كما تَحِيض النساء، وكما يَطْهُرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قَوِيت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلين، وتصلين الظهر والعصر جمعًا، وتؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين الصلاتين، ثم تغتسلي مع الفجر، ثم تصلي، كذلك فافعلي، وصومي، وصلي إن قويت على ذلك"، قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إليّ".
قال أبو عبيد: "الْكُرْسُفُ": القطن، وقولها: أَثُجُّه ثَجًّا: هو من الماء الثّجّاج، وهو السائل، وقوله: "تلجمي" يقول: شُدِّي لِجَامًا، وهو شبيه بقوله: "استثفري"، والاستثفار يكون من ثَفَر الدابة، شَبَّهَ هذا اللجام بالثَّفَر؛ لأنه يكون تحت ذنب الدابة. انتهى.
قال ابن المنذر: وأما الفرقة التي نَفَت القول بخبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، فإنهم دفعوا خبر سليمان بن يسار بأنهم قالوا: خبر سليمان بن يسار خبرٌ غيرُ متصل، لا يصح من جهة النقل، وذلك أن غير واحد من المحدثين أدخل بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلًا، اسمه مجهول، والمجهول لا يجوز الاحتجاج بحديثه؛ إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة.
قال: وأما حديث ابن عَقِيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة في قصة حَمْنة، فليس يجوز الاحتجاج به من وجوه، كان مالك بن أنس لا يروي عن ابن عَقِيل، قال الدافع لهذين الخبرين: وفي متن الحديث كلام مستنكر، زعمت أن النبيّ ﷺ جَعَل الاختيار إليها، فقال لها: "تَحَيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعًا"، قالوا: وليس يخلو اليوم السابع من أن تكون حائضًا أو طاهرًا، فإن كانت حائضًا فيه، واختارت أن تكون طاهرًا، فقد ألزمت نفسها الصلاة في يوم هي فيه حائض، وصلت وصامت وهي حائض، وإن كانت طاهرًا اختارت أن تكون حائضًا، فقد أسقطت عن نفسها فرض الله عليها في الصلاة والصوم، وحَرَّمت نفسها على زوجها في ذلك اليوم، وهي في حكم الطاهر، وهذا غير جائز، وغير جائز أن تُخَيَّر مرة بين أن تُلْزِم نفسها الفرض في حال، وتُسقط الفرض عن نفسها إن شاءت في تلك الحال.
قال: ثم اختلفوا في تأويل هذه الأخبار الثلاثة، فأما فرقة فنفت القول بهذين الخبرين: خبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، وقالت فرقة بها كلِّها،
стр. 4482
وممن قال بها كلِّها أبو عبيد القاسم بن سلام، ذكر أبو عبيد أن الناس تكلموا في الحيض قديمًا وحديثًا، ووَقَّتوا فيه أوقاتًا مختلفةً، فلما رأينا الأوقات من العلماء قد اختُلِفت فيه، رددنا علم ذلك كله إلى سنة رسول الله ﷺ ، ثم انتهينا إليها؛ لأن الله جل ذكره يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فنظرنا في سنة رسول الله ﷺ ، فوجدناه قد بَيَّن فيه ثلاثَ سُنَن تَبَيَّن فيها كلُّ مشكل لمن سمعها وفهمها، حتى لا يَدَع لأحد فيها مقالًا بالرأي.
أما أحد السنن الثلاث، فهي الحائض التي لها أيام معلومة، قد حاضتها بلا اختلاط عليها، ثم استحيضت، واستَمَرَّ بها الدم، وهي في ذلك تَعْرِف أيامها، ومبلغ عددها، فذكر حديث أم سلمة ﵂ الذي ذكرناه، وذكر حديثًا عن عائشة ﵂ (١).
قال أبو عبيد: وأما السنة الثانية، ففي الحائض التي لها أيام متقدمة، قد جَرَت عليها، وعرفتها، ثم استَمَرَّ بها الدم، وطال حتى اختلطت عليها أيامها، وزادت ونقصت، وتقدمت وتأخرت، حتى صارت لا تَعْرِف عددها، ولا وقتها من الشهور، فاحتُجَّ لمن هذه قصتها بحديث عائشة الذي بدأنا بذكره، وهو الخبر الثابت، خبر عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأما السنة الثالثة، فهي التي ليست لها أيام متقدمةٌ، ولم تَرَ الدم قط، ثم رأته أول ما أدركت، فاستمر بها، فإن سنة هذه غير سنة الأولى والثانية، وذَكَر حديث بنت جحش الذي رواه ابن عَقِيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه، عن حمنة بنت جحش.
стр. 4483
وقال أحمد، وإسحاق خلاف قول أبي عبيد، قالا: إذا استحيضت المرأة، واستمر بها الدم، وهي غير عارفة بأيامها فيما مضى، وليس ينفصل دمها، فتَعْرِف إقباله من إدباره، ووَصَفت من كثرة دمها وغلبته نحوًا مما وَصَفت حمنة، فإنها تجلس ستة أيام، أو سبعة أيام على حديث حمنة، وذلك وسط من حيض النساء.
قال ابن المنذر: فقول أحمد وإسحاق هذا، وتأويلهما لحديث حمنة خلاف تأويل أبي عبيد؛ لأن أبا عبيد إنما تأوَّل حديث حمنة، فيمن ليست لها أيام متقدمة، ولم تَرَ الدم، وتأويل الحديث عند أحمد وإسحاق لمن هي غير عارفة بأيامها فيما مضى ضِدَّ ما قال أبو عبيد، وتأوَّل الشافعي حديث حمنة على غير ما تأوله هؤلاء.
وكان الشافعي يقول بعد ذكره لحديث حمنة: هذا يدلّ على أنها كانت تعرف أيام حيضها ستًّا أو سبعًا، فلذلك قال لها النبيّ ﷺ : "فإن قَوِيتِ أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، وتغتسلي حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين المغرب والعشاء فافعلي، وتغتسلين عند الفجر، ثم تصلين الصبح، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك، وهذا أحب الأمرين إليّ"، قال الشافعيّ: هذا يدلّ على أنها كانت تَعْرف أيام حيضتها ستًّا أو سبعًا، فلذلك قال لها رسول الله ﷺ .
وكان الشافعيّ بعد أن ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث أم سلمة، وحديث حمنة، يقول: وبهذه الأحاديث الثلاثة نأخذ، وهي عندنا متفقة فيما فيه، وفي بعضها زيادة على بعض، فذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وقد ذكرتُ قوله فيه فيما مضى، وقد ذكرنا عنه قوله في حديث حمنة، قال: وجواب النبيّ ﷺ في حديث أم سلمة المستحاضةَ يدل على أن المرأة التي سألت لها أمُّ سلمة، كانت لا ينفصل دمها، فأمرها أن تترك الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، والله أعلم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
стр. 4484
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﵂ في قصّة فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ لاشكّ في صحّته؛ إذ هو متّفقٌ عليه.
وأما حديث أم سلمة ﵂، وإن أعلّوه بالانقطاع، أو جهالة الواسطة، كما تقدّم في كلام ابن المنذر، فالصحيح أنه صحيح؛ لأن سليمان بن يسار تابعيّ ثقة ثبت، أدرك أم سلمة دون شكّ، وقد ذكروه فيمن سمع منها، ولم يُطعن بالتدليس، فروايته محمولة على الاتّصال، ولا تُعل برواية من أدخل الواسطة بينه وبينها؛ لأنه على تقدير صحتها يُحمل على أنه سمع الحديث منها مباشرة وبواسطة، كما هو معروف في روايات الثقات، وقد ذكر مثل هذا التأويل ابن التركماني في "الجوهر النقيّ"، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ البحث في هذا، في كتابه "صحيح سنن أبي داود"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم (١).
وأما حديث حمنة بنت جحش ﵂، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وغيرهم، وحسّنه الشيخ الألبانيّ ﵀، قال: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، غير ابن عَقِيل، وقد تكلّم فيه بعضهم من قِبَل حفظه، وهو في نفسه صدوقٌ، فحديثه في مرتبة الحسن، وكان أحمد وابن راهويه يحتجّان به، كما قال الذهبيّ، ولهذا قال الترمذيّ عقب هذا الحديث: حسنٌ صحيحٌ، وسألت محمدًا - يعني البخاريّ - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسنٌ صحيح، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى. كلام الشيخ الألبانيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
ثم إن أقرب التأويلات في الجمع بين الأحاديث هو الذي مشى عليه الإمام الشافعيّ ﵀.
وحاصله أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش يُحمل على من كانت تميّز بين دم استحاضتها ودم حيضها، فإذا استمرّ بها الدم، وهي تعرف دم الحيض إذا أقبل بأوصافه المعروفة لدى النساء، فإنها تقعد أيامها، فإذا ذهب ذلك، فإنها تغتسل، وتصلّي.
وأما حديث حمنة ﵂، فإنه يُحمل على من لا تميّز بين الدمين، ولكنها
стр. 4485
كانت تعرف أيام حيضها، إما ستة أو سبعة، فتجلس مقدار تلك الأيام، فإذا ذهبت تغتسل، وتصلي.
وأما حديث أم سلمة ﵂، فيحمل على المرأة التي لا تعرف عدد أيام حيضها، ولا تميّز بين الدمين، أو كانت مبتدأة، لم تحض قبلُ قط، فإنها تقعد مثل ما يقعد أغلب نساء قومها، أمها، وأخواتها، ونحوهنّ.
والحاصل أن التي لها عادة ترجع إلى عادتها، والتي لا عادة لها، ولكنها مميّزة تعمل بالتمييز، والتي لا عادة لها، ولا تمييز، فإنها ترجع، فبهذا تتفق الأحاديث، بلا تعارض، ولا دعوى نسخ، ولا تضعيف لصحيح، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ" (١)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ذكر النوويّ ﵀ فوائد مما يتعلّق بحكم الاستحاضة، فقال:
وأما حكم المستحاضة، فهو مبسوط في كتب الفقه أحسن بسط، وأنا أشير إلى أطراف من مسائلها، فاعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام، فيجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عندنا، وعند جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر في "الإشراف" عن ابن عباس، وابن المسيِّب، والحسن البصريّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزنيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: ورَوَينا عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعيّ، والحكم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه ﵀ أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها الْعَنَتَ، والمختار ما قَدَّمناه عن الجمهور.
والدليل عليه ما رَوَى عكرمة، عن حمنة بنت جحش ﵂ أنها كانت مستحاضةً، وكان زوجها يجامعها، رواه أبو داود، والبيهقيّ، وغيرهما بهذا اللفظ، بإسناد حسن.
стр. 4486
قال البخاريّ في "صحيحه": قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صَلَّت، الصلاة أعظم، ولأن المستحاضة كالطاهرة في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يَرِد الشرع بتحريمه، والله تعالى أعلم.
وأما الصلاة، والصيام، والاعتكاف، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، وحمله، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ووجوب العبادات عليها، فهي في كل ذلك كالطاهرة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وإذا أرادت المستحاضة الصلاة، فإنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث، وطهارة النجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء والتيمم، إن كانت تتيمم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة؛ رفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، فإن كان دمها قليلًا يندفع بذلك وحده، فلا شيء عليها غيره، وإن لم يندفع شَدَّت مع ذلك على فرجها، وتَلَجَّمت.
وهو أن تشدّ على وسطها خرقةً، أو خيطًا، أو نحوه على صورة التِّكّة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين، فتدخلها بين فخذيها وأليتيها، وتشد الطرفين بالخرقة التي في وسطها، أحدهما قُدَّامها عند سُرّتها، والأخرى خلفها، وتُحْكِم ذلك الشدّ، وتُلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين بالقطنة التي على الفرج إلصاقًا جيّدًا، وهذا الفعل يُسَمَّى تَلَجُّمًا، واستثفارًا، وتعصيبًا.
قال أصحابنا: وهذا الشدّ والتلجم واجب إلا في موضعين:
[أحدهما]: أن تتأذى بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم، فلا يلزمها؛ لما فيه من الضرر.
[والثاني]: أن تكون صائمة، فتترك الحشو في النهار، وتقتصر على الشدّ، قال أصحابنا: ويجب تقديم الشدّ والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقيب الشدّ من غير إمهال، فإن شدّت وتلجّمت، وأخَّرت الوضوء، وتطاول الزمان ففي صحة وضوئها وجهان، الأصحّ أنه لا يصحّ.
قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا القول فيه نظر لا يخفى، فإنه ﷺ حين أمرها بالتلجّم، والوضوء لكلّ صلاة، ما اشترط عليها هذا الشرط، بل أطلقه إطلاقًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا استوثَقَت بالشدّ على الصفة التي ذكرناها، ثم خرج منها دم من
стр. 4487
غير تفريط، لم تبطل طهارتها، ولا صلاتها، ولها أن تصلي بعدَ فرضها ما شاءت من النوافل؛ لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك، أما إذا خرج الدم لتقصيرها في الشدّ، أو زالت العصابة عن موضعها؛ لضعف الشدّ، فزاد خروج الدم بسببه، فإنه يبطل طهرها، فإن كان ذلك في أثناء صلاة بطلت، وإن كان بعد فريضة لم تستبح النافلة؛ لتقصيرها، وأما تجديد غسل الفرج وحشوه وشدّه لكل فريضة، فيُنظَر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها، ولا ظهر الدم ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء.
قال: ثم اعلم أن مذهبنا أن المستحاضة لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة، مؤداةً كانت أو مقضيةً، وتستبيح معها ما شاءت من النوافل قبل الفريضة وبعدها، ولنا وجهٌ أنها لا تستبيح أصلًا؛ لعدم ضرورتها إلى النافلة، والصواب الأول، وحُكِي مثل مذهبنا عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: طهارتها مقدرة بالوقت، فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة.
وقال ربيعة، ومالك، وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهرت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض، إلى أن تُحدث بغير الاستحاضة.
قال أصحابنا: ولا يصح وضوء المستحاضة لفريضة قبل دخول وقتها، وقال أبو حنيفة: يجوز، ودليلنا أنها طهارة ضرورة فلا تجوز قبل وقت الحاجة. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم جواز وضوئها قبل الوقت يحتاج إلى دليل؛ إذ النصّ: "ثم توضئي لكلّ صلاة"، ولم يقيّده بكونه في الوقت فقط، فتدبّر، والله تعالى أعلم.
قال أصحابنا: وإذا توضأت بادرت إلى الصلاة عقب طهارتها، فإن أخّرت بأن توضأت في أول الوقت، وصلّت في وسطه نُظِر، إن كان التأخير للاشتغال بسبب من أسباب الصلاة، كستر العورة، والأذان والإقامة، والاجتهاد
стр. 4488
في القبلة، والذهاب إلى المسجد الأعظم، والمواضع الشريفة، والسعي في تحصيل سُتْرة تصلي إليها، وانتظار الجمعة والجماعة، وما أشبه ذلك، جاز على المذهب الصحيح المشهور، ولنا وجه أنه لا يجوز، وليس بشيء.
وأما إذا أخرت بغير سبب من هذه الأسباب، وما في معناها ففيه ثلاثة أوجه: أصحها لا يجوز، وتبطل طهارتها، والثاني: يجوز، ولا تبطل طهارتها، ولها أن تصلي بها، ولو بعد خروج الوقت. والثالث: لها التأخير ما لم يَخرُج وقت الفريضة، فإن خرج الوقت فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الأرجح عندي، وأما الآخران ففيهما نظر لا يخفى، فأين النصّ الذي فصّل هذا التفصيل؟ فقد أباح لها أن تصلي كلّ صلاة بوضوء، ولم يقيّد ذلك بشيء من التقديم والتأخير، وكونه في الوقت أو بعده، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
قال: قال أصحابنا: وكيفية نية المستحاضة في وضوئها أن تنوي استباحة الصلاة، ولا تقتصر على نية رفع الحدث، ولنا وجه أنه يجزئها الاقتصار على نية رفع الحدث، ووجهٌ ثالث أنه يجب عليها الجمع بين نية استباحة الصلاة ورفع الحدث، والصحيح الأول، فإذا توضأت المستحاضة استباحت الصلاةَ، وهل يقال: ارتفع حدثها؟ فيه أوجه لأصحابنا، الأصح أنه لا يرتفع شيء من حدثها، بل تستبيح الصلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث، كالمتيمم، فإنه محدث عندنا، والثاني: يرتفع حدثها السابق والمقارن للطهارة دون المستقبل، والثالث: يرتفع الماضي وحده.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الثاني أرجح؛ حيث إنها مثل المتيمّم، والمتيمّم يرتفع حدثه على الأرجح، كما حقّقته في "شرح النسائيّ"، وسيأتي هنا أيضًا في موضعه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
قال: (واعلم): أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلاة، ولا في وقت من الأوقات إلا مرةً واحدةً في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وهو قول عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد.
стр. 4489
ورُوي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رَباح أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، ورُوي هذا أيضًا عن عليّ، وابن عباس، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وعن ابن المسيب، والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائمًا، والله تعالى أعلم.
ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصحّ عن النبيّ ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي"، وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل، وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود، والبيهقيّ، وغيرهما أن النبيّ ﷺ أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابتٌ، وقد بَيّن البيهقيّ، ومَن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاريّ، ومسلم، في "صحيحيهما": أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت، فقال لها رسول الله ﷺ : "إنما ذلك عِرْق، فاغتسلي، ثم صلي"، فكانت تغتسل عند كل صلاة.
قال الشافعي ﵀: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا شك - إن شاء الله تعالى - أن غسلها كان تطوعًا غير ما أُمِرت به، وذلك واسع لها، هذا كلام الشافعي ﵀ بلفظه، وكذا قال شيخه سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وغيرهما، وعباراتهم متقاربة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ من تضعيف أحاديث أمره ﷺ لها بالاغتسال لكلّ صلاة، ليس مقبولًا، بل الحقّ أن الأحاديث صحيحة، كما حقّقت ذلك في شرح النسائيّ، وإنما وجه الأحاديث أن يُحمل الأمر فيها على الاستحباب، لا على الوجوب، بدليل أمره ﷺ لها بالوضوء عند كلّ صلاة، فإن هذا يصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب.
والحاصل أن المستحاضة، تغتسل عند كل صلاة استحبابًا، وإن اقتصرت على الوضوء أجزأها، وإن أردت تحقيق المسألة، فارجع إلى ما كتبته في
стр. 4490
"شرح النسائيّ" تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح)، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وإِسْنَادِه، وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَّا، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عُبيد الدّراورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
стр. 4491
٨ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) بن ثعلبة البزّار (١) المقرئ البغداديّ، ثقة، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (ن د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٩ - (حَمَّادُ بْنُ زيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
١٠ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في السند السابق، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إلخ)، أي كلّ هؤلاء الخمسة، وهم: عبد العزيز الدراورديّ، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن نُمير، وحماد بن زيد، فكلهم رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، بمثل حديث وكيع عنه، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ) أراد بهذا بيان مخالفة قتيبة، عن جرير في جدّ فاطمة، حيث قال: "ابن عبد المطّلب"، والباقون قالوا: "ابن المطّلب"، وهو الصواب، قال النوويّ ﵀: وقع في الأصول "ابن عبد المطلب"، واتَّفَقَ العلماء على أنه وَهَمٌ، والصواب فاطمة بنت أبي حُبيش بن المطلب، بحذف لفظة "عبد"، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
وقوله: (وَهِيَ امْرَأةٌ مِنَّا) معناه: أنها من بني أسد، والقائل هو هشام بن عروة، أو أبوه عروة بن الزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزّى، قاله النوويّ ﵀ (٣).
وقوله: (قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ زِيادَةُ حَرْفٍ) أراد بالحرف هنا الجملة، وهي قوله: "وتوضئي لكلّ صلاة".
وقوله: (تَرَكنَا ذِكْرَهُ) أشار بهذا أن زيادة حماد شاذّة؛ لكونه خالف بها
стр. 4492
جماعة الحفّاظ الذين رووا الحديث عن هشام بن عروة، وهم الأربعة الباقون، فكلهم لم يذكر هذه الزيادة، ولذلك تركها.
قال القاضي عياض ﵀: الحرف الذي تركه، هو قوله: "اغسلي عنك الدم، وتوضئي"، ذكر هذه الزيادة النسائيّ وغيره، وأسقطها مسلم؛ لأنها مما انفرد به حماد، قال النسائيّ: لا نعلم أحدًا قال: "وتوضئي" في الحديث غير حماد، يعني - والله أعلم - في حديث هشام، وقد رَوَى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية عديّ بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مَكِين، قال أبو داود: وكلها ضعيفة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة النسائيّ، بعد إخراج الحديث من طريق حماد بن زيد، عن هشام: ولا أعلم أحدًا ذَكَر في هذا الحديث: "وتوضئي" غير حماد بن زيد، وقد رَوَى غيرُ واحد عن هشام، ولم يذكر فيه: "وتوضئي". انتهى.
[تنبيه]: هذا الذي أشار إليه المصنّف، وصرّح به النسائيّ من تفرّد حماد بن زيد بزيادة قوله: "وتوضئي" فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم يتفرّد حماد بها، بل تابعه أربعة كلّهم رووه عن هشام بن عروة، بتلك الزيادة:
(الأول): أبو معاوية عن هشام، عند البخاريّ في "صحيحه"، قال بعد ذكر الحديث ما نصّه: قال - يعني هشامًا -: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
قال الحافظ ﵀: وادّعَى بعضهم أن هذا معلَّق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور عن محمد بن سلام، عن أبي معاوية، عن هشام، وقد بيَّنَ ذلك الترمذيّ في روايته.
وادّعى آخر أن قوله: "ثم توضئي" من كلام عروة، موقوفًا عليه، وفيه نظرٌ، لأنه لو كان كلامه موقوفًا لقال: "ثم تتوضّأ" بصيغة الإخبار، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: "فاغسلي" (٢).
(الثاني): حماد بن سلمة، فقد رواه الدارميّ من طريق حماد بن سلمة، عن هشام.
стр. 4493
(الثالث): يحيى بن سُليم، فقد رواه السرّاج من طريق يحيى بن سُليم، عن هشام بن عروة، قاله الحافظ أيضًا (١).
(الرابع): أبو حمزة السُّكّريّ، عن هشام، فقد رواه ابن حبّان من طريقه، في "صحيحه" (٢/ ٣٢٠) وفيه: "فاغتسلي، وتوضّئي لكلّ صلاة".
والحاصل أن زيادة أمر المستحاضة بالوضوء في حديث فاطمة من طريق هشام ثابتٌ عن حماد بن زيد، عند النسائيّ، وأشار إليه المصنّف هنا، وأبي معاوية عند البخاريّ، والترمذيّ، وحماد بن سلمة عند الدارميّ، ويحيى بن سُليم عند السّرّاج، وأبي حمزة السّكّري عند ابن حبّان.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن المستحاضة يجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لصحّة الأمر به في هذا الحديث، وأما الغسل فلا يجب عليها إلا مرّة عند انقضاء حيضها، وأما في كلّ وقت فمن باب الاستحباب، كما أسلفنا تحقيقه، فتنبه لهذه الفوائد المهمّة، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه آخر]: أما رواية أبي معاوية التي أحالها المصنّف على رواية وكيع، فقد أخرجها البخاريّ: في "صحيحه"، فقال:
(٢٢٨) حدثنا محمد - هو ابن سلام - قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، إنما ذلكِ عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي"، قال: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت". انتهى.
وأما رواية حماد بن زيد، فقد أخرجها النسائيّ: في "سننه"، فقال:
(٢١٧) أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربيّ، قال: حدثنا حماد - وهو ابن زيد - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: استُحِيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني أُستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله ﷺ : "إنما ذلكِ عرق، وليست بالحيضة،
стр. 4494
فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك أثر الدم، وتوضئي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة"، قيل له: فالغسل؟ قال: "ذلك لا يشك فيه أحد". انتهى.
وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ، وجرير بن عبد الحميد، فلم أجد من أخرجهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦١] (٣٣٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ (١)، رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي"، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُل صَلَاةٍ، قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرِ (٢) ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ، وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيهٌ، إمام [٧] (ت ١٧٥) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
والباقون تقدّموا قبله.
стр. 4495
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ أدائهما، فالأول قال: "حدّثنا ليث"، لأنه سمعه من لفظه مع غيره، والثاني قال: "أخبرنا الليث"؛ لكونه سمع قراءة من يقرأ عليه، وأيضًا اختلفا في إدخال "أل" على "ليث"، وهو جائز؛ للمح الأصل، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وقتيبة وإن كان بَغْلانيًّا، إلا أنه سكن مصر أيضًا.
٤ - (ومنها): مسلسلٌ بالفقهاء.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة، عن خالته عائشة ﵂.
٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵁ (أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ)، أي طلبت الْفَتْوى، ويقال: الْفُتْيا، وهو اسم مِن أفتى العالم: إذا بَيَّن الحكم (١). (أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ)، وفي نسخة: "ابنة جحش"، وهي أخت زينب أم المؤمنين، وهي مشهورة بكنيتها، وقد قيل: اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب، بغير هاء، قاله الواقديّ، وتبعه الحربيّ، ورجحه الدارقطنيّ، والمشهور في الروايات الصحيحة: "أم حبيبة" بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف، كما ثبت عند المصنّف من رواية عمرو بن الحارث الآتية.
стр. 4496
ووقع في "الموطأ" عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة: "أن زينب بنت جحش، التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، كانت تُستحاض … " الحديث، فقيل: هو وَهَمٌ، وقيل: بل صوابٌ، وأن اسمها زينب، وكنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها، أم المؤمنين زينب، فإنه لم يكن اسمها الأصليّ، وإنما كان اسمها بَرَّة، فغَيَّره النبيّ ﷺ .
وفي أسباب النزول للواحديّ أن تغيير اسمها كان بعد أن تزوجها النبيّ ﷺ ، فلعله ﷺ سماها باسم أختها؛ لكون أختها غلبت عليها الكنية، فأُمِن اللبس.
ولهما أخت أخرى، اسمها حَمْنة - بفتح المهملة، وسكون الميم، بعدها نون - وهي أيضًا إحدى المستحاضات، كما تقدم.
قال الحافظ ﵀: وتَعَسَّف بعض المالكية، فزعم أن اسم كلٍّ من بنات جحش زينب، قال: فأما أم المؤمنين، فاشتهرت باسمها، وأما أم حبيبة، فاشتهرت بكنيتها، وأما حمنة، فاشتهرت بلقبها، ولم يأتِ بدليل على دعواه بأن حمنة لقبٌ.
ولم ينفرد "الموطأ" بتسمية أم حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن ابن أبي ذئب حديث الباب، فقال: إن زينب بنت جحش. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله: "أم حبيبة"، فقد قال الدارقطنيّ: قال إبراهيم الحربيّ: الصحيح أنها أم حبيب، بلا هاء، واسمها حبيبة، قال الدارقطنيّ: قول الحربيّ صحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن، قال غيره: وقد رُوي عن عمرة، عن عائشة أن أم حبيب. وقال أبو عليّ الغسانيّ: الصحيح أن اسمها حبيبة، قال: وكذلك قاله الحميديّ، عن سفيان (٢).
وقال ابن الاثير: يقال لها: أم حبيبة، وقيل: أم حبيب، قال: والأول أكثر، وكانت مستحاضة، قال: وأهل السير يقولون: المستحاضة أختها حَمْنة
стр. 4497
بنت جحش، قال ابن عبد البر: الصحيح أنهما كانتا تستحاضان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي الجمع بين هذه الراويات، فأم حبيبة كنيتها، كما صحّ في مسلم، وتقدّم عن الحافظ أنه المشهور في الروايات، ويقال لها أيضًا: أم حبيب بلا هاء، واسمها زينب، كما صحّ عن مالك، وابن أبي ذئب، ويقال لها أيضًا حبيبة، كما صحّ في رواية الحميديّ عن سفيان.
وأما تغليط مالك في تسميتها بزينب، فلا وجه له؛ لأنه إمام متقن، على أنه لم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه ابن أبي ذئب، كما تقدّم آنفًا، وكذلك تغليط تكنيتها بأم حبيبة، لا وجه له؛ لصحّته في رواية مسلم، بل هو المشهور في الروايات، كما تقدّم، فتصحيح الدارقطنيّ، تبعًا لإبراهيم الحربيّ كون كنيتها أم حبيب بلا هاء، محلّ نظر، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال في "الفتح" عند شرح حديث عائشة ﵂: "أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت، وهي مستحاضة".
قوله: "بعض نسائه". قال ابن الجوزيّ ما عرفنا من أزواج النبيّ ﷺ مَن كانت مستحاضةً، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها: "من نسائه"، أي النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش.
قال الحافظ: يرد هذا التأويل قوله في الرواية الثانية: "امرأة من أزواجه"، وقد ذكرها الحميديّ عقب الرواية الأولى، فما أدري كيف غَفَل عنها ابن الجوزيّ؟، وفي الرواية الثالثة: "بعض أمهات المؤمنين"، ومن المستبعد أن تعتكف معه ﷺ امرأة غير زوجاته، وإن كان لها به تعلق.
وقد حَكَى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث، كُنّ مستحاضات: زينب أم المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي المشهورة منهنّ بذلك.
وذكر أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: "استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبيّ ﷺ : اغتسلي لكل صلاة"، وكذا وقع في "الموطأ" أن زينب بنت جحش استحيضت، وجزم ابن
стр. 4498
عبد البر بأنه خطأ؛ لأنه ذكر أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف إنما هي أم حبيبة أختها.
وقال شيخنا الإمام البلقينيّ: يُحْمَل على أن زينب بنت جحش استحيضت وقتًا، بخلاف أختها، فإن استحاضتها دامت.
قال الحافظ: وكذا يُحْمَل على ما سأذكره في حقّ سودة وأم سلمة، والله أعلم.
قال: وقرأت بخط مغلطاي في عَدّ المستحاضات في زمن النبيّ ﷺ قال: وسودة بنت زمعة، ذكرها العلاء بن المسيب، عن الحكم، عن أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين، فلعلها هي المذكورة.
قال الحافظ: وهو حديث ذكره أبو داود، من هذا الوجه تعليقًا، وذكر البيهقيّ أن ابن خزيمة أخرجه موصولًا، قال الحافظ: لكنه مرسلٌ؛ لأن أبا جعفر تابعيّ، ولم يذكر من حدثه به.
قال: وقرأت في "السنن" لسعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد هو الحذاء، عن عكرمة، أن امرأة من أزواج النبيّ ﷺ كانت معتكفةً، وهي مستحاضةٌ، قال: وحدثنا به خالد مرةً أخرى، عن عكرمة، أن أم سلمة، كانت عاكفةً، وهي مستحاضةٌ، وربما جَعَلت الطست تحتها، قال الحافظ: وهذا أولى ما فُسِّرت به هذه المرأة؛ لاتحاد المخرج.
وقد أرسله إسماعيل ابن علية، عن عكرمة، ووصله خالد الطحان، ويزيد بن زريع، وغيرهما، بذكر عائشة فيه، ورجح البخاريّ الموصول، فأخرجه، وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية هذا الحديث، كما أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أم سلمة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقوله: (رَسُولَ اللهِ ﷺ ) بالنصب على المفعوليّة لـ"استفتت" (فَقَالَتْ) هذا تفسير لمعنى "استفتت" (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمّ الهمزة، مضارع استُحيضت المرأة بالبناء للمفعول: إذا استمرّ بها الدم في غير أيام الحيض، (فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ)، أي دم عِرْق انفجر، بسبب ركضة الشيطان، (فَاغْتَسِلِي)، وفي
стр. 4499
رواية عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب الآتية: "إن هذه ليست بالحيضة، ولكنّ هذا عرق، فاغتسلي، وصلّي"، وفي رواية عراك، عن عروة الآتية: "امكُثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي"، (ثُمَّ صَلِّي") فيه وجوب الصلاة على المستحاضة، وهو مُجْمَعٌ عليه، كما تقدّم بيانه، (فَكَانَتْ) أم حبيبة (تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)، أي عند إرادة أداء كلّ صلاة (قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرِ)، وفي نسخة: "ولم يذكر" بالواو (ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ) معنى كلامه: أنَّ ابن شهاب في رواية الليث بن سعد عنه لم يذكر أمر النبيّ ﷺ لها بالاغتسال، بل إنما كانت تغتسل من عند نفسها، وقد اختُلف في هذا الاغتسال، هل هو من عندها، أو بأمر النبيّ ﷺ ؟ وسيأتي تحقيقه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
(وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَةَ) معنى كلامه أن في رواية شيخه محمد بن رُمح وقع قوله: "استفتت ابنة جحش"، بدل قول قتيبة: "استفتت أم حبيبة"، وهذا من احتياطات المصنّف ﵀، وشدّة تحرّيه في أداء ما سمع كما سمع، وإن لم يختلف المعنى؛ إذ لا اختلاف بين ابنة جحش، وأم حبيبة، وقد تقدّم له نظير هذا غير مرّة، ونبّهت عليه مرَارًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٣/ ٧٦١ و ٧٦٢ و ٧٦٣ و ٧٦٤ و ٧٦٥ و ٧٦٦] (٣٣٤)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٣٢٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٩٠)، و (النسائيّ) فيها (١/ ١١٧ و ١١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٦ و ١٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٣١ و ٣٤٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٩٩)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ١٧٣ - ١٧٤)،
стр. 4500
و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٣٠ و ٩٣١ و ٩٣٢ و ٩٣٣ و ٩٣٥ و ٩٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٤٩ و ٧٥٠ و ٧٥١ و ٧٥٢ و ٧٥٣ و ٧٥٤ و ٧٥٥)، والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في أمر النبيّ ﷺ أم حبيبة ﵂ بالاغتسال لكلّ صلاة:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقد ذكر المصنّف عن الليث بن سعد أنه شيء فعلته هي، وقال النووي في "شرح المهذّب": لم يصحّ عن النبيّ ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرّة واحدة عند انقطاع الحيض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يصحّ إلخ فيه نظر، بل صحّ وثبت من حديث الزهريّ، من رواية سليمان بن كثير، وابن إسحاق، عنه، ومن رواية ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، ومن رواية يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، كما سيأتي بيانه قريبًا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر النوويّ عن الشافعيّ أنه قال: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشكّ أن غسلها كان تطوّعًا غير ما أُمرت به، وذلك واسع لها. انتهى (١).
وممن تصدّى لتضعيف رواية الأمر بالغسل لكل صلاة البيهقيّ في "سننه"، لكن ردّ عليه العلّامة المحقّق ابن التركمانيّ، فأجاد، وأفاد، ودونك حوارهما: أخرج البيهقيّ ﵀ بسنده عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة، أن أم حبيبة استُحيضت، فذكرت للنبيّ ﷺ ذلك، فقال: "إنها ليست بحيضة، ولكنها رَكْضة من الرحم، فلتنظر قدر أقرائها التي كانت تحيض، فتترك الصلاة، ثم تغتسل عند كل صلاة، وتصلي".
قال البيهقيّ: قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ.
стр. 4501
فردّ ذلك ابن التركمانيّ ﵀ بقوله: إن أراد غير محفوظ عنه، فليس كذلك، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق ابن أبي حازم عنه، وأخرجه النسائيّ من طريق بكر بن مضر عنه، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق عبد العزيز الدّرَاوَرْديّ عنه، فهؤلاء ثلاثة رووه عنه.
وإن أراد أنه غير محفوظ منه، فليس كذلك أيضًا؛ لأن ابن الهاد من الثقات المحتجّ بهم في "الصحيح".
ثم أسند البيهقيّ من طريق أبي داود بسنده عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش: "استحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة"، ثم قال البيهقيّ: رواية ابن إسحاق عن الزهريّ غلط؛ لمخالفتها سائر الرواة عن الزهريّ.
فردّه ابن التركمانيّ بقوله: المخالفة على وجهين: مخالفة ترك، ومخالفة تعارض وتناقض، فإن أراد مخالفة الترك والتناقض، فلا تناقض في ذلك، وإن أراد مخالفة التعارض فليس كذلك؛ إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبيّ ﷺ لها بالغسل عند كلّ صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، وقد تابع ابن إسحاق سليمانُ بن كثير، كما ذكره البيهقيّ قريبًا، وخبر ابن الهاد المتقدّم شاهد لذلك.
ثم قال البيهقيّ: وكيف يكون الأمر بالغسل عند كلّ صلاة ثابتًا من حديث عروة؟ وقد أخبرنا أبو أحمد، فذكر بسنده عن عروة قال: ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غُسلًا واحدًا، ثم تتوضّأ بعد ذلك للصلاة، وأسند عن عائشة نحوه.
قال ابن التركمانيّ: كأنه ضعّف الأمر بالغسل لكلّ صلاة بمخالفة فتوى عروة وعائشة له، وقد عُرف من مذهب المحدّثين أن العبرة لما رَوَى الراوي، لا لرأيه.
ثم ذكر البيهقيّ من طريق الحسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي مسلم، أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأةً كانت تُهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها النبيّ ﷺ أن تغتسل عند كلّ صلاة، ثم قال: خالفه هشام الدستوائيّ، فأرسله، ثم ذكر من جهة هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أم حبيبة سألت … إلخ.
стр. 4502
قال ابن التركمانيّ: في تسمية هذا مرسلًا نظر، وعلى تقدير تسليمه قد عُرف ما في الإرسال مع زيادة الثقة للإسناد … إلى آخر كلامهما رحمهما الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: الإرسال الذي ذكره البيهقيّ في روايته فقط، وسيأتي في رواية ابن حزم أنه قال: "عن أم حبيبة"، فرواه بـ "عن"، فثبت اتّصاله، فظهر بهذا أن حديث الأمر بالغسل صحيح، وأن العلل التي ذكروها غير مقبولة على قواعد المحدّثين، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
ولقد أجاد الإمام الناقد أبو محمد بن حزم في سوق الأحاديث في كتابه "الْمُحَلَّى" حيث قال: حدثنا حُمَام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا علان، ثنا محمد بن بشار، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، هو ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أم حبيبة بنت جحش، أنها كانت تُهَراق الدم، وأنها سألت رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تغتسل لكل صلاة.
وبه إلى ابن أيمن: ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث بن سعيد التَّنُّوريّ، عن الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة المخزوميّ: "أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وتصلي".
قال: زينب هذه ربيبة رسول الله ﷺ نشأت في حجره ﵇، ولها صحبة (١).
وبه إلى ابن أيمن: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن أم حبيبة بنت جحش، "أنها استُحيضت، فأمرها رسول الله ﷺ بالغسل عند كل صلاة".
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا ابن السليم، ثنا ابن الأعرابي، ثنا أبو داود،
стр. 4503
ثنا هناد بن السريّ، عن عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش استُحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة".
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك الخولانيّ، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد بن إسماعيل، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عُميس، قالت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استُحيضت، فقال رسول الله ﷺ : "لتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا، وتتوضأ فيما بين ذلك".
قال ابن حزم: فهذه آثار في غاية الصحة، رواها عن رسول الله ﷺ أربع صواحب: عائشة أم المؤمنين، وزينب بنت أم سلمة (١)، وأسماء بنت عُميس، وأم حبيبة بنت جحش، ورواها عن كلّ واحدة، من عائشة، وأم حبيبة عروة، وأبو سلمة، ورواه أبو سلمة عن زينب بنت أم سلمة، ورواه عروة عن أسماء. انتهى كلام ابن حزم باختصار (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في رواية البيهقيّ أنه ثابت أيضًا من رواية ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، وقد أجاد البحث في هذا الشيخ الألباني ﵀ في "صحيح أبي داود"، فراجعه (٣).
والحاصل أن الحديث في أمر النبيّ ﷺ بغسل المستحاضة لكلّ صلاة ثابت، فوجب القول به، وأما تغليط الحفّاظ كما ادّعاه البيهقيّ، وغيره، أو دعوى النسخ كما ادّعاه الطحاويّ، فغير صحيح، بل الأولى والأحسن الجمع بين الأحاديث بحمل الأمر على الندب كما هو رأي الجمهور، والصارف له عن الوجوب صحة أمره ﷺ لها بالوضوء لكلّ صلاة، وقد أشبعت البحث في المستحاضة في "شرح النسائيّ" (٤)، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى
стр. 4504
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزبَيْر، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ (١)، استُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَة، وَلَكِنَّ (٢) هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، وَصَلِّي"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ، فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا، زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ هِنْدًا، لَوْ سَمِعَتْ بِهَذِهِ الْفُتْيَا، وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّ، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في "المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
والباقون تقدّموا قبله.
стр. 4505
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في هذه الرواية، عن عروة بن الزبير، وعمرة، وهو الصواب، وكذلك رواه ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن عروة، وعمرة، وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عروة، وعمرة، كما رواه الزهريّ، وخالفهما الأوزاعيّ، فرواه عن الزهريّ، عن عروة، عن عمرة بـ "عن"، جَعَلَ عروة راويًا عن عمرة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال الجامع عفا الله عنه: وهكذا وقع عند البخاريّ في "صحيحه" من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، ولفظه: "عن عروة، وعن عمرة" بإعادة الجارّ، قال في "الفتح": يعني كلاهما عن عائشة، كذا للأكثر، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بحذف الواو، فصار من رواية عروة عن عمرة، وكذا ذكر الإسماعيليّ أن أحمد بن الحسن الصوفي حدثهم به، عن خَلَف بن سالم، عن مَعْن، والمحفوظ إثبات الواو، وأن الزهريّ رواه عن شيخين: عروة وعمرة، كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وغيره من طُرُق، عن ابن أبي ذئب، وكذا أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، وأبو داود من طريق الأوزاعيّ، كلاهما عن الزهريّ عنهما، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق الليث، عن الزهريّ، عن عروة وحده - يعني الرواية الماضية - ومسلم أيضًا من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود من طريق يونس، كلاهما عن الزهريّ عن عمرة
стр. 4506
وحدها - يعني الرواية التالية - قال الدارقطنيّ: هو صحيح من رواية الزهريّ، عن عروة وعمرة جميعًا. انتهى (١).
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) مجرورٌ على البدليّة، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ، أي هي، أو النصب، بتقدير فعل، أي أعني (أَنَّ أمّ حَبِيبَةَ) تقدّم الخلاف في اسمها، وكنيتها في شرح الحديث الماضي (بِنْتَ جَحْشٍ) بفتح الجيم، وسكون الحاء المهملة، آخره شين معجمة (خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) بنصب "خَتَنَة" على البدليّة، وهو: بفتح الخاء المعجمة، والتاء المثنّاة من فوقُ - ومعناه: قريبة زوج النبيّ ﷺ ؛ لأنها أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂.
قال الفيّوميّ ﵀: "الْخَتَنُ " بفتحتين عند العرب كلُّ من كان من قِبَل المرأة، كالأب، والأخ، والجمع أَخْتان، وخَتَنُ الرجل عند العامّة: زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الْخَتَنُ: أبو المرأة، والْخَتَنَة: أمها، فالأَخْتان من قِبَل المرأة، والأَحْماءُ من قِبَل الرجل، والأَصهارُ يعمّهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة، يقال: خاتنهم: إذا صاهرهم. انتهى (٢).
(وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ)، وفي نسخة: "وكانت تحت
عبد الرحمن بن عوف"، والمراد أنها زوجته، قال النوويّ ﵀: عَرَّفها بشيئين: أحدهما: كونها أخت أم المؤمنين، زينب بنت جَحْش، زوج النبيّ ﷺ ، والثاني: كونها زوجة عبد الرحمن. انتهى.
(اسْتُحِيضَتْ) بالبناء للمفعول (سَبْعَ سِنِينَ) قال في "الفتح": قيل: فيه حجة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاء الصلاة إذا تركتها ظانّةً أن ذلك حيضٌ؛ لأنه ﷺ لم يأمرها بالإعادة، مع طول المدّة، ويحتمل أن يكون المراد بقولها: "سبع سنين" بيان مدّة استحاضتها، مع قطع النظر، هل كانت المدّة كلها قبل السؤال، أو لا؟ فلا يكون فيه حجة لما ذُكِر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن القاسم في هذا عندي هو الحقّ، وهو
стр. 4507
الذي مشى عليه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، وقد ذكرت تحقيقه في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ)، أي في شأن الاستحاضة، فقالت: إني أُستحاض، أفأدع الصلاة؟، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ)، أي الحالة التي أصابتك من استمرار الدم في غير أيام العادة (لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ) تقدّم ضبطه بالفتح، والكسر (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وفي نسخة بتخفيفها (هَذَا) إنما ذكّره هنا، مع أنه أنّثه في السابق؛ نظرًا للخبر، وهو قوله: (عِرْقٌ)، أي دم عرق انفجر (فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي")، أي إذا مضى قدر أيام الحيض، فاغتسلي، وصلّي الصلاة، وفي الرواية الآتية من طريق عراك، عن عروة ﵀: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي"، قال النوويّ ﵀: في هذين اللفظين دليلٌ على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض، وإن كان الدم جاريًا، وهذا مُجمع عليه، وقد قدّمنا بيانه. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولكن هذا عِرْقٌ، فاغتسلي" قد يَتمسّك به من يوجب الغسل على المستحاضة من حيث أمرها بالغسل، وعلّله بكونه دمَ عِرْق، وهذا لا حجة فيه؛ لما بُيِّن في الرواية الأخرى أن هذا الغسل إنما هو للحيضة، فإنه قال فيها: "امكُثي قدر ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثم اغتسلي". انتهى (٢).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵁: (فَكَانَتْ)، أي أم حبيبة (تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ) بكسر الميم، وفتح الكاف، وهو الإجّانة التي تُغسل فيها الثياب، قاله النوويّ، وفي "القاموس": "الْمِرْكن": بكسر الميم، كمِنْبَر: إناء معروف. انتهى. و"الإِجّانة": بكسر الهمزة، وتشديد الجيم: إناء تُغسل فيه الثياب، والجمع أَجَاجين، والإِنْجانة لغةٌ تمتنع الفُصحاء من استعمالها، أفاده الفيّوميّ (٣).
(فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا) متعلّق بـ "تغتسل"، و"الْحُجْرة" بضمّ، فسكون، وزانُ غُرْفة: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، كغُرَفٍ وغُرُفَات (زْينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ)
стр. 4508
بجرّ "زَينب" بالفتحة؛ لكونه غير منصرف؛ للعلميّة والتأنيث، بدل من "أُختها" (حَتَّى تَعْلُوَ)، أي تغلب (حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ) المراد أنها كانت تجلس في الْمِركن، ثم تصُبّ عليها الماء من غيرها، فيستنقع الماء فيها، فتعلو حمرة الدم السائل منها الماء؛ لكثرتها، ثم تخرح منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك الماء المتغيّر بالدم، أفاده القرطبيّ ﵀ (١).
وزاد في رواية النسائيّ من طريق النعمان بن المنذر، والأوزاعيّ، وحفص بن غَيْلان، كلهم عن الزهريّ: "وتخرُج، فتصلي مع رسول الله ﷺ ، فما يمنعها ذلك من الصلاة".
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) ﵀ (فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ)، أي بهذا الحديث الذي حدّثه به عروة، عن عائشة ﵂ (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة، فقيهٌ، عابد من [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك، وتقدّم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
(فَقَالَ) أبو بكر لَمّا سمع هذا (يَرْحَمُ اللهُ هِنْدًا) كتب في هامش نسخة محمد ذهني ﵀ (٢) وهو من المحققين ما نصّه: لقوله: "يرحم الله هندًا" لم يَذكُر من هي؟، فلم يُدْرَ أقريبته، أم حليلته؟ وفي آخر "الإصابة" لابن حجر: "هند" غير منسوبة وقع ذكرها في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عند مسلم إلى آخر ما هنا بعينه، ولم يزد عليه شيئًا. انتهى (٣). (لَوْ سَمِعَتْ بِهَذهِ الْفُتْيَا) بضمّ الفاء، وسكون التاء الفوقيّة، مقصورًا، ويقال له: الفُتْوَى، ويُجمع على الفتاوي - بكسر الواو - على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف، قاله في "المصباح"، وفي "القاموس": "الْفُتْيَا، والْفُتْوَى - يعني بضم الفاء - وتُفتح - يعني الأخيرةَ -: ما أفتى به الفقيه. انتهى (٤).
(وَاللهِ إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، ولذا وقعت اللام الفارقة بعدها، أي إنها (كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي)، أي لاستمرار الدم بها، وظنّها أنه
стр. 4509
كالحيض يمنع الصلاة، مع أن حكمه مخالف له، كما بيّنه النبيّ ﷺ لأم حبيبة، وغيرها من النساء، حين قالت: "أفأدع الصلاة؟ قال: لا … " الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ، أَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتِ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، إِلَى قَوْلِهِ: تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ) الوَرَكَانيّ - بفتحتين - الخراسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٥.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إلخ) يعني أن حديث إبراهيم بن سعد مثل حديث عمرو بن الحارث، إلا أنه انتهى إلى قوله: (تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
وقولها: (تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ) معناه: أنها كانت تغتسل في الْمِرْكَن، فتجلس فيه، وتصبّ عليها الماء، فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، فيَحْمرّ
стр. 4510
الماء، ثم إنه لا بدّ أنها كانت تتنظّف بعد ذلك عن تلك الغسالة المتغيّرة، قاله النوويّ ﵀ (١).
[تنبيه]: رواية إبراهيم بن سعد هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (١/ ٣٨١)، فقال:
(٧٥١) حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمد بن جعفر الْوَرَكَانيّ، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله ﷺ ، وكانت استُحِيضت سبع سنين، فاشتكت ذلك إليه، واستفتته فيه، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا ليس بحيضة، ولكنه عِرْق، فاغتسلي، ثم صلي"، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، فكانت تجلس في الْمِرْكن (٢)، فيعلو الدم الماء، ثم تصلي. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَمْرَةَ (٣)، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
стр. 4511
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (عَنْ عَمْرَةَ (١)، عَنْ عَائِشَةَ). قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول، وكذا نقله القاضي عياض ﵀ عن جميع رُواة مسلم، إلا السمرقنديّ، فإنه جَعَل عروة مكان عمرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن رواية السمرقنديّ خطأ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ). قال القاضي عياض رحم الله في الرواية: إنه وقع في نسخة أبي العباس الرازيّ: "أن زينب بنت جحش"، قال القاضي: اختَلَف أصحاب "الموطأ" في هذا عن مالك، وأكثرهم يقولون: "زينب بنت جحش"، وكثير من الرواة يقولون: "عن ابنة جحش"، وهذا هو الصواب، ويُبَيِّنُ الوهمَ فيه قولُهُ: "وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف"، وزينب هي أم المؤمنين، ولم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قطّ، إنما تزوجها أوّلًا زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله ﷺ ، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أمُّ حبيبة أختها، وقد جاء مُفَسَّرًا على الصواب في قوله: "خَتَنَة رسول الله ﷺ ، وتحت عبد الرحمن بن عوف"، وفي قوله: "كانت تغتسل في بيت أختها زينب".
قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: قيل: إن بنات جحش الثلاث: زينب، وأم حبيبة، وحَمْنة، زوج طلحة بن عبيد الله، كُنّ يُسْتَحَضْنَ كلُّهنّ، وقيل: إنه لم يستحض منهنّ إلا أم حبيبة.
وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه "الْمُوعِب" في شرح "الموطأ" مثل هذا، وذكر أن كل واحدة منهنّ اسْمُها زينب، ولُقِّبَت إحداهنّ حَمْنة، وكُنِيت الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هذا هكذا، فقد سَلِمَ مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب.
стр. 4512
وقد ذكر البخاريّ من حديث عائشة ﵂ أن امرأة من أزواجه ﷺ ، وفي رواية: "إن بعض أمهات المؤمنين"، وفي أخرى: "إن النبيّ ﷺ اعتَكَفَت معه بعضُ نسائه، وهي مستحاضة". انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١).
وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: هكذا رُوي "أن ابنة جحش"، وفي بعض النسخ عن أبي العبّاس الرازيّ: "أن زينب بنت جحش كانت تُستحاض"، وهو وَهَمٌ، والمستحاضة ليست زينب، وإنما هي أم حبيبة بنت جحش، وزعم قوم أن اسمها حبيبة، وتُكنى أم حبيبة، ثم أخرج بسنده عن محمد بن المثنّى، عن سفيان، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت جحش، كانت تُستحاض، وكذلك قال الْحُميديّ، عن سُفيان، وهو الصحيح.
ثم أخرج بسنده، عن الحميديّ، عن سفيان، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت جحش استُحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ … الحديث.
قال: وحَكَى أبو الحسن الدارقطنيّ، عن أبي إسحاق الحربي، أنه قال: الصحيح قول من قال في الحديث: "أن أم حبيب" بلا هاء، واسمها حبيبة.
قال أبو الحسن الدارقطنيّ: قول إبراهيم صحيحٌ، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من كلام هؤلاء الأئمة - رحمهم الله تعالى - أن رواية من روى "زينب بنت جحش" غلطٌ، والصواب ما وقع في أكثر الأصول "ابنة جحش"، وهي حبيبة أخت زينب أم المؤمنين ﵄، وتُكنى أم حبيب بلا هاء، كما قاله الحربيّ، وصححه الدارقطنيّ، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن سفيان بن عيينة حدث عن الزهريّ نحو حديث الثلاثة المتقدّمين، وهم: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وإبراهيم بن سعد عن الزهريّ.
стр. 4513
[تنبيه]: رواية سفيان هذه أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٢٢) فقال:
(٩٣٦) - حدثنا إبراهيم الحربيّ، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ عن عمرة، عن عائشة، أن ابنة جحش، استُحِيضت، فكانت تمكث سبع سنين، وتجلس في الْمِرْكَن، فيعلوه الدم، فأتت النبيّ ﷺ ، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل، وتصلي، تقول: ثم يأمرها أن تغتسل لكل صلاة. انتهى.
وأخرجها أيضًا أبو نعيم في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (١/ ٣٨١) فقال:
(٧٥٢) - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، وحدثنا فاروق، ثنا أبو مسلم، ثنا القعنبيّ قالا: ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، عن عمرة، قالت: عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش، استُحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله ﷺ ، فقال: "إنما ذاكِ عرق، وليس بالحيضة"، فأمرها أن تغتسل، وتصلي، كانت تغتسل لكل صلاة، وتجلس في مِرْكن، فيعلو الدم الماء. لفظ الحميديّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِن أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّمِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ (٢) دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أمْكُثي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي").
стр. 4514
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) أبو رجاء المصريّ، واسم أبيه سُويد، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٨) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (جَعْفَر) بن ربيعة بن شُرَحبيل بن حسَنَةَ الْكِنْديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٣ - (عِرَاك) بن مالك الْغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أحاديث.
وقولها: (مَلْآنَ دَمًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول ببلادنا، وذكر القاضي عياض: أنه رُوي أيضًا "ملآى"، وكلاهما صحيح، الأول على لفظ "المركن"، وهو مذكّر، والثاني على معناه، وهو "الإجّانة"، وهي مؤنّثةٌ.
ثم ظاهر العبارة يقتضي أنه كان مملوءًا دمًا خالصًا، وليس كذلك، بل الصواب أنه كان مملوءًا بالماء الأحمر المشبه للدم، أي ماءًا كالدم، ففي الكلام استعارة تصريحيّة أصليّة، أفاده بعض الشرّاح (١).
وقوله: ("امْكُثِي) بضمّ الكاف، مضارع مكُث، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، من باب نصر: إذا أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قَرِيبٌ لغةٌ فيه، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ، أفاده الفيّوميّ (٢).
وقوله: (قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي") معناه: انتظري بلا صلاة، ونحوها مما تُمْنَع منه الحائض عدد الأيام التي كانت تمنعك حيضتك فيها عنه، ثم اغتسلي، وافعلي جميع ما كنت ممنوعةً منه أيام الحيض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4515
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال.:
[٧٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْن مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) الدَّمَ، فَقَالَ لَهَا: "امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي"، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ) هو: موسى بن قُريش بن نافع التميميّ البخاريّ، مقبول [١١].
رَوَى عن إسحاق بن بكر بن مضر، ويحيى بن صالح الْوُحاظيّ، ورَوَى عنه مسلم بن الحجاج، قال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: كانت رحلة محمد بن إسماعيل، وسفيان بن عبد الحكم، وموسى بن قُريش في آخر سنة عشر ومائتين. انتهى.
وتوفي موسى قبل محمد بن إسماعيل بمدة، أرَّخه القراب في سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و (٢٠٥١) حديث: "نعم الأُدُمُ، أو الإدام الخلّ"، و (٢٨٠٣) حديث: "إن القمر انشقّ على زمان رسول الله ﷺ ".
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم بن سلمان، أبو يعقوب المصريّ، صدوقٌ فقيهٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وعنه الربيع الْجِيزيّ، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد الله بن عبد الحكم، وموسى بن قريش، وأبو حاتم الرازي، وقال: لا بأس به، كان
стр. 4516
عنده دُرْجٌ عن أبيه، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وكان يجلس في حلقة الليث، ويفتي بقوله، وكان ثقةً، تُوُفِّي سنة (٢١٨)، وذكر يحيى بن عثمان بن صالح أن مولده سنة (١٤٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و (٢٨٠٣) حديث: "إن القمر انشقّ على زمان رسول الله ﷺ ".
٣ - (أَبُوهُ) بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) تقدّم اختلاف العلماء، هل هذا الغسل من عند نفسها، أم بأمر النبيّ ﷺ ؟ والجمهور على الأول، لكن الأرجح أنه بأمره ﷺ ، كما حقّقناه فيما سبق، فتنبّه، وبقيّة شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٤) - (بَابُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٦٧] (٣٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْك، عَنْ مُعَاذَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا، تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
стр. 4517
٢ - (حَمَّاد) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) (١) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٥ - (يَزِيدُ الرِّشْكُ) - بكسر الراء، وسكون المعجمة - هو: ابن أبي يزيد الضُّبَعيّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة - مولاهم، أبو الأزهر البصريّ الذّارع المعروف بالرِّشْك، ثقة عابدٌ [٦].
رَوَى عن خالد الأَبَحِّ، وعبد الله بن أنس، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي الْمَلِيح الْهُذَليّ، ومعاذة العدوية.
ورَوَى عنه شعبة، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وأبو قُدَامة، وأبان العطار، وسَلِيم بن حَيَّان، وابن علية.
قال أبو طالب، عن أحمد: صالح الحديث، رَوَى عنه شعبة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، والرِّشْك هو الْقَسَّام، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: صالحٌ صالحٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان غَيُورًا، فسُمِّي بالفارسية أرشك، فقيل: الرِّشْك، ويقال: الْقَسَّام؛ لأنه مَسَحَ مكة قبل أيام الموسم، فبلغ كذا وكذا، ومسح أيام الموسم، فزاد كذا وكذا، وقال سعيد بن عامر، عن المثنى بن سعيد: بَعَثَ الحجاج يزيد الرشك إلى البصرة، فوجد طولها فرسخين، وعرضها خمسة دوانق، وقال ابن الجوزيّ: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية.
وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال ابن شاهين: ضعفه ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين قال: كان ابن عُلَيَّة يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم.
ورُوي عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ: قال: كنت أسمع بكاء يزيد الرِّشك، وهو يومئذ ابن مائة سنة.
стр. 4518
قال ابن حبّان، وابن منجويه: مات سنة ثلاثين ومائة بالبصرة، وفيها أرّخه خليفة، وابن سعد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٥) وأعاده بعده، و (٧١٩): "كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى … "، و (١١٦٠): "لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم"، و (٢٦٤٩): "كلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له".
٦ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعدويّة، أم الصَّهْباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الحيض" ٩/ ٧٣٨.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين ﵂، ماتت (٥٧) على الأصحّ (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة للإسناد الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فقوله: "وحدّثنا حماد" عطف على قوله: "حدثنا حماد" الأول، فقائل: "حدّثنا" هو أبو الربيع، شيخ المصنّف، فله فيه إسنادان: أحدهما: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، عن عائشة ﵂، والثانى: حماد، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، عن عائشة ﵂، فالثاني أعلى بدرجة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، فكلّهم بصريّون سوى عائشة ﵂.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، ورواية أبي قلابة، عن معاذة، من رواية الأقران؛ إذ هما من الطبقة الثالثة.
٦ - (ومنها): أن فيه يزيد الرِّشْك - بكسر الراء، وإسكان الشين المعجمة - واختَلَف العلماء في سبب تلقيبه بالرشك، فقيل: معناه بالفارسية: القاسم،
стр. 4519
وقيل: الغيور، وقيل: كثير اللحية، وقيل: الرشك بالفارسية اسم للعقرب، فقيل ليزيد: الرشك؛ لأن العقرب دخلت في لحيته، فمكثت فيها ثلاثة أيام، وهو لا يدري بها؛ لأن لحيته كانت طويلةً عظيمةً جدًّا، حَكَى هذه الأقوال صاحب "المطالع" وغيره، وحَكاها أبو عليّ الغسانيّ، وذكر هذا القول الأخير بإسناده، ذكره النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدوية، البصريّة، معدودة في فقهاء التابعين (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ) ﵂، السائلة المبهمة هي معاذة نفسها، كما بيّنته رواية يزيد، قال: "سمعت معاذة أنها سألت عائشة"، ورواية عاصم، عن معاذة، قالت: "سألت عائشة"، وقوله: (فَقَالَتْ) تفسير وتوضيح لمعنى سؤالها (أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟) أي حيضها، فـ "المحيض" مصدر ميميّ لـ"حاض"، والظرف لا يتعلّق بـ "تقضي"؛ لأن الصلاة لا تُقضى في أيام المحيض، وإنما هو متعلّق بحال مقدّر من "الصلاة"، أي حال كونها واجبةً أيام محيضها، أو متعلّق بصفة لـ "الصلاة"، بناء على جعل المعرّف بلام الجنسيّة في معنى النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قَلْتُ لَا يَعْنِينِي
فجملة "يسبّني" تحتمل الوجهين.
وفي رواية عاصم: "ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ ".
وفي رواية البخاريّ: "أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهرت؟ "، وهو بفتح أول "تَجْزي": أي تقضي، و"صلاتَها" بالنصب مفعوله، ويُروى "أتُجزئ" بضمّ أوله، وهمز آخره: أي أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة، وهي طاهرةٌ، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض؟ فـ "صلاتُها" على هذا بالرفع على الفاعليّة، قال الحافظ: والأوّل أشهر، يعني رواية "تَجزي" بالفتح.
стр. 4520
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ منكرةً لسؤالها عما لا ينبغي السؤال عنه؛ لوضوح حكمه لدى النساء منذ عهد رسول الله ﷺ (أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و"حروريّةٌ" خبر مقدَّم، و"أنتِ" مبتدأ مؤخّرٌ، وفائدة تقدُّم الخبر الدلالة على الحصر، أي أحرورية أنت لا غير؟ (١).
قال النوويّ ﵀: "الْحُروريّة" - بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى، وهي نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة، قال السمعانيّ: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به، وقال الهرويّ: تعاقدوا في هذه القرية، فنُسبوا إليها، فمعنى قول عائشة ﵂ أنّ طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة، هو استفهام إنكار، أي هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": "الحروريّ" منسوب إلى حروراء بفتح الحاء، وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راء أيضًا: بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمدّ، قال المبرد: النسبة إليها حروراويّ، وكذا كلُّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل: الحروريّ بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروريّ؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على عليّ ﵁ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دلّ عليه القرآن، ورَدّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار. انتهى (٣).
وقال العينيّ ﵀: وكبار فِرَق الحرورية ستة: الأزارقة، والصفرية، والنجدات، والعَجَاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على علي ﵁، ويجمعهم القول بالتَّبَرِّي من عثمان وعلي ﵁، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يُصححون المناكحات إلا على ذلك.