← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه عمرو، فبغداديّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، هي أمه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة، على قول من أثبت الصحبة لصفيّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) قال في "الفتح": نُسب منصورٌ إلى أمه؛ لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة الْعَبْدريّ، وهو من رهط زوجته صفيّة، وشيبة له صحبة، ولها أيضًا، وقُتل الحارث بن طلحة بأحد، ولعبد الرحمن رؤية، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند عند الحميديّ في "مسنده". انتهى ببعض تصرّف (١). [تنبيه]: القاعدة في "ابن صفيّة" أن تُكتب همزة الوصل في "ابن"؛ لأن ضابط حذفها إذا وقعت بين علمين، أن يكون الثاني أبًا للأول، فأما إذا كان أُمًّا، كهذا، وكمحمد ابن الحنفيّة، فإنها لا تُحذف، وكذلك إذا كان جدًّا، أو عمًّا، أو نحو ذلك، وراجع شروط هذه المسألة في "حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل" (٢) في النحو، عند قول صاحب "الخلاصة": وَنَحْوَ "زَيْدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ" وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا والله تعالى أعلم. (عَنْ أُمِّهِ) صفيّة بنت شيبة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: سَأَلتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ )، وفي رواية للبخاريّ: "من الأنصار"، وجاء في الرواية الرابعة من طريق أبي الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر تسميتها: "أسماء بنت شَكَل - بالشين المعجمة، والكاف المفتوحتين، ثم اللام - ولم يُسَمِّ أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم، ورَوَى الخطيب البغداديّ في "المبهمات" من

стр. 4447

طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة هذا الحديث، فقال: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن - بالمهملة، والنون - الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزيّ في "التلقيح"، والدمياطيّ وزاد: أن الذي وقع في "صحيح مسلم" تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شَكَل. وتعقّبه الحافظ، فأجاد، قال: وهو رَدٌّ للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يَحْتَمِل أن يكون شَكَل لقبًا لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شَكَل، كما في "صحيح مسلم"، أو أسماء بغير نسب، كما في رواية غندر، عن شعبة بعد حديثٌ، ورواية أبي داود، وكذا هو في "مستخرج أبي نعيم" من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحَكَى النووي في "شرح مسلم" الوجهين بغير ترجيح. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). (كَيْفَ تَغْتَسِلُ) "كيف" في محلّ النصب على الحال، أي على أيّ صفة، وأيّ حالة تغتسل، ويحتمل أن يكون "كيف" مفعولًا مطلقًا لـ"تغتسل"، والمعنى: أيَّ اغتسال تغتسل. ثم إن تعليمه ﷺ لها كيفيّة الاغتسال أجمله في هذه الرواية، وبيّنه في الرواية الثالثة من طريق إبراهيم بن المهاجر، عن صفيّة، حيث قال: فقال: "تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرتها، فتطهّر، فتُحْسِن الطُّهور، ثم تَصُبّ على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكة، فتطهر بها. . .". (مِنْ حَيْضَتِهَا؟) وفي نسخة: "من حيضها". (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سفيان بن عيينة، بدليل ما سيأتي، (فَذَكَرَتْ) عائشة ﵂ (أَنَّهُ) ﷺ (عَلَّمَهَا، كَيْفَ تَغْتَسِلُ)، أي على أي حال تغتسل، أو أيَّ اغتسال تغتسل. [تنبيه]: أعرب صاحب "فتح المنعم" (٢/ ٣٤١) "كيف" هنا مفعولًا به لـ"عَلَّم"، وهو غير صحيح؛ لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، فالصواب أنه إما حال، أو مفعول مطلق لـ"اغتسل"، فتفطّن، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً) - بكسر الفاء، وإسكان الراء، وبالصاد المهملة -:

стр. 4448

بمعنى القِطْعة، قال في "الفتح": "الْفِرْصة" - بكسر الفاء، وحَكَى ابن سِيدَهْ تثليثها، وبإسكان الراء، وإهمال الصاد -: قِطعةٌ من صوف، أو قُطن، أو جِلْدة عليها صوف، حكاه أبو عبيد، وغيره. انتهى (١). وقال ابن منظور: "الْفِرْصة" - بالكسر - و"الْفَرْصة" - بالفتح - و"الْفُرْصَة" - بالضمّ - الأخيرتان عن كُرَاع: قطعة من الصوف، أو القطن، وقيل: هي قطعة قطن، أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، وقال ابن الأثير: الفِرْصة - بكسر الفاء -: قطعة من صوف، أو قطن، أو خرقة، يقال: فَرَصْتُ الشيءَ: إذا قطعته. انتهى بتصرّف (٢). وقال في "الفتح": وحَكَى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص "قَرْصة" بفتح القاف، ووَجَّهه المنذريّ، فقال: يعني شيئًا يسيرًا، مثل القَرْصة بطرف الإصبعين. انتهى. وَوَهِمَ من عزا هذه الرواية للبخاريّ، وقال ابن قتيبة: هي قَرْضة، بفتح القاف، وبالضاد المعجمة. انتهى (٣). (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم، وهو الطيب المعروف، والمعنى: فِرْصةً مطَيَّبَةً من مِسْك، فعلى هذا فمتعلَّق الجارّ خاصّ بقرينة المقام، وأنكره بعضهم بأنهم ما كانوا أهل وُسع يجدون المسك، فالوجه فتح الميم، أي كائنة من جلد، عليه صوف، فمتعلّق الجارّ عامّ، وما جاء في الرواية الأخرى: "فرصةً ممسَّكةً" يُحمَل على الأول على أنها مطيّبةٌ بمسك، وعلى الثاني على أنها خَلَقٌ، قد مُسِّكَت كثيرًا، لا جديد، لكن الأحاديث تفيد المعنى الأول حتى قد جاء في الإحداد: "ولا تمسيّ طيبًا إلا إذا طهرت نُبْذةً من قُسْط، أو أظفار"، أفاده السنديّ في "شرح النسائيّ". وقال النوويّ ﵀: "الْمِسك" - بكسر الميم - وهو الطيب المعروف، هذا هو الصحيح المختار الذي رواه، وقاله المحققون، وعليه الفقهاء وغيرهم، من أهل العلوم، وقيل: مَسْك، بفتح الميم، وهو الْجِلْدُ، أي قطعةَ جلدٍ فيه شعر، ذكر القاضي عياض، أن فتح الميم هي رواية الأكثرين، وقال أبو عبيد، وابن

стр. 4449

قتيبة: إنما هو "قُرْضةً من مَسْك"، بقاف مضمومة، وضاد معجمة، و"مَسْك" بفتح الميم، أي قطعة من جلد، وهذا كله ضعيفٌ، والصواب ما قدمناه، وتدلّ عليه الرواية الأخرى المذكورة في الكتاب: "فِرْصة مُمَسَّكةً"، وهي بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وفتح السين المشدَّدة، أي قطعة من قُطْن، أو صوف، أو خرقة مُطَيَّبة بالمسك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقد أشبعت الكلام في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَتَطَهَّرُ بِهَا)، أي تنظّفي بتلك الفِرْصة المطيّبة بالمسك، وفي رواية للنسائيّ: "فتوضئي بها"، والمعنى واحد، والمراد تنظيف المحلّ من أثر الرائحة الكريهة، فتمسح محلّ الدم بها. ولَمّا قال لها: "تطهّري" ظنّت أنه يريد التطهّر الشرعيّ، فاستغربت ذلك، واستفهمت (قَالَتْ: كَيْفَ أتطَهَّرُ بِهَا؟) "كيف" في محلّ نصب على الحال، وجملة "أتطهّر" مقول القول، ولا يجوز نصب "كيف" بـ "قال"؛ لأن اسم الاستفهام لا يَعمَل فيه ما قبله، أي قالت: على أيّ حالة أتطهّر بتلك الفرصة، (قَالَ) ﷺ (تَطَهَّرِي بِهَا، سُبْحَانَ اللهِ)، وفي نسخة: "وسبحان الله" بالواو، وإنما سبّح تعجّبًا من عدم فهمها معنى كلامه، قال النوويّ ﵀: قد قدَّمنا أن "سبحان الله" في هذا الموضع وأمثاله يراد بها التعجب، وكذا "لا إله إلا الله"، ومعنى التعجب هنا: كيف يَخْفَى مثل هذا الظاهر الذي لا يَحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ انتهى (٢). (وَاسْتَتَرَ) ﷺ ، أي استحياءً من أن واجهها بذكر ما يُستحيا منه عادةً؛ لأنه ﷺ كان أشدّ حياءً من العذراء في خِدْرها. قال عمرو الناقد: (وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ) أي مبيّنًا كيفيّة استتاره ﷺ (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عمرو الناقد، كما يشير إليه قوله فيما تقدّم: "قال عمرو: حدَّثنا سفيان إلخ" (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (وَاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ) أي مددتها، وهو افتعال من جذب، من باب ضرب: إذا مدّ (وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ

стр. 4450

النَّبِيُّ ﷺ )، أي من تتبعها آثار الدم، وفي رواية للنسائيّ: "قالت: ثم إن رسول الله ﷺ سَبّح، وأعرض عنها، ففَطِنَت عائشة لِمَا يريد رسول الله ﷺ ، قالت: فأخذتها، وجذبتها إليّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله ﷺ "، وعند الإسماعيليّ: "فلما رأيته يستحيي علّمتها"، وزاد الدارميّ: "وهو يسمع، ولا يُنكر". (فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي) أمر من التتبّع (بِهَا)، أي بتلك الفِرصة الممسّكة، وفي نسخة بإسقاط "بها" (أثَرَ الدَّمِ) بالنصب على المفعوليّة، و"الأثر" - بفتحتين - بقيّة الشيء، أي ما بقي من الدم. وقال النوويّ ﵀: قال جمهور العلماء: يعني به الفرج، وعن المحامليّ أنه قال: تُطَيِّب كلَّ موضع أصابه الدم من بدنها، وفي ظاهر الحديث حجة له. انتهى. وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ) يعني شيخه الثاني، محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيَّ (فِي رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ)، أي قالت عائشة ﵂: فقلت للمرأة (تَتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ) أي بمدّ الهمزة، جمعَ أَثَرٍ. وغرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في لفظة "أثر" بالإفراد والجمع، فقال عمرو: "أثر الدم" بالإفراد، وقال ابن أبي عمر: "آثار الدم" بالجمع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٢/ ٧٥٤ و ٧٥٥ و ٧٥٦ و ٧٥٧ و ٧٥٨] (٣٣٢)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٣١٤ و ٣١٥) وفي "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٣٥٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٣١٤ و ٣١٥ و ٣١٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٤٢)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٣١)، و (أبو

стр. 4451

داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧٩ و ٢٠٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢٢ و ١٤٧ و ١٨٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٧ - ١١٩٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٩٩ و ١٢٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٢٠ و ٩٢١ و ٩٢٣ و ٩٢٤ و ٩٢٥ و ٩٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٣٩ و ٧٤٠ و ٧٤١ و ٧٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرْصةً من مسك؛ تطييبًا للمحلّ. ٢ - (ومنها): مشروعيّة التسبيح عند التعجّب من الشيء، واستعظامه، وكذلك عند التثبت على الشيء، والتذكر به، ومعناه هنا: كيف يخفى هذا الظاهر الذي لا يَحتاج في فهمه إلى كثير من التفكير؟. ٣ - (ومنها): استحباب استعمال الكنايات فيما يتعلّق بالعورات. ٤ - (ومنها): مشروعيّة سؤال المرأة العالمَ عن أحوالها التي يُحْتَشَم منها، ولهذا كانت عائشة ﵂ تقول: "نِعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين"، رواه مسلم (١)، وذكره البخاريّ تعليقًا بصيغة الجزم. ٥ - (ومنها): أن فيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة. ٦ - (ومنها): مشروعيّة تكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرره ﷺ مع كونها لم تَفْهَمه أوّلًا؛ لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: "تطهّري بها"، أي في المحل الذي يُستحيَى من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة ﵂ ذلك عنه فتولّت تعليمها، وقد بوّب عليه الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الاعتصام بالكتاب

стр. 4452

والسنّة" من "صحيحه"، فقال: "بابُ الأحكام التي تُعْرَف بالدلائل". ٧ - (ومنها): تفسيرُ كلام العالم بحضرته لمن خَفِي عليه، إذا عَرَف أن ذلك يُعْجِبه. ٨ - (ومنها): الأخذُ عن المفضول بحضرة الفاضل. ٩ - (ومنها): صِحّةُ العرض على المحدِّث إذا أقره، ولو لم يقل عقبه: نَعَمْ. ١٠ - (ومنها): أنه لا يُشتَرط في صحة التحمل فهمُ السامع لجميع ما يسمعه. ١١ - (ومنها): الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لا يَفْهَم. ١٢ - (ومنها): أن المرء مطلوب بستر عيوبه، وإن كانت مما جُبِل عليها، حيث أَمَرَ ﷺ المرأةَ بالتطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة. ١٣ - (ومنها): حسن خلقه ﷺ ، وعظيم حِلْمه وحيائه، كما وصفه بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، زاده الله شَرَفًا وتكريمًا (١)، وصلى الله عليه، وسلّم تسليمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال النوويّ ﵀: المراد في هذا الباب بيان أن السنة في حقّ المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيئًا من مسك، فتجعله في قطنة، أو خرقة، أو نحوها، وتُدخلها في فرجها بعد اغتسالها، ويستحب هذا للنفساء أيضًا؛ لأنها في معنى الحائض، وذكر المحامليّ من أصحابنا - يعني الشافعيّة - في كتابه "المقنع" أنه يُستَحبّ للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تُطيِّب جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها، وهذا الذي ذكره من تعميم مواضع الدم من البدن غريب، لا أعرفه لغيره بعد البحث عنه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المحامليّ ﵀ هو ظاهر

стр. 4453

الحديث، حيث قال: "فتتبّعي بها آثار الدم"، بل أصرح منه ويصرح به رواية الإسماعيليّ: "تتبعي بها مواضع الدم"، فقصره على الفرج فقط خلاف الظاهر، فما قاله هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: واختَلَف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم، أن المقصود باستعمال المسك تطييب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، وحَكَى أقضى القضاة الماورديّ من أصحابنا وجهين لأصحابنا: أحدهما: هذا، والثاني: أن المراد كونه أسرع إلى عُلوق الولد، قال: فإن قلنا بالأول، ففَقَدت المسك، استَعمَلت ما يَخلُفه في طيب الرائحة، وإن قلنا بالثاني استَعمَلت ما قام مقامه في ذلك من القُسْط والأظفار، وشبههما. قال: واختَلُفوا في وقت استعماله فمن قال بالأول قال: تستعمله بعد الغسل، ومن قال بالثاني قال: قبله. انتهى كلام الماورديّ. قال النوويّ: وهذا الذي حكاه من استعماله قبل الغسل ليس بشيء، ويكفي في إبطاله رواية مسلم في الكتاب في قوله ﷺ : "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتَطَهّر، فتحسن الطُّهُور، ثم تَصُبّ على رأسها، فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكةً، فتطهر بها". وهذا نصّ في استعمال الفِرصة بعد الغسل، وأما قول من قال: إن المراد الإسراع في العلوق فضعيف، أو باطل، فإنه على مقتضى قوله ينبغي أن يُخَصّ به ذات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال، وهذا شيء لم يَصِر إليه أحد نعلمه، وإطلاق الأحاديث يَرُدّ على من التزمه، بل الصواب أن المراد تطييب المحلّ، وإزالة الرائحة الكريهة، وأن ذلك مستحبّ لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء ذات الزوج وغيرها، وتستعمله بعد الغسل، فإن لم تَجِد مسكًا، فتستعمل أيّ طيب وَجَدت، فإن لم تجد طيبًا استُحِبّ لها استعمال طين أو نحوه، مما يزيل الكراهة، نَصّ عليه أصحابنا، فإن لم تجد شيئًا من هذا، فالماء كافٍ لها، لكن إن تركت التطيب مع التمكن منه كُرِه لها، وإن لم تتمكن فلا كراهة في حقها. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4454

وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلتِ النَّبِيَّ ﷺ : كيْفَ أَغْتَسِلُ عِنْدَ الطُّهْرِ؟ فَقَالَ: "خُذِي فِرْصَةً، مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي بِهَا"، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ)، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء المهملة - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥)، أو بعدها (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وفتح السين المشدّدة: أي قِطعةً من قُطْن، أو صُوف، أو خِرْقة مُطَيّبَةً بالمسك. وقوله: (فَتَوَضَّئِي بِهَا) المراد من الوضوء هنا اللغويّ، وهي النظافة والحسن، أي تنظّفي بها. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير وُهيب، أي ذَكَرَ وُهيب نحو حديث سفيان بن عيينة الماضي. [تنبيه]: رواية وُهيب هذه أخرجها الإمام النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال: (٤٢٧) أخبرنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفّان، قال: حدثنا وُهيب، قال: حدثنا منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن امرأة سألت النبيّ ﷺ ، قالت: يا رسول الله، كيف أغتسل عند

стр. 4455

الطهور؟ قال: "خذي فِرصةً مُمَسَّكَةً، فتوضئي بها"، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قال: "توضئي بها"، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قالت: ثم إن رسول الله ﷺ سَبَّحَ، وأعرض عنها، فَفَطِنَتْ عائشة لما يريد رسول الله ﷺ قالت: فأخذتها، وجَبَذتها إليّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله ﷺ . انتهى. وقولها: "وجبذتها": أي جررتها إليّ، من الجبْذ، لغةٌ في الجذب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِر، قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ، تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟ فَقَالَ: "تَأخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا (١)، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ (٢) شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَطَهَّرُ بِهَا"، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: "سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِينَ أثَرَ الدَّم، وَسَأَلتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: "تَأخُذُ مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ (٣) شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ، نِسَاءُ الأنصَار، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ، أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل باب أيضًا.

стр. 4456

٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ) بن جابر البجليّ، أبو إسحاق الكوفي، صدوقٌ، ليّن الحفظ [٥]. رَوَى عن طارق بن شهاب، وله رؤية، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبي الشعثاء، وأبي الأحوص، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَر، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن المدينيّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال الثوريّ، وأحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال يحيى القطان: لم يكن بقويّ، وقال أحمد: قال يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذَكَر إبراهيم بن مهاجر وآخر، فقال: ضعيفان، فغَضِب عبد الرحمن، وكَرِهَ ما قال، وقال عباس، عن يحيى: ضعيف، وقال العجليّ: جائز الحديث، وقال النسائي في "الكنى": ليس بالقويّ في الحديث، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: هو عندي أصلح من إبراهيم الْهَجَريّ، وحديثه يُكتَب في الضعفاء، وقال ابن سعد: ثقة، وقال ابن حبان في "الضعفاء": هو كثير الخطأ، وقال الحاكم: قلت للدارقطنيّ: فإبراهيم بن مهاجر؟ قال: ضَعَّفوه، تَكَلَّم فيه يحيى بن سعيد وغيره، قلت: بحجة؟ قال: بلى، حَدَّث بأحاديث لا يُتَابَعُ عليها، وقد غَمَزه شعبة أيضًا، وقال غيره عن الدارقطنيّ: يُعتَبَر به، وقال يعقوب بن سفيان: له شَرَفٌ، وفي حديثه لِينٌ، وقال الساجيّ: صدوقٌ اختلفوا فيه، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، هو وحُصَين، وعطاء بن السائب قريبٌ بعضُهم من بعض، ومحلُّهم عندنا محلّ الصدق، يُكْتَب حديثهم، ولا يحتج به، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى: لا يُحْتَجُّ بحديثهم؟ قال: كانوا قومًا لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيَغْلَطُون، تَرَى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئتَ. أخرج له المصنّف، والأربعة، قال الحافظ: وقع في مسند أثر عَلَّقه البخاريّ في "كتاب المزارعة"، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٢)، وحديث (٦٥٥): "أما هذا فقد عصى أبا القاسم".

стр. 4457

والباقون تقدّموا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ) البجليّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ) بنت شيبة الْعَبدريّة، وقوله: (تُحَدِّثُ) جملة حاليّة على قول الجمهور، أو مفعول ثان لـ"سمعتُ" على قول بعض النحاة: إنها من أخوات "ظنّ"، (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (أَنَّ أَسْمَاءَ) هي بنت شَكَل، كما يأتي في الرواية الثالثة (سَأَلتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟)، أي الحيض، فهو مصدر ميميّ لـ"حاضت"، يعني أنها سألته عن كيفيّة اغتسالها عند انقطاع حيضها، (فَقَالَ) ﷺ ("تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا) بكسر السين، وسكون الدال المهملتين، قال المجد ﵀: "السِّدْرُ: شَجَرُ النّبِق، الواحدة بالهاء، جمعه: سِدْرَاتٌ، وسِدِرَاتٌ، وسِدَرَاتٌ، وسِدَرٌ، وسُدُرٌ". انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: "السِّدْرَةُ: شَجَرة النَّبِق، والجمع: سِدَرٌ، ثم يُجْمَع على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتجمع السِّدْرة أيضًا على سِدْرَات بالسكون؛ حَمْلًا على لفظ الواحد، قال ابن السَّرّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ - أي بفتح، فسكون - ويريدون الأقل؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أُطلِق السِّدْر في الغسل فالمراد الوَرَق المطحون، قال: والسِّدْر نوعان: أحدهما ينبُت في الأَرياف، فيُنْتَفع بوَرَقه في الغسل، وثمرته طيبةٌ، والآخر ينبُت في الْبَرّ، ولا يُنتفع بورقه في الغسل، وثمرته عَفِصَة". انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: "السِّدْر" هنا: هو الغاسول المعروف، وهو المتّخذ من ورق شجر النَّبِق، وهو السدر، وهذا التطهّر الذي أُمر باستعمال السدر فيه هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني هو للحيض. انتهى (٣). (فَتَطَهَّرُ)، قال القاضي عياض ﵀: التطهر الأوّل تَطَهُّر من النجاسة، وما مسّها من دم الحيض. انتهى.

стр. 4458

وتعقّبه النوويّ ﵀، فقال: والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالتطهر الأول الوضوء، كما جاء في صفة غسله ﷺ ، وقد قدَّمنا في أول كتاب الوضوء بيانَ معنى تحسين الطهور، وهو إتمامه بهيأته، فهذا المراد بالحديث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر عندي أن المراد كلا الطهارتين؛ لأنهما مطلوبان شرعًا، فقد ثبت أنه ﷺ ، كان إذا اغتسل من الجنابة غسل فرجه، وما أصابه من الأذى، وثبت الحثّ على إحسان الوضوء، فقد تقدّم قوله ﷺ : "من توضّأ، فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده. . ." الحديث. والحاصل أن قوله ﷺ هنا: "فتطهّر، فتُحسن الطّهور" يشمل الطهارتين، فتأمل. ومعنى إحسان الطُّهُور هو المبالغة بأداء فرائضه، ومراعاة مستحبّاته، كما سبق بيانه في أبواب الوضوء، والله تعالى أعلم. وقوله: (الطُّهُورَ) هنا بضمّ الطاء؛ لأن المراد الفعل، وأما الطَّهُور بالفتح فاسم لما يُتطهّر به، هذا هو المشهور، لكن ذكر ابن الأثير عن سيبويه جواز الفتح أيضًا، وعبارته: "الطُّهور" بالضمّ: التطهّر، وبالفتح: الماء الذي يُتطهّر به، كالوَضُوء، والوُضُوء، والسَّحُور والسُّحُور، وقال سيبويه: الطَّهُور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمّها، والمراد بهما التطهّر. انتهى (١). (ثُمَّ تَصُبُّ) بضمّ الصاد، من باب نصر (عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا) من باب نصر أيضًا، يقال: دلكت الشيءَ دَلْكًا: إذا مَرَسْته بيدك، ودلكت النعلَ بالأرض: إذا مسحتها بها، أفاده الفيّوميّ (٢). (شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ) الضمير لـ"إحداهنّ"، وفي بعض النسخ: "حتى يبلغ" بالياء، فيكون الضمير للدلك (شُؤُونَ رَأْسِهَا) بضم الشين المعجمة، وبعدها همزة، أي أصول شعر رأسها، وأصولُ الشُّؤون: المخطوط التي في عظم الْجُمْجُمة، وهو مُجْتَمَع شُعَب عظامها، الواحد منها شأن، قاله النوويّ ﵀ (٣).

стр. 4459

وقال القرطبيّ ﵀: "والشُّؤون" هو أصلُ فَرْق الرأس ومُلتقاها، ومنها تجيء الدموع، وذكرها مبالغةً في شدّة الدلك، وإيصال الماء إلى ما يخفى من الرأس. انتهى (١). (ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا)، أي على شؤون رأسها (الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) قال القرطبيّ ﵀: "الْفِرْصة": صحيح الرواية فيها بكسر الفاء، وفتح الصاد المهملة، وهي القطعة من الشيء، وهي مأخوذة من الْفَرْص، وهو القطع، والْمِفْرَصُ، والْمِفْرَاص: هو الذي تُقطع به الفضة، وقد يكون الْفَرص الشقّ، يقال: فَرَصتُ النعل: أي شققتُ أُذُنيها للشِّرَاك. قال: وأما "مُمَسَّكةٌ"، فروايتنا فيها بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين، ومعناه: مُطَيَّبةٌ بالمسك مبالغةً في نفي ما يُكرَهُ من ريح الدم، وعلى هذا تصحّ رواية الخشني، عن الطبريّ: "فِرْصَةً من مسك" بكسر الميم، وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر الشارحين. وقد أنكر ابن قُتيبة هذا كلّه، وقال: إنما هو قُرْضَةٌ بضمّ القاف (٢)، وبالضاد المعجمة، وقال: لم يكن للقوم وُسْعٌ في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا، وإنما هو مَسْكٌ، بفتح الميم، ومعناه: الإمساك، فإن قالوا: إنما سُمِع رباعيًّا، والمصدر إمساك، قيل: سُمع أيضًا ثلاثيًّا، فيكون مصدره مَسْكًا. قال القرطبيّ: لقد أحسن من قال في ابن قُتيبة: هَجُومٌ ولّاجٌ على ما لا يُحسن، ها هو قد أنكر ما صحّ من الرواية في "فِرْصة"، وجَهِلَ ما صحّح نَقْلَه أئمّة اللغة، واختار ما لا يلتئم الكلام معه، فإنه لا يصحّ أن يقال: خُذْ قِطعةً من إمساك، وسَوَّى بين الصحابة كلّهم في الفقر، وسُوء الحال، بحيث لا يقدرون على استعمال مِسْك عند التطهّر والتنظّف، مع أن المعلوم من أحوال أهل الحجاز واليمن مبالغتهم في استعمال الطيب من المسك وغيره، وإكثارهم

стр. 4460

من ذلك، واعتيادهم له، فلا يُلتَفَت لإنكاره، ولا يُعَرَّج على قوله. انتهى (١). (فَتَطَهَّرُ بِهَا") أصله تتطهّر بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في "الخلاصة": وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ" أي تنظّفي بتلك الفِرصة المُمَسّكة (فَقَالَتْ أَسمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟، فَقَالَ) ﷺ ("سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا") بحذف إحدى التاءين أيضًا، وهو خبر بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِين أَثرَ الدَّمِ). قال النوويّ ﵀: معناه: قالت لها كلامًا خفيًّا. انتهى. فضمير "كأنها" لعائشة ﵂، ومعنى "تُخفي ذلك"، أي تستر كلامها لئلا يسمعه النبيّ ﷺ ، أو غيره، فاسم الإشارة يرجع إلى قولها المفهوم من "قالت"، يعني أن عائشة ﵂ لَمّا لم تفهم أسماءُ مراد النبيّ ﷺ بقوله: "تطهّرين بها" قالت لها: معناه: تتبعين بتلك الْفِرصة أثر الدم، وتُنَظّفينه بها، والله تعالى أعلم. (وَسَأَلَتْهُ)، أي سألت أسماء النبيّ ﷺ (عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟)، أي عن كيفيّته (فَقَالَ) ﷺ ("تَأْخُذُ) الضمير لإحداكنّ (مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ) للشكّ من الراوي (تُبْلِغُ الطُّهُورَ) من الإبلاغ، ويحتمل أن يكون من التبليغ، يقادٍ أبلغه السلام، وبلّغه بالألف والتشديد: إذا أوصله، والمراد بإبلاغ الطُّهُور إحسانه، كما تقدّم قريبًا. (ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ) وفي بعض النسخ: "حتى يَبْلُغَ" بالياء، أي يَصِلَ الماء (شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (نِعْمَ النِّسَاءُ) فعلٌ وفاعل، والجملة خبر مقدّم، لقولها: (نِسَاءُ الأَنْصَارِ) وهو المخصوص بالمدح، وهذا الكلام قالته عائشة ﵂ مدحًا لأسماء، حيث إنها جرّأت نفسها على سؤال ما يُستحيا منه عادةً؛ لأنه أمرٌ دينيّ مهمّ، لا يُعذر فيه أحدٌ، ممن وقع عليه التكليف، من الرجال والنساء، فاضطرّت إلى السؤال عنه، وألقت جلباب الحياء العاديّ؛ لأن الحياء

стр. 4461

في الأمور الدينيّة غير محمود، ولذا قالت أم سُليم ﵂: "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ. . ." الحديث، متفق عليه. [تنبيه]: اخْتَلَف النحاة في إعراب هذا التركيب، والأصحّ من أقوالهم: أن "نعم" و"بئس" فعلان ماضيان لإنشاء المدح والذمّ، فلا يتصرّفان؛ فلم يُستعمَل منهما غير الماضي، ولا بدّ لهما من مرفوع هو الفاعل، وهو على ثلاثة أقسام: [الأول]: أن يكون محلّى بالألف واللام، كـ "نعم النساءُ"، وكقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]. [والثاني]: أن يكون مضافًا إلى ما فيه "أل"، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. [والثالث]: أن يكون مضمرًا مفسَّرًا بنكرة بعده منصوبة على التمييز، نحو قول الشاعر [من البسيط]: لَنِعْمَ مَوْئِلًا الْمَوْلَى إِذَا حُذِرَتْ … بَأْسَاءُ ذِي الْبَغْي وَاسْتِيلَاءُ ذِي الإِحَنِ وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقولَه: فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ … "نِعْمَ" وَ"بِئْسَ" رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مُقَارِنَيْ "أَلْ" أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا … قَارَنَهَا كـ "نِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا" وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … مُمَيِّزٌ كـ "نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ" ثم إن فاعل "نعم" و"بئس" إذا كان مؤنثًا، يجوز في الفعل إثبات التاء وحذفها، وإن كان مفردًا مؤنّثًا حقيقيًّا، كقول عائشة ﵂: "نعم النساء"، وإنما جاز ذلك، لأن فاعلها مقصود به استغراق الجنس، فعُومل معاملة جمع التكسير في جواز إثبات التاء وحذفها؛ لشبهه به، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَالْحَذْفَ فِي "نِعْمَ الْفَتَاةُ" اسْتَحْسَنُوا … لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ ثم جملة قولها: "نعم النساء" من الفعل والفاعل خبر مقدّم لقولها: "نساء الأنصار"، أو هو خبر لمحذوف، تقديره: المخصوص بالمدح نساء الأنصار، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى … كـ "الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمُقْتَفَى"

стр. 4462

الَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ) مرفوع، تنازعه الفعلان قبله (أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ "من" المحذوفة قياسًا، كما قال في "الخلاصة": وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كـ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا" قال الجامع عفا الله عنه: تخريج الحديث، وبقيّة مسائله تقدّمت في الحديث المذكور أولَ الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ (١)، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: قَالَ: "سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِي بِهَا (٢)، وَاسْتَتَرَ"). رجال هذا الإسناد ثلاثة: كلهم تقدّموا قبل بابين، وأبو عبيد الله: هو معاذ بن معاذ بن نصر. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، فـ "في" بمعنى الباء، أي: عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفيّة، عن عائشة ﵂. وقوله: (نَحْوَهُ)، أي نحو حديث محمد بن جعفر، يعني أن حديث معاذ بن معاذ نحو حديث محمد بن جعفر الماضي. وقوله: (وَقَالَ: قَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ تَطَهَّرِي بِهَا) فاعل "قال" الأول ضمير معاذ، وفاعل "قال" الثاني ضمير النبيّ ﷺ ، والمعنى أن معاذًا قال في روايته: "وقال" بالواو بدل قول محمد بن جعفر: "فقال" بالفاء، وقال أيضًا: "تطهّري بها" بحذف النون على أنه فعل أمر للمؤنّثة، بدل قول محمد بن جعفر: "تطهّرين بها" على أنه فعل مضارع، حُذف منه إحدى التاءين، كما مرّ بيانه، وهو خبر بمعنى الأمر، فلا اختلاف في المعنى بين الروايتين.

стр. 4463

ووقع في بعض النسخ: "تطهّر بها"، فإن صحّت، فيكون الضمير لـ"إحداكنّ"، كما سبق تحقيقه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ هذه أخرجها الإمام أبو داود: في "سننه" فقال - بعد إخراج الحديث من طريق أبي الأحوص، وأبي عوانة، كلاهما عن إبراهيم بن مهاجر -: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريّ، أخبرني أبي، عن شعبة، عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن أسماء سألت النبيّ ﷺ بمعناه، قال: "فِرْصة مُمَسّكَةً"، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: "سبحان الله، تطهري بها"، واستتر بثوب، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة؟ فقال: "تأخذين ماءك، فتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شؤون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء"، قال: وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين، وأن يتفقهن فيه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْأَحْوَص، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ الحافظ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.

стр. 4464

٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ الكوفيّ، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا قبل حديث. وقوله: (أَسمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ) - بالشين المعجمة، والكاف المفتوحتين - قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيحَ المشهور، وحَكَى صاحب "المطالع" فيه إسكان الكاف، وذكر الخطيب الحافظ، أبو بكر البغداديّ في كتابه "الأسماء المبهمة"، وغيره من العلماء، أن اسم هذه السائلة أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي كان يقال لها: خطيبةُ النساء، ورَوَى الخطيب حديثًا فيه تسميتها بذلك، والله أعلم. انتهى (١). وتقدّم تمام البحث في هذا في شرح حديث أول الباب، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير أبي الأحوص. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ) يعني أن أبا الأحوص اقتصر في روايته على ذكر سؤالها عن غسلها من الحيض، ولم يذكر سؤالها عن غسل الجنابة. [تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه أخرجها الإمام أبو داود ﵀ أيضًا في "سننه"، فقال: (٣١٤) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا سلّام بن سُليم، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: دخلت أسماء على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سِدْرها وماءها، فتوضأ، ثم تغسل رأسها، وتدلُكُه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تُفيض على جسدها، ثم تأخذ فِرصتها، فتَطَهَّر بها، قالت: يا رسول الله، كيف أتطهّر بها؟ قالت عائشة: فعرفت الذي يَكْنِي عنه رسول الله ﷺ ، فقلت لها: تتبعين بها آثار الدم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 4465

(١٣) - (بَابُ الْمُسْتَحَاضَة، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٩] (٣٣٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ (١) بِالْحَيْضَة، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي"). رجال هذا الإسناد: ستةً: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في المسند الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (وَكِيع) بن الجرَّاح بن المليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنة (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ ماتت سنة (٥٧) على الصحيح، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.

стр. 4466

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول. ٢ - (ومنها): أدت رواته رواة الجماعة، سوى ابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا غريب أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، عن خالته: هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بالحاء المهملة، والموحّدة، والشين المعجمة، بصيغة التصغير، اسمه قيس بن المطّلب بن أسد، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طُلّقت ثلاثًا، قاله في "الفتح" (١). وهي: فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن المطّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قُصيّ الأسديّة، مهاجريّة جليلة، روت عن النبيّ ﷺ حديث الاستحاضة، وروى عنها عروة بن الزبير، وقيل: عن عروة، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حُبيش، قالت إلخ، ذكر إبراهيم الحربيّ أنها أم محمد بن عبد الله بن جحش، أخرج لها أبو داود، والنسائيّ، وليس لها في "الصحيحين" إلا ذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم. (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي) قال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: ما موقع "إنّ" هنا؟ فإنه لا تُستعمل إلا عند إنكار المخاطب لمدخولها،

стр. 4467

أو التردّد فيه، وما كان لرسول الله ﷺ إنكار لاستحاضتها، ولا تردّد فيها. قلت: قد تذكر أيضًا لتحقيق نفس القضية؛ إذا كانت بعيدة الوقوع، نادرة الوجود، وهنا كذلك. انتهى (١). (امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، قال في "الفتح": يقال: استُحيضت المرأة: إذا استمرّ بها الدم بعد أيامها المعتادة، فهي مستحاضة، والاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه. انتهى (٢). وقال الأزهريّ والهرويّ وغيرهما: "الحيض": جريان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرخيه قعر رحمها بعد بلوغها، و"الاستحاضة": جريانه في غير أوانه يسيل من عِرْقٍ في أدنى الرحم دون قعره، يقال: استُحيضت المرأة بالبناء للمفعول، فهي مستحاضة، وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد التي لَحِقتها للمبالغة، كما يقال: قَرّ بالمكان، ثم يُزاد للمبالغة، فيقال: استقرّ، وأعشب المكان، ثم يُزاد للمبالغة، فيقال: اعشوشب، وكثيرًا ما تجيء الزوائد لهذا المعنى، نبّه عليه ابن دقيق العيد ﵀. انتهى (٣). وقال العلامة العينيّ ﵀: "الاستحاضة": اسم لما نَقَصَ من أقل الحيض، أو زاد على أكثره. [فإن قلت]: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة، فقيل: استُحِيضت؟. [قلت]: لَمّا كان الأول معتادًا معروفًا نُسِب إليها، والثاني لَمّا كان نادرًا غير معروف الوقت، وكان منسوبًا إلى الشيطان، كما ورد: "أنها رَكْضَةٌ من الشيطان"، بُنِي لِمَا لم يُسَمَّ فاعله. [فإن قلت]: ما هذه السين فيه؟. [قلت]: يجوز أن تكون للتحوّل، كما في استَحْجَر الطين، وهنا أيضًا تحوّل دم الحيض إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة، فافهم. انتهى (٤).

стр. 4468

قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: "تَحَوَّل دم الحيض إلخ" نظر لا يخفى؛ لأن دم الاستحاضة غير دم الحيض؛ لأن دم الحيض من قعر الرحم، ودم الاستحاضة دم انفجر من عرق، يقال له: العاذل، كما نُصَّ عليه في الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: "استُحيضت" المرأة من الأفعال الملازمة للبناء للمفعول، وهي ستة وستون فعلًا، وقد نظمتها بقولي: اعْلَمْ - هَدَاكَ اللهُ - أَفْعَالًا أَتَتْ … مُغَيَّرًا صِيَغُهَا حَيْثُ بَدَتْ وَهْيَ اسْتُحِيضتْ زُهِيَتْ (١) وَوُضِعَا (٢) … وَبُرَّ حَجٌّ (٣) وُثِئَتْ (٤) وَأُولِعَا (٥) وَأُزْعِجَتْ وَأُرْعِدَتْ (٦) نُخِي (٧) عُنِي (٨) … عَلَيْهِ أُغْمِيَ (٩) اسْتُهِلَّ (١٠) فَاعْتَنِ وَوُكِسَتْ (١١) وَدُهِشَتْ (١٢) وَبُهِتَتْ (١٣) … سُقِطَ (١٤) مَعْ غُمَّ الْهِلَالُ (١٥) عُقِمَتْ (١٦). غُشِيِ عَلَيْهِمْ (١٧) وَغُمِي (١٨) وَأُهْدِرَا (١٩) … طُلَّ دَمٌ (٢٠) وَأُهْرِعُوا (٢١) وَشُهِرَا (٢٢)

стр. 4469

وَوُقِصت (١) وَنُكِبَتْ وَشُغِلَتْ (٢) … حُلِبَ سُرَّ (٣) رُهِصَتْ (٤) وَشُغِفَتْ (٥) دِيرَ أُدِيرَ (٦) دُفِقَتْ وَأُسْهِبَا (٧) … لُقِيَ شُبَّ (٨) قُطِعَتْ (٩) وَأُغْرِبَا (١٠) شُدِهَ (١١) جُنَّ فُلِجَتْ (١٢) وَنُفِسَتْ (١٣) … وَزُكِمَتْ وَقُرِنَتْ وَسُوِّسَتْ (١٤) وَنُسِئَتْ (١٥) وَقُنِيَتْ (١٦) وَمُقِعَا (١٧) … وَثُلِجَتْ (١٨) وافْتُلِتَتْ (١٩) وَامْتُقِعَا (٢٠) وَأُسْقِطَتْ (٢١) وَأُرْثِثَتْ وَحُصِرَا (٢٢) … وَطُلِقَتْ (٢٣) وَضئِدَتْ (٢٤) وَأُحْصِرَا (٢٥) وَأُهْتِرَتْ (٢٦) اسْتُهْتِرَتْ (٢٧) وَانْتُقِعَا (٢٨) … وَأُوكِسَتْ (٢٩) وَغُبِنَتْ (٣٠) وَثُطِعَا (٣١)

стр. 4470

وَدُبِرُوا (١) نُفِسَ عِذْقٌ كَمُلَا … سِتًّا وَسِتِّينَ فَخُذْ لِتَكْمُلَا [تنبيه آخر]: هذه المرأة هي إحدى الصحابيّات اللاتي كنّ يستحضن في زمن النبيّ ﷺ ، وهنّ عشر: بنات جحش الثلاثة: زينب، وحمنة، وأم حبيبة، أو أم حبيب، وفاطمة بنت أبي حُبيش المذكورة في هذا الحديث، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة، وأسماء بنت عُميس، وسهلة بنت سُهيل، وأسماء بنت مَرْثد، وبادية بنت غَيلان، فهنّ عشرٌ، ويقال: إن زينب بنت أم سلمة أيضًا استُحيضت، ولكن هذا لا يصحّ؛ لأنها في زمنه ﷺ كانت صغيرة، وقد نظمهنّ في "شرح الزرقانيّ على الموطأ"، حيث قال [من الرجز]: قَدِ اسْتُحِيضَتْ فِي زَمَان الْمُصْطَفَى … بَنَاتُ جَحْشٍ سَهْلَةٌ وَبَادِيَهْ وَهِنْدُ أَسْمَا سَوْدَةٌ وَفَاطِمَهْ … وَبِنْتُ مَرْثَدٍ رَوَاهَا الرَّاوِيَهْ (فَلَا أَطْهُرُ) بفتح الهاء وضمّها، من بابي نصر، وقرُب، والمراد بالطهارة هنا: النظافة من الدم، قال الفيّوميّ ﵀: طَهَر الشيءُ، من بابي قَتَل، وقَرُب طهارةً، والاسم الطُّهْر، وهو النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهرُ الْعِرْض: أي بريء من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طُهْرٌ، والجمع أطهارٌ، مثلُ قُفْل وأَقفال، وامرأة طاهرةٌ من الأدناس، وطاهرٌ من الحيض بغير هاء، وقد طَهَرت من الحيض، من باب نَصَرَ، وفي لغة قليلة من باب قَرُب، وتطهّرت: اغتَسَلَت، وتكون الطهارة بمعنى التطهّر. انتهى (٢). وإنما قالت: "فلا أطهر" لأنه كان عندها أن طهارة الحائض لا تُعرف إلا بانقطاع الدم، فكَنَت بعدم الطهر عن اتّصاله، وكانت قد عَلِمت أن الحائض لا تصلّي، فظنّت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج، فأرادت أن تُحقّق ذلك، فقالت: (أَفأَدعُ الصَّلَاةَ؟)، أي أتركها، قال ابن الملقّن ﵀: هو سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم، وعدمه ممن تقرّر عنده أن الحائض

стр. 4471

ممنوعة عن الصلاة. انتهى (١). [تنبيه]: قال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: الهمزة تقتضي عدم المسبوقيّة بغيرها، والفاء تقتضي المسبوقيّة به، فكيف يجتمعان؟. قلت: هو عطف على مقدّر، أي أيكون لي حكم الحائض، فأدع الصلاة؟، أو الهمزة مقحمة، أو توسّطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على استفهاميّتها؛ لأنها للتقرير هنا، فلا تقتضي الصدارة. انتهى (٢). [تنبيه آخر]: قد تقدّم أن بعضهم قال: إن العرب أماتت ماضي "يَدَعُ"، لكن الحقّ أنه منقول، وإن كان قليلًا، كقراءة من قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بتخفيف الدال، وكحديث: "دَعُوا الحبشة ما وَدَعُوكم، ودَعُوا الترك ما وَدَعُوكم" (٣)، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) ﷺ ("لَا)، أي لا تتركي الصلاة؛ لأن الاستحاضة لا تمنع منها، ثمّ علَّل كونها غير مانعة عنها بقوله: (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمرأة، أي إنما ذلك الدم الزائد على العادة السابقة، وذلك لأن الدم الذي اشتكته (عِرْقٌ) - بكسر العين المهملة، وسكون الراء -: أي دم عِرق؛ لأن الخارج هو الدم، لا العِرْق. ويُسمّى ذلك العِرْق بالعاذل - بالعين المهملة، والذال المعجمة، واللام، أو الراء - قال ابن الأثير ﵀: "العاذل": اسم العِرْق الذي يَسيل منه دم الاستحاضة، وذكر بعضهم "العاذر" بالراء، وقال: العاذرة: المرأة المستحاضة، فاعلةٌ بمعنى مفعولة، من إقامة العذر، ولو قال: إن العاذر هو الْعِرْق نفسه؛ لأنه يقوم بعذر المرأة لكان وجهًا، والمحفوظ "العاذل" باللام. انتهى (٤).

стр. 4472

قال ابن الملقّن ﵀: هذا العرق في أدنى الرحم يعتنق الرحم، قال: ويحتمل أن يكون من مجازي التشبيه، إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادّة الدم، وخروجه من مجاري الحيض المعتادة. انتهى باختصار (١). [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه: "إنما ذلكِ عِرق انقطع وانفجر"، فهي زيادة لا تُعْرَف في الحديث، وإن كان لها معنى، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أما بلفظ: "انفجر" فكما قال، وأما بلفظ "انقطع"، فقد جاء بسند ضعيف عند الحاكم في "المستدرك"، والدارقطنيّ، والبيهقيّ في "سننيهما" بلفظ: "فإن الذي أصابها رَكْضة من الشيطان، أو عِرْقٌ انقَطَع، أو داء عَرَض لها" (٣)، وصححه الحاكم، وتُعُقّب بأن صورته مرسل، وفي إسناده أيضًا عثمان بن سعيد التيميّ، ضعيف. (وَلَيْسَ) اسم "ليس" ضمير الدم، وفي نسخة: "وليست"، فاسمها ضمير يعود إلى الحالة، أي ليست هذه الحالة حالة الحيض (بِالْحَيْضَةِ) بفتح الحاء، أي الحيض، هذا هو الأظهر ونقله الخطابيّ عن أكثر المحدثين، أو كلهم، ثم اختار الكسر على إرادة الحالة، وقال النوويّ: وهو في هذا الموضع مُتَعَيِّنٌ، أو قريب من المتعين، فهان المعنى يقتضيه؛ لأنه ﷺ أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض. انتهى (٤). والمعنى: أن ذلك الدم دم علّة حَدَثت بالمرأة من تصدّع العرق، فاتّصل الدم، وليس بدم الحيض الذي يدفعه رحمها لميقات أيام معلومة، فيجري مجرى سائر الأَثفال والفُضول التي تستغني عنها الطبيعة، وتَقذفها عن البددن، فتجد النفس راحة لها فيها، وتُخلّصها عن ثقلها وأذاها (٥).

стр. 4473

(فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ) قال النوويّ ﵀: يجوز في "الحيضة" هنا الوجهان: فتح الحاء، وكسرُها جوازًا حسنًا. انتهى. وقال الحافظ ﵀ بعد نقل كلام النوويّ المذكور -: والذي في روايتنا بفتح الحاء في الموضعين. انتهى (١). (فَدَعِي الصَّلَاةَ)، أي اتركيها، يعني أنه إذا جاء الوقت الذي يعتادك فيه الحيض، فاتركي الصلاة، قال في "الفتح": هذا يتضمّن نهي الحائض عن الصلاة، وهو للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة بالإجماع. انتهى (٢). (وَإِذَا أَدْبَرَتْ)، أي ذهبت الحيضة، أي مضى وقتها المعتاد لك، وقال الزرقانيّ: أي قدر الحيض على ما قدّره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، أو على ما تقدّم من عادتها، احتمالات. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأولى؛ لأنه ﷺ قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك"، فقد أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تحبسها حيضتها قبل ذلك، فيكون قوله: "فإذا أدبرت" أي تلك الأيام التي اعتادتها فيها الحيضة، والله تعالى أعلم. وقال ابن دقيق العيد ﵀: الأشبه أن يريد قدر أيامها، وصحّف بعض الطلبة هذه اللفظة بالذال المعجمة المفتوحة، وإنما هو بالدال المهملة، أي قَدْر وقتها. انتهى. قال ابن الملقّن ﵀: ومما يُبطل هذا التصحيف روايةُ: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها". انتهى (٣). [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: المراد بالإدبار انقطاع الحيض، ومما ينبغي أن يُعتَنَى به معرفة علامة انقطاع الحيض، وقَلَّ مَن أوضحه، وقد اعتنى به جماعة من أصحابنا. وحاصله أن علامة انقطاع الحيض، والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم، والصُّفْرة، والكُدْرة، وسواء خرجت رُطوبة بيضاء، أم لم يخرج شيء أصلًا.

стр. 4474

قال البيهقيّ، وابن الصّبّاغ وغيرهما من أصحابنا: التَّرِيَّةُ رطوبة خفيفةٌ، لا صفرة فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثرًا لا لون، قالوا: وهذا يكون بعد انقطاع دم الحيض. قال النوويّ: التَّرِيّة - بفتح التاء المثناة من فوقُ، وكسر الراء، وبعدها ياء مثناةٌ من تحتُ مشددة -. وقد ذكره البخاريّ في "صحيحه" عن عائشة ﵂ أنها قالت للنساء: "لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء"، تريد بذلك الطهر. و"القَصّة" - بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة - وهي الْجِصّ شُبِّهت الرطوبة النقية الصافية بالجِصّ. قال أصحابنا: إذا مَضَى زمن حيضتها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تُدركها، ولا يجوز لها أن تترك بعد ذلك صلاةً، ولا صومًا، ولا يمتنع زوجها من وطئها، ولا تمتنع من شيء يفعله الطاهر، ولا تستظهر بشيء أصلًا، وعن مالك: رواية أنها تستظهر بالإمساك عن هذه الأشياء ثلاثة أيام بعد عادتها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نسبه النوويّ إلى مالك ﵀ إن صحّ عنه، فمما لا وجه له؛ لمخالفته النص الصريح؛ لأنه ﷺ قال: "وإذا أدبرت فصلّي"، فأوجب عليها الصلاة بمجرد انقطاع الحيض، ولم يجعل عليها شيئًا تستظهر به لا ساعةً، ولا أقلّ منها، فضلًا عن ثلاثة أيام، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي")، أي بعد الاغتسال، كما صرّح به في الرواية الآتية حيث قال: "فاغتسلي، ثم صلّي". [تنبيه]: وقع الاختلاف بين أصحاب هشام بن عروة في هذا الحديث، فمنهم مَن ذَكَر غسل الدم، ولم يذكر الاغتسال، كوكيع هنا، ومنهم مَن ذَكَر الاغتسال، ولم يذكر الغسل، كابن شهاب في رواياته الآتية، وكلهم ثقات،

стр. 4475

وأحاديثهم في "الصحيحين"، فيُحمل على أن كلّ فريق اختصر أحد الأمرين؛ لوضوحه عنده. ووقع أيضًا اختلاف في زيادة: "ثم توضئي لكل صلاة"، وطعن فيها بعضهم بأنه مدرج، وبعضهم بأنه موقوفٌ على عروة، وسيأتي الجواب عن ذلك حيث يشير المصنّف إلى إعلاله - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٣/ ٧٥٩ و ٧٦٠] (٣٣٣)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٢٨) و"الحيض" (٣٠٦ و ٣٢٠ و ٣٢٥ و ٣٣١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٨٢ و ٢٩٨)، و (الترمذيّ) فيها (١٢٥)، و (النسائيّ) فيها (١/ ١٨١ و ١٨٥ و ١٨٦)، و (ابن ماجه) فيها (٦٢٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٦١)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١١٦٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٢ و ١٣٧ و ١٩٤ و ٢٠٤ و ٢٦٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٥٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٠٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢١١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٢٣ و ٣٢٤ و ٣٢٥ و ٣٢٧ و ٣٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٢٧ و ٩٢٨ و ٩٢٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧٤٣ و ٧٤٤ و ٧٤٥ و ٧٤٦ و ٧٤٧ و ٧٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الفرق بين دم الاستحاضة والحيض، فدم الاستحاضة يخرج من فرج المرأة في غير أوانه، من عِرْق يقال له: العاذل - بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة - وأما دم الحيض، فإنه يخرج من قَعْر الرحم. ٢ - (ومنها): جواز استفتاء مَن وَقَعت له مسألة.

стр. 4476

٣ - (ومنها): جواز استفتاء المرأة بنفسها، ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة، وأحداث النساء. ٤ - (ومنها): ردّ المرأة إلى عادتها في الحيض. ٥ - (ومنها): جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة، قاله النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: "عند الحاجة" مبنيّ على قول من يقول: إن صوتها عورة، وهو قول لا دليل عليه، فتنبّه. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه نهي الحائض عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، وسواء في هذه الصلاة المفروضة والنافلة؛ لظاهر الحديث، وكذلك يحرم عليها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وكل هذا مُتَّفقٌ عليه. قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بقوله: "متّفقٌ عليه" اتّفاق أهل مذهبه، فذاك، وإلا فالمسألة فيها خلاف بالنسبة لسجود التلاوة، والشكر، وسيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى -. قال: وقد أجمع العلماء على أنها ليست مكلَّفةً بالصلاة، وعلى أنه لا قضاء عليها. انتهى (١). ٧ - (ومنها): نجاسة دم الحيض والاستحاضة، ووجوب غسله قبل الدخول في الصلاة من بدن المرأة وثوبها. ٨ - (ومنها): نجاسة الدم، وهو إجماعٌ، إلا من شذّ (٢). ٩ - (ومنها): أن الصلاة تجب على المستحاضة بمجرد انقطاع حيضها، وأن الصلاة واجبة عليها أبدًا إلا في الأيام التي يُحكم بأنها حيض، وهذا إجماع. ١٠ - (ومنها): أن الصلاة لا يتركها من عليه الدم، كما فعل عمر ﵁ حيث صلّى وجُرحه يسيل دمًا.

стр. 4477

١١ - (ومنها): ترك الحائض الصلاة، وهو إجماع لم يُخالف فيه إلا الخوارج. قال الجامع عفا الله عنه: أما ما نُقل من بعض السلف من أنه يُستحبّ للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضّأ، وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى، فمن البدع المنكرة، ومن الغلوّ الممنوع؛ لأن الله تعالى أكمل دينه، وأتمّه بموت النبيّ ﷺ ، فلو كان خيرًا وحسنًا لما تركه، فإن النساء كنّ يحضن في زمان نزول الوحي، فهل سُمع بأنهنّ، أو بعضهنّ كنّ يفعلن هكذا؟ كلا والله، ثم كلًّا، بل هذا هو التنطّع والغلوّ في الدين، وقد قال ﷺ : "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (١)، فتبصر، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ١٢ - (ومنها): بيان أن المرأة إذا مَيَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قَدْرُه اغتَسَلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة، مؤداةً أو مقضيةً؛ لظاهر قوله ﷺ : "ثم توضئي لكل صلاة"، وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلِّق بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة، وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: "وتوضئي لكل صلاة"، أي لوقت كل صلاة، ففيه دعوى مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل، وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحَدَث آخر، وقال أحمد، وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ١٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: في قوله ﷺ : "فإذا أقبلت الحيضة" تعليقُ الحكم بالإقبال والإدبار، فلا بدّ أن يكون معلومًا لها بعلامة تعرفها، فإن كانت مميّزةً رُدّت إلى التمييز، فإقبالها بُدُوّ الدم الأسود،

стр. 4478

وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادةً رُدّت إلى العادة، فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها انقضاء أيام العادة. وقد ورد في حديث فاطمة ما يقتضي الردّ إلى التمييز، وقالوا: إن حديثها في المميّزة، وحمل قوله: "فإذا أقبلت الحيضة" على الحيضة المألوفة، قال: وأقوى الروايات في الردّ إلى التمييز الرواية التي فيها: "دمُ الحيض أسود يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة"، وأما الردّ إلى العادة، ففي قوله ﷺ : "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها". انتهى (١). ١٤ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن ﵀: فيه دليل على الردّ إلى العادة؛ لأن الحديث يدلّ بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادةً؛ لقوله ﷺ : "قدر الأيام"، وهو يقتضي أنه كان لها أيام تحيض فيها، وليس فيه أنها كانت مميّزة، أو غير مميّزة، فإن ثبت ما يدلّ على التمييز فذاك، وإلا رُدّت إلى العادة، والتمسّك به يدلّ على أن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال، يُنزّل منزلة العموم في المقال، ويجوز أن يكون عَلِم الواقعة في التمييز أو عدمه، وأجاب على ما عَلِم. انتهى (٢). ١٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الرجوع فيما يحدُث لهم من الأمور كلّها إلى رسول الله ﷺ ، والسؤال عن الأحكام، وجوابه ﷺ عنها. [تنبيه]: قد استنبط من هذا الحديث الرازي الحنفيّ أن مدة أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة؛ لقوله: "قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها"؛ لأن أقل ما يُطلق عليه لفظ "أيام" ثلاثة، وأكثره عشرة، فأما ما دون الثلاثة، فإنما يقال له: يومان، ويوم، وأما ما فوق عشرة، فإنما يقال: أحد عشر يومًا، وهكذا إلى عشرين، قال الحافظ ﵀: وفي الاستدلال بذلك نظر، ذكره في "الفتح" (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسأل الرابعة): في بيان اختلاف الأخبار الواردة في المستحاضة التي استمرّ بها الدم، واختلاف أهل العلم في أمرها:

стр. 4479

قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: رَوَينا في هذا الباب ثلاثة أخبار، أَجْمَعَ أهلُ العلم على القول بأحدها وتثبيته، واختلفوا في الخبرين الآخرين، فأَثبتت القول بهما فرقة، ونَفَت فرقة القول بهما، ونَفَت فرقة القول بأحدهما، وأثبتت القول بالآخر، ثم قال: ذكر الخبر الذي أَجمع أهل العلم على القول به وتثبيته ثم أخرج بسنده حديث عائشة ﵂ المذكور هنا. ثم قال: اختَلَف أصحابنا بعد إجماعهم على صحة هذا الخبر في المعنى الذي له أمرها النبيّ ﷺ بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة، وأمره إياها بالصلاة عند إدبارها، فكان الشافعي يقول: يدُلّ حديث عائشة هذا على أن فاطمة بنت أبي حُبيش كان دم استحاضتها منفصلًا، من دم حيضها؛ لجواب النبيّ ﷺ ، وذلك أنه قال: "إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم، وصلي"، فنقول: إذا كان الدم ينفصل، فيكون في أيام قانئًا ثخينًا مُحتَدِمًا يَضرِب الى السواد، له رائحة، فتلك الحيضة نفسُها، فلتدع الصلاة، فإذا ذهب ذلك الدم، وجاءها الدم الأحمر الرقيق الْمُشرِق، فهو عِرْق، وليست بالحيضة، وهو الطُّهور، وعليها أن تغتسل، وتصلي. وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق يقولان: وإذا كانت في معنى فاطمة، كان الجواب فيه كما أجاب رسول الله ﷺ فاطمة، وهذه إذا كان دمها ينفصل، وقال أبو عبيد بمثل هذا المعنى. وكان الأوزاعيّ يقول: لا يُوَقَّت في المستحاضة إذا لم يُعْرَف وقتُ نسائها، ولم يكن لها أيام تُعْرَف فيما مضى، أخذنا بهذا الحديث: "إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة"، قال الأوزاعي: وإقبالها سواد الدم، ونَتْنه، وتغيُّره لا يدوم عليها؛ لأنه لو دام عليها قتلها، فإذا اسودّ الدم، فهو حيض، فإذا أدبرت الحيضة، فصارت صُفْرة أو كُدْرة، فهي استحاضة. قال ابن المنذر: وذهب غيرهم من أصحابنا إلى غير هذا المعنى، وقال: إنما أمرها النبيّ ﷺ بأن تَدَع الصلاة قدر أيامها المعروفة، كان عندها قبل أن تُستحاض، قال: وذلك بَيِّنٌ في الأخبار الثابتة بالأسانيد المتصلة، يُستَغنى بظاهرها عن غيرها.

стр. 4480

قال: فقوله ﷺ : "فإذا ذهب قدرها" يريد قدر الحيضة المعلومة قبل أن تُستحاض، وهذا مُستغنى به عما سواه، وقد روى هذا الحديث - يعني فاطمة بنت أبي حبيش المذكور - أبو أسامة، وذكر في الحديث أنه قال: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تَحِيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلي". ثم ذَكَر أحد الخبرين المختَلَف في ثبوته، فقال: أخبرنا الربيع، أنبا الشافعيّ، أنبا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن امرأة كانت تُهَراق الدماءَ على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أمُّ سلمة رسول الله ﷺ ، فقال: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خَلَّفت، فلتغتسل، ثم لْتَسْتَثْفِر بثوب، ثم تصلي". ثم ذَكَر الخبر الثالث المختَلَف في ثبوته، فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، أنبا ابن جريج، عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أم حبيبة. وحدثنا محمد بن خلف بن شعبة، والحديث له، ثنا زكريا بن عديّ، ثنا عبيد الله، عن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن إبراهيم، هو ابن محمد بن طلحة، عن عمران بن طلحة، عن بنت جحش - يعني حمنة - أنها قالت: كنت أُستحاض حيضةً شديدةً كثيرةً، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه، وأُخبره، فوجدته في بيت زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، قال: "ما هي يا هناه؟ قلت: إني لأستحي منك، وإنه لحديثٌ ما منه بُدّ، وإني أستحاض حيضةً شديدةً، فما ترى، تقول فيها يا رسول الله؟، قد منعني الصوم والصلاة، قال: "أَنْعَتُ لكِ الْكُرْسُف، فإنه يَذهب بالدم"، قالت: فإنه أكثر من ذلك، قال: "فَتَلَجَّمي"، قالت: فإنه أكثر من ذلك، إني أَثُجّ ثَجًّا، قال: "آمرك بأمرين، أيهما فعلت أجزأك من الآخر، وإن قَوِيت عليهما، فأنت أعلم، إنما هي رَكْضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا استنقأت، فصلي أربعًا وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين ليلةً وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، كذلك فافعلي في كل شهر،

стр. 4481

كما تَحِيض النساء، وكما يَطْهُرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قَوِيت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلين، وتصلين الظهر والعصر جمعًا، وتؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين الصلاتين، ثم تغتسلي مع الفجر، ثم تصلي، كذلك فافعلي، وصومي، وصلي إن قويت على ذلك"، قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إليّ". قال أبو عبيد: "الْكُرْسُفُ": القطن، وقولها: أَثُجُّه ثَجًّا: هو من الماء الثّجّاج، وهو السائل، وقوله: "تلجمي" يقول: شُدِّي لِجَامًا، وهو شبيه بقوله: "استثفري"، والاستثفار يكون من ثَفَر الدابة، شَبَّهَ هذا اللجام بالثَّفَر؛ لأنه يكون تحت ذنب الدابة. انتهى. قال ابن المنذر: وأما الفرقة التي نَفَت القول بخبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، فإنهم دفعوا خبر سليمان بن يسار بأنهم قالوا: خبر سليمان بن يسار خبرٌ غيرُ متصل، لا يصح من جهة النقل، وذلك أن غير واحد من المحدثين أدخل بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلًا، اسمه مجهول، والمجهول لا يجوز الاحتجاج بحديثه؛ إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة. قال: وأما حديث ابن عَقِيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة في قصة حَمْنة، فليس يجوز الاحتجاج به من وجوه، كان مالك بن أنس لا يروي عن ابن عَقِيل، قال الدافع لهذين الخبرين: وفي متن الحديث كلام مستنكر، زعمت أن النبيّ ﷺ جَعَل الاختيار إليها، فقال لها: "تَحَيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعًا"، قالوا: وليس يخلو اليوم السابع من أن تكون حائضًا أو طاهرًا، فإن كانت حائضًا فيه، واختارت أن تكون طاهرًا، فقد ألزمت نفسها الصلاة في يوم هي فيه حائض، وصلت وصامت وهي حائض، وإن كانت طاهرًا اختارت أن تكون حائضًا، فقد أسقطت عن نفسها فرض الله عليها في الصلاة والصوم، وحَرَّمت نفسها على زوجها في ذلك اليوم، وهي في حكم الطاهر، وهذا غير جائز، وغير جائز أن تُخَيَّر مرة بين أن تُلْزِم نفسها الفرض في حال، وتُسقط الفرض عن نفسها إن شاءت في تلك الحال. قال: ثم اختلفوا في تأويل هذه الأخبار الثلاثة، فأما فرقة فنفت القول بهذين الخبرين: خبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، وقالت فرقة بها كلِّها،

стр. 4482

وممن قال بها كلِّها أبو عبيد القاسم بن سلام، ذكر أبو عبيد أن الناس تكلموا في الحيض قديمًا وحديثًا، ووَقَّتوا فيه أوقاتًا مختلفةً، فلما رأينا الأوقات من العلماء قد اختُلِفت فيه، رددنا علم ذلك كله إلى سنة رسول الله ﷺ ، ثم انتهينا إليها؛ لأن الله جل ذكره يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فنظرنا في سنة رسول الله ﷺ ، فوجدناه قد بَيَّن فيه ثلاثَ سُنَن تَبَيَّن فيها كلُّ مشكل لمن سمعها وفهمها، حتى لا يَدَع لأحد فيها مقالًا بالرأي. أما أحد السنن الثلاث، فهي الحائض التي لها أيام معلومة، قد حاضتها بلا اختلاط عليها، ثم استحيضت، واستَمَرَّ بها الدم، وهي في ذلك تَعْرِف أيامها، ومبلغ عددها، فذكر حديث أم سلمة ﵂ الذي ذكرناه، وذكر حديثًا عن عائشة ﵂ (١). قال أبو عبيد: وأما السنة الثانية، ففي الحائض التي لها أيام متقدمة، قد جَرَت عليها، وعرفتها، ثم استَمَرَّ بها الدم، وطال حتى اختلطت عليها أيامها، وزادت ونقصت، وتقدمت وتأخرت، حتى صارت لا تَعْرِف عددها، ولا وقتها من الشهور، فاحتُجَّ لمن هذه قصتها بحديث عائشة الذي بدأنا بذكره، وهو الخبر الثابت، خبر عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأما السنة الثالثة، فهي التي ليست لها أيام متقدمةٌ، ولم تَرَ الدم قط، ثم رأته أول ما أدركت، فاستمر بها، فإن سنة هذه غير سنة الأولى والثانية، وذَكَر حديث بنت جحش الذي رواه ابن عَقِيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه، عن حمنة بنت جحش.

стр. 4483

وقال أحمد، وإسحاق خلاف قول أبي عبيد، قالا: إذا استحيضت المرأة، واستمر بها الدم، وهي غير عارفة بأيامها فيما مضى، وليس ينفصل دمها، فتَعْرِف إقباله من إدباره، ووَصَفت من كثرة دمها وغلبته نحوًا مما وَصَفت حمنة، فإنها تجلس ستة أيام، أو سبعة أيام على حديث حمنة، وذلك وسط من حيض النساء. قال ابن المنذر: فقول أحمد وإسحاق هذا، وتأويلهما لحديث حمنة خلاف تأويل أبي عبيد؛ لأن أبا عبيد إنما تأوَّل حديث حمنة، فيمن ليست لها أيام متقدمة، ولم تَرَ الدم، وتأويل الحديث عند أحمد وإسحاق لمن هي غير عارفة بأيامها فيما مضى ضِدَّ ما قال أبو عبيد، وتأوَّل الشافعي حديث حمنة على غير ما تأوله هؤلاء. وكان الشافعي يقول بعد ذكره لحديث حمنة: هذا يدلّ على أنها كانت تعرف أيام حيضها ستًّا أو سبعًا، فلذلك قال لها النبيّ ﷺ : "فإن قَوِيتِ أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، وتغتسلي حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين المغرب والعشاء فافعلي، وتغتسلين عند الفجر، ثم تصلين الصبح، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك، وهذا أحب الأمرين إليّ"، قال الشافعيّ: هذا يدلّ على أنها كانت تَعْرف أيام حيضتها ستًّا أو سبعًا، فلذلك قال لها رسول الله ﷺ . وكان الشافعيّ بعد أن ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث أم سلمة، وحديث حمنة، يقول: وبهذه الأحاديث الثلاثة نأخذ، وهي عندنا متفقة فيما فيه، وفي بعضها زيادة على بعض، فذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وقد ذكرتُ قوله فيه فيما مضى، وقد ذكرنا عنه قوله في حديث حمنة، قال: وجواب النبيّ ﷺ في حديث أم سلمة المستحاضةَ يدل على أن المرأة التي سألت لها أمُّ سلمة، كانت لا ينفصل دمها، فأمرها أن تترك الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، والله أعلم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).

стр. 4484

قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﵂ في قصّة فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ لاشكّ في صحّته؛ إذ هو متّفقٌ عليه. وأما حديث أم سلمة ﵂، وإن أعلّوه بالانقطاع، أو جهالة الواسطة، كما تقدّم في كلام ابن المنذر، فالصحيح أنه صحيح؛ لأن سليمان بن يسار تابعيّ ثقة ثبت، أدرك أم سلمة دون شكّ، وقد ذكروه فيمن سمع منها، ولم يُطعن بالتدليس، فروايته محمولة على الاتّصال، ولا تُعل برواية من أدخل الواسطة بينه وبينها؛ لأنه على تقدير صحتها يُحمل على أنه سمع الحديث منها مباشرة وبواسطة، كما هو معروف في روايات الثقات، وقد ذكر مثل هذا التأويل ابن التركماني في "الجوهر النقيّ"، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ البحث في هذا، في كتابه "صحيح سنن أبي داود"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم (١). وأما حديث حمنة بنت جحش ﵂، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وغيرهم، وحسّنه الشيخ الألبانيّ ﵀، قال: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، غير ابن عَقِيل، وقد تكلّم فيه بعضهم من قِبَل حفظه، وهو في نفسه صدوقٌ، فحديثه في مرتبة الحسن، وكان أحمد وابن راهويه يحتجّان به، كما قال الذهبيّ، ولهذا قال الترمذيّ عقب هذا الحديث: حسنٌ صحيحٌ، وسألت محمدًا - يعني البخاريّ - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسنٌ صحيح، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى. كلام الشيخ الألبانيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ثم إن أقرب التأويلات في الجمع بين الأحاديث هو الذي مشى عليه الإمام الشافعيّ ﵀. وحاصله أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش يُحمل على من كانت تميّز بين دم استحاضتها ودم حيضها، فإذا استمرّ بها الدم، وهي تعرف دم الحيض إذا أقبل بأوصافه المعروفة لدى النساء، فإنها تقعد أيامها، فإذا ذهب ذلك، فإنها تغتسل، وتصلّي. وأما حديث حمنة ﵂، فإنه يُحمل على من لا تميّز بين الدمين، ولكنها

стр. 4485

كانت تعرف أيام حيضها، إما ستة أو سبعة، فتجلس مقدار تلك الأيام، فإذا ذهبت تغتسل، وتصلي. وأما حديث أم سلمة ﵂، فيحمل على المرأة التي لا تعرف عدد أيام حيضها، ولا تميّز بين الدمين، أو كانت مبتدأة، لم تحض قبلُ قط، فإنها تقعد مثل ما يقعد أغلب نساء قومها، أمها، وأخواتها، ونحوهنّ. والحاصل أن التي لها عادة ترجع إلى عادتها، والتي لا عادة لها، ولكنها مميّزة تعمل بالتمييز، والتي لا عادة لها، ولا تمييز، فإنها ترجع، فبهذا تتفق الأحاديث، بلا تعارض، ولا دعوى نسخ، ولا تضعيف لصحيح، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ" (١)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ذكر النوويّ ﵀ فوائد مما يتعلّق بحكم الاستحاضة، فقال: وأما حكم المستحاضة، فهو مبسوط في كتب الفقه أحسن بسط، وأنا أشير إلى أطراف من مسائلها، فاعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام، فيجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عندنا، وعند جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر في "الإشراف" عن ابن عباس، وابن المسيِّب، والحسن البصريّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزنيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: ورَوَينا عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعيّ، والحكم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه ﵀ أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها الْعَنَتَ، والمختار ما قَدَّمناه عن الجمهور. والدليل عليه ما رَوَى عكرمة، عن حمنة بنت جحش ﵂ أنها كانت مستحاضةً، وكان زوجها يجامعها، رواه أبو داود، والبيهقيّ، وغيرهما بهذا اللفظ، بإسناد حسن.
следующие страницы →