← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

عنده دُرْجٌ عن أبيه، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وكان يجلس في حلقة الليث، ويفتي بقوله، وكان ثقةً، تُوُفِّي سنة (٢١٨)، وذكر يحيى بن عثمان بن صالح أن مولده سنة (١٤٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٤)، و (٢٨٠٣) حديث: "إن القمر انشقّ على زمان رسول الله ﷺ ". ٣ - (أَبُوهُ) بكر بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) تقدّم اختلاف العلماء، هل هذا الغسل من عند نفسها، أم بأمر النبيّ ﷺ ؟ والجمهور على الأول، لكن الأرجح أنه بأمره ﷺ ، كما حقّقناه فيما سبق، فتنبّه، وبقيّة شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٧] (٣٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْك، عَنْ مُعَاذَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا، تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.

стр. 4517

٢ - (حَمَّاد) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) (١) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٥ - (يَزِيدُ الرِّشْكُ) - بكسر الراء، وسكون المعجمة - هو: ابن أبي يزيد الضُّبَعيّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها عين مهملة - مولاهم، أبو الأزهر البصريّ الذّارع المعروف بالرِّشْك، ثقة عابدٌ [٦]. رَوَى عن خالد الأَبَحِّ، وعبد الله بن أنس، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي الْمَلِيح الْهُذَليّ، ومعاذة العدوية. ورَوَى عنه شعبة، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وأبو قُدَامة، وأبان العطار، وسَلِيم بن حَيَّان، وابن علية. قال أبو طالب، عن أحمد: صالح الحديث، رَوَى عنه شعبة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، والرِّشْك هو الْقَسَّام، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: صالحٌ صالحٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان غَيُورًا، فسُمِّي بالفارسية أرشك، فقيل: الرِّشْك، ويقال: الْقَسَّام؛ لأنه مَسَحَ مكة قبل أيام الموسم، فبلغ كذا وكذا، ومسح أيام الموسم، فزاد كذا وكذا، وقال سعيد بن عامر، عن المثنى بن سعيد: بَعَثَ الحجاج يزيد الرشك إلى البصرة، فوجد طولها فرسخين، وعرضها خمسة دوانق، وقال ابن الجوزيّ: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وقال ابن شاهين: ضعفه ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين قال: كان ابن عُلَيَّة يضعفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. ورُوي عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ: قال: كنت أسمع بكاء يزيد الرِّشك، وهو يومئذ ابن مائة سنة.

стр. 4518

قال ابن حبّان، وابن منجويه: مات سنة ثلاثين ومائة بالبصرة، وفيها أرّخه خليفة، وابن سعد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٥) وأعاده بعده، و (٧١٩): "كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى … "، و (١١٦٠): "لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم"، و (٢٦٤٩): "كلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له". ٦ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعدويّة، أم الصَّهْباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الحيض" ٩/ ٧٣٨. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق، أم المؤمنين ﵂، ماتت (٥٧) على الأصحّ (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة للإسناد الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فقوله: "وحدّثنا حماد" عطف على قوله: "حدثنا حماد" الأول، فقائل: "حدّثنا" هو أبو الربيع، شيخ المصنّف، فله فيه إسنادان: أحدهما: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، عن عائشة ﵂، والثانى: حماد، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، عن عائشة ﵂، فالثاني أعلى بدرجة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، فكلّهم بصريّون سوى عائشة ﵂. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، ورواية أبي قلابة، عن معاذة، من رواية الأقران؛ إذ هما من الطبقة الثالثة. ٦ - (ومنها): أن فيه يزيد الرِّشْك - بكسر الراء، وإسكان الشين المعجمة - واختَلَف العلماء في سبب تلقيبه بالرشك، فقيل: معناه بالفارسية: القاسم،

стр. 4519

وقيل: الغيور، وقيل: كثير اللحية، وقيل: الرشك بالفارسية اسم للعقرب، فقيل ليزيد: الرشك؛ لأن العقرب دخلت في لحيته، فمكثت فيها ثلاثة أيام، وهو لا يدري بها؛ لأن لحيته كانت طويلةً عظيمةً جدًّا، حَكَى هذه الأقوال صاحب "المطالع" وغيره، وحَكاها أبو عليّ الغسانيّ، وذكر هذا القول الأخير بإسناده، ذكره النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدوية، البصريّة، معدودة في فقهاء التابعين (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ) ﵂، السائلة المبهمة هي معاذة نفسها، كما بيّنته رواية يزيد، قال: "سمعت معاذة أنها سألت عائشة"، ورواية عاصم، عن معاذة، قالت: "سألت عائشة"، وقوله: (فَقَالَتْ) تفسير وتوضيح لمعنى سؤالها (أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟) أي حيضها، فـ "المحيض" مصدر ميميّ لـ"حاض"، والظرف لا يتعلّق بـ "تقضي"؛ لأن الصلاة لا تُقضى في أيام المحيض، وإنما هو متعلّق بحال مقدّر من "الصلاة"، أي حال كونها واجبةً أيام محيضها، أو متعلّق بصفة لـ "الصلاة"، بناء على جعل المعرّف بلام الجنسيّة في معنى النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قَلْتُ لَا يَعْنِينِي فجملة "يسبّني" تحتمل الوجهين. وفي رواية عاصم: "ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ ". وفي رواية البخاريّ: "أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهرت؟ "، وهو بفتح أول "تَجْزي": أي تقضي، و"صلاتَها" بالنصب مفعوله، ويُروى "أتُجزئ" بضمّ أوله، وهمز آخره: أي أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة، وهي طاهرةٌ، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض؟ فـ "صلاتُها" على هذا بالرفع على الفاعليّة، قال الحافظ: والأوّل أشهر، يعني رواية "تَجزي" بالفتح.

стр. 4520

(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ منكرةً لسؤالها عما لا ينبغي السؤال عنه؛ لوضوح حكمه لدى النساء منذ عهد رسول الله ﷺ (أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و"حروريّةٌ" خبر مقدَّم، و"أنتِ" مبتدأ مؤخّرٌ، وفائدة تقدُّم الخبر الدلالة على الحصر، أي أحرورية أنت لا غير؟ (١). قال النوويّ ﵀: "الْحُروريّة" - بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى، وهي نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة، قال السمعانيّ: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به، وقال الهرويّ: تعاقدوا في هذه القرية، فنُسبوا إليها، فمعنى قول عائشة ﵂ أنّ طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة، هو استفهام إنكار، أي هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": "الحروريّ" منسوب إلى حروراء بفتح الحاء، وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راء أيضًا: بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمدّ، قال المبرد: النسبة إليها حروراويّ، وكذا كلُّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل: الحروريّ بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروريّ؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على عليّ ﵁ بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دلّ عليه القرآن، ورَدّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار. انتهى (٣). وقال العينيّ ﵀: وكبار فِرَق الحرورية ستة: الأزارقة، والصفرية، والنجدات، والعَجَاردة، والإباضية، والثعالبة، والباقون فروع، وهم الذين خرجوا على علي ﵁، ويجمعهم القول بالتَّبَرِّي من عثمان وعلي ﵁، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يُصححون المناكحات إلا على ذلك.

стр. 4521

وكان خروجهم على عهد علي ﵁ لَمّا حكّم أبا موسى الأشعريّ وعمرو بن العاص، وأنكروا على عليّ في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله، وحَكَمت عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يومًا، وقد خرجوا، وهم ثمانية آلاف، وأميرهم ابن الكوا عبد الله، فبَعَث إليهم عليّ عبدَ الله بن عباس، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقي ستة آلاف، فخرج إليهم عليّ، فقاتلهم. وكانوا يشددون في الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض، قالوا: إذا لم يسقط في كتاب الله تعالى عنها على أصلها. وقد قلنا: إن حروراء اسم قرية، وهي ممدودة، وقال بعضهم بالقصر أيضًا، حكاه أبو عبيد، وزعم أبو القاسم الغورانيّ أن حروراء هذه موضع بالشام، وفيه نظر؛ لأن عليًّا ﵁ إنما كان بالكوفة، وقتاله لهم إنما كان هناك، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام؛ لأن الشام لم يكن في طاعة علي ﵁، وعلى ذلك أطبق المؤرخون. انتهى. وزاد في رواية عاصم الآتية عن معاذة: "فقلت: لا، ولكني أسأل"، أي سؤالًا مجردًا لطلب العلم، لا للتعنت. (قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا)، وفي الرواية التالية: "قد كُن نساء رسول الله ﷺ يحضن، أفأمرهنّ أن يَجْزين؟ " (تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )، أي في زمنه، ووجوده بين أظهرنا، والغرض منه بيان أنه كان مُطّلعًا على حال النساء، من الحيض وتركهنّ الصلاة في أيامه (ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ) ببناء الفعل للمفعول، والكلام فيه حذف، تقديره: أي تحيض، وتترك الصلاة أيام الحيض، ثم لا تؤمر بقضائها بعد الطهر، والمراد من عدم الأمر عدم الوجوب؛ لأن الواجب مأمور به. والمعنى: أنه ﷺ مع اطّلاعه على حيضها، وتركها الصلاة ما كان يأمرها بالقضاء، ولو كان واجبًا لأمرها به، كما أمر بقضاء الصوم. وفي رواية البخاريّ: "فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله"، وعند الإسماعيليّ: "فلم نكن نقضي، ولم نؤمر به"، قال في "الفتح": والاستدلال بقولها: "فلم نكن نقضي" أوضح من الاستدلال بقولها: "فلم نؤمر به"؛ لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب؛ لاحتمال

стр. 4522

الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء. انتهى (١). وقال أيضًا: فَهِمت عائشة ﵂ طلب الدليل، فاقتصرت في الجواب عليه دون التعليل، والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام، أن الصلاة تتكرر، فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصيام، ولمن يقول بأن الحائض مخاطبة بالصيام أن يُفَرِّق بأنها لم تخاطب بالصلاة أصلًا. وقال ابن دقيق العيد ﵀: اكتفاءُ عائشة ﵂ في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لم تؤمر به يحتمل وجهين: [أحدهما]: أنها أَخَذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء، فيُتَمسَّك به حتى يوجد المعارض، وهو الأمر بالقضاء، كما في الصوم. [ثانيهما]: قال: وهو أقرب، أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ لتكرر الحيض منهن عنده ﷺ ، وحيث لم يُبَيِّن دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصوم، كما في رواية عاصم، عن معاذة الآتية: "فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٤/ ٧٦٧ و ٧٦٨ و ٧٦٩] (٣٣٥)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٣٢١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢٦٢ و ٢٦٣)، و (الترمذيّ) فيها (١٣٠)، و (النسائيّ) في "الحيض" (١/ ١٩١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٢٧٧ و ١٢٧٨)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٧٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٩٤ و ١٢٠ و ١٤٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٣٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٤٩)، و (البيهقيّ) في

стр. 4523

"الكبرى" (١/ ٣٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٤١ و ٩٤٢ و ٩٤٣ و ٩٤٤ و ٩٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٥٦ و ٧٥٧ و ٧٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، ومثلها النفساء، كما لم يجب عليهما أداؤها. ٢ - (ومنها): بيان وجوب قضاء الصوم عليهما، دون أدائه. ٣ - (ومنها): مشروعيّة سؤال أهل العلم لمن كان يجهل أمرًا من أوامر الشرع. ٤ - (ومنها): استفسار العالم السائل عن وجه سؤاله، هل هو مسترشدٌ، فيُليّن له الجواب، حتى يفهمه، أم هو معارض، فيشدّد له الخطاب، حتى يُفحمه؟. ٥ - (ومنها): ذكر الدليل في محلّ الجواب؛ لأنه يكون كافيًا عن طلب الدليل؛ إذ لو أجابت عائشة ﵂ ربّما طالبتها السائلة بالدليل، فتحتاج إلى ذكره مرّةً أخرى. ٦ - (ومنها): أنه إنما أنكرت عائشة ﵂ على السائلة لكونها فَهِمت أن السؤال سؤال منكر، لا مستفهم، ولَمّا بيّنت السائلة أنها ليست منكرةً، وإنما تسأل سؤال مستفهم، فرّقت لها عائشة ﵂ بالنصّ؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردّ على المخالف، بخلاف الفرق المعنويّ، فإنه عُرْضة للمعارضة، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على وجوب ترك الحائض الصلاة والصوم أثناء الحيض؛ لأن القضاء وعدم القضاء مترتّب على الترك. قال النوويّ ﵀: فإن قيل: ليس في الحديث دليل على تحريم الصوم، وإنما فيه جواز الفطر، وقد يكون الصوم جائزً لا واجبًا كالمسافر. قلنا: قد ثبت شدّة اجتهاد الصحابيّات ﵅ في العبادات، وحرصهنّ على الممكن منها، فلو جاز الصوم لفعله بعضهنّ، كما في القصر وغيره، ويدلّ أيضًا على التحريم حديث البخاريّ ومسلم: "أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم". انتهى.

стр. 4524

٨ - (ومنها): بيان أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا محمول على الرفع على ما هو الصحيح، كما هو مذكور في كتب المصطلح. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من الحديث أن أمر الشارع ونهيه حجة بمجرّده، ولا يفتقر إلى معرفة سرّه، وحكمته، أو علّته. ١٠ - (ومنها): أن بعضهم ادّعى أنه ليس في السنّة ما يدلّ على تحريم الصوم على الحائض، وهو قول مردود؛ لحديث الشيخين المتقدّم، ولأن حديث حمنة ﵂ صريح في ذلك، حيث قالت للنبيّ ﷺ : "إني امرأة أُستحاض حيضة كثيرةً شديدةً، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم … " الحديث، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره بطوله، وقد أقرّها ﷺ على ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الحائض وصومها: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها، وإذا سقط فرض الصلاة عنها، فغير جائز أن يلزمها قضاء ما لم يجب عليها في أيام الحيض، من الصلاة بعد طهرها، وثبت عن النبيّ ﷺ خبر دالّ على ذلك، ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر إلى المصلى، فصلَّى، وانصرف، فقال: "يا معشر النساء تصدقن، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنّ، يا معشر النساء"، فقلن له: ما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: بلى، قال: "فذاك من نقصان عقلها، وأليست إذا حاضت المرأة لم تُصَلّ، ولم تصم؟، قال: فذاك من نقصان دينها"، متّفقٌ عليه. قال: فأخبر ﷺ أن لا صلاة عليها، ولا يجوز لها الصوم في حال الحيض، ثم أجمع أهل العلم على أن عليها الصومَ بعد الطهر، ونَفَى الجميع عنها وجوب الصلاة، فثبت قضاء الصوم عليها بإجماعهم، وسقط عنها فرض الصلاة لاتفاقهم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).

стр. 4525

وقال العينيّ ﵀: لا خلاف في أن الحائض لا تقضي الصلاة بين الأمة، إلا لطائفة من الخوارج، قال معمر: قال الزهريّ: تقضي الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة، قلت: عمن؟ قال: أجمع المسلمون عليه، وليس في كل شيء تجد الإسناد القويّ، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى أنه عليهما قضاء الصوم، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة، متكررة، فيشُقّ قضاؤها، بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرةً واحدةً، ومن السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة، وتذكر الله تعالى، تستقبل القبلة ذاكرة لله جالسةً، رُوي ذلك عن عقبة بن عامر، ومكحول، وقال: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهنّ، وقال عبد الرزاق: بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة، وقال عطاء: لم يبلغني ذلك، وإنه لحسنٌ، وقال أبو عمر: هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء، بل يكرهونه، قال أبو قلابة: سألنا عن ذلك، فلم نجد له أصلًا، وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرفه، وإنا لنكرهه. قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما قاله أبو قلابة، وسعيد بن عبد العزيز أن ما نُقل عن مكحول من قوله: كان ذلك من هدي نساء المسلمين، غير ثابت عنه، وإن صحّ، فلعله يريد مسلمي بلدته، وقريته، والله تعالى أعلم. قال: وفي "منية المفتي" للحنفية: يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ، وتجلس في مسجد بيتها، تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة، لو كانت طاهرةً، حتى لا تبطل عادتها. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكرت هذا القول إلا ليُتَعَجَّب منه، ويستبينه من له مُسكة من اتباع السنة، أليس الاستحباب مما يختصّ به الشارع الحكيم؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [الشورى: ٢١]، فهل يجوز لمسلم أن يقول: يستحبّ هذا، ويكره هذا، أو يحرم، أو يجب بدون بيّنة من كتاب أو سنة، أو إجماع؟ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الآية [النحل: ١١٦]، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قال: وفي الدراية: يكتب لها ثواب أحسنِ صلاةٍ كانت تصلي.

стр. 4526

قال الجامع: هذا أشدّ وأخطر مما قبله، فهل عِلْمُ مقدار الثواب، وتمييز أحسن الثواب من حسنه من تخصّصات صاحب "الدراية"؟، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. وبالجملة فمن قرأ كتب الفقهاء المتأخرين يَرَى العَجَب الْعُجَاب من هذا النوع، مما يتجاسرون فيه بإيحاب أشياء، أو تحريمها، أو استحبابها، أو نحو ذلك، دون أيّ حجة، وأيّ برهان، بل بما يجول في خَلَدهم من الظنون الخالية عن البراهين الساطعة، وربما يكون ذلك مضادًّا لما ثبت بالنص الصريح، وذلك نتيجة قصور علمهم، وقلّة ورعهم، وما أحسن قول ابن عابدين في "رسم المفتي": وَلَيْسَ يَجْسُرُ عَلَى الأَحْكَامِ … سِوَى شَقِيٍّ خَاسِرِ الْمَرَامِ والحاصل أن الحقّ هو ما عليه جمهور أهل العلم من أنه لا تجب على الحائض الصلاة، لا أداؤها، ولا قضاؤها، ولا يُشرع لها أن تتشبه بمن تصلي، كما افتات هؤلاء الذين سمعت هذياناتهم، بل الواجب عليها الابتعاد من كلّ ابتداع ما أنزل الله به من سلطان، وإنما الواجب عليها قضاء الصوم فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٨] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ، أَنَّهَا سَاَلتْ عَائِشَةَ: أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحِضْنَ، أفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: تَعْني يَقْضِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا، فمن أول السند إلى شعبة تقدّموا قبل باب، ومن بعده تقدّموا في السند الماضي، ويزيد هو الرِّشك. وقوله: (قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلخ) هذا على لغة أكلوني البراغيث؛

стр. 4527

لأن الأكثر في الاستعمال أن يقال: قد كانت نساء رسول الله ﷺ ، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا" وَقَدْ يُقَالُ "سعِدَا"، وَ"سَعِدُوا" … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وقوله: (أفَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ؟) بفتح حرف المضارعة، وكسر الزاي مضارع جَزَى، غير مهموز، وقد فسره محمد بن جعفر غندر في الكتاب: أن معناه يَقْضِين، وهو تفسير صحيح، يقال: جَزَى يَجْزِي: أي قَضَى، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ويقال: هذا الشيء يَجزِي عن كذا، أي يقوم مقامه، ومنه سُمّي يوم الجزاء، قال القاضي عياض ﵀: وقد حَكَى بعضهم فيه الهمز. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ (٢)، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِك، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْم، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.

стр. 4528

والباقيان تقدّما. وقولها: (مَا بَالُ الْحَائِضِ إلخ) ذكر في "القاموس" من معاني "البال": الحال، والخاطر، والقلب، والمناسب هنا معنى الحال، أي ما حال الحائض وما شأنها في قضائها الصوم دون الصلاة؟، والاستفهام حقيقيّ، فهي تستفهم، وتسأل عن علة هذه التفرقة. وقولها: (لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ) الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ"مَا"وَ"لَيْسَ "جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْيِ "كَانَ" قَدْ يُجَرْ والمعنى: أني لست أوجب قضاء الصلاة، كالحروريّة، ولكني أسأل عن الحكم سؤال مسترشد، لا سؤال معاند. وقولها: (كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكِ) الإشارة إلى الحيض، والكاف مكسورةٌ، خطابًا للمؤنّثة، أي كان الحيض يصيبنا، فكان النبيّ ﷺ يأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُّرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٠] (٣٣٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْر، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، أبو زكريّا تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو

стр. 4529

عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١. ٤ - (أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) ويقال: مولى عَقِيل بن أبي طالب، واسمه يزيد الهاشميّ المدَني، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣]. رَوَى عن عَقِيل بن أبي طالب، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن سعيد، وأبي واقد الليثيّ، ورأى الزبير بن العوام. ورَوَى عنه سالم أبو النضر، وسعيد المقبريّ، وسعيد بن أبي هند، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وإسحاق بن أبي طلحة، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وأبو حازم بن دينار، ويزيد بن الهاد، وغيرهم. قال الواقديّ: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عَقِيلًا، فنُسِب إليه، وكان شيخًا قديمًا، رَوَى عن عثمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: رَوَى عن عثمان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٦) وكرّره أربع مرّات، و (٧٢٢) حديث: "أوصاني حبيبي بثلاث … "، و (٢١٧٦) حديث: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة … ". ٥ - (أمَّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند، روت عن النبيّ ﷺ ، وروى عنها مولاها، أبو مُرَّة، وأبو صالح باذام، وابن ابنها جَعْدة المخزوميّ، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها أيضًا، هارون، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وابنه عبد الله، والشعبيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء، وكريب، ومجاهد، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عقبة بن أبي مالك، وهي شقيقة عليّ ﵁ وإخوته، وكانت تحت هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، فوَلَدت له عمرًا، وبه كان يكنى، وهانئًا، ويوسف، وجَعْدة، ذكره الزبير بن بكار وغيره، أسلمت يوم الفتح، وعاشت

стр. 4530

بعد عليّ ﵁ مدّةَّ، حَكَى هذا الترمذي وغيره، وقد خطبها الرسول ﷺ ، ماتت في خلافة معاوية ﵁. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ستّ مرات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والقراءة، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريًّا، إلا أنه دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية: أبو مرّة، وأم هانئ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سالم، عن أبي مرّة. ٦ - (ومنها): أن أم هانئ ﵁، وأبا مرّة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وليس لأم هانئ فيه إلا هذا الحديث، وأما أبو مرّة، فله حديثان آخران أيضًا، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) يزيد الهاشميّ (مَوْلَى أُمِّ هَانِيءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ)، تقدّم أنه يقال له أيضًا: مولى عَقِيل بن أبي طالب؛ للزومه إياه (أَخْبَرَهُ)، أي أبا النضر (أَنَّهُ سَمِعَ أمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) واسمها فاختة، وقيل: غيرها ﵂ (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ) المراد فتح مكّة، وكان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وفي الرواية التالية: "أنه لَمّا كان عامُ الفتح أتت رسول الله ﷺ ، وهو بأعلى مكة". وسبب ذهابها إليه ﷺ ما ذكرته هي، قالت: "أتاني حَمَوان لي، فأجرتهما، فجاء عليّ يريد قتلهما، فأتيت النبيّ ﷺ ، وهو في قبّة بالأبطح بأعلى مكة … " الحديث، وفيه: "قد أجرنا من أجرت، وأمّنّا من أمّنتِ".

стр. 4531

وقد وقع اختلاف فيمن أجارته أم هانئ ﵂، وسيأتي بيانه في "كتاب الصلاة" - إن شاء الله تعالى -. (فَوَجَدْتُهُ) ﷺ (يَغْتَسِلُ) جملة في محلّ نصب على أنه مفعول ثان لـ "وَجَدَ"، أو هو منصوب على الحال من المفعول (وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) ﷺ (تَسْتُرُهُ)، أي عن أعين الناس (بِثَوْبٍ) وجملة "وفاطمة تستره" في محلّ نصب على الحال من المفعول أيضًا، والحًديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بيان مسائله في الحديث الآتي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧١] ( … ) - (حَدَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْح، أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى غُسْلِه، فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ، فَالْتَحَفَ بِه، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا (١)، إلا واحدًا، وهو: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْفَزَاريّ، مولى سمرة بن جندب، المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي موسى، وأبي هريرة، وابن عباس، وأم هانئ بنت أبي طالب، وذكوان مولى عائشة، وأبي مُرّة مولى أم هانئ، وعَبِيدة السَّلْمانيّ، ومطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، ويزيد بن أبي حبيب، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ، وابن إسحاق، وعبد الله بن محمد بن أبي يحيى، وموسى بن ميسرة، ونافع مولى ابن عمر، والوليد بن كثير، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.

стр. 4532

قال ابن سعد: تُوُفّي في أول خلافة هشام بن عبد الملك، وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن قانع: مات سنة ست وعشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀: ذكر عبد الحق أن في "مصنف عبد الرزاق" عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل، عن أبي موسى، في لباس الحرير، كذا قال، وقوله: "عن رجل" زيادة ليست في كتاب عبد الرزاق، ولا غيره، من حديث نافع، نعم رواه عبد الرزاق قال: سمعت عبد الله بن سعيد بن أبي هند، يحدث عن أبيه، عن رجل، عن أبي موسى، أخرجه الحاكم في "المستدرك" من حديث أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، وقال: هو وَهَمٌ، وقع من عبد الله بن سعيد بن أبي هند؛ لسوء حفظه، كذا قال، وأراد ترجيح رواية نافع، عن سعيد، عن أبي موسى، وقد ذكر أبو زرعة وغيره، أن حديثه عنه مرسل. وقال الدارقطنيّ في "العلل": رواه أسامة بن زيد الليثيّ، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مُرّة، مولى أم هانئ، عن أبي موسى، قال الدارقطنيّ بعد أن أخرجه: هذا أشبه بالصواب. قلت (١): رواه كذلك من طريق عبد الله بن المبارك، عن أسامة، لكن رواه ابن وهب، عن أسامة، فلم يذكر فيه أبا مُرّة، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). [تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ المدنيّ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ) - بفتح العين المهملة، وكسر القاف - ابن أبي طالب، تقدّم أنه إنما نُسب إليه؛ للزومه إياه، وإلا فهو مولى أم هانئ، وهذا هو الذي جُعل له في كتب مصطلح

стр. 4533

الحديث بـ "باب من نُسب إلى خلاف الظاهر"، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال: وَنَسَبُوا الْبَدْرِيَّ وَالْخُوزِيَّا … لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيَّا كَذَلِكَ الْحَذَّاءُ لِلْجَلَّاسِ … وَمِقْسَمٌ مَوْلَى بَنِي عَبَّاسِ (حَدَّثَهُ)، أي حدّث سعيدًا (أَنَّ أمّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) ﵂ (حَدَّثَتْهُ)، أي أبا مرّة (أَنَّهُ) الضمير للشأن، أي أن الحَال والشأن (لَمَّا كَانَ عَامُ الفتْحٍ) بالرفع على الفاعليّة، فـ "كان" هنا تامّة، أي حضر، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الزمن، و"عامَ الفتح" خبرها، أي لَمّا كان الزمن عامَ الفتح (أتتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن تقول: أتيت إلخ، والجملة جواب "لَمّا" (وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أي والحال أنه ﷺ نازلٌ بأعلى مكة، وذلك أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح من أعلاها من الموضع المسمّى بكَدا بالفتح والمدّ، وضُربت له خيمة هناك. [تنبيه]: هذا الحديث سيأتي مطوّلًا في "كتاب الصلاة"، فقد أخرجه بهذا السند، عن أبي النضر، أن أبا مرة، مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ، بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلمت، فقال: "من هذه؟ " قلت: أم هانئ، بنت أبي طالب، قال: "مرحبًا بأم هانئ"، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثمانيَ ركعات، ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف، قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي، عليّ بن أبي طالب، أنه قاتل رجلًا أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: وذلك ضحى. وقوله: (قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) جملة في محلّ نصب على الحال بتقدير "قد" على رأي البصريين، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (إِلَى غُسْلِهِ) متعلّق بـ "قام"، وهو بضمّ الغين اسم من الاغتسال (فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ) ﵂ (ثُمَّ) بعد تمام غسله (أَخَذَ) ﷺ (ثَوْبَهُ) هو الثوب الذي سترته به فاطمة ﵂، ففي الرواية التالية: "فسترته ابنته فاطمة بثوبه، فلما

стр. 4534

اغتسل أخذه، فالتَحَف به" (فَالْتَحَفَ بِهِ) بالبناء للفاعل، أي اشتمل به، قال البخاريّ في "صحيحه": قال الزهريّ: الملتحف: المتوشِّح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على المنكبين. انتهى. وقال في "القاموس": لَحَفَه، كمَنَعَه: غَطّاه باللِّحَاف ونحوه، والتحف به: تغطّى، واللِّحَاف ككتاب: ما يُلْتَحف به. انتهى (١). وقال في "العمدة": الالتحاف لغةً التغطّي، وكلُّ شيء تغطّيتَ به، فقد التحفت به، وقال الليث: اللَّحْفُ: تغطيتك الشيء باللِّحاف، وقال غيره: لَحَفتُ الرجل ألحفه لَحْفًا: إذا طَرَحت عليه اللِّحاف، أو غطّيته بشيء، وتلحّفتُ: اتّخذت لنفسي لِحَافًا. وفائدة الالتحاف: أن لا ينظر المصلّي إلى عورة نفسه إذا ركع، وأن لا يسقط الثوب إذا ركع، وإذا سجد. انتهى (٢). (ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) بإثبات الياء في "ثماني"، ونصبه على المفعوليّة لـ "صلّى"، وهذا هو الجاري على القاعدة، ووقع في بعض النسخ: "ثمانَ ركعات" بحذف الياء، وهو مشكلٌ؛ لما سيأتي. [تنبيه]: قال الجوهريّ ﵀: يقال: ثمانية رجال، وثماني نسوة، وهو في الأصل منسوب إلى الثُّمُن؛ لأنه الجزء الذي صيَّر السبعةَ ثمانيةً، فهو ثمنها، ثم فتحوا أوّله؛ لأنهم يُغيّرون في النسب، كما قالوا: دُهْريّ، وسُهْليّ، وحذفوا إحدى ياءي النسب، وعوّضُوا منها الألفَ، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فثبتت ياؤه عند الإضافة، كما ثبتت ياء القاضي، فتقول: ثماني نسوة، وثماني مائة، كما تقول: قاضي مكة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجرّ، وتثبت عند النصب؛ لأنه ليس بجمع، فيُجْرَى مَجْرَى جَوَارٍ وسَوَارٍ في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غيرَ مصروف فهو على توهّم أنه جمع. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ ﵀: الثمانية بالهاء للمعدود المذكّر، وبحذفها للمؤنّث، ومنه ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، والثوب سبع في ثمانية، أي طوله سبع أذرُع،

стр. 4535

وعرضه ثمانية أشبار؛ لأن الذراع أنثى، ولهذا حُذفت العلامة معها، والشبر مذكّرٌ، وإذا أُضيفت الثمانية إلى مؤنّث ثبتت الياء ثبوتها في القاضي، وأُعربت إعراب المنقوص، تقول: جاء ثماني نسوة، ورأيتُ ثمانيَ نسوة، تُظهر الفتحة، وإذا لم تُضِفْ قلت: عندي من النساء ثمانٍ، ومررتُ منهنّ بثمانٍ، ورأيتُ ثماني، وإذا وقعت في المركّب تخيَّرتَ بين سكون الياء وفتحها، والفتح أفصح، يقال: عندي من النساء ثَمَانِيَ عشرةَ امرأة، وتُحذف الياء في لغة بشرط فتح النون، فإن كان المعدود مذكّرًا قلتَ: عندي ثمانية عشر رجلًا بإثبات الياء. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما وقع في معظم نسخ "صحيح مسلم"، كالنسخة التي شرحها النووي، ونسخة محمد ذهني، بلفظ "ثمانَ ركعات" خلاف الصواب، فالصواب ما وقع في نسخة شرح الأبيّ، وقد أشار إليها محمد ذهني في هامش نسخته، وفي هامش النسخة الهنديّة أيضًا، بلفظ: "ثمانِيَ ركعات" بإثبات الياء، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. وقوله: (سُبْحَةَ الضُّحَى) بضم السين المهملة، وإسكان الباء الموحّدة: هي النافلة، سُمّيت بذلك للتسبيح الذي فيها. قال النوويّ ﵀: هذا اللفظ فيه فائدةٌ لطيفةٌ، وهي أن صلاة الضحى ثماني ركعات، وموضع الدلالة كونها قالت: "سُبْحَة الضُّحى"، وهذا تصريح بأن هذا سنةٌ مقررةٌ معروفةٌ، وصلّاها بنيّة الضحى، بخلاف الرواية الأخرى: "صَلَّى ثماني ركعات، وذلك ضحى"، فإن من الناس من يَتَوَهَّم منه خلاف الصواب، فيقول: ليس في هذا دليل على أن الضحى ثماني ركعات، ويزعم أن النبيّ ﷺ صَلَّى في هذا الوقت ثماني ركعات بسبب فتح مكة، لا لكونها الضحى، فهذا الْخَيَال الذي يتعلق به هذا القائل في هذا اللفظ، لا يتأتى له في قولها: "سُبْحة الضُّحى"، ولم يزل الناس قديمًا وحديثًا يحتجون بهذا الحديث على إثبات صلاة الضُّحَى ثماني ركعات. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ

стр. 4536

نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم هانئ ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٥/ ٧٧٠ و ٧٧١ و ٧٧٢] (٣٣٦)، وفي "صلاة المسافرين"، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٨٠) و"الصلاة" (٣٥٧) و"الجزية" (٣١٧١) و"الأدب" (٦١٥٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٩١)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٢٧٣٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٢٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٢)، و (ابن أبي شيجة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٠٩)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٤٨٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٣ و ٤٢٣ و ٤٢٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٣٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٤١٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٣٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٨٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٩٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣١٣١ و ٦٧٨٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧٥٩ و ٧٦٠ و ٧٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة التستّر عند الاغتسال. ٢ - (ومنها): جواز اغتسال الرجل بحضرة امرأة من محارمه، إذا حال بينهما ساتر، من ثوب، أو نحوه. ٣ - (ومنها): جواز السلام على من يغتسل؛ لأن أم هانئ سلّمت عليه ﷺ . ٤ - (ومنها): جواز كلام المغتسل؛ لأنه ﷺ قال لها: "من هذه؟ إلخ". ٥ - (ومنها): أن من سُئل عن اسمه يُجيب بصريح اسمه، كما فعلت أم هانئ، ولا يقول: أنا، فقد ورد الإنكار على من قال ذلك، فقد أخرج الشيخان

стр. 4537

عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتيت النبيّ ﷺ ، فدعوت، فقال النبيّ ﷺ : "من هذا؟ "، قلت: أنا، قال: فخرج وهو يقول: "أنا أنا". ٦ - (ومنها): استحباب الصلاة عقب الاغتسال. ٧ - (ومنها): التحاف المصلّي بثوبه إذا كان واحدًا، وقد عرفت معنى الالتحاف قريبًا، ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصمّاء، فقد أخرج المصنّف عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهَى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مُسْتَلْقٍ على ظهره". ٨ - (ومنها): استحباب صلاة الضّحى، وقد اختلف العلماء في صلاته ﷺ يوم الفتح، هل هي الشكر للفتح، أم هي صلاة الضحى؟. فمنهم من قال: إنها صلاة الفتح، ومنهم من قال: إنها صلاة الضحى، والصحيح أنها صلاة الضحى؛ لقول أم هانئ ﵂ في هذه الرواية: "سُبحةَ الضحى"، وأصرح منها ما في رواية أبي داود بلفظ: "أن رسول الله ﷺ صلّى يوم الفتح سُبحة الضحى ثماني ركعات"، لكن في سنده ضعف؛ لأن في سنده عياض بن عبد الله ليّن الحديث. وروى ابن عبد البرّ: في "التمهيد" - كما في "الفتح" (١) - من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ ﵂ قالت: قدم النبيّ ﷺ مكة، فصلى ثماني ركعات، فقلت: ما هذه؟ قال: "صلاة الضحى"، فهذه أصرح في أن تلك الصلاة كانت صلاة الضحى. ٩ - (ومنها): أن صلاة الضحى تكون ثماني ركعات، والمستحبّ فيها أن يسلّم من كلّ ركعتين، لما أخرجه أبو داود في "سننه" في هذا الحديث من طريق كريب مولى ابن عباس، عن أم هانئ بنت أبي طالب "أن رسول الله يوم الفتح صلى سُبحة الضحى، ثمانيَ ركعات، يُسَلّم من كل ركعتين"، لكن في إسناده عياض بن عبد الله وقد عرفتَ حاله، كما مرّ آنفًا. لكن يؤيّده حديث: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، وهو وإن اختُلف

стр. 4538

فيه إلا أن الأرجح أنه صحيح، كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في حديث أم هانئ ﵂ هذا: (اعلم): أنه وقع اختلاف في محلّ اغتساله ﷺ ، وصلاته، وفيمن ستره، وفي عدد صلاته، هل هي ثمان، أم ركعتان. ففي رواية: اغتسل في بيتها"، وهي رواية صحيحة، أخرجها أبو داود، وفي رواية: "أنها ذهبت إلى بيت النبيّ ﷺ ، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل"، وهي رواية المصنّف هنا، ومالك في "الموطّا"، وفي رواية: أن فاطمة سترته"، وهي رواية الشيخين، وغيرهما، وفي رواية أن أبا ذرّ ﵁ هو الذي ستره، وهي رواية عند ابن خزيمة، والجواب عن هذه الاختلافات أن يقال: أما الاختلاف في المحلّ فَيُحمل على أنه نزل في بيت أم هانئ بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر، فجاءت فوجدته يغتسل، أو يُحمَل على أن ذلك تكرّر منه ﷺ ، ويؤيّده ما رواه ابن خزيمة عنها أن أبا ذرّ ستره لَمّا اغتسل، أفاده في "المنهل العذب" (١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني فيه بُعدٌ لا يخفى، وأما قوله: يؤيّده ما رواه ابن خزيمة، ففيه أن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها المطّلب بن عبد الله بن حنطب كثير التدليس، وقد عنعنه، فلا يصلح للتقوية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما الاختلاف فيمن ستره، فيجاب بأن أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر ستره في أثنائه، أفاده في "الفتح". قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن حديث ستر أبي ذرّ ﵁ لا يصحّ، فلا يعارض ما في "الصحيح" من أن فاطمة ﵂ هي التي سترته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وأما الاختلاف في عدد الصلاة، ففي رواية أم هانئ أنه صلى ثماني

стр. 4539

ركعات، وفي حديث ابن أبي أوفى أنه صلى ركعتين، فقد أخرج الطبرانيّ من حديثه "أنه صفى الضحى ركعتين، فسألته امرأته؟ فقال: إن النبيّ ﷺ صلى يوم الفتح ركعتين". والجواب عن هذا أن يُحمل على أن ابن أبي أوفى رأى من صلاته ﷺ ركعتين، ورأت أم هانئ الثمانية كلّها، فأخبر كلّ بما رآه، أفاده في "المنهل" أيضًا. قال الجامع عفا الله عنه: رواية الطبرانيّ هذه ضعيفة؛ لأن في سندها الشعثاء بنت عبد الله الأسديّة، وهي مجهولة، وقد أجاد الكلام في هذا الشيخ الألبانيّ ﵀ في "تمام المنّة" (١) فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: فَسَتَرَتْهُ ابْنتهُ فَاطِمَةُ بِثَوْبِه، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَهُ، فَالْتَحَفَ بِه، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانيَ (٢) سَجَدَاتٍ، وَذَلِكَ ضُحًى). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَليدُ بْنُ كثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. وقوله: (أَخَذَهُ) أي أخذ الثوب الذي سترته به فاطمة ﵂. وقوله: (فَالْتَحَفَ بِه، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ سَجَدَاتٍ) هكذا "ثماني" في

стр. 4540

بعض النسخ، وهو الصواب، ووقع في معظم النسخ: "ثمان سجدات"، وقد عرفت ما فيه، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله. وقوله: (سجدات) المراد بها الركعات، وسُمّيت الركعة سجدةً؛ لاشتمالها عليها، وهذا من باب تسمية الشيء بجزئه، قاله النوويّ ﵀ (١). وقوله: (وَذَلِكَ ضُحًى)، أي هذه الذي ذكرناه من اغتساله ﷺ ، وقد سترته فاطمة ﵂، ثم التحافه بثوبه، وصلاته ثمان ركعات كان وقت الضُّحى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٣] (٣٣٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِي، أَخْبَرَنَا مُوسَى الْقَارِئُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً، وَسَتَرْتُهُ (٢)، فَاغْتَسَلَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبت إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (مُوسَى الْقَارِئُ) هو: موسى بن عيسى الليثيّ القارئ الكوفيّ الخيّاط، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن زائدة بن قدامة، ومُفَضَّل بن يونس. ورَوَى عنه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، وعبد الله بن براد الأشعريّ، ومحمد بن أبان الْبَلْخيّ، وسفيان بن وكيع بن الجراح. وثّقه مُطَيَّن، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مُطَيَّن: مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.

стр. 4541

٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنيّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) واسم أبيه رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨)، أو غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨. ٦ - (كُرَيْبٌ) بن أبي مسلم الهاشميّ، مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع)، تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٨ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين، ماتت ٥١) (ع)، تقدّمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀، فهو سند نازل، وأنزل أسانيده التساعيّات. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وموسى القارئ، فتفرّد به هو. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سالم، سوى شيخه، فمروزيّ، والباقون مدنيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، وسالم، وكريبٌ، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الثالثة، وماتا في سنة واحدة على بعض الأقوال. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه في "الحيض" [٨/ ٧٢٨] (٣١٧)

стр. 4542

حيث ساقه المصنّف بأطول مما هنا إلا أنه ليس فيه ذكر سترها له، ولفظه: عن ابن عباس قال: حدثتني خالتي ميمونة، قالت: "أدنيت لرسول الله ﷺ غُسْله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدَلَكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حَفَنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده". وقد أخرجه البخاريّ أيضًا مطوّلًا، وذكر فيه سترها له، ولفظه: عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة: "وضعت للنبيّ ﷺ غُسْلًا، فسترته بثوب، وصَبَّ على يديه فغسلهما، ثم صبّ بيمينه على شماله، فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صبَّ على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى، فغسل قدميه، فناولته ثوبًا، فلم يأخذه، فانطلق، وهو ينفض يديه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٤] (٣٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرةِ الرَّجُل، وَلَا الْمَرْأةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَة، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثوْبِ الْوَاحِدِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين.

стр. 4543

٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) (١) أبو الحسين العُكْليّ الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠. ٣ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدني القرشيّ، صدوقٌ يَهِم [٧]. رَوَى عن نافع مولى ابن عمر، وسالم أبي النضر، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وأيوب بن موسى، وبُكير بن عبد الله بن الأشج، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عثمان، وابن ابنه الضحاك بن عثمان، وابن عمه عيسى بن المغيرة بن الضحاك، والثوريّ، ووكيع، وأبو بكر الحنفيّ، وابن أبي فُديك، وزيد بن الحباب، وابن وهب، وابن المبارك، ويحيى القطان، وأبو ضمرة أنس بن عياض. قال أحمد، وابن معين، ومصعب الزبيريّ: ثقةٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ، وابنه عثمان ضعيف، وقال أبو زرعة: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن سعد: كان ثبتًا، وكان ثقةٌ كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقال ابن بكير: ثقةٌ مدنيّ، وقال ابن نُمير: لا بأس به، جائز الحديث، وقال علي بن المدينيّ: الضحاك بن عثمان ثقةٌ، وقال ابن عبد البر: كان كثير الخطأ، ليس بحجة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقة فقيهٌ يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أبو حفص، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو جعفر الأنصاري الخزرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوى عن أبيه، وعمارة بن حارثة الضمري، وأبي حميد الساعدي. ورَوَى عنه ابناه: رُبيح، وسعيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من

стр. 4544

أقرانه، وسهيل بن أبي صالح، وصفوان بن سُليم، وشريك بن أبي نَمِر، وزيد بن أسلم، وعمرو بن سليم الزُّرَقي، وسعيد المقبري، وعُمارة بن غزية، وعمران بن أبي أنس، وسليط بن أيوب، وغيرهم. قال النسائي: ثقةٌ. وقال العجلي: تابعي مدني ثقةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين، وفيها أَرّخه أبنُ نمير، وعمرو بن علي. وقال ابن سعد مثل ما قال ابن حبان، وزاد: كان كثير الحديث، وليس هو بِثَبْتٍ، ويستضعفون روايته، ولا يحتجون به. أخرج له البخاري في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا. ٦ - (أَبُوهُ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣٦) وقيل غير ذلك (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والإخبار. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وهو من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك بن سنان ﵄ (أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا) الظاهر أنها نافيةٌ، والفعل بعدها مرفوع؛ لأن "لا" النافية لا تعمل في الفعل، ويكون المراد من النفي النهي على وجه المبالغة؛ لأن فيه ادّعاء أن المنهيّ عنه قد امتُثِلَ، وأصبح يُخبّرُ عنه بعدم الوقوع.

стр. 4545

ويحتمل أن تكون ناهيةً، فيجزم الفعل بعدها بسكون مقدّر، منع من ظهوره اشتغال المحلّ بكسرة التخلّص من التقاء الساكنين، والله تعالى أعلم. (يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ). قال المجد ﵀: "العَوْرة": الْخَلَلُ في "الثَّغْر وغيره، وكلُّ مَكْمَنٍ للسَّتْر، والسَّوْأَةُ. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: كلُّ شيء يستره الإنسان أَنَفَةً وحَيَاءً فهو عورةٌ، والنساءُ عورةٌ، قال: وقيل: للسوءة عورةٌ؛ لقبح النظر إليها، قال: والْعَورةُ في الثَّغْر والحرب: خللٌ يُخاف منه، والجمع عَوْرَاتٌ بالسكون؛ للتخفيف، والقياس الفتح؛ لأنه اسم، وهو لغة هُذَيل. انتهى بتصرّف (٢). وقال ابن الأثير ﵀: "الْعَوْرة": كلُّ ما يُستحيا منه إذا ظَهَر، قال: ومنه الحديث: "المرأة عورة" (٣) جعَلَها نفسَها عورةً؛ لأنها إذا ظهرت يُستحيا منها، كما يُستحيا من العورة إذا ظهرت. قال: والعورة من الرجل ما بين السرة والركبة، ومن المرأة الْحُرّةِ جميعُ جسدها، إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، وفي أخمصها خلاف، ومن الأمة مثلُ الرجل، وما يبدو منها في حال الخدمة، كالرأس، والرقبة، والساعد، فليس بعورة، وسترُ العورة في الصلاة وغيرها واجب، وفيه عند الخلوة خلاف. انتهى (٤). وقال القرطبيّ ﵀: "العورة" في أصل الوضع: هي ما يُستحيا من الاطّلاع عليه، ويلزم منه عار. انتهى (٥). وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حدّ العورة في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَلَا) تنظر (الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرة الْمَرْأَةِ)، وعورتها بالنسبة لنظر المرأة هو ما بين سرّتها وركبتها، كما سيأتي (وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ) بضمّ حرف

стр. 4546

المضارعة، من الإفضاء، وهو الوصول، يقال: أفضيت إلى الشيء: إذا وصلت إليه (١). و"لا" هنا نافيةٌ؛ لكون الفعل بعدها مرفوعًا، حيث ثبتت فيه الياء التي حقّها أن تُحذف للجازم، كما قال في "الخلاصة": وَأَيُّ فِعْلٍ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ … أَوْ وَاوٌ اوْ يَاءٌ فَمُعْتَلًّا عُرِفْ فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ … وَأَبْدِ نَصْبَ مَا كـ "يَدْعُو" "يَرْمِي" وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ وَاحْذِفْ جَازِمَا … ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لَازِمَا لكن حكى السيوطيّ ﵀ في "همع الهوامع" أن عدم حذف حرف العلّة للجازم لغة، وخرّج عليها قراءة قُنبل "إنه من يتقي ويصبر" بالياء، وجزم "يصبر" (٢)، وعلى هذه اللغة يحتمل أن يكون "يُفضي" هنا مجزومًا بـ "لا"، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) المراد به أن لا يكون بينهما حائل، يمنع من وصول جسد أحدهما إلى جسد الآخر. قال ابن الملك ﵀: أي لا يصل بشرة أحدهما إلى بشرة الآخر في ثوب واحد في الْمُضطَجَع؛ لخوف ظهور الفاحشة بينهما، قال المظهر ﵀: ومن فعل ذلك يُعزّر، ولا يُحدّ، قاله في "المرقاة" (٣). وحاصل المعنى: أنه لا يجوز للرجل أن يَصِل بجسده إلى جسد الرجل بلا حائل بينهما، والمراد من جسده هنا الموضع الذي لا يجوز إليه النظر منه، وهو ما بين السرة والركبة، أو السوأتان على الخلاف الذي يأتي، وأما ما عدا ذلك مما يحلّ للرجل النظر إليه، فلا يحرم الإفضاء إليه بجسده، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا يُفضي الرجل إلى الرجل إلخ": أي لا يخلوان كذلك ليباشر أحدهما عورة الآخر، ويلمسها، ولمسها محرَّمٌ كالنظر

стр. 4547

إليها، وأما إذا كانا مستوري العورة بحائل بينهما، فذلك من النساء محرَّم على القول بأن جسد المرأة على المرأة كلّه عورة، وحكمها على القول الآخر، وحكم الرجل الكراهة، وهذا لعموم النهي عنه، وصلاحيةُ إطلاق لفظ العورة على ما ذُكر مما اختُلف فيه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بالتحريم، أو الكراهة فيما إذا كانا مستوري العورة، مما لا وجه له؛ لأنه ﷺ قال: "في ثوب واحد"؛ إذ مفهومه أنهما إذا كانا في ثوبين، فلا نهي في الإفضاء المذكور، لا بين الرجلين، ولا بين المرأتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ")، أي دون حائل بين جسديهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٦/ ٧٧٤ و ٧٧٥] (٣٣٨)، و (أبو داود) في "الحمّام" (٤٠١٨)، و (الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٩٣)، و (النسائيّ) في "عشرة النساء" (٣٤٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٦١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٥٦٤)، و (الطحاويّ) في "شرح مشكل الآثار" (٤/ ٢٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٩٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٦٣ و ٧٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 4548

١ - (منها): بيان تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، قال النوويّ ﵀: وهذا لا خلاف فيه، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، ونبّه ﷺ بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولى، وهذا التحريم في حق غير الأزواج والسادة، أما الزوجان فلكل واحد منهما النظر إلى عورة صاحبه جميعها، إلا الفرج نفسه، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما النظر إلى فرج صاحبه من غير حاجة، وليس بحرام. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصحيح أنه يجوز أن ينظر أحد الزوجين إلى فرج الآخر من غير كراهة؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ في حديث عائشة ﵂، ولا دليل على الكراهة، فتبصّر. قال: والثاني: أنه حرام عليهما، والثالث أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهةً وتحريمًا. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن هذين القولين مما لا دليل عليهما، فتبصّر. قال: وأما السيد مع أمته، فإن كان يملك وطأها، فهما كالزوجين، وإن كانت محرَّمة عليه بنسب، كأخته وعمته وخالته أو برضاع أو مصاهرة، كأم الزوجة وبنتها وزوجة ابنه، فهي كما إذا كانت حُرّة، وإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة، أو وثنيةً، أو معتدّة، أو مكاتبةً، فهي كالأمة الأجنبية. وأما نظر الرجل إلى محارمه، ونظرهن إليه، فالصحيح أنه يباح فيما فوق السرّة وتحت الركبة، وقيل: لا يحل إلا ما يظهر في حال الخدمة والتصرف، والله تعالى أعلم. انتهى (١). ٢ - (ومنها): بيان تحريم إفضاء الرجل إلى عورة الرجل، كأن يناما في لحاف واحد، وليس بينهما حائل يمنع من وصول عورة أحدهما إلى الآخر، وكذلك المرأة مع المرأة ليس بين عورتيهما حائل كذلك. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليل على تحريم لمس عورة غيره

стр. 4549

بأيّ موضع من بدنه كان، وهذا مُتَّفقٌ عليه، وهذا مما تعُمّ به البلوى، ويتساهل فيه كثير من الناس باجتماع الناس في الحمّام، فيجب على الحاضر فيه أن يصون بصره ويده وغيرها عن عورة غيره، وأن يصون عورته عن بصر غيره ويد غيره، من قَيِّم وغيره، ويجب عليه إذا رأى من يُخِلّ بشيء من هذا أن يُنكر عليه، قال العلماء: ولا يسقط عنه الأنكار بكونه يَظُنّ أن لا يُقْبَل منه، بل يجب عليه الإنكار إلا أن يخاف على نفسه أو غيره فتنة. قال: وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة، بحيث لا يراه آدميّ، فإن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة، ففيه خلاف بين العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي حكم كشف العورة في الخلوة مستوفى في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): عناية الشارع بإبعاد الناس عن الأسباب التي تؤدّي إلى وقوع الفاحشة؛ إذ إفضاء الرجل إلى الرجل، وكذا المرأة مع المرأة، كأن يناما في لحاف واحد بلا حائل بينهما من أخطر ما يؤدي إلى وقوع ذلك، فنهى عنه؛ سدًّا للذريعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حدّ عورة الرجل والمرأة: قال النوويّ ﵀: أما ضبط العورة في حقّ الأجانب، فعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، وفي السرة والركبة ثلاثة أوجه لأصحابنا: [أصحها]: ليستا بعورة. [والثاني]: هما عورة. [والثالث]: السرة عورة دون الركبة. وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها، فكذلك يحرم عليها النظر إلى كل شيء من بدنه، سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها. وقال بعض أصحابنا: لا يحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة، وليس هذا القول بشيء.

стр. 4550

قال الجامع عفا الله عنه: بل هذا القول هو الراجح؛ لأنه لا دليل على تحريم نظرها إليه، بل الأدلّة على الجواز كثيرة: (فمن أقوى الأدلّة) على جواز نظرها إلى وجهه أن الأمة مجمعة على جواز خروج الرجال إلى أعمالهم بثياب المهنة، كالسراويل، والقميص، والإزار، وكانت النساء ينظرن إليهم، بلا نكير، ولا جاء أمر من الشارع بتستر الرجال لئلا يراهم النساء. (ومنها): ما في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: "رأيت النبيّ ﷺ يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد … ". (ومنها): ما أخرجاه أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ في قصّة الخثعميّة: وفيه: فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، وجعل النبيّ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر … الحديث. والشاهد أنه ﷺ ما منعها أن تنظر إلى وجوه الرجال الحاضرين لديه، وإنما صرف وجه الفضل؛ خشية الفتنة، وغير ذلك من الأدلة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ولا فرق أيضًا بين الأمة والحرة إذا كانتا أجنبيتين، وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواء كان نظره بشهوة أم لا، سواء أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نَصّ عليه الشافعيّ، وحذاق أصحابه رحمهم الله تعالى، ودليله أنه في معنى المرأة، فإنه يُشْتَهَى كما تُشتَهى، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثير منهم أحسن صورة من كثير من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر، وهو أنه يتمكن في حقهم من طُرُق الشرّ ما لا يتمكن من مثله في حق المرأة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر النووي مسألة النظر إلى الأمرد على هذا الوجه الغريب، فهل هذا نصّ كتاب الله تعالى، أو جاء شيء من حديث رسول الله ﷺ أنه نهى عن النظر إلى الأمرد، مع كثرة الْمُرْد في حضرته ﷺ وفي عهده؟، هذا شيء عجيب!!. قال: وهذا الذي ذكرناه في جميع هذه المسائل، من تحريم النظر هو

стр. 4551

فيما إذا لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية، فيجوز النظر، كما في حالة البيع، والشراء، والتطبب، والشهادة، ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة، فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها، قال أصحابنا: النظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀: لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض، ووجوب سترها عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته، واختُلف في كشفها في الانفراد، وحيث لا يراه أحدٌ، ولا خلاف أن السوأتين من الرجل والمرأة عورةٌ، واختُلف فيما عدا ذلك من الركبة إلى السرّة من الرجل، هل هو عورةٌ أم لا؟ ولا خلاف أن إبداءه لغير ضرورة قصدًا ليس من مكارم الأخلاق. ولا خلاف أن ذلك من المرأة عورة على النساء والرجال، وأن الحرّة عورة ما عدا وجهها وكفّيها على غير ذوي المحارم من الرجال، وسائر جسدها على المحارم، ما عدا شعرَها ورأسها وذراعيها، وما فوق نحرها. واختُلف في حكمها مع النساء، فقيل: جسدها كلّه عورةٌ، فلا يَرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم، وقيل: حكم النساء مع النساء حكم الرجال مع الرجال، إلا مع نساء أهل الذمّة، فقيل: حكمهنّ في النظر إلى أجساد المسلمات حكم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] على خلاف بين المفسّرين في معناه. وحكم المرأة فيما تراه من الرجل حكم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه من النساء، وقد قيل: حكم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من المرأة، والأول أصحّ. وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثدييها، ولها أن تُبدي رأسها ومِعْصمها، وقيل: حكمها حكم الرجال، وقيل: يُكره لها كشف معصمها ورأسها

стр. 4552

وصدرها، وكان عمر ﵁ يضرب الإماء على تغطية رؤوسهنّ، ويقول: لا تتشبّهن بالحرائر. وحكم الحرائر في الصلاة ستر جميع أجسادهنّ إلا الوجه والكفّين، وهذا قول مالك، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبي ثور، وكافّة السلف، وأهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: لا يُرى منها شيء، ولا ظفرها، ونحوه قول أبي بكر بن عبد الرحمن. وأجمعوا أنها إن صلّت مكشوفة الرأس كلّه أن عليها إعادة الصلاة، واختلفوا في بعضه، فقال الشافعيّ، وأبو ثَوْر: تُعيد، وقال أبو حنيفة: إن انكشف أقلّ من ثلثه لم تُعِدْ، وكذلك أقلّ من ربع بطنها، أو فخذها، وقال أبو يوسف: لا تُعيد في أقلّ من النصف، وقال مالك: تُعيد في القليل والكثير من ذلك في الوقت. واختُلف عندنا - أي المالكيّة - في الأمة تصلّي مكشوفة البطن، هل يُجزئها، أو لا بدّ من سترها جسدها؟. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كلُّ شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب من قال: إن الفخذ من العورة؛ للأحاديث الواردة في ذلك: (منها): حديث عليّ ﵁، قال: قال لي النبيّ ﵇: "ولا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت"، رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو حديث حسن لشواهده. (ومنها): حديث جَرْهَدٍ الأسلميّ، قال: مرّ رسول الله ﷺ ، وعليّ بُردة، وقد انكشف فخذي، فقال: "غَطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة"، رواه مالك، وأحمد، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ، وصححه ابن حبّان، وعلّقه البخاريّ في "صحيحه"، وضعّفه في "تاريخه" للاضطراب في إسناده (٢).

стр. 4553

(ومنها): حديث ابن عبّاس ﵄، قال: مرّ رسول الله ﷺ على رجل، وفخذه خارجة، فقال: "غَطّ فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته"، رواه أحمد، والترمذيّ، وهو حديث حسن لشواهده أيضًا. (ومنها): حديث محمد بن جحش، قال: مرّ النبيّ ﷺ وأنا معه على معمر، وفخذاه مكشوفتان، فقال: "يا معمر، غَطّ فخذيك، فإن الفخذين عورة" رواه أحمد بإسناد حسن، والحاكم في "المستدرك"، وقال الزيلعيّ في "نصب الراية": إسناده صالح، وصححه الطحاويّ (١). والحاصل أن هذه الأحاديث لا شكّ في صحّتها بمجموعها، وقد صحّح بعضهم بعضها، وحسّن الآخرون بعضها، فهي صالحة للاحتجاج بها، فقد دلّت على أن الفخذ عورة، فهي أولى بالاحتياط من أحاديث انكشاف فخذ النبيّ ﷺ ، وإن كانت أصحّ، ولذا قال الإمام البخاريّ في "صحيحه": ويُروى عن ابن عبّاس، وجَرْهد، ومحمد بن جحش، عن النبيّ ﷺ : "الفخذ عورة"، وقال أنس: حَسَرَ النبيّ ﷺ الإزار عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀ عن حديث أنس هذا (٣): هذا محمول على أنه انكشف الإزار، وانحسر بنفسه، لا أن النبيّ ﷺ تعمّد كشفه، بل انكشف لإجراء

стр. 4554

الفرس، ويدلّ عليه أنه ثبت في رواية في "الصحيحين": "فانحسر الإزار". وقال أيضًا في حديث عائشة ﵂ (١): لا دلالة فيه على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنه مشكوك في المكشوف، قال أصحابنا: لو صحّ الجزم بكشف العورة تأوّلناه على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلّها، قالوا: ولأنها قضيّة عين، فلا عموم لها، ولا حجة فيها. انتهى. وقال العلامة ابن القيّم ﵀: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخفّفة ومغلّظة، فالمغلّظة السوأتان، والمخفّفة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغضّ البصر عن الفخذين؛ لكونهما عورةً، وبين كشفهما؛ لكونهما عورةً مخفّفةً. انتهى (٢). ثم بعد أن كتبت ما تقدّم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ رسالة في لباس الصلاة، قد أجاد فيها، فأحببت إلحاقها بما سبق؛ لما حوته من التحقيق والتلخيص قال ﵀: (فصل) في اللباس في الصلاة، وهو أخذ الزينة عند كل مسجد الذي يسميه الفقهاء: "باب ستر العورة في الصلاة". فإن طائفة من الفقهاء ظنّوا أن الذي يُستَر في الصلاة هو الذي يُستر عن أعين الناظرين، وهو العورة، وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ثم قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الباطنة ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والآية، فقال: يجوز لها في الصلاة أن تُبديَ الزينة الظاهرة دون الباطنة، والسلف قد تنازعوا في الزينة

стр. 4555

الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود، ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم، وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية، فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعيّ، وقول في مذهب أحمد، وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها، وهو قول مالك. وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرةٌ، وزينة غير ظاهرة، وجَوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب، كان النساء يخرجن بلا جلباب، يَرَى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تُظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] حُجِب النساء عن الرجال، وكان ذلك لَمّا تزوج زينب بنت جحش، فأرخى الستر، ومنع النساء أن يُنظَرْنَ، ولَمّا اصطَفَى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر، قالوا: إن حَجَبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها، فلما أمر الله أن لا يُسأَلن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يُدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يُغَطِّي رأسها وسائر بدنها، وقد حَكَى أبو عبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تُظْهِر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكُنّ النساء ينتقبن، وفي "الصحيح": أن المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كُنّ مأمورات بالجلباب؛ لئلا يُعْرَفن، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرت ألا تُظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين. وعلى هذا فقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] يدُلّ على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها، وفيه قولان: قيل: المراد الإماء، والإماء الكتابيات، كما قاله ابن المسيب، ورجحه أحمد وغيره، وقيل: هو
следующие страницы →