(أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي بأن أُقاتل، فحذف منه حرف الجر، وهو في مثله قياس، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدَّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ "كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
(حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) جُعِلت غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكِر، فمقتضاه أن مَن شَهِدَ، وأقام، وآتى، عَصَمَ دمه، ولو جحد باقي الأحكام.
والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أنّ نص الحديث، وهو قوله: "إلا بحق الإسلام" يدخل فيه جميع ذلك.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يَكْتَفِ به؟ ونَصَّ على الصلاة والزكاة.
[فالجواب]: أن ذلك لعظمهما، والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية.
(وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوق: إذا نَفَقَت، وقامت الحرب: إذا اشتدّ القتال، أو المراد بالقيام الأداء؛ تعبيرًا عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة المفروض منها، لا جنسَها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلًا، وإن صَدَقَ اسم الصلاة عليها.
(وُيؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعْطوها لمستحقيها (فَإِذَا فَعَلُوا) وفي رواية البخاريّ: "فإذا فَعَلوا ذلك"، وذكر اسم الإشارة باعتبار المذكور، أي فعلوا ما ذُكر من الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفيه التعبير بالفعل عما بعضُه قولٌ، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القولُ فعلُ اللسان. انتهى (١)، وقوله: (عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) جواب "إذا"، أي حفظوا، وحَقَنُوا، ومعنى العصمة في اللغة: المنع، ومنه العصام، وهو الخيط الذي تُشدّ به فم القربة، حيث يمنع الماء من السيلان (إِلَّا بِحَقِّهَا) أي بحقّ الدماء، والأموال، وللبخاريّ: "إلَّا بحقّ الإسلام"، وهو بمعناه، والاستثناء مفرّغ،
стр. 492
والعصمة متضمّنة لمعنى النفي؛ فلذا صحّ التفريغ؛ إذ هو شرطه، أي لا يجوز إهدار دمائهم وأموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقّها، والإضافة في "بحقّها" بمعنى اللام، ويجوز أن تكون بمعنى: "من"، وبمعنى "في".
[فائدة]: الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي، وجوّزه ابن مالك في كلّ موجب في النفي، نحو صمت إلا يوم الجمعة؛ إذ معناه لم أفطر، والتفريغ إما في نهي صّريح، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أو ما في معناه، كالشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، وإما في نفي صريح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أو فيما معناه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (١).
[تنبيه]: أراد بحقّ الدماء، ما بيّنه في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، متّفقٌ عليه،
وبحقِّ الأموال الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة بها.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: "إلا بحقها"، سيأتي أن أبا بكر ﵁ أدخل في هذا الحقّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء مَن أدخل فيه فعل الصيام والحج، أيضًا، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها بذلك، أخرجه الطبرانيّ، وابن جرير الطبريّ، من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ، قيل: وما حقُّها؟ قال: "زِنًا بعد إحصان، وكُفْرٌ بعد إيمان، وقتلُ نفس، فيقتل بها" (٢).
ولعل آخره من قول أنس ﵁، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه.
стр. 493
ويشهد لهذا ما في "الصحيحين" عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
(وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ") جملة من مبتدإ وخبر، أي محاسبة الناس بعد تمسّكهم بهذه الأشياء في أمور سرائرهم على الله .
وقال في "الفتح": قوله: "وحسابهم على الله"، أي في أمر سرائرهم، ولفظة "على" مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على الله في تحقيق الوقوع. انتهى (٢).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: "وحسابهم على الله ": يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، تَعْصِم دم صاحبهما وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله ، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد تقدم أن في بعض الروايات في "صحيح مسلم" ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ الآية [الغاشية: ٢١ - ٢٢].
والمعنى إنما عليك أن تُذَكِّرهم بالله، وتدعوهم إليه، ولست مُسَلَّطًا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرًا، ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه.
وفي "مسند البزار" عن عياض الأنصاريّ، عن النبي ﷺ قال: "إن لا إله إلا الله، كلمةٌ على الله كريمةٌ، لها عند الله مكان، وهى كلمةٌ مَن قالها صادقًا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبًا حَقَنَت ماله ودمه، ولقي الله غدًا، فحاسبه".
وقد استَدَلَّ بهذا من يَرَى قبول توبة الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر
стр. 494
الْعَوْد إلى الإسلام، ولم يَرَ قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى):
حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية):
في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [١٣٦] (٢٢) عن أبي غسّان مالك بن عبد الواحد، عن عبد الملك بن الصبّاح، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن أبيه، عنه.
و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٥) عن عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيّ، عن حرميّ بن عُمارة، عن شعبة، به.
وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" ١/ ١١٧ (١٢٠ و ١٢١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢٥) و (البيهقيّ) في "الكبرى" ٣/ ٣٦٧ و ٨/ ١٧٧ و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٣) و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٧٥) و (٢١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
(اعلم): أن هذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة، عن واقد بن محمد، قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيزٌ، تفرّد بروايته عنه عبد الملك بن الصبّاح عند المصنّف، وحَرَمِيّ بن عُمارة عند البخاريّ، وهو عزيز عن حرميّ، تفرّد به عنه الْمُسْنَديّ، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، ومن جهة إبراهيم أخرجه
стр. 495
أبو عوانة، وابن حبان، والإسماعيليّ، وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك، تفرّد به عنه أبو غسان شيخ المصنّف، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في "مسند أحمد" على سعته.
وقد استَبْعَد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لَمَا تَرَكَ أباه يُنازع أبا بكر ﵃ في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه، لَمَا كان أبو بكر يُقِرُّ عمر على الاستدلال بقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وينتقل عن الاستدلال بهذا النّصّ إلى القياس؛ إذ قال: لأُقاتلنّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله.
[والجواب]: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مُستَحضِرًا له، فقد يَحتَمِل أن لا يكون حَضَرَ المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذَكَرَهُ لهما بَعْدُ، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله ﷺ في الحديث الذي رواه: "إلا بحق الإسلام"، قال أبو بكر: والزكاةُ حقُّ الإسلام.
ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سبق بيانه في الأحاديث السابقة.
وفي القصة دليلٌ على أن السنة قد تَخْفَى على بعض أكابر الصحابة ﵃، ويَطَّلِعُ عليها آحادهم، ولهذا لا يجوز أن يُلْتَفَتَ إلى الآراء، ولو قَوِيت مع وجود سنة تخالفها، ولا يجوز أن يقال: كيف خَفِي ذا على فلان الإمام؛ إذ لا يكون أعلم، وأرفع رتبة من أبي بكر وعمر ﵄، وقد خفي عليهما ما حفظه صغار الصحابة ﵃، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الرابعة):
في فوائده:
١ - (منها): أن فيه دليلًا على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم تفنيد ذلك بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 496
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.
٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى: فيه بيانٌ واضحٌ بأن الإيمان أجزاءٌ وشُعَبٌ تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه ﷺ ذَكَرَ في هذا الخبر: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فَرْضٌ على المخاطبين في جميع الأحوال، ثم قال: "ويقيموا الصلاة"، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، ثم قال: "ويؤتوا الزكاة"، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان. انتهى كلامه (١).
٤ - (ومنها): ما قاله النووي: في هذا الحديث أنّ من ترك الصلاة عمدًا يُقْتَلُ، ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك.
وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد؛ لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا، بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال؛ ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة، ولم يُنقَل أنه قَتَلَ أحدًا منهم صبرًا، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظرٌ، للفرق بين صيغة "أُقاتِل"، و"أَقتُل".
وقد أطنب ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" في الإنكار على من استَدَلَّ بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحَكَى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يَحِلّ قتال الرجل ولا يحل قتله. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 497
(المسألة الخامسة):
في دفع الاستشكال الوارد على هذا الحديث، وذلك أنّ مقتضاه قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف تُرِكَ قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟
[فالجواب]: من أوجه:
[أحدها]: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
[ثانيها]: أن يكون من العام الذي خُصّ منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
[ثالثها]: أن يكون من العام الذي أريد به الخاصّ، فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس": أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائيّ بلفظ: "أُمرت أن أقاتل المشركين".
(فإن قيل): إذا تَمَّ هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعاهدين، ولا فيمن مَنَعَ الجزية.
(أجيب): بأن الممتنع في ترك المقاتلة رَفْعُها، لا تأخيرها مدةً، كما في الهدنة، ومقاتلةِ من امتنع من أداء الجزية، بدليل الآية.
[رابعها]: أن يكون المراد بما ذُكِرَ من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضٍ بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة.
[خامسها]: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه، من جزية، أو غيرها.
[سادسها]: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسببُ السبب سببٌ، فكأنه قال: حتى يُسلِموا، أو يلتزموا ما يُؤَدِّيهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث، وهو آخر الأجوبة، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقربُ الأجوبة عندي هو الثالث، فكأنه
стр. 498
قال: "أمرت أن أقاتل جميع الناس، إلا الذين أخرجتهم الأدلة من وجوب مقاتلتهم، ممن كان من أهل الجزية، أو نحوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة):
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: وقد رُوي عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فَرْض الصلاة، والصيام، والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظرٌ؛ فإن رواة هذه الأحاديث، إنما صحِبُوا رسول الله ﷺ في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه، ثم قوله: "عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم" يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال، ويَقتُل من أبي الإسلام، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل مِن كل مَن جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويَعْصِم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد ﵄ قتله لمن قال: "لا إله إلا الله" لَمّا رَفَع عليه السيف، واشتد نكيره عليه.
ولم يكن النبي ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد رُوي أنه قَبِلَ مِن قومٍ الإسلامَ، واشترطوا أن لا يُزَكُّوا، ففي "مسند الإمام أحمد" عن جبار ﵁ قال: اشتَرَطَت ثقيفٌ على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، وأن رسول الله ﷺ قال: "سيتصدقون، ويجاهدون" (١).
وفيه أيضًا: عن نصر بن عاصم الليثيّ، عن رجل منهم، أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن لا يُصَلِّي إلا صلاتين، فقبل منه (٢).
وأخذ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُلْزَم بشرائع الإسلام كلها، واستَدَلَّ أيضًا بأن
стр. 499
حكيم بن حزام ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على أن لا أَخِرَّ إلا قائمًا (١)، قال أحمد: معناه أن يَسْجُد من غير ركوع.
وخَرَّج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدًّا عن أنس ﵁ قال: لم يكن النبي ﷺ يَقبَلُ مَنْ أجابه إلى الإسلام، إلا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَن أَقَرَّ بمحمد ﷺ وبالإسلام، وذلك قول الله : ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، وهذا لا يثبت (٢) وعلى تقدير ثبوته، فالمراد منه أنه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة، وهذا حقٌّ، فإنه ﷺ أَمَر معاذًا ﵁ لَمّا بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أوّلًا إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم بالصلاة، ثم بالزكاة، ومراده أنّ من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان مَن سأله عن الإسلام يَذْكُر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل ﵇ لَمّا سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائرَ الرأس، يسأله عن الإسلام.
وبهذا الذي قررناه يَظهَر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حَقٌّ، فإن كلمتي الشهادتين بمجردها تَعْصِم مَنْ أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإن أَخَلَّ بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قوتلوا.
وقد ظَنَّ بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يُقاتَل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظرٌ، وسيرة النبيّ ﷺ في قتال الكفار تدل على خلاف هذا، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دعا عليًّا يوم خيبر، فأعطاه
стр. 500
الراية، وقال: "امش، ولا تَلْتَفِت حتى يفتح الله عليك"، فسار عليّ شيئًا، ثم وَقَفَ، فَصَرَخَ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: "قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصَمُوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله " (١).
فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمةً للنفوس والأموال، إلا بحقها، ومن حقّها عدم الامتناع عن الصلاة والزكاة، بعد الدخول في الإسلام، كما فهمه الصحابة ﵃.
ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وثبت أن النبي ﷺ إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح، فإن سمع أذانًا، وإلا أغار عليهم (٢).
مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام، وكان يوصي سراياه: "إن سمعتم مؤذنًا، أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا" (٣).
وقد بَعَثَ عيينة بن حِصْن إلى قوم من بني الْعَنْبر، فأغار عليهم، ولم يَسمَع أذانًا، ثم ادَّعَوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك.
وبَعَثَ ﷺ إلى أهل عُمَان كتابًا فيه: "من محمد النبي إلى أهل عُمَان، سلام عليكم، أما بعدُ فأقرُّوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأَدُّوا الزكاة، وخُطُّوا المساجد، وإلا غَزَوْتكم". خَرَّجه البزّار، والطبرانيّ، وغيرهما (٤).
стр. 501
فهذا كله يدلّ على أنه كان يَعتبِر حالَ الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر ﵁، كما في قصّتهما السابقة.
فأبو بكر ﵁ أَخَذَ قتالهم من قوله: "إلا بحقه"، فدَلّ على أن قتالَ مَن أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداءُ حقّ المال الواجب، وعمر ﵁ ظَنّ أن مجرد الإتيان بالشهادتين يَعْصِم الدم في الدنيا؛ تَمَسُّكًا بعموم أول الحديث، كما ظَنّ طائفة من الناس أنّ مَن أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة؛ تَمَسُّكًا بعموم ألفاظٍ وَرَدت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر ﵁ رَجَعَ إلى موافقة أبي بكر ﵁.
وقد خَرَّج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر ﵄ بزيادةٍ، وهي أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وخَرَّجه ابن خزيمة في "صحيحه"، ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله الأئمة الحفاظ، منهم علي بن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ، ولم يكن هذا الحديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر.
وإنما قال أبو بكر: "والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال"، وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث: "إلا بحقها"، وفي رواية: "إلا بحق الإسلام"، فجَعَلَ من حق الإسلام إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا تُرتَكَب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثني بقوله: "إلا بحقها".
وقوله: لأقاتلن مَن فَرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال"، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنه يُقاتَل؛ لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال.
وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احْتَجَّ به عمر ﵁، وإنما أُخِذ من قوله: "إلا بحقها"، فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها، وكلُّ ذلك من حقوق الإسلام.
стр. 502
ويُسْتَدَلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في "صحيح مسلم" عن أم سلمة ﵄، عن النبي ﷺ قال: "يُستَعمَل عليكم أمراءُ، فتَعْرِفون وتُنكرِون، فمَن أنكر فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابع"، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوْا" (١).
وحُكْمُ مَن تَرَك سائر أركان الإسلام أن يُقاتَلُوا عليها كما يُقاتَلُون على ترك الصلاة والزكاة.
ورَوَى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع، أن أبا بكر الصديق ﵁ بَعَثَ خالد بن الوليد ﵁، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمَن تَرَك واحدة من الخمس، فقاتلهم عليها، كما تُقاتل على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان".
وقال سعيد بن جُبير: قال عمر بن الخطاب: لو أَنَّ الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.
فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات، وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يُقتَل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم، ويدل على ذلك ما في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن خالد بن الوليد ﵁ استأذن النبيّ ﷺ في قتل رجل، فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي"، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أُومَرْ أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم".
وفي "مسند الإمام أحمد ﵀" عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه، أنه أتى النبي ﷺ فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيّ ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: بلى، ولا شهادة له، قال: "أليس يصلي؟ "، قال: بلى، ولا صلاة له، قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" (٢).
стр. 503
وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يُقتَل الممتنع من فعل الصلاة:
[أحدهما]: يُقتَل أيضًا، وهو المشهور عن أحمد ﵀، ويُسْتَدَلُّ له بحديث ابن عمر ﵄ هذا.
[والثاني]: يُقتَل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية.
وأما الصوم، فقال مالك: وأحمد في رواية عنه: يُقْتَلُ بتركه، وقال الشافعيّ، وأحمد في رواية: لا يُقْتَل بذلك، ويُستَدَلُّ له بحديث ابن عمر وغيره، مما في معناه، فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء.
قال ابن رجب: قلت: وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفًا: أن من ترك الشهادتين، أو الصلاة، أو الصيام، فهو كافرٌ، حلال الدم، بخلاف الزكاة والحج، وقد سبق ذكر شرحه في حديث: "بُني الإسلام على خمس".
أما الحج فعن أحمد ﵀ في القتل بتركه روايتان، وحَمَلَ بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخره، وغلب على ظنه الموت في عامه، وأما إن أخره معتقدًا أنه على التراخي، كما يقول كثير من العلماء، فلا قتل بذلك. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٧] (٢٣) - (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سَهْل الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال له:
стр. 504
الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) ٤/ ٨٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ، قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) ٤/ ٣١.
٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عمّ أبي إسحاق الفزاريّ، ثقة حافظٌ، وكان يُدلّس أسماء الشيوخ [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وأيمن بن نابل، وموسى الجهنيّ، وهاشم بن هاشم بن عتبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي مالك الأشجعيّ، ويزيد بن كيسان، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وزكرياء بن عديّ، ويحيى بن معين، والحميديّ، وعلي بن المدينيّ، وداود بن رُشيد، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيُّ، وسُويد بن سعيد، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وغيرهم.
قال أبو بكر الأسدّي عن أحمد: ثبت حافظ، وقال أبو داود عن أحمد: ثقة ما كان أحفظه، وكان يحفظ حديثه. وقال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: ثقة. وقال الدُّوريّ: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد؟ قال: هذا علي بن غُرَاب، والله ما رأيت أحيل الناس للتدليس منه. وقال عبد الله بن علي بن المدينيّ، عن أبيه: ثقة فيما يَروِي عن المعروفين، وضعَّفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن نُمَير: كان يلتقط الشيوخ من السِّكَك. وقال العجليّ: ثقة ثبت، ما حَدَّث عن المعروفين فصحيح، وما حَدَّثَ عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يُدفَع عن صدقه، ويكثر روايته عن الشيوخ المجهولين. وقال الآجريّ، عن أبي داود:
стр. 505
كان يقلب الأسماء. وقال ابن أبي خَيْثَمة، عن ابن معين: كان مروان يُغَيِّر الأسماء يُعَمِّي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حَكَم بن ظُهَير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "الميزان": قال ابن معين: وجدتُ بخط مروان: وكيعٌ رافضيّ، فقلت له: وكيعٌ خير منك، فَسَبَّنِي، وقال الذهبيّ: كان عالِمًا، لكنه يَرْوي عمن دَبَّ ودَرَجَ، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يَبَرُّونه، يعني الذين يروي عنهم، كأنه يُجازيهم.
قال ابن المثنى، ودُحَيم: مات فَجْأَةً سنة ثلاث وتسعين ومائة، قبل التروية بيوم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
٤ - (أَبُو مَالِكٍ) سَعْد بن طارق الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) ٥/ ١١٩.
٥ - (أبوه) طارق بن أَشْيم بالمعجمة، وزانُ أحمر ابن مسعود الأشجعيّ، صحابيّ، له أحاديث، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الأربعة، وعنه ابنه أبو مالك (١).
وقال في "الإصابة": طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي والد أبي مالك، قال البغويّ: سكن الكوفة، قال مسلم: تفرد ابنه بالرواية عنه، وله عنده حديثان، قال الحافظ: وفي ابن ماجه أحدهما، وصَرَّح فيه بسماعه من النبي ﷺ ، وفي "السنن" حديث آخر عن أبي مالك الأشجعيّ: قلت لأبي: يا أبت قد صليتَ الصبحَ خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: يا بُنَيّ مُحْدَثٌ، وصححه الترمذيّ، وأغرب الخطيب، فقال في كتاب "القنوت": في صحبته نظر.
قال الحافِظُ: ما أدري أيُّ نظر فيه بعد هذا التصريح؟ ولعله رأى ما أخرجه ابن منده من طريق أبي الوليد، عن القاسم بن مَعْن، قال: سألت آل
стр. 506
أبي مالك الأشجعيّ: أسمع أبوهم من النبيّ ﷺ ؟ قالوا: لا، وهذا نَفْيٌ يُقَدَّم عليه مَن أثبت، ويَحْتَمِلُ أنه عَنَى بقوله: أبوهم أبا مالك، وهو كذلك، لا صحبة له، إنما الصحبة لابنه. انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجمامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن طارق بن أشيم ﵁ صحابيّ دون شكّ؛ لصحة تصريحه بالسماع، فينبغي حمل قول القاسم على ولده أبي مالك، فإنه هو الذي لا صحبة له، وأما قول الخطيب: في صحبته نظر، فَمِمَّا لا يُلتفت إليه. والله تعالى أعلم.
روى البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث برقم (٢٣) وحديث رقم (٢٦٩٧) وكرّره ثلاث مرّات. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، كالسند التالي، وهو أعلى ما وقع له من أعلى الأسانيد، كما سبق بيانه في "شرح المقدّمة".
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول هرويّ، ثم حدثانيّ، نسبة إلى الحديثة، بلد على الفرات، مشهور (٢)، والثاني عدنيّ، ثم مكيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له من الأحاديث إلا نحو ثمانية، راجع: "تحفة الأشراف" في ترجمة ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦، و"إتحاف الْمَهَرَة بأطراف العشرة" ٦/ ٣٣٧ - ٣٤٠.
أما شرح الحديث فواضحٌ، يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم.
(مسألة): حديث أبي مالك الأشجعيّ، عن أبيه هذا مما انفرد به المصنّف عن بقيّة أصحاب الكتب الستة، أخرجه هنا [٨/ ١٣٧] (١٣٨) عن سُويد بن نصر، ومحمد بن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية
стр. 507
الفزاريّ و ٨/ ١٣٨ عن زُهير بن حرب، عن يزيد بن هارون و ٨/ ١٣٨ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر ثلاثتهم عن أبي مالك، عن أبيه.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده ٣/ ٤٧٢ و ٦/ ٣٩٤، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ١٠/ ١٢٣، و ٣٧٥/ ١٢، و (أبو نعيم) في "المستخرج" ١/ ١١٧ - ١١٨ (١٢٢ - ١٢٣)، والطبرانيّ في "الكبير" ٨/ ٨١٩ وما بعده و (ابن منده) (٣٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٨] ( … ) (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أُبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ وَحَّدَ اللهَ … " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حديثين.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٨] (ت ١٩٠) (ع) ٥/ ١١٩.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) ٢/ ٣.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السّلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) ٤/ ٤٥.
والباقيان تقدما في السند الماضي.
وقوله: "ثم ذكر بمثله"، أي ذكر كُلٌّ من أبي خالد الأحمر، ويزيد بن هارون بمثل حديث مروان الفزاريّ، وإنما أفرد الضمير باعتبار لفظ كليهما، فإنه مفرد اللفظ، مثنّى المعنى.
ويحتمل أن يكون الضمير لشيخيه على التأويل المذكور، وهذان الاحتمالان هما الغالب في عادة المصنّف في إحالاته الكثيرة، كما سبق، وكما سيأتي التنبيه عليه.
ويحتمل أن يكون الضمير لوالد أبي مالك الأشجعيّ، وهو طارق بن أشيم، أي ساق لفظ الحديث بمثل حديثه السابق.
стр. 508
[تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر التي أحالها المصنف هنا على رواية مروان أخرجها ابن حبان في "صحيحه" (١٧١) فقال: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك الأشجعي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من وَحَّدَ الله، وكَفَرَ بما يُعْبَدُ من دونه، حَرُمَ ماله وَدَمُهُ، وحسابه على الله".
وأما رواية يزيد بن هارون، فقد أخرجها الإمام أحمد في "مسنده" ٣/ ٤٧٢ قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي، عن أبيه أنه سمع النبيّ ﷺ ، وهو يقول لقوم: "من وحّد الله تعالى، وكفر بما يُعبد من دونه حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ".
ثم قال أحمد: حدثنا به يزيد بواسط، وبغداد، قال. سممع النبيّ ﷺ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٥٥].
(٩) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)
[١٣٩] (٢٤) - (وحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَن أَبِيه، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا عَمّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَن مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيه، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَأنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
стр. 509
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الثقة الحافظ العابد الفقيه [٩] (ت ١٩٧) (ع) ٢/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٩] (ت ١٥٩) (ع) ٢/ ٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٤٣.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه الثقة الثبت، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) ٤/ ٧٠.
٦ - (أَبُوهُ) المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عِمْران بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، والد سعيد، له ولأبيه حَزْن صحبة، وله حديث في "الصحيحين " من طريق طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجًّا، فمررت بقوم يُصَلُّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فلقيت سعيد بن المسيب، فأخبرني، فقال سعيد: حدثني أبي، أنه كان ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل أتيناها، فلم نَقْدِر عليها، قال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها، فعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم، وللمسيب حديث آخر في "الصحيحين" وغيرهما في قصة وفاة أبي طالب.
قال الحافظ في "الإصابة": وفي كل ذلك رَدٌّ لقول مصعب الزبيريّ: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه من مسلمة الفتح، وقد رد كلامه بذلك أبو أحمد الْعَسْكريّ، وقد شَهِدَ المسيب فتوح الشام، ولم يتحرر لي متى مات. انتهى كلام الحافظ (١).
стр. 510
وقال في "تهذيب التهذيب": زعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئًا، فقد ثبت في "الصحيح" أنه شهد الحديبية، وقال ابن يونس: قَدِمَ المسيب مصر لغزو إفريقية، سنة سبع وعشرين. وفي "الثقات" لابن حبان في التابعين: المسيب بن حزن فإن كان أراد هذا، فقد وَهِمَ وَهَمًا قَبِيحًا، وعَدَّه الأزديّ وغيره فيمن لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ (١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث مبايعته تحت الشجرة (١٨٥٩)، وأعاده بعده مرّتين. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالإخبار، وفي أوله التحديث، وفي آخره العنعنة، وكلّها من صيغ الاتّصال على التفصيل في "عن".
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد تقدّموا قريبًا.
٧ - (ومنها): أن سعيدًا تفرّد بالرواية عن أبيه، فليس له راوٍ غيره، وهذا مما يُردّ به على الحاكم أبي عبد الله النيسابوريّ في دعواه أن شرط الشيخين أن يخرجا الحديث الذي يرويه صحابيّ مشهور بالرواية عن الرسول ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان إلخ، فإن هذه دعوى يكذّبها هذا السند، ونحوه مما سبق بيانه في المسألة
стр. 511
الحادية والعشرين من مقدّمة "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٨ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا ثلاثة أحاديث: هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وحديث قصّة مبايعته تحت الشجرة عندهما، وحديث قصة مجيء أبيه إلى النبيّ ﷺ ، فقال له: "ما اسمك؟ … إلخ" عند البخاريّ.
٩ - (ومنها): أن "المُسَيَّب" كله بفتح الياء، بصيغة اسم المفعول، إلا هذا، فإن الأولى ضبطه بكسر الياء المشدّدة؛ لأنه الذي ثبت عن أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحه أهل الكوفة، وكان سعيد يكره فتحه، ويقال: إنه دعا على من فتح، وقال: سيّب الله من سيّب أبي، وإلى ما ذُكر من ضبطه أشرت بقولي:
مُسَيَّبٌ بِفَتْحِ يَائِهِ سِوَى … أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى
لَكِنَّ كَسْرَهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى … أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَلْيُثْبَتَا
وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ … بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ
فَابْتَعِدَنْ عَنْ فَتْحِهِ لِتَسْلَمِ … عَنْ كُرْهِهِ وَلَوْمِهِ وَتَغْنَمِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِيهِ) المسيِّب بن حَزْن - بفَتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها نون - ابن أبي وَهْب، أنه (قَال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) أي حضرت علامات الموت، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة، لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدُل عليه ما وقع من محاورة النبيّ ﷺ له ولمن حضره من كفّار قريش بينه وبينهم.
ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجاء النبيّ ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتَسُوغُ شفاعته؛ لمكانه منه، ولهذا قال: "أُحاجّ لك بها عند الله"، فيكون من الخصوصيّات، ويؤيد ذلك أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملة
стр. 512
عبد المطلب ومات على ذلك، أن النبيّ ﷺ لم يترك الشفاعة له، بل شَفَعَ له حتى خُفِّفَ عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضعّف القاضي عياضٌ هذا الاحتمال الثاني في "إكماله" ١/ ٢١٢ ونقله عنه النوويّ في "شرحه"، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أنه احتمال صحيح قويّ، بل هو أقوى من الأول؛ للأدلة التي سمعتها الآن في تحقيق الحافظ، فاحتفظ بها، ولا يصُدَّنَّكَ كلام القاضي، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وسيأتي تمام البحث في هذا في شرح أحاديث الشفاعة الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: أبو طالب هذا هو ابن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وهو عمّ النبيّ ﷺ ، ووالد علي بن أبي طالب، واسمه: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأول أصحّ، واسم عبد المطّلب: شيبة، وكان يقال له: شيبة الحمد، واسم هاشم: عمرو، وهاشم لقب له؛ لأنه أوّل من هَشَمَ الثَّرِيد لقومه، واسم عبد مناف: المغيرة، واسم قُصيّ: زيد، وقيل له: مُجَمِّع؛ لأنه جَمَعَ إليه قومَهُ، وكان والد النبيّ ﷺ ، وهو عبد الله قد تُوُفّي، ورسول الله ﷺ حَمْلٌ في بطن أمه على الأصحّ، فوُلد رسول الله ﷺ ، ونشأ في كفالة جدّه عبد المطّلب إلى أن تُوُفّي، فكَفَلَهُ عمّه أبو طالب، ولم يَزَل يُحبّه حبًّا شديدًا، ويَحُوطه ويَحفظه إلى أن بَعَثَ الله محمدًا ﷺ بالنبوّة، فنصَرَه أبو طالب، وأعانه، وأجاره ممن يُريد به سُوءًا، وقام دونه، وعادى في حقّه قُرَيشًا، وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروه بالعداوة والأذى، وطَلَبوا أن يُسلّمه لهم، فلم يفعل، ثم إن قريشًا، وجميع أهل مكة تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجْره، وجميع بني هاشم، ومقاطعتهم، وعلى أن لا يقاربوهم، ولا يناكحوهم، لا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهم بشيء، من وجوه الرفق كلّها، حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وكَتَبُوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب، وبنو هاشم في شِعْبِهم، وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين
стр. 513
في جهد جَهِيد، وحال شديد إلى أن نَقَضَ الله أمر الصحيفة، وأظهر أمر نبيّه ﷺ على ما هو مذكور في كتب السِّيَر.
وكان أبو طالب يَعْرِفُ صدقَ النبي ﷺ في كلّ ما يقوله، ويقول لقريش: تعلمون أن محمدًا لم يَكذِب قطّ، ويقول لابنه عليّ: اتّبعه، فإنه على الحقّ، غير أنه لم يدخل في الإسلام، ولم يتلفّظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة، فدخل عليه رسول الله ﷺ طامعًا في إسلامه، وحَرِيصًا عليه، باذلًا في ذلك جهده، مُستفرغًا ما عنده، ولكن عاقت عن ذلك عوائق الأقدار التي لا ينفع معها حرصٌ، ولا اقتدار. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
وقال النوويّ في "شرحه": وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا، وتُوُفِّيت خديجة، أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. انتهى (٢).
(جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ)، قال في "الفتح": يحتمل أن يكون الْمُسَيِّب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كُفّارًا، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران.
وأما قول بعض الشُّرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فمردود؛ لأنه اسْتَدَلَّ بأن المسيِّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول الْعَسْكَرِيّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأَيًّا ما كان فلم يَشْهَد وفاةَ أبي طالب؛ لأنه تُوُفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ ﷺ يومئذ نحوُ الخمسين سنةً. انتهى.
ووجه الرَّدِّ أنه يلزم من كون المسيِّب تأخر إسلامه أن لا يَشهَد وفاة أبي طالب، كما شَهِدَها عبد الله بن أبي أمية، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك.
وعَجَبٌ من هذا القائل كيف يعزو كون المسيّب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، وَيغْفُلُ عن كون ذلك ثابتًا في "صحيح البخاري" الذي
стр. 514
شَرَحَهُ؟ كما هو مذكور في "كتاب المغازي" واضحًا (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَا عَمِّ) وفي رواية البخاريّ: "أَيْ عَمِّ"، فـ "أَيْ" بتخفيف الياء حرف نداء، و"عَمّ" منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، حُذفت تخفيفًا.
[فائدة]: يجوز في إعراب قوله: "يا عمّ" أوجه، وذلك لأن القاعدة أنه إذا أُضيف المنادى إلى ياء المتكلّم، وكان صحيح الآخر، كالعبد، والأب، والأم، والعم، ونحوها، جاز فيه ستّة أوجه:
[أحدها]: حذف الياء، والاستغناء بالكسرة، نحو "يا عمِّ"، وهذا هو الأكثر.
[الثاني]: إثبات الياء ساكنةً، نحو "يا عمّي"، وهو دون الأول في الكثرة.
[الثالث]: قلب الياء ألفًا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو "يا عمَّ".
[الرابع]: قلبها ألفًا، وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحةً، نحو "يا عمَّا".
[الخامس]: إثبات الياء مُحرّكةً بالفتح، نحو "يا عمّيَ"، وإلى هذه الأوجه الخمسة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كـ"عَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا"
[السادس]: ضم الاسم بعد حذفها، كالمنادى المفرد، والاكتفاء بنيّة الإضافة، وهو أضعف الوجوه، ولا يكون إلا فيما يكثر نداؤه مضافًا للياء، كالربّ، والأبوين، والعم، ونحو ذلك (٢).
فتبيّن بهذا أنه يجوز في قوله هنا: "يا عمّ" هذه الأوجه الستة كلّها، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من "لا إله إلا الله"، أو على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي كلمة
стр. 515
(أَشْهَدُ) يجوز جزمه على أنه جواب الأمر، أي إن تقل أشهَدْ، ويجوز رفعه على الاستئناف استئنافًا بيانيًّا، كأنه قال: فما لي إن قلتها؟ وفي رواية للبخاريّ: "أُحَاجُّ"، وهي بتشديد الجيم، من الْمُحَاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ: "أُجادل عنك بها"، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري قال: "أَيْ عَمّ، إنك أعظم الناس عليَّ حقًّا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل: كلمةً تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة". قاله في "الفتح" (١).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وكلّ ذلك ترغيبٌ لأبي طالب، وحرصٌ على نجاته، ويأبى الله إلا ما يُريد. انتهى (٢).
(لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) الجارّان، والظرف متعلّقات بـ "أشهد".
(فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِب، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاريّ، أي أتُعرض عنها، وتتركها، يقال: رَغِبَ عن الشيء: إذا لم يُرِده، ورغب فيه: إذا أراده، قال في "القاموس": رَغِبَ فيه، كسَمِعَ رَغْبًا، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغب، ورَغِبَ عنه: لم يُرده. انتهى (٣)، وفي "المصباح": رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدّى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغَبًا بفتح الغين، وسكونها، وَرُغْبَى بفتح الراء وضمّها، ورَغْبَاءً بالفتح والمدّ، ورَغِبْتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى (٤).
(فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوله، وكسر الراء، يقال عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إيّاه، أي لم يَزَلْ ﷺ يُرغّب أبا طالب في تلك الكلمة، ويُحسّنها له، وفي رواية الشعبي عند الطبريّ: "فقال له ذلك مرارًا" (وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في الأصول، وعند أكثر الشيوخ، ويعني بذلك أن النبيّ ﷺ أقبل على أبي طالب يَعْرِض عليه الشهادة، ويُكرّرها عليه، ووقع في بعض النسخ: "ويُعيدان له تلك المقالة" على التثنية، ووجهها أن أبا جهل وعبد الله بن أبي أميّة أعادا على أبي طالب
стр. 516
قولهما: "أترغب عن ملّة عبد المطّلب"، حتى أجابهم إلى ذلك، قال القاضي: وهذا أشبه. انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ: "ويُعيدانه بتلك المقالة" قال في "الفتح": أي ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، كأنه قال: كان قارب أن يقولها، فَيَرُدّانه، ووقع في رواية معمر: "فيعودان له بتلك المقالة"، وهي أوضح. انتهى (٢).
(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) أي في آخر تكليمه إياهم (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أرادَ بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: "أنا" فَغَيَّرها الراوي؛ أَنَفَةً أن يَحْكِيَ كلامَ أبي طالب، استقباحًا للّفظ المذكور، وهي من التصرفات الحسنة.
ووقع في رواية مجاهد قال: "يا ابن أخي مِلَّةُ الأشياخ"، ووقع في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا عند مسلم: "قال: لولا أَنْ تُعَيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله الْجَزَعُ، لأقررت بها عينك"، وفي رواية الطبرانيّ: قال: لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبَالِ أن أَفْعَلَ".
(وَأَبَى) أي امتنع أبو طالب (أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يُمْكن اطّلاعه عليه، ويَحْتَمِل أن يكون أطلعه النبيّ ﷺ .
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا") بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ "ألا" ووقع في بعض النسخ "أَمَ والله لأستغفرن لك"، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه "أَمَ " من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول، أو أكثرها: "أَمَا والله" بألف بعد الميم، وكلاهما صحيح.
قال الإمام أبو السعادات، هبة الله بن عليّ بن محمد العلويّ الحسنيّ المعروف بابن الشجريّ في كتابه "الأمالي": "ما" مزيدة للتوكيد، رَكَّبُوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما: أن يراد به
стр. 517
معنى "حَقًّا" في قولهم: "أما والله لأفعلنّ". والآخر: أن يكون افتتاحًا للكلام، بِمَنْزلة "ألا"، كقولك: "أما إنّ زيدًا منطلق"، وأكثر ما تُحذَف ألفها إذا وَقَعَ بعدها القسم؛ لِيَدُلُّوا على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأن الكلمة إذا بَقِيت على حرف واحد، لم تقم بنفسها، فعُلِم بحذف ألف "ما" افتقارها إلى الاتصال بالهمزة انتهى (١).
(وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنُهَ) بالبناء للمفعول (عَنْكَ) أي عن الاستغفار لك، وفي بعض رواية غير الكشميهني عند البخاريّ: "ما لم أُنه عنه"، أي عن الاستغفار الذي دلّ عليه قوله: "لأستغفرنّ لك".
قال الزين بن الْمُنَيِّر: ليس المراد طلب المغفرة العامّة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مُبَيَّنًا في حديث آخر.
وتعقّبه الحافظ بأنّ هذه غفلة شديدةٌ منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُرَدَّ، وطلبها لم يُنْهَ عنه، وإنما وَقَعَ النهي عن طلب المغفرة العامة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ ﷺ اقتداءً بإبراهيم ﵇ في ذلك، ثم وَرَدَ نسخ ذلك كما سيأتي بيانه واضحًا. انتهى.
أفَانزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣])، أي ما يجوز، وما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، قاله في "الفتح"، وذكر أهل المعاني أنّ "ما" تأتي في القرآن بمعنى النفي، كقوله : ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وبمعنى النهي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهي في هذا الحديث للنهي، وتأوّل بعضهم الاستغفار هنا بمعنى الصلاة، والصحيح الأول (٢).
والواو في قوله تعالِي: (﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾) [التوبة: ١١٣] واو الحال (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾) [التوبة: ١١٣]، أي بالموت على الكفر، و"الجحيم" اسم من أسماء النار المعدّة للكفّار، وكلُّ نار في مَهْوَاة فهي جحيم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصّافّات: ٩٧]،
стр. 518
والجاحم: المكان الشديد الحرّ، وأصحاب الجحيم: مستحقّوها، وملازموها.
ثم بيّن تعالى عذر إبراهيم عن استغفاره في قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ [الشعراء: ٨٦] بأن ذلك إنما كان منه لأجل وعد إبراهيم لأبيه حين قال له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقيل: إن الموعد هو من أبي إبراهيم له بأن يسلم، فلما لم يَفِ بها، وتبيّن له أنه لا يسلم إما بالوحي، وإما بموته على الكفر، تبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والقولان لأهل التفسير.
و"الأوّاه": الدَّعَّاءُ المتضرّع، قاله ابن مسعود، وابن عبّاس، و"الحليم": السيّد، قاله ابن حبيب، وقيل: هو الصبور على البَلْوَى، الصَّفُوحُ عن الأذى. قاله القرطبيّ (١).
(وَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى في أَبيِ طَالِبٍ) أي في شأنه وأمره (فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي لا تقدر على توفيق من أراد الله تعالى خذلانه، وكشَفَ ذلك بأن الهداية الحقيقيّة هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلا لله تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير الله تعالى بوجه ما، هي الإرشاد والدلالة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]: أي ترشد، وتبيّن، كما قال: ﴿لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما ذكرناه هو مذهب أهل السنّة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة. انتهى (٢).
وقال النوويّ في "شرحه": قد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاجُ وغيره (٣)، وهي عامّةٌ، فإنه لا يَهْدِي، ولا يُضِلُّ إلا الله تعالى.
стр. 519
وقال الفراء وغيره: قوله تعالى: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] يكون على وجهين:
[أحدهما]: معناه من أحببته لقرابته.
[والثاني]: من أحببت أن يَهتدِيَ، قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وغيرهم: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] أي بمن قُدِّرَ له الهدى. انتهى (١).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره": يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : إنك يا محمد ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿وَمَا أَكْثَر النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وهذه الآية أخصّ من هذا كلّه، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]، أي هو أعلم بمن يستحقّ الهداية ممن يستحقّ الغَوَايةَ. انتهى (٢).
وقال النسفيّ رحمه الله تعالى: في "تفسيره": ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كلّ من أحببتَ أن يدخل فيه من قومك وغيرهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] بمن يختار الهداية، ويَقبلها، ويتّعظ بالدلائل والآيات. قال الزجّاج: أجمع المفسّرون (٣) على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم صدّقُوا محمدًا تُفلِحُوا، فقال ﷺ : "يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم، وتَدَعُها لنفسك؟ "، قال: فما تُريد يا ابن أخي؟ قال: "أريد أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله"، قال: يا ابن أخي أنا قد عَلِمتُ أنك صادقٌ، ولكنّي أكره أن يُقال: جَرخَ عند الموت، وإن كانت الصيغة عامّةً، والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدلّ أن وراء البيان ما يُسمّى
стр. 520
هدايةً، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المسيِّب بن حَزْن ﵄ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا "الإيمان" ١/ ٤٠ (١٣٩ (٢٤)(٢) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه به. وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به. وعن الحسن بن عليّ الحلوانيّ، وعبد بن حميد، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم، عن الزهريّ به.
و (البخاريّ) في "التفسير" ٦/ ٨٧ (٤٦٧٥) عن إسحاق بن إبراهيم - وفي قصّة أبي طالب ٥/ ٦٥ (٣٨٨٤) عن محمود - كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر. وفي "النذور" ٨/ ١٧٣ (٦٦٨١) وفي "التفسير" أيضًا ٦/ ١٤١ (٤٧٧٢) عن أبي اليمان، عن شعيب - وفي "الجنائز" ٢/ ١١٩ (١٣٦٠) عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح - ثلاثتهم عن الزهريّ به.
و (النسائيّ) في "الجنائز" ٤/ ٩٠ (٢١٦٢) وفي "التفسير" (١١٢٣٠) و (١١٣٨٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر به.
و (أحمد) ٥/ ٤٣٣ عن عبد الرزاق، عن معمر به. و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٤ و ١٢٥ و ١٢٦ و ١٢٧) و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢ و ٢٣ و ٢٤ و ٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): أنه دليلٌ واضحٌ على صحة إسلامِ مَن حضره الموت، ما لم يَشْرَع في النَّزْع، وهو الْغَرْغَرة.
стр. 521
٢ - (ومنها): أنّ من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.
٣ - (ومنها): أنّ من لم يعمل خيرًا قط إذا خَتَمَ عمره بشهادة أن لا إله إلا الله، حُكِم بإسلامه، وأُجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عَقْدُ قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وَصَلَ إلى حَدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعَجَزَ عن فهم الخطاب ورَدّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متّبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين.
٥ - (ومنها): أن المحبّة النافعة هي المحبّة الإيمانيّة، لا المحبّة الطبيعيّة، فإن أبا طالب كان يحبّ النبيّ ﷺ حبًّا شديدًا، ويقدّمه على نفسه، وعلى أولاده، ولكنه ما نفعه ذلك؛ إذ لم يحبّه المحبّة الشرعيّة التي تحمل على اتّباعه، والانقياد لشرعه.
٦ - (ومنها): أن الشرك محبطٌ لأعمال الخير؛ لأن أبا طالب كان يحوط النبيّ ﷺ ، ويقوم بالدفاع عنه، ويَفْدِيه بكلّ ما يملكه، ويفعل تجاهه كلّ خير، إلا أن كلّ ذلك حَبِطَ بشركه، وعدم طاعته بالتوحيد، قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
٧ - (ومنها): النهي عن الاستغفار للمشركين.
٨ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة.
٩ - (ومنها): جواز الْحَلِف من غير استحلاف؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال: "أما والله لأستغفرنّ لك … " الحديث، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وكأنّ الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب.
١٠ - (ومنها): أن قوله: "هو على ملّة عبد المطّلب" من أحسن الآداب، والتصرّفات، وهو أن من حَكَى قول غيره القبيح، ينبغي له أن يَأتي بضمير الغيبة؛ لِقُبْحِ صورة لفظه الواقع، كمثل هذا، وكما في حديث: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله … " الحديث، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 522
(المسألة الرابعة): في الاستشكال الوارد على هذا الحديث.
قال في "الفتح": قوله: "فَأَنْزَل اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] ": هكذا وقع في هذه الرواية، ورَوَى الطبريّ من طريق شِبْلٍ، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ ﷺ : "استَغْفَر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي"، فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا، كما استغفر نبيّنا لعمه، فنزلت.
وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتّفاقًا، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أَتَى قبر أمه لَمّا اعتَمَرَ، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنَزَلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النُّزُول.
وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ يومًا إلى المقابر، فاتّبَعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جَلَستُ عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يَأْذَن لي، فأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
وأخرج أحمد من حديث ابن بُريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: "نَزَل بنا، ونحن معه قريبٌ من ألف راكب"، ولم يذكر نزول الآية.
وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: "لَمّا قَدِمَ مكة أتى رَسْمَ قبر … "، ومن طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطية: "لَقا قَدِم مكة وَقَفَ على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس؛ رَجَاءَ أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنَزَلَت"، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود، وفيه: "لَمّا هبط من ثنية عسفان" وفيه نزول الآية في ذلك.
فهذه طُرُق يَعْضِدُ بعضُها بعضًا، وفيها دلالة على تأخّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه ﷺ قال يوم أحد بعد أن شُجَّ وجهه: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
لكن يَحتَمِلُ في هذا أن يكون الاستغفار خاصًّا بالأحياء، وليس البحث فيه. ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخّر، وإن كان سببها تَقَدَّمَ، ويكون لنُزُولها سببان، مُتَقَدَّمٌ، وهو أمر أبي طالب، ومتأخرٌ، وهو أمر آمنة.
стр. 523
يُؤَيِّدُ تأخير النُّزول ما ثبت من استغفاره ﷺ للمنافقين حتى نَزَل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النُّزُول، وإن تقدَّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في هذا الحديث: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]؛ لأنه يُشعِر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيد تَعَدُّد السبب ما أخرجه أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ ﵁ قال: سمعت رجلًا يَستَغفِر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ … ﴾ الآية [التوبة: ١١٣].
وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنَزَلت، ومن طريق قتادة قال: ذكرنا له أن رجالًا، فذكر نحوه. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ.
وحاصله أن يُحْمَل على تعدد السبب، وتأخر نزول الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٤٠] ( … ) - (وحَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. (ح) وحَدَّثنا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأنزَلَ اللهُ فِيه، وَلَمْ يَذْكُرْ الْآيتَيْن، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِي تِلْكَ الْمَقَالَة، وَفي حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: فَلَمْ يَزَالَا بِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الْحَنْظلي، أبو محمد بن راهويه المروزيّ، ثقة حافظ مجتهد [١٠]، (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) ٤/ ٢٨.
стр. 524
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) ٧/ ١٣٠.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، مصنّفٌ شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) ٦/ ١٢٨.
٤ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبتٌ فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) ٤/ ١٨.
٥ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِي) - بضمّ المهملة، وسكون اللام - هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الْخَلّال، نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) ٤/ ٢٤.
٦ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع).
رَوَى عن أبيه، وشعبة، وابن أخي الزهريّ، والليث، وأبي أويس، وعبد العزيز بن المطلب، وعاصم بن محمد بن زيد الْعُمَريّ، وسيف بن عُمَر الضَّبّيّ، وشريك القاضي، وغيرهم.
وروى عنه ابن أخيه عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وأحمد، وعليّ، وإسحاق، وابن معين، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وعَمْرو الناقد، والْكَوْسج، وأبو خيثمة، وحسن الحلوانيّ، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: سمعت "المغازي" من يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكوه ابن حبان في "الثقات". وقال الذُّهْليّ: رَوَى عن إبراهيم بن سعد الزهريّ، وعن أصحاب الزهريّ، فكثرت روايته لحديث الزهري، ومدار حديثه على أبيه يعقوب، وكان قد سمع هو وأخوه سعد الكتب، فمات أخوه قبل أن يكتب عنه كثيرُ أحدٍ، وبقي يعقوب، فكتب عنه الناس، فوجدوا عنده عِلْمًا جليلًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، يُقَدَّم على أخيه في الفضل والورع والحديث، ومات في شوال سنة ثمان ومائتين، وكان
стр. 525
أصغر من أخيه سعد بأربع سنين، وفي سنة ثمان أَرَّخه مُطَيَّن، وغير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٩٦) حديثًا.
٧ - (أَبُوه) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة، حجّةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨].
رَوَى عن أبيه، وصالح بن كيسان، والزهريّ، وهشام بن عروة، وصفوان بن سُليم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الليث، وقيس بن الربيع، وهما أكبر منه، ويزيد بن الهاد، وشعبة، وهما من شيوخه، والقعنبيّ، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وابناه: يعقوب، وسعد، وجماعة.
قال أحمد: ثقة، وقال أيضًا: أحاديثه مستقيمة. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان وكيع كَفَّ عن حديث إبراهيم بن سعد، ثم حَدَّث عنه بعدُ، قلت: لم؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجةٌ. وقال أيضًا: إبراهيم أحب إلي في الزهريّ من ابن أبي ذئب، وقال أيضًا: إبراهيم أثبت من الوليد بن كثير، ومن ابن إسحاق، وقال الدُّوريّ: قلت ليحيى: إبراهيم أحب إليك في الزهريّ، أو الليث؟ فقال: كلاهما ثقة، وقال ابن معين أيضًا، والعجليّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال مرةً: ليس به بأس. وقال عليّ بن الجعد: سألت شعبةَ عن حديث لسعد بن إبراهيم؟ فقال لي: فأين أنت من ابنه؟ قلت: وأين ذا؟ قال: نازل على عُمارة بن حمزة، فأتيته، فحدثني. وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه. وقال صالح جَزَرة: حديثه عن الزهريّ ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهريّ. وقال الدُّوريّ عن ابن معين في حديث جمع القرآن: ليس أحدٌ حَدَّثَ به أحسن من إبراهيم بن سعد، وقد حَدَّث مالك بطرف منه. وقال أبو داود: وَليَ بيت المال ببغداد. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وذكر ابن عدي في "الكامل" عن عبد الله بن أحمد، سمعت أبي يقول: ذُكِرَ عند يحيى بن سعيد عُقَيل، وإبراهيم بن سعد، فجعل كأنه يُضَعّفهما، يقول: عُقيل وإبراهيم، ثم قال أبي: أَيْشٍ ينفع هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرهما يحيى.
стр. 526
وعن أبي داود السِّجِسْتانيّ: سمعت أحمد سُئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، مرفوعًا: "الأئمة من قريش"، فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم بن سعد، لا ينبغي أن يكون له أصل.
قال الحافظ: رواه جماعة عن إبراهيم.
ونَقَلَ الخطيب أن إبراهيم كان يُجِيز الغناء بالعود، ووَليَ قضاء المدينة.
وقال ابن عيينة: كنت عند ابن شهاب، فجاء إبراهيم بن سعد، فَرَفَعَهُ وأكرمه، وقال: إن سعدأ أوصاني بابنه، وسعد سعد. وقال ابن عديّ: هو من ثقات المسلمين، حَدَّث عنه جماعة من الأئمة، ولم يَتخلَّف أحدٌ في الكتابة عنه، وقولُ مَن تَكَلَّم فيه تحاملٌ، وله أحاديث صالحة مستقيمة، عن الزهري وغيره.
قال عبد الله بن أحمد: وُلد سنة (١٠٨) أخبرني بذلك بعض ولده، وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٢)، أو (١٨٣)، وقال ابن سعد، وابن المدينيّ، وخليفة، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: مات سنة (١٨٣)، زاد علي بن المديني: وهو ابن (٧٣) سنة، وقال ابن سعد وهو ابن (٧٥) سنة، وقال سعيد بن عُفَير وأبو حسان الزِّيَاديّ: مات سنة (١٨٤)، وقال أبو مروان العثمانيّ: سمعت من إبراهيم بن سعد سنة (١٨٥)، ومات بعد ذلك.
قال الخطيب: حَدَّث عنه يزيد بن الهاد، والحسين بن سَيَّار الْحَرّانيّ، وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة.
وفي "تاريخ بغداد": أنه قَدِمَ بغداد سنة (١٨٤)، فأكرمه الرَّشِيد، وفيها أَرَّخ ابن أبي عاصم وفاته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٩) أحاديث.
٨ - (صالِح) بن كَيْسَان المدنيّ، أبو محمد، ويقال: أبو الحارث، مُؤَدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٤].
رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن معين: سمع منهما، ورَوَى عن سليمان بن أبي حَثْمَة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسماعيل بن محمد بن سعد، والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، ونافع مولى أبي قتادة، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن
стр. 527
حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والزهريّ، وأبي الزناد، ومحمد بن عجلان، والثلاثة أصغر منه، وغيرهم.
وعنه مالك، وابن إسحاق، وابن جريج، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وسليمان بن بلال، وابن عتيبة، وغيرهم.
قال مُصعَب الزبيريّ: كان جامعًا من الحديث والفقه والمروءة. وقال حرب: سئل عنه أحمد؛ فقال: بَخٍ بَخٍ. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح أكبر من الزهريّ. وقال إسماعيل القاضي، عن ابن المديني: صالح أَسَنّ من الزهريّ، قد رأى ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: صالح أكبر من الزهريّ، سَمِع من ابن عمر، وابن الزبير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: معمر أحب إليّ، وصالح ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني أحمد بن العباس، عن ابن معين: قال: ليس في أصحاب الزهريّ أثبت من مالك، ثم صالح بن كيسان. وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: صالح أحبّ إليّ من عُقيل؛ لأنه حجازيّ، وهو أسنُّ، رأى ابن عمر، وهو ثقة، يُعَدّ في التابعين. وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. ووقع في "كتاب الزكاة" من "صحيح البخاريّ: صالح أكبر من الزهريّ، أدرك ابن عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئة والمروءة، وقد قيل: إنه سَمِعَ من ابن عمر، وما أراه محفوظًا. وقال الخليليّ في "الإرشاد": كان حافظًا إمامًا، رَوَى عنه من هو أقدم منه، عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يَحْكِي عنه، وهو من أقرانه. وقال ابن عبد البر: كان كثير الحديث، ثقةً حجّةً فيما حَمَلَ.
قال الهيثم بن عديّ: مات في زمن مروان بن محمد، وقال ابن سعد، عن الواقديّ: مات بعد الأربعين ومائة، وقيل: مَخْرَجَ محمدِ بنِ عبد الله بن حسن، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الحاكم: مات صالح بن كيسان، وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وكان قد لَقِيَ جماعةً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك تَلَمَّذَ للزهريّ، وتَلَقَّن عنه العلم، وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعلّم وهو ابن سبعين سنة.
стр. 528
قال الحافظ: هذه مجازفةٌ قبيحةٌ، مقتضاها أن يكون صالح بن كيسان وُلدَ قبل بِعْثة النبي ﷺ ، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم؟ ولو كان طَلَبَ العلم كما حَدَّده الحاكم، لكان قد أَخَذَ عن سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، وقد قال عليّ بن المدينيّ في "العلل": صالح بن كيسان لم يَلْقَ عقبة بن عامر، كان يروي عن رجل عنه، وقرأت بخط الذهبيّ: الذي يظهر لي أنه ما أكمل التسعين. انتهى كلام الحافظ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٢) حديثًا.
٩ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنَّ رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب. والله تعالى أعلم.
وقوله: (بهذا الإسناد) الإشارة إلى الإسناد الماضي، أي رواه معمر، وصالح كلاهما عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه ﵁.
وقوله: (مثله) منصوب على الحال، أي حال كون حديثهما مثل حديث يونس الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر التي أحالها المصنف هنا ساقها الإمام البخاري، وأحمد، والنسائي، ولفظ البخاريّ: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب، لَمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ ، وعنده أبو جهل، فقال: "أَيْ عَمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل: وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب تَرْغَب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبيّ ﷺ : "لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنه"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
стр. 529
وأما رواية صالح، فقد ساقها البخاريّ أيضًا، فقال:
حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه أخبره، أنه لَمّا حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ ، فوَجَدَ عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "يا عَمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يَعْرِضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [لتوبة: ١١٣].
وقوله: (غير أن حديث صالح انتهى) استثناء من كون روايتهما مثل رواية يونس، يعني رواية صالح بن كيسان انتهى عند قوله: "فأنزل الله فيه، ولم يذكر تمام الآيتين، وقد عرفت من رواية البخاريّ المذكورة أنه زاد" ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، وعليه فيكون نهاية حديث صالح قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، ولعل المصنّف وقع له بدون ذكره.
وقوله: (ويعودان في تلك المقالة) يعني أن لفظ صالح مكان قول يونس: "ويُعيدان له تلك المقالة"، و"يعودان في تلك المقالة"، ووقع عند البخاريّ "بتلك المقالة" بالباء.
وقوله: (وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة، فلم يزالا به) الإشارة إلى قوله: "ويعودان في تلك المقالة"، يعني أنه وقع في رواية معمر بدل قول صالح: "ويعودان في تلك المقالة" "فلم يزالا به"، ولفظ البخاريّ: فلم يزالا يكلمانه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٤١] (٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
стр. 530
رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: "قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَأَبَى، فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآيةَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) ٤/ ١٩.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مَرْوَانُ) بن معاوية الفزاريّ المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) الْيشكريّ، أبو إسماعيل، ويقال: أبو مُنَين - بنون، مصغّرًا - الكوفيّ، صدوق يُخطيء [٦].
رَوَى عن أبي حازم، سلمان الأشجعيّ، ومَعْبَد، أبي الأزهر.
ورَوَى عنه عبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وخلف بن خليفة، وعلي بن هاشم بن الْبَرِيد، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن عُبيد الظَنَافسيّ، وآخرون.
قال علي بن المديني، عن القطان: صالحٌ، وَسَطٌ، ليس هو ممن يُعْتَمَد عليه.
وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يُكْتَب حديثه، محله الصدق، صالح الحديث، قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: لا، هو بابةُ فُضيل بن غَزْوَان، وذويه، بعض ما يأتي به صحيح، وبعض لا، قال أبي يُحَوَّلُ من كتاب "الضعفاء".
وقال الدارقطنيّ: كوفي ثقة. وقال الْعُقَيليّ: قال أحمد بن حنبل: ثقة.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم.
وقال ابن حبان في "الثقات": يزيد بن كيسان الأسلمي، كنيته أبو إسماعيل، وهو الذي يقال له: أبو مُنَيْن، كان يُخطيء ويُخَالف، لم يَفْحُش خطؤه حتى يُعْدَلَ به عن سبيل العدول، ولا أَتَى بما يُنكَر، فهو مقبول، إلا ما يُعْلَم أنه أخطأ فيه، فيُتْرَك خطؤه كغيره من الثقات.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.