٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، ولد عبد الصمد المذكور قبله، أبو عُبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
٥ - (جَدّهُ) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) الْمُعَلِّم المكتب الْعَوذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع)، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في ثاني أحاديث الباب.
٩ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهِلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) وقيل بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
١٠ - (زيدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) الصحابيّ المدنيّ المشهور ﵁، مات بالكوفة سنة (٦٨) وقيل: (٧٠) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٨.
١١ - (عَثْمَانُ) بن عفّان ﵁ تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من تُساعيّات المصنف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين، وأفرد واحدًا بالتحويل؛ لاختلاف صيغتي الأداء؛ إذ قال الأوّلان: "حدّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث"، بصيغة الجمع، وباسمه العلم، وقال الثالث: "حدّثني أبي"، بصيغة الإفراد، وكناه بـ "أبي"، وهو عبد الصمد المذكور.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه: زهير،
стр. 4622
فبغداديّ، وعبد، فكسّيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان يماميًّا، إلا أنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم، كما قاله ابن حبان.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ، والثالث ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: يحيى، وأبو سلمة، وعطاء، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأنهما تابعيّان كبيران، كلاهما من الطبقة الثالثة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: زيد بن خالد، عن عثمان ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اسم أبيه صالح بن المتوكّل.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ ما نصّه: "عن الحسين، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة إلخ"، فقال في "الفتح": قوله: "قال يحيى" هو ابن أبي كثير، أي قال الحسين: قال يحيى، ولفظ "قال" الأولى تحذف في الخطّ عرفًا، قوله: "وأخبرني" هو عطف على مقدر: أي أخبرني بكذا، وأخبرني بكذا، ووقع في رواية مسلم بحذف الواو، قال ابن العربيّ: لم يسمعه الحسين من يحيى، فلهذا قال: "قال يحيى"، كذا ذكره ولم يأت بدليل، وقد وقع في رواية مسلم في هذا الموضع: "عن الحسين، عن يحيى"، وليس الحسين بمدلس، وعنعنة غير المدلس محمولة على السماع، إذا لقيه على الصحيح، على أنه وقع التصريح في رواية ابن خزيمة في رواية الحسين، عن يحيى بالتحديث، ولفظه: "حدثني يحيى بن أبي كثير"، ولم ينفرد الحسين مع ذلك به، فقد رواه عن يحيى أيضًا معاوية بن سلام، أخرجه ابن شاهين، وشيبان بن عبد الرحمن، أخرجه البخاريّ. انتهى (١).
стр. 4623
أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِي) ﵁ (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁) الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤، وقوله: (قَالَ) تفسير وتوضيح لمعنى "سأل" (قُلْتُ: أَرَأَيْتَ)، تقدّم الكلام عليها قريبًا (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ، وَلَمْ يُمْنِ؟)، تقدّم أن فيه ثلاثَ لغات: ضمّ الياء، وإسكان الميم، وهي اللغة الفصحى، وفتح الياء، والثالثة ضم الياء، مع فتح الميم، وتشديد النون: أي لم يخرج منيّه (قَالَ عُثْمَانُ) بن عفّان ﵁ (يَتَوَضَّأُ) خبر بمعنى الأمر، أي ليتوضّأ، كما تقدّم قريبًا (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ)، أي وضوءًا شرعيًّا، لا وضوءًا لغويًّا، وهو غسل بعض أعضائه، مما مسّ المرأة منه (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) ببناء الفعل للفاعل، ولا تنافي بينه وبين قوله في الرواية الماضية: "ثم يتوضّأ"، فأخّر الوضوء عن غسل الذكر؛ لأن الواو لا ترتيب فيها، فتنبّه (قَالَ عُثْمَانُ) ﵁ (سَمِعْتُهُ)، أي سمعت هذا الحكم، وهو الأمر بالوضوء، وغسل الذكر (مِنْ رَسُولِ للهِ ﷺ ). هذا الحكم منسوخ على قول الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: هكذا أورد المصنّف: هذه الرواية مختصرة على سؤال زيد بن خالد لعثمان ﵁، وقد ساقها البخاريّ ﵀ بزيادة سؤاله عليًّا والزبير، وطلحة، وأبيّ بن كعب ﵃، ونصّه:
(٢٩٢) حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره"، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك عليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وأبيّ بن كعب ﵃، فأمروه بذلك.
قال في "الفتح": قوله: "فأمروه بذلك" فيه التفات؛ لأن الأصل أن يقول: فأمروني، أو هو مقول عطاء بن يسار، فيكون مرسلًا، وقال الكرمانيّ: الضمير يعود على الْمُجَامع الذي في ضمن "إذا جامع"، وجزم أيضًا بأنه عن عثمان إفتاءٌ وروايةٌ مرفوعةٌ، وعن الباقين إفتاءٌ فقط.
стр. 4624
قال الحافظ: وظاهره أنهم أمروه بما أمره به عثمان، فليس صريحًا في عدم الرفع، لكن في رواية الإسماعيليّ: "فقالوا مثل ذلك"، وهذا ظاهره الرفع؛ لأن عثمان أفتاه بذلك، وحدّثه به، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فالمثلية تقتضي أنهم أيضًا أفتوه، وحدَّثوه، وقد صَرَّح الإسماعيليّ بالرفع في رواية أخرى له، ولفظه: "فقالوا مثل ذلك، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - "، وقال الإسماعيليّ: لم يقل ذلك غير يحيى الْحِمَّانيّ، وليس هو من شرط هذا الكتاب (١). انتهى، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٠/ ٧٨٧] (٣٤٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٧٩)، و"الغسل" (١٩٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦٣ و ٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٧ و ١١٧٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٣ و ٥٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٤ و ١٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٢٠ و ٨٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ﵁ هذا:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقد صححه الشيخان، كما علمت، حيث أخرجاه في "صحيحيهما"، وهذا غاية الصحّة، وقد خالفهم فيه بعضهم.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: في كتابه "الاستذكار": "مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
стр. 4625
وعائشة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم - كانوا يقولون: إذا مس الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسل"، قال: هذا حديثٌ صحيحٌ عن عثمان بأن الغسل يوجبه التقاءُ الختانين، وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهنيّ أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان، قال: قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: وسأل عن ذلك عليًّا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك.
قال: وهذا حديثٌ منكرٌ، لا يُعْرَف من مذهب عثمان، ولا من مذهب عليّ، ولا من مذهب المهاجرين، انفرد به يحيى بن أبي كثير، ولم يتابع عليه، وهو ثقةٌ، إلا أنه جاء بما شَذّ فيه، وأُنكر عليه، ونكارته أنه مُحالٌ أن يكونْ عثمان سمع من رسول الله ﷺ ما يُسقِط الغسل من التقاء الختانين، ثم يفتي بإيجاب الغسل منه، ولا أعلم أحدًا قال بأن الغسل من التقاء الختانين منسوخٌ، بل قال الجمهور: إن الوضوء منه منسوخٌ بالغسل، ومن قال بالوضوء منه أجازه، وأجاز الغسل، فلم ينكره.
قال: وقد تدبرت حديث عثمان الذي انفرد به يحيى بن أبي كثير، فليس فيه تصريح بمجاوزة الختان الختان، وإنما فيه جامع، ولم يَمَسّ، وقد تكون مجامعةٌ، ولا يمس فيها الختان الختان؛ لأنه لفظ مأخوذ من الاجتماع، يُكنَى به عن الوطء.
وإذا كان كذلك، فلا خلاف حينئذ فيما قال عثمان: إنه يتوضأ، وجائز أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ ، ولا يكون معارضًا لإيجاب الغسل بشرط التقاء الختانين.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد؟ قال: سألت عنه خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ عثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير، وأُبيّ بن كعب، فقالوا: الماء من الماء، أفيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم، ما يُروَى من خلافه عنهم، قلت: عن على، وعثمان، وأُبيّ بن كعب؟ قال: نعم، وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عليّ بن المدينيّ، وذكر هذا
стр. 4626
الحديث، فقال: إسناد حسن، ولكنه حديث شاذّ غير معروف. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وقد حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث، وقد حَكَى يعقوب بن شيبة، عن عليّ بن المدينيّ أنه شاذّ.
والجواب عن ذلك أن الحديث ثابتٌ من جهة اتّصال إسناده، وحفظ رواته، وقد رَوَى ابن عيينة أيضًا عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، فليس هو فردًا، وأما كونهم أفْتَوْا بخلافه، فلا يَقْدَح ذلك في صحته؛ لاحتمال أنه ثبت عندهم ناسخه، فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ، وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية.
وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه حديث الباب من الاكتفاء بالوضوء إذا لم يُنزل المجامع منسوخ بما دلّ عليه حديث أبي هريرة وعائشة المذكوران في الباب التالي، والدليل على النسخ ما رواه أحمد وغيره، من طريق الزهريّ، عن سهل بن سعد، قال: حدّثني أُبَيّ بن كعب، أن الفُتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء رُخصة كان رسول الله ﷺ رَخَّص بها في أول الإسلام، ثم أَمَرَ بالاغتسال بعدُ. صححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وقال الإسماعيليّ: هو صحيح على شرط البخاريّ، كذا قال، وكأنه لم يَطَّلِع على علته، فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل، نعم أخرجه أبو داود، وابن خزيمة أيضًا مَن طريق أبي حازم، عن سهل، ولهذا الإسناد أيضًا علة أخرى، ذكرها ابن أبي حاتم.
وفي الجملة هو إسناد صالح لأن يُحْتَجّ به، وهو صريح في النسخ، على أن حديث الغسل، وإن لم يُنْزِل أرجح من حديث: "الماءُ من الماء"؛ لأنه بالمنطوق، وترك الغسل من حديث الماء بالمفهوم، أو بالمنطوق أيضًا، لكن ذاك أصرح منه.
стр. 4627
ورَوَى ابن أبي شيبة وغيره، عن ابن عباس: أنه حَمَلَ حديث: "الماءُ من الماء" على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام، من رؤية الجماع، وهو تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الذي ذكره في "الفتح" عن الطعن في صحّة حديث زيد الجهنيّ ﵁ المذكور في الباب تحقيق نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن الحديث صحيح، صحّحه الشيخان، وغيرهما، والطعن فيه بثبوت الفتوى عن عثمان ومن ذُكر معه من الصحابة ﵃ غير صحيح؛ لأنه يُجمع بأنهم أفتوا بخلاف ما رووه عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - لَمّا بلغهم النسخ لما رووه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْن، قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا أيُّوبَ أَخْبَرَهُ، أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، غير عروة، فتقدّم في الذي قبله.
وقوله: (أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ) قال الدارقطنيّ ﵀: هو وَهَمٌ؛ لأن أبا أيوب إنما سمعه من أُبَيّ بن كعب، كما قال هشام بن عروة، عن أبيه.
وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: قلت: الظاهر أن أبا أيوب سمعه منهما؛ لاختلاف السياق؛ لأن في روايته عن أُبَيّ بن كعب قصةً، ليست في روايته، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - مع أن أبا سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدرًا وسنًّا وعلمًا من هشام بن عروة، وروايتُهُ عن عروة من باب رواية الأقران؛ لأنهما
стр. 4628
تابعيان فقيهان، من طبقة واحدة، وكذلك رواية أبي أيوب، عن أبي بن كعب، لأنهما فقيهان صحابيان كبيران، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر، عن أبي أيوب، عن النبيّ ﷺ ، أخرجه الدارميّ، وابن ماجه. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث نفيسٌ.
والحاصل أن حديث أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁ ـ هذا عن النبيّ ﷺ صحيح، ولا يُعلّ بروايته السابقة بواسطة أبيّ بن كعب ﵁؛ لإمكان الجمع بكونه رواه عنه، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، ثمّ سمعه منه ﷺ .
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢١) - (بَابُ بَيَانِ نَسْخ "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ"، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٨٩] (٣٤٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ (ح) وَحَدَّثنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، وَمَطَرٍ عَنِ الْحَسَن، عَنْ أَبِي رَافِع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَع، ثُمَّ جَهَدَهَاَ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ"، وَفِي حَدِيثِ مَطَرٍ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ"، قَالَ زُهَيْرٌ مِنْ بَيْنِهِمْ: "بَيْنَ أَشْعُبِهَا الْأَرْبَعِ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) (١) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
стр. 4629
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (مَطَر) بن طَهْمَان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، ضعيف في حديث عطاء [٦] [ت ٥ أو ١٢٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
[تنبيه]: قوله: (وَمَطَرٍ) بالجرّ عطفًا على قتادةَ، فهشام الدستوائيّ، يرويه عن كلّ من قتادة، ومطر، وكلاهما يرويانه عن الحسن البصريّ … إلخ (١).
٦ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ١ ص ٣٠٦.
٧ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفَيعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٦٢.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان بالتحويل، ويجتمعان في معاذ بن هشام.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأولين، فالأول ما روى عنه الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، ومطر الورّاق، علّق له البخاريّ.
стр. 4630
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وأبي هريرة، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم، عن بعض: قتادةُ، عن الحسن، عن أبي رافع.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ) الضمير المستتر فيه، وفي قوله: "جَهَدَ" للرجل، والضميران البارزان في قوله: "شعبها"، و"جهدها" للمرأة، وترك إظهار ذلك لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقد وقع مصرَّحًا به في رواية لابن المنذر، من وجه آخر، عن أبي هريرة، قال ﵀: "إذا غَشِي الرجل امرأتَهُ، فقعد بين شُعَبها … " الحديث. (بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ) "الشُّعَبُ" - بضمّ الشين المعجمة، وفتح العين المهملة -: جمع شُعْبة - بضمّ، فسكون - وهي القطعة من الشيء.
وقال الفيّوميّ ﵀: الشُّعبة من الشجرة: الْغُصن المتفرّع منها، والجمعُ شُعَبٌ، مثلُ: غُرْفة وغُرَف، وفي الحديث: "إذا جلس بين شُعبها الأربع": يعني يديها ورجليها على التشبيه بأغصان الشجرة، وهو كناية عن الجماع؛ لأن القعود كذلك مظِنّة الجماع، فكنّى بها عن الجماع، والشُّعبة من الشيء: الطائفة. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قيل: المراد بشُعَبها هنا يداها، ورجلاها، وقيل: رجلاها، وفخذاها، وقيل: ساقاها، وفخذاها، وقيل: فخذاها، وإسكتاها (٢)،
стр. 4631
وقيل: فخذاها، وشُفْراها (١)، وقيل: نواحي فرجها الأربع، قال الأزهريّ: الإِسكتان: ناحيتا الفرج، والشُّفْران: طرف الناحيتين.
قال ابن دقيق العيد ﵀: الأقرب عندي أن يكون المراد بالشعب الأربع: اليدين، والرجلين، أو الرجلين والفخذين، فيكون الجماع مكنيًّا عنه بذلك، فاكتُفي بما ذُكر عن التصريح، قال: وإنما رجّحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، إذ هو حقيقة في الجلوس بينهما، وأما إذا حُمِلَ على نواحي الفرج، فلا جلوس بينها حقيقةً. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: الأولى في هذا، والأحرى على معنى الحكم أن الشُّعَب نواحي الفرج الأربع، والشُّعَب النواحي، ومثل قوله في الحديث الآخر ﵀: "إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة … "، لأنها لا تتوارى حتى يغيب بين الشُّعب الأربع، ومثله قول عائشة ﵂: "إذا جاوز الختان الختانَ"، و"إذا مسّ الختان الختانَ"، وكذلك لا يُعتبر التقاء الختانين إلا بمجاوزتها وبمغيبها هنالك، ولا يُلتفت إلى التقائهما على غير هذه الصفة، وقد يتأتى الجلوس بين اليدين والرجلين والفخذين والإسكتين - وهما الشُّفْران - ولا تغيب الحشفة، ولا يلتقي الختانان، قال: وبالجملة فمراد الأحاديث على اختلافها أنه لا اعتبار بالماء، وأن المخالطة توجب الغسل. انتهى كلام عياض ﵀ باختصار (٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ جَهَدَهَا) - بفتح الجيم والهاء - يقال: جَهَدَ، وأجهد: أي بَلَغَ المشقة، قيل: معناه كَدَّها بحركته، أو بلغ جُهده في العمل بها، وفي رواية شعبة، عن قتادة الآتية: "ثم اجتهد"، ورواه أبو داود، من طريق شعبة وهشام معًا، عن قتادة بلفظ: "وألزق الختانَ بالختان"، بدل قوله: "ثم جَهَدها"، وهذا يدلّ على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج، ورواه البيهقيّ من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة مختصرًا، ولفظه: "إذا التقى الختانان، فقد وجب
стр. 4632
الغسل"، وروي أيضًا بهذا اللفظ، من حديث عائشة، أخرجه الشافعيّ من طريق سعيد بن المسيب، عنها، وفي إسناده عليّ بن زيد، وهو ضعيف، وابن ماجهْ من طريق القاسم بن محمد، عنها؛ ورجاله ثقات، ويأتي في رواية أبي موسى الأشعريّ، عنها بلفظ: "ومسّ الختانُ الختانَ"، والمراد بالمسّ، والالتقاء، المحاذاةُ، ويدلّ عليه رواية الترمذيّ بلفظ: "إذا جاوز"، وليس المراد بالمسّ حقيقته؛ لأنه لا يُتصوَّر عند غيبة الحشفة، ولو حَصَل المس قبل الإيلاج لم يَجب الغسل بالإجماع، قاله في "الفتح" (١).
وقيل: الجَهْد من أسماء النكاح، فمعنى "جهَدَها": جامعها، وإنما عدل إلى الكناية؛ للاجتناب عن التفوّه بما يَفْحُشُ ذكره صريحًا، قاله في "العمدة" (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "ثم جَهَدها": الأولى هنا أن يكون "جَهَد": أي بلغ جَهْده في عمله فيها، والجَهْد: الطاقة، والاجتهاد منه، وهي إشارة إلى الحركة، وتمكّن صورة العمل، وهو نحوٌ من قول من قال: حَفَزَها: أي كَدّها بحركته، وإلا فأيّ مشقّة تبلغ بها في ذلك؟ وقال ابن الأنباريّ: جهدت الرجل: إذا حملته على أن يبلغ مجهوده، وهو أقصى قوّته، فلعلّه أيضًا من هذا؛ أي طلب منها مثل ما فعل، وهو بمعنى قوله أيضًا في الآخر: "إذا خالط"، وهو كناية عن مبالغة الجماع، ومغيب الحشفة، واختلاط العضوين، والْخِلاط الجماعُ، قاله الحربيّ؛ وخالطها: جامعها، وقال الخطّابيّ: الجهد من أسماء النكاح، والختانان هما ختان الرجل، وختان المرأة، ولا يكاد يتماسّان غالبًا إلا بعد مغيب الحشفة، فكنى النبيّ - صلي الله عليه وسلم - بالتقائهما عما وراءهما من الإيلاج. انتهى (٣).
وقوله: (فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ") جواب "إذا"، و"أل" في "الغسل" للعهد الذهنيّ، وقوله: (وَفي حَدِيثِ مَطَرٍ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ") يعني أن مطرًا زاد على قتادة قوله: "وإن لم يُنزل"، وهو بضمّ حرف المضارعة، من الإنزال رباعيًّا، وحُذف مفعوله؛ لعلمه؛ أي وإن لم يُنزل المنيّ.
стр. 4633
قال النوويّ ﵀: معنى الحديث: أن إيجاب الغسل لا يَتَوَقّف على نزول المنيّ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة، ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه، وقد تقدم بيان هذا. انتهى.
[تنبيه]: قوله: "وفي حديث مطر … " إلخ، هذا ظاهر في أن هذه الزيادة لم تقع في رواية قتادة، ولعله لم يقع ذلك للمصنّف ﵀ في روايته، وإلا فقد وقع في رواية قتادة أيضًا، رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن عفّان، قال: حدثنا همام وأبان، قالا: حدثنا قتادة به، وزاد في آخره: "أنزَلَ أو لم يُنزل"، وكذا رواه الدارقطنيّ، وصححه من طريق عليّ بن سهل، عن عفّان، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسيّ، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب، شيخه الأول (مِنْ بَيْنِهِمْ) أي من بين شيوخه الأربعة ("بَيْنَ أَشْعُبِهَا الْأَرْبَعِ") يعني أن رواية زُهير بن حرب، عن معاذ بن هشام بلفظ "أَشْعُب" بالهمزة، بدل رواية الثلاثة عنه بلفظ "شُعَب" بضمّ؛ ففتح، و"الأَشْعُبُ" بفتح الهمزة، وضمّ العين، جمع شَعْبٍ، كفلس وأَفْلُس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٧٨٩ و ٧٩٠] (٣٤٨)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٩١)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٢١٦)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١١٠ و ١١١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٥ - ٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٤ و ٣٩٣ و ٥٢٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٩٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٧٤ و ١١٧٨ و ١١٨٢)، و (الطحاويّ) في
стр. 4634
"شرح معاني الآثار" (١/ ٥٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٣) وفي "المعرفة" (١/ ٤١٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٢٣ و ٨٢٤ و ٨٢٥ و ٨٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٧٨ و ٧٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نسخ مفهوم حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الماضي: "إنما الماء من الماء"، ودليل النسخ ما رواه الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" عن أُبي بن كعب ﵁: "أن الفُتيا التي كانوا يقولون: "الماء من الماء" رخصةٌ، كان رسول الله ﷺ رَخَّص بها في أول الإسلام، ثم أَمَرَنا بالاغتسال بعدها"، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، وقال الإسماعيليّ: إنه صحيح على شرط البخاريّ، وهو صريح في النسخ، وتؤيّده الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، قال الشافعيّ ﵀: الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، ولو لم يحصل إنزال.
٢ - (منها): أن المراد بالجهد هنا الكدّ بحركته، ولا يكون ذلك إلا مع الإيلاج، ويفسّره رواية أبي داود: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل"، وهو حديث صحيح.
٣ - (ومنها): أن فيه جواز الجماع على هذه الكيفية، وإن كان غيرها من الإقبال والإدبار، وعلى الشق جائزًا، ما كان في مكان الحرث، وهو القبل؛ لإطلاق الآية: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]،.
٤ - (ومنها): استحباب الكناية فيما يُستقبح التصريح بذكره، كالجماع.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن ﵀: إن قوله ﷺ : "فقد وجب الغسل" فيه دلالة على أنه ليس على الفور، وهو إجماع، قال: ثم اعلم أن الأحكام المتعلّقة كلّها من وجوب الغسل، والمهر، وغيرهما متعلّقة بتغييب الحشفة بالاتّفاق، ولا يُشترط تغييب جميع الذكر، قال: ومسائل تغييب الحشفة كثيرة جدًّا، أوصلها الجوينيّ إلى ستّين، وغيره إلى نيّف وسبعين، وبعض المالكيّة إلى نيّف وثمانين، وقال ابن أبي جمرة ﵀: إنها أصل لألف مسألة، وقد
стр. 4635
جمعت منها ما تيسّر من ذلك في أوراق مفردة، ولله الحمد. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أن نفس الإيلاج موجب للغسل، وإن لم يحصل إنزال، قال ابن الملقّن ﵀: إن إيجاب الغسل لا يتوقّف على إنزال المنيّ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: "وإن لم يُنزل"، فيكون قوله: "إذا جلس" خرج مخرج الغالب، لا أن الجلوس بين شُعبها وجهدها شرط لوجوب الغسل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة؛ كعثمان، وأُبيّ، ومن بعدهم؛ كالأعمش، وداود، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ثم انعقد الإجماع … " إلخ فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الخلاف لا زال قائمًا على ما ستعرفه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: خالف بعض الظاهريّة داودَ، ووافق الجماعة، ومستند داود: "إنما الماء من الماء"، وقد جاء في الحديث: "إنما الماء من الماء" كان رخصة في أول الإسلام، ثم نُسخ، رواه الترمذيّ، وصححه (٢)، فزال ما استندوا إليه.
وقال النوويّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أصحابنا: ولو غَيَّب الحشفة وجب الغسل، سواء كان المولَج فيه حيًّا أو ميتًا صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان ذلك عن قصد، أم عن نسيان، وسواء كان مختارًا، أو مكرَهًا، أو استدخَلَت المرأة ذكره، وهو نائم، وسواء انتشَرَ الذكر أم لا، وسواء كان مختونًا، أم أغلف، فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول به، إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيًّا أو صبيًّة، فإنه لا يقال: وجب عليه لأنه ليس مكلفًا، ولكن يقال: صار جُنُبًا، فإن كان مميزًا وجب على الوليّ أن يأمره بالغسل، كما يأمره بالوضوء، فإن صلّى من غير غسل لم تصح صلاته، وإن لم يغتسل حتى بَلَغ وجب عليه الغسل، وإن اغتسل في الصبا، ثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل.
стр. 4636
قال: والاعتبار في الجماع بتغييب الحشفة من صحيح الذكر بالاتفاق، فإذا غَيَّبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام، ولا يشترط تغييب جميع الذكر بالاتفاق، ولو غيب بعض الحشفة، لا يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق، إلا وجهًا شاذًّا ذكره بعض أصحابنا أن حكمه حكم جميعها، وهذا الوجه غلطٌ منكرٌ متروكٌ.
وأما إذا كان الذكر مقطوعًا، فإن بقي منه دون الحشفة، لم يتعلق به شيء من الأحكام، وإن كان الباقي قدر الحشفة فحسب، تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله، وإن كان زائدًا على قدر الحشفة، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه، والثاني لا يتعلق شيء من الأحكام إلا بتغييب جميع الباقي.
ولو لَفّ على ذكره خرقة، وأولجه في فرج امرأة ففيه ثلاثه أوجه لأصحابنا: الصحيح منها والمشهور، أنه يجب عليهما الغسل، والثاني: لا يجب؛ لأنه أولج في خرقة. والثالث: إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذة والرطوبة، لم يجب الغسل، وإلا وجب.
ولو استدخَلت المرأة ذكر بهيمة، وجب عليها الغسل، ولو استدخَلت ذكرًا مقطوعًا، فوجهان، أصحهما يجب عليها الغسل. انتهى كلام النووي ببعض اختصار (١).
[تنبيه]: قال ابن العربيّ: قد رَوى جماعة من الصحابة المنع، ثم رجعوا، حتى رُوي عن عمر أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على ذلك (٢)، ولا يُعبأ بخلاف داود في ذلك، فإنه لولا خلافه ما عُرِف (٣)، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاريّ في ذلك، وحكمه بأن الغسل
стр. 4637
أحوط، وهو أحد علماء الدين، والعجب أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وبين حديث عثمان، وأبيّ في نفي الغسل إلا بالإنزال، وحديث عثمان ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعَلِّم، يرويه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد، والحسين لم يسمعه من يحيى، وإنما نقله له، بـ "قال يحيى"، ولذلك أدخله البخاريّ عنه بصيغة المقطوع، وهذه علّة، وقد خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان، ولم يذكر فيه النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهذه علّة ثانية، وقد خولف فيه أيضًا أبو سلمة، فرواه زيد بن أسلم، عن عطاء، عن زيد بن خالد، أنه سأل خمسة أو أربعة من الصحابة، فأمروه بذلك، ولم يرفعه، وهذه علّة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاريّ إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بالحديث إذا اجتمعت فيه، وحديث أُبيّ أيضًا يصعُب التعلّق به؛ لأنه قد صحّ رجوعه عما رَوَى لَمّا سَمِعَ، وعَلِمَ مما كان أقوى منه.
ويحتمل قول البخاريّ: الغسل أحوط؛ يعني في الدين، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو أشبه بإمامة الرجل وعلمه (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تجرّأ ابن العربيّ بالحكم على حديثٍ اتّفق الشيخان على تصحيحه، وتخريجه في "صحيحيهما"، سبحان الله إن هذا لهو العجب العُجَاب!!!.
قال ابن الملقّن ﵀ بعد سوق كلام ابن العربيّ هذا، ما نصّه: قد أخرج البخاريّ حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان، رواه عن سعد بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن زيد بن خالد، عن عثمان مرفوعًا، وقال الدارقطنيّ: حدّث به عن يحيى حسينٌ المعلِّم، وشيبان، وهو صحيح عنهما.
стр. 4638
ورواه ابن شاهين من حديث معاوية بن سلّام، عن يحيى به، والحسين بن ذكوان ثقةٌ مشهورٌ، أخرج له الستّة، وأما العُقيليّ، فضعّفه بلا حجّة.
وقوله: إن البخاريّ رواه بصيغة المقطوع؛ فيه نظرٌ، بل ذكره في موضع الاحتجاج به، وقد أخرجه مسلم بصيغة "عن يحيى" بدل "قال يحيى"، وقال ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من يحيى، وقد رواه مصرّحًا بالسماع من يحيى ابنُ خُزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه"، وغيرُهما، فلله الحمد.
وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم، لا يضرّه؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ، وقد زاد فيُقبل، ولأن الراوي قد ينشَطُ، فيَرفَع الحكم. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن الملقّن ﵀، في ردّه على اجتراء ابن العربيّ بتضعيف حديثٍ اتّفَقَ الشيخان على تصحيحه، وجنى عليهما بالحطّ عن مقدارهما، بكونهما لم يَعْلَما ثلاث علل في الحديث اطّلع عليها ابن العربيّ بمهارته، وبُعْد نظره، وهيهات هيهات أن يكون هذا.
وبالجملة فحديث عثمان ﵁ صحيح، وقد تقدّم البحث عنه بأتمّ مما هنا عند شرحه، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الجماع دون إنزال المنيّ:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى إيجاب الغسل بالإيلاج، وإن لم يُنزل، وبه قال الخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، وقد ادَّعَى بعضهم انعقاد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وليس كذلك، بل الخلاف موجود، كما سنحقّقه.
وذهب بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى عدم الإيجاب إلا بالإنزال.
وممن رُوي عنه ذلك عثمان بن عفّان، وعليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، ورافع بن
стр. 4639
خَدِيج، وأبو سعيد الْخُدريّ، وأُبيّ بن كعب، وأبو أيوب الأنصاريّ، وابن عبّاس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهور الأنصار ﵃، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أهل الظاهر، قاله ابن حزم ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀ بعد ذكر بعض من ذكرهم ابن حزم -: ثم منهم من رجع عنه إلى موافقة الجمهور، ومنهم من لم يرجع. انتهى (٢).
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر نفي ابن العربيّ الماضي - ما نصّه: وأما نفي ابن العربيّ الخلاف، فمعتَرَض، فإنه مشهور بين الصحابة، ثبت عن جماعة منهم، لكن ادَّعَى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، وهو معتَرَضٌ أيضًا، فقد قال الخطابيّ: إنه قال به من الصحابة جماعةٌ، فسَمّى بعضهم، قال: ومن التابعين: الأعمش، وتبعه عياض، لكن قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره، وهو معترضٌ أيضًا، فقد ثَبَت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، وعن هشام بن عروة، عند عبد الرزاق، بإسناد صحيح، وقال عبد الرزاق أيضًا: عن ابن جريج، عن عطاء، أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أُنزل حتى أغتسل، من أجل اختلاف الناس؛ لأخذنا بالعروة الوثقى، وقال الشافعيّ في "اختلاف الحديث": حديث: "الماء من الماء" ثابتٌ، لكنه منسوخ .. إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا - يعني: من الحجازيين - فقالوا: لا يجب الغسل حتى يُنزل. انتهى.
فعُرِف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين، ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن دعوى الإجماع على وجوب الغسل بالإيلاج دون الإنزال غير صحيحة، بل الخلاف في ذلك لا زال قائمًا بين الصحابة فمن بعدهم، وإن كان الجمهور على الإيجاب، وهو الحقّ؛ لوضوح أدلّته على ما نوضّحه الآن، فنقول:
стр. 4640
احتجّ القائلون بعدم وجوب الغسل إلا بالإنزال بما رواه الشيخان عن زيد بن خالد الجهنيّ، أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله، فسألت عن ذلك عليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وأُبَيّ بن كعب ﵃، فأمروه بذلك.
وما أخرجاه عن أبي سلمة، أن عروة بن الزبير، أخبره أن أبا أيوب أخبره، أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ .
وما أخرجاه عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: أخبرني أُبَيّ بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة، فلم يُنزِل؟ قال: "يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي".
وما أخرجاه من حديث أبي سعيد الخدريّ، في قصّة عتبان بن مالك ﵁.
وما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما الماء من الماء".
وغير ذلك من الأحاديث بهذا المعنى.
واحتجّ الجمهور القائلون بالوجوب وإن لم يُنزل بحديث أبي هريرة وعائشة ﵂ المذكور في الباب: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل، وإن لم يُنزل".
قالوا: حديث: "الماء من الماء" منسوخ بهذه الأحاديث.
[فإن قلت]: ليس فيها دليل على النسخ؛ لعدم التعرُّض إلى شيء من التاريخ.
[قلت]: قد جاء ما يدلّ على النسخ صريحًا، وهو ما رواه أبو داود في "سننه" بسند صحيح،. عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ قال: حدثني أُبيّ بن كعب: أن الفُتيا التي كانوا يُفتون: "إن الماء من الماء" كانت رخصةً رَخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أَمَرنا بالاغتسال بعدُ. وأخرجه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، وقال ابن عبد البر في "الاستذكار": هو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له.
стр. 4641
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الاغتسال من التقاء الختانين، وإن لم يوجد الإنزال؛ لوضوح نسخ حديث: "إنما الماء من الماء" بحديث أبي هريرة، وعائشة ﵂ المذكورين في الباب، وعلى فرض عدم تأخّر تاريخهما لم ينتهض حديث: "الماء من الماء" لمعارضتهما؛ لأنه مفهوم، وهما منطوقان، والمنطوق أرجح من المفهوم، كما قاله الشوكانيّ ﵀، وقد أشبعت الكلام في هذا البحث في "شرح النسائيّ"، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٩٠] ( … ) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: "ثُمَّ اجْتَهَدَ"، وَلَمْ يَقُلْ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ) بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
وابن المثنى، وقتادة تقدّما في السند الماضي، وشعبة تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمحمد بن أبي عديّ، ووهب بن جرير.
стр. 4642
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي، وهو: عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ … إلخ) أشار به إلى أن حديث شعبة، وإن كان مثل هشام الدستوائيّ، أنه خالفه في قوله: "ثم جهدها"، فإنه قال: "ثم اجتهد".
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ") فيه إشكال؛ لأنه يقتضي أن هشامًا قاله، وقد تقدّم أن المصنّف نصّ على أنه لم يقع في رواية قتادة: "وإن لم يُنزل"، وإنما هو في رواية مطر فقط، مع أن غيره أثبته في رواية قتادة أيضًا، كما أسلفناه.
ويَحْتمل أن يجاب بأنه إنما ذكره من باب التأكيد، لا من باب بيان الخلاف بينهما، ولا يخفى ما فيه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه أخرجها أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٣٩١) فقال:
(٧٧٩) وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، وأبو موسى قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: وثنا يحيى بن حكيم، ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن قتادة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن المثنى، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "إذا قَعَدَ بين شُعَبها الأربع، ثم اجتهد، فقد وجب الغسل". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٩١] (٣٤٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنْصَارِيُّ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
стр. 4643
مُوسَى، قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَار، فَقَالَ الْأنصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ، أَوْ مِنَ الْمَاء، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ (١) إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أمَّاهْ، أَوْ يَا أمّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ (٢)، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي (٣) أَنْ تَسْأَلني عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أمُّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَع، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبله.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الْمُثَنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو عبد الله البصريّ القاضي، ثقة [٩].
رَوَى عن أبيه، وسليمان التيميّ، وحميد الطويل، وابن عون، وابن جريج، وحبيب بن الشهيد، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن حسان، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون عن عليّ بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن جعفر البِيكَنديّ، وخليفة بن خياط، وقتيبة بن سعيد، وأبي موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار بندار، وإبراهيم بن المستمِرّ الْعُرُوقيّ، وأبي الأزهر، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، ومحمد بن إسماعيل ابن علية، وأبي حاتم الرازيّ، وغيرهم.
قال الأحوص بن المفضَّل بن غسان الغلابيّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال مرَّةً: لم أر من الأئمة إلا ثلاثة: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشميّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وقال أبو داود:
стр. 4644
تغيَّر تغيرًا شديدًا، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال زكريا الساجيّ: رجل جليل عالم، لم يكن عندهم من فرسان الحديث، مثل يحيى القطان ونظرائه، غَلَب عليه الرأي، قال: وحُدِّثت عن ابن معين قال: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يَلِيق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ قال: للحديث رجال، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي، وأبو خيثمة: أنكر معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد حديثَ الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس: "احتجم النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهو محرم صائم"، وقال الأثرم، عن أحمد: ما كان يصنع الأنصاريّ عند أصحاب الحديث، إلا النظر في الرأي، وأما السماع فقد سَمِع، قال: وقد سمعت أبا عبد الله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، فضعَّفه، وقال: كانت ذهبت للأنصاريّ كتبٌ، فكان بعدُ يحدِّث من كتب غلامه أبي حكيم، أُراه قال: فكان هذا من ذلك، وقال يعقوب بن سفيان: سئل عليّ ابن المدينيّ عن حديث الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، قال: ليس من ذلك شيء، إنما أراد حديث حبيب، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ: تزوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم - ميمونة محرمًا، قال الخطيب: كان الأنصاريّ قد جالس في الفقه سَوّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، وعثمان الْبَتِّيَّ، ووليَ قضاء البصرة أيام الرشيد، بعد معاذ بن معاذ، ومات بالبصرة، قال يعقوب بن سفيان: سنة (٢١٤) مات الأنصاريّ، قال: وسمعته سنة اثنتي عشرة ومائتين، يقول: قد أشرفت على أربع وتسعين سنة.
وقال الخطيب: وَهِمَ يعقوب في تاريخ وفاته، ثم رَوَى بإسناده عن أبي موسى، محمد بن المثنى، قال: مات سنة خمس عشرة، وفيها أَرَّخه إسماعيل بن إسحاق القاضي، زاد ابن سعد: لم يزل الأنصاريّ بالبصرة يُحَدِّث إلى أن مات بها في رجب سنة خمس عشرة ومائتين، قال ابن سعد: وكان صدوقًا، وأرَّخه عمرو بن عليّ سنة ثمان عشرة ومائتين، وقال معاذ: ما رأيته عند الأشعث قط، وذكر عُمَر بن شَبّة في "أخبار البصرة" أنه ذُكِر للقضاء أيام المهديّ سنة ست وستين ومائة، فقال عثمان بن الربيع الثقفيّ للفضل بن الربيع: إنه فقيه وعفيفٌ، ولكنه يأتم بقول أبي حنيفة، ولنا في مصرنا أحكام
стр. 4645
تخالفه، فلا يُصلحنا إلا مَن أجاز أحكامنا، فتركوا ولايته إذ ذاك، وقال الساجيّ: سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت الأنصاريّ يقول: من زعم من أصحاب أشعث، ممن كان يلزمه أنه كان لا يراني إلى جنبه، فهو من الكاذبين، كأنه يُعَرِّض بمعاذ بن معاذ، وعلى هذا فقد تعارضا، فتساقطا، قال: وسمعت بشر بن آدم ابن بنت أزهر يقول: سمعت الأنصاريّ يقول: قد وُلّيتُ القضاء مرتين، والله ما حكمت بالرأي، ولقد بعت مُدَبَّرًا، قال: وسمعت محمد بن عبد الله الزياديّ يقول: سألت الأنصاريّ عن شيء قَضَى به علينا معاذ بن معاذ، فأفتى بخلافه، فلما وُلِّي القضاء قَضَى في تلك المسألة بما قَضَى به معاذ، فسألته، فقال: كنت أنظر في كتب أبي حنيفة، فإذا جاء دخول الجنة والنار، لم نجد القول إلا ما قال معاذ.
أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف في الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٤ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٥ - (حُمَيد بن هلال) بن هُبَيرة، ويقال: ابن سُويد بن هُبيرة الْعَدَويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣].
رَوَى عن عبد الله بن مُغَفّل، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وأنس، وهشام بن عامر الأنصاري، وابنه سعد بن هشام، وعبد الله بن الصامت، وأبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب السختياني، وعاصم الأحول، وحجاج بن أبي عثمان، وحبيب بن الشهيد، وقتادة، وسليمان بن المغيرة، وهشام بن حسّان، وغيرهم.
قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لأنه دخل في عمل السلطان، وكان في الحديث ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو هلال الراسبي: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حَدّث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان
стр. 4646
ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البزار في "مسنده": لم يسمع من أبي ذرّ. وقال أبو حاتم: لم يَلْقَ هشام بن عامر، والحفاظ لا يُدخلون بينهما أحدًا، حماد بن زيد وغيره، وهو الأصح. وقال ابن المديني: لم يَلْقَ عندي أبا رفاعة العدوي. ووَثّقه العجلي، وفي أحاديث القهقهة من "السنن" للدارقطني من طريق وهيب عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان أربعة يُصَدِّقُون مَنْ حدَّثهم، ولا يبالون ممن يسمعون: الحسن، وأبو العالية، وحُميد بن هلال، ولم يذكر الرابع، وفي بعض النسخ منه: وداود بن أبي هند.
قال ابن سعد: مات في ولاية خالد على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٧ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حضّار الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، ويجتمعان في هشام بن حسّان، وإنما فرّق بينهما؛ لاختلاف صيغ الأداء؛ ففي رواية محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال هشام بن حسّان: "حدّثنا حُميد بن هلال، عن أبي بُردة، عن أبي موسى"، فصرّح بتحديث حميد له، ولم يشك، وفي رواية عبد الأعلى، قال: "عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بُردة … إلخ"، فشكّ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه هو أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وأبو موسى ﵁، كان واليًا على
стр. 4647
البصرة، زمن عمر ﵁، فوُلد له أبو بُردة هناك، ثم تولى إمرة الكوفة، وكذلك أبو بُردة كان قاضيًا على الكوفة بعد شُريح، فهما بصريّان كوفيّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، أما أبو بردة، فقد اختُلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: عامر، وقيل: الحارث، كما أسلفته آنفًا، وأما أبو موسى ﵁، فلم يُختَلف في اسمه عبد الله بن قيس ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) ﵀ (قَالَ) الظاهر أن الضمير لحميد (وَلَا أَعْلَمُهُ) أي لا أعتقد هذا الحديث (إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي إلا كوني سمعته منه، ويحتمل أن يكون لهشام، أي قال هشام: لا أعلم حميدًا حدّثني بهذا الحديث إلا عن أبي بردة.
[فإن قلت]: فيه شكّ، فكيف أخرجه المصنّف ﵀؟.
[قلت]: الشكّ في هذا الطريق لا يضرّ؛ لأنه قد جزم في رواية محمد بن عبد الله الأنصاريّ، فالظاهر أنه حدّث به هشامًا مرّتين، مرّة، وقد شك فيه، ومرّة قد تحقّق عنده سماعه منه فجزم، ولذا استجاز المصنّف إخراجه ترجيحًا لحالة الجزم؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) متعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كون أبي بردة راويًا عن أبيه أبي موسى الأشعريّ ﵁ (قَالَ) أبو موسى ﵁ (اخْتَلَفَ) بالبناء للفاعل (فِي ذَلِكَ) الإشارة إلى حكم الجماع دون إنزال المنيّ (رَهْط) بالرفع على الفاعليّة لـ "اختَلَف"، وقد تقدّم "الرهط" بسكون الهاء أفصح من فتحها، وهم: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وقيل غير ذلك في معناه (١)، (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ) ﵁ (فَقَالَ الْأنصَارِيُّونَ) جمع أنصاريّ، نسبة إلى الأنصار، وإن كان جمعًا؛ لكونه جرى مجرى العلم، كما أشار إليه ابن مالك ﵀ في" الخلاصة"، حيث قال:
стр. 4648
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
وفي رواية أبي نعيم: "عن أبي موسى: قال: كنت في بيت، فذكروا ما يوجب الغسل"، وفي رواية أبي عوانة: "عن أبي موسى: قال: كنّا جلوسًا، فذكروا ما يوجب الغسل، فقال من حضر من المهاجرين: إذا مسّ الختان الختان، أو خالط الختان الختان، فقد وجب الغسل، وقال من حضر من الأنصار: لا حتى يَدْفُق، فقال أبو موسى: أنا آتيكم بالخبر، فقام إلى عائشة، فسلّم … " الحديث.
(لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ) بفتح الدال المهملة، وسكون الفاء: أي خروج المنيّ بشدّة، وقال أبو نعيم: الدَّفْقُ: الصبّ. انتهى. يقال: دَفَقَ الماءُ دَفْقًا، من باب نصر (١): انصبّ بشدّة، ودفقتُهُ أنا، يتعدّى ولا يتعدّى، فهو دافقٌ ومدفوقٌ، وأنكر الأصمعيّ استعماله لازمًا، قال: وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، فهو على أسلوب لأهل الحجاز، وهو أنهم يُحَوِّلون المفعول فاعلًا إذا كان في محلّ نَعْتٍ، والمعنى: من ماء مدفوقٍ، وقال ابن الْقُوطيّة (٢) ما يوافقه: سِرٌّ كاتم؛ أي مكتوم، وعارف: أي معروفٌ، ودافق: أي مدفوق، وعاصم: أي معصومٌ، وقال الزجّاج: المعنى: من ماء ذي دَفْقٍ. ذكره الفيّوميّ ﵀ (٣).
وقال المجد ﵀: دَفَقَه يَدْفُقُهُ - أي بالضمّ - وَيدْفِقُهُ - أي بالكسر -: صبّهُ، وهو ماءٌ دافقٌ: أي مدفوقٌ لأن دَفَقَ متعدٍّ عند الجمهور. انتهى (٤).
ثم يحتمل أن يكون المراد بقوله: "من الدَّفق" المعنى المصدريّ؛ أي من إخراج المنيّ، إن كان من المتعدّي، أو خروجه إن كان من اللازم، و"من" في الموضعين سببيّة.
стр. 4649
(أَوْ مِنَ الْمَاءِ) "أو" للشكّ من أحد الرواة في أيّ اللفظين وقع عند الاختلاف، والمراد من كلّ اللفظين المنيّ.
(وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ) للإضراب الإبطاليّ، وفي بعض النسخ: "بلى" أي بلى يجب الغسل (إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) الضمير في "خالط" المفهوم من المقام، للرجل؛ أي جامع امرأته، أو للعضو، والمخالطة كناية عن المبالغة في الجماع، واختلاطِ العضوين، قال الحربيّ: والخلط من أسماع الجماع (١).
(قَالَ) أبو بردة (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ﵁ (فَأَنا أَشْفِيكُمْ) الفاء في جواب شرط مقدَّر؛ أي إذا كنتم مختلفين، ولم تجدوا من يفصل بينهم، فأنا أشفيكم، وقوله: "أشفيكم" بفتح الهمزة، وضمّها، يقال: شفاه يَشفيه: أبرأه، كأشفاه، قاله في "القاموس".
وقال في "المصباح": شَفَى الله المريضَ، يَشْفِيه، من باب رَمَى (٢)، شِفَاءً: عافاه، واشتفيتُ بالعدوّ، وتَشَفّيتُ به من ذلك؛ لأن الغضب الكامن كالداء، فإذا زال بما يطلبه الإنسان من عدوّه، فكأنه برئ من دائه. انتهى (٣).
(مِنْ ذَلِكَ) الإشارة إلى الاختلاف في هذا الموضوع، كأنه داء، ورفعه دواؤه (فَقُمْتُ) أي من مجلس الاختلاف (فَاسْتَأذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (فَأُذِنَ لِي) بالبناء للمفعول (فَقُلْتُ لَهَا: يَا أمّاهْ) منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، وأصله: يا أمّي، قلبت ياء المتكلّم ألفًا بعد قلب الكسرة قبلها فتحةً؛ للتخفيف، ثم أُلحق بها هاء السكت ساكنة؛ لأجل الوقف (أَوْ) للشك من أحد الرواة أيضًا، هل قال: "يا أماه"، أو قال: (يَا أمّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلكِ عَنْ شَيءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ) وفي نسخة: "أستحيي منك"، فالأول على لغة التعدية بنفسه، والثاني على لغة التعدية بالحرف، قال في "القاموس": "الحياء": الْحِشْمَةُ، حَيِيَ منه حياءً، واستحيا منه، واستَحَى منه، واستحياه. انتهى (٤).
стр. 4650
فقد أفاد أنه يتعدّى بنفسه، وبحرف الجرّ.
وقال في "المصباح": الحياء: هو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. انتهى (١).
(فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (لَا تَسْتَحْيِي) وقع في النسخ بياءين، وعليه فـ "لا" نافية، والفعل مرفوع، وهو خبرٌ بمعنى النهي على وجه المبالغة، وفي بعض النسخ: "لا تستحي" بياء واحدة، على لغة من قال: استحَى يستحي، كما تقدّم بيانه (أَنْ تَسْأَلني) "أن" مصدريّة والفعل في تأويل المصدر مفعول به، أو مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ لأن سأل يتعدّى إلى المفعول الثاني بنفسه، وبحرف الجرّ، قال في "القاموس": سأله كذا، وعن كذا، وبكذا بمعنى (٢)، والتقدير هنا: أي عن سؤالي (عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإنمَا أَنَا أمُّكَ) الفاء للتعليل؛ أي لأني أمك، كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟) الفاء في جواب شرط مقدّر، و"ما" استفهاميّة؛ أي إذا أذِنت لي في السؤال، وشجّعتني عليه، وخفَّفتِ عني ثقل الحياء الذي اعتراني، فأيُّ شيء يوجب على الإنسان أن يغسل جميع بدنه؟ (قَالَتْ) عائشة ﵂ (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) معناه: صادفت خبيرًا بَحقيقة ما سألت عنه، عارفًا بَخفيّه وجليّه، حاذقًا فيه.
قال الأبيّ ﵀: هذا مثل، قال أبو عبيد: وأصله لمالك بن حُبير، أحد حكماء العرب، وبه تمثّل الفرزدق حين لقيه الحسين ﵁، وهو يريد العراق للبيعة، وقال له: ما وراءك؟، فقال: "على الخبير سقطت"، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميّة، والأمر ينزل من السماء، فقال: صدقتني. انتهى (٣).
وهذا القول من عائشة ﵂ يدلّ على أنها فَهِمَت أن سؤاله عما يوجب
стр. 4651
الغسل من الجماع؛ لأنه رجل إنما يسأل عما يخصّه غالبًا، وقد يَحْتَمل أن سؤاله كان حين سؤال عمر وغيره من الصحابة لها حين اختلافهم في المسألة، ففهِمَت بقرينة الحال مراده، أفاده القاضي عياض ﵀ (١).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ) تقدّم الخلاف في معناه (وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ) قال ابن الأثير ﵀: المراد بالختانين موضع القطع من ذكر الغلام، وفرج المرأة، ويقال لقطعهما: الإعذار والْخَفْض. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": خَتَنَ الولدَ يَخْتِنُهُ، ويَخْتُنُه - أي من بابي ضرب، ونصر -، فهو خَتِينٌ، ومختونٌ: قَطَعَ غُرْلَته (٣)، والاسم ككِتاب، وكتابة، والختانة: صناعته، والختان موضعه من الذكر، والْخَتْنُ: القطعُ. انتهى (٤).
وقال بعض الشرّاح: "الخِتان" للرجل: قطع قِطعة الكَمَرة (٥) المغطّية للحشفة، وللمرأة قطع جلدة من أعلى الفرج، تُشبه عَرْفَ الدِّيك، مجاورة لمخرج البول، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، قيل: يُطلق الختان للرجل والمرأة، بخلاف الخِفَاض، فلا يقال إلا للمرأة، وقيل: الخِتان للرجل، والخفاض للمرأة، وعليه فالتثنية في قوله ﷺ : "إذا التقى الختانان" على سبيل التغليب، وقاعدتُهُ ردّ الأثقل إلى الأخفّ، والأدنى إلى الأعلى (٦).
قال الجامع عفا الله: المراد هنا الموضع الذي قُطعت منه الجلدة، من الرجل والمرأة، فعلى ما سبق من إطلاق الختان على مكان القطع فلا حذف، وعلى إطلاقه على المصدر، فالكلام على حذف مضاف؛ أي موضع الختان، أي القطع.
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: معناه غَيَّب ذكره في فرجها، وليس المراد حقيقة المس، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمسه الذكر
стр. 4652
في الجماع، وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولجه، لم يجب الغسل، لا عليه ولا عليها، فدَلّ على أن المراد ما ذكرناه، والمراد بالْمُمَاسّة الْمُحَاذاة، وكذلك الرواية الأُخرى: "إذا التقى الختانان": أي تحاذيا. انتهى (١).
(فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ") جواب "إذا"، أي وجب غسل جميع الجسد على الرجل والمرأة؛ لكونهما جنبين، داخلين، في أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢١/ ٧٩١] (٣٤٩)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (١٠٨ و ١٠٩)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٤٦ و ٦٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٥٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٨٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٥ و ٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٣ و ١٦٦)، وفي "المعرفة" (١/ ٤١٥ و ٤١٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٠ و ٧٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة حرصهم على العلم، حتى يحصل بينهم مناقشة؛ للوصول إلى معرفة الحقّ.
٢ - (ومنها): بيان ما كانت عليه عائشة ﵂ من العلم الذي لا يشاركها غيرها مما كان رسول الله ﷺ يفعله معها.
стр. 4653
٣ - (ومنها): حسن أدب الصحابة، وتقدير مكانة عائشة ﵂ في العلم، واستفادتهم منها.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا لم يكن عنده من الأدلّة ما يستند إليه أن يسأل غيره من أهل العلم، ويعتمد على نقله منه، ولا يجتهد برأيه ما دام يجد مَن عنده العلم بالنصوص.
٥ - (ومنها): أدب أبي موسى الأشعريّ ﵁ في سؤال عائشة ﵂، فقد توسّل بحسن أدبه إلى ما طلبه من الشفاء من داء الجهل بهذه المسألة.
٦ - (ومنها): بيان أن الجهل داء للإنسان فدواؤه العلم، فينبغي أن لا يسكت على جهله، بل يطلب العلم من عند أهله، فإن شفاء الْعِيّ السؤال، كما قال النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فقد أخرج أحمد، وأبو داود وغيرهما، واللفظ لأبي داود بسند حسن، عن عطاء، عن جابر ﵁، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حَجَرٌ، فشَجَّه في رأسه، ثم احتَلَم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نَجِد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قَدِمنا على النبيّ - صلي الله عليه وسلم - أُخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، أَلا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شِفَاء الْعِيّ (١) السؤال".
٧ - (ومنها): بيان وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأن حديث: "الماء من الماء" منسوخ، كما حقّقنا وجهه في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٩٢] (٣٥٠) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أُمِّ كلْثُوم، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - عَنِ الرَّجُلَ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يُكْسِلُ، هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ
стр. 4654
جَالِسَة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لأفعَلُ ذَلِكَ، أنا وَهَذِه، ثُمَّ نَغْتَسِلُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخَزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْليُّ) نزيل مصر، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن مَعْمَر الْفِهْريّ المدنيّ، نزيل مصر، فيه لينٌ [٧].
رَوَى عن إبراهيم بن عُبيد بن رِفاعة، والزهريّ، وأبي الزبير، ومَخرمة بن سليمان، وسعد بن إبراهيم.
ورَوى عنه ابنه معمر، وصدقة السَّمين، وابن لَهِيعة، والليث، وابن وهب.
قال أبو حاتم: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجيّ: روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر، وقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أبو صالح: ثَبْت (١)، له بالمدينة شأن كبير، في حديثه شيءٌ، وقال البخاريّ: منكر الحديث.
روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٠)، وحديث (٧٦٣): "فجعل يمسح النوم عن وجهه … "، و (٩٨٠): "ليس فيما دون خمس أواق … "، و (٢٧٤٨): "لو أنكم لم تكن لكم ذنوب … ".
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم، المكيّ، صدوقٌ، يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵂، تقدّم قريبًا.
стр. 4655
٧ - (أُمُّ كُلْثُومٍ) بنت أبي بكر الصدّيق، أمُّها حَبِيبة بنت خارجة، وتُوُفِّي أبوها، وهي حَمْلٌ، ثقة [٢].
رَوَت عن أختها عائشة ﵂، وروى عنها ابنها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وهو أكبر منها، وطلحة بن يحيى بن طلحة، والمغيرة بن حكيم الصنعانيّ، وجُبير بن حبيب، ولُوط بن يحيى.
ذكرها ابن مندهْ، وأبو نعيم، وغيرهما في "الصحابة"، وأخطأوا في ذلك؛ لأنها ولدت بعد موت أبي بكر الصديق ﵁.
أخرج لها البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٣٥٠)، وحديث (٦٣٨): "إنه لوقتها لولا أن أشقّ على أمتي".
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَنَ بينهما.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن تابعيّة: جابر، عن أم كلثوم، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن جابرًا ﵁ صحابيّ، وهو أكبر منها سنًّا ومرتبةً، وفضلًا.
٣ - (ومنها): رواية الراوية عن أختها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵂ (عَنْ أُمِّ كُلْثُوم) بنت أبي بكر الصدّيق ﵁ (عَنْ) أختها (عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵁ (زَوْجِ النبِيِّ ﷺ ) بالجر على البدليّة، ويجوز قطعه إلى الرفع والنصب بتقدير "هي"، و"أعني" (قَالَتْ: إِن رَجُلًا) قال صاحب "التنبيه" لعلّه عتبان - يعني ابن مالك ﵁. انتهى (١). (سَأَل
стр. 4656
رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال؛ بناءً على القاعدة: "الْجُمَل وشبهُها بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال"، ويَحْتَمل أن تكون في محلّ جرّ صفة لـ "الرجل"؛ لأن المعرّف بـ "أل" الجنسيّة في قوّة النكرة (ثُمَّ يُكْسِلُ) بضمّ أوله، مضارع أكسل رباعيًّا، ويجوز أن يكون بفتح أوّله، وكسر ثالثه ثلاثيًّا، من باب فَرِحَ، قال في "القاموس": أَكْسَلَ في الجماع: خالطها، ولم يُنزِل، أو عَزَلَ، ولم يُرِد وَلَدًا، كَكَسِلَ، كَفَرِحَ. انتهى (١).
(هَلْ عَلَيْهِمَا) أي الزوجين (الْغُسْلُ؟) أي غسل جميع جسدهما (وَعَائِشَةُ جَالِسَة) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، والرابط الواو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَأفعَلُ ذَلِكَ) أي الجماع من غير إنزال (أَنَا) أتى به للفصل حتى يعطف ما بعده على الضمير المتّصل، وهذا الفصل ليس بلازم؛ لحصوله باسم الإشارة، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَهَدهِ) عطف على الضمير الفاعل، وأشار إلى عائشة ﵂ (ثُمَّ نَغْتَسِلُ") قال النوويّ ﵀: إنما ذَكَر النبيّ - صلي الله عليه وسلم - بهذه العبارة؛ ليكون أوقع في نفسه.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ من أفراد المصنّف ﵀.
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنف، وفيه عياض بن عبد الله، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته؟.
[قلت]: لم ينفرد به عياض، بل تابعه عليه عبد الله بن لهيعة، عند الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٥) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني
стр. 4657
عياض بن عبد الله القُرشيّ، وابنُ لَهِيعة، عن أبي الزبير المكيّ … إلخ، وابن لَهِيعة، وإن تُكلّم فيه، إلا أن رواية العبادلة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ عنه صحيحة، قال عبد الغنيّ بن سعيد الأزديّ: إذا روى العبادلة عن ابن لَهِيعة، فهو صحيح، ثم ذكرهم، وزاد غيره: وعبد الله بن مسلمة القعنبيّ.
والحاصل أن ابن لَهِيعة صالح للمتابعة مطلقًا، وإذا كان من رواية العبادلة عنه، فأحرى أن يكون متابعًا قويًّا يصحّ به الحديث.
وأيضًا الحديث له شاهد صحيح، من طريق آخر، أخرجه الترمذيّ، فقال:
(١٠١) حدثنا أبو موسى، محمد بن المثنى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا".
وقال الإمام أحمد في "مسنده":
(٢٤١٢٠) حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قالت: "إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، واغتسلنا".
وهذا الحديث صحيح، والوليد بن مسلم وإن كان يدلّس ويسوّي، إلا أنه صرّح بالتحديث في شيخه، وشيخ شيخه، في رواية أحمد المذكورة، فانتفت عنه تهمة التدليس.
وقد أجاد الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ في "كتاب الوهم والإيهام" حيث قال - بعد ذكر كلام عبد الحقّ في إعلال الحديث بالإرسال - ما نصّه:
وكونه يروى مرسلًا ليس بعلّة فيه، ولا أيضًا قول القاسم: إنه لم يسمع في هذا شيئًا، فإنه قد يعني به شيئًا يناقض هذا الذي رويتَ، لا بدّ من حمله على ذلك؛ لصحّة الحديث المذكور عنه من رواية ابنه عبد الرحمن، وهو الثقة المأمون، والأوزاعيّ إمام، والوليد بن مسلم، وإن كان مدلّسًا ومُسَوِّيًا، فإنه قال فيه: حدّثنا.
стр. 4658
ذكر ذلك الدارقطنيّ، وذكر له أيضًا طريقًا آخر عن الأوزاعيّ، هو منه أيضًا صحيح.
قال الدارقطنيّ: حدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، أخبرني العبّاس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها سُئلت عن الرجل يُجامع المرأة، فلا يُنزل الماء؟ قالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا جميعًا".
قال الدارقطنيّ: رفعه الوليد بن مسلم، والوليد بن مَزْيد، ورواه بشر بن بكر، وأبو المغيرة، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن كثير الْمِصيصيّ، ومحمد بن مصعب، وغيرهم موقوفًا. انتهى كلامه (١).
الوليد بن مزيد ثقةٌ، أحد أكابر أصحاب الأوزاعيّ، وكان الأوزاعيّ يقول: عليكم به، فإن كتبه صحيحة، أو كلامًا هذا معناه، وقال أيضًا: ما عُرِض عليّ كتاب أصحّ من كتب الوليد بن مزيد، وقال فيه دُحيم: صالح الحديث.
وابنه العبّاس بن الوليد ثقةٌ صدوقٌ، وقد ذَكَر جميعُهُم سماع بعضهم من بعض، فصحّ الحديث.
فإن كان حديث الترمذيّ مُعتَرَضًا مَن طريق الوليد بن مسلم، فقد صحّ من طريق الوليد بن مزيد، وقد صحّ حديث عائشة ﵂ بهذا المعنى من رواية جابر عنها، ذكره مسلم، فاعلم ذلك. انتهى كلام أبي الحسن ابن القطّان ﵀ (٢)، وقد أجاد، وأفاد.
والحاصل أن الحديث صحيح بالروايتين: رواية المصنّف، ورواية أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، فلا معنى لتعقّب الحافظ ابن حجر كلام ابن القطّان بأنه متعسّف، لا يرتضيه محقّق، انظر: "نكته على تحفة الأشراف" (١٢/ ٢٧٢)، وقوله أيضًا في "التلخيص الحبير" (١/ ٢٤٢ - ١٤٣): وأجاب من
стр. 4659
صحّحه بأنه يَحْتَمل أن يكون القاسم كان نسيه ثم تذكّر، فحدّث به ابنه، أو كان حدّث به ابنه ثم نسي، ولا يخلو الجواب عن نظر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب: لا نظر فيه - إن شاء الله -؛ لأنه جواب مقنع، وكم من مواضع مشكلة، أجاب هو فيها بمثل هذا الجواب، أو بأشدّ من هذا.
وجملة القول أن الحديث رواه عن الأوزاعيّ متّصلًا الوليد بن مسلم عند أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، كما سبق، والوليد بن مزيد عند الدارقطنيّ، كما سبق أيضًا، وعبد الله بن كثير القارئ الدمشقيّ عند ابن حبان (١١٧٥)، وبشر بن بكر عند ابن الجارود في "المنتقى" (٩٣)، وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة عند تمّام في فوائده، وقال الشافعيّ في "مسنده" (١/ ١٠٤) (شفاء العيّ): حدّثني الثقة، فكل هؤلاء: الوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، وعبد الله بن كثير، وبشر بن بكر، وإسماعيل بن عبد الله، والثقة عند الشافعي، عن الأوزاعي (١).
وأجاب بعض المحقّقين عن اعتراض الحافظ على ابن القطّان في نسيان القاسم، فقال: ونسيان القاسم للحديث ليس بالأمر الغريب، فقد نسي بعض حديثه من هو أجلّ منه، فنسي عمر بن الخطاب واقعته مع عمّار لَمّا أجنبا، ونسي أبو معبد حديثًا سمعه من ابن عبّاس في انقضاء الصلاة بالتكبير، قال عمرو بن دينار: ذكرته لأبي معبد بعدُ، فقال: لم أُحدّثك، قال عمرو: وقد حدّثنيه، وروى الزهريّ حديث عائشة في بطلان النكاح بغير الوليّ، ثم لَمّا سأله ابن جريج عنه، فقال: لا أعرفه، وروى سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه حديث أبي هريرة في القضاء باليمين مع الشاهد، فسأله عبد العزيز بن محمد عنه، فلم يعرفه، وقد نسي ابن عمر حديث صلاة القنوت، ونسي سمرة حديث العقيقة، وأشباه ذلك كثير، فأيّ نظر حينئذ في نسيان القاسم. انتهى (٢).
стр. 4660
وبهذا بان لك الحقّ واتّضح، وأن الحديث صحيح بلا ريب - ولله الحمد -، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) من هذا الوجه هنا في "الحيض" [٢١/ ٧٩٢] (٣٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٨ و ١١٠)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٥٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٤).
وأخرجه من طريق الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: (الترمذيُّ) في "الطهارة" (١٠٨)، و (النسائيّ) في "عشرة النساء" من "الكبرى" (٩١٢٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٧٥ و ١١٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الاغتسال من الجماع، وإن لم يحصل إنزال.
٢ - (ومنها): جواز ذكر مثل هذا بحضرة الزوجة، إذا ترتّبت عليه مصلحة.
[فإن قلت]: قد ورد الوعيد في إفشاء السرّ بين الزوجين، فقد أخرج المصنّف في "كتاب النكاح" من طريق عبد الرحمن بن سعد، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشرّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة، الرجلُ يُفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم يَنشُرُ سرَّها".
وفي لفظ: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجلُ يفضي إلى امرأته … "، فكيف يُجمَع بينه، وبين حديث الباب؟.
[قلت]: يُجمع بينهما بحمل ما في الباب على ما دعت إليه حاجة، وترتّبت عليه مصلحة دينيّة، وحديث النهي على ما خلا من ذلك، ولا سيّما فيما إذا كانت المرأة تتأذّى بإفشائه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): ما قيل: إن فعله ﷺ للوجوب؛ إذ لولا ذلك لم يحصُل جواب السائل.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عند الجمهور أن فعله ﷺ للاستحباب