← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال؛ بناءً على القاعدة: "الْجُمَل وشبهُها بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال"، ويَحْتَمل أن تكون في محلّ جرّ صفة لـ "الرجل"؛ لأن المعرّف بـ "أل" الجنسيّة في قوّة النكرة (ثُمَّ يُكْسِلُ) بضمّ أوله، مضارع أكسل رباعيًّا، ويجوز أن يكون بفتح أوّله، وكسر ثالثه ثلاثيًّا، من باب فَرِحَ، قال في "القاموس": أَكْسَلَ في الجماع: خالطها، ولم يُنزِل، أو عَزَلَ، ولم يُرِد وَلَدًا، كَكَسِلَ، كَفَرِحَ. انتهى (١). (هَلْ عَلَيْهِمَا) أي الزوجين (الْغُسْلُ؟) أي غسل جميع جسدهما (وَعَائِشَةُ جَالِسَة) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، والرابط الواو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَأفعَلُ ذَلِكَ) أي الجماع من غير إنزال (أَنَا) أتى به للفصل حتى يعطف ما بعده على الضمير المتّصل، وهذا الفصل ليس بلازم؛ لحصوله باسم الإشارة، قال في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَهَدهِ) عطف على الضمير الفاعل، وأشار إلى عائشة ﵂ (ثُمَّ نَغْتَسِلُ") قال النوويّ ﵀: إنما ذَكَر النبيّ - صلي الله عليه وسلم - بهذه العبارة؛ ليكون أوقع في نفسه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ من أفراد المصنّف ﵀. [فإن قلت]: كيف أخرجه المصنف، وفيه عياض بن عبد الله، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته؟. [قلت]: لم ينفرد به عياض، بل تابعه عليه عبد الله بن لهيعة، عند الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٥) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني

стр. 4657

عياض بن عبد الله القُرشيّ، وابنُ لَهِيعة، عن أبي الزبير المكيّ … إلخ، وابن لَهِيعة، وإن تُكلّم فيه، إلا أن رواية العبادلة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ عنه صحيحة، قال عبد الغنيّ بن سعيد الأزديّ: إذا روى العبادلة عن ابن لَهِيعة، فهو صحيح، ثم ذكرهم، وزاد غيره: وعبد الله بن مسلمة القعنبيّ. والحاصل أن ابن لَهِيعة صالح للمتابعة مطلقًا، وإذا كان من رواية العبادلة عنه، فأحرى أن يكون متابعًا قويًّا يصحّ به الحديث. وأيضًا الحديث له شاهد صحيح، من طريق آخر، أخرجه الترمذيّ، فقال: (١٠١) حدثنا أبو موسى، محمد بن المثنى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا". وقال الإمام أحمد في "مسنده": (٢٤١٢٠) حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قالت: "إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، واغتسلنا". وهذا الحديث صحيح، والوليد بن مسلم وإن كان يدلّس ويسوّي، إلا أنه صرّح بالتحديث في شيخه، وشيخ شيخه، في رواية أحمد المذكورة، فانتفت عنه تهمة التدليس. وقد أجاد الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ في "كتاب الوهم والإيهام" حيث قال - بعد ذكر كلام عبد الحقّ في إعلال الحديث بالإرسال - ما نصّه: وكونه يروى مرسلًا ليس بعلّة فيه، ولا أيضًا قول القاسم: إنه لم يسمع في هذا شيئًا، فإنه قد يعني به شيئًا يناقض هذا الذي رويتَ، لا بدّ من حمله على ذلك؛ لصحّة الحديث المذكور عنه من رواية ابنه عبد الرحمن، وهو الثقة المأمون، والأوزاعيّ إمام، والوليد بن مسلم، وإن كان مدلّسًا ومُسَوِّيًا، فإنه قال فيه: حدّثنا.

стр. 4658

ذكر ذلك الدارقطنيّ، وذكر له أيضًا طريقًا آخر عن الأوزاعيّ، هو منه أيضًا صحيح. قال الدارقطنيّ: حدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، أخبرني العبّاس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها سُئلت عن الرجل يُجامع المرأة، فلا يُنزل الماء؟ قالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا جميعًا". قال الدارقطنيّ: رفعه الوليد بن مسلم، والوليد بن مَزْيد، ورواه بشر بن بكر، وأبو المغيرة، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن كثير الْمِصيصيّ، ومحمد بن مصعب، وغيرهم موقوفًا. انتهى كلامه (١). الوليد بن مزيد ثقةٌ، أحد أكابر أصحاب الأوزاعيّ، وكان الأوزاعيّ يقول: عليكم به، فإن كتبه صحيحة، أو كلامًا هذا معناه، وقال أيضًا: ما عُرِض عليّ كتاب أصحّ من كتب الوليد بن مزيد، وقال فيه دُحيم: صالح الحديث. وابنه العبّاس بن الوليد ثقةٌ صدوقٌ، وقد ذَكَر جميعُهُم سماع بعضهم من بعض، فصحّ الحديث. فإن كان حديث الترمذيّ مُعتَرَضًا مَن طريق الوليد بن مسلم، فقد صحّ من طريق الوليد بن مزيد، وقد صحّ حديث عائشة ﵂ بهذا المعنى من رواية جابر عنها، ذكره مسلم، فاعلم ذلك. انتهى كلام أبي الحسن ابن القطّان ﵀ (٢)، وقد أجاد، وأفاد. والحاصل أن الحديث صحيح بالروايتين: رواية المصنّف، ورواية أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، فلا معنى لتعقّب الحافظ ابن حجر كلام ابن القطّان بأنه متعسّف، لا يرتضيه محقّق، انظر: "نكته على تحفة الأشراف" (١٢/ ٢٧٢)، وقوله أيضًا في "التلخيص الحبير" (١/ ٢٤٢ - ١٤٣): وأجاب من

стр. 4659

صحّحه بأنه يَحْتَمل أن يكون القاسم كان نسيه ثم تذكّر، فحدّث به ابنه، أو كان حدّث به ابنه ثم نسي، ولا يخلو الجواب عن نظر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الجواب: لا نظر فيه - إن شاء الله -؛ لأنه جواب مقنع، وكم من مواضع مشكلة، أجاب هو فيها بمثل هذا الجواب، أو بأشدّ من هذا. وجملة القول أن الحديث رواه عن الأوزاعيّ متّصلًا الوليد بن مسلم عند أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، كما سبق، والوليد بن مزيد عند الدارقطنيّ، كما سبق أيضًا، وعبد الله بن كثير القارئ الدمشقيّ عند ابن حبان (١١٧٥)، وبشر بن بكر عند ابن الجارود في "المنتقى" (٩٣)، وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة عند تمّام في فوائده، وقال الشافعيّ في "مسنده" (١/ ١٠٤) (شفاء العيّ): حدّثني الثقة، فكل هؤلاء: الوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، وعبد الله بن كثير، وبشر بن بكر، وإسماعيل بن عبد الله، والثقة عند الشافعي، عن الأوزاعي (١). وأجاب بعض المحقّقين عن اعتراض الحافظ على ابن القطّان في نسيان القاسم، فقال: ونسيان القاسم للحديث ليس بالأمر الغريب، فقد نسي بعض حديثه من هو أجلّ منه، فنسي عمر بن الخطاب واقعته مع عمّار لَمّا أجنبا، ونسي أبو معبد حديثًا سمعه من ابن عبّاس في انقضاء الصلاة بالتكبير، قال عمرو بن دينار: ذكرته لأبي معبد بعدُ، فقال: لم أُحدّثك، قال عمرو: وقد حدّثنيه، وروى الزهريّ حديث عائشة في بطلان النكاح بغير الوليّ، ثم لَمّا سأله ابن جريج عنه، فقال: لا أعرفه، وروى سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه حديث أبي هريرة في القضاء باليمين مع الشاهد، فسأله عبد العزيز بن محمد عنه، فلم يعرفه، وقد نسي ابن عمر حديث صلاة القنوت، ونسي سمرة حديث العقيقة، وأشباه ذلك كثير، فأيّ نظر حينئذ في نسيان القاسم. انتهى (٢).

стр. 4660

وبهذا بان لك الحقّ واتّضح، وأن الحديث صحيح بلا ريب - ولله الحمد -، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) من هذا الوجه هنا في "الحيض" [٢١/ ٧٩٢] (٣٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٨ و ١١٠)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٥٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٦٤). وأخرجه من طريق الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: (الترمذيُّ) في "الطهارة" (١٠٨)، و (النسائيّ) في "عشرة النساء" من "الكبرى" (٩١٢٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٦٠٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٧٥ و ١١٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الاغتسال من الجماع، وإن لم يحصل إنزال. ٢ - (ومنها): جواز ذكر مثل هذا بحضرة الزوجة، إذا ترتّبت عليه مصلحة. [فإن قلت]: قد ورد الوعيد في إفشاء السرّ بين الزوجين، فقد أخرج المصنّف في "كتاب النكاح" من طريق عبد الرحمن بن سعد، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشرّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة، الرجلُ يُفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم يَنشُرُ سرَّها". وفي لفظ: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجلُ يفضي إلى امرأته … "، فكيف يُجمَع بينه، وبين حديث الباب؟. [قلت]: يُجمع بينهما بحمل ما في الباب على ما دعت إليه حاجة، وترتّبت عليه مصلحة دينيّة، وحديث النهي على ما خلا من ذلك، ولا سيّما فيما إذا كانت المرأة تتأذّى بإفشائه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قيل: إن فعله ﷺ للوجوب؛ إذ لولا ذلك لم يحصُل جواب السائل. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عند الجمهور أن فعله ﷺ للاستحباب

стр. 4661

ما لم يقترن به دليل الوجوب، وهنا إنما استفيد من ضمّه إلى الأدلة الأخرى، كحديث: "إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل"، فأراد النبيّ - صلي الله عليه وسلم - أن يؤكد الوجوب المستفاد من قوله بما ذكره من فعله، وقد حقّقتُ هذا الموضوع في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه تستفد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٢) - (بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩٣] (٣٥١) - (وَحَدثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام، أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زيدٍ الْأنصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَن أَبَاهُ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّه) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأَيليّ، ثم المدنيّ، ثم الشاميّ، ثم المصريّ، ثقةٌ ثبت [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.

стр. 4662

٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل باب. ٦ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام) الْمخزومي المدنيّ، ثقةٌ [٥] مات في أول خلافة هشام (ع) تقدم في "الإيمانً" ٢٦/ ٢١٠. ٧ - (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنصَارِيُّ) هو: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاريّ النَّجَّاريّ، أبو زيد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣]. أدرك عثمان، وروى عن أبيه، وعمه يزيد، وأسامة بن زيد، وسهيل بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأمه أم سعد بن الربيع، وأم العلاء الأنصارية. ورَوَى عنه ابنه سليمان، وابنا أخويه: سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن زيد، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وابنه محمد بن عبد الله، ومُجالد بن عوف، وأبو الزناد، والزهريّ، وعثمان بن حكيم، وغيره. قال أبو الزناد: كان أحد الفقهاء السبعة، وقال مصعب الزبيري: كان خارجة، وطلحة بن عبد الله بن عوف يقسمان المواريث، ويكتبان الوثائق، وينتهي الناس إلى قولهما، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن خِرَاش: خارجة بن زيد أجلّ من كل من اسمه خارجة. وقال البخاريّ: إن صحّ قول موسى بن عقبة: إن يزيد بن ثابت قُتل يوم اليمامة؛ فإن خارجة بن زيد لم يدرك عمه. قال ابن نمير، وعمرو بن عليّ: مات سنة (٩٩)، وقال ابن المدينيّ، وغير واحد: مات سنة مائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحَكَى القولين جميعًا. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. ٨ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحاك بن زيد بن لُوذان بن عمرو بن عَبد عَوف بن غَنْم بن مالك بن النجار الأنصاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة المدني، قَدِمَ النبي ﷺ المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يكتب له الوحي، رَوَى عنه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃. وروى عنه ابناه: خارجة، وسلمان، ومولاه ثابت بن عبيد، وأم سَعْد، قيل: إنها ابنته، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد، وسهل بن حُنيف، وابن

стр. 4663

عمر، وسهل بن سعد، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وسهل بن أبي حَثْمَةَ، ومروان بن الحكم، وأبان بن عثمان، وبُسْر بن سعيد، وطاووس، وعُبيد بن السَّبَّاق، وعطاء بن يسار، وغيرهم من الصحابة والتابعين. قال عاصم عن الشعبي: غلب زيدٌ الناسَ على اثنتين: الفرائضِ والقرآنِ. وقيل: إن أوّل مشاهده يوم الخندق. قاله الواقدي. وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلًا مع عُمارة بن حَزْم، فأخذها النبي ﷺ منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله ﷺ بلغك عني شيء؟ قال: "لا، ولكن القرآن مُقَدَّم". أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٤٢١. وكان زيد من علماء الصحابة، وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ ثبت ذلك في "الصحيح"، وقال له أبو بكر: إنك شابٌّ عاقل، لا نَتَّهِمُك. وروى البخاري تعليقًا، والبغوي، وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: أُتِي بي النبي ﷺ مَقْدَمَهُ المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأتُ عليه فأعجبه ذلك، فقال: "تعلم كتاب يهودَ، فإني ما آمنهم على كتابي"، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. ورواه عبد بن حميد من طريق ثابت بن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قال لي النبي ﷺ : "إني أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا عليّ، أو ينقصوا، فتَعَلَّمِ السُّرْيانية"، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تَنَحّ يا ابن عَمّ رسول الله ﷺ قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أفرضكم زيد"، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه معلول. ورَوَى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبَيٌّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. ورُوِي بسند فيه الواقدي من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. ورَوَى البغوي بإسناد صحيح عن خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر، فَقَلَّمَا رجع إلا أقطعه حديقة من نخل. ومن

стр. 4664

طريق ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم. وقال مسروق: قَدِمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب: شَهِدتُ جنازة زيد بن ثابت، فلما دُلِّيَ في قبره قال ابنُ عباس ﵂: مَن سَرّه أن يعلم كيف ذَهَاب العلم، فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دُفن اليوم علم كثير. وقال أبو هريرة ﵁ حين مات: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر. ولَمّا مات رثاه حسان بقوله [من الطويل]: فَمَنْ لِلْقَوَاِفي بَعْدَ حَسَّانَ وَابْنِهِ … وَمَنْ لِلْمَعَانِي بَعد زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ وفضائله كثيرة (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا (٢)، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والقول، والإخبار. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فتفرّد بهما هو، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض؛ ابن شهاب، وعبد الملك، وخارجة.

стр. 4665

٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن جدّه. ٦ - (ومنها): أن فيه خارجة، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة المجموعين في قول بعضهم: إَذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتهم لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ ٧ - (ومنها): أن صحابيّه من الصحابة المشهورين، ذو مناقب جمَّة، فكان كاتب الوحي للنبيّ ﷺ ، وجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، وكان شهد له ﷺ بأنه أفرض الأمة، وكان من الراسخين في العلم ﵁. ٨ - (ومنها): أن زيدًا ﵁ وخارجة هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، فأما زيد فله فيه بضعة عشر حديثًا، وأما خارجة فليس له إلا هذا الحديث، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ الأيليّ: (قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) كذا هو في جميع الأصول: "عبد الملك بن أبي بكر"، قال الحافظ أبو عليّ الغَسّانيّ: هكذا يُروى هذا الإسناد عن جميع رواة الكتاب، وفي نسخة أبي عبد الله بن الْحَذّاء مما أُصْلِح بيده، فأفسده: "وقال ابن شهاب: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن"، جعل "عبد الله" موضع "عبد الملك"، والصواب "عبد الملك"، وكذا رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ، وكذلك هو في نسخة أبي زكريا الأشعريّ، عن ابن ماهان، وكذلك رواه الزُّبَيديّ، عن الزهريّ، عن عبد الملك بن أبي بكر، وهو أخو عبد الله بن أبي بكر. وقد روى الزهريّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أُميّة بن عبد الله بن خالد بن أَسِيد، عن ابن عمر، حديثَ قَصْر الصلاة في السفر، قولَ عبد الله بن عمر: "إن الله بعث إلينا محمّدًا ﷺ ، فإنما نَفْعَل كما رأينا يفعل". قال محمد بن يحيى الذُّهْليّ: روى الزهريّ، عن أبي بكر بن

стр. 4666

عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعن أخيه (١) محمد بن عبد الرحمن، وعن أخيه عكرمة بن عبد الرحمن، وروى أيضًا عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأخيه عبد الملك بن أبي بكر، وأخيه عمر بن أبي بكر. وكلُّ هؤلاء مُخَرَّجٌ حديثهم في "الصحيح"، إلا عمر بن أبي بكر، فلا أعلم له رواية في الكتابين. انتهى كلام أبي عليّ الغسّانيّ ﵀ (٢). (أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الْأنصَارِيَّ) ﵀ (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عبد الملك (أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يَقُولُ: "الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ") أي من أجل أكل ما مسّته النار، فـ "ما" موصولة، وجملة "مسّت النار" صلتها، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة": .................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ" و"مَسّ" من باب تَعِبَ، ونَصَرَ، يقال: مَسَسْتُ الجسدَ بماء، وأمسسته ماءً. أفاده الفيّوميّ (٣). وليس المراد مجرّد مسّ النار، بل لا بدّ من تغييره وإنضاجه، كما تفيده الروايات الأخرى، ففي رواية أحمد، وأبي داود، والنسائيّ: "توضؤوا مما أنضجت النار"، وفي رواية أحمد أيضًا وأصحاب السنن: "توضؤوا مما غيّرت النار"، فيُستفاد منها أن مجرّد المسّ لا يوجب الوضوء، بل لا بدّ أن يكون مما غيّرته، وأنضجته؛ فتنبّه. وهذا الحديث يدلّ على وجوب الوضوء من أكل ما غيّرته النار، وبه قال طائفة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الحقّ؛ لأن أحاديث الباب منسوخة.

стр. 4667

وقال القرطبيّ ﵀: هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعيّ العرفيّ عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك، ثم نُسخ، كما قال جابر بن عبد الله ﵂: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ تركَ الوضوء مما مسّت النار" (١)، وعلى هذا تدلّ الأحاديث الآتية بعدُ، وعليه استقرّ عمل الخلفاء، ومعظم الصحابة، وجمهور العلماء مِن بعدهم، وذهب أهل الظاهر، والحسن البصريّ، والزهريّ إلى العمل بقوله: "توضّؤوا مما مسّت النار"، وأن ذلك ليس بمنسوخ. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الْجَزُور لا غير. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه أحمد، ومن معه هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. قال: وذهبت طائفة إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغويّ، وهو غَسْلُ اليد والفم من الدَّسَم، كما فَعَل النبيّ - صلي الله عليه وسلم - حيث شَرِب اللبن، ثم مضمض، وقال: "إن له دَسَمًا" (٢)، وأن الأمر بذلك على جهة الاستحباب، وممن ذهب إلى هذا ابن قتيبة، ذكره في "غريبه"، والصحيح الأول، فلْيُعْتَمَدْ عليه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣)، ويأتي تمام البحث في هذا في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٢/ ٧٩٣] (٣٥١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٠٧)، وفي "الكبرى" (١/ ١٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٤ و ١٨٨ و ١٨٩ و ١٩٠ و ١٩١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٧٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢٤٠)، وسيأتي تمام

стр. 4668

البحث فيه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المذكور في الحديث الماضى قال المصنّف ﵀: [٧٩٤] (٣٥٢) - (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ أَخْبَرَهُ، أنَّهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ عَلَى الْمَسْجِد، فَقَالَ: إِنَّمَا أتوَضَّأُ مِنْ أثْوَارِ أَقِطٍ أكَلْتُهَا؛ لأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يَقُولُ: "تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ"). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث، والذي بعده موصولان بالسند الماضي، ليسا معلّقين، بل هما معطوفان، حُذف منهما حرف العطف، وهو جائز عند بعض النحاة في سعة الكلام، وإن كان الأكثرون يقيّدونه بالشعر؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الحكم الأمويّ الخليفة الراشد، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٠١) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٤٦. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ) ويقال له: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ الكِنَانيّ حَلِيف بني زُهْرة، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والسائب بن يزيد، وغيرهم، ورأى عمر وعليًّا. ورَوَى عنه أبو عبد الله الأغرّ، وأبو صالح السمّان، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن يونس: قَدِمَ مصر زمن عمر بن عبد العزيز. وجعل ابن أبي حاتم إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ ترجمتين، والحقّ أنهما واحد، والاختلاف فيه على الزهري وغيره، وقال ابن معين: كان الزهري يَغْلَط فيه. انتهى. وفي "تاريخ البخاريّ" ما معناه: رَوَى معمر، وابن جريج، وعبد الجبار،

стр. 4669

عن الزهريّ، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ - يعني عن أبي سلمة -، وتابعه يحيى بن أبي كثير، ووافقهم بن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن إبراهيم بن قارظ، وكذا قال شعبة، وإبراهيم بن سعد، عن سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وتابعهم محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وقال عُقَيل، ويونس، عن الزهريّ، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وكذا قال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أبي صالح السمّان، عن عبد الله بن إبراهيم، وتابعه عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل، سمع عبد الله بن إبراهيم بن قارظ. انتهى (١). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (٣٥٢)، وحديث (٨٥١): "إذا قلت لصاحبك: أنصت … "، و (١٣٩٤): "فإني آخر الأنبياء … " وأعاده بعده، و (١٥٦٨): "ئمن الكلب خبيث … ". شرح الحديث: عن عمر بن عبد العزيز: (أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في مسلم هنا، وفي "الجمعة"، و"البيوع"، ووقع في "باب الجمعة" من كتاب مسلم من رواية ابن جُريج: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وكلاهما قد قيل، وقد اختَلَف الحفّاظ فيه على هذين القولين، فصار إلى كلّ واحد منهما جماعة كثيرة، وقارظ بالقاف، وكسر الراء، وبالظاء المعجمة. انتهى (٢). (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عمر بن عبد العزيز (أنَّهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَتَوَضَّأُ عَلَى الْمَسْجِدِ) أي فوق ظهر المسجد، وفيه دليلٌ على جواز الوضوء على ظهر المسجد، وكذا رحبته إذا لم يؤد إلى إيذاء أحد، وقد نَقَل ابن المنذر إجماع العلماء على جوازه (٣). (فَقَالَ) أبو هريرة ﵁ مبيّنًا سبب

стр. 4670

وضوئه ذلك (إِنَّمَا أتوَضَّأُ مِنْ أثوَارِ أَقِطٍ) أي قِطَع من أَقِط، فـ "الأثوار" بفتح الهمزة، وسكون الثاء المثلّثة: جمع ثَوْر - بفتح، فسكون -: وهو القطعة العظيمة من الأَقِط، ويُجمع أيضًا على ثِوَرة - بكسر، ففتح -. أفاده في "القاموس" (١). و"الأَقِط" مثلّثةً، ويُحرَّك، وكَكَتِفٍ، ورَجُلٍ، وإبلٍ: شيءٌ يُتَّخذ من الْمَخِيض الْغَنَميّ، جمعه: أَقْطانٌ، أفاده في "القاموس" أيضًا (٢). و"الْمَخِيض" فَعِيلٌ بمعنى مفعول: هو اللبن الذي استُخرج زُبْده بوضع الماء فيه وتحريكه، أفاده في "المصباح" (٣). (أَكَلْتُهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "أثوار"، أو حال منه؛ لتخصصه بالإضافة، ثم ذكر أبو هريرة ﵁ الدليل الذي استنده في عمله هذا بقوله: (لِأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يَقُولُ: "تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ") أي من أكل ما غيّرته، وأنضجته النار، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. وبهذا تبيّن أن أبا هريرة ﵁ ممن يرى وجوب الوضوء مما مسّت النار، وهو مذهب طائفة، كما سيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ويُستفاد منه كون الوضوء مما مسّت النار غير معروف عندهم، ولولا ذلك لَمَا احتاج أبو هريرة ﵁ إلى بيان سبب وضوئه، وفيه أنه يُستحبّ للعالم أن يُبيّن سبب فعله للناس، إذا كان مظِنّة إنكار الناس له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٢/ ٧٩٤] (٣٥٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٧٩)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٠٥ و ١٠٦)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٨٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٦٧ و ٦٦٨)، و (أبو داود

стр. 4671

الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٦٥ و ٢٧١ و ٤٢٧ و ٤٧٠ و ٤٧٨ و ٤٧٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المذكور قبل حديث قال المصنّف ﵀ أيضًا: [٧٩٥] (٣٥٣) - (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَأنَا أُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ (١)، أَنَّهُ سَأَل عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان الأمويّ، أبو خالد، ويقال: أبو عثمان المدنيّ، نزيل دِمَشق، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عروة بن الزبير، وقَبِيصة بن ذُؤيب، وعنه الزهريّ، ومحمد بن مَعْن بن نَضْلَة، وابنه مَعْن بن محمد. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٢ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام تقدّم قبل بابين. وقوله: (وَأَنَا أُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ) وفي نسخة: "بهذا الحديث"، والجملة في محلّ نصب حال من فاعل "أخبرني"، أو من مفعوله. ومعنى كلام الزهريّ هذا: أنه بينما يحدّث سعيدَ بنَ خالد بحديث أبي هريرة ﵁ في وضوئه من أكل أثوار أقط، أخبره سعيد بأنه سأل عروة بن الزبير عن حكم الوضوء من أكل ما مسّته النار، فأخبره عروة أنه سمع عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : "توضّؤوا مما مسّت النار"، فوافق

стр. 4672

حديثها حديث أبي هريرة ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٢/ ٧٩٥] (٣٥٣)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٣٤٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩٦] (٣٥٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الحارثيّ القَعْنبيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مَدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يُقدِّمان في "الموطّا" عليه أحدًا، من صغار [٩] (ت في أول سنة ٢٢١) بمكة (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، ثقة ثبتٌ رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.

стр. 4673

٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ، مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقة فقيه، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسِ) هو: عبد الله البحر الحبر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ("أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ) أي لحمه، وفي الرواية الآتية من طريق محمد بن عليّ: "أكل عَرْقًا"، وللبخاريّ في "كتاب الأطعمة": "تَعَرَّق": أي أكل ما على العَرْق - بفتح العين المهملة، وسكون الراء - وهو العظم، ويقال له: الْعُرَاق، بالضمّ أيضًا. قال في "القاموس": "الْكَتِف": كَفَرِحٍ، ومِثْلٍ، وجَبَلٍ، جمعه: كقِرَدَةٍ، وأَصْحابٍ. انتهى (١). وقال في "اللسان": "الْكَتِف" - بفتح، فكسر - و"الْكِتْف" - بكسر، فسكون - مثل كَذِبٍ وكِذْبٍ: عظمٌ عَرِيضٌ خَلْفَ الْمَنْكِب، أنثى، وهي تكون للناس وغيرهم. انتهى (٢). [تنبيه]: أفاد القاضي إسماعيل أنّ أكل النبيّ ﷺ الكتفَ كان في بيت

стр. 4674

ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي بنت عمّ النبيّ ﷺ ، وَيحْتَمِل أنه كان في بيت ميمونة، كما سيأتي من حديثها، وهي خالة ابن عباس، كما أن ضُباعة بنت عمه، قاله في "الفتح" (١). (ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ") أي لأنه ليس مما ينقض الوضوء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٧٩٦ و ٧٩٧] (٣٥٤)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٠٧)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٨٧)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٩٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٧ و ٢٨١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٠ و ٤١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٣٣ و ١١٤١ و ١١٤٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٦٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٤٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (٢): ١ - (منها): بيان أن أكل ما مسّته النار لا ينقض الوضوء، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ الإمام البخاريّ ﵀ به في "صحيحه" على أن الأمر بتقديم العَشاء على الصلاة خاصّ بغير الإمام الراتب، ووجه ذلك أنه ﷺ لَمّا دُعي إلى الصلاة ألقى السكّين، وترك الأكل، وتوجّه إلى الصلاة، وهو استنباط وجيه.

стр. 4675

٣ - (ومنها): جواز قطع اللحم بالسكين، وقد ورد في النهي عنه حديث في "سنن أبي داود"، لكنّه قال الحافظ ﵀: فإن ثَبَتَ خُصّ بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك؛ لما فيه من التشبه بالأعاجم، وأهل الترف. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قال في "الفتح": فيه أن الشهادة على النفي إذا كان محصورًا تُقْبَل. انتهى. ووجه ذلك أن الصحابيّ أخبر بعدم وضوء النبيّ ﷺ ، حيث قال: "ثم صلّى، ولم يتوضّأ"، فيقبل إخباره ذلك؛ لأنه نفي محصور بتلك الواقعة، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ ﷺ ، حيث كان يحتزّ اللحم بالسكّين. ٦ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر، حيث كان أبو رافع يشوي اللحم للنبيّ ﷺ . ٧ - (ومنها): جواز أكل المشويّ، ولا يكون من الترفّه والتكبّر. ٨ - (ومنها): استحباب قبول الهديّة، وكان من هديه ﷺ أنه يقبلها، ويُثيب عليها. ٩ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من محبتهم للنبيّ ﷺ ، وإيثارهم له، فقد كان ذلك اللحم الذي في بيت ميمونة ﵂ قد أهداه بعض الصحابة، كما بيّنته رواية أحمد. ١٠ - (ومنها): استحباب إهداء اللحم والخبز. ١١ - (ومنها): جواز الصلاة بعد أكل اللحم والخبز بدون المضمضة، لقوله: "ثم صلّى، ولم يمسّ ماء"، بل في رواية أحمد: "ثم نَهَضَ رسول الله ﷺ بمن معه إلى الصلاة، وما مَسَّ، ولا أحد ممن كان معه ماءً، ثم صلى بهم". ١٢ - (ومنها): استحباب المضمضة بعد شرب اللبن؛ إزالةً لدَسَمِه، فقد قال ﷺ : "إن له دَسَمًا"، وكذلك كلّ ما له رائحة كريهة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوضوء مما مسّت النار:

стр. 4676

قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَفَ أصحاب رسول الله ﷺ ، ومَن بَعْدَهم في الوضوء مما مست النار: فمِمَّن رُوِي عنه أنه توضأ أو أمر بالوضوء منه: عبد الله بن عمر، وأبو طلحة، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وأبو عَزّة رجل يقال: إن له صحبة. قال: وقد رُوي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز، وأبي مِجْلَز، وأبي قِلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن البصريّ، وأبي مَيْسَرة، والزهريّ. قال: ومن حجة بعض من قال هذا القول الأخبار الثابتة عن نبيّ الله ﷺ أنه أمر بالوضوء منه. قال: وممن رَوَى عن النبيّ ﷺ أنه أمره بالوضوء مما مست النار: زيد بن ثابت، وأبو طلحة، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو موسى الأشعريّ، وسهل بن الحنظلية، وسَلَمة بن وَقْش، وأم سلمة، وابن عمر، وعائشة، وأم حبيبة. قال: وأسقطت طائفة الوضوء مما مست النار، فمِمَّن كان لا يرى الوضوء مما مست النار: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة الباهليّ، وأُبَيّ بن كعب. ثم أخرج بسنده عن أيوب السختيانيّ، أنه قال: إذا بلغك اختلاف عن أصحاب النبيّ ﷺ ، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر، فشُدّ يدك به، فهو الحقّ، وهو السنة. ثم أخرج عن يحيى بن آدم، كان يقول: ليس يُحتاج مع قول رسول الله ﷺ أيُّ قول آخر، وإنما كان يقال: عَمِلَ النبيُّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر؛ لِيُعْلَم أن النبيّ ﷺ مات عليه. قال: وهذا قول مالك بن أنس فيمن تَبِعَه من أهل المدينة، وسفيان الثوريّ، فيمن وافقه من أهل العراق، وبه قال الأوزاعيّ وأصحابه، وكذلك قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء، مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصّةً، وسيأتي ذكرُ اختلافهم فيه - إن شاء الله تعالى -.

стр. 4677

قال: وقد احتَجَّ بعض من لا يرى الوضوء مما مست النار بأخبار ثابتة، عن رسول الله ﷺ على ذلك، ثم أخرج بأسانيده حديث: "أكل النبيّ ﷺ كتف شاة، ثم صلّى، ولم يتوضّأ". ثم أخرج حديث جابر ﵁ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسّت النار"، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والنسائيّ. قال: وقال بعضهم: والدليل على أن الرخصة هي الناسخة اتفاقُ الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃ في ترك الوضوء، وقد ثبت أن نبي الله ﷺ قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، ولا يجوز أن يَسْقُط عنهم جميعًا علمُ ما يحتاجون إليه في الليل والنهار؛ إذ مما لا بد للناس منه الأكل والشرب، ولو كان الأكل حَدَثًا، ينقض الطهارة، ويوجب الوضوء، لم يَخْفَ ذلك عليهم، ولم يذهب معرفة ذلك عليهم، وغيرُ جائز أن يَجْهَلوا ذلك. فإذا تطهر المرء، فهو على طهارته، إلا أن يَدُلَّ كتابٌ، أو سنةٌ لا معارضَ لها، أو إجماعٌ على أن طهارته قد انتقضت. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: ذكر مسلم ﵀ في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عقّبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار، فكأنه يشير إلى أن الأمر بالوضوء منسوخ، وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة، ثم يُعَقِّبونها بالناسخ، ثم ذكر اختلاف العلماء نحو ما تقدّم، وأدلّتهم، ثم قال: وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين: [أحدهما]: أنه منسوخ بحديث جابر ﵁ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار"، وهو حديث صحيحٌ، رواه أبو

стр. 4678

داود، والنسائيّ، وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة. [والجواب الثاني]: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو أيضًا نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح كون الأمر بالوضوء مما مسّت النار منسوخًا بما سبق من الأدلّة؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عَرْقًا، أَوْ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٢ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرشيّ مولى آل الزبير، أبو نُعيم المدنيّ المعلِّم، ثقةٌ، من كبار [٤]. رَوَى عن أسماء بنت أبي بكر، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وجابر، وأنس، وعمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد، وأبي سعيد الخدري، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. ورَوَى عنه هشام بن عروة، وأيوب، وعبيد الله بن عمر، وعبد الحميد بن جعفر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، والوليد بن كثير، وعبد العزيز بن الماجشون، وآخرون.

стр. 4679

قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ، ثقةٌ، وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: لم يكن له فتوى، وكان مُحَدّثًا ثقةً، توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وقال عمرو بن عليّ، والترمذيّ: مات سنة تسع، والأول أكثر وأشهر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٤)، وحديث (٧١٥): "الآن حين قدِمتَ؟ … "، وأعاده بعده، و (١٩٣٥): "بعثنا النبيّ ﷺ ، ونحن ثلاثمائة … "، وأعاده بعده، و (٢٠٢٢): "سمِّ الله، وكل بيمينك … "، وأعاده بعده، و (٢٩٨٤): "بينا رجلٌ بفلاة من الأرض … ". ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءِ) بن عيّاش بن علقمة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ العامريّ، أبو عبد الله القرشيّ المدنيّ، وقيل: إنه من مواليهم، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي حميد الساعديّ في عشرة من الصحابة، منهم أبو قتادة الأنصاريّ، وعن ابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، وربيعة بن كعب الأسلميّ، وزينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، ومالك بن أوس بن الْحَدَثَان، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو الزناد، ووهب بن كيسان، وموسى بن عقبة، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن الهاد، وابن عَجْلان، وابن إسحاق، والوليد بن كثير، وغيرهم. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، وكان امرءًا صدوقًا، وقال ابن سعد: كانت له هيئةُ مروءةٍ، وكان ثقةً، وله أحاديث، وتُوُفّي بالمدينة في خلافة الوليد بن يزيد، وقال ابن حبّان: توفي في ولاية هشام. كذا قال في ثقات التابعين، قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بأنه مات في آخر خلافة هشام، وأول خلافة الوليد، وزاد ابن حبان: وله ثلاث وثمانون سنة، وقال غيره: وله تسعون سنة.

стр. 4680

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا برقم (٣٥٤)، و (٣٥٩): "جمع عليه ثيابه، ثم خرج … "، و (١٦٠٥): "لا يحتكر إلا خاطئ"، و (٢١٤٢): "كان اسمي برّة، فسماني رسول الله ﷺ زينب … "، وأعاده بعده، و (٢٥٧٣): "ما يُصيب المؤمن من وَصَب، ولا نَصَب … ". ٤ - (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو الفضل المدنيّ، أمه زُرْعة بنت مِشْرَح بن مَعْدي كَرِب الكنديّ، ثقةٌ عابدٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمرو، وعبد الله بن جبير، وعبد الملك بن مروان بن الحكم. وروى عنه أولاده: محمد، وعيسى، وعبد الصمد، وسليمان، وداود، والمنهال بن عمرو، وسعد بن إبراهيم، والزهريّ، وحبيب بن أبي ثابت، وأبان بن صالح، وعبد الله بن طاوس، ومنصور بن المعتمر، وآخرون. قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة: وُلد ليلة قتل عليّ في شهر رمضان سنة (٤٠)، فسُمي باسمه، وكُني بكنيته، ثم غَيَّر عبد الملك بن مروان كنيته، وكان ثقة، قليل الحديث، وقال في موضع آخر: كان أصغر ولد أبيه سنًّا، وكان من أجمل قريش على وجه الأرض، كان يخضب بالوَسْمة، وكان يُدعَى السّجّاد؛ لكثرة صلاته، وقال مصعب الزبيريّ: سمعت رجلًا من أهل العلم يقول: إنما كان سبب عبادته أنه رأى عبد الرحمن بن أبان بن عثمان وعبادته، فقال: لأنا أولى بهذا منه، وأقرب إلى رسول الله ﷺ رَحِمًا، فتجرد للعبادة، وقال ضمرة بن ربيعة: حدثني عليّ بن أبي حَملة: قال: كان علي بن عبد الله يسجد كل يوم ألف سجدة (١)، وقال ميمون بن زياد العدويّ عن أبي سنان: كان علي بن عبد الله معنا بالشام، وكان يخضب بالوَسْمة، وكان يصلي كل يوم ألف ركعة، وقال العجليّ، وأبو زرعة: ثقة، وقال عمرو بن عليّ: كان

стр. 4681

من خيار الناس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن المدينيّ وغيره: مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال ابن معين وغير واحد: سنة ثمان عشرة، وعن خليفة مثله، وقيل: سنة (١١٤)، وقال أبو حسان الزياديّ: تُوُفّي بالبلقاء من أرض الشام، في الْحُمَيمة سنة (١٩) ويقال: ثمان عشرة، وحَكَى ابن حبان هذه الأقوال في وفاته، وجَزَم بما عليه الأكثر أنها سنة (١١٨)، وقد حَكَى المبرد وغيره أنه لَمّا وُلد جاء به أبوه إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: ما سميته؟، فقال: أوَ يجوز لي أن أسميه قبلك؟ فقال: قد سميتُهُ باسمي، وكنيته بكنيتي، وهو أبو الأملاك، وذكر بعد ذلك تَغيير عبد الملك لكنيته، والله تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٤)، وحديث (٣٥٥)، وحديث (٧٦٣): "اللهم اجعل في قلبي نورًا … ". ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ) بن عبد الله بن عبّاس الهاشميّ (١)، أمه العالية بنت عبيد الله بن عباس، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن جدّه، يقال: مرسل، وأبيه، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد ابن الحنفية، وعمر بن عبد العزيز، وطائفة. وروى عنه ابناه: السَّفّاح، وأبو جعفر المنصور، وأخوه عيسى بن عليّ، وحبيب بن أبي ثابت، وعُقيل بن خالد، وهشام بن عروة، ويزيد بن أبي زياد، والحكم بن مصعب، وعبد الله بن المؤمل المخزوميّ، وعبد الله بن سليمان الْمَوْصِليّ، وغيرهم. قال ابن سعد: كان أبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية أوصى إليه، ودفع إليه كتبه، وقال له: هذا الأمر في ولدك، وقال أبو هاشم: لا أعلم أحدًا أعلم منه، ولا خيرًا منه، قال: وكان أبو هاشم عالِمًا قد قرأ الكُتُب، وقال ابن الكلبيّ: كان من أجمل الناس، وكان أول من نَطَق

стр. 4682

بالدعوة العباسية، ومات سنة أربع وعشرين ومائة، وقد انتشرت دعوته وكثرت شيعته، وبلغ من السنّ نيّفًا وستين سنة، وأوصى إلى ابنه إبراهيم، وقال ابن سعد: مات سنة خمس وعشرين ومائة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رَوَى عن ابن عباس، وقال مصعب: كان ثقةً ثبتًا مشهورًا، وقال مسلم في "كتاب التمييز": لا يُعْلَم له سماعٌ من جدّه، ولا أنه لقيه، والله تعالى أعلم. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٥٤)، وحديث (٧٦٣): "اللهم اجعل في قلبي نورًا … ". والباقون تقدّموا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة أسانيد، فرّقها بالتحويل من عند هشام بن عروة، فأصل الإسناد واحد، وإنما تفرعّ من عند هشام، فهو: عن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عبّاس ﵄، ثم قال هشام: وحدّثني الزهريّ عن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، عن ابن عبّاس ﵄، ثم قال هشام أيضًا: وحدّثني محمد بن عليّ، عن أبيه، عن ابن عبّاس ﵄. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: هشام، عن وهب، عن محمد بن عمرو، وهشام، عن الزهريّ، عن عليّ بن عبد الله، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَكَلَ عَرْقًا) بفتح العين المهملة، وإسكان الراء: هو العظم، عليه قليل من اللحم. وقوله: (أَوْ لَحْمًا) "أو" هنا للشكّ من الراوي. وقوله: (وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً) من عطف العامّ على الخاصّ؛ أي لم يمسّ ماء الوضوء الشرعيّ، ولا الوضوء اللغويّ، بأن يغسل فمه ويديه؛ طلبًا للنظافة، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4683

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩٨] (٣٥٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيّ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ، يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٧. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ) المدنيّ، أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، ووحشيّ بن حرب، وأنس. وروى عنه أبو سلمة، وأبو قِلابة، وسليمان بن يسار، وأخوه الزِّبْرِقان، وابن أخيه الزبرقان بن عبد الله بن عمرو، وابن أخيه يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن عمرو، والزهريّ، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وغيرهم. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، قال الواقديّ: مات في خلافة الوليد، وقال خليفة: مات سنة خمس، أو ست وتسعين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٤ - (أَبُوهُ) هو: عمرو بن أمية بن خُويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشرة بن كعب بن جُدَي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، أبو أمية الضَّمْريّ. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: جعفر، وعبد الله، والفضل، وابن أخيه الزِّبْرِقان، والشعبيّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو قلابة الجرْميّ، وأبو مهاجر.

стр. 4684

قال ابن سعد: أسلم حين انصرَفَ المشركون عن أُحُد، وكان شجاعًا له إقدام، وهو الذي رَوَى عنه أبو قلابة الجرْميّ، عن أبي أمية، قال محمد بن عمر: فكان أول مشهد شَهِده عمرو بن أمية مسلمًا بئر مَعُونة، فأسرته بنو عامر يومئذ، فَجَزّ عامر بن الطُّفيل ناصيته، وأطلقه، ومات بالمدينة في خلافة معاوية ﵁، وذكر أبو نعيم أنه مات قبل الستين، قال: وقد بعثه رسول الله ﷺ عينًا وحده، فحَمَل خُبيبًا من خشبته، وقال ابن سعد: وبعثه رسول الله ﷺ إلى النجاشيّ في زِوَاج أم حبيبة ﵂، وقال ابن عبد البرّ: كان من رجال العرب نَجْدةً وجُرْأةً، وكان رسول الله ﷺ يبعثه في أموره. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. والزهريّ تقدّم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه (١)، هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وليس له فيه إلا هذا الحديث، وكذا ليس له في البخاريّ إلا حديثان فقط؛ هذا، وحديث في المسح، بل هو من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا نحو عشرة أحاديث فقط، راجع "تحفة الأشراف" (٧/ ٣٢٧ - ٣٣٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ) بفتح الضاد المعجمة، وسكون الميم: نسبة إلى جدّه، وفي رواية البخاريّ: "عن ابن شهاب، قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن أميّة، أن أباه أخبره … " (عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ) - بالحاء المهملة والزاي -: أي يقطع (مِنْ كَتِفٍ) وفي الرواية التالية:

стр. 4685

"يحتزّ من كتِف شاة"، وفيه جواز قطع اللحم بالسكّين إذا احتيج إليه؛ لصلابة اللحم، أو كبر القطعة، قيل: ويُكره ذلك من غير حاجة (١)، وفيه نظر، والله تعالى أعلم. (يَأْكُلُ مِنْهَا)، وفي رواية البخاريّ في: "الصلاة" من طريق صالح، عن الزهريّ: "يأكل ذراعًا يَحْتَزّ منها". (ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ") فيه أن الوضوء من أكل ما مسّت النار ليس بواجب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن أميّة الضمريّ ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٧٩٨ و ٧٩٩ و ٨٠٠] (٣٥٥)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢٠٨)، و"الأذان" (٦٧٥)، و"الجهاد" (٢٩٢٣)، و"الأطعمة" (٥٤٠٨ و ٥٤٢٢ و ٥٤٦٢)، و (الترمذيّ) في "الأطعمة" (١٨٣٦)، و (عبد الرزاق) في "المصنّف" (٦٣٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٣٩ و ١٧٩ و ٥/ ٢٧٨ و ٢٨٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٤١ و ١١٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٣ و ١٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٦ و ٧٨٧)، وبقيّة المسائل ستأتي آخر الباب - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩٩] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيّ، عَنْ

стр. 4686

أَبِيه، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا (١)، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاة، فَقَامَ، وَطَرَحَ السِّكِّينَ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التُّسْتَريّ، صدوقٌ تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ) ببناء الفعل للمفعول، وقد بَيَّن النسائي من حديث أم سلمة ﵂ أن الذي دعاه إلى الصلاة هو بلال ﵁. وقوله: (وَطَرَحَ السِّكِّينَ) أي رماه، و"السّكين" فيه لغتان: التذكير، والتأنيث، يقال: سكّين جيّدٌ، وجيّدةٌ، وسُمّيت سكّينًا؛ لتسكينها حركة المذبوح (٢). وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهريّ: "فألقاها، والسكّين"، وفي رواية ابن حبّان من طريق الفضل بن عمرو بن أمية الضمريّ، عن عمرو بن أميّة: "أنه رأى رسول الله ﷺ يَحتزّ من عَرْقٍ يأكلُ، فأتى المؤذِّن بالصلاة، فألقى الْعَرْقَ والسكّين من يده، ولم يتوضّأ"، وفي لفظ: "وصلّى، ولم يتوضّأ" (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 4687

[٨٠٠] ( … ) - (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ) قال الجامع عفا الله عنه: هذا موصول بالسند المذكور قبله، وليس معلّقًا، وهو الحديث الذي تقدّم في رواية هشام بن عروة، عن الزهريّ قبل حديث، فتفطّن، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠١] (٣٥٦) - (قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجّ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"). قال الجامع عفا الله عنه: هذا أيضًا موصول بالسند الماضي. ورجاله: أربعة: ١ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] (ت ١٢٠) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٢ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨. ٣ - (مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) بنت الحارث الهلاليّة، تزوّجها ﷺ بسرف سنة سبع، وماتت بها سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧. وعمرو: هو ابن الحارث المذكور قبله، والحديث مضى شرحه، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): حديث ميمونة ﵂ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٨٠١ و ٨٠٢] (٣٥٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (٢١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 4688

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٢] ( … ) - قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَشَجّ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أيضًا موصول بالسند الماضي، وليس معلّقًا، والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تخريجه قبله، وكذلك رجاله هم المذكورون قبله، غير: ١ - (يَعْقُوبَ بْنِ الْأَشَجِّ) هو: يعقوب بن عبد الله بن الأشجّ، مولى بني مخزوم، ويقال: مولى الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، ويقال: مولى أشجع، أبو يوسف المدنيّ، وهو أخو بُكير المذكور في السند الماضي، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وبشر بن سعيد، والقعقاع بن حكيم، وكريب مولى ابن عباس، وأبي صالح السمان، وغيرهم. ورَوَى عنه جعفر بن ربيعة، والحارث بن يعقوب، ويزيد بن أبي حبيب، وابن عجلان، وابن إسحاق، والليث بن سعد، وآخرون. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: قُتِل في البحر شهيدًا سنة اثنتين وعشرين ومائة، في آخر خلافة هشام، وقد رُوِيَ عنه، وكان ثقة، وله أحاديث، وكذا قال غير واحد في تاريخ وفاته، وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ نزل مصر، وقال يحيى بن بكير: كان بالمدينة ثلاثةُ إخوة، بنو الأشج، لا يُدرَى أيهم أفضل: يعقوب، وعُمَر، وبُكير، وقال عيسى بن دينار: سمعت ابن القاسم يقول: بلغني عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، وكان من خيار هذه الأمة، فذكر قصة، قال: ولقد سمعت مالكًا وغيره أن يعقوب قال في غَزَاته التي قُتل فيها: إني رأيت أني دخلت الجنة، فسُقِيتُ فيها لبنًا، قال: فاستقاء، فقاء اللبن، قال أبو القاسم: وكان في البحر بموضع لا لبن فيه. أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، والترمذيّ،

стр. 4689

والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٦)، وحديث (٢٧٠٨): "من نزل منزلًا، ثم قال: أعوذ بكلمات الله … "، وأعاده بعده، و (٢٧٠٩): "لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله … ". [تنبيه]: رواية يعقوب هذه مثل رواية بكير السابقة، ليس فيها ذكر ابن عبّاس بين عكرمة، وميمونة، هكذا نسخ "صحيح مسلم" التي بين أيدينا، وذكر الحافظ أبو الحجاج المزيّ في "تحفة الأشراف"، ما نصّه: ذكر خَلَف حديث أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير، عن كُريب مولى ابن عبّاس، عن ميمونة في ترجمة ابن عبّاس، عن ميمونة، كما وقع في بعض النسخ من "صحيح مسلم": عن كريب، عن ابن عباس بدل مولى ابن عباس، عن ميمونة ولم يذكره في هذه الترجمة، وهو وَهَمٌ لا شك فيه، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذه النسخة التي أشار إليها المزيّ ﵀ لم أرها فيما بين يديّ من نسخ "صحيح مسلم"، ولكن ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه"، فقال - بعد إخراج حديث عمرو بن أميّة من طريق حرملة، وابن وهب كلاهما عن عمرو بن الحارث بسند المصنّف -: قال عمرو: وحدّثني بُكير بن الأشجّ، عن كُريب مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس، عن ميمونة، زوج النبي ﷺ : "أنّ رسول الله ﷺ أكل عندها كَتِفًا، ثم صلّى، ولم يتوضّأ (١) ". قال عمرو: وحدّثني جعفر بن ربيعة، عن بُكير (٢) بن الأشجّ، عن كُريب، عن ميمونة، زوج النبيّ ﷺ بذلك. انتهى (٣). وقد أورده البيهقيّ ﵀ أيضًا في "الكبرى" هكذا بذكر ابن عبّاس، ثم قال: رواه مسلم في "الصحيح" عن أحمد بن عيسى، إلا أنه قال في حديث جعفر بن ربيعة: عن يعقوب، عن كريب، عن ميمونة، وهو الصحيح، وذكرُ ابن عبّاس فيه زيادة وهم. انتهى (٤).

стр. 4690

فتبيّن بهذا أن ما وقع في نسخ "صحيح مسلم" بعدم ذكر ابن عبّاس هو الصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٣] (٣٥٧) - (قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: "أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَطْنَ الشَّاة، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أيضًا موصول بالسند الماضي، وليس معلّقًا، فتنبّه. ورجاله: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، وقيل: مدنيّ الأصل، صدوقٌ [٦] (ت بعد ١٣٠)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ) لقبه عَبّاد، مولى بني هاشم، لا بأس به (١) [٦]. رَوَى عن أبيه، وجدّه، وأبي غَطَفان بن طَرِيف الْمُرّيّ، وروى عنه سعيد بن أبي هلال، وعمرو بن أبي عمرو، ومحمد بن عجلان، ذكره ابن حبان في "الثقات". قال الحافظ ﵀: في روايته عن جدّه نظر، ذكر البخاريّ أن الدراورديّ لم يضبطه، ولهذا ذكره ابن حبان في أتباع التابعين. انتهى (٢). تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا. الحديث فقط.

стр. 4691

٣ - (أَبُو غَطَفَانَ) - بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة - ابن طَرِيف، ويقال: ابن مالك الْمُرّيّ - بالراء - المدنيّ، قيل: اسمه سعد، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يُعرف اسمه، قال: ويقال في كنيته أيضًا: أبو مالك، ثقةٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، طَرِيف بن مالك، وسعيد بن زيد بن عمرو، وأبي رافع، مولى النبيّ ﷺ ، وأبي هريرة، وابن عباس. ورَوَى عنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقارظ بن شيبة الزهريّ، وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، وإسماعيل بن أمية، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لَزِم عثمان، وكَتَبَ له، وكتب أيضًا لمروان، وقال النسائيّ في "الْكُنَى": أبو غَطَفان ثقة، قيل: اسمه سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو غطفان ثقة، وقال الدُّوريّ، عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول. قال الجامع عفا الله عنه: هذا فيه نظر لا يخفى، بل هو مشهور، فقد كان كاتبًا لعثمان ملازمًا له، وروى عنه جماعة، ووثّقه من هو أعلم وأدرى من أبي بكر بن داود، كما سلف آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفرَّق البزار بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن ابن عباس، جعلهما اثنين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٧)، وحديث (١١٣٤): "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا … "، و (٢٠٢٦): "لا يشربنّ أحد منكم قائمًا … ". ٤ - (أَبُو رَافِعٍ) الْقِبطيّ، مولى النبيّ ﷺ ، واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، الصحابيّ ﵁، مات في أول خلافة عليّ ﵁ (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٧.

стр. 4692

وعمرو: هو ابن الحارث المتقدّم. وقوله: ("أَشْهَدُ) هي في معنى القسم، وجوابه قوله: "لَكُنْتُ … إلخ"، ورواه أبو عوانة بلفظ: "لقد كنت أشوي … إلخ"، وهو الذي وقع في "المشكاة"، وعزاه إلى "مسلم"، ولم أره في نسخ مسلم التي عندي، وقال الطيبيّ في "شرحه": قوله: "أشهد" فيه معنى القسم، ولهذا دخلت اللام على "قد" جوابًا له، أي والله لقد كنت أشوي، وفيه دلالة على إثبات هذه الدعوى عند الخلاف فيها بين الصحابة، وإنما ضمّن الشهادة معنى القسم؛ لأن الشهادة إخبار عن مواطأة القلب للسان، واعتقاد ثبوت المدّعَى. انتهى (١). وقوله: (أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) - بفتح أوله - مضارع شَوَى، كرمى يرمي، ويجوز أيضًا بضمّه مضارع أَشْوَى. قال في "المصباح": شَوَيتُ اللحمَ أَشويه شَيًّا، فانشَوَى، مثلُ كسرته، فانكسر، وهو مَشْويّ، وأصله مفعولٌ، وأشويته بالألف لغةٌ، واشتويته على افتعلتُ مثلُ شَوَيْتُهُ، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فاشتوى على افتعل، فإن الافتعال فعلُ الفاعل. انتهى (٢). وقوله: (بَطْنَ الشَّاةِ ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) المراد ببطن الشاة: الكبد، وما معه من حشوها، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: أشوي بطن الشاة، فيأكل منه، ثم يصلّي، ولا يتوضّأ (٣). وفي ابن حبّان في "صحيحه" (١١٤٩): "عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: أُهديت لرسول الله ﷺ شاةٌ، فشُوي له بطنها، فأكل منها، ثم قام يصلّي، ولم يتوضّأ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي رافع ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 4693

[فإن قلت]: في سنده عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، لم يوثّقه غير ابن حبّان، وقال عنه في "التقريب": مقبول، وإن كان غير مقبول، كما تقدّم في ترجمته، فكيف أخرجه المصنّف هنا؟. [قلت]: عبد الله بن عبيد الله قد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، ولم يجرحه أحد، ولم ينفرد بهذه الرواية، فقد أخرج الحديث ابن حبّان في "صحيحه" (١١٤٩) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن شُرحبيل بن سعد الأنصاريّ، عن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (١/ ٤٨) من طريق آخر؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الحيض" [٢٣/ ٨٠٣] (٣٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١١٤٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٧٥١ و ٧٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٨٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٠٤] (٣٥٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ (١)، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْث) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عُقَيْل) بن خالد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.

стр. 4694

٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في الباب. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]، (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ المذكور في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة: الشيخان، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، عن شيخ واحد، وهو قتيبة (١). ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا إلا أنه دخل مصر، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وأن ابن عبّاس ﵄ أحد المكثرين السبعة، وقد تقدّموا كلهم غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ("أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا) بفتحتين، قال في "اللسان": اللبن: خُلاصة الجسد، ومُستخلصه من بين الفرث والدم، وهو كالْعَرَق يجري في العُرُوق، والجمع أَلبان، والطائفة القليلة لَبَنَةٌ. انتهى (٢). (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ) وفي نسخة: "فمضمض"، يقال: مضمضتُ الماءَ في فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمضتُ بالماء: إذا فعلتَ ذلك، قال الفارابيّ: المضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. انتهى (٣).

стр. 4695

وفي رواية ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعيّ … فذكره بصيغة الأمر: "مَضْمِضُوا من اللبن، فإن له دَسَمًا"، وكذا رواه الطبريّ من طريق أخرى، عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد مثله، وإسناد كل منهما حسن. وهذا الأمر بالمضمضة للاستحباب، لا للوجوب بدليل ما رواه الشافعيّ عن ابن عباس ﵄ راوي الحديث، أنه شَرِبَ لبنًا، فمضمض، ثم قال: لو لم أتمضمض ما باليت، وأخرج أبو داود بإسناد حسن، عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ شَرِب لبنًا، فلم يتمضمض، ولم يتوضأ". قال الحافظ ﵀: وأغرب ابن شاهين، فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس، ولم يذكر مَن قال فيه بالوجوب، حتى يحتاج إلى دعوى النسخ. انتهى. (وَقَالَ) ﷺ مبيّنًا سبب المضمضة (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول (لَهُ دَسَمًا") منصوب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، و"الدَّسَمُ" بفتحتين: الشيء يظهر على اللبن من الدهن، وقال الزمخشريّ: هو من دسم المطر الأرضَ: إذا لم يبلُغ أن يبلّ الثرى، والدُّسْمُ بضمّ الدال، وسكون السين: الشيء القليل. انتهى (١). وقال المجد ﵀: "الدَّسَمُ محرّكةً: الْوَدَكُ، والْوَضَرُ، والدنَسُ. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: دَسِمَ الطعام دَسَمًا، من باب تَعِبَ، فهو دَسِمٌ، والدَّسَمُ: الْوَدَكُ من لحم وشَحْم، ودسَّمتُ اللُّقْمة تدسيمًا: إذا لطّختها. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: إنما أورد المصنّف ﵀ هذا الحديث في هذا الباب، وإن لم يكن اللبن مما مسته النار إشارةً إلى أن سبب الأمر بالوضوء مما مسّته النار هو الدسم الذي فيه، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →