلمهم به، وقد اكتفى بذلك، فأشار جابر ﵁ إلى أن الزيادة على ما اكتفى به النبيّ ﷺ تنطّع، قد يكون مثاره الوسوسة، فلا ينبغي أن يُلتفت إليه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 4427
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٠/ ٧٤٩] (٣٢٩)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٥٢ و ٢٥٥ و ٢٥٦)، وفي "الأدب المفرد" (٩٥٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٢٧ و ٢٠٧) وفي "الكبرى" (٢٢٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٧٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٨ و ٣١٩ و ٣٧٠ و ٣٧٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا.
٢ - (ومنها): الاقتصاد في استعمال الماء في الطهارة، وكراهية التنطّع والإسراف فيه.
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبيّ ﷺ ، والانقياد إلى ذلك، كما يحتجّون بأقواله، فإن جابرًا ﵁ لَمّا سئل عن الغسل عن الجنابة، بيّن هدي النبيّ ﷺ في ذلك، واحتجّ بفعله.
٤ - (ومنها): الردّ بعُنف على من يُماري بغير علم، إذا قصد الرادّ إيضاح المسألة، فإن الحسن بن محمد لَمّا سمع مقدار ما كان النبيّ ﷺ يغتسل به من الماء، قال: لا يكفيني هذا، فردّ عليه جابر ﵁، فقال: "قد كان يكفي من كان خيرًا منك، وأكثر شعرًا" يعني النبيّ ﷺ ، أي فعليك باتّباع فعله، فأفحمه بذلك.
٥ - (منها): جواز المباحثة في العلم، والسؤال عنه، وإن كان السائل أشرف نسبًا، فإن العلم يزيد الشريف شرفًا، كما أن الجهل يضع من قدره، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من البسيط]:
الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ … وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ
٦ - (ومنها): الوقوف عند الحقّ إذا ظهر للإنسان، من غير ممانعة، ولا جدال.
٧ - (ومنها): ردّ الإنسان على نفسه الوسوسة، وحملها على التأسّي بأفعال النبيّ ﷺ ، والاهتداء بهديه.
стр. 4428
٨ - (ومنها): أن فيه بيانَ أن خير الهدي هديُ محمد ﷺ ، فقد ضَمِن الله تعالى الفلاح والسعادة الأبدية في اتّباعه، فقال الله : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١١) - (بَابُ حُكْمِ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ الْمُغْتَسِلَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٥٠] (٣٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، فَأَنَّقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثيَاتٍ (١)، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ، فَتَطْهُرِينَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ المذكور قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ الإمام المذكور قبل باب.
٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الكوفيّ، ثم المكيّ الإمام المذكور قبل باب.
стр. 4429
٦ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن نافع، ومكحول، وحميد بن نافع، وسعيد المقبريّ، والزهريّ، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وأبيه موسى، وجدّه سعيد بن العاص، ولم يدركه، وجماعة. ورَوَى عنه يحيى بن سعيد، وهو من أقرانه، وشعبة، والسفيانان، والليث، وابن جريج، وعمرو بن الحارث، ومالك، وابن إسحاق، وهشام بن حسان، وغيرهم.
قال البخاريّ، عن ابن المدينيّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وابن سعد: ثقة، زاد أحمد: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطنيّ: أيوب هو ابن عم إسماعيل بن أمية ثقتان، وقال ابن عيينة: كان أيوب أفقههما، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع، وشَذّ الأزديّ، فقال: لا يقوم إسناد حديثه، ولا عبرة بقول الأزديّ، وقال ابن عبد البر: كان ثقةً حافظًا.
قال خليفة: مات سنة (١٣٢)، وقيل غير ذلك، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في حبس داود بن عليّ مع إسماعيل بن أمية.
أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
٧ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) المخزوميّ، أبو رافع المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عنها، وعن حجاج بن عمرو بن غَزِيّة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وغيرهم.
وروى عنه أفلح بن سعيد القُبَائيّ، وأيوب بن خالد بن صفوان، وبكير بن الأشج، وأبو صَخْر حميد بن زياد، وسعيد بن أبي سعيد المقبريّ، والقاسم بن عباس الهاشميّ، وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وعكرمة، وهو من أقرانه، وغيرهم.
стр. 4430
قال العجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣٣٠) و (٢٢٩٥) و (٢٧٨٩) و (٢٨٥٧) وأعاده بعده.
٩ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر المخزوميّة، أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٦٢) وقيل: غير ذلك (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن قوله: "قال إسحاق إلخ" فيه إشارة إلى أنه وقع اختلاف بين شيوخه، فالثلاثة أخذوا الحديث عن ابن عيينة سماعًا من لفظه، وإسحاق أخذه سماعًا لقراءة غيره عليه، ولذا قال: "أخبرنا سفيان"، وأيضًا صرّح باسمه.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ، وعمرو الناقد ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه، ومحمد بن يحيى ما أخرج له أبو داود، وكذا عبد الله بن رافع ما أخرج له البخاريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن عبد الله بن رافع، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند، وقيل غير ذلك، زوج النبيّ ﷺ ﵂، أنها (قَالَتْ) هكذا في رواية المصنّف صرّح بأن السائلة هي أم سلمة ﵂، وكذا هو عند أبي داود، والنسائيّ، ووقع في رواية لأبي داود: "أن امرأة من المسلمين"، بالإبهام، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأةٌ أَشُدُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، مضارع شدّ، من بأبي نصر، وضرب، أي أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي)، أي نَسْجَ شعر رأسي، وإدخالَ بعضه في بعض، قال النوويّ ﵀: هو بفتح الضاد، وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين
стр. 4431
والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أُحْكِم فَتْلَ شَعْري، وقال الإمام ابن بَرِّيّ في الجزء الذي صنَّفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم سلمة: "أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي" يقولونه بفتح الضاد، وإسكان الفاء، وصوابه ضم الضاد، والفاء جمع ضَفِيرة، كسَفِينة وسُفُن، وهذا الذي أنكره ﵀ ليس كما زعمه، بل الصواب جواز الأمرين، ولكل منهما مَعْنًى صحيحٌ، ولكن يترجح ما قدمناه؛ لكونه المرويّ المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. انتهى (١).
وقال المجد ﵀: ضَفَرَ الشعرَ يَضفِره: نسج بعضه على بعض، والحبلَ فَتَلهُ، وعَدَا، وسَعَى. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الضَّفِيرة"، من الشعر: الْخُصْلة من الشعر والجمع ضَفائر، وضُفُرٌ بضمّتين، وضَفَرتُ الشعرَ ضَفْرًا، من باب ضرب: إذا جعلته ضفائر، كلُّ ضَفِيرة على حِدَةٍ بثلاث طاقات فما فوقها، والضَّفِيرة: الذُّؤابةُ. انتهى (٣).
(فَأَنقُضُهُ؟) بتقدير همزة الاستفهام، ووقع في بعض النسخ: "أفأنقضه؟ " بذكرها، فتكون داخلة على محذوف، أي: ألا يَجزيني غسل الشعر مضفورًا، فأنقضه؟، أو هي مقدّمة من تأخير، كما سبق البحث في ذلك مستوفًى.
وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "أفأنقضه" صحيح الرواية بالقاف، وقد وقع لبعض مشايخنا بالفاء، ولا بُعد فيه من جهة المعنى. انتهى (٤).
(لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟)، أي لأجل الاغتسال من الجنابة، أو عند إرادة الاغتسال منها، وقد تقدّم بيان معنى الجنابة، وهي إنما سألت عن الوجوب، أي: هل يجب عليّ نقضه أم لا؟ بدليل قوله في الجواب: "لا، إنما يكفيك إلخ". (قَالَ) ﷺ ("لَا)، أي لا يجب عليك ذلك (إِنَّمَا يَكْفِيكِ)، أي يَجزيك، والكاف مكسورةٌ؛ لأن الخطاب للمؤنّث (أَنْ تَحْثِي) بكسر الثاء المثلّثة، وسكون الياء، أصله تحثيين بياءين، كتضرِبين، أو تحْثُوين، كتنصُرِين، فعلى الأول حُذفت كسرة الياء، للاستثقال، ثم الياء لالتقاء الساكنين، وأما على الثاني، فنُقلت كسرة الواو إلى الثاء المثلّثة بعد سلب حركتها، ثم قُلبت الواو ياءً؛
стр. 4432
للمناسبة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم في الحالتين حُذفت النون للناصب، قال القاري: ولا يجوز فتح الياء من "تَحْثِي" لأجل الناصب؛ لأن هذه الياء ليست جزء الكلمة التي تُفتح إذا دخل الناصب على الفعل، وإنما هي ضمير المؤنّثة.
و"أن تحثي" في تأويل المصدر فاعل "يكفيك"، ووقع في بعض نسخ النسائيّ: "أن تحثين" بإثبات النون، ويؤوّل على إهمال "أن" حملًا لها على "ما" المصدريّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ "أَنْ" حَمْلًا عَلَى … "مَا" أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا
وهو لغةٌ لا ضرورة، قال الشاعر [من البسيط]:
أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا … مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرَا أَحَدَا
والْحثْيُ: الرَّمْيُ، والمراد به هنا الصبّ، يقال: "حَثَا الرجل التراب يحثوه حَثْوًا، من باب غزا، ويَحْثِيه حَثْيًا، من باب رَمَى: هاله، أي صبّه بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثم رماه، ومنه: "فاحثُوا التراب في وجهه"، ولا يكون إلا بالقبض والرمي، أفاده الفيّوميّ.
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله ﷺ : "تحثي على رأسك ثلاث حثيات" هي بمعنى الْحَفَنات في الرواية الأخرى، و"الْحَفْنة": ملء الكفّين من أيّ شيء كان، ويقال: حثَيتُ، وحثوتُ بالياء والواو، لغتان مشهورتان. انتهى (١).
(عَلَى رَأْسِكِ) متعلّق بـ "تحثي" (ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) مفعول مطلق على النيابة، وأصله: حَثَياتٍ ثلاثًا (ثُمَّ تُفِيضِينَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإفاضة، وهو الصبّ، وثبتت النون؛ لأنه مرفوعٌ على الاستئناف، وأشار في هامش النسخة الهنديّة إلى أنه وقع في بعض النسخ بحذف النون، وهو القياس، على أن يكون منصوبًا عطفًا على "تَحْثِي" (عَلَيْكِ)، أي بقيّة بدنك، وفي رواية النسائيّ: "على جسدك" (الْمَاءَ) منصوب على المفعوليّة لـ"تُفيضين" (فَتَطْهُرِينَ") فيه دلالة على أن هذا الفعل، من الحثيات الثلاث على الرأس، وإفاضة الماء على سائر
стр. 4433
الجسد يكفي في تمام الطهارة، ولا يحتاج إلى الدَّلْك، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، وقالت المالكيّة بوجوب الدلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٥٠ و ٧٥١ و ٧٥٢] (٣٣٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٥١ و ٢٥٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٠٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣١) وفي "الكبرى" (١٣٨/ ٢٤٣)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠٤٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٩ و ٣١٤ - ٣١٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٦٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٩٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٦٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨١) وفي "المعرفة" (١/ ٤٢٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٦٧ و ٨٦٨ و ٨٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٣٦ و ٧٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عدم وجوب نقض المرأة شعرها المضفور في حالة غسلها من الجنابة، أو الحيض؛ لحديث أم سلمة ﵂ هذا، فلا يجب عليها إيصال الماء إلى أصول شعرها، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يسأل حكم ما يجهله من أمر دينه، كما أمر الله بذلك، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٣ - (ومنها): أنه يجب على المرأة أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات من الماء إذا اغتسلت من الجنابة، أو الحيض.
стр. 4434
٤ - (ومنها): وجوب تعميم سائر البدن بإفاضة الماء عليه.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيّات من شدّة حرصهنّ في تعلّم دينهنّ، ولا سيّما ما يخصّهُنّ مما يتعلّق بغسل الحيض، والنفاس.
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: (اعلم): أن غسل الرجل والمرأة من الجنابة والحيض والنفاس وغيرها من الأغسال المشروعة سواء في كل شيء، إلا ما سيأتي في المغتسلة من الحيض والنفاس أنه يستحب لها أن تستعمل فِرْصَةً من مسك، وقد تقدم بيان صفة الغسل بكمالها في الباب السابق.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الرجل يخالف المرأة في نقض ضفيرته، فيجب عليه دونها؛ لحديث ثوبان ﵁ الآتي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: فإن كانت المرأة بكرًا لم يجب إيصال الماء إلى داخل فرجها، وإن كانت ثيبًا وجب إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة؛ لأنه صار في حكم الظاهر، هكذا نصَّ عليه الشافعيّ، وجماهير أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: لا يجب على الثَّيِّب غسل داخل الفرج، وقال بعضهم: يجب ذلك في غسل الحيض والنفاس، ولا يجب في غسل الجنابة، والصحيح الأول. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نقض ضفيرة المرأة في الغسل: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَفَ أهلُ العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: ليس على المرأة نقض رأسها في الاغتسال من المحيض والجنابة، روي هذا القول عن عائشة، وأمّ سلمة، وقال نافع: كُنّ نساء ابن عمر، وأمهات أولاده، إذا اغتسلن لم ينقضن عُقُصَهن من حيض ولا جنابة، وهذا قول عطاء، والحكم، والزهريّ، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: إنها تنقض شعرها كلّه لغسل الجنابة، هكذا قال النخعيّ
стр. 4435
في الْعَروس، ورُوي عن حذيفة ﵁ أنه قال لامرأته: خللي شعرك بالماء، لا تخلله نارٌ.
وقال حماد بن أبي سليمان: إن كانت تَرَى أن الماء أصاب أصول شعرها، فقد أجزأ عنها، وإن كانت ترى أن الماء لم تصبه فلتنقضه، وقد روينا عن الحسن وطاوُس أنهما فَرّقَا بين الجنب والحائض، فقالا في الحائض: تنقض شعرها إذا اغتسلت، فأما من الجنابة فلا.
قال ابن المنذر ﵀: وبالقول الأول أقول؛ للحديث الثابت عنه ﷺ ، وهو قول عائشة، وأم سلمة ﵂، وعليه الأكثر من أهل الْفُتيا من علماء الأمصار. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله ﷺ : "لا إنما يكفيك إلخ" يدلّ على صحّة ما ذهب إليه مالك وغيره من الرخصة في نقض الضُّفُر مطلقًا للرجال والنساء، وقد منعه بعضهم، منهم عبد الله بن عمر، وقد أجازه بعضهم للنساء خاصّةً، متمسّكًا في ذلك بحديث ثوبان ﵁، مرفوعًا: أنهم استفتوا النبيّ ﷺ عن غسل الجنابة، فقال: "أما الرجل، فلينشر رأسه، فليغسله، حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لِتَغْرِف على رأسها ثلاث غُرُفات بكفيها" أخرجه أبو داود (٢)، وهذا نصّ في التفرقة، غير أن هذا الحديث من حديث إسماعيل بن عيّاش، واختُلف في حديثه، غير أن الذي صار إليه يحيى بن معين وغيره أن حديثه عن أهل الحجاز متروك على كلّ حال، وحديثه عن الشاميين
стр. 4436
صحيح، وهذا الحديث من حديثه عن الشاميين، فهو صحيح على قول يحيى بن معين، وهذا فيه نظرٌ، فإن كان ما قاله يحيى فالفرق واضح، وإن لم يكن، فعدم الفرق هو القياس؛ لأن النساء شقائق الرجال، كما صار إليه الجمهور.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله يحيى بن معين في إسماعيل بن عياش هو الذي صار إليه المحقّقون، كأحمد، وابن المدينيّ، والبخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، ودُحيم، ويعقوب بن شيبة، والدولابيّ، وابن عديّ، وغيرهم، راجع ترجمته في "التهذيب" (١)، فقد ثبت كون هذا الحديث صحيحًا، فثبت الفرق بين الرجل والمرأة، فيجب عليه نقض ضفيرته، لا عليها؛ لهذا الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال أيضًا: لا يُفهم من التخفيف في ترك حلّ الضُّفُر التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر؛ لما يأتي في حديث أسماء بنت شَكَل ﵄، من قوله ﷺ لها: "ثم تصبّ على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها (٢). . ." الحديث، ولحديث عليّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن تَرَك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فُعِل بها كذا وكذا من النار"، قال عليّ: فمن ثَمّ عاديت رأسي ثلاثًا، وكان يَجُزّ شعره (٣). انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بإيجاب إيصال الماء إلى داخل شعر المرأة، فيه نظر لا يخفى، بل الحقّ أنه لا يجب عليها، بل يكفيها أن تحثي ثلاث حثيات على رأسها، كما هو نصّ حديث أم سلمة ﵂ المذكور هنا، حيث قال: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك إلخ"، وكذا حديث ثوبان ﵁ المذكور نصّ أيضًا، حيث قال: "وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه، لِتَغْرِف على رأسها ثلاث غُرُفات بكفيها"، فدلّ على أن صبها على ظاهر رأسها كافٍ في غسلها.
стр. 4437
وأما حديث عليّ ﵁ المذكور، فضعيف؛ لأنه من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، وهو إنما روى عنه بعد اختلاطه، وقد كنت صححته في "شرح النسائيّ" تبعًا للحافظ، لكن تبيّن لي ضعفه؛ لما ذكرته، فتنبّه.
وأما قوله ﷺ لعائشة ﵂: "انقضي رأسك، وامتشطي. . ." الحديث، رواه مسلم، فإنه في غسل النظافة للإحرام بالحجّ، لا لغسل الطهارة من الحيض؛ لأنها لم تزل في ذلك الوقت من حيضها، وعلى تقدير أنه يشمل الطهارة من الحيض، فيُحمَل على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين هذين الحديثين.
وكذلك حديث أسماء بنت شكل ﵂ الآتي، حيث قال لها النبيّ ﷺ : "فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها. . ." الحديث، فمحمول أيضًا على وجه الكمال، والاستحباب أيضًا، لا على الوجوب؛ جمعًا بين النصوص.
وأما ما أخرجه الطبراني، والدارقطنيّ في "الأفراد"، والضياء المقدسيّ في "المختارة" من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضًا، وغسلته بخطميّ وأُشنان، وإن اغتسلت من جنابة صبّت الماء على رأسها صبًّا، وعصرته".
فحديث ضعيف، ولا تغترّ بإخراج الضياء له، فإن له في "المختارة" أحاديث ضعيفة، كما لا يخفى على من له إلمام بهذا الشأن، وقد بيّن الشيخ الألبانيّ ﵀ ضعف هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" ٢/ ٣٤٢ رقم (٩٣٧).
وخلاصة القول في المسألة أن أرجح الأقوال قول من قال: إن المرأة يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاثًا، ولا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها، وهذا كله يعمّ الجنابة، والحيضة؛ لزيادة رواية عبد الرزاق الآتية للحيضة، وهي زيادة ثقة غير منافية لرواية غيره، فتُقبل، وأما دعوى ابن القيّم شذوذها فغير مقبول، هذا كلّه في حقّ المرأة.
وأما الرجل فيجب عليه نقض ضفيرته حتى يصل الماء إلى أصول شعره؛ لحديث ثوبان ﵁ المتقدّم: "أما الرجل فليَنشُر إلخ"، وهو حديث صحيح، كما سبق آنفًا.
فقد بيّن الفرق بين الرجل والمرأة، فأوجب عليه النقض دونها.
стр. 4438
والحاصل أن الرخصة في عدم نقض الضفيرة خاصّ بالمرأة في الحيض والجنابة، وأما الرجل فيجب عليه النقض؛ لما ذكرناه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح)، وَحَدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قَالَا: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أيّوبَ بْنِ مُوسَى، فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: "فَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ (١) وَالْجَنَابَةِ؟ "، فَقَالَ: "لَا"، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبدٌ لقبه، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السّلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة العابد، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقيان تقدّما في المسند الماضي.
وقوله: (قَالَا) الضمير ليزيد بن هارون، وعبد الرزّاق.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂.
стр. 4439
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير الثوريّ.
وقوله: (لِلْحَيْضَةِ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء التحتانيّة، المرّة من الحيض، وفي نسخة: "للحيض" من غير هاء.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن الثوريّ، هذه أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٥٤٥٥) حدثنا يزيد، قال: حدثنا سفيان الثوريّ، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أَشُدُّ ضفر رأسي، أفأنقضه عند الغسل من الجنابة؟ فقال: "إنما يكفيك ثلاث حَفَنات، تَصُبِّينها على رأسك". انتهى.
وأما رواية عبد الرزّاق، عن الثوريّ، فقد أخرجها البيهقيُّ: في "السنن الكبرى" (١/ ١٨١) فقال:
(٨٢٢) وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكريّ ببغداد، ثنا إسماعيل بن محمد الصقار، ثنا أحمد بن منصور الرَّمَاديّ، ثنا عبد الرزاق، أنا الثوريّ، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أَشُدُّ ضَفْر رأسي، أو قالت: عَقْص رأسي، أفأنقضه للجنابة والحيضة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تُفْرِغي عليكِ ثلاث حَفَنات، ثم قد طهرت". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ (١)، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ - عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى،
стр. 4440
بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: "أفَأَحُلُّهُ، فَأَغْسِلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَيْضَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ) هو: أحمد بن سعيد بن صخر الدارميّ، أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (زَكَريَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن الصّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقَةٌ جليلٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (بخ م مدت س ق)، تقدّم في "المقدّمة" تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٤ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد أيوب بن موسى الماضي.
وقوله: (وَقَالَ: "أَفَأَحُلُّهُ) فاعل "قال" ضمير روح بن القاسم.
وقوله: (أَفأَحُلُّهُ) بضم الحاء المهملة، من باب نصر، يقال: حَلَّ الْعُقْدة: إذا نقضها (١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية روح بن القاسم، عن أيوب بن موسى هذه، لم أجد من أخرجها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٥٣] (٣٣١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو
стр. 4441
هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أفَلَا يَأمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟، لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَزِيدُ (١) عَلَى أَنْ أُفْرغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد على عهد النبيّ ﷺ ، مجمع على ثقته [٢] (ت ٦٨) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
والباقون تقدّموا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا إسماعيل ابن عليّة" أشار به إلى أن شيخه يحيى صرّح باسم شيخه إسماعيل، وبإخباره له، بخلاف الآخرين، فلم يصرّحا بذلك.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فيحيى، وعلي بن حُجْر ما أخرج لهما أبو داود، وابن ماجه، وأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي الزبير، عن عُبيد بن عُمير.
٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
стр. 4442
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) الليثيّ المكيّ ﵀، أنه (قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو) بن العاص ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ، وتقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٤/ ١٨. (يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ) وفي رواية أبي عوانة: "كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر المرأة إذا اغتسلت من الجنابة أن تنقض قرون رأسها" (أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ) أي ضفائر رؤوسهنّ، قال النوويّ ﵀: هذا يُحْمَل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهنّ، ويكون ذلك في شعور لا يَصِل إليها الماء، أو يكون مذهبًا له أنه يجب النقض بكل حال، كما حكيناه عن النخعيّ، ولا يكون بلغه حديث أم سلمة وعائشة ﵄، ويَحْتَمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط، لا للإيجاب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن هذا مذهب له، وأنه لم يبلغه حديث النبيّ ﷺ في ذلك، وأما التفريق بين الشعر الذي يصل إليه الماء، وبين غيره، فقد تقدّم أن الراجح أنه لا فرق بينهما، وأن المرأة لا يجب عليها إيصال الماء إلى أصول شعرها، كما هو ظواهر النصوص المتقدّمة، وحديث عائشة ﵂ هذا أيضًا دالّ عليه: "ولا أزيد على أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات"، فلو كان الإيصال واجبًا لبيّنته، وقيّدت به، ولم تنكر على ابن عمرو إنكارًا مطلقًا، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرِو) هذا تعجّب من فعل ابن عمرو ﵄، ثم إذا نُوّن "عَجَبًا" كان مفعولًا مطلقًا لفعل مقدّر، أي أَعْجَبُ عجبًا، والمنادى محذوف، أي يا قوم، أو "يا" حرف تنبيه، وإذا لم يُنَوّن كان هو المنادى، وأصله: يا عجبي، فأبدلت الياء ألفًا؛ للتخفيف، بعد قلب الكسرة قبلها فتحة.
[تنبيه]: حكم الاسم المتعجّب منه كحكم الاسم المستغاث منه، فيقولون: يا للماء، ويا للدواهي، إذا تعجّبوا من كثرتهما، ويقال: يا لَلْعَجب، ويا عَجَبَا لزيد، ويا عجبُ لزيد، كما يقولون: يا لَزيد، ويا زيدَا، ويا زيدُ لعمرو، قال في "الخلاصة":
وَلَامُ مَا اسْتُغِيثَ عَاقَبَتْ أَلِفْ … وَمِثْلُهُ اسْمٌ ذُو تَعَجُّبٍ أُلِفْ
стр. 4443
وقولها: (هَذَا) بدل من ابن عمرو (يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ) بضمّ القاف، من باب نصر، كما سبق في الماضي (رُءُوسَهُنَّ) أي شعور رؤوسهنّ، فهو على حذف مضاف (أفَلَا يَأمُرُهُنَّ) تقدّم أن الهمزة مقدّمة من تأخير على مذهب الجمهور، وأصلها: فألا يأمرهنّ، قُدّمت على العاطف، لوجوب الصدارة لها، أو هي داخلةٌ على مقدّر، يُعطف عليه المذكور، على رأي الزمخشريّ.
والاستفهام إنكاريّ، وهو بمعنى النفي، دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، فهو كقوله : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، أي أُعموا، فلا ينظرون، أي فلينظروا إلى الإبل كيف خلقت؟.
فيكون التقدير هنا: أَيَتَشَدّد في دينه هذا التشدّد، فلا يأمرُهنّ، أي فليأمرهنّ، والكلام على سبيل التهكّم (١).
(أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "يأمر"، أي ألا يأمرهنّ بحلق رؤوسهنّ حتى يتضرّرن بنقضها كلّما اغتسلن.
وفي رواية أبي عوانة: "أفلا يأمرهنّ بجَزّ نواصيهنّ".
(لَقَدْ) اللام هي الموطّئة للقسم، أي والله لقد (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَما) ضمير منفصلٌ للمتكلّم أُتي لأجل العطف على الضمير المتّصل، كما سبق غير مرّة، (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ) عطف على الضمير المتّصل في الفعل (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) وهذا الإناء فُسّر في رواية أخرى، فقد أخرج النسائيّ الحديث من طريق إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عُبيد بن عُمير، أن عائشة قالت: "لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من هذا، فإذا تَوْرٌ موضوع مثل الصاع، أو دونه، فنشرع فيه جميعًا، فأفيض على رأسي بيديَّ ثلاث مرّات، وما أنقض لي شعرًا".
و"التَّوْر" بفتح، فسكون، فَراء: إناء من صُفْر، أو حجارة.
ويَحتمل أن يكون هو الفَرَق الذي تقدّم قبل باب في حديث عروة،
стр. 4444
عن عائشة ﵂، وفسّره ابن عيينة بأنه ثلاثة آصع، لكن الأول أولى؛ لأن تفسير الرواية بما جاء في نفس الرواية من طريق أخرى أولى، وأقرب، فيُحمل هذا على بعض الأحيان، أو يُحمَل على اختلاف الصيعان بالصغر والكبر، فقد يكون بعضها كبيرًا يسع ثلاثة من صغارها، والله تعالى أعلم.
(وَلَا أَزِيدُ)، وفي نسخة: "فلا أزيد" بالفاء (عَلَى أَنْ أُفْرغَ) بالبناء للمفعول (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ) هو معنى ما سبق بلفظ: "ثلاث حثيات"، وبلفظ: "ثلاث حَفَنات"، فيكون المعنى أنها تأخذ الماء بكفيها، فتصبه على رأسها، وفي رواية أبي عوانة: "فما أزيد على أن أَحْفِنَ على رأسي ثلاث مرات".
وفي الحديث دلالة على أنه لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها في الاغتسال من الجنابة، وكذا الحيض، كما سبق تحقيقه في شرح الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١١/ ٧٥٣] (٣٣١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٢٠٣)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩١٣ و ٩١٤ و ٩١٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٨٠)، وبقيّة مباحث الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 4445
(١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٥٤] (٣٣٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضَتِهَا (١)؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا، كَيْفَ تَغْتَسِلُ: "ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ، فَتَطَهَّرُ بِهَا"، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا، سُبْحَانَ اللهِ (٢)، وَاسْتَتَرَ"، وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِه، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ، وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أثَرَ الدَّمِ (٣)، وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ: تتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مَنْصُورُ ابْنُ صَفِيَّةَ) هو: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث الْعَبْدَريّ الْحَجَبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٣٨) (خ م دس ق) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
٢ - (أُمُّهُ) هي: صفيّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الْعَبْدريّة، لها رؤية، وقع التصريح في "صحيح البخاريّ" بسماعها من النبيّ ﷺ ، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها، تقدّمت في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
стр. 4446
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه عمرو، فبغداديّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، هي أمه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة، على قول من أثبت الصحبة لصفيّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) قال في "الفتح": نُسب منصورٌ إلى أمه؛ لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة الْعَبْدريّ، وهو من رهط زوجته صفيّة، وشيبة له صحبة، ولها أيضًا، وقُتل الحارث بن طلحة بأحد، ولعبد الرحمن رؤية، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند عند الحميديّ في "مسنده". انتهى ببعض تصرّف (١).
[تنبيه]: القاعدة في "ابن صفيّة" أن تُكتب همزة الوصل في "ابن"؛ لأن ضابط حذفها إذا وقعت بين علمين، أن يكون الثاني أبًا للأول، فأما إذا كان أُمًّا، كهذا، وكمحمد ابن الحنفيّة، فإنها لا تُحذف، وكذلك إذا كان جدًّا، أو عمًّا، أو نحو ذلك، وراجع شروط هذه المسألة في "حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل" (٢) في النحو، عند قول صاحب "الخلاصة":
وَنَحْوَ "زَيْدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ"
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
والله تعالى أعلم.
(عَنْ أُمِّهِ) صفيّة بنت شيبة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: سَأَلتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ )، وفي رواية للبخاريّ: "من الأنصار"، وجاء في الرواية الرابعة من طريق أبي الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر تسميتها: "أسماء بنت شَكَل - بالشين المعجمة، والكاف المفتوحتين، ثم اللام - ولم يُسَمِّ أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم، ورَوَى الخطيب البغداديّ في "المبهمات" من
стр. 4447
طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة هذا الحديث، فقال: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن - بالمهملة، والنون - الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزيّ في "التلقيح"، والدمياطيّ وزاد: أن الذي وقع في "صحيح مسلم" تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شَكَل.
وتعقّبه الحافظ، فأجاد، قال: وهو رَدٌّ للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يَحْتَمِل أن يكون شَكَل لقبًا لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شَكَل، كما في "صحيح مسلم"، أو أسماء بغير نسب، كما في رواية غندر، عن شعبة بعد حديثٌ، ورواية أبي داود، وكذا هو في "مستخرج أبي نعيم" من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحَكَى النووي في "شرح مسلم" الوجهين بغير ترجيح. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
(كَيْفَ تَغْتَسِلُ) "كيف" في محلّ النصب على الحال، أي على أيّ صفة، وأيّ حالة تغتسل، ويحتمل أن يكون "كيف" مفعولًا مطلقًا لـ"تغتسل"، والمعنى: أيَّ اغتسال تغتسل.
ثم إن تعليمه ﷺ لها كيفيّة الاغتسال أجمله في هذه الرواية، وبيّنه في الرواية الثالثة من طريق إبراهيم بن المهاجر، عن صفيّة، حيث قال: فقال: "تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرتها، فتطهّر، فتُحْسِن الطُّهور، ثم تَصُبّ على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكة، فتطهر بها. . .".
(مِنْ حَيْضَتِهَا؟) وفي نسخة: "من حيضها". (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سفيان بن عيينة، بدليل ما سيأتي، (فَذَكَرَتْ) عائشة ﵂ (أَنَّهُ) ﷺ (عَلَّمَهَا، كَيْفَ تَغْتَسِلُ)، أي على أي حال تغتسل، أو أيَّ اغتسال تغتسل.
[تنبيه]: أعرب صاحب "فتح المنعم" (٢/ ٣٤١) "كيف" هنا مفعولًا به لـ"عَلَّم"، وهو غير صحيح؛ لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، فالصواب أنه إما حال، أو مفعول مطلق لـ"اغتسل"، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً) - بكسر الفاء، وإسكان الراء، وبالصاد المهملة -:
стр. 4448
بمعنى القِطْعة، قال في "الفتح": "الْفِرْصة" - بكسر الفاء، وحَكَى ابن سِيدَهْ تثليثها، وبإسكان الراء، وإهمال الصاد -: قِطعةٌ من صوف، أو قُطن، أو جِلْدة عليها صوف، حكاه أبو عبيد، وغيره. انتهى (١).
وقال ابن منظور: "الْفِرْصة" - بالكسر - و"الْفَرْصة" - بالفتح - و"الْفُرْصَة" - بالضمّ - الأخيرتان عن كُرَاع: قطعة من الصوف، أو القطن، وقيل: هي قطعة قطن، أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، وقال ابن الأثير: الفِرْصة - بكسر الفاء -: قطعة من صوف، أو قطن، أو خرقة، يقال: فَرَصْتُ الشيءَ: إذا قطعته. انتهى بتصرّف (٢).
وقال في "الفتح": وحَكَى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص "قَرْصة" بفتح القاف، ووَجَّهه المنذريّ، فقال: يعني شيئًا يسيرًا، مثل القَرْصة بطرف الإصبعين. انتهى. وَوَهِمَ من عزا هذه الرواية للبخاريّ، وقال ابن قتيبة: هي قَرْضة، بفتح القاف، وبالضاد المعجمة. انتهى (٣).
(مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم، وهو الطيب المعروف، والمعنى: فِرْصةً مطَيَّبَةً من مِسْك، فعلى هذا فمتعلَّق الجارّ خاصّ بقرينة المقام، وأنكره بعضهم بأنهم ما كانوا أهل وُسع يجدون المسك، فالوجه فتح الميم، أي كائنة من جلد، عليه صوف، فمتعلّق الجارّ عامّ، وما جاء في الرواية الأخرى: "فرصةً ممسَّكةً" يُحمَل على الأول على أنها مطيّبةٌ بمسك، وعلى الثاني على أنها خَلَقٌ، قد مُسِّكَت كثيرًا، لا جديد، لكن الأحاديث تفيد المعنى الأول حتى قد جاء في الإحداد: "ولا تمسيّ طيبًا إلا إذا طهرت نُبْذةً من قُسْط، أو أظفار"، أفاده السنديّ في "شرح النسائيّ".
وقال النوويّ ﵀: "الْمِسك" - بكسر الميم - وهو الطيب المعروف، هذا هو الصحيح المختار الذي رواه، وقاله المحققون، وعليه الفقهاء وغيرهم، من أهل العلوم، وقيل: مَسْك، بفتح الميم، وهو الْجِلْدُ، أي قطعةَ جلدٍ فيه شعر، ذكر القاضي عياض، أن فتح الميم هي رواية الأكثرين، وقال أبو عبيد، وابن
стр. 4449
قتيبة: إنما هو "قُرْضةً من مَسْك"، بقاف مضمومة، وضاد معجمة، و"مَسْك" بفتح الميم، أي قطعة من جلد، وهذا كله ضعيفٌ، والصواب ما قدمناه، وتدلّ عليه الرواية الأخرى المذكورة في الكتاب: "فِرْصة مُمَسَّكةً"، وهي بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وفتح السين المشدَّدة، أي قطعة من قُطْن، أو صوف، أو خرقة مُطَيَّبة بالمسك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقد أشبعت الكلام في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَتَطَهَّرُ بِهَا)، أي تنظّفي بتلك الفِرْصة المطيّبة بالمسك، وفي رواية للنسائيّ: "فتوضئي بها"، والمعنى واحد، والمراد تنظيف المحلّ من أثر الرائحة الكريهة، فتمسح محلّ الدم بها.
ولَمّا قال لها: "تطهّري" ظنّت أنه يريد التطهّر الشرعيّ، فاستغربت ذلك، واستفهمت (قَالَتْ: كَيْفَ أتطَهَّرُ بِهَا؟) "كيف" في محلّ نصب على الحال، وجملة "أتطهّر" مقول القول، ولا يجوز نصب "كيف" بـ "قال"؛ لأن اسم الاستفهام لا يَعمَل فيه ما قبله، أي قالت: على أيّ حالة أتطهّر بتلك الفرصة، (قَالَ) ﷺ (تَطَهَّرِي بِهَا، سُبْحَانَ اللهِ)، وفي نسخة: "وسبحان الله" بالواو، وإنما سبّح تعجّبًا من عدم فهمها معنى كلامه، قال النوويّ ﵀: قد قدَّمنا أن "سبحان الله" في هذا الموضع وأمثاله يراد بها التعجب، وكذا "لا إله إلا الله"، ومعنى التعجب هنا: كيف يَخْفَى مثل هذا الظاهر الذي لا يَحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ انتهى (٢).
(وَاسْتَتَرَ) ﷺ ، أي استحياءً من أن واجهها بذكر ما يُستحيا منه عادةً؛ لأنه ﷺ كان أشدّ حياءً من العذراء في خِدْرها.
قال عمرو الناقد: (وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ) أي مبيّنًا كيفيّة استتاره ﷺ (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عمرو الناقد، كما يشير إليه قوله فيما تقدّم: "قال عمرو: حدَّثنا سفيان إلخ" (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (وَاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ) أي مددتها، وهو افتعال من جذب، من باب ضرب: إذا مدّ (وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ
стр. 4450
النَّبِيُّ ﷺ )، أي من تتبعها آثار الدم، وفي رواية للنسائيّ: "قالت: ثم إن رسول الله ﷺ سَبّح، وأعرض عنها، ففَطِنَت عائشة لِمَا يريد رسول الله ﷺ ، قالت: فأخذتها، وجذبتها إليّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله ﷺ "، وعند الإسماعيليّ: "فلما رأيته يستحيي علّمتها"، وزاد الدارميّ: "وهو يسمع، ولا يُنكر".
(فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي) أمر من التتبّع (بِهَا)، أي بتلك الفِرصة الممسّكة، وفي نسخة بإسقاط "بها" (أثَرَ الدَّمِ) بالنصب على المفعوليّة، و"الأثر" - بفتحتين - بقيّة الشيء، أي ما بقي من الدم.
وقال النوويّ ﵀: قال جمهور العلماء: يعني به الفرج، وعن المحامليّ أنه قال: تُطَيِّب كلَّ موضع أصابه الدم من بدنها، وفي ظاهر الحديث حجة له. انتهى.
وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ) يعني شيخه الثاني، محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيَّ (فِي رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ)، أي قالت عائشة ﵂: فقلت للمرأة (تَتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ) أي بمدّ الهمزة، جمعَ أَثَرٍ.
وغرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في لفظة "أثر" بالإفراد والجمع، فقال عمرو: "أثر الدم" بالإفراد، وقال ابن أبي عمر: "آثار الدم" بالجمع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٢/ ٧٥٤ و ٧٥٥ و ٧٥٦ و ٧٥٧ و ٧٥٨] (٣٣٢)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٣١٤ و ٣١٥) وفي "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٣٥٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣١٤ و ٣١٥ و ٣١٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٤٢)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣١)، و (أبو