واحتجّ الجمهور بحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فَرَض الله على أمتي خمسين صلاة … " فذكر الحديث إلى أن قال: "فرجعتُ إلى ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ"، مُتَّفَقٌ عليه.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات، افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهنّ، لم يَنقُص منهن شيئًا؛ استخفافًا بهنّ، فان الله جاعل له يوم القيامة عهدًا أن يدخله الجنة، ومن جاء بهنّ، وقد نقص منهن شيئًا، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له"، حديث صحيح، رواه أبو داود، وغيره.
وعن طلحة بن عبيد الله، أن أعرابيًّا أتى إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله ماذا فَرَض الله عليّ من الصلاة، قال: "خمس صلوات"، قال: فهل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع شيئًا … " الحديث، متّفقٌ عليه.
والحاصل أن الحقّ أنه لا واجب من الصلوات إلا الخمس المكتوبات، إلا أن يكون بسبب؛ كالنذر، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في "كتاب الإيمان"، مستوفًى، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال القاضي عياض ﵀ بعد ذكر ما تقدّم من الاختلاف في اشتقاق الصلاة - ما نصّه:
ثم تشعّبت مذاهب المتكلّمين والنظّار من الفقهاء في هذه الأسماء المستعملة في الشرعيّات؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وشبهها، هل هي منقولة عن موضوعها في اللغة رأسًا؟، وهذا بعيدٌ، ومؤدٍّ إلى أن العرب خُوطبت، وأُمرت بغير لغتها.
أو هي مبقاةٌ على مقتضاها في أصل اللغة، فالصلاة الدعاء، والصيام الإمساك، والحجّ القصد، وهكذا في سائرها، وهو المراد بها، والمفهوم منها، وغير ذلك مما أُضيف إليها من أقوال، وأفعال، غير داخل تحت الاسم، وهو مذهب القاضي أبي بكر.
أو هي واقعةٌ على أصول مسمّياتها، ثم أُطلق على ما انضاف إليها بحكم الاشتمال، أو الاستعارة لمشابهة معناها، وهو مذهب الأشياخ والمحقّقين من
стр. 4902
متكلّمي أهل السنّة، وغيرهم من الفقهاء، وقد أطال المصنّفون في الأصول الكلام في هذا الباب، ومَدُّوا أطنابه، ومخالفة الجماهير من الموافقين والمخالفين جُرْأةٌ تامّةٌ، وجَسَارةٌ، وقولُ المرء لقول قيل يعتقد الصواب في خلافه غير بيّن وخسارة (١)، فالحقّ أحقّ أن يتّبع، لا سيّما بخلاف ليس في قاعدة دين، ومقالة تلوح بالحقّ اليقين، ولا تخرج عن مراد مشايخنا المحقّقين، وذلك أنه متى أُعطيت هذه الألفاظ من البحث حقّها وُجدت عند المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصة، وعبارات مقرّرة إلا ما غيَّر الشرع فيها من بِدَع الجاهليّة، أو نَسَخ من شرائع مَن تقدّم من الكتابيّة (٢)، لكن لا يبعُد أن أصل استعمال العرب لها في جاهليّتهم قبل ورود الشريعة كان على ما أشار إليه الأشياخ، إما من إيقاعها على المعنى الحقيقيّ في اللغة دون اعتبار المزيد فيها، على مذهب القاضي أبي بكر، أو على الجميع بحكم تشابه المعنى والاستعارة على ما ذهب إليه غيره، ثم استُعير استعمالهم لهذه الألفاظ عرفًا على جميع العبادات، فصارت كاللغة الصحيحة، والتسمية الموضوعة، فجاءهم الشرع، واستعمالُهم لها مفهوم عند جميعهم، فقد حقّقنا قطعًا بمطالعة السير، ومدارسة الأثر، واستقراء كلام العرب، وأشعارها أن الصلاة كانت عندهم معلومةً على هيئتها عندنا من أفعال، وأقوال ودعاء وخضوع وسجود وركوع، وقد تنصّر كثيرٌ منهم، وتهوّد، وتمجّس، وتقرّبوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل الديانات، وداخلوا أهل الملل، ووفَدَ أشرافهم على ملوكهم، وأَلِفَت قريش رحلةَ الشتاء والصيف إلى بلادهم، وثاقبوا ربّانيّيهم وأحبارهم، وشاهدوا رهبانيّتهم وشرائعهم، وثابر كثير منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم، وعرَفُوا السجود والركوع والصوم والحجّ والعمرة والاعتكاف، وحَجُّوا كلَّ عام، واعتمروا، واعتَكفوا، وحضُّوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، وفي
стр. 4903
الحديث: "كان عاشوراء يومًا تصومه الجاهليّة … " الحديث، متّفقٌ عليه، وقال عمر ﵁: "نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام … " الحديث، متّفقٌ عليه، وفي إسلام أبي ذرّ ﵁، وأنه صلّى قبل المبعث بثلاث سنين مع صواحبه، وأنه كان يتوجّه عشاء حيث يوجّهه الله.
ومن طالع أخبارهم، ودرس أشعارهم، عَلِمَ ذلك منهم ضرورةً، فجاء الشرع بالأمر بهذه العبادات، وهي عندهم معلومة، مفهوم المراد منها، من أن الصوم إمساك مخصوصٌ عن أفعال مخصوصة بالنهار دون الليل، والاعتكاف لزوم التعبّد والتبرّر بمكان مخصوص، والحجّ قصدٌ مخصوصٌ لبيت الله الحرام، يشتمل على وقوف بعرفة، وطواف بالبيت، ودعاء، وذكر، وتبرّر، وأن الصدقة بذلُ المال للمحتاج، ثم سُمّيت زكاةً؛ لما فيها من زكاة المال ونمائه، أو زكاة صاحبه وتطهيره، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن لم توجد تسمية الزكاة الشرعيّة قبلُ معروفةً، فالصدقة معروفةٌ، وقد قال الأعشى:
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ (١) وَنَائِلُ
ومع هذا التقرير، فلا مجال للخلاف مع الإنصاف، وقد طالعت بهذا الرأي أهل التحقيق من شيوخي، فما رأيت منهم مُنصفًا ردّه.
ثم اختلف الأصوليّون، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم في ورود هذه الألفاظ الشرعيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فقيل: هي مجملةٌ تحتاج إلى بيان، وقيل: هي عامّة تُحمَل على العموم، إلا ما خَصّ منها الدليل، وقيل: تُحمل على أصل ما يتناوله اللفظ، واستقصاء هذا في علم الأصول. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وخلاصته أن الألفاظ الشرعيّة من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ،
стр. 4904
ونحوها على وفق معانيها اللغويّة، وليست من باب النقل، ولا المجاز، وإنما هي معلومة للعرب في جاهليّتهم، فخاطبهم الشرع بما يعرفونه، غير أنه أضاف لهم من الشروط، والأركان والمندوبات بعض ما كانوا يُخلّون به، ونقص منها ما كانوا يفعلونه من الأفعال المنافية للشرع؛ كالشركيّات، والبدع، والخرافات، فهذّب لهم التوحيد، والعبادات الخالصة لله تعالى.
والحاصل أن ما ادّعاه كثيرون من أن الألفاظ الشرعيّة منقولة من اللغويّة، أو مجاز واستعارة، أو نحو ذلك ادّعاء لا ينبني على التحقيق، بل مجرّد تخمينات وظنون، فلا ينبغي الاشتغال بالبحث فيه، والتعمّق في إدراكه؛ لأنه مجرّد هذيان، والله تعالى المستعان.
وأما الخلاف في ورود الأوامر بالألفاظ الشرعيّة، هل هي مجملة … إلخ، فالحقّ أنها عامّة تُحمل على عمومها حتى يرد دليلٌ يخصّها، ويوضّح هذا عمل الصحابة ﵃، فإنها كانوا إذا سمعوا أمرًا في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله ﷺ ، كانوا يُبادرون إلى العمل به، ولا يبحثون هل له مخصّصات أم لا؟ إلى أن يبيّن لهم النبيّ ﷺ المراد الخاصّ، فيقبلونه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل عديّ بن حاتم ﵁ الخيطين تحت وسادته، فجعل يأكل حتى يتبيّنا له، فبيّن له ﷺ أن ذلك ليس المراد، بل هما بياض النهار وسواد الليل، وكذلك لما نزل قوله ﷺ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] شقّ عليهم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم ﷺ بأن الظلم هنا هو الشرك، وهكذا كانوا يحملون العمومات على ظواهرها إلى أن يأتي مخصّص، وكان النبيّ ﵀ يقرّهم على فهمهم ذلك، ويبيّن لهم مخصصه إن اقتضى المقام ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ)
قال الجامع عفا الله عنه: فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في تعريف "الأذان" لغة وشرعًا:
(اعلم): أن "الأذان" بالفتح اسم من التأذين، قال الفيّوميّ ﵀: وأَذَّن
стр. 4905
المؤذِّنُ بالصلاة: أَعْلَمَ بها، قال ابن بَرِّيّ: وقولهم: أَذَّن العصرَ بالبناء للفاعل خطأٌ، والصواب أُذِّنَ بالعصر، بالبناء للمفعول مع حرف الصّلَة، و"الأذان" اسم منه، والْفَعَالُ بالفتح يأتي اسمًا من فَعَّلَ بالتشديد، مثلُ وَدَّع وَدَاعًا، وسَلَّمَ سَلَامًا، وكَلَّمَ كَلَامًا، وزَوَّجَ زَوَاجًا، وجَهَّزَ جَهَازًا. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": قال أهل اللغة: أصل الأذان الإعلام، والأذان للصلاة معروف، يقال فيه: الأذان، والأَذِين، والتأذين، قاله الهرويّ في "الغريبين". قال: وقال شيخي: الأَذِين: المؤذَّن: الْمُعْلِم بأوقات الصلاة، فَعِيل بمعنى مُفْعِل، قال الأزهريّ: يقال: أَذَّن المؤذن تأذينًا وأَذانًا: أي أعلم الناس بوقت الصلاة، فوُضِع الاسم موضع المصدر، قال: وأصله من الأَذَن، كأنه يُلْقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": "الأذانُ": لغةً الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٣]، واشتقاقه من الأَذَنِ - بفتحتين - وهو الاستماع، وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. انتهى (٣).
وقال ابن قُدامة ﵀: الأذان: إعلام بوقت الصلاة، والأصل في الأذان الإعلام، قال الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلام، و ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أي أعلمتكم، فاستوينا في العلم، وقال الحارث بن حلّزة [من الخفيف]:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ … رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
أي أعلمتنا، والأذان الشرعيّ: هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات للإعلام بوقتها. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): قال القاضي عياض ﵀: (اعلم): أن الأذان كلام جامعٌ لعقيدة الإيمان، مشتملٌ على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله إثبات
стр. 4906
الذات، وما يستحقه من الكمال، والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: "الله أكبر"، وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدِّها من الشركة المستحيلة في حقه ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين، ثم صَرَّح بإثبات النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا ﷺ ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدَّمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد، كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل، ويجوز في حقه ، ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة النبيّ ﷺ ، لا من جهة العقل، ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز، والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة، من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام، ثم كَرَّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دَخَل فيه، وعظمة حق من يعبد، وجزيل ثوابه. هذا آخر كلام القاضي ﵀، وهو من النفائس الجليلة، وبالله تعالى التوفيق (١).
وقال في "الفتح": قال القرطبيّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثَنّى بالتوحيد، ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصةَ عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول ﷺ ، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى الْمَعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا.
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان.
стр. 4907
واختُلِف أيما أفضل: الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن عَلِم من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه.
واختُلِف أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعًا النهي عن ذلك، لكن سنده ضعيف، وصح عن عمر ﵁: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت، رواه سعيد بن منصور وغيره، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحبّ، وصححه النووي. انتهى (١).
وسيأتي تمام البحث فيها في المسائل - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٣] (٣٧٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاق، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) حَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَات، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسٍ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُود، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا، يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١]، (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 4908
٤ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام بن نافع الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل باب.
٦ - (هَارُونُ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةُ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز (٨٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٧ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، أبو محمد المصِّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم المصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بعد دخوله بغداد قبل موته [٨] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٨ - (نَافِعٌ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ) الْعَدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما ابن ماجه، والثالث ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" أي سياق متن الحديث لهارون بن عبد الله، وأما إسحاق، ومحمد بن رافع، فروياه بمعناه.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وأشدّ الناس اتّباعًا للسنّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) أي مهاجرين من مكة (يَجْتَمِعُونَ) أي لأداء الصلاة جماعةً (فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ) بالحاء المهملة: أي يُقدّرون حينها؛ ليأتوا إليها، وهو من
стр. 4909
التحيّن، من باب التفَعُّل الذي وُضِعَ للتكلّف غالبًا، وهو من الْحِين، وهو الوقت والزمن (١). (وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ) ببناء الفعل للفاعل، و"أحدٌ" بالرفع تنازعه "ليس"، و"ينادي"، ويَحْتَمل أن يكون اسم "ليس" مؤخّرًا، وفاعل "ينادي" ضمير يعود إليه؛ لكونه مقدّمًا معنًى، وقيل: إن "ليس" هنا حرف نفي بمعنى "لا"، فلا اسم لها ولا خبر، وقيل: إن اسمها ضمير الشأن، وجملة "يُنادي بها أحد" خبرها.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "ليس يُنادَى بها" بالبناء للمفعول، فقال
ابن مالك ﵀: هذا شاهد على جواز استعمال "ليس" حرفًا، لا اسم لها، ولا خبر لها، أشار إليه سيبويه، ويَحْتَمِلُ أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر لها، قاله في "العمدة" (٢).
(فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ) أي في شأن وقت الصلاة، ثم بيّن الكلام الذي تكلّموا به بقوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا) بكسر الخاء، بصيغة الأمر، قال الحافظ ﵀: لم يقع لي تعيين المتكلّمين في ذلك، واختَصَر الجواب في هذه الرواية، ووقع لابن ماجه من وجه آخر، عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ استشار الناس لِمَا يجمعهم إلى الصلاة، فذكرُوا الْبُوقَ، فكرهه؛ من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه؛ من أجل النصارى".
وفي رواية رَبَاح بن عطاء، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس، عند أبي الشيخ، فقالوا: لو اتّخَذنا ناقوسًا، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك للنصارى"، فقالوا: لو اتّخذنا بُوقًا، فقال: "ذلك لليهود"، فقالوا: لو رفعنا نارًا، فقال: "ذلك للمجوس".
(نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النّصَارَى) الناقوس: خشبةٌ طويلةٌ، تُضرب بخشبة أصغر منها، قاله ابن الأثير ﵀ (٣).
وقال الفيّوميّ ﵀: الناقوس: خشبةٌ طويلة يَضرِبُ بها النصارى إعلامًا للدخول في صلاتهم، ونَقَسَ نَقْسًا، من باب قتل: فَعَلَ ذلك. انتهى (٤).
стр. 4910
وقال ابن منظور: والناقوس: مِضْرابُ النصارى الذي يضربونه لأوقات الصلاة، قال جرير [من البسيط]:
لَمَّا تَذَكَّرْتُ بِالدَّيْرَيْنِ أَرَّقَنِي … صَوْتُ الدَّجَاجِ وَقَرْعٌ بِالنَّوَاقِيسِ
وذلك أنه كان مُزْمِعًا سفرًا صبَاحًا، ويرْوَى: "وَنَقْسٌ بِالنَّوَاقِيسِ"، والنَّقْسُ: الضربُ بالناقوس، والنَّقْسُ: ضَرْبٌ من النواقيس، وهي الْخَشَبة الطويلةُ، والْوَبِيلةُ، والْوَبِيلُ: الخشبة القصيرة. انتهى.
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا) أي بل اتّخِذوا قرنًا (مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ) أي قرنًا يُنفَخ فيه، فيَخرُج منه صوتٌ يكون علامةً لأوقات الصلاة، كما كانت اليهود تفعله، وهذا القرن هو المسمَّى بالبُوق بضم الموحّدة.
ووقع في رواية البخاريّ: وقال بعضهم: "بل بُوقًا مثل قرن اليهود": أي قال بعضهم: اتّخِذوا بُوقًا بضئم الباء الموحّدة، وبعد الواو الساكنة قافٌ، وهو الذي يُنفخ فيه، قال في "الفتح": الْبُوقُ والقَرْن: معروفان، والمراد أن يُنفَخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويُسمَّى أيضًا الشابُور بالشين المعجمة المفتوحة، والموحّدة المضمومة. انتهى (١).
(فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على مقدَّر؛ أي أتقولون بموافقة اليهود والنصارى، ولا تبعثون رجلًا؟ وقال الطيبيّ ﵀: الهمزة إنكار للجملة الأولى؛ أي المقدَّر، وتقريرٌ للجملة الثانية حثًّا وبَعْثًا (يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟) ببناء الفعل للفاعل، والجملة صفة لـ"رجلًا".
قال القاضي عياض ﵀: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعيّ، بل إخبار بحضور وقتها، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي مُحْتَمِلٌ، أو متعينٌ، فقد صحّ في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في سنن أبي داود، والترمذيّ، وغيرهما أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله ﷺ يخبره به، فجاء عمر ﵁، فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ، لقد رأيت مثل الذي رأى … وذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه كان في
стр. 4911
مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أوّلًا، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبيّ ﷺ بعد ذلك؛ إما بوحي، وإما باجتهاده ﷺ على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له ﷺ ، وليس هو عملًا بمجرّد المنام، هذا ما لا يُشَكّ فيه بلا خلاف. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون عبد الله بن زيد لَمّا أخبر برؤياه، وصدّقه النبيّ ﷺ بادر عمر، فقال: "أوَلا تبعثون رجلًا ينادي"، أي يؤذِّن للرؤيا المذكورة، فقال النبيّ ﷺ : "قُم يا بلال"، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: فافترقوا.، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبيّ ﷺ فقَصَّ عليه، فصدَّقه، فقال عمر.
وتعقّبه في "الفتح" بأن سياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لَمّا قَصّ رؤياه على النبيّ ﷺ ، فقال له: "أَلْقِها على بلال، فليؤَذِّن بها"، قال: فسمع عمر الصوتَ، فخرج، فأتى النبيّ ﷺ ، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدلّ على أن عمر لم يكن حاضرًا لَمّا قَصّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة، كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم.
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عُمير بن أنس، عن عمومته من الأنصار، قالوا: اهتَمَّ النبيّ ﷺ للصلاة، كيف يَجمَع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور وقت الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه … الحديث، وفيه ذَكَروا الْقُنْعَ بضم القاف، وسكون النون؛ يعني الْبُوقَ، وذكروا الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مُهْتَمّ، فأُري الأذان، فغدا على رسول الله ﷺ ، قال: وكان عمر رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر به النبيّ ﷺ ، فقال: "ما منعك أن تُخبرنا؟ "، قال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال قم، فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله"، ترجم له أبو داود بدء الأذان.
وقال أبو عمر بن عبد البر: رَوَى قصةَ عبد الله بن زيد جماعة من
стр. 4912
الصحابة بألفاظ مختلفة، ومعانٍ متقاربة، وهي من وجوه حسان، وهذا أحسنها.
قال الحافظ: وهذا لا يخالفه ما تقدم أن عبد الله بن زيد لَمّا قص منامه، فسمع عمر الأذان، فجاء فقال: قد رأيت؛ لأنه يُحْمَل على أنه لم يُخبر بذلك عقب إخبار عبد الله، بل متراخيًا عنه؛ لقوله: "ما منعك أن تخبرنا؟ " أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدَلّ على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضرًا عند قَصّ عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذُكِر بها: "فسمع عمر الصوت، فخرج، فقال"، فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرًا عند قص عبد الله، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح في معنى قول عمر ﵁: "أَوَلا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة" هو النداء المطلق، كقوله: "الصلاة جامعة"، ونحو ذلك، لا الأذان المعروف؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵁: "يَا بِلَالُ، قُمْ، فَنَادِ بِالصَّلَاةِ") وفي رواية عند أبي عوانة: "فأذّن بالصلاة"، وفي رواية أبي نعيم: "يا بلال قم، فناد، فأذّن بالصلاة"، قال القاضي عياض وغيره: فيه حجة لشرع الأذان قائمًا، وكذا احتج به قبله ابن خزيمة، وابن المنذر، وتعقب ذلك النوويّ بأن المراد بقوله: "قُمْ" أي اذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، قال: وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان. انتهى.
قال في "الفتح": وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأرجح عكس ما قاله؛ لكونه أوفق لظاهر اللفظ، فأيّ دليل يدلّ على صرف "قم" عن ظاهره، حتى نرجّح ما قاله؟ فالحديث ظاهر في الدلالة على مشروعيّة القيام للأذان، فتبصّر.
والحاصل أن القيام للأذان سنّة ثابتة؛ للحديث المذكور، ولحديث
стр. 4913
عبد الله بن زيد ﵁ الذي رأى الأذان، قال: "يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلًا قائمًا، وعليه ثوبان أخضران … " الحديث (١).
قال ابن المنذر ﵀: ولم يختلف أهل العلم في أن من السنّة أن يؤذّن وهو قائمٌ إلا من علّة، فإن كانت به علّة فله أن يؤذّن جالسًا، وروينا عن أبي زيد صاحب رسول الله ﷺ ، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذّن وهو قاعد، وقال عطاء، وأحمد بن حنبل: لا يؤذّن جالسًا إلا من علّة، وكره الأذان قاعدًا مالكٌ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وكان أبو ثور يقول: يؤذّن وهو جالسٌ من علّة وغير علّة، والقيام أحبّ إليّ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٨٤٣] (٣٧٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٠٤)، و (الترمذيّ) فيه (١٩٠)، و (النسائيّ) فيه (٢/ ٢ - ٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١/ ٤٥٦ - ٤٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦٣٢١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٦١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٣٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٥٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٣١ و ٨٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ابتداء الأذان؛ لأن المراد بقوله: "قم يا بلال، فناد بالصلاة" النداء المعروف، وذلك بعد رؤيا عبد الله بن زيد ﵁ الأذان، كما أسلفنا تقريره.
٢ - (ومنها): حرص الصحابة ﵃ على أداء الصلاة جماعةً، حيث إنهم كانوا يَجتمعون من غير أن يكون هناك أذان.
стр. 4914
٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة، دون الاقتصار على الظواهر، قاله ابن العربيّ، وعلى مراعاة المصالح، والعمل بها، وذلك أنه لَمّا شَقّ عليهم التبكير إلى الصلاة، فتفوتهم أشغالهم، أو التأخُّر عنها فيفوتهم وقت الصلاة، نظروا في ذلك.
٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ التشاور في الأمور المهمة، وذلك مستحبّ في حقّ الأمة بالإجماع، قال النوويّ: واختَلَف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على النبيّ ﷺ ، أو كانت سنّةً كما في حقّبا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء، ومحقّقو أهل الأصول أن الأمر للوجوب.
٥ - (ومنها): أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلّ منهم ما عنده من الرأي، ثم يفعل صاحب الأمر ما ظهرت له فيه المصلحة.
٦ - (ومنها): أنه لا حرج على أحد المتشاورين إذا أخبر بما أدَّى إليه اجتهاده، ولو خطأ.
٧ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعمر، وعبد الله بن زيد ﵄.
٨ - (ومنها): أنه يجب مخالفة اليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الملل المخالفة للإسلام فيما يستعملونه في عباداتهم، وعاداتهم الخاصّة بهم.
٩ - (ومنها): بيان شرف رؤيا المؤمن، وقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت ﵂، عن النبيّ ﷺ قال: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة".
وأخرج البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة".
وأخرج مسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له".
١٠ - (ومنها): مراعاة المصالح والعمل بها، وذلك أنه لَمّا شقّ عليهم التبكير إلى الصلاة؛ لئلا تفوتهم أشغالهم أو التأخّر عنها؛ لئلا يفوتهم صلاتها جماعةً، نظروا في ذلك.
стр. 4915
١١ - (ومنها): مشروعيّة القيام للأذان، على ما الراجح في قوله ﷺ : "قم يا بلال"، وقال القاضي عياض ﷺ : في الحديث حجة لشرع الأذان من قيام، وأنه لا يجوز الأذان قاعدًا، قال: وهو مذهب العلماء كافّةً إلا أبا ثور، فإنه جوّزه، ووافقه أبو الفرج المالكيّ.
وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين: أحدهما: أنّا قدمنا عنه أن المراد بهذا النداء الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثاني: أن المراد: قُمْ فاذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان، لكن يُحْتَجُّ للقيام في الأذان بأحاديث معروفة غير هذا.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن احتجاج القاضي بقوله: "قم يا بلال" على القيام ظاهرٌ، وقد احتجّ به قبله ابن المنذر في "الأوسط" (١).
وكذا كون المراد من قوله: "فناد بالصلاة" الأذان المعروف هو الأظهر، كما أسلفنا تحقيقه، وأما قول عمر ﵁: "ينادي بالصلاة" فحمله على مطلق الإعلام هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
قال: وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القيام واجبٌ، فليس كما قال، بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذّن قاعدًا بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذّن مضطجعًا مع قدرته على القيام صحّ أذانه على الأصح؛ لأن المراد الإعلام، وقد حَصَل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
١٢ - (ومنها): ما قيل: سبب تخصيص بلال ﵁ بالنداء والإعلام هو ما جاء مبينًا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح، حديثِ عبد الله بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال له: "أَلْقِه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك"، قيل: معناه أرفع صوتًا، وقيل: أطيب، فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه، وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: فلو وجدنا مؤذنًا حسن الصوت يَطلُب على أذانه رزقًا، وآخر يتبرع بالأذان، لكنه غير حسن
стр. 4916
الصوت، فأيهما يؤخذ؟ فيه وجهان؛ أصحهما يُرْزَق حسن الصوت، وهو قول ابن سريج، والله أعلم. انتهى.
وقال ابن المنذر ﵀ بعد إخراجه حديث رؤيا عبد الله بن زيد للأذان - ما نصّه: ويدلّ هذا الحديث على أن من كان أرفع صوتًا أحقّ بالأذان؛ لأن النداء إنما جُعل لاجتماع الناس للصلاة، بَيَّنَ ذلك في قوله: "ألقها عليه، فإنه أندى صوتًا منك". انتهى (١).
١٣ - (ومنها): ما ذكره العلماء أن في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم متى شُرع الأذان؟:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب بَدْء الأذان" وقوله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
فأشار بالآية الأولى إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لَمّا سمعوا الأذان قالوا: لقد ابتدعت يا محمد شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية.
وأشار بالآية الثانية أيضًا إلى أن الابتداء كان بالمدينة، وذلك لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة.
قال في "الفتح": واختُلِف في السنة التي فُرض فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل: بل كان في السنة الثانية، ورُوي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ.
قال: وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شُرع بعد الهجرة، فإنه نُفِيَ النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا، وقوله في آخره: "يا بلال قم، فناد بالصلاة" كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلّ على ذلك، كما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إسحاق،
стр. 4917
قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدَّثني عبد الله بن زيد، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: فبينما هم على ذلك أُرِيَ عبد الله النداء، فذكر الرؤيا، وفيها صفة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية "قد قامت الصلاة"، وفي آخره قوله ﷺ : "إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال، فألقها عليه، فإنه أندى صوتًا منك"، وفيه مجيء عمر، وقوله: إنه رأى مثل ذلك.
وقد أخرج الترمذيّ في ترجمة بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاريّ؛ لأنه على غير شرطه، وقد رُوِي عن عبد الله بن زيد من طُرُق، وحَكَى ابن خزيمة عن الذُّهليّ أنه ليس في طُرُقه أصح من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا، ومنهم من وصله عن سعيد، عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا.
ووقع في "الأوسط" للطبراني أن أبا بكر أيضًا رأى الأذان، ووقع في "الوسيط" للغزاليّ أنه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الجيلي في "شرح التنبيه" أربعة عشر رجلًا، وأنكره ابن الصلاح، ثم النوويّ، ونقل مغلطاي أن في بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعةٌ، ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض طرقه.
وفي "مسند الحارث بن أبي أسامة" بسند واهٍ قال: "أول من أذّن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالًا، فأخبر النبيّ ﷺ ، ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر".
قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما سبق أن الراجح أن شرع الأذان كان بالمدينة، كما بيّنه حديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب.
قال ابن المنذر ﵀ بعد ذكر حديث ابن عمر ﵄ هذا الحديث يدلّ على أن بدء الأذان إنما كان بعد أن هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة، وأن صلاته بمكّة إنما كانت بغير نداء، ولا إقامة، وكذلك كان يُصلّي أوّل ما قَدِمَ المدينة
стр. 4918
إلى أن رأى عبد الله بن زيد النداء في المنام بغير أذان ولا إقامة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: وردت أحاديث تدلّ على أن الأذان شُرع بمكة قبل الهجرة، منها للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: لما أُسري بالنبيّ ﷺ أوحى الله إليه الأذان، فنَزَل به، فعلَّمه بلالًا، وفي إسناده طلحة بن زيد، وهو متروك.
وللدارقطني في "الأطراف" من حديث أنس، أن جبريل أمر النبيّ ﷺ بالأذان حين فُرِضت الصلاة، وإسناده ضعيف أيضًا.
ولابن مردويه من حديث عائشة، مرفوعًا: "لما أُسري بي أَذَّن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدَّمني فصليت"، وفيه من لا يُعْرَف.
وللبزار وغيره من حديث عليّ قال: لما أراد الله أن يُعَلّم رسوله الأذان، أتاه جبريل بدابة يقال لها: البراق، فركبها … فذكر الحديث، وفيه: إذ خرج ملك من وراء الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر، وفي آخره: ثم أخذ الملك بيده، فأمَّ بأهل السماء، وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضًا، ويمكن على تقدير الصحة أن يُحمَل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة.
وأما قول القرطبيّ: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقه، ففيه نظر؛ لقوله في أوله: "لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان"، وكذا قول المحب الطبريّ: يُحْمَل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغويّ، وهو الإعلام؛ ففيه نظر أيضًا؛ لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه.
والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد. انتهى.
وقد حاول السهيليّ الجمع بينهما، فتكلّف وتعسَّف، والأخذ بما صَحّ
стр. 4919
أولى، فقال بانيًا على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابيّ: إن النبيّ ﷺ سمعه فوق سبع سماوات، وهو أقوى من الوحي، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة، وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابيّ المنام فقصّها، فوافقت ما كان النبيّ ﷺ سمعه، فقال: "إنها لرؤيا حقّ"، وعَلِم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنةً في الأرض، وتَقَوَّى ذلك بموافقة عمر؛ لأن السكينة تنطق على لسانه، والحكمةُ أيضًا في إعلام الناس به على غير لسانه ﷺ التنويه بقدره، والرفع لذكره بلسان غيره؛ ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه. انتهى ملخصًا.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ ﵀ في ردّه على القرطبيّ والسهيليّ هذه التكلّفات والتعسّفات؛ إذ هي تعب لا ينبني عليه أرب؛ إذ الجمع بين النصوص المختلفة إنما هو فرع عن صحّتها، فأما إذا كانت واهية كالأحاديث المذكورة هنا، فلا داعي إلى التكلّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: ومما كَثُر السؤال عنه، هل باشر النبيّ ﷺ الأذان بنفسه؟ وقد وقع عند السهيليّ أن النبيّ ﷺ أَذَّن في سفر، وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبِلّة من أسفلهم، أخرجه الترمذيّ من طريق تدور على عمر بن الرّمَاح، يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنما هو من حديث يعلى بن مرّة، وكذا جزم النوويّ بأن النبيّ ﷺ أذَّن مرة في السفر، وعزاه للترمذيّ، وقوّاه، ولكن وجدناه في "مسند أحمد" من الوجه الذي أخرجه الترمذيّ، ولفظه: "فأمر بلالًا، فأذّن"، فعُرف أن في رواية الترمذيّ اختصارًا، وأن معنى قوله: "أَذَّن" أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفةُ العالم الفلانيّ ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونُسب للخليفة؛ لكونه آمرًا به.
قال: ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان: ما رواه أبو الشيخ بسند فيه مجهول، عن عبد الله بن الزبير، قال: "أُخِذ الأذانُ من أذان إبراهيم، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، قال: فأذّن رسول الله ﷺ "، وما رواه أبو نعيم في "الحلية" بسند فيه مجاهيل: "إن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنة". انتهى.
стр. 4920
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأحاديث كلّها ضعاف لا ينبغي الاعتماد عليها، وإنما تُذكر للتنبيه؛ فتنبّه ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: قد استُشكِل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعيّ.
وأُجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه ﷺ أُمر بمقتضاها؛ ليَنظُر أيُقَرُّ على ذلك أم لا؟ ولا سيما لَمّا رأى نظمها يَبْعُد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﷺ في الأحكام، وهو المنصور في الأصول، ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق، وأبو داود في "المراسيل" من طريق عُبيد بن عمير الليثيّ، أحد كبار التابعين، أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبيّ ﷺ ، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبيّ ﷺ : سبقك بذلك الوحي، وهذا أصح مما حَكَى الداوديّ، عن ابن إسحاق أن جبريل أتى النبيّ ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام.
وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في ابتداء شرع الأذان على لسان غير النبيّ ﷺ التنويه بعلوّ قدره على لسان غيره؛ ليكون أفخم لشأنه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأذان:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ في كتابه "الأوسط": "ذكرُ الأمر بالأذان، ووجوبه"، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآية [المائدة: ٥٨].
قال: ولا نعلم أذانًا كان على عهد رسول الله ﷺ إلا للصلاة المكتوبة، وقد ثَبَت أن رسول الله ﷺ أمر بالأذان والإقامة للمسافر، ثم أخرج بسنده عن مالك بن الحويرث ﵁ أنه أتى النبيّ ﷺ هو وصاحب له، فقال: "إذا سافرتما، فأذّنا ثم أقيما، وليؤمّكما أكبركما"، متّفقٌ عليه.
قال: فالأذان والإقامة واجبتان على كلّ جماعة في الحضر والسفر؛ لأن
стр. 4921
النبيّ ﷺ أمر بالأذان، وأَمْرُه على الفرض، وقد أمر النبيّ ﷺ أبا محذورة أن يؤذّن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدلّ على وجوب الأذان.
وقد اختَلَف أهل العلم فيمن صلَّى بغير أذان ولا إقامة، فرُوي عن عطاء أنه قال فيمن نسي الإقامة: يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال الأوزاعيّ فيمن نسي الأذان: يُعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة، وكان يقول في الأذان والإقامة: يُجزئ أحدهما عن الآخر، وقد رُوي عن مجاهد أنه قال: من نسي الإقامة في السفر أعاد.
وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها الصلاة.
وقالت طائفة: لا إعادة على من ترك الأذان والإقامة، وروينا عن الحسن أنه قال: من نسي في السفر فلا إعادة عليه، وكذلك قال النخعيّ، وقال الزهريّ وقتادة: من نسي الإقامة لم يُعِد صلاته، وقال مالك: لا شيء عليه إذا صلّى بغير إقامة، وإن تعمّد يستغفر الله، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق، والنعمان، وصاحباه في قوم صلَّوا بغير أذان ولا إقامة، قالوا: صلاتهم جائزة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: ولا تُجزئ صلاة فريضةٌ في جماعة: اثنين فصاعدًا إلا بأذان وإقامة، سواء كانت في وقتها، أو كانت مقضيّة لنوم أو لنسيان، متى قُضيت، السفر والحضر سواء في كلّ ذلك، فإن صلّى شيئًا من ذلك بلا أذان ولا إقامة، فلا صلاة لهم، حاشا الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة، فإنمها يُجمعان بأذان لكلّ صلاة، وإقامة للصلاتين معًا؛ لأثر في ذلك.
ثم ذكر حديث مالك بن الحويرث ﵁ المتقدّم، ثم قال: وما نعلم من لم ير ذلك فرضًا حُجّةً أصلًا، ولو لم يكن إلا استحلال رسول الله ﷺ دماء من لم يسمع عندهم أذانًا وأموالهم، وسبيهم لكفى في وجوب فرض ذلك،
стр. 4922
وهو إجماع متيقّنٌ من جميع من كان معه من الصحابة ﵃ بلا شك. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بوجوب الأذان والإقامة هو الأرجح؛ للأدلة الكثيرة الواضحة في ذلك، وقد ذكرت كثيرًا منها في "شرح النسائيّ" (٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): الأصل في الأذان هو ما أخرجه أبو داود في "سننه" (٣)، فقال:
(٤٩٩) حدثنا محمد بن منصور الطُّوسيّ، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي، عبد الله بن زيد، قال: لَمّا أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعْمَل؛ ليُضْرَب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يَحمِل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؛ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله"، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: "الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت، فقال: "إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى
стр. 4923
صوتًا منك"، فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد".
وأخرج ابن ماجه نحوه، وزاد: قال أبو عبيد (١): فأخبرني أبو بكر الحكميّ أن عبد الله بن زيد الأنصاريّ قال في ذلك [من الخفيف]:
أَحْمَدُ اللهَ ذَا الْجَلَالِ وَذَا الإِكْـ … ـرَامِ حَمْدًا عَلَى الأَذَانِ كَثِيرَا
إِذْ أَتَانِي بِهِ الْبَشِيرُ مِنَ اللَّـ … ـهِ فَأَكْرِمْ بِهِ لَدَيَّ بَشِيرَا
فِي لَيَالي وَالَى بِهِنَّ ثَلَاثٍ … كُلَّمَا جَاءَ زَادَنِي تَوْقِيرَا
قال ابن المنذر ﵀ بعد إخراج الحديث من طريق ابن إسحاق بسند أبي داود قال: وليس في أسانيد أخبار عبد الله بن زيد إسناد أصحّ من هذا الإسناد، وسائر الأسانيد فيها مقال. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الأذان على غير طهارة: اختلفوا فيه على مذاهب:
فكرهت طائفة أن يؤذّن المؤذّن إلا طاهرًا، فممن قال ذلك عطاء، ومجاهد، والأوزاعيّ، وكان الشافعيّ يكره ذلك، ويقول: يجزيه إن فعل، وبه قال أبو ثور، وقال أحمد: لا يؤذّن الجنب، وإن أذّن على غير طهارة أرجو أن لا يكون به بأس، وقال إسحاق: إذا أذّن الجنب أعاد الأذان، وقال: لا يؤذّن إلا متوضئ.
ورخّصت طائفة في الأذان على غير وضوء، وممن رخّص في ذلك الحسن البصريّ، والنخعيّ، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وقال الثوريّ: لا
стр. 4924
بأس أن يؤذّن الجنب، وقال مالك: يؤذّن على غير وضوء، ولا يُقيم إلا على وضوء، وقال النعمان فيمن أذّن على غير وضوء وأقام: يجزيهم، ولا يعيدوا الأذان ولا الإقامة، وإن أذّن وهو جنبٌ أُحبّ أن يعيدوا، وإن صلَّوا أجزأهم، وكذلك إذا أقام، وهو جنب.
قال ابن المنذر ﵀ ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: ليس على من أذّن وأقام وهو جنبٌ إعادة؛ لأن الجنب ليس بنجس؛ لقوله ﷺ : "إن المسلم لا ينجس"، ولأنه ﷺ كان يذكر الله على كلّ أحيانه، والأذان على الطهارة أحبّ إليّ، وأكره أن يُقيم جنبًا؛ لأنه يُعَرِّض نفسه للتهمة، ولفوات الصلاة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في الكلام في الأذان:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في هذا، فرخّصت فيه طائفة، وممن رخّص فيه: الحسن البصريّ، وعطاء، وقتادة، وروينا عن سليمان بن صُرَد، وكانت له صحبة أنه كان يأمر بالحاجة له، وهو في أذانه، وكان عروة بن الزبير يتكلّم في أذانه.
واحتجّ بعض من رخّص في الكلام في الأذان بحديث ابن عبّاس ﵄، ثم أخرج بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث، أن ابن عبّاس أمر مناديه يوم الجمعة في يوم مطير، فقال: إذا بلغت حيّ على الفلاح، فقل: ألا صلُّوا في الرحال، فقيل له: ما هذا؟ فقال: فعله من هو خير مني.
قال: وكان أحمد بن حنبل يرخّص في الكلام في الأذان، وذكر حديث سليمان بن صُرد ﵁، ثم أخرج بسند صحيح عن موسى بن عبد الله بن يزيد، أن سليمان بن صُرَد، وكانت له صحبةٌ، كان يؤذّن في العسكر، فأمر غلامه بالحاجة له، وهو في أذانه.
وكرهت طائفة الكلام في الأذان، وممن كره ذلك النخعيّ، وابن سيرين، والأوزاعيّ، وقال مالكٌ: لم نعلم أحدًا يُقتدى به تكلّم بين ظهراني أذانه، وقال
стр. 4925
الثوريّ: وإذا أذّن وأقام فلا يتكلّمنّ فيهما، ولا بأس أن يتكلّم بينهما، وقال الشافعيّ: أحبّ أن لا يتكلّم في أذانه، فإن تكلّم فلا يعيد، وقال إسحاق: لا ينبغي للمؤذّن أن يتكلّم في أذانه إلا كلامًا من شأن الصلاة، نحو: صلّوا في رحالكم، وقال النعمان ويعقوب ومحمد: لا يتكلّم في أذانه وإقامته، فإن تكلّم في أذانه وصلّى القوم، فصلاتهم تامّة، وقد روينا عن الزهريّ أنه قال: إذا تكلّم الرجل في الإقامة أعاد الإقامة.
قال ابن المنذر: أحسن ما قيل في هذا الباب الرخصة في الكلام في الأذان مما هو شأن الصلاة، كما قال إسحاق، وعلى ذلك يدلّ حديث ابن عبّاس ﵄، فإن تكلّم بما ليس من الصلاة فهو مكروه، ولا يبطل أذانه، ولا إقامته؛ إذ لا حجّة على إبطالهما. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن لا يتكلّم في أثناء الأذان، كما هو حال بلال وغيره من مؤذّني النبيّ ﷺ ، فإن تكلّم فلا شيء عليه؛ لعدم ورود ما يدلّ على المنع؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في أذان النساء:
قال ابن المنذر ﵀: اختلفوا في أذان النساء، وإقامتهنّ، فروينا عن عائشة ﵂ أنها كانت تؤذّن وتقيم، وعن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله؛ وحُكي عنه أنه قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولأن تقيم أحبّ إلينا.
وقالت طائفة: عليهنّ إقامة، روي ذلك عن عطاء، ومجاهد، والأوزاعيّ، وقال الأوزاعيّ: ليس علبهنّ أذان، وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سئل: أتقيم المرأة؟ قال: نعم.
وقالت طائفة: ليس على النساء أذان ولا إقامة، كذلك قال أنس بن مالك، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال أنس: إن فعلن فهو ذِكرٌ.
وممن قال: ليس على النساء أذانٌ ولا إقامةٌ: سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، ومالكٌ، والشافعيّ،
стр. 4926
وأحمد، وأبو ثَوْر، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وقال ما لك: وإن أقامت فحسنٌ، وقال الشافعيّ: وإن جمّعن، وأذّنّ، وأقمن فلا بأس.
قال ابن المنذر: الأذان ذكرٌ من ذكر الله فلا بأس أن تؤذّن المرأة وتقيم، قال: وروينا عن النبيّ ﷺ حديثًا في هذا الباب، ثم أخرج بسنده حديث أم ورقة ابنة عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، وكان رسول الله ﷺ يزورها، ويُسمّيها الشهيدة، وكان رسول الله ﷺ قد أمرها أن تؤمّ في دارها، وكان لها مؤذّن (١). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ من أنه لا بأس على المرأة أن تؤذّن وتقيم هو الحقّ عندي؛ لأن الأذان ذكر، وهي من أهل الذكر، ولم يَرِد نصّ ولا إجماع بنهيها عن ذلك، بل استحسنه كثير من أهل العلم، ويؤيّد ذلك قصّة أم ورقة ﵂، وأما حديث: "ليس على النساء أذانٌ ولا إقامة"، رواه البيهقيّ، من حديث ابن عمر ﵄، فضعيفٌ مرفوعًا، وإنما هو موقوف، وعلى تقدير صحّته يكون معناه أنه لا يجب عليهنّ الأذان ولا الإقامة، كما يجب على الرجال، فلا ينافي الجواز.
والحاصل أن المرأة إن أذّنت وأقامت، فلا بأس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في الأذان والإقامة من صلّى في بيته:
اختلفوا فيمن صلّى في منزله منفردًا، فقالت طائفة: له أن يصلّي بغير أذان ولا إقامة، قال الأسود، وعلقمة: أتينا عبد الله في داره، فقال: قوموا فصلُّوا، قال: فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، وعن ابن عمر قال: إذا كنت في قرية يؤذّن بها، ويقام أجزأك ذلك.
وهذا مذهب الشعبيّ، والأسود، وأبي مِجْلَز، ومجاهد، والنخعيّ، وعكرمة، وقال أحمد: إذا كان في مصر أجزأه أذان أهل المصر، وقال أبو
стр. 4927
حنيفة: إذا صلّى وحده إن أذّن وأقام فحسنٌ، وإن اكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه، وكذا قال أبو ثور.
وقالت طائفة: يكفيه الإقامة، وبه قال: سعيد بن جبير، والأوزاعيّ، والحسن، وابن سيرين، وميمون بن مِهْران، ومالك بن أنس.
وقالت طائفة: تجزئ الإقامة إلا في الفجر، فإنه يؤذّن ويقيم، روي هذا عن ابن سيرين، والنخعيّ.
وقالت: إن صلّى بغير أذان وإقامة أعاد الصلاة، وتجزيه الإقامة، وهو قول عطاء.
قال ابن المنذر ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: أحبّ إليّ أن يؤذّن ويقيم إذا صلّى وحده، ويجزيه إن أقام، وإن لم يؤذّن، ولو صلّى بغير أذان ولا إقامة لم يجب عليه إعادة، وإنما أحببت الأذان والإقامة للمصلّي وحده؛ لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة الأنصاريّ، ثم المازنيّ، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تُحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شَهِد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ .
فقد دلّ الحديث على أن الأذان ليس لاجتماع الناس فقط، بل لفضيلة الأذان أيضًا، وقد أمر ﷺ مالك بن الحويرث وابن عمّه ﵄ بالأذان والإقامة، ولا جماعة معهما (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح أن يؤذّن ويقيم من يصلّي وحده في بيته؛ لأن أدلّة مشروعيّة الأذان لم تشترط الجماعة، بدليل حديث أبي سعيد ﵁ المذكور؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 4928
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في الأذان والإقامة من صلّى في مسجد قد صُلّي فيه:
(اعلم): أنهم اختلفوا في الرجل يأتي إلى مسجد قد صلَّى فيه أهله، فقالت طائفة: يؤذّن ويُقيم، كذلك فَعَل أنس بن مالك ﵁، دخل مسجدًا قد صُلّي فيه، فأذّن وأقام وصلّى جماعةً، وكان سلمة بن الأكوع ﵁ إذا فاتته الصلاة مع القوم أذّن وأقام، وقال سعيد بن المسيّب، والزهريّ: يؤذّن ويقيم، وقال قتادة: لا يأتيك من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا خيرٌ.
واختُلف في هذه المسألة عن الشافعيّ، فحَكى الزعفرانيّ عنه أنه قال: أذان المؤذّنين وإقامتهم كافيةٌ، وحَكَى الربيع عنه أنه قال: إذا دخل مسجدًا أقيمت فيه الصلاة أحببت له أن يؤذّن ويقيم في نفسه، وسئل أحمد عنه فقال: أليس كذا فعل أنس؟.
وقالت طائفة: يقيم، روي هذا عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وبه قال مالك، والأوزاعيّ.
وقالت طائفة: ليس عليه أن يؤذّن ولا أن يقيم، رُوي ذلك عن الحسن، والنخعيّ، وعكرمة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال ابن المنذر ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: أذانه وإقامته أحبّ إليّ، وإن اقتصر على أذان أهل المسجد فصلّى، فلا إعادة عليه، ولا أحبّ أن يفوته فضل الأذان. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي يظهر لي أن من أتى مسجدًا قد صلى فيه أهله، وتفرّقوا أن يؤذّن ويقيم، ولا يقتصر على الأذان الأول؛ لأنه لم يحضره؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في أخذ الأجرة على الأذان:
قال ابن المنذر ﵀: اختلفوا في ذلك، فكرهت طائفة أخذ الأجرة على
стр. 4929
الأذان، وممن كره ذلك القاسم بن عبد الرحمن، وروي عن الضحّاك بن مزاحم، وقتادة، وعن ابن عمر ﵄ أن رجلًا قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أحبّك في الله، فقال له ابن عمر: وأنا أُبغضك في الله، قال: سبحان الله أحبّك في الله، وتُبغضني في الله؟ فقال ابن عمر؛ إنك تأخذ على أذانك أجرًا.
وكره ذلك أصحاب الرأي، وقال إسحاق: لا ينبغي أن يأخذ على الأذان أجرًا.
ورخّص مالك في الأجر على الأذان، وقال: لا بأس به، وقال الأوزاعيّ: الإجارة في ذلك مكروهة، ولا بأس بأخذ الرزق من بيت المال على ذلك، ولم ير بأسًا بالمعونة على غير شرط.
وقال طائفة: لا يُرزق المؤذّن إلا من خمس الخمس، سهم النبيّ ﷺ ، ولا يُرزق من غيره من الفيء، ولا من الصدقات، وهكذا قال الشافعيّ.
قال ابن المنذر بعد ذكر هذه الأقوال: لا يجوز للمؤذّن أخذ الأجر على أذانه؛ لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁، حيث أمره النبيّ ﷺ أن يتّخذ مؤذّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا (١)، قال: فإن أخذ مؤذن على أذانه أجرًا لم يسعه ذلك؛ لأن السنّة منعت منه، فإن صلّوا بأذان من أخذ على أذانه أجرًا فصلاتهم مجزئة؛ لأن الصلاة غير الأذان، وليست الإمامة كذلك، أخشى أن لا تجزئ صلاة من أمّ بجُعْل، كما رُوي عن الحسن أنه قال: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ من عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان هو الأرجح عندي، لكن لو رُزق المؤذن من بيت المال دون المشارطة؛ لئلا تتعطّل المساجد، فالظاهر أنه لا مانع منه؛ لأنه ليس استئجارًا، وقد مال إلى هذا الشوكانيّ ﵀، وقد ذكرت المسألة بأتمّ مما هنا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (٣)، والله تعالى أعلم بالصوِاب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 4930
(٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِشَفْعِ الأَذَان، وَإِيتَارِ الإقَامَة، إِلَّا كَلِمَةَ الإِقَامَة، فَإِنَّهَا تُثَنَّى)
[٨٤٤] (٣٧٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُليَّةَ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاء، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ؟ "أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ". زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِه، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ، فَقَالَ: "إِلَّا الإِقَامَةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ له اختياراتٌ في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الحافظ الإمام، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل باب.
٥ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) هو: خالد بن مِهْران، أبو الْمَنَازل (٢) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٦ - (أَبُو قِلَابَةَ) (٣) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٧ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل، وفيه التحديث والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء.
стр. 4931
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا، فالأول بغداديّ، والثاني نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: خالد، عن أبي قلابة، وتقدّم الكلام على أنس ﵁ قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) بن مالك ﵁ أنه (قَالَ: "أُمِرَ بِلَالٌ) ببناء الفعل للمفعول، هكذا في رواية الشيخين، وقد جاء مفسَّرًا في رواية النسائيّ من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، عن أبي قلابة، ولفظه: "عن أنس قال: أمر رسول الله ﷺ بلالًا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "أُمِر بلالٌ" هو بضم الهمزة، وكسر الميم: أي أمره رسول الله ﷺ هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، من الفقهاء وأصحاب الأصول، وجميع المحدثين، وشَذَّ بعضهم فقال: هذا اللفظ وشبهه موقوف؛ لاحتمال أن يكون الآمر غيرَ رسول الله ﷺ ، وهذا خطأ، والصواب أنه مرفوعٌ؛ لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ، ومثل هذا اللفظ قولُ الصحابيّ: "أُمِرنا بكذا"، و"نُهِينا عن كذا"، أو "أُمر الناسُ بكذا"، ونحوه، فكله مرفوعٌ، سواءٌ قال الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله ﷺ أم بعد وفاته. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفتُ أنه جاء مفسّرًا في رواية النسائيّ، فلا محلّ للنزاع بعد ثبوته نصّا؛ لأن الرواية يفسّر بعضها بعضًا؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) بفتح حرف المضارعة والفاء، من باب نَفَعَ، يقال: شَفَعت الشيءَ شَفْعًا: إذا ضممته إلى الفرد، يعني أن يأتي بألفاظ الأذان مرّتين مرّتين.
وهذا محمول على التغليب، وإلا فكلمة التوحيد في آخره مفردة، وكذا
стр. 4932
التكبير في أوله على اختلاف الروايات في ذلك على ما يأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -.
وقال في "الفتح": قال الزين ابن الْمُنَيِّر: وصفُ الأذان بأنه شَفْعٌ يفسره قوله: "مثنى مثنى"، أي مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يُخْتَلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة، فيحمل قوله: "مثنى" على ما سواها، وكأنه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوله، لكن من قال بالتربيع أن يَدَّعِيَ نظير ما ادَّعاه؛ لثبوت الخبر بذلك، وسيأتي في الإقامة توجيه يقتضي أن القائل به لا يَحتاج إلى دعوى التخصيص. انتهى (١).
(وَيُوتِرَ الإقَامَةَ") بالنصب عطفًا على "يشفع"، أي وأُمر أن يوتر ألفاظ الإقامة؛ أي يأتي بها مرّةً مرّةً، والمراد أيضًا أغلبها، وإلا فالتكبير في أوّلها وآخرها يُثنَّى، وكذا جملة "قد قامت الصلاة"، كما بيّن استثناءه بقوله:
(زَادَ يَحْيَى) بن يحيى (فِي حَدِيثِهِ عَن) إسماعيل (ابْنِ عُلَيَّةَ) وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ .. إلخ) مفعول به لقوله: "زاد"، محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: "عن إسماعيل" متعلّق بحال من "يحيى"؛ أي حال كونه راويًا عن إسماعيل؛ أي بالسند السابق، فهو متّصلٌ، وليس معلّقًا، فتنبّه.
والمعنى أن يحيى بن يحيى زاد في آخر الحديث ناقلًا عن إسماعيل ابن عُليّة قولَهُ: "إلا الإقامة"، وفي رواية البخاريّ: "قال إسماعيل: فذكرته لأيوب، فقال: إلا الإقامة".
وقوله: (فَقَالَ) بيان وتوضيح لمعنى "زاد" (إِلَّا الإِقَامَةَ) أي إلا لفظ "قد قامت الصلاة"، قال في "الفتح": المراد بالنفي غير المراد بالمثبت؛ فالمراد بالمثبت، أي بقوله: "ويوتر الإقامة" جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفيّ خُصوص قوله: "قد قامت الصلاة"، كما سيأتي صريحًا، وحصل من ذلك جناس تامّ. انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ من طريق سماك بن عطيّة، عن أيوب،
стр. 4933
عن أبي قلابة، عن أنس، قال: "أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة".
فقال في "الفتح": ادَّعَى ابنُ منده أن قوله: "إلا الإقامة" من قول أيوب غيرُ مسند، كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم، وأشار إلى أن في رواية سماك بن عطية هذه إدراجًا، وكذا قال أبو محمد الأصيليّ: قوله: "إلا الإقامة" هو من قول أيوب، وليس من الحديث، وفيما قالاه نظر؛ لأن عبد الرزاق رواه عن معمر، عن أيوب بسنده متصلًا بالخبر مُفَسَّرًا، ولفظه: "كان بلال يُثَنِّي الأذان، ويوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة"، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسراج في "مسنده"، وكذا هو في مُصَنَّف عبد الرزاق، وللإسماعيليّ من هذا الوجه: "ويقول: قد قامت الصلاة" مرتين، والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل؛ لأنه إنما يتحصل منها أن خالدًا كان لا يذكُر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما رَوَى الحديث عن أبي قلابة، عن أنس، فكان في رواية أيوب زيادة من حافظ فتُقْبَلُ، والله أعلم.
وقد استُشكِل عدم استثناء التكبير في الإقامة، وأجاب بعض الشافعية بأن التثنية في تكبيرة الإقامة بالنسبة إلى الأذان إفراد، قال النوويّ: ولهذا يُسْتَحبّ أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد.
قال الحافظ: وهذا إنما يتأتى في أول الأذان، لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النوويّ ينبغي للمؤذن أن يُفْرِد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس، ويَظْهَر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوله على من قال بتثنيته، مع أن لفظ الشفع يتناول التثنية والتربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك، بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطال، وأما الترجيع في التشهدين فالأصح في صورته أن يشهد بالوحدانية ثنتين، ثم بالرسالة ثنتين، ثم يرجع فيَشْهَد كذلك، فهو وإن كان في العدد مُرَبَّعًا، فهو في الصورة مُثَنَّى، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4934
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٨٤٤ و ٨٤٥ و ٨٤٦ و ٨٤٧] (٣٧٨)، و (البخاريّ) في "الأذان " (٦٠٥ و ٦٠٦ و ٦٥٧)، و (أبو داود) فيه (٥٥٨ و ٥٠٩)، و (النسائيّ) فيه (٢/ ٣)، و (ابن ماجه) فيه (٧٢٩ و ٧٣٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٩٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٩٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٧٥ و ١٦٧٦ و ١٦٧٨)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ١٩٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٣٢ و ١٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤١٢ و ٤١٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٩٤٧ و ٩٤٨ و ٩٤٩ و ٩٥٠ و ٩٥١ و ٩٥٢ و ٩٥٣ و ٩٥٤ و ٩٥٥ و ٩٥٦ و ٩٥٧ و ٩٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٣٣ و ٨٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الأذان شفع؛ أي في معظم ألفاظه، وإلا فالتكبير في أوله مربّع، وكلمة التوحيد في آخره مفردة.
٢ - (ومنها): بيان أن ألفاظ الإقامة مفردة، أي معظمها؛ لأن التكبير في أولها مثنّى، وكذا قوله: "قد قامت الصلاة"، فإنه أيضًا مثنّى.
٣ - (ومنها): أن هذا الحديث حجةٌ على الحنفيّة في زعمهم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أوّلًا، ثم نُسِخ بحديث أبي محذورة ﵁ يعني الذي رواه أصحاب "السنن"، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخِّر عن حديث أنس ﵁، فيكون ناسخًا.
وتُعُقّب بأن في بعض طرُق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به.
وقد أنكر أحمد على من ادَّعَى النسخ بحديث أبي محذورة، واحتَجَّ بأن
стр. 4935
النبيّ ﷺ رَجَع بعد الفتح إلى المدينة، وأقَرّ بلالًا على إفراد الإقامة، وعَلَّمه سَعْدَ الْقَرَظ، فأذَّن به بعده كما رواه الدارقطنيّ، والحاكم.
وقال ابن عبد البر: ذهب أحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان، أو ثَنّاه، أو رَجَّع في التشهد، أو لم يرجِّع، أو ثنى الإقامة، أو أفردها كلها، أو إلا "قد قامت الصلاة"، فالجميع جائز، وعن ابن خزيمة إن رَبَّع الأذان، ورَجَّع فيه، ثَنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله، والله أعلم، قاله في "الفتح" (١).
٤ - (ومنها): ما قيل: الحكمةُ في تثنية الأذان وإفراد الإقامة، أن الأذان لإعلام الغائبين، فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة، فإنها للحاضرين، ومن ثَمَّ استُحِبّ أن يكون الأذان في مكانٍ عالٍ، بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتَّلًا، والإقامة مُسْرَعَةً، وكُرِّر "قد قامت الصلاة"؛ لأنها المقصودة من الإقامة بالذات.
وهذا توجيهه ظاهرٌ، وأما قول الخطابيّ: لو سُوِّي بينهما لاشتبه الأمر عند ذلك، وفاتت صلاة الجماعة كثيرًا من الناس ففيه نظر؛ لأن الأذان يُستَحَبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع كما تقدم، فلا اشتباه، أفاده في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة الأذان:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في سنّة الأذان، فقال مالك والشافعيّ، ومن تبعهما من أهل الحجاز: الأذان أذان أبي محذورة، لم يختلفا في ذلك إلا في أول الأذان، فإن مالكًا يرى أن يقال: "الله أكبر الله أكبر" مرّتين، والشافعيّ يرى أن يكبّر المؤذّن في أول الأذان أربعًا: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر"، واتّفقا في سائر الأذان.
وحجّتهما في ذلك الأخبار التي رُويت عن النبيّ ﷺ في تعليمه أبا محذورة ﵁ الأذان، وقال قائلهم: أَمرُ الأذان من الأمور المشهورة التي
стр. 4936
يُستَغنَى بشهرتها بالحجاز، يتوارثونه قرنًا بعد قرن، يأخذه الأصاغر عن الأكابر، وليس يجوز أن يُعترَضَ عليهم في الأذان، وهو ينادى به بين أظهرهم في كلّ يوم وليلة خمس مرّات، ولو جاز ذلك لجاز الاعتراض عليهم في معرفة الصفا والمروة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وموضع الوقوف بعرفة، مع أن الأذان كذلك كان على عهد رسول الله ﷺ ، وخلافة أبي بكر وعمر، لا يختلف أهل الحرمين فيه، وغير جائز أن يُجعل اعتراض من اعترض من أهل العراق حجةً على أهل الحجاز، وكيف يجوز أن يكون الآخر حجةً على الأول، وعنه أَخَذَ العلمَ؟ وقد كان الأذان بالحجاز، ولا إسلام بالعراق، وحكاية أبي محذورة بعد خبر عبد الله بن زيد بزمان؛ لأنه يُخبر أن النبيّ ﷺ علَّمه إياه عامَ حنين، والمتأخِّر هو الناسخ لما تقدَّم، والآخر من أمر رسول الله ﷺ أولى من الأول.
قال ابن المنذر: وقد كان أحمد بن حنبل يميل إلى أذان بلال، فقيل له: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؛ قال: أليس قد رجع النبيّ ﷺ إلى المدينة، فأقرَّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؟.
وقال بعضهم: هذا من أبواب الإباحة إن شاء المؤذّن أذّن كأذان أبي محذورة، وثنَّى الإقامة، وإن شاء أن يثنّي الأذان ويوتر الإقامة فَعَلَ؛ لأن الأخبار قد ثَبتت بذلك، قالوا: هذا مثل الوضوء، من شاء توضّأ ثلاثًا، ومن شاء توضّا مرتين مرّتين، وقد أجاب أحمد بمثل هذا المعنى، ووافقه عليه إسحاق، وقال أحمد: ثبت عن بلال وأبي محذورة أذانهما، وكلّ سنّة، فهما مستعملان جميعًا، والذي نختار أذان بلال.
فأما سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، فمذهبهم في الأذان أنه مثنى مثنى على حديث عبد الله بن زيد، وكذلك قولهم في الإقامة: إنها مثنى مثنى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما سبق عن الإمامين: أحمد وإسحاق بأن كلّ ما ثبت عن النبيّ ﷺ من حديث عبد الله بن زيد، وأبي
стр. 4937
محذورة سنّة، ينبغي العمل به في الأوقات المختلفة، ولكن الذي ينبغي المداومة عليه هو الأصحّ، فالأصحّ.
قال العلامة ابن القيّم ﵀: كلُّ هذه الوجوه جائزة مُجزئةٌ، لا كراهة فيها، وإن كان بعضها أفضل من بعض؛ لأنه قد ثبت عن النبيّ ﷺ جميع ذلك، وعَمِل به أصحابه، فمن شاء رَبَّعَ التكبير، ومن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلا "قد قامت الصلاة"، فإن ذلك مرّتان على كلّ حال، وهذا كما قيل في التشهّدات، والتوجيهات، ولكن ذلك لا ينافي أن يختار الإنسان لنفسه أصحّ ما ورد، أو أن يأخذ بالزائد فالزائد، هذا خلاصة ما في الباب. انتهى كلام ابن القيّم ﵀.
والحاصل أن الأولى أن يستعمل كلّ ما صحّ من كيفيّة الأذان والإقامة، ولا يقتصر على كيفيّة معيّنة؛ لأن بذلك يحصل العمل بكلّ ما ثبت عن النبيّ ﷺ ، وخلافه لا يؤدّي إلى ترك العمل ببعض ما صحّ عنه ﷺ ، فيعمل بهذا تارة، وبهذا تارة، ولكن يعمل في أكثر الأوقات بما هو الأصحّ رواية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تثنية الإقامة، وإفرادها:
اختلفوا في هذا على مذاهب:
فذهبت طائفة إلى أنها فرادى، فممن رُوي عنه ذلك: عروة بن الزبير، والحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، وخالد بن معدان، ومكحول، ومالك، وأهل الحجاز، والأوزاعيّ، وأهل الشام، والشافعيّ، وأصحابه، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجّوا بحديث أنس ﵁ المتّفق عليه: "أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
وقالت طائفة: الأذان والإقامة مثنى مثنى، وهو قول سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر ﵀ بعد حكايته الخلاف -: أما الأذان فعلى حديث أبي محذورة؛ لأن ذلك لم يزل يؤذَّن به على عهد رسول الله ﷺ ، وبعد النبيّ ﷺ بالحرمين جميعًا، ثم لم يزل كذلك يؤذَّن به بمكة إلى اليوم، وكذلك
стр. 4938
لم يزل ولد سعد القرَظ (١) يؤذّن به، ويذكرون أنه أذان بلال وسعد.
وأما الإقامة، فقد اختُلف فيها عنه، فرُوي عنه أنه كان يُفرد الإقامة بعد النبيّ ﷺ (٢)، ورُوي أن إقامته كانت مئنى مثنى، فغير جائز أن يكون أبو محذورة انتقل عن تثنية الإقامة إلى إفرادها إلا وقد عَلِمَ أن النبيّ ﷺ أمر بإفراد الإقامة، أو رأى بلالًا بعد ذلك يُفرد الإقامة، فعَلِمَ أن ذلك ليس إلا عن أمر النبيّ ﷺ ، فانتقل إليه، ثم اتّفاق ولد أبي محذورة، وولد سعد القرظ عليه، وحكايتهم ذلك عن جدّيهما سعد القرظ عن بلال دليلٌ على أن الأمر بعد الإقامة حادثٌ بعد التثنية، ولا يجوز أن يجتمع مثل هؤلاء على خلاف السنّة.
قال: ثم اختلف هؤلاء بعد اجتماعهم على إفراد الإقامة في قوله: "قد قامت الصلاة"، فولد أبي محذورة، وسائر مؤذّن مكة يقولون: "قد قامت الصلاة" مرّتين، وولد سعد القرظ يقولون: "قد قامت الصلاة" مرّةً واحدةً، وقد اختلفت الأخبار في ذلك، غير أن الأخبار التي تدلّ على صحّة مذهب أهل مكّة أثبتُّ، ثم أخرج حديث أنس ﷺ المتقدّم، وفيه: "ويوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة"، وأخرج أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة واحدة، غير أن يقول: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" مرّتين. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٣).
وقال في "الفتح": هذا الحديث - يعني حديث أنس ﵁ المذكور - حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أوّلًا، ثم نُسِخ بحديث أبي محذورة؛ يعني الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس، فيكون ناسخًا.
стр. 4939
وعورض بأن في بعض طُرُق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به.
وقد أنكر أحمد على من ادَّعَى النسخ بحديث أبي محذورة، واحتج بأن النبيّ ﷺ رجع بعد الفتح إلى المدينة، وأقرّ بلالًا على إفراد الإقامة، وعَلَّمه سعد القرظ، فأذَّن به بعده، كما رواه الدارقطنيّ والحاكم.
وقال ابن عبد البرّ: ذهب أحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان، أو ثنّاه، أو رَجَّع في التشهد، أو لم يُرَجّع، أو ثَنَّى الإقامة، أو أفردها كلَّها، أو إلا "قد قامت الصلاة"، فالجميع جائز، وعن ابن خزيمة: إن رَبَّع الأذان، ورَجَّع فيه ثَنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحدٌ قبله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان المذاهب، وأدلّتها أن أرجح المذاهب مذهب من قال: إن الأمر فيه سعة، وكلّ ما صحّ عن رسول الله ﷺ يجوز العمل به، فمن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفرد، وكلٌّ واسع - والحمد لله - وبهذا يجمع بين أخبار هذا الباب دون دعوى النسخ بلا بيّنة، لكن قدّمنا أن هذا لا ينافي أن يتخيّر الإنسان في معظم الأوقات ما هو أصحّ، وأقوى من هذه الأخبار حتى يعمل به أكثر؛ فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
стр. 4940
و"إسحاق" تقدّم في الباب الماضي، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ … إلخ) بضم حرف المضارعة، وإسكان العين، من الإعلام: أي أن يجعلوا له علامةً يُعرف بها، وقال في "الفتح": وفي رواية كريمة: "بفتح أوله من العلم".
وقوله: (فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا) من التنوير: أي يُظهروا نُورَ نَارٍ.
وقوله: (أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا) الناقوس: خَشَبة تُضرب بخشبة أصغر منها، فيَخرُج منها صوتٌ، وهو من شِعَار النصارى.
وقوله: (وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ) احتجّ به من قال بإفراد قوله: "قد قامت الصلاة"، والحديث الذي قبله حجة عليه؛ لأن قوله: "إلا الإقامة" صريح في تكراره، فإن احتَجَّ بعمل أهل المدينة عُورض بعمل أهل مكّة، ومعهم الحديث الصحيح، قاله في "الفتح" (١)، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[٨٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَاد، لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَنْ يُورُوا نَارًا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) وقيل بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك ﵁.