← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

فيما إذا لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية، فيجوز النظر، كما في حالة البيع، والشراء، والتطبب، والشهادة، ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة، فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها، قال أصحابنا: النظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀: لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض، ووجوب سترها عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته، واختُلف في كشفها في الانفراد، وحيث لا يراه أحدٌ، ولا خلاف أن السوأتين من الرجل والمرأة عورةٌ، واختُلف فيما عدا ذلك من الركبة إلى السرّة من الرجل، هل هو عورةٌ أم لا؟ ولا خلاف أن إبداءه لغير ضرورة قصدًا ليس من مكارم الأخلاق. ولا خلاف أن ذلك من المرأة عورة على النساء والرجال، وأن الحرّة عورة ما عدا وجهها وكفّيها على غير ذوي المحارم من الرجال، وسائر جسدها على المحارم، ما عدا شعرَها ورأسها وذراعيها، وما فوق نحرها. واختُلف في حكمها مع النساء، فقيل: جسدها كلّه عورةٌ، فلا يَرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم، وقيل: حكم النساء مع النساء حكم الرجال مع الرجال، إلا مع نساء أهل الذمّة، فقيل: حكمهنّ في النظر إلى أجساد المسلمات حكم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] على خلاف بين المفسّرين في معناه. وحكم المرأة فيما تراه من الرجل حكم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه من النساء، وقد قيل: حكم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من المرأة، والأول أصحّ. وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثدييها، ولها أن تُبدي رأسها ومِعْصمها، وقيل: حكمها حكم الرجال، وقيل: يُكره لها كشف معصمها ورأسها

стр. 4552

وصدرها، وكان عمر ﵁ يضرب الإماء على تغطية رؤوسهنّ، ويقول: لا تتشبّهن بالحرائر. وحكم الحرائر في الصلاة ستر جميع أجسادهنّ إلا الوجه والكفّين، وهذا قول مالك، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبي ثور، وكافّة السلف، وأهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: لا يُرى منها شيء، ولا ظفرها، ونحوه قول أبي بكر بن عبد الرحمن. وأجمعوا أنها إن صلّت مكشوفة الرأس كلّه أن عليها إعادة الصلاة، واختلفوا في بعضه، فقال الشافعيّ، وأبو ثَوْر: تُعيد، وقال أبو حنيفة: إن انكشف أقلّ من ثلثه لم تُعِدْ، وكذلك أقلّ من ربع بطنها، أو فخذها، وقال أبو يوسف: لا تُعيد في أقلّ من النصف، وقال مالك: تُعيد في القليل والكثير من ذلك في الوقت. واختُلف عندنا - أي المالكيّة - في الأمة تصلّي مكشوفة البطن، هل يُجزئها، أو لا بدّ من سترها جسدها؟. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كلُّ شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب من قال: إن الفخذ من العورة؛ للأحاديث الواردة في ذلك: (منها): حديث عليّ ﵁، قال: قال لي النبيّ ﵇: "ولا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت"، رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو حديث حسن لشواهده. (ومنها): حديث جَرْهَدٍ الأسلميّ، قال: مرّ رسول الله ﷺ ، وعليّ بُردة، وقد انكشف فخذي، فقال: "غَطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة"، رواه مالك، وأحمد، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ، وصححه ابن حبّان، وعلّقه البخاريّ في "صحيحه"، وضعّفه في "تاريخه" للاضطراب في إسناده (٢).

стр. 4553

(ومنها): حديث ابن عبّاس ﵄، قال: مرّ رسول الله ﷺ على رجل، وفخذه خارجة، فقال: "غَطّ فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته"، رواه أحمد، والترمذيّ، وهو حديث حسن لشواهده أيضًا. (ومنها): حديث محمد بن جحش، قال: مرّ النبيّ ﷺ وأنا معه على معمر، وفخذاه مكشوفتان، فقال: "يا معمر، غَطّ فخذيك، فإن الفخذين عورة" رواه أحمد بإسناد حسن، والحاكم في "المستدرك"، وقال الزيلعيّ في "نصب الراية": إسناده صالح، وصححه الطحاويّ (١). والحاصل أن هذه الأحاديث لا شكّ في صحّتها بمجموعها، وقد صحّح بعضهم بعضها، وحسّن الآخرون بعضها، فهي صالحة للاحتجاج بها، فقد دلّت على أن الفخذ عورة، فهي أولى بالاحتياط من أحاديث انكشاف فخذ النبيّ ﷺ ، وإن كانت أصحّ، ولذا قال الإمام البخاريّ في "صحيحه": ويُروى عن ابن عبّاس، وجَرْهد، ومحمد بن جحش، عن النبيّ ﷺ : "الفخذ عورة"، وقال أنس: حَسَرَ النبيّ ﷺ الإزار عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀ عن حديث أنس هذا (٣): هذا محمول على أنه انكشف الإزار، وانحسر بنفسه، لا أن النبيّ ﷺ تعمّد كشفه، بل انكشف لإجراء

стр. 4554

الفرس، ويدلّ عليه أنه ثبت في رواية في "الصحيحين": "فانحسر الإزار". وقال أيضًا في حديث عائشة ﵂ (١): لا دلالة فيه على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنه مشكوك في المكشوف، قال أصحابنا: لو صحّ الجزم بكشف العورة تأوّلناه على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلّها، قالوا: ولأنها قضيّة عين، فلا عموم لها، ولا حجة فيها. انتهى. وقال العلامة ابن القيّم ﵀: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخفّفة ومغلّظة، فالمغلّظة السوأتان، والمخفّفة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغضّ البصر عن الفخذين؛ لكونهما عورةً، وبين كشفهما؛ لكونهما عورةً مخفّفةً. انتهى (٢). ثم بعد أن كتبت ما تقدّم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ رسالة في لباس الصلاة، قد أجاد فيها، فأحببت إلحاقها بما سبق؛ لما حوته من التحقيق والتلخيص قال ﵀: (فصل) في اللباس في الصلاة، وهو أخذ الزينة عند كل مسجد الذي يسميه الفقهاء: "باب ستر العورة في الصلاة". فإن طائفة من الفقهاء ظنّوا أن الذي يُستَر في الصلاة هو الذي يُستر عن أعين الناظرين، وهو العورة، وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ثم قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الباطنة ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والآية، فقال: يجوز لها في الصلاة أن تُبديَ الزينة الظاهرة دون الباطنة، والسلف قد تنازعوا في الزينة

стр. 4555

الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود، ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم، وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية، فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعيّ، وقول في مذهب أحمد، وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها، وهو قول مالك. وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرةٌ، وزينة غير ظاهرة، وجَوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب، كان النساء يخرجن بلا جلباب، يَرَى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تُظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] حُجِب النساء عن الرجال، وكان ذلك لَمّا تزوج زينب بنت جحش، فأرخى الستر، ومنع النساء أن يُنظَرْنَ، ولَمّا اصطَفَى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر، قالوا: إن حَجَبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها، فلما أمر الله أن لا يُسأَلن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يُدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يُغَطِّي رأسها وسائر بدنها، وقد حَكَى أبو عبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تُظْهِر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكُنّ النساء ينتقبن، وفي "الصحيح": أن المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كُنّ مأمورات بالجلباب؛ لئلا يُعْرَفن، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرت ألا تُظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين. وعلى هذا فقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] يدُلّ على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها، وفيه قولان: قيل: المراد الإماء، والإماء الكتابيات، كما قاله ابن المسيب، ورجحه أحمد وغيره، وقيل: هو

стр. 4556

المملوك الرجل، كما قاله ابن عباس وغيره، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته، وقد جاءت بذلك أحاديث، وهذا لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد، والمعامل، والخاطب، فإذا جاز نظر أولئك، فنظر العبد أولى، وليس في هذا ما يوجب أن يكون مَحْرَمًا يسافر بها، كغير أولي الإربة، فإنهم يجوز لهم النظر، وليسوا محارم يسافرون بها، فليس كلُّ من جاز له النظر جاز له السفر بها، ولا الخلوة بها، بل عبدها ينظر إليها للحاجة، وإن كان لا يخلو بها، ولا يسافر بها، فإنه لم يدخل في قوله: "لا تسافر امرأة إلا مع زوج، أو ذي محرم"، فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عَتَقَ، كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طَلَّق أختها، والمحرم مَن تَحْرُم عليه على التأبيد، ولهذا قال ابن عمر: سفر المرأة مع عبدها ضَيعَةٌ. فالآية رَخَّصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم، وحديث السفر، ليس فيه إلا ذَوُو المحارم، وذكر في الآية نساءهنّ، أو ما ملكت أيمانهن، وغير أولي الإربة، وهي لا تسافر معهم. وقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: احتراز عن النساء المشركات، فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة، ولا تدخُل معهنّ الحمّام، لكن قد كنّ النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها، فيرين وجهها ويديها، بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميّات، وليس للذميات أن يَطَّلِعن علي الزينة الباطنة، ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره، ولهذا كان أقاربها تُبدي لهن الباطنة، وللزوج خاصةٌ ليست للأقارب. وقوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] دليل على أنها تُغَطِّي العنق، فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها. انتهى. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: (فصل): فهذا ستر النساء عن الرجال، وستر الرجال عن الرجال، والنساء عن النساء في العورة الخاصة، كما قال ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة"، وكما قال: "احفظ عورتك إلا عن زوجتك،

стр. 4557

أو ما ملكت يمينك"، قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعتَ أن لا يراها أحدٌ فلا يراها"، قال: قلت: يا نبيّ الله إذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: "فالله أحق أن يستحيى منه" (١). ونَهَى أدت يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد، وقال عن الأولاد: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع"، فنَهَى عن النظر واللمس لعورة النظير؛ لما في ذلك من القبح والفحش. وأما الرجال مع النساء، فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان، وفي الصلاة نوع ثالث، فإن المرأة لو صَلَّت وحدها كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانًا، ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانًا، ولو كان وحده، فعُلِم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع. وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال. فالأول مثل المنكبين، فإن النبيّ ﷺ نَهَى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء، فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة، وكذلك المرأة الحرّة تختمر في الصلاة، كما قال النبيّ ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٢)، وهي لا تختمر عند زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا يجوز لها في الصلاة أن تَكشِف رأسها لهؤلاء، ولا لغيرهم، وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب، وأما ستر ذلك في الصلاة، فلا يجب باتفاق المسلمين، بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند

стр. 4558

جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعيّ، وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوى، فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة، قالت: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قالت: الْفَتَخَ، حِلَق من فضة تكون في أصابع الرجلين، رواه ابن أبي حاتم. فهذا دليلٌ على أن النساء كنّ يُظهرن أقدامهن أوّلًا كما يُظهرن الوجه واليدين، كنّ يُرخين ذيولهن، فهي إذا مشت قد يظهر قدمها، ولم يكن يمشين في خِفَاف وأحذية، وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيمٌ، وأم سلمة قالت: "تصلي المرأة في ثوب سابغ، يغطِّي ظهر قدميها"، فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم. وبالجملة قد ثبت بالنصّ والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تَلْبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خَرَجت، وحينئذ فتصلي في بيتها، وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها، كما كنّ يمشين أوّلًا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهنّ، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر، لا طردًا ولا عكسًا. وابن مسعود ﵁ لَمّا قال: الزينة الظاهرة هي الثياب، لم يقل: إنها كلَّها عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني أنها تشترط في الصلاة، فإن الفقهاء يُسَمُّون ذلك "باب ستر العورة"، وليس هذا من ألفاظ الرسول ﷺ ، ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة، بل قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ونَهَى النبيّ ﷺ أن يطوف بالبيت عريانٌ، فالصلاة أولى، وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: "أوَ لكلكم ثوبان؟ "، وقال في الثوب الواحد: "إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضَيِّقًا، فاتزر به"، ونَهَى أن يصلي الرجل في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء. فهذا دليلٌ على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ، وغيره، وإن جوَّزنا للرجل النظر إلى ذلك، فإذا قلنا على أحد القولين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد: إن العورة هي السوأتان، وإن الفخذ ليست بعورة، فهذا في جواز نظر الرجل إليها، ليس هو في الصلاة والطواف، فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين، سواء قيل: هما عورة أو لا، ولا يطوف عريانًا، بل عليه

стр. 4559

أن يصلي في ثوب واحد، ولا بُدّ من ذلك إن كان ضيقًا اتَّزَرَ به، وإن كان واسعًا التحف به، كما أنه لو صلى وحده في بيت، كان عليه تغطية ذلك باتّفاق العلماء. وأما صلاة الرجل بادي الفخذين، مع القدرة على الإزار، فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بَنَى ذلك على الروايتين في العورة، كما فعله طائفة، فقد غَلِطُوا، ولم يقل أحمد ولا غيره: إن المصلي يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين، فكيف يبيح له كشفَ الفخذ؟، فهذا هذا. وقد اختُلِف في وجوب ستر العورة، إذا كان الرجل خاليًا، ولم يُختَلَف في أنه في الصلاة لا بدّ من اللباس، لا تجوز الصلاة عريانًا مع قدرته على اللباس باتّفاق العلماء، ولهذا جوَّز أحمد وغيره للعُرَاة أن يصلوا قعودًا، ويكون إمامهم وسطهم، بخلاف خارج الصلاة، وهذه الحرمة لا لأجل النظر، وقد قال النبيّ ﷺ في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، لَمّا قال: قلت: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "فالله أحق أن يُستحيى منه من الناس" (١)، فإذا كان هذا خارج الصلاة، فهو في الصلاة أحقّ أن يُستَحْيى منه، فتؤخذ الزينة لمناجاته، ولهذا قال ابن عمر ﵄ لغلامه نافع لَمّا رآه يُصلي حاسرًا: أرأيت لو خرجت إلى الناس، كنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحقّ مَن يُتَجَمَّل له، وفي الحديث الصحيح لَمّا قيل له ﷺ : الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً؟، فقال: "إن الله جَمِيلٌ يحب الجمال" (٢). وهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة، والطيب، فقد أمر النبيّ ﷺ أن تتخذ المساجد في البيوت، وتُنَظَّف، وتُطَيَّب (٣). وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل، والمرأة

стр. 4560

من المرأة، ولهذا أُمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما وجهها ويداها وقدماها، فهي إنما نُهيت عن إبداء ذلك للأجانب، لم تنه عن إبدائه للنساء، ولا لذوي المحارم. فعُلِم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة التي نُهي عنها؛ لأجل الفحش، وقبح كشف العورة، بل هذا من مقدمات الفاحشة، فكان النهي عن إبدائها نهيًا عن مقدمات الفاحشة، كما قال في الآية: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال في آية الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فنَهَى عن هذا سدًّا للذريعة، لا أنه عورة مطلقة، لا في الصلاة ولا غيرها، فهذا هذا. وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيدٌ جدًّا، واليدان يسجدان، كما يسجد الوجه، والنساء على عهد النبيّ ﷺ إنما كان لهنّ قُمُصٌ، وكُنّ يصنعن الصنائع، والقمص عليهنّ، فتبدي المرأة يديها، إذا عجنت وطحنت وخبزت، ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجبًا لبيّنه النبيّ ﷺ ، وكذلك القدمان، وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص، فكن يصلين بقمصهنّ وخمرهن، وأما الثوب الذي كانت المرأة تُرخيه، وسألن عن ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: "شبرًا"، فقلن: إذن تبدو سوقهنّ، فقال: "ذراعًا، لا يزدن عليه" (١)، وقول عمر بن أبي ربيعة: كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا … وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ فهذا كان إذا خرجن من البيوت، ولهذا سئل عن المرأة تَجُرّ ذيلها على المكان القَذِر، فقال: "يطهره ما بعده" (٢)، وأما في نفس البيت، فلم تكن تلبس ذلك، كما أن الْخِفَاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السُّوق إذا خرجن، وهن لا يلبسنها في البيوت، ولهذا قلن: إذن تبدو سوقهنّ، فكان المقصود تغطية الساق؛ لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي.

стр. 4561

وقد رُوي: "أعروا النساء يلزمن الحجال" (١)، يعني إذا لم يكن لها ما تلبسه في الخروج لزمت البيت، وكنّ نساء المسلمين يصلين في بيوتهن، وقد قال النبيّ - صلي الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن"، ولم يؤمرن مع القمص إلا بالخمر، لم تؤمر بسراويل؛ لأن القميص يغني عنه، ولم تؤمر بما يغطي رجليها، لا خُفّ، ولا جَوْرب، ولا بما يغطي يديها، لا بقفازين، ولا غير ذلك. فدَلّ على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك، إذا لم يكن عندها رجال أجانب. وقد رُوي أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة، فإذا وضعت خمارها وقميصها، لم ينظر إليها، وروي في ذلك حديث عن خديجة ﵂. فهذا القدر للقميص والخمار هو المأمور به لحقّ الصلاة، كما يؤمر الرجل إذا صلى في ثوب واسع أن يَلْتَحِف به، فيغطي عورته ومنكبيه، فالمنكبان في حقه كالرأس في حق المرأة؛ لأنه يصلي في قميص، أو ما يقوم مقام القميص، وهو في الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر له، كالقميص والجبة، كما أن المرأة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، وأما رأسه فلا يخمره، ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، قيل: إنه كرأس الرجل، فلا يُغَطَّى، وقيل: إنه كيديه فلا تغطي بالنقاب والبرقع، ونحو ذلك مما صُنِع على قدره، وهذا هو الصحيح، فإن النبيّ ﷺ لم يَنْهَ إلا عن القفازين والنقاب، وكنَّ النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال، من غير وضع ما يجافيها عن الوجه، فعُلِم أن وجهها كيدي الرجل ويديها، وذلك أن المرأة كلَّها عورة كما تقدم، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل، ويلبس الإزار، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد شيخ الإسلام ﵀، وأفاد حيث بيّن أن العورة التي يُطلب سترها في الصلاة، من الرجال والنساء، غير العورة التي

стр. 4562

يُطلب سترها في غير الصلاة، وهذا هو الحقّ، كما بيّنه ﵀، وفصّله تفصيلًا حسنًا، فتنبّه لهذا الفرق المفيد، فإن بعض الناس لا يميّز ذلك حقّ التمييز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَا مَكَانَ "عَوْرَةِ": "عُرْيَةِ الرَّجُل، وَعُرْيَةِ الْمَرْأَةِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك، واسمه دينار - وقد يُنسب إلى جدّ أبيه كما في هذا السند - الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨]. رَوَى عن أبيه، ومحمد بن عمرو بن علقمة حديثًا واحدًا، وهشام بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب، وكثير بن زيد الأسلمي، وموسى بن يعقوب الزَّمْعيّ، وعبد الرحمن بن عبد المجيد السهمي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وسَلَمَة بن وَرْدان، والضحاك بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وغيرهم. ورَوى عنه الشافعي، وأحمد، والحميدي، وقتيبة، وأحمد بن صالح، وحاجب بن سليمان الْمَنبِجِيّ، والحسن بن داود المنكدري، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، ودُحَيم، وهارون الحمال، وغيرهم. قال النسائي: ليس به بأس. قال ابن معين: ثقةٌ. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس بحجة، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 4563

قال البخاريّ: مات سنة مائتين، وقال ابن سعد: مات سنة (٩٩)، وقال مرّة: مات سنة إحدى ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا. وقوله: (عُرْيَةِ الرَّجُل، وَعُرْيَةِ الْمَرْأَةِ). قال النوويّ ﵀: ضبطنا هذه اللفظة على ثلاثة أوجه: "عِرْية" - بكسر العين، وإسكان الراء - و"عُرْية" - بضم العين، وإسكان الراء - و"عُرَيَّة" - بضم العين، وفتح الراء، وتشديد الياء - وكلها صحيحةٌ، قال أهل اللغة: عِرية الرجل - بضم العين، وكسرها - هي مُتَجَرَّدُهُ، والثالثة على التصغير. انتهى (١). [تنبيه]: رواية ابن أبي فُدَيك هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٢٨٣)، فقال: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عليّ بن المدينيّ، قال: ثنا ابن أبي فُديك، قال: ثنا الضحاك بن عثمان الأسديّ، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عِرْيَة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عِرْيَة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد". انتهى، والله تعالى أعلم بالصمواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَانًا فِي الْخَلْوَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٦] (٣٣٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً،

стр. 4564

يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇ ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِه، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِه، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْه، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ) (١). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير، مات (٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالصنعانيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأما أبو هريرة ﵁، فيمنيّ، ثم مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "هذا ما حدّثنا أبو هريرة … إلخ"؛ إشارةً إلى أن هذا الحديث مما في صحيفة همّام بن منبّه المشهورة، وقد تقدّم بيان هذا وإيضاحه غير مرّة.

стр. 4565

٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الصنعانيّ، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع ما يورده من الأحاديث، وقد أسلفت آنفًا أن هذا الحديث من "صحيفة همّام بن منبّه" المشهورة، فاسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: (مَا) اسم موصول، أي الذي (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ)، أي حدّثناه، فالعائد على الموصول محذوف (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ) الضمير لهمّام ﵀ (أَحَادِيثَ، مِنْهَا)، أي من تلك الأحاديث التي ذكرها، فالجارّ والمجرور خبر مقذم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) فجملة "وقال إلخ" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه ("كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، أي جماعاتهم، فهو كقوله تعالى: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، وقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، فتأنيث الفعل على قول من يقول: حكم الجمع مطلقًا حكم المؤنث غير الحقيقيّ، وأما على قول من يقول: كل جمع مؤنّث، إلا جمع المذكّر السالم، فتأنيثه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة (١)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇، فـ "إسرائيل": اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم وسلامه، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا، وهم: روبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني، ويفتالي (٢)، وزبو لون، وجاد، ويساخر، وأشير، ويو سف، وبنيامين، وهم الذين سماهم الله الأسباط، وسُمُّوا بذلك؛ لأن كل واحد منهم والد قبيلة، والسبط في كلام العرب الشجرة الْمُلْتَفَّة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وموسى ﵊ من ذرية لاوي، وهو موسى بن عمران بن فاهث (٣) بن لاوي (٤).

стр. 4566

(يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً) بضمّ العين المهملة: جمع عار، كقاض وقُضاة، وانتصابه على الحال من الواو. ثم إن ظاهره أن ذلك كان جائزًا في شرعهم، وإلا لَمَا أقرّهم موسى ﵇ ﵇ على ذلك، وكان هو ﵇ يغتسل وحده؛ أخذًا بالأفضل، وأغرب ابن بطّال، فقال: هذا يدلّ على أنهم كانوا عُصاةً له، وتبعه على ذلك القرطبيّ، فأطال في ذلك، قاله في "الفتح" (١). وقال في "العمدة": [فإن قلت]: كشف العورة حرام في حقّ غير الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكيف الذي حصل من موسى ﵇؟. [قلت]: ذاك في شرعنا، وأما في شرعهم فلا، والدليل عليه أنهم كانوا يغتسلون عُرَاةً، وموسى ﷺ يراهم، لا يُنكر عليهم، ولو كان حَرَامًا لأنكره. [فإن قلت]: إذا كان كذلك فلم كان موسى ﵇ ينفرد في الخلوة عند الغسل؟. [قلت]: إنما كان يفعل ذلك من باب الحياء، لا أنه كان يجب عليه ذلك، ويَحْتَمل أنه كان عليه إزار رقيق فظهر ما تحته لَمّا ابتل بالماء فرأوا أنه أحسن الخلق فزال عنهم ما كان في نفوسهم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال فيه نظرٌ، وسيأتي في كلام الحافظ ما يُبعده، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ) "السَّوْءَة" بفتح، فسكون: العورة، وهي فرج الرجل والمرأة، والتثنية سَوْءتان، والجمع سوآتٌ، سُمِّيت سَوْءَةً، لأن انكشافها للناس يسُوءُ صاحبها، قاله الفيّوميّ (٣). وجملة "ينظر … إلخ" حال من فاعل "يغتسلون" أيضًا. (وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله بـ "منفردًا"، كما قال في "الخلاصة": وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كـ "وَحْدَكَ اجْتَهِدْ"

стр. 4567

وفي رواية للبخاريّ في كتاب "الأنبياء" من طريق الحسن وابن سيرين، وخِلاس كلهم عن أبي هريرة ﵁: "إن موسى كان رجلًا حَيِيًّا سَتِيرًا (١)، لا يُرى من جلده شيءٌ؛ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا الاستتار إلا من عيب بجلده: إما برصٌ، وإما أَدْرَةٌ، وإما آفةٌ … ". (فَقَالُوا)، أي بنو إسرائيل (وَاللهِ مَا) نافيةٌ (يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدّ، وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، قال الجوهريّ: "الأُدرة": نفخة في الْخِصية، وهي بفتحات، وحُكي بضمّ أوله، وإسكان الدال. انتهى. وقال في "العمدة": قوله: "آدر" زَعَمَ ثعلب في "الفصيح" أنه كآدم، وقال كراع في "المنتخب": "الأُدْرَة" على مثال فُعْلة: فَتْقٌ يكون في إحدى الْخِصيتين، وقال عليّ بن حمزة فيما ذكره ابن عميس: يقال: "أُدْرَةٌ"، و"أَدْرَةٌ" - بالضم، والفتح، وإسكان الدال، وبالفتح والتحريك - وفي "الْمُخَصَّص" لابن سِيدَهْ: "الأدرة": الْخُصية العظيمة أَدِرَ الرجلُ أَدَرًا، من باب فَرِحَ فَرَحًا، وقيل: الأَدَرُ الذي ينفتق صفَاقه (٢)، فيقع قُصْبُهُ في صَفْنه، ولا يَنفَتِق إلا من جانبه الأيسر، وقد تَأَدَّر الرجل من داء يصيبه، والشَّرْج (٣) ضدّه، وفي "الْمُحْكَم": الآدَرُ والْمَادُور: الذي ينفتق صِفَاقُهُ، وقيل: هو أن يصيبه فَتْقٌ في إحدى الْخِصيتين، ولا يقال: امرأة أَدْراء، إما لأنه لم يُسْمَع، وإما أن يكون لاختلاف الْخِلْقة، وقد أَدِرَ أَدَراء والاسم الأُدْرَة، وقيل: الْخِصية الأَدْراء: العظيمة من غير فَتْقٍ، وفي "الجامع": الأُدْرَة، والأَدَر: مصدران، واسم المنتفخة الأَدَرَة،

стр. 4568

وقيل: أَدِرَ الرجلُ يَأْدَرُ: إذا أصابه ذلك، وفي "الصحاح": الأُدْرة: نفخة في الْخِصية، يقال: رجل آدرُ: بَيِّنُ الأَدَر، وفي "الجمهرة": هو العظيم الْخِصيتين. انتهى (١). (قَالَ) الضمير للنبيّ ﵇، ويحتمل أن يكون لأبي هريرة ﵁ حاكيًا ما سمع منه ﷺ (فَذَهَبَ)، أي موسى ﵇ (مَرَّةً يَغْتَسِلُ) جملة حاليّة، وهي حال مقدّرة، أي ذهب حال كونه مقدّرًا الاغتسال، فهو كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. (فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) رُوي عن سعيد بن جبير: أنه قال: الحجر الذي وضع موسى ﵇ ثوبه عليه، هو الذي كان يَحمِله معه في الأسفار، فيضربه، فيتفجر منه الماء، والله تعالى أعلم، ذكره في "العمدة" (٢). وقال في "الفتح": ظاهره أنه دخل الماء عريانًا، وعليه بوَّب البخاريّ في "كتاب الغسل": "من اغتسل عُرْيانًا"، قال: ونَقَل ابن الجوزيّ، عن الحسن بن أبي بكر النيسابوريّ أن موسى ﵇ نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج تتبع الحجر، والمئزر مبتلّ بالماء، عَلِمُوا عند رؤيته أنه غير آدر؛ لأن الأُدْرَة تَبِينُ تحت الثوب المبلول بالماء. انتهى. قال: وهذا إن كان هذا الرجل قاله احتمالًا، فيحتمل، لكن المنقول يخالفه؛ لأن في رواية علي بن زيد، عن أنس، عند أحمد في هذا الحديث "أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبه حتى يواري عورته في الماء". انتهى (٣). (فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ)، وفي رواية البخاريّ المذكورة: "وإن الله أراد أن يُبرّئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عَدا بثوبه … ". (قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى) مخفّف الميم: أي جَرَى أشدَّ الجري، قاله

стр. 4569

النوويّ، وقال ابن الأثير: أي أسرع إسراعًا، لا يرُدّه شيءٌ، وكلُّ شيء مضى لوجهه على أمر، فقد جَمَحَ. انتهى (١). وفي "القاموس": جَمَحَ الفرسُ، كمَنَعَ جَمْحًا، وجُمُوحًا، وجِمَاحًا، وهو جَمُوحٌ: اعتزَّ فارسه، وغَلَبَهُ. انتهى (٢). وقال في "العمدة": زعم ابن سِيدَهْ أنه يقال: جَمَح الفرسُ بصاحبه جَمْحًا، وجِمَاحًا: ذَهَب يجري جريًا عاليًا، وكلُّ شيء مضى ليس على وجهه، فقد جَمَح، قال نِفْطَوَيه: الدابة الْجَمُوح: هي التي تميل في أحد شقيها، وفي "التهذيب" لأبي منصور: فَرَسٌ جَمُوحٌ: إذا رُكِب، فلم يَرُدَّ اللجام رأسه، وهذا ذمّ، وفرسٌ جَمُوح: أي سريعٌ، وهذا مدحٌ. انتهى (٣). (بِإِثْرِهِ) - بكسر الهمزة، وسكون الثاء المثلثة، وبفتحتين أيضًا - لغتان مشهورتان: أي بَعْدَهُ، وفي "القاموس": "الأثر" محرّكةً: بقيّة الشيء، جمعه آثارٌ بالمدّ، وأُثورٌ بالضمّ. انتهى (٤). وقال في "العمدة" نقلًا عن "الواعي": "الأَثَرُ" محركةً: هو ما يُؤَثِّر الرَّجُلُ بقدمه في الأرض. انتهى (٥). (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "جَمَحَ" (ثَوْبِي) مفعول لفعل محذوف: أي أعطني، أو رُدّ ثوبي، والجملة مقول "يقول" (حَجَرُ) منادى بحذف حرف النداء، وهو جائز في السعة، كما قال في "الخلاصة": وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وقال الحريريّ ﵀ في "مُلْحَته": وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي" وفي رواية البخاريّ من الطريق المذكورة: "فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر"، وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الغسل" من طريق همّام: "ثوبي يا حجرُ" بذكر حرف النداء.

стр. 4570

وإنما خاطب موسى ﵇ الحجر؛ لأنه أجراه مُجْرَى مَن يَعْقِل؛ لكونه فَرَّ بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه، فلما لم يُطِعْه ضربه، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون موسى ﵇ أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويَحْتَمِل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز، ومَشْيُ الحجرِ إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى ﵇ (١). (ثَوْبِي حَجَرُ) كرّره للتوكيد (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى) أي عورته، وقد تقدّم ضبطها ومعناها آنفًا (قَالُوا: وَاللهِ مَا) نافية، ولا تعمل عمل "ليس"؛ لتقدم خبرها على اسمها، وهذا مذهب ابن مالك، كما بيّنه بقوله: إِعْمَالَ "لَيْسَ" أُعْمِلَتْ "مَا" دُونَ "إِنْ" … مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيب زُكِنْ وجوّز بعض النحاة إعمالها فيما إذا كان خبرَها ظرفًا، أو جارًّا ومجرورًا، كما هنا. وقوله: (بِمُوسَى) الجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (مِنْ بَأْسٍ)، و"من" فيه زائدة، كما قال في "الخلاصة": وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ" و"البأس" في الأصل هو: العذاب، والشدّة في الحرب، لكن المراد هنا الكناية عن الضرر والعيب، أي ليس بموسى ﵇ ما كنّا نظنّه فيه من عيب خَلْقيّ، يمنعه من الاغتسال معنا عُريانًا، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ في "كتاب الأنبياء" من طريق روح بن عبادة، عن عوف: "حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون"، وفي روايةٍ له: "فرأوه كأحسن الرجال خَلْقًا، فبَرّأه مما قالوا"، وفي رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عند ابن مردويه، وابن خزيمة: "وأَعْدَله صورةً"، وفي روايته: "فقالت بنو إسرائيل: قاتل الله الأَفّاكين، وكانت براءته". (فَقَامَ الْحَجَرُ)، أي توقّف عن الجري (حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ) ببناء الفعل

стр. 4571

للمفعول، أي حتى نظرت إليه بنو إسرائيل عريانًا، ورأوا سوأته، والمراد أن الحجر لَمْ يكتف برؤيتهم لموسى ﵇، وهو يجري، بل أوقفه الله تعالى عندهم؛ ليتأكّدوا من براءته مما آذوه به، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الضمير للنبيّ ﷺ ، ويحتمل أن يكون لأبي هريرة ﵁، كما سبق آنفًا (فَأَخَذَ) موسى ﵇ (ثَوْبَهُ) زاد عند البخاريّ: "فلبسه" (فَطَفَقَ) - بكسر الفاء، وفتحها - لغتان، ومعناه جَعَلَ، وأقبل، وصار ملتزمًا لذلك، قاله النوويّ ﵀ (١). [تنبيه]: "طَفِقَ" من أفعال المقاربة التي تدخل على المبتدأ، فترفعه، والخبر فتنصبه، وتُسمّى أفعال الشروع، وقد ذكرها ابنُ مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: ....................... … وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا كَـ "أَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو" وَطَفَقْ … كَذَا "جَعَلْتُ" وَ"أَخَذْتُ" وَ"عَلِقْ" [تنبيهٌ آخر]: أفعال المقاربة ثلاثة أنواع: (الأول): ما وُضع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: "كاد"، و"كَرِب"، و"أوشك". (الثاني): ما وُضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة: "عسى"، و"اخْلَوْلَق"، و"حَرَى". (الثالث): ما وُضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، ومنه طَفِقَ، وهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي، إلَّا أربعة، فاستُعْمِل لها مضارع، وهي "كاد"، و"أوشك"، و"طَفَقَ"، و"جَعَل"، واستُعمِل مصدر لاثنين، وهما "طفق"، و"كاد"، وحَكَى الأخفش طُفُوقًا عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ بالكسر، أفاده في "العمدة" (٢). وقوله: (بِالْحَجَرِ) الباء فيه زائدة، و"الحجر" منصوب بقوله: (ضَرْبًا") لأنه نائب مناب يضرب، وقيل: هو منصوب بالفعل المقدّر، والجملة خبر "طَفَقَ". وفي رواية للبخاريّ من الطريق المذكورة: "وطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه".

стр. 4572

قال النوويّ ﵀: يجوز أن يكون موسى ﵇ أراد بضرب الحجر إظهار معجزةٍ لقومه بأثر الضرب في الحجر، ويَحْتَمِل أنه أُوحي إليه أن يضربه لإظهار المعجزة، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، قال في "الفتح": هو من تَتِمّة مقول همّام بن منبّه، وليس بمعلّق (وَاللهِ إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (بِالْحَجَرِ) خبر مقدّم لقوله: (نَدَبٌ) بالنون والدال المفتوحتين: أي أثَرٌ، قال في "المنتهى": النَّدَبُ: أَثَرُ الْجُرْح إذا لَمْ يرتفع عن الجِلْد، وجُرْحٌ نَدِيبٌ ذُو نَدَبٍ، وقد انتدَبْتُهُ: جعلته نَدَبًا وأَثَرًا، والجمع أَنْدابٌ ونُدُوبٌ، وفي "الاشتقاق" للرمّانيّ، عن الأصمعيّ: النَّدَبُ: هو الجرح إذا بقي منه أثَرٌ مُشرِفٌ، يقال: ضربه حتى أندبه. انتهى (٢). وقال المجد ﵀: النَّدَبةُ: أَثَرُ الجرح الباقي على الجلد، جمعه نَدَبٌ، وأَندابٌ، ونَدِبَ الجُرْح، كفَرِحَ: صَلُبَتْ نَدَبَته، كأندب، ونَدِبَ الظهرُ نَدَبًا، ونُدُوبَةً ونُدُوبًا: صارت فيه نُدُوبٌ. انتهى (٣). (سِتَّةٌ) بالرفع على البدليّة من "نَدَبٌ"، أي ستّة أَثار (أَوْ سَبْعَةٌ) "أو" للشكّ من الراوي، وقوله: (ضَرْبُ مُوسَى) خبر لمحذوف: أي هو ضرب موسى ﵇، ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل مقدَّر، أي أعني، هذا إن صحّ روايةً. وأعرب بعضهم قوله: "ستّةٌ أو سبعةٌ" خبرًا مقدّمًا، و"ضربُ موسى" مبتدأ مؤخّرًا، والوجه الأول أوضح وأولى، والله تعالى أعلم. وفي رواية للبخاريّ: "فوالله إن بالحجر لندَبًا من أثر ضربه، ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا"، ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم، عن أبي هريرة الجزم بستّ ضربات، قاله في "الفتح". وقوله: (بِالْحَجَرِ) ووقع في نسخة: "الحجرَ"، وعلى الأول فالباء فيه زائدة، و"الحجر" مفعول لـ "ضَرْبُ"، ولا تكون الباء أصليّة متعلّقة بـ "ضربُ"؛

стр. 4573

لأن ضربه ليس بالحجر، وإنما هو بعصاه، كما نَصّ عليه في الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد في الرواية الآتية في "كتاب الفضائل" من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁ قصّة نزول الآية، فقال: (٣٣٩) وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثيّ، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا خالد الحذّاء، عن عبد الله بن شقيق، قال: أنبأنا أبو هريرة، قال: كان موسى ﵇ رجلًا حييًّا، قال: فكان لا يُرَى مُتَجَرِّدًا، قال: فقال بنو إسرائيل: إنه آدر، قال: فاغتسل عند مُوَيْهٍ، فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يَسْعَى، واتبعه بعصاه يضربه، ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ حتى وقف على ملأٍ من بني إسرائيل، ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وأخرجه البخاريّ في "كتاب الأنبياء" من طريق الحسن، وابن سيرين، وخِلاس، كلهم عن أبي هريرة ﵁، فقال: (٣٤٠٤) حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا عوفٌ، عن الحسن ومحمد وخِلاس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حييًّا سَتِيرًا لا يُرَى من جلده شئٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التّسَتُّر إلَّا من عيب بجلده، إما بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وإما افةٍ، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسي، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عَدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيانًا، أَحْسَنَ ما خلق اللهُ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطَفِق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لنَدَبًا من أثر ضربه ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قال في "الفتح": قوله: "فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ لَمْ يقع هذا في رواية هَمّام، ورَوَى ابن

стр. 4574

مردويه من طريق عكرمة، عن أبي هريرة قال: "قرأ رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية، قال: إن بني إسرائيل كانوا يقولون: إن موسى آدر، فانطلق موسى إلى النهر يغتسل … " فذكر نحوه، وفي رواية علي بن زيد: "فرأوه ليس كما قالوا، فأنزل تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ". انتهى (١). [تنبيهٌ آخر]: رَوَى أحمد بن منيع في "مسنده" بإسناد حسن (٢)، والطحاويّ، وابن مردويه من حديث عليّ أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون؛ لأنه توجه معه إلى زيارة، فمات هارون، فدفنه موسى، فطَعَن فيه بعض بني إسرائيل، وقالوا: أنت قتلته، فبرأه الله تعالى بأن رَفَعَ لهم جسد هارون ﵇، وهو ميت، فخاطبهم بأنه مات، وفي الإسناد ضعف، ولو ثبت لَمْ يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معًا؛ لصدق أن كلًّا منهما آذى موسى، فبرأه الله مما قالوا، قاله في "الفتح" (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٧/ ٧٧٦] (٣٣٩)، وفي "كتاب الفضائل"، و (البخاريّ) في "كتاب الغسل" (٢٧٨)، و"كتاب أحاديث الأنبياء" (٣٤٠٤)، و"تفسير القرآن" (٤٧٩٩)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٤ و ٣١٥)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٦٧)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٢٢/ ٥١ و ٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده"

стр. 4575

(٨٠١)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧٦٥)، وهو في "صحيفة همّام بن منبّه" برقم (٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز التعرّي في الخلوة للغسل وغيره بحيث يَأْمَن أعين الناس، قال النوويّ ﵀: فيه التكشف في الخلوة، وأما بحضرة الناس فيحرم كشف العورة، قال العلماء: والتستر بمئزر ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف، والتكشف جائز مُدّة الحاجة في الغسل ونحوه، والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصحّ كما قدمنا في الباب السابق أن ستر العورة في الخلوة واجب على الأصح إلَّا في قدر الحاجة، قال: وموضع الدلالة من هذا الحديث أن موسى ﵊ اغتسل في الخلوة عُريانًا، وهذا يَتِمّ على قول من يقول من أهل الأصول: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يأتي قريبًا أن القول بالاحتجاج بشريعة من قبلنا هو الحقّ بشروط تأتي، فتنبّه. ٢ - (ومنها): بيان جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إليه، من مُداواة، أو براءة من العيوب، أو إثباتها، كالبرص، كما لو ادَّعَى أحدُ الزوجين على الآخر البرصَ؛ لِيُفْسَخ النِّكَاحُ فأنكر، وغير ذلك مما يتحاكم الناس فيه مما لا بُدّ فيه من رؤية العورة بالبصر، قاله في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: قد قدمنا في الباب السابق أنه يجوز كشف العورة في موضع الحاجة في الخلوة، وذلك كحالة الاغتسال، وحال البول، ومعاشرة الزوجة، ونحو ذلك، فهذا كله جائز. انتهى. ٣ - (ومنها): جواز الحلف على الإخبار، كحلف أبي هريرة ﵁ هنا. ٤ - (ومنها): الدلالة على معجزة موسى ﵇، وهو مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل، ونداؤه ﵇ له، وتأثير ضربه فيه. ٥ - (ومنها): بيان أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في خَلْقهم

стр. 4576

وخُلُقهم على غاية الكمال، وأن من نَسَبَ نبيًّا من الأنبياء إلى نقص في خِلْقته فقد آذاه، ويُخْشَى على فاعله الكفر. ٦ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً لموسى ﵇. ٧ - (ومنها): بيان أن الآدمي يغلب عليه طباع البشر؛ لأن موسى ﵇ عَلِمَ أن الحجر ما سار بثوبه إلَّا بأمر من الله ، ومع ذلك عامله معاملة مَن يعقل حتى ضربه، ويَحْتَمِل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر. ٨ - (ومنها): بيان ما كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الصبر على الجهّال، واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم. ٩ - (ومنها): جواز المشي عريانًا للضرورة، وقال ابن الجوزيّ: لَمّا كان موسى ﵇ في خلوة، وخرج من الماء، فلم يجد ثوبه، تبع الحجر بناءً على أن لا يصادف أحدًا، وهو عريان، فاتَّفَقَ أنه كان هناك قومٌ، فاجتاز بهم، كما أن جوانب الأنهار وإن خلت غالبًا، لا يؤمن من وجود قوم قريب منها، فبنى الأمر على أنه لا يراه أحدٌ؛ لأجل خلاء المكان، فاتّفَقَ رؤية من رآه. قال الحافظ: والذي يظهر أنه استَمَرَّ يتبع الحجر على ما في الخبر، حتى وَقَفَ على مجلس لبني إسرائيل، كان فيهم من قال فيه ما قال، وبهذا تظهر الفائدة، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة، لَمْ يقع ذلك الموقع. انتهى، وهو تحقيقٌ جيّد. ١٠ - (ومنها): أن صنيع المصنّف ﵀ يدلّ على أنه يرى الاحتجاج بشريعة من قبلنا، وهو أيضًا مذهب البخاريّ ﵀ حيث أورداه احتجاجًا لجواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، وهو الحقّ، بشروط، وقد ذكرتُ ذلك في "التحفة المرضيّة" في الأصول، حيث قلتُ: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلُ ثَلَاثَةً يُرَى … شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ قَدْ جَرَى وَهُوَ مَا صَحَّ لَدَيْنَا شَرْعَا … وَعِنْدَهُمْ كَالصَّوْم خُذْهُ قَطْعَا وَالثَّانِ مَا لَيْسَ لَنَا بِشَرْعِ … بِلَا خَلَافٍ بَيْنِ أَهْلِ الْقَطْعِ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَدَيْنَا مُثْبَتَا … كَوْنُهُ شَرْعَهُمْ بِنَقْلٍ ثَبَتَا

стр. 4577

مِثْلُ الَّذِي نُقِلَ مِمَّا سَلَفَا … مِنْ كُتُبٍ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا وَفَا أَوْ هُوَ ثَابِتٌ وَلَكِنْ وُضعَا … كَالإِصْرِ وَالأَغْلَالِ إِذْ قَدْ رُفِعَا ثَالِثُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ مَا اشْتَمَلْ … عَلَى ثَلَاثَةِ ضَوَابِطَ اكْتَمَلْ أَوَّلُهَا كَوْنُهُ شَرْعَ مَنْ سَبَقْ … ثَبَتَ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ فَاتَّسَقْ وَثَانِهَا أَنْ لَا يَجِي فِي شَرْعِنَا … مُؤَيِّد لَهُ وَإِلَّا شَرْعُنَا ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَجِي مَا يُبْطِلُهْ … فِي شَرْعِنَا فَإِنْ يَجِي لَا نَقْبَلُهْ فَذِي الضَّوَابِطُ إِذَا تَوَفَّرَتْ … بِهِ احْتِجَاجُ الْأَكْثَرِينَ قَدْ ثَبَتْ وَهْوَ الصَّوَابُ إِذْ إِلَاهُنَا عَلَا … مَا قَصَّ الاخْبَارَ سِوَى أَنْ نَعْمَلَا كَذَلِكَ الرَّسُولُ لَمَّا أَخْبَرَا … عَنْ رَجُلٍ بِسَقْي كَلْبٍ أُجِرَا سُئِلَ هَلْ نُؤْجَرُ فِي الْبَهَائِمِ … قَالَ نَعَمْ مُقَرِّرًا لِلْهَائِمِ وَرَدُّ ذَا الْخِلَافِ لِلَّفْظِ لِمَنْ … أَمْعَنَ فِي النَّظَرِ تَوْجِيهٌ حَسَنْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَشْيِ عُرْيَانًا، وَالاعْتِنَاءِ بِحِفْظِ الْعَوْرَةِ) وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٧] (٣٤٠) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ حِجَارَةً، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، مِنَ الْحِجَارَة، فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الْأَرْض، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاء، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: "إِزَارِي، إِزَارِي"، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ في رِوَايَتِهِ: عَلَى رَقَبَتِكَ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى عَاتِقِكَ).

стр. 4578

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩. ٤ - (إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ العابد، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٧ - (ابْنُ جُرَبجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل، ويُدلّس ٦١، (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٨ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤١] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤. ٩ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ مات بعد (٧٥) من الهجرة، وهو ابن (٩٤) سنة (ع)، تقدّم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بين اثنين منهم على حسب اختلاف كيفيّة التحمّل، كما أوضحته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، والثالث ما أخرج له أبو داود، والرابع ما أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع. ٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله ﵄ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 4579

شرح الحديث: عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ)، أي لَمّا بُدئ بناؤها، قيل: سمّيت الكعبة بهذا الاسم؛ لعلوّها وارتفاعها، ومنه الكعب للعظم البارز في القدم، وقيل: لاستدارتها وعلوّها، ومنه قيل للفتاة: كاعب إذا برز ثديها واستدار، وقيل: لأنَّها مكعّبة الشكل، طولها مثلُ عرضها، ومثل ارتفاعها (١). [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث مرسل صحابيّ، وقد قدَّمنا أن العلماء من الطوائف، متفقون على الاحتجاج بمرسل الصحابيّ، إلَّا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائنيّ، من أنه لا يحتج به، وقد تقدم دليل الجمهور في الفصول المذكورة في أول الكتاب. انتهى (٢). وقال في "الفتح": هذا من مرسل الصحابيّ؛ لأن جابرًا ﵁ لَمْ يُدْرِك هذه القصة، فيَحتَمِل أن يكون سمعها من النبيّ ﷺ ، أو ممن حضرها من الصحابة ﵃. وقد رَوَى الطبرانيّ، وأبو نعيم في "الدلائل" من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا: هل يقوم الرجل عريانًا؟ فقال: أخبرني النبيّ ﷺ أنه لَمّا انهدمت الكعبة، نَقَلَ كلُّ بطن من قريش، وأن النبيّ ﷺ نَقَل مع العباس، وكانوا يضعون ثيابهم على العواتق، يتَقَوَّوْن بها - أي على حَمْل الحجارة - فقال النبيُّ ﷺ ، فاعتُقِلت رجلي، فخَرَرت، وسقط ثوبي، فقلت للعباس: هَلُمَّ ثوبي، فلست أَتَعَرَّى بعدها، إلَّا إلى الغسل"، لكن ابن لَهِيعة ضعيف، وقد تابعه عبد العزيز بن سليمان، عن أبي الزبير، ذكره أبو نعيم. قال الحافظ ﵀: فإن كان محفوظًا، وإلا فقد حضره من الصحابة العباس، كما في حديث الباب، فلعلَّ جابرًا حمله عنه. ورَوَى الطبرانيّ أيضًا، والبيهقيّ في "الدلائل" من طريق عمرو بن أبي قيس، والطبريّ في "التهذيب" من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نعيم في "المعرفة" من طريق قيس بن الربيع، وفي "الدلائل" من طريق شعيب بن خالد،

стр. 4580

كلهم عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني أبي العباسُ بن عبد المطلب، قال: "لما بَنَتْ قريشٌ الكعبة، انفرَدنا رجلين رجلين، ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي، فجعلنا نأخذ أُزُرنا، فنضعها على مناكبنا، ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لَبِسنا أُزُرنا، فبينما هو أمامي، إذ صُرع، فسعيت، وهو شاخص ببصره إلى السماء، قال: فقلت لابن أخي: ما شأنك؟ قال: نُهِيت أن أمشي عريانًا، قال: فكتمته حتى أظهر الله نبوته"، تابعه الحكم بن أبان، عن عكرمة، أخرجه أبو نعيم أيضًا. ورُوِيَ ذلك أيضًا من طريق النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، ليس فيه العباس، وقال في آخره: "فكان أوّل شيء رأى من النبوة"، والنضر ضعيف، وقد خَبَط في إسناده، وفي متنه، فإنه جَعَل القصة في معالجة زمزم بأمر أبي طالب، وهو غلام. وكذا رَوَى ابن إسحاق في "السيرة" عن أبيه، عمن حدَّثه عن النبيّ ﷺ ، قال: "إني لمع غلمان هم أسناني، قد جعلنا أُزُرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها، إذ لَكَمني لاكم لَكْمةً شديدةً، ثم قال: اشدُد عليك إزارك". قال الحافظ: فكأنّ هذه قصة أخرى، واغتَرّ بذلك الأزرقيّ، فَحَكَى قولًا: "أن النبيّ ﷺ لَمّا بُنِيت الكعبةُ كان غلامًا"، ولعل عمدته في ذلك ما سيأتي (١) عن معمر، عن الزهريّ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر يتعلّق ببناء الكعبة]: أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطفيل قال: "كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضْم (٣)، ليسس فيها مَدَرٌ، وكانت قدر ما يقتحمها الْعَنَاق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلًا، وكانت ذات ركنين، كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها،

стр. 4581

فوجدوا الروميّ الذي فيها نَجّارًا، فقَدِمُوا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كُلَّما أرادوا القرب منه لهدمه بَدَت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النَّسْر، فغرز مخالبه فيها، فالقاها نحو أجياد، فهَدَمَت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ ﷺ يَحْمِل الحجارة من أجياد، وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خَمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين". قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: الَمّا بَلَغَ رسول الله ﷺ "الْحُلُم، أجمرت امرأة الكعبةَ، فطارت شِرارة من مِجْمَرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن الله لا يُهلك مَن يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللهم لا نريد إلَّا الإصلاح، ثم هَدَم، فلما رأوه سالمًا تابعوه". قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهد: كان ذلك قبل المبحث بخمس عشرة سنةً، وكذا رواه ابن عبد البر، من طريق محمد بن جبير بن مطعم، بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في "مغازيه"، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق. قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء. وذكر ابن إسحاق أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان رَضْمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وذلك أن نَفَرًا سَرَقُوا كنز الكعبة، فذَكَر القصة مطولةً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يَضَع الحجر الأسود، حتى رَضُوا باول داخل، فدخل النبيّ ﷺ ، فحَكَّمُوه في ذلك، فوضعه بيده، قال: وكانت الكعبة على عهد النبيّ ﷺ ثمانية عشر ذراعًا. ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى، عن ابن خُثَيم، عن أبي الطفيل: أن اسم النجار المذكور باقوم، وللفاكهيّ من طريق ابن جريجٍ مثله، قال: وكان يَتّجِر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عِيري مع عِيركم إلى الشام، أعطيتكم الخشب، ففعلوا.

стр. 4582

ورَوَى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عمرو بن دينار، أنه سمع عُبيد بن عُمير يقول: اسم الذي بَنَى الكعبة لقريش باقوم، وكان رُومِيًّا. وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتَصَرت قريش منها على ثمانية عشر، ونَقَصُوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الْحِجْر، والله تعالى أعلم (١). (ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاس) بن عبد المطّلب، فـ "عبّاس" مرفوعٌ عطفًا على "النبيُّ"، ويجوز نصبه - إن صحّ روايةً - على أنه مفعول معه (يَنْقُلَانِ حِجَارَةً) الجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، مِنَ الْحِجَارَةِ) معناه: لِيَقِيك الحجارة، أو من أجل الحجارة، وفي رواية محمد بن رافع: "على رقبتك"، وفي رواية زكريا بن إسحاق الآتية: "على منكبك". و"العاتق": ما بين المنكب والعنق، وهو موضع الرداء، وجمعه عَوَاتِق، وعُتْقٌ - بضمّ، فسكون - وعُتَّقٌ - بضمّ، فتشديد تاء - وهو مُذَكَّر، قال في "اللسان": وقد أُنِّث، وليس يَثبُتُ، وزعموا أن هذا البيت مصنوعٌ، وهو: لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الْفَتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ وَلَا … بَيْنَكُمُ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِ بِالشَّاهِقِ قال ابن بَرّيّ: العاتق مؤنّثة، واستشهد بهذه الأبيات، وقال اللحيانيّ: هو مذكّرٌ لا غيرُ. انتهى (٢). [تنبيه]: أنشد ابن عصفور ﵀ في ذكر الأعضاء التي تُذكَّر وتؤنّث، فقال [من الطويل]: وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاءِ مَا قَدْ عَدَدتُهُ … يُؤَنَّثُ أَحْيَانًا وَحِينًا يُذَكَّرُ لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا … وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكَرُ وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَى … وَعَجْزُ الْفَتَى تَمَّ الْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ

стр. 4583

كَذَا كُلّ نَحْوِيٍّ حَكَى فِي كِتَابِهِ … سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمُ مُكْبَرُ يَرَى أَنَّ تَأنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي … أَتَى وَهْوَ لِلتَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مُنْكِرُ (١) (فَفَعَلَ) النبيّ ﷺ ما أمره به العباس ﵁ من جعل إزاره على عاتقه؛ ليقيه من الحجارة (فَخَرَّ)، أي سقط ﷺ (إِلَى الْأَرْضِ) في رواية زكريا بن إسحاق، الآتية: "فَحَلَّهُ، فجعله على منكبه، فسَقَط مَغْشِيًّا عليه"، (وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ) بفتح الحاء المهملة والميم: أي ارتفعتا، والمعنى أنه صار ينظر إلى فوقُ (إِلَى السَّمَاءِ) متعلّق بـ "طَمَحَت"، (ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَقَالَ)، وفي رواية عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ عند البخاريّ: "ثم أفاق، فقال" ("إِزَارِي، إِزَارِي") بالتكرار، أي أعطني إزاري (فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ) زاد في رواية زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار الآتية: "في رُؤي بعد ذلك عُريانًا". (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ) هو محمد شيخه الرابع في هذا السند (فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى رَقَبَتِكَ) أبدل قول الآخرين: "على عاتقك" (وَلَمْ يَقُلْ)، أي ابن رافع (عَلَى عَاتِقِكَ) مؤكّد وموضّح لما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف ﵀) هنا في "الحيض" [١٨/ ٧٧٧ و ٧٧٨] (٣٤٠)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٦٤)، و"الحجِّ" (١٥٨٢)، وفي "كتاب المناقب" (٣٨٢٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنفه" (١١٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٥ و ٣١٠ و ٣٣٣ و ٣٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٠٢ و ٨٠٣ و ٨٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٦٦ و ٧٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 4584

١ - (منها): بيان بعض ما أكرم الله تعالى به رسولَه ﷺ ، وأنه كان مصونًا محميًّا في حغره عن القبائح، وأخلاق الجاهلية، وقد تقدّم بيان عصمة الأنبياء - صلوات الله عليهم - في "كتاب الإيمان"، وجاء في رواية في غير "الصحيحين": "أن الملك نَزَل، فشَدّ عليه ﷺ إزاره"، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان أنه ﷺ كان جبله الله تعالى على أحسن الأخلاق، والحياء الكامل، حتى كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فلذلك غُشِي عليه لَمّا تعرّى من إزاره، وانكشفت عورته، فلم يُرَ بعد ذلك عريانًا. ٣ - (ومنها): أنه لا يجوز التعري للإنسان بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يَأْمَن أعين الآدميين إلَّا ما رُخّص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عُرَاةً. ٤ - (ومنها): استحباب المشاركة في فعل الخير، والمسارعة إليه؛ فقد ذهب النبيّ ﷺ لنقل الحجارة مع قريش لبناء الكعبة الشريفة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الطبرانيّ بسنده عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن العباس قال: كنا ننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، وأفردت قريش رجلين رجلين ينقلون الحجارة، والنساء ينقلن الشِّيد، وكنت أنا وابن أخي، فكنا ننقل على رقابنا، وأزُرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس اتزرنا، فبينا أنا أمشي ومحمد ﷺ قُدّامي، ليمس عليه إزار خَرّ، فانبطح على وجهه، فجئت أسعى، والقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره، فقال: "نُهِيت أن أمشي عُريانًا"، فقلت: اكتُمْها مخافةَ أن يقولوا مجنون. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث، وإن كان في سنده مقال؛ لأن سماكًا مضطرب في روايته عن عكرمة، لكنه صحيح بشواهده، كحديث جابر ﵁ المذكور في الباب. ثم قيل: إنه يدُلّ على أنه لا يجوز التعرّي في الخلوة، ولو لَمْ يكن مع الناس. لكن الذي يظهر لي أنه محمول على الحال التي كان عليها النبيّ ﷺ ؛ إذ كانت قريش، رجالُها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: "نهيت أن أمشي

стр. 4585

عريانًا"، أي في مثل هذه الحالة، فلو كان ذلك نَهْيًا عن التعري في كلّ مكان، لكان قد نهاه عنه في غسل الجناية في الموضع الذي قد أَمِن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعرّي بحيث يراه فيه أحد. قال العينيّ ﵀؛ والقعودُ بحيث يراه مَن لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا، ولذلك نَهَى الشارع عن دخول الحمام بغير إزار. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِياءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَة، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ، دُونَ الْحِجَارةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِه، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْه، قَالَ: فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ)، أي مع قريش. وقوله: (لِلْكَعْبَةِ)، أي لأجل بناء الكعبة.

стр. 4586

وقوله: (وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ) جملة حاليّة من الفاعل. وقوله: (عَمُّهُ) بالرفع على أنه بدلٌ من العبّاس، أو عطف بيان له. وقوله: (لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ) "لو" يَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى الجواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، وجوابها محذوف، أي لكان أرفق بك، وأسهل عليك. وقوله: (عَلَى مَنْكِبِكَ) بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، وزانُ مَجْلِس: مُجتَمَع رأس الْكَتِف والعَضُد. وقوله: (دُونَ الْحِجَارَةِ)، أي تحت الحجارة، والمراد وضع الإزار على المنكب ليكون حائلًا بين الحجارة والكتف؛ تخفيفًا لصلابة الحجارة على الكتف. وقوله: (قَالَ: فَحَلَّهُ) يحتمل أن يكون مقول جابر ﵁، أو مقول من حدّثه، قاله العينيّ (١). وقوله: (مَغْشِيًّا عَلَيْهِ)، أي مُغْمًى عليه؛ وذلك لانكشاف عورته، و"مغشيّ" مفعولٌ من غُشي عليه بالبناء للمفعول، فأصله مغشويّ، كمنصور، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت في الياء، فصار مَغْشيًّا، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيا .... وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا قال الفيّوميّ ﵀: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والْغَشْيةُ بالفتح: المرّة، فهو مَغْسيّ عليه، ويُقال: إن الغشي يُعطِّل القُوَى المحرِّكة، والأَورِدة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو بَرْد، أو جُوعٍ مُفرط، وقيل: الغشيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بُطون الدماغ من بَلْغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهوٌ يَلْحَقُ الإنسان مع فُتُور الأعضاء لعلّة. انتهى (٢).

стр. 4587

وقوله: (قَالَ: فَمَا رُئِيَ) بضمّ الراء، بعدها همزة مكسورة، ويجوز كسر الراء، بعدها ياء ساكنة، ثم همزة مفتوحة (١). وقوله: (عُرْيَانًا) منصوب على أنه مفعول ثان لـ "رُئي"، إن كانت علميّةً، أو منصوب على الحال من نائب فاعل"رُئِي"، إن كانت بصريّةً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٩] (٣٤١) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ، قَالَ: فَانْحَلَّ إِزَارِي، وَمَعِيَ الْحَجَرُ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ، حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ، فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربّما أخطأ [١٠] (ت ٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. ٢ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَل، صدوقٌ يُغرِبُ، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنصَارِيُّ) الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] (ت قبل ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٤ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) هو: أسعد بن سهل بن حُنيف - بضمّ المهملة - الأنصاريّ، مشهور بكنيته، وُلِد في حياة النبيّ ﷺ ، وسُمّي باسم جده لأمه أسعد بن زُرارة، وكُنِي بكنيته، وهو معدود في الصحابة؛ لرؤيته، ولم يَسمَع من النبيّ ﷺ ، واسم أمه حبيبة بنت أسعد.

стр. 4588

رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعمِّه عثمان، وأبيه سهل، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت، وعائشة ﵃، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: سهل ومحمد، وابنا عمّه: عثمان وحكيم، ابنا حكيم بن عباد بن حُنيف، وابن عمه: أبو بكر بن عثمان بن حنيف، والزهريّ، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وآخرون. وقال أبو معشر المدنيّ: رأيته شيخًا كبيرًا يَخْضِب بالصفرة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال سعيد بن السَّكَن: وُلد على عهد النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا، وكذا قال البغويّ، وابن حبان، وقال يونس، عن ابن شهاب: أخبرني أبو أُمامة بن سهل، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، وقال غيره: وُلد قبل وفاة النبيّ ﷺ بعامين، وقال الطبرانيّ: له رؤيةٌ، وقال أبو زرعة: لَمْ يسمع من عمر، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يُسأل عن مثله، هو أجلّ من ذاك، وقال أبو منصور الباورديّ: مختلف في ححبته، إلَّا أنه وُلد في عهده ﷺ ، وهو ممن يُعَدّ في الصحابة الذين رَوَى عنهم الزهريّ، وقال السُّلَمِيّ: سئل الدارقطنيّ، هل أدرك النبيّ ﷺ ؛ قال: نعم، وأخرج حديثه في "المسند"، وقال البخاريّ: أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه، وقال أحمد بن صالح: ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن الزهريّ، حدثني أبو أمامة، وكان قد أدرك النبيّ ﷺ ، وسَمّاه، وحَنَكه، وهذا إسناد صحيح، ونَقَل ابن مَنْدَهْ عن أبي داود أنه قال: صَحِبَ النبيّ ﷺ "، وبايعه، قال ابن مندهْ: وقول البخاريّ أصحّ. وقال خليفة وغيره: مات سنة مائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٥ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب، الزهريّ، أبو عبد الرَّحمن، أمه الشفاء بنت عوف، أخت عبد الرَّحمن بن عوف. رَوَى عن النبيّ ﷺ "، وعن أبيه، وخاله عبد الرَّحمن بن عوف، وأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن عوف، وعثمان، وعليّ، ومعاوية،

стр. 4589

والمغيرة، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجماعة. ورَوَى عنه ابنته أم بكر، ومروان بن الحكم، وعوف بن الطفيل، رَضِيع عائشة، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وعبد الرَّحمن بن حُنين، وعبد الله بن أبي مُليكة، وعليّ بن الحسين، وعروة بن الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم. قال الزبيريّ: كان ممن يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل والدين، ووقع في "صحيح مسلم" من حديثه في خِطْبة عليّ لابنة أبي جهل، قال المسور: سمعت النبيّ ﷺ ، وأنا محتلم، يخطب الناس، فذكر الحديث. قال الحافظ: وهو مشكل المأخذ؛ لأن المؤرِّخين لَمْ يَختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خِطْبة عليّ كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين، أو سبع سنين، فكيف يُسَمَّى محتلمًا، فَيَحْتَمِل أنه أراد الاحتلام اللغويّ، وهو العقل، والله تعالى أعلم. قال: ومن الشذوذ ما حُكِي في رجال "الموطأ" لابن الحذّاء أنه قيل: إن المسور عاش مائة وخمس عشرة سنة، ولعل قائل ذلك انتَقَل ذهنه إلى مخرمة والد المسور، فإن مخرمة قيل: إنه عُمِّر طويلًا. انتهى (١). قال عمرو بن عليّ: وُلد بمكة بعد الهجرة بسنتين، فقَدِمَ به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان، ومات سنة أربع وستين، أصابه المنجنيق، وهو يصلي في الْحِجْر، فمكث خمسة أيام، وهو ابن ثلاث وستين، وفيها أرَّخه الواقديّ، وقيل: قُتل مع ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والإخبار، والعنعنة.

стр. 4590

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجة، وعثمان بن حكيم، فعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، آخره راء (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، أنه (قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرِ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ) بالجرّ صفة بعد صفة، وهو من النعت بالمفرد بعد النعت بالجملة، وهو جائز على الأصحّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقوله: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المائدة: ٥٤] (١)، (وَعَلَيَّ إِزَارٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (خَفِيفٌ) صفة لـ "إزار. (قَالَ) المِسْوَر ﵁ (فَانْحَلَّ إِزَارِي) أي انفكّ، وانتقض رِباطه، يقال: حللتُ الْعُقدة من باب نصر: إذا نقضتها، فانحلّت (٢). (وَمَعِيَ الْحَجَرُ) جملة حاليّة من الفاعل (لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ)، أي على الأرض؛ لثقله (حَتَّى بَلَغْتُ) بتخفيف اللام (بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ)، أي أوصلته إليه بتعب وشدّة، يقال: بلغت به العلّةُ: إذا اشتدّت، قاله في "القاموس" (٣)، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : في رْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ، فَخُذْهُ)، أي استتر به (وَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَمْشُوا عُرَاةً") بالضمّ: جمع عارٍ، حال من الفاعل، والنهي للتحريم، كما سبق بيانه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الْمِسْوَر بن مَخْرَمة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀،
следующие страницы →