وقوله: (وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ) جملة حاليّة من الفاعل.
وقوله: (عَمُّهُ) بالرفع على أنه بدلٌ من العبّاس، أو عطف بيان له.
وقوله: (لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ) "لو" يَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى الجواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، وجوابها محذوف، أي لكان أرفق بك، وأسهل عليك.
وقوله: (عَلَى مَنْكِبِكَ) بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، وزانُ مَجْلِس: مُجتَمَع رأس الْكَتِف والعَضُد.
وقوله: (دُونَ الْحِجَارَةِ)، أي تحت الحجارة، والمراد وضع الإزار على المنكب ليكون حائلًا بين الحجارة والكتف؛ تخفيفًا لصلابة الحجارة على الكتف.
وقوله: (قَالَ: فَحَلَّهُ) يحتمل أن يكون مقول جابر ﵁، أو مقول من حدّثه، قاله العينيّ (١).
وقوله: (مَغْشِيًّا عَلَيْهِ)، أي مُغْمًى عليه؛ وذلك لانكشاف عورته، و"مغشيّ" مفعولٌ من غُشي عليه بالبناء للمفعول، فأصله مغشويّ، كمنصور، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت في الياء، فصار مَغْشيًّا، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيا .... وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
قال الفيّوميّ ﵀: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والْغَشْيةُ بالفتح: المرّة، فهو مَغْسيّ عليه، ويُقال: إن الغشي يُعطِّل القُوَى المحرِّكة، والأَورِدة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو بَرْد، أو جُوعٍ مُفرط، وقيل: الغشيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بُطون الدماغ من بَلْغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهوٌ يَلْحَقُ الإنسان مع فُتُور الأعضاء لعلّة. انتهى (٢).
стр. 4587
وقوله: (قَالَ: فَمَا رُئِيَ) بضمّ الراء، بعدها همزة مكسورة، ويجوز كسر الراء، بعدها ياء ساكنة، ثم همزة مفتوحة (١).
وقوله: (عُرْيَانًا) منصوب على أنه مفعول ثان لـ "رُئي"، إن كانت علميّةً، أو منصوب على الحال من نائب فاعل"رُئِي"، إن كانت بصريّةً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٧٩] (٣٤١) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ، قَالَ: فَانْحَلَّ إِزَارِي، وَمَعِيَ الْحَجَرُ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ، حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ، فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربّما أخطأ [١٠] (ت ٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٢ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَل، صدوقٌ يُغرِبُ، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنصَارِيُّ) الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] (ت قبل ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٤ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) هو: أسعد بن سهل بن حُنيف - بضمّ المهملة - الأنصاريّ، مشهور بكنيته، وُلِد في حياة النبيّ ﷺ ، وسُمّي باسم جده لأمه أسعد بن زُرارة، وكُنِي بكنيته، وهو معدود في الصحابة؛ لرؤيته، ولم يَسمَع من النبيّ ﷺ ، واسم أمه حبيبة بنت أسعد.
стр. 4588
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعمِّه عثمان، وأبيه سهل، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت، وعائشة ﵃، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: سهل ومحمد، وابنا عمّه: عثمان وحكيم، ابنا حكيم بن عباد بن حُنيف، وابن عمه: أبو بكر بن عثمان بن حنيف، والزهريّ، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وآخرون.
وقال أبو معشر المدنيّ: رأيته شيخًا كبيرًا يَخْضِب بالصفرة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال سعيد بن السَّكَن: وُلد على عهد النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا، وكذا قال البغويّ، وابن حبان، وقال يونس، عن ابن شهاب: أخبرني أبو أُمامة بن سهل، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، وقال غيره: وُلد قبل وفاة النبيّ ﷺ بعامين، وقال الطبرانيّ: له رؤيةٌ، وقال أبو زرعة: لَمْ يسمع من عمر، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يُسأل عن مثله، هو أجلّ من ذاك، وقال أبو منصور الباورديّ: مختلف في ححبته، إلَّا أنه وُلد في عهده ﷺ ، وهو ممن يُعَدّ في الصحابة الذين رَوَى عنهم الزهريّ، وقال السُّلَمِيّ: سئل الدارقطنيّ، هل أدرك النبيّ ﷺ ؛ قال: نعم، وأخرج حديثه في "المسند"، وقال البخاريّ: أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه، وقال أحمد بن صالح: ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن الزهريّ، حدثني أبو أمامة، وكان قد أدرك النبيّ ﷺ ، وسَمّاه، وحَنَكه، وهذا إسناد صحيح، ونَقَل ابن مَنْدَهْ عن أبي داود أنه قال: صَحِبَ النبيّ ﷺ "، وبايعه، قال ابن مندهْ: وقول البخاريّ أصحّ.
وقال خليفة وغيره: مات سنة مائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٥ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب، الزهريّ، أبو عبد الرَّحمن، أمه الشفاء بنت عوف، أخت عبد الرَّحمن بن عوف.
رَوَى عن النبيّ ﷺ "، وعن أبيه، وخاله عبد الرَّحمن بن عوف، وأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن عوف، وعثمان، وعليّ، ومعاوية،
стр. 4589
والمغيرة، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنته أم بكر، ومروان بن الحكم، وعوف بن الطفيل، رَضِيع عائشة، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وعبد الرَّحمن بن حُنين، وعبد الله بن أبي مُليكة، وعليّ بن الحسين، وعروة بن الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
قال الزبيريّ: كان ممن يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل والدين، ووقع في "صحيح مسلم" من حديثه في خِطْبة عليّ لابنة أبي جهل، قال المسور: سمعت النبيّ ﷺ ، وأنا محتلم، يخطب الناس، فذكر الحديث.
قال الحافظ: وهو مشكل المأخذ؛ لأن المؤرِّخين لَمْ يَختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خِطْبة عليّ كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين، أو سبع سنين، فكيف يُسَمَّى محتلمًا، فَيَحْتَمِل أنه أراد الاحتلام اللغويّ، وهو العقل، والله تعالى أعلم.
قال: ومن الشذوذ ما حُكِي في رجال "الموطأ" لابن الحذّاء أنه قيل: إن المسور عاش مائة وخمس عشرة سنة، ولعل قائل ذلك انتَقَل ذهنه إلى مخرمة والد المسور، فإن مخرمة قيل: إنه عُمِّر طويلًا. انتهى (١).
قال عمرو بن عليّ: وُلد بمكة بعد الهجرة بسنتين، فقَدِمَ به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان، ومات سنة أربع وستين، أصابه المنجنيق، وهو يصلي في الْحِجْر، فمكث خمسة أيام، وهو ابن ثلاث وستين، وفيها أرَّخه الواقديّ، وقيل: قُتل مع ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، والأول أصح.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والإخبار، والعنعنة.
стр. 4590
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجة، وعثمان بن حكيم، فعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، آخره راء (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، أنه (قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرِ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ) بالجرّ صفة بعد صفة، وهو من النعت بالمفرد بعد النعت بالجملة، وهو جائز على الأصحّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقوله: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المائدة: ٥٤] (١)، (وَعَلَيَّ إِزَارٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (خَفِيفٌ) صفة لـ "إزار. (قَالَ) المِسْوَر ﵁ (فَانْحَلَّ إِزَارِي) أي انفكّ، وانتقض رِباطه، يقال: حللتُ الْعُقدة من باب نصر: إذا نقضتها، فانحلّت (٢). (وَمَعِيَ الْحَجَرُ) جملة حاليّة من الفاعل (لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ)، أي على الأرض؛ لثقله (حَتَّى بَلَغْتُ) بتخفيف اللام (بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ)، أي أوصلته إليه بتعب وشدّة، يقال: بلغت به العلّةُ: إذا اشتدّت، قاله في "القاموس" (٣)، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : في رْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ، فَخُذْهُ)، أي استتر به (وَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَمْشُوا عُرَاةً") بالضمّ: جمع عارٍ، حال من الفاعل، والنهي للتحريم، كما سبق بيانه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الْمِسْوَر بن مَخْرَمة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀،
стр. 4591
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٨/ ٧٧٩] (٣٤١)، و (أبو داود) في "الحمّام" (٤٠١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٠٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٧٦٨ و ٧٦٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣١٨)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(١٩) - (بَابُ بَيَانِ أَحَبِّ مَا يُسْتَتَرُ بِهِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٠] (٣٤٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِي، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاس، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ، أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حَدِيثِهِ: يَعْني حَائِطَ نَخْلٍ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) (١) أبو محمد الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) (٢) أبو عبد الرَّحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
стр. 4592
٣ - (مَهْدِيٌّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) التيميّ الضبّيّ البصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن الحسن بن سعد، مولى الحسن بن عليّ، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وعبد الرَّحمن بن أبي نُعْم البجليّ، ورجاء بن حَيْوَة، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، وحميد بن عبد الرَّحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه جرير بن حازم، ومهديّ بن ميمون، وهشام بن حسان، وشعبة، وواصل مولى أبي عيينة، وعثمان بن عبد الحميد اللاحقيّ.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال شعبة في رواية: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، سيد بني تميم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن نمير: ثقةٌ، نقله أبو الوليد الباجي في رجال البخاري له.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٤٢) وأعاده في "كتاب الفضائل" برقم (٢٤٢٩)، وحديث (٢٥٢٢): "أرأيت إن كان أسلم، وغفار … ".
٥ - (الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) هو: الحسن بن سعد بن معبد الهاشميّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وعن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، والمسعوديّ، وأخوه أبو العُمَيس، والحجاج بن أرطاة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، وجماعة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجليّ، ونقل ابن خَلْفُون أن ابن نُمير وثَّقه أيضًا.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره مرّتين: هنا، وفي "كتاب الفضائل".
стр. 4593
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي طالب الهاشميّ، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أمه أسماء بنت عُمَيس، وعمه عليّ بن أبي طالب، وعثمان، وعمار بن ياسر.
ورَوى عنه بنوه: معاوية، واسحاق، وإسماعيل، وأم أبيها، وابن خالته عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وابن أخيه لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر، والحسن بن الحسن بن عليّ، وابنه عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وأبو جعفر، محمد بن عليّ بن الحسين، والحسن بن سَعْد مولى الحسن بن علي، وخالد بن سارة المخزوميّ، وسعد بن إبراهيم الزهريّ، وعبد الله بن أبي مُليكة، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، ومُوَرِّق العِجْليّ، وغيرهم.
قال الزبير بن بَكّار، عن عمه: قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، حَمَل امرأته أسماء بنت عُميس معه، فوَلَدت له هناك عبد الله، وعَوْنًا، ومحمدًا، ثم قَدِم جعفر بهم المدينة، وذُكِر عن عبد الله بن جعفر قال: أنا أحفظ حين دخل رسول الله ﷺ على أمي، فنَعَى لها أبي، وأخباره في الكرم شهيرةٌ، وقال ابن حبان: كان يقال له قطب الخاء، وكان يوم تُوُفّي النبيّ ﷺ ابن عشر، وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن عبد الملك بن مروان قال: سمعت أبي قال: سمعت معاوية يقول: رَجُلُ بني هاشم عبدُ الله بن جعفر، وهو أهل لكلّ شَرَفٍ، لا والله ما سابقه أحد إلى شرف إلَّا وسبقه، وقال يعقوب بن سفيان: أَمَّرَه عليّ ﷺ في صِفِّين.
وقال الزبير: وكان عبد الله بن جعفر جوادًا مُمَدَّحًا، مات زمنه سنة ثمانين، وهو عام الْجُحَاف لسيل كان بمكة، جَحَف الحُجّاج، وكان الوالي أبان بن عثمان، فصلى عليه، وكان يوم توفي ابن (٩٠) سنةً، وقال غيره: مات سنة (٨٠) وهو ابن ثمانين، وقيل: (٩٠) وهو ابن (٩٠) سنةً، وقيل غير ذلك في تاريخ وفاته، والأول أصحّ (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم
стр. 4594
(٣٤٢) وأعاده في "الفضائل" برقم (٢٤٢٩)، وحديث (٢٠٤٣): "يأكل القثّاء بالرُّطَب"، و (٢٤٢٧): "نعم، فحملنا، وتركك"، و (٢٤٢٨): "كان رسول الله ﷺ إذا قَدِم من سفر تُلُقّي بصبيان أهل بيته … "، وأعاده بعده، و (٢٤٣٠): "خير نسائها مريم بنت عمران … ".
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن جعفرًا، ومحمد بن عبد الله، والحسن بن سعد هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلّ منهم من الحديث فيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب ﵄، أنه (قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ )، أي أركبني خلفه، يقال: رَدِفَ الرجلُ بكسر الدال، كسمعه، وعليه اقتصر الجوهريّ وغيره، وفتحها، كنصر، كما تفيده عبارة "القاموس" (١): إذا ركب خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفك، وقال في "اللسان": قال الزجّاج: يقال: رَدِفتُ الرجلَ: إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبتُهُ خلفي، قال ابن برّيّ: وأنكر الزُّبَيديّ: أردفتُهُ بمعنى أركبتَهُ معك، قال: وصوابه: ارتدفته، فأما أردفته ورَدِفته، فهو أن تكون أنت رِدْفًا له، وأنشد [من الوافر]:
إِذَا الْجَوْزَاءُ أَرْدَفِتِ الثُّرَيَّا … ظَنَنْتُ بآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا
لأن الجوزاء خلفَ الثُّرَيّا كالرِّدْفِ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أنكره الزُّبيديّ يردّه هذا الحديث الصحيح؛ لأن "أردفني" هنا بمعنى أركبني بلا شكّ، فالصواب ما قاله الزّجّاج، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
стр. 4595
والدابّة التي ركبها النبيُّ ﷺ كانت بغلة، كما بُيِّنَ في رواية أحمد، ولفظه: "قال: ركب رسول الله ﷺ بغلته، وأردفني خلفه".
(ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ)، أي يومًا من الأيّام، فـ "ذات" مقحمةٌ، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه على رأي من يُجيزه (١).
(فَأَسَرَّ اِلَيَّ حَدِيثًا)، أي كلّمني به سرًّا، وفي رواية أحمد: "ثم ذهب رسول الله ﷺ في الحائط، فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء، والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسَرَّ إليّ شيئًا، لا أحدّث به أحدًا" (لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ) الجملة في محلّ نصب صفة لـ "حديثًا"، زاد في رواية أحمد: "فحَرَّجنا عليه (٢) أن يحدِّثنا، فقال: لا أُفشي على رسول الله ﷺ سرَّه حتى ألقى الله".
(وَكَانَ أَحَبَّ مَا) اسم موصول، أي الذي (اسْتَتَرَ) بالبناء للفاعل (بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ)، أي عند قضاء حاجته، فاللام بمعنى"عند"، كقولهم: كتبته لخمس خلون، وجعل منه ابن جنّي قراءة الْجَحْدريّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥] بكسر اللام، وتخفيف الميم، أي عندما جاءهم (٣). (هَدَف) بفتح الهاء، والدال: ما ارتفع من الأرض، قاله النوويّ (٤)، وقال الفيّوميّ: "الْهَدَف" - بفتحتين -: كلُّ شيء عظيم مرتفع، قاله ابن فارس، مثلُ الجبل، وكَثِيب الرمل، والبناء، والجمعُ: أَهْدافٌ، مثلُ سبب وأسباب، والهدَف أيضًا: الْغَرَضُ، وأَهْدَفَ لك الشيءُ بالألف: انتَصَبَ، واستهدف كذلك، ولأمن صَنَفَ، فقد استَهْدَف": أي انتَصَبَ كالغَرَض يُرْمَى بالأقاويل. انتهى (٥).
(أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) بالحاء المهملة، والشين المعجمة، وقد فسَّره بقوله: (قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ) هو: عبد الله بن محمد بن أسماء الضُّبَعيّ شيخه الثاني، نسبه لجدّه (فِي حَدِيثِهِ)، أي روايته لهذا الحديث (يَعْنِي) الضمير لعبد الله بن
стр. 4596
جعفر ﵁ (حَائِطَ نَخْلٍ) قال ابن الأثير ﵀: الحائش: النخل الْمُلْتَفّ المجتمع، كأنه لالتفافه يَحُوشُ بعضه إلى بعض. انتهى (١).
وقال في "القاموس": الحائش: جماعة النخل، لا واحد له. انتهى (٢).
[تنبيه]: يقال للحائش أيضًا الْحِشّ، قال المجد ﵀: الْحِشّ مثلّثةً: الْمَخْرَجُ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، جمعه حُشُوشٌ. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ ﵀: الْحشّ: البُستان، والفتح أكثر من الضمّ (٤)، وقال أبو حاتم: يقال لبستان النخل: حُبُّ"، والجمع حُشّان - بالضمّ -، وحِشّان - بالكسر - فقولهم: بيت الْحشّ مجاز؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، فلَمّا اتّخذوا الْكُنُفَ، وجعلوها خَلَفًا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم، وقال الفارابيّ: الْحُشّ: البستان، ومن ثَمَّ قيل للمَخْرَج: الْحشّ، وقال في "مختصر العين": الْمَحَشَّةُ: الدُّبُرُ، والْمَحشّ: الْمَخْرَج: أي مخرَج الغائط، فيكون حقيقةً. انتهى (٥).
[تنبيه آخر]: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد ﵀، في "مسنده" مطوّلًا، ولفظ أحمد، فقال:
(١٦٦٢) حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب، يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: ركب رسول الله ﷺ بغلته، وأردفني خلفه، وكان رسول الله ﷺ إذا تبَرّز كان أحبَّ ما تبرز فيه هَدَفٌ يَستتر به، أو حائش نخل، فدخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه ناضح (٦) له، فلما رأى النبيّ ﷺ حَنَّ، وذَرَفَت (٧) عيناه، فنزل رسول الله ﷺ ، فمسح ذِفْرَاه (٨)، وسَرَاتَهُ، فسَكَنَ، فقال: "مَن ربُّ هذا الجمل؟ "، فجاء شابّ
стр. 4597
من الأنصار، فقال: أنا، فقال: "ألا تَتَّقِي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكك الله إياها، فإنه شَكَاك إليّ، وزَعَمَ أنك تُجِيعه، وتُدْئبه (١) "، ثم ذهب رسول الله ﷺ في الحائط، فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء، والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسَرَّ إليّ شيئًا، لا أحدِّث به أحدًا، فحَرَّجنا عليه أن يحدثنا، فقال: لا أُفشي على رسول الله ﷺ سرَّه حتى ألقى الله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن جعفر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [١٩/ ٧٨٠] (٣٤٢)، و (أبو داود) في "الجهاد" (٢٥٤٩)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٣٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٠٤)، رقم (١٧٤٧ و ١٧٥٧)، و (الدارميّ) في "الطهارة" (١/ ١٧٠ و ١٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ١٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٢):
١ - (منها): استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط، أو هَدَف، أو وَهْدة، أو نحو ذلك، بحيث يُغيّب جميع شَخْص الإنسان عن أعين الناظرين، وهذه سنّة مؤكّدة، قاله النوويّ ﵀ (٣).
٢ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابّة إذا كانت مُطيقة، وما ورد من النهي عن ذلك (٤)، فيُحمل على ما إذا لَمْ تُطق، والله تعالى أعلم.
стр. 4598
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع وحسن الخلق، حيث كان يُردف خلفه الصبيان.
٤ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابي عبد الله بن جعفر ﵄، حيث أسرّ إليه النبيّ ﷺ ، وخصّه دون غيره.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أيضًا من كمال الأدب، وحسن الوفاء بالعهد، حيث كتم سرّ النبيّ ﷺ يه حتى يموت، مع أن أصحابه ناشدوه أن يُحدّثهم به.
٦ - (ومنها)؛ ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الرأفة والرحمة على جميع الحيوان، فلما بكى هذا الناضح، وشكا إليه، رحمه، فنزل له، فمسح ذِفراه، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً للنبيّ ﷺ ، حيث حنّ إليه هذا الناضح، وشكا إليه ما يلقاه من التعب والجوع.
٨ - (ومنها): أيضًا معجزة للنبيّ ﷺ حيث أطلعه الله على المغيّبات، وأعلمه ما تتكلّم به الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٩ - (ومنها): وجوب رحمة البهائم، ولا سيّما التي ينتفع بها الإنسان، فلا يجوز تجويعها، وتكليفها ما لا تُطيق من العمل.
١٠ - (ومنها): بيان كمال الشريعة، وعموم نفعها للجميع، حيث اهتمّت بحفظ حقوق جميع المخلوقات، عقلائها، وبهائمها، فحرّمت الظلم، وأوجبت الإحسان إلى كلّ أحد، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ [فصلت: ٤٢]، فسبحان اللطيف الخبير الرؤوف الرحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 4599
(٢٠) - (بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨١] (٣٤٣) - (وَحَدثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، يَعْنى ابْنَ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ، وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ، فَصَرَخَ بِه، فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ"، فَقَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِه، وَلَمْ يُمْن، مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرَّحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٥.
٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
стр. 4600
٦ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، نُسب لجدّه، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١١٢) (خت م) (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٨ - (أَبُوهُ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٦٣) أو (٧٤)، وقيل غير ذلك (ع)، تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدّثنا إسماعيل إلخ"، فيه سلوك مسلك الاحتياط والورع في المحافظة على بيان كيفيّة التحمل والأداء، وقد تقدّم وجه ذلك غير مرّة، فقوله: "إسماعيل" تنازعه كلّ من "أخبرنا"، و"حدّثنا".
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن أبي جعفر"، وقوله: "يعني ابن أبي نَمِر"، وذلك أن إسماعيل، وشريكًا لَمْ ينسبا في روايته إلى أبويهما، فأراد أن ينسبهما، فاضطرّ إلى أن يأتي بـ "هو"، و"يعني" إشارةً إلى أن ذلك من زيادته، وليس في روايته، وقد تقدّم توضيح ذلك غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن والده.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك ﵁، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ) بضمّ القاف، وتخفيف الموحدة، ممدودٌ مذكّر، مصروف، على الصحيح الذي عليه
стр. 4601
المحقّقون والأكثرون، وفيه لغة أخرى، أنه مؤنّثٌ غير مصروف، وأخرى أنه مقصورٌ، قاله النوويّ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: قُبَاءُ: موضعٌ بقرب مدينة النبيّ ﷺ ، من جهة الجنوب، نحو ميلين، وهو بضمّ القاف، يُقصَرُ، ويُمَدُّ، ويُصرَفُ، ولا يُصرَف. انتهى (٢).
وقباءُ هذا هو الموضع الذي استُقبل فيه النبيّ ﷺ من أهل المدينة يوم وصوله من هجرته، وفائدة ذكر أبي سعيد ﵁ اليوم والمكان في الحديث التوثيق من الرواية، وأنه متأكّد من كلّ ما جاء فيها، حتى الزمان والمكان (٣)، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ)، أي مكانهم، وهم: حيّ من الأنصار (وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَابِ عِتْبَانَ) بكسر العين المهملة على المشهور، وقيل: بضمّها، هو: عتبان بن مالك بن عمرو العَجْلانيّ الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، مات في خلافة معاوية ﵁، تقدّمت ترجمته في "كتاب الإيمان" (١٢/ ١٥٧).
(فَصَرَخَ بِهِ)، أي صاح به، وناداه، يقال: صَرَخَ يَصْرُخُ، من باب نَصَرَ صُرَاخًا فهو صارخٌ، وصَرِيخٌ: إذا صاح، وصرَخَ فهو صارخٌ: إذا استغاث (٤)، قاله في "المصباح"، وفي "القاموس": الصَّرْخةُ: الصَّيْحةُ الشديدةُ، وكغُرَابٍ: الصوت، أو شديده. انتهى (٥).
قيل: المعنى: فناداه بصوت معتدل؛ لأنه المناسب لمقام رسول الله ﷺ ووقاره، ولا يقال: إن تعجُّل عتبان دليلٌ على أن الصرخة كانت عاليةً مزعجة؛ لأنا نقول: إن الصحابة ﵃ كانوا يهتمّون بلقائه، ويسارعون إليه بمجرّد العلم به، وبمكانه ﷺ " (٦).
(فَخَرَجَ) عتبان) ﵁، وجملة (يَجُرُّ) حال من الفاعل، ويقال: جَرَرتُ
стр. 4602
الحبلَ ونحوه جَرًّا، من باب نصر: إذا سَحَبْتَهُ، فانجرّ، وجرّرته بالتشديد مبالغة وتكثير، وجرّيته بالياء على البدل، أفاده الفيّوميّ.
(إِزَارَهُ) بكسر الهمزة: ثوبٌ يُحيط بالنصف الأسفل من البدن، يذكَّر ويؤنّث (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الإِزَارُ" معروفٌ، والجمع في القلّة آزِرَةٌ، وفي الكثرة أُزُرٌ بضمّتين، مثلُ حِمَار وأحمِرة، وحُمُر، ويُذكّر، ويؤنّثُ، فيقال: هو الإزارُ، وهي الإزار، قال الشاعر [من الرجز]:
قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الإِزَارِ الْحَمْرَا … أَنّي مِنَ السَّاعِين يَوْمَ النَّكْرَا
وربّما أُنّث بالهاء، فقيل: إزارةٌ، والْمِئْزَر بكسر الميم مثله، نظيرُ لِحاف، ومِلْحَفٍ، وقِرَامٍ، ومِقْرَمٍ، وقِيَاد ومِقْوَد، والجمع مآزرٌ، واتَّزَرتُ: لَبستُ الإزار، وأصله بهمزتين، الأولى همزة وصل، والثانية: فاء افْتَعَلْتُ. انتهى (٢).
والمعنى هنا: أن عتبان خرج يسحب رداءه من شدّة استعجاله، لَمْ يُكمل لفّه حتى إن طرفه الأسفل ينسحب وراءه، والله تعالى أعلم.
وفي الرواية الآتية: "فخرج ورأسه يقطر"، يعني أنه اغتسل، ثم خرج، وعليه أثر الاغتسال، من تقاطر الماء من رأسه، فعلم النبيّ ﷺ بذلك، ولذلك قال: "أعجلنا الرجل".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ) أي حَمَلناه على الْعَجَلَة، يقال: عَجِلَ عَجَلًا، من باب تَعِبَ، وعَجَلَةً: إذا أسرع، وحَضَرَ، وأعجلته بالألف: إذا حملته على أن يَعْجَلَ (٣).
والمعنى هنا: حملناه على الاستعجال قبل أن يقضي حاجته من زوجته، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ عِتْبَانُ) ﵁ (يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ)، أي أخبرني (الرَّجُلَ)، أي عن حاله، والحكم الذي يترتّب على فعله (يُعْجَلُ) بضمّ أوله، وفتح ثالثه، مضارع أُعْجِلَ بالبناء للمفعول: أي يُدْفَعُ إلى الْعَجَلة والإسراع.
стр. 4603
و"أرأيت" معناها: أخبرني، كما مرّ آنفًا، وذلك عن طريق مجازين:
[أحدهما]: في همزة الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلًا من طلب الفهم.
[والثاني]: في الرؤية بإرادة المسبّب عنها، وهو الإخبارُ، فال الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ "أخبِرْني".
وجملة "يُعْجَلُ" في محلّ نصب على الحال، وفي الكلام مضافان محذوفان، والمعنى: أخبرني عن حكم الرجل يضطرّ إلى العَجَلة والإسراع عن جماع امرأته (١)، والله تعالى أعلم.
(عَنِ امْرَأَتِهِ)، أي عن جماعها، وهو متعلّق بـ "يُعْجَلُ" (وَلَمْ يُمْنِ) بضمّ أوله، وإسكان الميم، وكسر النون، من الإمناء رباعيًّا، وهذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ الآية [الواقعة: ٥٨]، وفيه لغة ثانية، "يَمْنِ" بفتح أوّله، مضارع منَي، كرمَى ثلاثيًّا، ولغة ثالثةٌ، "يُمَنِّ" بضمّ الياء، مع فتح الميم، وتشديد النون، مضارع مَنّي، كزَكّى.
يقال: أمنى ومَنَى ومَنَّى ثلاث لغات حكاها أبو عمرو الزاهد، والأولى أفصح وأشهر وبها جاء القرآن قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾.
فتحصل مما سبق أن فيها ثلاث لغات، تقول: مَنَى الرجل بالتخفيف، كرَمَى، وأمنى بالألف، ومنّى بالتشديد: إذا خرج منيّه، و"الْمَنِي"، كغنيّ، ويُخفّف، والْمَنْيةُ، كرَمْيَةٍ: ماء الرجل والمرأة، جمعه: مُنْيٌ، كقُفْلٍ (٢).
(مَاذَا عَلَيْهِ؟)، أي ما الذي يجب عليه من أنواع الطهارة، هل الاغتسال، أم يكفيه الوضوء؟ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ")، أي الغسل من خروج المنيّ، فالمراد بالماء الأول ماء الغسل، وبالثاني: المنيّ، فـ "أل" فيه للعهد الذهنيّ، وفيه الجناس التامّ، و"من" سببيّةٌ.
والمعنى: لأن وجوب الغسل بسبب إنزال المنيّ، والقصر المستفاد من "إنما" قصر إفراد، أي إثبات حكمٍ لشيء، ونفيه عن شيء آخر؛ لأن المخاطب
стр. 4604
كان يعتقد أن الغسل واجب بسبب الجماع، وبسبب الإنزال، وليس قصرًا حقيقيًّا، حتى يَنفِي الغسل عن الأسباب الأخرى، كالحيض والنفاس (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إنما الماء من الماء" حمله ابن عبّاس ﵄ على أن ذلك في الاحتلام، فتأَوَّله، وذهب غيره من الصحابة وغيرهم إلى أن ذلك منسوخٌ (٢).
[تنبيه]: ذكر الإمام الشافعيّ ﵀: أن كلام العرب يقتضي أن الجنابة تُطْلَق بالحقيقة على الجماع، وإن لَمْ يكن معه إنزال، فإن كلَّ من خُوطب بأن فلانًا أجنب من فلانة، عُقِل أنه أصابها، وإن لَمْ يُنزل، قال: ولم يُخْتَلف أن الزنى الذي يَجب به الحدّ هو الجماع، ولو لَمْ يكن معه إنزال.
وقال ابن العربيّ ﵀: إيجاب الغسل بالإيلاج بالنسبة إلى الإنزال، نظيرُ إيجاب الوضوء بمس الذكر بالنسبة إلى خروج البول، فهما متفقان دليلًا وتعليلًا. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق المسألة في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٠/ ٧٨١ و ٧٨٢] (٣٤٣) و [٢٠/ ٧٨٤] (٣٤٥)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٨٠)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢١٧)، و (ابن ماجة) في "الطهارة" (٦٠٦)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٩٦٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (١/ ٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١ و ٢٩ و ٣٦)، و (ابن خزيمة)
стр. 4605
في "صحيحه" (٢٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٥ و ١٦٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨١٥ و ٨١٦ و ٨١٧ و ٨١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٧١ و ٧٧٢ و ٧٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الجماع من غير أن يُنزل، وهو وجوب الوضوء، دون الغسل، لكن هذا كان في أول الإسلام، ثم نُسِخ، كما سيأتي تحقيقه في الباب التالي.
٢ - (ومنها): جواز الأخذ بالقرائن؛ لأن الصحابيّ ﵁ لَمّا أبطأ عن الإجابة مُدّة الاغتسال، خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابة للنبي ﷺ ، فلما رأى عليه أثر الغسل، دَل على أنه كان مشغولًا بجماع.
٣ - (ومنها): أنه يستحب الدوام على الطهارة؛ لكون النبيّ ﷺ لَمْ ينكر على عتبان تأخير إجابته.
قال الحافظ ﵀: وكأن ذلك كان قبل إيجابها؛ إذ الواجب لا يؤخر للمستحب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر؛ لأنه ﷺ أخّر ردّ السلام حتى توضّأ، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح، عن المهاجر بن قُنفذ ﵁، أنه أتى النبيّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يَرُدّ عليه، حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كَرِهتُ أن أذكر الله إلَّا على طُهْر - أو قال: على طهارة - "، فقد أخّر ردّ السلام الواجب لأجل الوضوء المستحبّ، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن هذا الحكم منسوخٌ، ولم يَبق من تمسّك به إلَّا ما رُوي عن هشام بن عروة، والأعمش، وسفيان بن عيينة، وداود الظاهريّ، وادَّعى القاضي عياض أنه لا يَعْلَم من قال به بعد خلاف الصحابة ﵃ إلَّا الأعمش، وداود.
وقال النوويّ: اعلم أن الأمة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع،
стр. 4606
وإن لَمْ يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكانت جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلَّا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين. انتهى، وسيأتي تحقيق المسألة في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): السؤال عن ما يجهله الإنسان من أحكام دينه، وإن كان مما يُستحيا من ذكره، كأن يتعلّق بما بينه وبين امرأته من أمر الجماع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٢] ( … ) - (حَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيّ، حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَن أَبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ") (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث في معظم النسخ مؤخّر عن الحديث رقم (٧٨٦): "حدثنا محمد بن المثنّي، حدّثنا محمد بن جعفر إلخ"، والظاهر أنه غلط من بعض النساخ، والصواب أن محلّه هنا، كما هو في النسخة الهنديّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِي) - بفتح الهمزة - نزيل مصر، أبو جعفر السعديّ مولاهم، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
стр. 4607
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المشهور المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٢٣.
والصحابيّ تقدّم قبله.
وقوله: (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) قال المازريّ ﵀: هذا الحديث يَحتجّ به من لا يوجب الغسل من التقاء الختانين، وإنما الحجة من جهة دليل الخطاب (١)، وقد اختلف الأصوليّون في القول به، فمن نفى دليل الخطاب لَمْ يكن عنده في الحديث حجة، ومن أثبته صحّ له الانفصال عن الحديث بوجوه:
[أحدها]: أنه قيل: إن ذلك في أول الإسلام، ثم نُسخ.
[والثاني]: أن يكون محمولًا على المنام؛ لأنه لا يجب الاغتسال فيه إلَّا من الماء.
وأما الحديث الذي فيه أنه: "خرج إلى رسول الله ﷺ ، ورأسه يقطر ماء، فقال له: لعلنا أعجلناك"، فإن لَمْ يُحمل على الوطء في غير الفرج، فيُحمل على أنه منسوخ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: مسائل هذا الحديث تقدّمت فيما قبله، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٣] (٣٤٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا (٣) أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّير، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا).
стр. 4608
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧)، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ) - بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين - هو: يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وأخيه مُطَرِّف، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمران بن حُصين، وحنظلة الكاتب، وعثمان بن أبي العاص الثقفيّ، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيميّ، وسعيد الجريريّ، وقتادة، وخالد الحذّاء، وقُرّة بن خالد، وكَهْمس بن الحسن، وفَرْقد السَّبَخيّ، وآخرون.
قال أبو العلاء: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، ومُطَرِّف أكبر مني بعشر سنين، رَوَى ذلك البخاريّ في "تاريخه"، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وقال حزم القُطَعيّ، عن ثابت الْبُنَانيّ: جاء أبو العلاء إلى الحسن، فقال له رجل: تَكَلَّم يا أبا العلاء، فقال: لا، لست هناك، قال ثابت: فأعجبني إقراره على نفسه، وقال أبو هلال الراسبيّ، عن أبي صالح العقيليّ قال: كان أبو العلاء يقرأ في المصحف، فَخَرَّ مَغْشيًّا عليه، وذكره أبو موسى في "ذيل الصحابة"، وعزاه لأبي زكريّا ابن مَنْدَهْ مُعَلَّقًا بروايةٍ وَقَعت له من طريق سُريج بن يونس، عن هُشيم، عن يونس بن عُبيد، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: وأظنه رأى النبيّ ﷺ .
قال ابن حبّان: مات سنة إحدى عشرة ومائة، وأَرَّخه خليفة، وابن قانع، والقرّاب: سنة ثمان ومائة.
стр. 4609
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٤٤)، وحديث (٥٥٤): "صلّيتُ مع رسول الله ﷺ ، فرأيته تنخّع … "، وأعاده بعده، و (٩٩٢): "ما يَسُرّني أن لي مثله ذهبًا … "، و (١١٦١): "هل صمتَ من سَرَر هذا الشهر؟ … "، و (١٢٢٦): "أعمر طائفةً من أهله في العشر … "، و (٢٢٠٣): "ذاك شيطانٌ، يقال له: خَنْزَب … ".
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أن رجاله كلهم بصريون، إلَّا أبا العلاء، فإنه كوفيّ.
٢ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير ﵀، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْسَخُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح يفتح، و"النسخ": لغةً يُطلق على الإزالة، والنقل، والتحويل، يقال: نسخت الشمس الظلّ، والريحُ آثار القدم: أي أزالته، ونسخت الكتاب: أي نقلته، وشرعًا: رفع حكم شرعيّ بمثله، مع تراخيه عنه، وقد أشبعت البحث في بيان النسخ، وأقسامه في "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة" (١)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(حَدِيثُهُ) بالرفع فاعل "يَنْسَخُ" (بَعْضُهُ بَعْضًا) بالرفع بدل من "حديثُهُ" بدلَ بعض من كلّ، والتقدير: ينسخ بعض حديثه بعضًا (كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا) الكاف بمعنى"مثل"، صفة لمصدر محذوف، و"ما" مصدريّة، والتقدير: نسخًا مثلَ نسخ بعض القرآن بعضًا.
قال النوويّ ﵀: مراد مسلم بروايته هذا الكلام عن أبي العلاء أن حديث: "الماءُ من الماء" منسوخ، وقول أبي العلاء: إن السنة تنسخ السنة هذا صحيح، قال العلماء: نسخ السنة بالسنة يقع على أربعة أوجه:
[أحدها]: نسخ السنة المتواترة بالمتواترة.
стр. 4610
[والثاني]: نسخ خبر الواحد بمثله.
[والثالث]: نسخ الآحاد بالمتواترة.
[والرابع]: نسخ المتواتر بالآحاد.
فأما الثلاثة الأُوَل فهي جائزة بلا خلاف، وأما الرابع فلا يجوز عند الجماهير، وقال بعض أهل الظاهر: يجوز، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى أقسام النسخ أشرت في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
ثُمَّةَ بِالنَّظَرِ لِلدَّلِيلِ جَا … قِسْمَيْنِ مَا بِالاتِّفَاقِ نُهِجَا
نَسْخُ الْقُرَانِ بِالْقُرَانِ أُثِرَا … وَسُنَنٍ أَيْضًا بِمَا تَوَاتَرَا
آحَادُهَا بِمِثْلِهَا وَاخْتُلِفَا … أَي فِي مَسَائِلَ ثَلَاثٍ فَاعْرِفَا
أَحَدُهَا نَسْخُ الْقُرَانِ السُّنَّهْ … أَهْلُ الأُصُولِ قَدْ رَأَوْهُ سُنَّهْ
وَقَدْ نفَاهُ الشَّافِعِي وَأَحْمَدُ … وَالثَّانِ نَسْخُهَا بِهِ فَيُحْمَدُ
لِلأَوَّلينَ وَنَفَاهُ الشَّافِعِي … وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيهِمَا فَتَابِعِ
ثَالِثُهَا النَّسْخُ لِمَا تَوَاتَرَا … بِضِدّهِ لَهُ الأصُولِيْ حَظَرَا
إِذْ مَا تَوَاتَرَ يَكُونُ أَقْوَى … لَكِنَّ تَعْلِيلَهُمُ لَا يَقْوَى
وَالأَرْجَحُ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ … مِثَالُهُ فِي النَّصِّ قُلْ مَسمُوعُ
وَجَازَ نَسْخُ الْفِعْلِ لِلْقَوْلِ كَمَا … يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الْقَوْلِ الْمُعْتَمَى
فإن أردت تحقيق المسألة، فراجع "المنحة الرضيّة" شرح المنظومة المذكورة، وبالله تعالى التوفيق.
(مسألة): هذا الأثر مرسل صحيح؛ لأن أبا العلاء تابعيّ، وهو من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [٢٠/ ٧٨٣] (٣٤٤)، وأخرجه (أبو داود) في "المراسيل" (٤٥٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4611
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٤] (٣٤٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ع)، وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنصَار، فَأَرْسَلَ إِلَيْه، فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ: "لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "إِذَا أُعْجِلْتَ، أَوْ أَقْحَطْتَ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ"، وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: "إِذَا أُعْجِلْتَ، أَوْ أقحِطْتَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببُندار، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة، حافظ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٦ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
٧ - (ذَكْوَانُ) أبو صالح السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) شرح في "المقدمة" ٢/ ٤.
والصحابيّ تقدَّم قبل حديث.
стр. 4612
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف صيغة الأداء، حيث قال أبو بكر: "حدّثنا غُندر"، بلقبه، والآخران: "حدّثنا محمد بن جعفر" باسمه.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى أبي بكر، والحكم، فكوفيّان، وذكوان وأبي سعيد، فمدنيّان.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وكلاهما بصريّان، وكانا كفرسي رِهان، وماتا في سنة واحدة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ذكوان، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالح السمّان، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سِنَان ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ)، وفي رواية البخاريّ: "أرسل إلى رجل من الأنصار"، وهذا الأنصاريّ هو الذي سُمّي في الرواية الماضية: عتبان، وهو ابن مالك الأنصاريّ، كما نسبه بَقِيّ بن مَخْلَد في روايته لهذا الحديث من هذا الوجه.
ووقع في رواية في "صحيح أبي عوانة" أنه ابن عتبان، والأول أصحّ، ورواه ابن إسحاق في "المغازي" عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جدّه، لكنه قال: "فَهَتَفَ برجل من أصحابه، يقال له: صالح"، فإن حُمِل على تعدد الواقعة، وإلا فطريق مسلم أصحّ.
وقد وقعت القصة أيضًا لرافع بن خَدِيج وغيره، أخرجه أحمد وغيره، ولكن الأقرب في تفسير المبهم الذي في هذه الرواية أنه عتبان، والله تعالى أعلم، أفاده في "الفتح" (١).
стр. 4613
(فَأَرْسَلَ إِلَيْه، فَخَرَجَ)، أي الرجل المرسل إليه (وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) بضمّ الطاء المهملة، من باب نصر، وقَطَرَانًا، وقَطَرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، هذا قول الأصمعيّ، وقال أبو زيد: لا يتعدّى بنفسه، بل بالألف، فيقال: أقطرته، و"الْقَطْرة": النُّقْطة، والجمع قَطَرات، وتقاطر: سال قطْرَةً قطرةً، قاله الفيّوميّ (١).
والمعنى: ينزل منه الماء قطرةً قطرةً من أثر الغسل، وإسناد القطر إلى الرأس مجاز، من قبيل سال الوادي (٢)، والجملة في محلّ نصب على الحال، من فاعل "خَرَج"، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) النبيّ ﷺ : (لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟) كلمة "لعلّ" هنا لإفادة التحقيق، بدليل الرواية السابقة: "أعجلنا الرجل"، فمعناه: قد أعجلناك عن فراغ حاجتك من الجماع.
قال العينيّ ﵀ ما حاصله: لا يمكن أن تكون "لعلّ" هنا على بابها للترجّي؛ لأن الترجي لا يحتاج إلى جواب، وهنا قد أجاب الرجل بقوله: "نعم" مقرّرًا له، انتهى بتصرّف (٣).
وفيه جواز الأخذ بالقرائن؛ لأن الصحابيّ لما أبطأ عن الإجابه مدّة الاغتسال خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابه للنبيّ ﷺ ، فلما رأى عليه أثر الغسل دلّ على أن شغله كان به، واحتَمَل أن يكون نزع قبل الإنزال؛ ليُسْرع الإجابةَ، أو كان أنزل فوقع السؤال عن ذلك.
وقد كان عتبان ﵁ طَلَب من النبيّ ﷺ أن يأتيه، فيصلي في بيته، في مكان يتخذه مُصَلًّى، فأجابه كما سيأتي في موضعه، فيَحْتَمِل أن تكون هي هذه الواقعةَ، وقَدَّمَ الاغتسالَ؛ ليكون متأهبًا للصلاة معه، والله تعالى أعلم (٤).
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ) ﷺ (إِذَا أُعْجِلْتَ، أَوْ أَقْحَطْتَ) قال النوويّ ﵀: أما "أُعْجِلْتَ": فهو في الموضعين - بضم الهمزة، وإسكان العين، وكسر الجيم - وأما "أَقْحَطتَ": فهو في الأولى - بفتح الهمزة والحاء -
стр. 4614
وفي رواية ابن بشار - بضم الهمزة، وكسر الحاء - مثلُ "أُعجِلتَ"، والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا عدم إنزال المنيّ، وهو استعارة من قُحُوط المطر، وهو انحباسه، وقُحوطِ الأرض، وهو عدم إخراجها النبات. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: قَحَطَ المطرُ قَحْطًا، من باب نَفَعَ: احتَبَسَ، وحَكَى الفرّاءُ: قَحِطَ المطرُ، من باب تَعِبَ، وقَحُط بالضمّ، فهو قَحِيط، وقُحِطَت الأرض والقومُ بالبناء للمفعول، وبلَدٌ مقحُوطٌ، وبلادٌ مقاحيطُ، وأقحط الله الأرضَ بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطَةٌ، وأَقْحَطَ القومُ: أصابهم الْقَحْطُ، بالبناء للفاعل، والمفعول، وفي الحديث: "من أتى أهله، فأقحط، فلا غُسل عليه" (٢)، يعني: فلم يُنزِل، مأخوذ من أَقْحَط: إذا انقطع عنه المطرُ، فشَبَّهَ احتباس المنيّ باحتباس المطر، ومثله في المعنى: "إنما الماء من الماء" (٣)، وكلاهما منسوخ بقوله ﷺ : "إذا التقى الختانان، فقد وجب الغُسل". انتهى (٤).
وقال في "الفتح": قوله: "إذا أُعجلت" - بضم الهمزة، وكسر الجيم - وفي أصل أبي ذرّ: "إذا عَجِلت" بلا همز، و"قُحِطت"، وفي رواية غيره: "أُقحطتَ" بوزن "أُعجلتَ"، وكذا لمسلم.
قال صاحب "الأفعال": يقال: أُقحط الرجلُ إذا جامع، ولم يُنزِل، وحكى ابن الجوزيّ عن ابن الخشاب أن المحدثين يقولون: "قَحَطَ" بفتح القاف، قال: والصواب الضم.
قال الحافظ: وروايته في "أمالي أبي عليّ القالي" بالوجهين في القاف، وبزيادة الهمزة المضمومة، يقال: قُحِط الناسُ، وأقحطوا: إذا حُبِس عنهم المطرُ، ومنه استعير ذلك لتأخر الإنزال.
وقال الكرمانيّ ﵀: ليس قوله: "أو" للشك، بل هو لبيان عدم الإنزال، سواء كان بحسب أمر من ذات الشخص، أم لا.
стр. 4615
قال الحافظ ﵀: وهذا بناء على أن إحداهما بالتعدية، وإلا فهي للشكّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما تقدّم أنه يجوز "قحط" ثلاثيًّا بفتح الحاء، وكسرها، وضمّها، و"أقحط" رباعيًّا مبنيًّا للفاعل، وللمفعول، والله تعالى أعلم.
(فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ)، أي فلا يجب عليه الاغتسال (وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ)، أي إنما الواجب هو الوضوء فقط.
قال في "العمدة": يجوز في "الوضوءُ" الرفع والنصب، أما الرفع، فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله: "عليك"، والنصب على أنه مفعولُ "عليك"؛ لأنه اسم فعل، نحو عليك زيدًا، ومعناه: فالزم الوضوءَ. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: "فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ إلخ" كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نُسخ بعدُ، قاله الترمذيّ وغيره، وقد أشار إلى ذلك أبو العلاء بن الشِّخِّير، وأبو إسحاق، قال ابن القصّار: أجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من تقدّم على الأخذ بحديث: "إذا التقى الختانان"، وإذا صحّ الإجماع بعد الخلاف كان مُسقطًا للخلاف، قال القاضي عياضٌ: لا نعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلَّا ما حُكِي عن الأعمش، ثم بعده عن داود الأصبهانيّ، وقد رُوي أن عمر حَمَلَ الناس على ترك الأخذ بحديث: "الماء من الماء" لَمّا اختَلَفوا فيه، قال القرطبيّ: وقد رجع المخالفون فيه من الصحابة عن ذلك حين سَمِعوا حديث عائشة ﵂، فلا يُلتَفتُ إلى شيء من الخلاف المتقدّم ولا المتأخّر في هذه المسألة. انتهى (٢).
وقوله: (وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ) يعني أن شيخه محمد بن بشار خالف شيخيه: أبا بكر، وابن المثنّى، فقال: (إِذَا أُعْجِلْتَ، أَوْ أُقْحِطْتَ)، أي بضمّ الهمزة في الفعلين، بالبناء للمفعول، وأما هما، فرويا الأول بالضمّ، والثاني بالفتح.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، ومسائله في الحديث الماضي، فلا حاجة لتطويل الكتاب بإعادتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 4616
وبالسند المتّصل إلى "الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٥] (٣٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (ح)، وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَة، ثُمَّ يُكْسِلُ؟ فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَة، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود العتكيّ البصريّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَمَّاد) بن زيد البصريّ الحافظ الحجة، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أبو المنذر المدنيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الفقيه المدنيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٧ - (أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ المدنيّ، من كبار الصحابة ﵃، شَهِد بدرًا، ونزل النبيّ ﷺ حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازيًا بالروم سنة (٥٠)، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٨ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، من فُضلاء الصحابة، مات سنة (١٩) أو (٣٢)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغ الأداء، حيث وقع في رواية الأول: "حدّثنا هشام بن عروة"، فنسبه إلى أبيه، وفي رواية الثاني: "حدّثنا هشام"، فلم ينسبه.
стр. 4617
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"، أي لأبي كريب، وقد تقدّم البحث فيه غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن شيخه الثاني أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريّ، خالد بن زيد ﵁ (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ﵁، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ) أي عن حكمه، وقوله: (يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ) أي يجامعها (ثُمَّ يُكْسِلُ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بضم الياء، ويجوز فتحها، يقال: أكسل الرجلُ في جماعه: إذا ضَعُفَ عن الإنزال، وكَسِلَ أيضًا بفتح الكاف، وكسر السين، والأول أفصح. انتهى (١).
ولفظ البخاريّ: "قال: يا رسول الله، إذا جامع المرأة، فلم يُنزِل؟ ".
(فَقَالَ) ﷺ (يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ) خبر بمعنى الأمر، أي لغسل ما أصابه منها، فهو كقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨].
وفي رواية البخاريّ: "يغسل ما مسّ المرأة منه"، أي يغسل الرجل العضو الذي مسّ فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم، وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها، قاله في "الفتح" (٢).
وقال النوويّ ﵀: فيه دليل على نجاسة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف معروف، والأصحّ عند بعض أصحابنا نجاستها، ومن قال بالطهارة يَحْمِل الحديث على الاستحباب، وهذا هو الأصح عند أكثر أصحابنا. انتهى (٣).
(ثُمَّ يَتَوَضأُ") قال في "الفتح": هذا صريح في تأخير الوضوء عن غسل
стр. 4618
الذكر، زاد عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن هشام فيه: "وضوءه للصلاة"، وقوله: (وَيُصَلِّي) أصرح في الدلالة على ترك الغسل من حديث عثمان ﵁ الآتي بلفظ: "يتوضّأ وضوءه للصلاة، ويغسل ذكره" (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبيّ بن كعب ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٠/ ٧٨٥ و ٧٨٦] (٣٤٦)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٩٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٥٧ و ٩٥٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١١٣ و ١١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٦٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٤)، وفي "المعرفة" (١/ ٤٥٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨١٩ و ٨٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٧٤ و ٧٧٥).
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَلِيِّ، يَعْنِي بقَوْلهِ: الْمَلِيِّ (٢)، عَنِ الْمَلِيِّ، أَبُو أَيُّوبَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُل، يَأتي أَهْلَهُ، ثُمَّ لَا يُنْزِلُ، قَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ").
стр. 4619
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (يَعْني بِقَوْلِهِ: الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَليِّ، أَبُو أَيُّوبَ إلخ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول"أبو أيوب" بالواو، وهو صحيح، والمليّ: الْمُعْتَمَدُ عليه المركون إليه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا وقع في معظم النسخ التي بين يديّ "أبو أيّوب" بالواو، إلَّا النسخة التي شرح عليها الأبيّ، فوقع فيها ما لفظه: "قال: حدّثني أبي، عن المليّ، يعني بقوله: المليّ أبا أيوب إلخ"، وكذا هو في "مستخرج أبي نعيم"، وهو الجاري على القاعدة الجادّة؛ لأن رفع الأسماء الستّة، وهي"أبوك"، و "أخوك"، و"فوك"، و"حَمُوكِ"، و"هنوكَ"، و"ذو" بمعنى صاحب، يكون بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء، ويجوز في "أب" و"أخ"، و"حم" إعرابها إعراب المقصور على الألف، ويجوز نقصها بحذف أواخرها، فتعرب بالحركات الظاهرة على الباء، والخاء، والميم، وأما "هن" فنقصه أشهر، من إتمامه، وإلى هذا كلّه أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَارْفَعْ بِوَاوِ وَانْصبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صحْبَةً أَبَانَا … وَ"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
"أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ" كَذَاكَ وَهَنُ … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وأما ما وقع في معظم النسخ بلفظ "أبو أيوب" بالواو فلا بدّ من تأويله؛ لأن إعرابه على الواو دائمًا لغة ضعيفة، فلا يجوز تخريج الرواية الصحيحة عليه، فيؤؤل بأنه محكيّ على حالة الرفع، أي من نحو قوله: "حدثنا أبو أيوب"، فيكون "أبو أيوب" مفعولًا به لـ"يعني" منصوبًا بفتحة مقدّرة، منع من ظهورها اشتغال المحلّ بإعراب الحكاية، والله تعالى أعلم.
وقوله: (عَنِ الْمَلِيِّ) أصله مَلِيءٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، قال الفيّوميّ ﵀:
стр. 4620
رجلٌ مليءٌ، مهموز، على فعيل: غنيّ مقتدرٌ، ويجوز البدل، والإدغام. انتهى (١).
والمراد به هنا الثقة، قال الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" بعد إخراج الحديث من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه ما نصّه: قال عبد الله: قال أبي: "المليّ، عن المليّ": ثقة، عن ثقة. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: يريد بقوله: "المليء" الثقة في نقله الذي يُعتَمَدُ على ما عنده، كما يُعتَمَد على المليء في مداينته ومعاملته، ويوثق به. انتهى بتصرّف (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٧] (٣٤٧) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ (ع)، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفانَ ﵁ (٤)، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاة، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) نسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
стр. 4621
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، ولد عبد الصمد المذكور قبله، أبو عُبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
٥ - (جَدّهُ) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) الْمُعَلِّم المكتب الْعَوذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في ثاني أحاديث الباب.
٩ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهِلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
١٠ - (زيدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) الصحابيّ المدنيّ المشهور ﵁، مات بالكوفة سنة (٦٨) وقيل: (٧٠) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٨.
١١ - (عَثْمَانُ) بن عفّان ﵁ تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من تُساعيّات المصنف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين، وأفرد واحدًا بالتحويل؛ لاختلاف صيغتي الأداء؛ إذ قال الأوّلان: "حدّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث"، بصيغة الجمع، وباسمه العلم، وقال الثالث: "حدّثني أبي"، بصيغة الإفراد، وكناه بـ "أبي"، وهو عبد الصمد المذكور.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه: زهير،
стр. 4622
فبغداديّ، وعبد، فكسّيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان يماميًّا، إلا أنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم، كما قاله ابن حبان.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ، والثالث ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: يحيى، وأبو سلمة، وعطاء، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأنهما تابعيّان كبيران، كلاهما من الطبقة الثالثة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: زيد بن خالد، عن عثمان ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اسم أبيه صالح بن المتوكّل.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ ما نصّه: "عن الحسين، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة إلخ"، فقال في "الفتح": قوله: "قال يحيى" هو ابن أبي كثير، أي قال الحسين: قال يحيى، ولفظ "قال" الأولى تحذف في الخطّ عرفًا، قوله: "وأخبرني" هو عطف على مقدر: أي أخبرني بكذا، وأخبرني بكذا، ووقع في رواية مسلم بحذف الواو، قال ابن العربيّ: لم يسمعه الحسين من يحيى، فلهذا قال: "قال يحيى"، كذا ذكره ولم يأت بدليل، وقد وقع في رواية مسلم في هذا الموضع: "عن الحسين، عن يحيى"، وليس الحسين بمدلس، وعنعنة غير المدلس محمولة على السماع، إذا لقيه على الصحيح، على أنه وقع التصريح في رواية ابن خزيمة في رواية الحسين، عن يحيى بالتحديث، ولفظه: "حدثني يحيى بن أبي كثير"، ولم ينفرد الحسين مع ذلك به، فقد رواه عن يحيى أيضًا معاوية بن سلام، أخرجه ابن شاهين، وشيبان بن عبد الرحمن، أخرجه البخاريّ. انتهى (١).
стр. 4623
أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِي) ﵁ (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁) الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤، وقوله: (قَالَ) تفسير وتوضيح لمعنى "سأل" (قُلْتُ: أَرَأَيْتَ)، تقدّم الكلام عليها قريبًا (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ، وَلَمْ يُمْنِ؟)، تقدّم أن فيه ثلاثَ لغات: ضمّ الياء، وإسكان الميم، وهي اللغة الفصحى، وفتح الياء، والثالثة ضم الياء، مع فتح الميم، وتشديد النون: أي لم يخرج منيّه (قَالَ عُثْمَانُ) بن عفّان ﵁ (يَتَوَضَّأُ) خبر بمعنى الأمر، أي ليتوضّأ، كما تقدّم قريبًا (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ)، أي وضوءًا شرعيًّا، لا وضوءًا لغويًّا، وهو غسل بعض أعضائه، مما مسّ المرأة منه (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) ببناء الفعل للفاعل، ولا تنافي بينه وبين قوله في الرواية الماضية: "ثم يتوضّأ"، فأخّر الوضوء عن غسل الذكر؛ لأن الواو لا ترتيب فيها، فتنبّه (قَالَ عُثْمَانُ) ﵁ (سَمِعْتُهُ)، أي سمعت هذا الحكم، وهو الأمر بالوضوء، وغسل الذكر (مِنْ رَسُولِ للهِ ﷺ ). هذا الحكم منسوخ على قول الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: هكذا أورد المصنّف: هذه الرواية مختصرة على سؤال زيد بن خالد لعثمان ﵁، وقد ساقها البخاريّ ﵀ بزيادة سؤاله عليًّا والزبير، وطلحة، وأبيّ بن كعب ﵃، ونصّه:
(٢٩٢) حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره"، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك عليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وأبيّ بن كعب ﵃، فأمروه بذلك.
قال في "الفتح": قوله: "فأمروه بذلك" فيه التفات؛ لأن الأصل أن يقول: فأمروني، أو هو مقول عطاء بن يسار، فيكون مرسلًا، وقال الكرمانيّ: الضمير يعود على الْمُجَامع الذي في ضمن "إذا جامع"، وجزم أيضًا بأنه عن عثمان إفتاءٌ وروايةٌ مرفوعةٌ، وعن الباقين إفتاءٌ فقط.
стр. 4624
قال الحافظ: وظاهره أنهم أمروه بما أمره به عثمان، فليس صريحًا في عدم الرفع، لكن في رواية الإسماعيليّ: "فقالوا مثل ذلك"، وهذا ظاهره الرفع؛ لأن عثمان أفتاه بذلك، وحدّثه به، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فالمثلية تقتضي أنهم أيضًا أفتوه، وحدَّثوه، وقد صَرَّح الإسماعيليّ بالرفع في رواية أخرى له، ولفظه: "فقالوا مثل ذلك، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - "، وقال الإسماعيليّ: لم يقل ذلك غير يحيى الْحِمَّانيّ، وليس هو من شرط هذا الكتاب (١). انتهى، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٠/ ٧٨٧] (٣٤٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٧٩)، و"الغسل" (١٩٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦٣ و ٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٧ و ١١٧٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٣ و ٥٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٤ و ١٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٢٠ و ٨٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ﵁ هذا:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقد صححه الشيخان، كما علمت، حيث أخرجاه في "صحيحيهما"، وهذا غاية الصحّة، وقد خالفهم فيه بعضهم.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: في كتابه "الاستذكار": "مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
стр. 4625
وعائشة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم - كانوا يقولون: إذا مس الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسل"، قال: هذا حديثٌ صحيحٌ عن عثمان بأن الغسل يوجبه التقاءُ الختانين، وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهنيّ أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان، قال: قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: وسأل عن ذلك عليًّا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك.
قال: وهذا حديثٌ منكرٌ، لا يُعْرَف من مذهب عثمان، ولا من مذهب عليّ، ولا من مذهب المهاجرين، انفرد به يحيى بن أبي كثير، ولم يتابع عليه، وهو ثقةٌ، إلا أنه جاء بما شَذّ فيه، وأُنكر عليه، ونكارته أنه مُحالٌ أن يكونْ عثمان سمع من رسول الله ﷺ ما يُسقِط الغسل من التقاء الختانين، ثم يفتي بإيجاب الغسل منه، ولا أعلم أحدًا قال بأن الغسل من التقاء الختانين منسوخٌ، بل قال الجمهور: إن الوضوء منه منسوخٌ بالغسل، ومن قال بالوضوء منه أجازه، وأجاز الغسل، فلم ينكره.
قال: وقد تدبرت حديث عثمان الذي انفرد به يحيى بن أبي كثير، فليس فيه تصريح بمجاوزة الختان الختان، وإنما فيه جامع، ولم يَمَسّ، وقد تكون مجامعةٌ، ولا يمس فيها الختان الختان؛ لأنه لفظ مأخوذ من الاجتماع، يُكنَى به عن الوطء.
وإذا كان كذلك، فلا خلاف حينئذ فيما قال عثمان: إنه يتوضأ، وجائز أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ ، ولا يكون معارضًا لإيجاب الغسل بشرط التقاء الختانين.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد؟ قال: سألت عنه خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ عثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير، وأُبيّ بن كعب، فقالوا: الماء من الماء، أفيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم، ما يُروَى من خلافه عنهم، قلت: عن على، وعثمان، وأُبيّ بن كعب؟ قال: نعم، وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عليّ بن المدينيّ، وذكر هذا