← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وعن أبي داود السِّجِسْتانيّ: سمعت أحمد سُئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، مرفوعًا: "الأئمة من قريش"، فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم بن سعد، لا ينبغي أن يكون له أصل. قال الحافظ: رواه جماعة عن إبراهيم. ونَقَلَ الخطيب أن إبراهيم كان يُجِيز الغناء بالعود، ووَليَ قضاء المدينة. وقال ابن عيينة: كنت عند ابن شهاب، فجاء إبراهيم بن سعد، فَرَفَعَهُ وأكرمه، وقال: إن سعدأ أوصاني بابنه، وسعد سعد. وقال ابن عديّ: هو من ثقات المسلمين، حَدَّث عنه جماعة من الأئمة، ولم يَتخلَّف أحدٌ في الكتابة عنه، وقولُ مَن تَكَلَّم فيه تحاملٌ، وله أحاديث صالحة مستقيمة، عن الزهري وغيره. قال عبد الله بن أحمد: وُلد سنة (١٠٨) أخبرني بذلك بعض ولده، وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٢)، أو (١٨٣)، وقال ابن سعد، وابن المدينيّ، وخليفة، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: مات سنة (١٨٣)، زاد علي بن المديني: وهو ابن (٧٣) سنة، وقال ابن سعد وهو ابن (٧٥) سنة، وقال سعيد بن عُفَير وأبو حسان الزِّيَاديّ: مات سنة (١٨٤)، وقال أبو مروان العثمانيّ: سمعت من إبراهيم بن سعد سنة (١٨٥)، ومات بعد ذلك. قال الخطيب: حَدَّث عنه يزيد بن الهاد، والحسين بن سَيَّار الْحَرّانيّ، وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة. وفي "تاريخ بغداد": أنه قَدِمَ بغداد سنة (١٨٤)، فأكرمه الرَّشِيد، وفيها أَرَّخ ابن أبي عاصم وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٩) أحاديث. ٨ - (صالِح) بن كَيْسَان المدنيّ، أبو محمد، ويقال: أبو الحارث، مُؤَدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٤]. رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن معين: سمع منهما، ورَوَى عن سليمان بن أبي حَثْمَة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسماعيل بن محمد بن سعد، والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، ونافع مولى أبي قتادة، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن

стр. 527

حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والزهريّ، وأبي الزناد، ومحمد بن عجلان، والثلاثة أصغر منه، وغيرهم. وعنه مالك، وابن إسحاق، وابن جريج، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وسليمان بن بلال، وابن عتيبة، وغيرهم. قال مُصعَب الزبيريّ: كان جامعًا من الحديث والفقه والمروءة. وقال حرب: سئل عنه أحمد؛ فقال: بَخٍ بَخٍ. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح أكبر من الزهريّ. وقال إسماعيل القاضي، عن ابن المديني: صالح أَسَنّ من الزهريّ، قد رأى ابن عمر، وابن الزبير. وقال ابن معين: صالح أكبر من الزهريّ، سَمِع من ابن عمر، وابن الزبير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: معمر أحب إليّ، وصالح ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني أحمد بن العباس، عن ابن معين: قال: ليس في أصحاب الزهريّ أثبت من مالك، ثم صالح بن كيسان. وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: صالح أحبّ إليّ من عُقيل؛ لأنه حجازيّ، وهو أسنُّ، رأى ابن عمر، وهو ثقة، يُعَدّ في التابعين. وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. ووقع في "كتاب الزكاة" من "صحيح البخاريّ: صالح أكبر من الزهريّ، أدرك ابن عمر. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئة والمروءة، وقد قيل: إنه سَمِعَ من ابن عمر، وما أراه محفوظًا. وقال الخليليّ في "الإرشاد": كان حافظًا إمامًا، رَوَى عنه من هو أقدم منه، عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يَحْكِي عنه، وهو من أقرانه. وقال ابن عبد البر: كان كثير الحديث، ثقةً حجّةً فيما حَمَلَ. قال الهيثم بن عديّ: مات في زمن مروان بن محمد، وقال ابن سعد، عن الواقديّ: مات بعد الأربعين ومائة، وقيل: مَخْرَجَ محمدِ بنِ عبد الله بن حسن، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الحاكم: مات صالح بن كيسان، وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وكان قد لَقِيَ جماعةً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك تَلَمَّذَ للزهريّ، وتَلَقَّن عنه العلم، وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعلّم وهو ابن سبعين سنة.

стр. 528

قال الحافظ: هذه مجازفةٌ قبيحةٌ، مقتضاها أن يكون صالح بن كيسان وُلدَ قبل بِعْثة النبي ﷺ ، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم؟ ولو كان طَلَبَ العلم كما حَدَّده الحاكم، لكان قد أَخَذَ عن سعد بن أبي وقّاص، وعائشة، وقد قال عليّ بن المدينيّ في "العلل": صالح بن كيسان لم يَلْقَ عقبة بن عامر، كان يروي عن رجل عنه، وقرأت بخط الذهبيّ: الذي يظهر لي أنه ما أكمل التسعين. انتهى كلام الحافظ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٢) حديثًا. ٩ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنَّ رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب. والله تعالى أعلم. وقوله: (بهذا الإسناد) الإشارة إلى الإسناد الماضي، أي رواه معمر، وصالح كلاهما عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه ﵁. وقوله: (مثله) منصوب على الحال، أي حال كون حديثهما مثل حديث يونس الماضي. [تنبيه]: رواية معمر التي أحالها المصنف هنا ساقها الإمام البخاري، وأحمد، والنسائي، ولفظ البخاريّ: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب، لَمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ ، وعنده أبو جهل، فقال: "أَيْ عَمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحَاجُّ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل: وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب تَرْغَب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبيّ ﷺ : "لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنه"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].

стр. 529

وأما رواية صالح، فقد ساقها البخاريّ أيضًا، فقال: حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه أخبره، أنه لَمّا حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ ، فوَجَدَ عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "يا عَمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يَعْرِضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [لتوبة: ١١٣]. وقوله: (غير أن حديث صالح انتهى) استثناء من كون روايتهما مثل رواية يونس، يعني رواية صالح بن كيسان انتهى عند قوله: "فأنزل الله فيه، ولم يذكر تمام الآيتين، وقد عرفت من رواية البخاريّ المذكورة أنه زاد" ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، وعليه فيكون نهاية حديث صالح قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣]، ولعل المصنّف وقع له بدون ذكره. وقوله: (ويعودان في تلك المقالة) يعني أن لفظ صالح مكان قول يونس: "ويُعيدان له تلك المقالة"، و"يعودان في تلك المقالة"، ووقع عند البخاريّ "بتلك المقالة" بالباء. وقوله: (وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة، فلم يزالا به) الإشارة إلى قوله: "ويعودان في تلك المقالة"، يعني أنه وقع في رواية معمر بدل قول صالح: "ويعودان في تلك المقالة" "فلم يزالا به"، ولفظ البخاريّ: فلم يزالا يكلمانه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال: [١٤١] (٢٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ

стр. 530

رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: "قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَأَبَى، فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] الآيةَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) ٤/ ١٩. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور في الباب الماضي. ٣ - (مَرْوَانُ) بن معاوية الفزاريّ المذكور في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) الْيشكريّ، أبو إسماعيل، ويقال: أبو مُنَين - بنون، مصغّرًا - الكوفيّ، صدوق يُخطيء [٦]. رَوَى عن أبي حازم، سلمان الأشجعيّ، ومَعْبَد، أبي الأزهر. ورَوَى عنه عبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وخلف بن خليفة، وعلي بن هاشم بن الْبَرِيد، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن عُبيد الظَنَافسيّ، وآخرون. قال علي بن المديني، عن القطان: صالحٌ، وَسَطٌ، ليس هو ممن يُعْتَمَد عليه. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يُكْتَب حديثه، محله الصدق، صالح الحديث، قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: لا، هو بابةُ فُضيل بن غَزْوَان، وذويه، بعض ما يأتي به صحيح، وبعض لا، قال أبي يُحَوَّلُ من كتاب "الضعفاء". وقال الدارقطنيّ: كوفي ثقة. وقال الْعُقَيليّ: قال أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم. وقال ابن حبان في "الثقات": يزيد بن كيسان الأسلمي، كنيته أبو إسماعيل، وهو الذي يقال له: أبو مُنَيْن، كان يُخطيء ويُخَالف، لم يَفْحُش خطؤه حتى يُعْدَلَ به عن سبيل العدول، ولا أَتَى بما يُنكَر، فهو مقبول، إلا ما يُعْلَم أنه أخطأ فيه، فيُتْرَك خطؤه كغيره من الثقات. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.

стр. 531

٥ - (أَبُو حَازِمِ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن مولَاته عَزَّة الأشجعيّة، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، والحسين، وابن الزبير، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وأبو مالك الأشجعيّ، وعديّ بن ثابت، وفُضيل بن غَزْوان، وميسرة الأشجعيّ، ومحمد بن جُحَادة، ومحمد بن عَجْلان، ويزيد بن كيسان، وسَيَّار، أبو الحكم، وفُرَاتٌ الْقَزّاز، ونُعَيم بن أبي هند، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "صحيح البخاريّ " عنه قال؛ جالست أبا هريرة خمس سنين. وقال بعض الناس: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ -١/ ٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث مرّتين بضمير الجماعة؛ لكون الراوي سمعه من لفظ الشيخ مع غيره، والعنعنة ثلاث مرّات، وكلاهما من صيغ الاتّصال بشروطه في "عن". ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فإن الأول لم يُخرج له أبو داود، والثاني لم يُخرج له البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد". ٤ - (ومنها): أن جملة من يسمّى بيزيد بن كيسان في الرواة اثنان: [أحدهما]: صاحب الترجمة هنا. [والثاني]: يزيد بن كيسان، أبو حفص الْخُلْقَانيّ، روى عن طاوس قوله،

стр. 532

وعنه أبو نُعيم، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الطبقة السادسة أيضًا، تفرّد به النسائيّ، أخرج له في "مسند عليّ ﵁، فقط" (١). ٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة: (الأول): هذا المترجم هنا. (والثاني): أبو حازم الأعرج، واسمه سلمة بن دينار التمّار المدنيّ الثقة العابد، من الطبقة الخامسة، وهو أيضًا من رجال الجماعة. (والثالث): أبو حازم بن صخر بن الْعَيْلة - بالمهملة المفتوحة، بعدها تحتانيّة ساكنة - مستور، من الطبقة الثالثة، تفرّد به أبو داود. (والرابع): أبو حازم الأنصاريّ البياضيّ مولاهم، صحابيّ، له حديث، وقيل: لا صحبة له، تفرّد به أبو داود في "المراسيل". (والخامس): أبو حازم الغفاريّ مولاهم التمّار المدنيّ، مقبول من الطبقة الثالثة، تفرّد به البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والنسائيّ. (والسادس): أبو حازم البجليّ الأحمسيّ، والد قيس بن أبي حازم، صحابيّ، له حديث، قيل: اسمه حصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، تفرد به البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود (٢). والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه يقع الالتباس في "الصحيحين" بين أبي حازم الأشجعي، وأبي حازم الأعرج، لأنهما اللذان لهما رواية فيهما، ويفرّق بينهما بأمور: [أحدها]: أن الأشجعيّ روى عن أبي هريرة وغيره من الصحابة ﵃، والأعرج لم يرو عن أحد من الصحابة غير سهل بن سعد ﵁. [الثاني]: أن الأول كوفي، والثاني مدني. [الثالث]: أن الأول من الطبقة الثالثة، والثاني من الخامسة. ٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.

стр. 533

وأما شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، فقد استوفيتها في الحديث الماضي، غير تخريجه، فأذكره هنا، فأقول: مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا "الإيمان" ٩/ ١٤١ عن محمد بن عبّاد، وابن أبي عمر، كلاهما عن مروان بن معاوية - و ٩/ ١٤٢ عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن يحيى بن سعيد القطّان، وحديثه أتمّ - كلاهما عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعيّ عنه. وأخرجه (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٨) عن بُندار، عن يحيى بن سعيد به، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان. وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٤٣٤ و ٢/ ٤٤١ و (أبو نعيم) في "مستخرجه " (١٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال: [١٤٢] ( … ) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ: "قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّاَ اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأقْرَرْتُ بهَا عَيْنَكَ، فَأنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]). رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير اثنين: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ السَّمِين، صدوق ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) ١/ ١٠٣.

стр. 534

٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة متقن حافظٌ، إمام قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٩٨. وقوله: (يقولون: إنما حمله على ذلك الْجَزَعُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الْجَزَعُ" بالجيم والزاي، صحيح الرواية، لا يُعرف في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى الخوف من الموت، وفي كتاب أبي عُبيد: "الْخَرَعُ" - بالخاء المعجمة، والراء المهملة - وقال: يعني الضعف، والْخَوَر، وكذلك قال ثعلبٌ، وفسّره به، قال شَمِر (١): يقال: خَرعَ الرجل: إذا ضعُفَ، وكلُّ رِخْوٍ ضعيفٍ خَرِيعٌ، وخَرع، و"الْخَرَعُ": الفصيل الضعيف، قال: و"الْخَرعُ": الدَّهِشُ، وفي "الصحاح" "الخَرَعُ - بالتحريك -: الرخاوة في الشيء، وقد خَرعَ الرجُل - بالكسر -: أي ضعُف، فهو خرع، ويقال لِمشْفَر البعير إذا تدلَّى: خَرِيعٌ. انتهى (٢). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "الْجَزَع" هكذا هو في جميع روايات المحدثين في مسلم وغيره "الجزع" بالجيم والزاي، وكذا نقله القاضي عياض وغيره من جميع روايات المحدثين، وأصحاب الأخبار، أي التواريخ، والسير، وذهب جماعات من أهل اللغة إلى أنه "الْخَرَع" - بالخاء المعجمة، والراء المفتوحتين - أيضًا، وممن نَصَّ عليه كذلك الْهَرَويّ في "الغريبين"، ونقله الخطابيّ عن ثعلب مُختارًا له، وقاله أيضًا شَمِر، ومن المتأخرين أبو قاسم الزمخشريّ، قال القاضي عياض ﵀: ونبّهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب، قالوا: والْخَرَع هو الضعف والْخَوَر، قال الأزهريّ: وقيل: الْخَرَعُ: الدَّهَشُ، قال شَمِر: كلُّ رَخْوٍ ضعيفٍ خَرِيع، وخَرعٌ، قال: والْخَرَع: الدَّهَشُ، قال: ومنه قول أبي

стр. 535

طالب، فذكره، وفسّره بالضعف والْخَوَر. والله أعلم، انتهى (١). وقوله: (لولا أن تُعيّرني قريش) أي تَسُبّني، وتُقَبِّح إليّ، يقال: عيّرتُهُ بكذا تعييرًا: إذا قبّحته، ونسبته إليه، يتعدّى بنفسه، وبالباء، والمختار أن يتعدّى بنفسه، قال الشاعر [من الطويل]: أَعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا … وَذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةَ ظَاهِرُ قاله في "المصباح"، وقال في "اللسان": وقد عَيَّره الأمرَ، والعامّة تقول: عَيَّره بكذا بالباء، والأول كلام العرب، كما قال النابغة [من البسيط]: وَعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وَهَلْ … عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ؟ انتهى باختصار (٢). وقوله: (لأقررت بها عينك) أي سَرَرتك بقولها، وأبلغتُك أمنيّتك، يقال: قَرَّت العينُ، من باب ضربَ قُرَّةً بالضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَت، سُرُورًا، وفيه لغة أخرى من باب تَعِبَ (٣). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أحسن ما يقال فيه: ما قاله أبو العباس ثعلب، قال: معنى أَقَرَّ الله عينه: أي بَلَّغَه الله أمنيته، حتى ترضى نفسه، وتَقَرَّ عينه، فلا تستشرفُ لشيء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقَعْتَ بِقُرِّكَ: أي أدرك قلبك ما كان يتطلَّعُ إليه، وقال الأصمعيّ: معناه أبرد الله دَمْعَته، لأن دمعة الفَرَحِ باردةٌ، قال القاضي عياض: وسمعتُ الأُستاذ أبا الحسن بن الأخضر النحويّ يقول في تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال في ضدّه من السّخْن بقوله: أسخن الله عينه، وذلك أن الذي يَرَى ما يسؤوه يَبْكي، فتَسْخن عينه بالدموع، والذي يرى ما يَسُرُّه لا يبكي، فتبقى عينه باردة، فيكون معنى "أقرّ الله عينه": أي أراه ما يسُرُّه. انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 536

(١٠) - (بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٣] (٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ خالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "مَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ المذكور قريبًا. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) ٢/ ٣. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُلَيَّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣. ٤ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل - بفتح الميم، وقيل: بضمّها، وكسر الزاي - الْحَذّاء - بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة - مولى قريش، وقيل: مولى بني مُجَاشِع، البصريّ، ثقة، يُرسل [٥]. رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عبد الله بن شقيق، وأبي رجاء العُطَارديّ، وأبي عثمان النَّهْدي، وأبي قلابة، وأنس، ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، والثوري، وشعبة، وابن علية، وسعيد بن أبي عروبة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الوهاب الثقفي، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ثَبْت. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن سعد: لم يكن خالد بِحَذّاء، ولكن كان يجلس إليهم، قال: وقال فهد بن حَيّان:

стр. 537

إنما كان يقول: احْذُ على هذا النحو، فلُقَب الحذاء، قال: وكان خالد ثقة، مَهِيبًا، كثير الحديث، توفي سنة (١٤١)، وكان قد استُعْمِل على العشور بالبصرة. وقال محمد بن المثنى عن قُريش بن أنس: مات سنة (١٤٢) أو أكثر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحكى القولين في تاريخ وفاته. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو الوليد الباجي: قرأت على أبي ذر الهروي في "كتاب الكنى" لمسلم: خالدٌ الحذاء أبو المنازل - بفتح الميم -، قال أبو الوليد: والضم أشهر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "كتاب العلل" عن أبيه: لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النَّهْدي شيئًا، وقال أحمد أيضًا: لم يسمع من أبي العالية، وذكر ابن خزيمة ما يوافق ذلك، ويشهد له. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه عن أحمد: ما أُراه سمع من الكوفيين من رجل أقدم من أبي الضحى، وقد حَدَّث عن الشعبي، وما أُراه سمع منه، وقال غيره: لم يسمع من عِرَاك بن مالك، بينهما خالد بن أبي الصَّلْت، وحكى العُقيليّ في "تاريخه" من طريق يحيى بن آدم، عن أبي شهاب قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكْتُم علَيَّ عند البصريين في خالد الحذاء وهشام، قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قَدِمَ علينا قَدْمَةً من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه. وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يَقَعَ في خالد، فأتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: ما لك أَجُنِنتَ؟ وتَهَدَّدناه، فسكت. وحَكَى الْعُقَيليّ من طريق أحمد بن حنبل: قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يَلْتَفِت إليه ابنُ علية، وَضَعَّفَ أمر خالد. وعن الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله. قال الحافظ: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه، من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بأخرة، أو من أجل دخوله في عمل السلطان. والله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا. [تنبيه]: لا يوجد في الرواة من يسمّى خالد بن مِهْران غير صاحب الترجمة. والله تعالى أعلم. ٥ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن شهاب التَّمِيميّ الْعَنْبَريّ، أبو بِشْر البصريّ، ثقة [٥].

стр. 538

رَوَى عن جُندُب البجليّ، وحُمْران بن أبان، وأبي المتوكل الناجيّ، وأبي الصِّدّيق الناجيّ، وأبي سفيان، طلحة بن نافع، وغيرهم. ورَوى عنه سعيد بن أبي عروبة، ويونس بن عُبيد، وأبو بشر، وخالد الحذّاء، ومنصور بن زاذان، وسلمة بن علقمة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث وحديث رقم (٤٥٢) (١): "كنّا نحزُر قيام رسول الله ﷺ … " الحديث، وأعاده بعده. [تنبيه]: جملة من يُسمّى بالوليد بن مسلم في الكتب الستة اثنان فقط: ١ - صاحب الترجمة هذا. ٢ - والوليد بن مسلم الدمشقيّ الثقة المعروف بتدليس التسوية، وسيأتي في حديث عبادة بن الصامت ﵁ برقم (١٤٧) - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (حُمْرَانُ) بن أبان، مولى عثمان بن عفّان، يُكنى أبا يزيد (٢)، كان من النَّمِر بن قاسط، سُبِي بعين التَّمر، في خلافة أبي بكر ﵁ فابتاعه عثمان ﵁ من الْمُسَيَّب بن نَجَبَة، فأعتقه، ثقة [٢]. أدرك أبا بكر، وعُمر، وروى عن عثمان، ومعاوية. ورَوَى عنه أبو وائل، شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صَخْرَة، جامع بن شدّاد، وعروة بن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيميّ، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجليّ، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حُمران من تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم، وأورد ابن عبد البر نسبه إلى النَّمِر بن قاسط في ترجمة هشام بن عروة من "التمهيد"، وقال: إنه ابن عَمِّ صُهَيب بن سِنَان، يَلْتَقِي معه

стр. 539

في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حُمران أحد العلماء الْجِلّة، أهل الْوَجَاهة والرأي والشَّرَف، ورَوَينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن الْمسور أن عثمان مَرِضَ، فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطْلِع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمران عبد الرحمن على ذلك، فبَلَغَ عثمانَ، فغضب عليه، فنفاه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة (٧٦)، وابن جرير الطبريّ سنة (٧١). وقال ابن سعد: نزل البصرة، وادَّعَى وُلْده في النَّمِر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولم أرهم يحتجّون به"، فيه نظر لا يخفى، فقد احتجّ به الشيخان، بل هو مما أجمعوا على الاحتجاج به، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وحَكَى قتادة أنه كان يصلي مع عثمان، فإذا أخطأ فَتَحَ عليه، وحَكَى الليث بن سعد أن عثمان أَسَرَّ إليه سِرًّا، فأَخبَرَ به عبدَ الرحمن بن عوف، فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبره به، فغَضِبَ عليه عثمان ونفاه، وذكره خليفة بن خيّاط في تسمية عُمّال عثمان، فقال: وحاجبه حمران، وقال في موضع آخر: مات بعده سنة (٧٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. [تنبيه]: جملة من يُسمّى بحمران في الكتب الستة ثلاثة: ١ - صاحب الترجمة هنا. ٢ - وحمران بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبان، ضعيف، رُمي بالرفض من الطبقة الخامسة، عند ابن ماجه فقط. ٣ - وحمران مولى الْعَبَلات، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ فقط. والله تعالى أعلم. ٧ - (عُثْمَانُ) بن عَفّان بن أبي العاص بن أُمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أمير المؤمنين أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أَرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، عمة

стр. 540

رسول الله ﷺ وُلد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، أسلم قديمًا، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤئفًا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام مَن يَثِقُ به، فأسلم على يده فيما بلغني: الزبير، وطلحة، وعثمان، وزَوَّجَ النبي ﷺ ابنته رُقَتة من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﷺ بَشّره بالجنة، وعَدّه من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. ورَوَى أبو خيثمة في "فضائل الصحابة" من طريق الضحاك، عن النَّزَّال بن سَبرَة قلنا لعلي: حَدِّثنا عن عثمان، قال: "ذاك امرؤ يُدْعَى في الملأ الأعلى ذا النورين. وجاء من طرُق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان ﵁ لَمّا أن حصروه انتشد الصحابةَ في أشياء، منها: تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي ﷺ عنه تحت الشجرة لَمّا أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رُومة، وغير ذلك. وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رُقيّة، وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي ﷺ بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبي ﷺ كان بعثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه عن عثمان. وقال ابن مسعود لَمّا بويع: بايعنا خيرنا ولم نَأْلُ. وقال علي ﵁: كان عثمان أوصلنا للرحم. وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه، وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب. وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَنْ حَجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لَيّن العَرِيكة (١)، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل بمعض أمرائه فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان

стр. 541

باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فاخذوا الكتاب ورجعوا، وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سَلمْنا كاتبك، فخَشِي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا وحصروه في داره، واجتمع جماعة يَحمُونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوَّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان (١). وروى البخاري في قصة قتل عمر ﵁ أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلًا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، فاختار عثمان فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّة المحرم، سنة أربع وعشرين. وقال ابن إسحاق قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر. وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حَشّ كَوْكَب، كان عثمان اشتراه، فوسع به البقيع. وقُتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور. وقيل: دون ذلك. وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين (٢). روى (١٤٦) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بثمانية، ومسلم بخمسة (٣). أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ، والوليدُ بن مسلم، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.

стр. 542

٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول كوفي، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وهما من صيغ الاتّصال، على ما أوضحته سابقًا. ٥ - (ومنها): أن قوله: "قال أبو بكر: حدّثنا ابن عليّة إلخ" من شدّة احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، حيث يراعي اختلاف ألفاظ الشيوخ، ويؤدّيها كما سمعها منهم، وإن لم يكن اختلافهم مما يؤدّي إلى اختلاف المعنى، فإن ابن عليّة هو إسماعيل بن إبراهيم الذي ذكره به زهير بن حرب، فلما اختلف الشيخان في ذكره باسمه، وكنيته بيّن ذلك كما تحمّله منهما، ولم يقتصر على لفظ أحدهما؛ احتياطًا، وورعًا. [تنبيه]: عُلَيَّة - بضم العين المهملة، مصغّرًا - اسم أم إسماعيل، وكان يكره أن يقال له: ابن عُليّة، لكن لضرورة اشتهاره بها استعمله العلماء، وقالوا: إنما يُنهى عنه إذا أريد به التنقيص، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال: وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأَسَ إِنْ لَمْ يَعِب ومن لطيف ما نُقل عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في ذلك أنه كَان يقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال له: ابن عُليّة، انظر أيها اللبيب إلى حسن تلطف الإمام الشافعي ﵀ حيث بَرَّأَ نفسه عن وصف شيخه بما يكرهه، لكن لما اضطرَّ إلى ذكره بما يعرفه به الناس أسنده إليهم، فقال: الذي يقال له، فلله در الشافعي رحمه الله تعالى، ما أذكاه، وأحسن أدبه، وهكذا ينبغي للتلميذ أن يُبَجِّلَ شيخه، ويبتعد عما يكرهه، فإن الله تعالى يَجْزِيه بأن يبارك علمه، كما بارك علم الشافعي رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه ربّما اشتبه الوليد بن مسلم بن شهاب العنبريّ، أبو بِشْر البصرفي هذا على من لا عِنَاية له بمعرفة أسماء الرجال وطبقاتهم، بالوليد بن مسلم الأمويّ مولاهم الدمشقيّ أبي العباس، صاحب الأوزاعيّ، ولا يشتبه ذلك على العلماء العارفين بالرجال والطبقات، فإنهما مفترقان في النسب إلى القبيلة، والبلدة، والكنية، كما ذكرنا وفي الطبقة، فإن الأول أقدم طبقة، من الطبقة الخامسة، كما أسلفناه، فهو من التابعين، في طبقة كبار شيوخ الثاني،

стр. 543

ويفترقان أيضًا في الشهرة، والعلم، والجلالة، فإن الثاني متميزٌ بذلك كله، قال العلماء: انتهى علمُ الشام إليه، وإلى إسماعيل بن عَيّاش، وكان أجلّ من ابن عيّاش، إلا أنه كان شديد التدليس، والتسوية (١). ٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد، عن الوليد، عن حمران. ٨ - (ومنها): أن "الْحَذّاء" بالمدّ: لقب لخالد، قال أهل العلم: لم يكن خالدٌ حذّاءً قط، ولكنه كان يَجلس إليهم، فقيل له: الحذّاء لذلك، هذا هو المشهور، وقيل: إنما كان يقول: احْذُوا على هذا النحو، فلُقِّب بالحذّاء. ٩ - (ومنها): أن الصحابيّ ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵁، ذو المناقب الجمة، كما مرّ آنفًا في ترجمته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمْرَانَ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (عَنْ عُثْمَانَ) بن عفّان ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ") "من" يحتمل أن تكون شرطيّة، وأن تكون موصولة مبتدأ، وجوابها، أو الخبر، قوله: "دخل" (وَهُوَ) الواو وللحال، أي والحال أَنّه (يَعْلَمُ أنهُ) الضمير للشأن، وضمير الشأن هو ضمير غائب يعمل فيه الابتداء، أو أحد نواسخه، وتُفسّره الجملة بعده، ويسمّى ضمير القصّة إذا كان بلفظ مؤنّث، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية" (٢): وَمُضْمَرُ الشَّأنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كـ"إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى" لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ فِي بَابِ "إِنَّ" اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ … كـ"إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ" وَجَائِزٌ تَأنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا

стр. 544

وَقَبْلَ مَا أَنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأنِيثُهُ كـ"إِنَهَا هِنْدٌ رَشَا" والجملة المفسّرة هنا هي قوله: (لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ)، أي لا معبود بحق إلا الله (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال بعض المحقّقين: لا شكّ أن الإقرار باللساق ركن من أركان الإيمان في حقّ القادر عليه، فمن علم أن لا إله إلا الله، ولكنه أبي أن يقرّ بذلك بلسانه مع القدرة على النطق، فليس بمؤمن، فمثل هذا الحديث يجب حمله على العاجز عن النطق؛ لخرس، أو مرض، أو عدم مُهلة. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": حقيقة العلم هي وُضُوح أمر ما، وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شكّ في أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنّة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصّدّيقين، ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك أن لا يدخُل الجنّة، فإن من اعتقد الحقّ، وصدّق به تصديقًا جازمًا لا شكّ فيه ولا ريب دخل الجنّة، كما قدّمناه، وكما دلّ عليه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "من لَقِي الله، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله غير شاكّ فيهما دخل الجنّة"، وكما قال: "من كان آخر قوله: لا إله إلا الله دخل الجنّة"، فحاصل هذين الحديثين أن من لقي الله تعالى، وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنّة، غير أن هناك فرقًا بين الدرجتين كما بين الحالتين، كما صرّحت به الآيات الواضحات، كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، انتهى (١). وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في المسألة الثالثة، والرابعة - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان ﵁ هذا مما تفرّد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.

стр. 545

(المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا ١٠/ ١٤٣ عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل ابن عليّة - و ١٠/ ١٤٤ عن محمد بن أبي بكر المقدّميّ، عن بشر بن المفضل - كلاهما عن خالد الحذاء، عن الوليد بن مسلم العنبريّ البصري، عن حُمران، عنه. و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (١١١٤) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن غندر - و (١١٣ عن بُندار، عن ابن أبي عديّ - كلاهما عن شعبة، عن خالد الحذّاء به. و (أحمد) في "مسنده" ١/ ٦٥ (٤٦٤) عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة به، ١/ ٦٩ و (٤٩٨) عن إسماعيل ابن عليّة به، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة به، و (أيو عوانة) في "مستخرجه" (١٢٨ و ١٢٩ و ١٣٠)، و (ابن خزيمة) في "كتاب التوحيد" ٧١٠ و ٧١١ و ٧١٢ و ٧١٣ و ٧١٥ و ٧١٦ و ٧١٧ و ٧١٨ و ٧١٩) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٢٠١) و (أبو نعيم) في "مستخرجه " (١٢٨ و ١٢٩ و ١٣٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠ و ١١ و ١٢) و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": (اعلم): أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات مُوَحّدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالِمًا من المعاصي، كالصغير، والمجنون، والذي اتَّصَل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحة من الشرك، أو غيره من المعاصي إذا لم يُحْدِث معصية بعد توبته، والْمُوفَّق الذي لم يُبْتَلَ بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلًا، لكنهم يَرِدُون على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم - أعاذنا الله منها، ومن سائر المكروه - وأما من كانت له معصيةٌ كبيرة، ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أوّلًا، وجعله كالقسم الأوّل، وان شاء عذّبه القدر الذي يُريده ، ثم يدخله الجنة، فلا يُخَلَّد في

стр. 546

النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عَمِلَ، كما أنه لا يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر، ولو عَمِلَ من أعمال البر ما عَمِلَ. هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحقّ في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع مَن يُعْتَدُّ به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوصٌ تُحَصِّلُ العلم القطعيّ. فإذا تَقَرَّرت هذه القاعدة، حُمِل عليها جميعُ ما وَرَدَ من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مُخَالَفَةٌ وَجَبَ تأويله عليها " لِيُجْمَعَ بين نصوص الشرع، وسنذكر من تأويل بعضها ما يُعْرَف به تأويل الباقي - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تكلّم العلماء في معنى هذا الحديث، فقد جَمَع القاضي عياض رحمه الله تعالى كلامًا حسنًا، جَمَعَ فيه نفائس، لخّصه النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه"، وزاد عليه، فقال: قال القاضي رحمه الله تعالى: اختلف الناس فيمن عَصَى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضرّه المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره، ويُكَفَّر بها، وقالت المعتزلة: يُخَلَّد في النار، إذا كانت معصيةً كبيرةً، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسقٌ، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يُغْفَر له، وعُذِّب فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة، قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج، والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: مَحْمِله على أنه غُفِر له، أو أُخرج من النار بالشفاعة، ثم أُدخل الجنة، فيكون معنى قوله ﷺ : "دَخَل الجنة"، أي دخلها بعد مُجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله، لِمَا جاء في ظواهرَ كثيرةٍ من عذاب بعض العصاة، فلا بُذ من تأويل هذا؛ لئلا تتناقض نصوص الشريعة. وفي قوله ﷺ : "وهو يَعْلَمُ"، إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة

стр. 547

المرجئة: إنّ مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قُيِّد ذلك في حديث آخر بقوله ﷺ : "غير شاكّ فيهما"، وهذا يؤكد ما قلناه. قال القاضي: وقد يَحتَجّ به أيضًا من يَرَى أن مجرد معرفة القلب نافعة، دون النطق بالشهادتين؛ لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تُنجي من النار دون الأُخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين؛ لآفة بلسانه، أو لم تُمْهِله لمدة ليقولها، بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد وَرَدَ مُفَسَّرًا في الحديث الآخر: "من قال: لا إله إلا الله"، و"من شَهِد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"، وزاد في الحديث الآخر: "مستيقنًا بها قلبه"، وفي الآخر: "صادقًا من قلبه"، وفي الآخر: "غير شاكّ فيهما". وقد جاء هذا الحديث، وأمثلة له كثيرة، في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلافٌ، وللناس فيها خبط كثيرٌ، وعن السلف خلاف مأثورٌ. فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية معاذ ﵁ عنه ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة" (١)، وفي رواية عنه قال ﷺ : "من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة"، وعنه ﷺ : "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا حرمه الله على النار"، وكلها أحاديث صحيحة. ونحوه في حديث عبادة بن الصامت، وعِتبان بن مالك، وزاد في حديث عبادة: "على ما كان من عَمَل"، وفي حديث أبي هريرة: "لا يلقى الله تعالى بهما عبدٌ غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة"، وفي حديث آخر: "فيُحجب عن الجنّة". وفي حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء ﵄: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنّة، وإن زنى، وإن سرق". وفي حديث أنس ﵁ "حَرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله،

стр. 548

يبتغي بذلك وجه الله". وهذه الأحاديث كلُّها سردها مسلم رحمه الله تعالى في كتابه. فَحُكِيَ عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مُجْمَلةٌ تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصريّ، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاريّ. وهذه التأويلات إنما هي إذا حُمِلت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِّلت منازلها، فلا يُشكِل تأويلها على ما بينه المحققون. فنقر أوّلًا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم، من السلف الصالح، وأهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين، أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان، وتشهَّد مُخْلِصًا من قلبه بالشهادتين، فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا، أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة ربه، وحُرِّم على النار بالجملة، فإن حَمَلْنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بَيِّنًا، وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاريّ، وإن كان هذا من الْمُخَلِّطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه، أو بفعل ما حُرِّم عليه، فهو في المشيئة، لا يُقْطَع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة لأول وَهْلَة، بل يُقْطَع بأنه لا بُدّ من دخوله الجنة آخرًا، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله تعالى عَذَّبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله. ويُمكِن أن تَسْتَقِلّ الأحاديث بنفسها، وُيجمَع بينها، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل مُوَحِّد، إما مُعَجَّلًا مُعَافًى، وإما مُؤَخَّرًا بعد عقابه. والمراد بتحريم النار الخلود، خلافًا للخوارج والمعتزلة في المسألتين. ويجوز في حديث: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة"، أن يكون مخصوصًا بمن كان هذا آخر نطقه، وخاتمة لفظه، وإن كان قبل مُخَلِّطًا، فيكون سببًا لرحمة الله تعالى إيّاه، ونجاته رأسًا من النار، وتحريمه عليها، بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلِّطين.

стр. 549

وكذلك ما وَرَدَ في حديث عبادة ﵁ من مثل هذا، ودخوله من أيّ أبواب الجَنَّة شاء يكون مخصوصًا بمن قال ما ذكره النبيُّ ﷺ ، وقُرِنَ بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يُرَجِّح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة، ودخول الجَنَّة لأول وَهْلَةٍ - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بمراد نبيّه ﷺ (١). قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو في نهاية الحسن، وأما ما حكاه عن ابن المسيِّب وغيره فضعيف باطل، وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة ﵁، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مُسْتَقِرَّةً، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الإحكام قد تقرر فرضها، وكذا الحج على قول من قال فُرِض سنة خمس أو ست، وهما أرجح من قول من قال سنة تسع. والله تعالى أعلم. وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلًا آخر في الظواهر الواردة بدخول الجَنَّة بمجرد الشهادة، فقال: يجوز أن يكون ذلك اقتصارًا من بعض الرواة، نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من رسول الله ﷺ ، بدلالة مجيئه تامًّا في رواية غيره، وقد تقدم نحو هذا التأويل، قال: ويجوز أن يكون اختصارًا من رسول الله ﷺ فيما خاطب به الكفارَ، عبدةَ الأوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام، ومستلزمًا له، والكافر إذا كان لا يُقِرّ بالوحدانية، كالوثنيّ والثنويّ، فقال: لا إله إلَّا الله، وحاله الحال التي حكيناها حُكِم بإسلامه، ولا نقول - والحالة هذه -: ما قاله بعض أصحابنا، من أن من قال: لا إله إلَّا الله يحكم بإسلامه، يُجْبَر على قبول سائر الإحكام، فإن حاصله راجع إلى أنه يُجْبَر حينئذ على إتمام الإسلام، ويجعل حكمه حكم المرتد إن لَمْ يفعل، من غير أن يُحْكَم بإسلامه بذلك في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة، ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو

стр. 550

تحقيقٌ مفيدٌ، وقد تقدّم هذا البحث، مُسْتَوْفًى في المسائل التي ذكرتها في شرح حديث جبريل، فراجعها تُشْفَ غُلَّتك، وتَنَلْ بُغْيَتَكْ، وبالله تعالى التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف أول الكتاب قال رحمه الله تعالى: [١٤٤] (٢٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مِثْلَهُ، سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة أيضًا، وقد تقدّموا سوى اثنين: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) - بفتح الدال المشدّدة - هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن عمه عمر بن عليّ المقَدَّميّ، ويزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعباد بن عباد، ومعتمر بن سليمان، وأبي عوانة، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى البخاريّ عن أحمد غير منسوب عنه، ورَوَى النسائيّ عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي عاصم، وإبراهيم بن هاشم الْبَغَويّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وإبراهيم بن محمد بن نائلة، وعبد الله بن أحمد، ويوسف بن يعقوب القاضي، وهو راويته، وأبو يعلى أحمد بن علي بن الْمُثَنَّى الموصليّ، وغيرهم. قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أَكْتُبُ عنه أحاديث أبيه؟ قال: اكتب، وقال أيضًا عن يحيى: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محلُّه الصدق. قال البخاري وغير واحد: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، زاد بعضهم: في أول السنة، وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة. تفرَّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا.

стр. 551

٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ - بقاف، ومعجمة - أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨]. رَوَى عن حميد الطويل، وأبي رَيْحَانة، ومحمد بن المنكدر، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وسُهيل بن أبي صالح، وعاصم بن كُليب، وعبيد الله بن عُمر العمريّ، وعبد الرَّحمن بن إسحاق، وعُمَارة بن غَزِيّة. وعن أبيه المفضل بن لاحق، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، ومسدد، وأبو أسامة، وأبو الوليد، وخليفة بن خياط، وبشر بن معاذ الْعَقَديّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحامد بن عُمر البكراويّ، ومحمد بن هشام بن أبي خَيْرة السَّدُوسيّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعَدَّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وقال عليّ بن المدينيّ: كان بشر يصلي كلّ يوم أربعمائة ركعة، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، وذُكِرَ عنده إنسان من الجهمية، فقال: لا تذكروا ذاك الكافر، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة فقيه البدن، ثبت في الحديث، حسن الحديث، صاحب سنة، وقال البزار: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث عثمانيًّا، تُوُفّي سنة (١٨٦)، وقال أحمد بن حنبل: دخلت البصرة في رجب سنة (١٨٦)، واعْتُقِل لسان بشر بن المفضل قبل أن نخرُج، ومات سنة (١٨٧)، وأرَّخه ابن حبان في "الثقات" في ربيع الأول منها. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا. وقوله: (مثله) يعني أن حديث بشر المفضل مثل رواية إسماعيل بن عُليَّة. وقوله: (سواءً) منصوب على الحال، أي حال كون الحديثين متساويين في اللفظ والمعنى، وإنما الاختلاف في أول الحديث، فإن ابن عليّة رواه بالعنعنة في كلّ من الوليد، وحمران، وأن عثمان قال: "قال رسول الله ﷺ "، ورواه بشر بتصريحهما بالسماع، وبقول عثمان: سمعتُ رسول الله ﷺ . [تنبيه]: رواية بشر هذه ساقها الحافظ ابن منده: ﵀ في "كتاب الإيمان"، فقال: ٣٣ - أنبأ علي بن الحسين بن عليّ، ثنا أبو حاتم الرازيّ ثنا مُسَدَّدٌ (ح)

стр. 552

وأنبأ يحيى بن عبد الله بن الحارث، ثنا أحمد بن عليّ بن سعيد، ثنا الْقَوَاريريّ، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذّاء، عن الوليد أبي بشر، قال: سمعت حُمْران يقول: سمعت عثمان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات، وهو يعلم أن لا إله إلَّا الله، دخل الجَنَّة"، انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضرِ بْنِ أَبِي النَّضْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْم، "قالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْم، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّه، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِه، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ، وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا، حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب إلى جدّه، واسمه كنيته، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: محمد، ثقة [١١١] (ت ٢٤٥) (م، س) ٥/ ٣٦. ٢ - (أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبت [٩] (ت ٢٠٧) (ع) ٥/ ٣٦. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عُبيد الرَّحمن، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩].

стр. 553

رَوَى عن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، ومالك بن مِغْوَل، وشعبة، والثوريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم. وروى عنه ابناه: أبو عبيدة، وعباد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدم، وابن المبارك، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم. قال الأشجعيّ: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث، وقال ابن سعد: رَوَى كُتُب الثوريّ على وجهها، ورَوَى عنه "الجامع"، وكان من أهل الكوفة، وقَدِمَ بغداد، فمات بها، وقال قبيصة: لَمّا مات الثوريّ أرادوا الأشجعي على أن يقعُد مكانه فأبي، وقال أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوريّ، فقال: يحيي، وعبد الرَّحمن، ووكيع، ثم الأشجعيّ، وقال أبو داود، عن أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صح حديثه، وقال ابن مُحْرِز، عن ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعيّ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقةً ثبتًا متقنًا عالِمًا بحديث الثوريّ، رجلًا صالحًا، أرفع مَن رَوَى عن سفيان، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوريّ، إذا أخرج كتابه، وقال ابن سعد: أشجعي، من أنفسهم، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة في أولها. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. [تنبيه]: "عبيد الله بن عبيد الرَّحمن" مصغّر الاسمين، في وقع في بعض نسخ "التقريب" مكبّر الاسم الثاني، فمن أخطاء المطابع، وهو منفرد بهذا الاسم، فلا يوجد في الكتب الستّة له فيه مشارك. والله تعالى أعلم. ٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الواو - ابن عاصم بن غَزِيّة بن حُرْثة بن جُريج بن بَجِيلة البجلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من كبار [٧].

стр. 554

روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعون بن أبي جحيفة، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، والزبير بن عَدِيّ، ومحمد بن سُوقة، والوليد بن العيزار، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق شيخه، وشعبة، ومِسْعَر، والثوري، وزائدة، وابن عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ثبت في الحديث. وقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال أبو نعيم: ثنا مالك بن مِغْول، وكان ثقة. وقال العجلي: رجل صالح مُبَرّزٌ في الفضل. وقال الطبراني: من خيار المسلمين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فوضع خده بالأرض. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، فاضلًا خيرًا. وقال البخاري: قال عبد الله بن سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: إذا رأيت الكوفي يذكر مالك بن مغول بخير، فاطمأن إليه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الكوفة، ومتقنيهم. قال عمرو بن علي: مات سنة سبع. وقال ابن سعد: سنة ثمان. وقال أبو نعيم وغيره: سنة تسع وخمسين ومائة، وفيها أرَّخه مُطّيِّن، وزاد: في ذي الحجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. [تنبيه]: "مالك بن مغول" لا مشارك له في هذا الاسم، والله تعالى أعلم. ٥ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بن عمرو بن كعب بن جخدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الْهَمْدانيّ الياميّ - بالتحتانيّة - أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ قارئٌ فاضلٌ [٥]. رَوَى عن أنس، وعبد الله بن أبي أوفي، وخَيْثمة بن عبد الرَّحمن، وزيد بن وهب، وأبي صالح السَّمَّان، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم.

стр. 555

وروى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وهو أكبر منه، وإسماعيل بن أبي خالد، وزُبيد بن الحارث الياميّ، والأعمش، وهم من أقرانه، وابنه محمد، ومالك بن مِغْوَل، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: والعجليّ ثقة، وقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش يُثني على أحد أدركه إلَّا على طلحة بن مُصَرِّف، قال ابن إدريس: كانوا يُسَمُّونه سيد القراء، وقال العجليّ: كان عثمانيًّا، وكان من أقرإ أهل الكوفة، وخيارهم: قال: واجتمع القراء في منزل الحكم بن عتيبة، فاجتمعوا على أن طلحة أقرأ أهل الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه؛ لِيَذْهَب ذلك الاسم عنه، وقال عبد الملك بن أبجر: ما رأيت مثله، وما رأيته في قوم إلَّا رأيت له الفضل عليهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قيل لابن معين: سمع طلحة من أنس؟ فقال: لا، وسمعت أبي يقول: طلحة أدرك أنسًا، وما ثبت له سماع منه. قال أبو نعيم، وعمرو بن عليّ، وابن سعد، وغيرهم: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال يحيى بن بكرٍ، وابنُ نُمَير: مات سنة (١٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٢٧) و (١٧٣) و ٩٩٦) و ١٠٧١) وأعاده بعده، و (١٦٣٤) و (١٦٣٧). [تنبيه]: "طلحة بن مصرّف" لا مشارك له في هذا الاسم، وهو بضم الميم، وفتح الصاد المهملة، وكسر الراء، هذا هو المشهور المعروف في كتب المحدِّثين، وأصحاب الْمُؤتَلِف، وأصحاب أسماء الرجال وغيرهم. وقال النوويّ في "شرحه": وحَكَى الإمام أبو عبد الله القلعيّ الفقيه الشافعيّ في كتابه "ألفاظ الْمُهَذب" أنه يُرْوَى بكسر الراء وفتحها، وهذا الذي حكاه من رواية الفتح غريب منكر، ولا أظنه يصح، وأخاف أن يكون قَلَّد فيه بعض الفقهاء، أو بعض النُّسَخ، أو نحو ذلك، وهذا كثيرٌ، يوجد مثله في كتب الفقه، وفي الكتب المصنفة في شرح ألفاظها، فيقع فيها تصحيفات، ونقولٌ غريبةٌ، لا تُعْرَف، وأكثر هذه الغريبة أغاليط؛ لكون الناقلين لها لَمْ يَتَحَرَّوا

стр. 556

فيها. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ (١). ٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) ١/ ٤. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث بالإفراد مرتين، وبالجمع مرّة، والعنعنة في الباقي، وكلّها من صيغ الاتّصال على ما قدّمنا تفصيله. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، والنسائيّ، وغير عبيد الله الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من عبيد الله الأسجعيّ، وشيخه، ووالده بغداديّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدِّه: أبو بكر، عن أبي النضر، وتابعيّ عن تابعيّ: طلحة عن أبي صالح، وصحابيّه رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: "الْمَسِير": السير، يريد به السفر. انتهى. وفي رواية الأعمش الآتية: "لَمّا كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة … "، فتبين بها أن ذلك المسير كان في غزوة تبوك. (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (فَنَفِدَتْ) أي فنيت، وفرغت، يقال: نَفِدَ - بكسر الفاء - يَنْفَدُ - بفتحها، من باب تَعِبَ، نَفَادًا: فَنِيَ، وانقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أنفدته: إذا أفنيته، قاله في "المصباح" (٢).

стр. 557

وقال في "القاموس" نَفِدَ كَسَمِعَ نَفَادًا، ونَفَدًا: فَنِيَ وذهبَ، وأنفده: أفناه، كاستنفده، وانتفده، ونَفِدَ القومُ: فَنِي زادُهُم، وما لُهُم. انتهى (١). (أَزْوَادُ الْقَوْمِ) بالرفع على الفاعليّة، و"الأَزْوَادُ" بالفتح: جمع زاب، وهو طعامُ المسافر المتّخذ لسفره (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (حَتَّى هَمَّ) الظاهر أن الضمير للنبيِّ ﷺ ، وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبيّ في "المفهم"، ويكون المعنى حتى هَمَّ النبيّ ﷺ أن يأمرهم بنحر بعض حمائلهم؛ ليستعينوا بذلك على دفع الجوع، ويحتمل أن يكون الضمير للقوم باعتبار أن لفظه مفرد، ويؤيّد هذا قوله في الرواية التالية: "قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا". قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كان هذا الهمّ من النبيّ ﷺ بحكم النظر المصلحيّ، لا بالوحي، إلا ترى كيف عَرَض عمر بن الخطاب ﵁ عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبيّ ﷺ رُجحانها، فوافقه عليها، وعمل بها (٢). (بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ) يعني ما يَحمل أثقالهم، واحدتها حَمُولةٌ - بفتح الحاء - ومنه قوله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وهي الإبل التي تُحمَل عليها الأثقال، وتُسمّى رواحل؛ لأنَّها يُرحل عليها، وتُسمّى نواضح إذا استُقي عليها، والبعير ناضح، والناقة ناضحة، قاله أبو عبيد (٣). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله "حمائلهم": رُوِيَ بالحاء المهملة، وبالجيم، وقد نَقَلَ جماعة من الشُّرّاح الوجهين، لكن اختلفوا في الراجح منهما، فممن نَقَلَ الوجهين صاحب "التحرير"، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما، واختار صاحب "التحرير" الجيم، وجزم القاضي عياض بالحاء، ولم يذكر غيرها، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وكلاهما صحيح، فهو بالحاء جمع حَمُولة - بفتح الحاء - وهي الإبل التي تُحْمَلُ، وبالجيم جمع جِمَالة - بكسرها - جمع جَمَل، ونظيره حَجَرٌ وحِجَارة، والجمل هو الذكر، دون الناقة. هكذا نقله النوويّ (٤).

стр. 558

وعبارة ابن الصلاح: قوله: "همّ بنحر بعض حمائلهم" هو في الأصل الذي هو بخطّ الحافظ أبي عامر الْعَبدريّ، وفي أصل أبي القاسم الدمشقيّ: "حمائلهم" بالحاء المهملة محقَّقًا، ولم يذكر القاضي عياض غير هذا، وفي الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ بالجيم، والحاء، مكتوبًا عليه "مَعًا"، وهو بالجيم (١) في "تخريج أبي نعيم الحافظ على كتاب مسلم" في أصل مُعتَمَد مسموع عليه، وفي حاشيته: "الْجَمائل": جمع الْجِمالة، وهي التي لا إناث لها. قال: وكلاهما له وجه صحيح، أما بالحاء فهو جمع "حَمُولة" بفتح الحاء، وهي الإبل التي تحمل، وعند أبي الْهَيْثَم اللغويّ: لا يقال في غير الإبل: حَمُولةٌ، وأما بالجيم، فهو: جمع جِمَالَة، بكسر الجيم، جمع جَمَل، ونظيره حجرٌ وحِجَارةٌ، والجَمَلُ هو الذكر دون الناقة، فيما حكاه الأزهريّ عن الفرّاء وغيره. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (٢). وقال ابن الأثير: "الجمائل" جمع جَمَلَ، وقيل: جمع جِمَالَة، وجِمَالَةٌ جمع جَمَل، كرِسَالة ورَسَائل، وهو الأشبه. انتهى (٣). وقال في "المصباح": الْجَمَل من الإبل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمَّى بذلك إلَّا إذا بَزَلَ، وجمعه جِمالٌ، وأَجْمالٌ، وأَجْمُلٌ، وجِمَالَةٌ بالهاء، وجمع الجِمَال جِمالات. انتهى. فأفاد أن الجمالة بالهاء جمع جَمَلٍ، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (فَقَالَ عُمَرُ) أي بعد أن أذن لهم النبيّ ﷺ في أن ينحروا بعض حمائلهم (يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ) "لو" هنا للعرض، نحو قولك: لو تَنْزِل عندنا، فتصيبَ خيرًا، ويحتمل أن تكون للتمنّي، كقولك: لو تأتيني، فتحدِّثَني، أي أتمنّى ذلك، ويحتمل أن تكون للشرط، ويقدَّر جوابها "لكان خيرًا".

стр. 559

وفي الرواية التالية: "فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلتَ قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم … " (مَا بَقِيَ) "ما" اسم موصول مفعول "جَمَعتَ"، و"بَقِي" بكسر القاف، وفتحها، والكسر لغة أكثر العرب، وبها جاء القرآن المكريم، والفتح لغة طيّء، فإنهم يُبدلون الكسرة فتحةً، فتنقلب الياء ألفًا، فيصير "بَقَا"، وكذلك يفعلون في كلّ فعل ثلاثيّ، سواء كانت الكسرة والياء أصليّتين، نحوُ "بَقِي"، و"نَسِيَ"، و"فَنِيَ"، أو كان ذلك عارضًا، كما لو بُني الفعل للمفعول، فيقولون في "هُدِيَ زيدٌ"، و"بُنِيَ البيتُ": هُدَى زيدٌ، وبُنَا البيتُ. قاله الفيّوميّ (١). (مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ) بيان لـ "ما بقي" (فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا) أي على الأزواد (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (فَفَعَلَ) أي فعل النبيّ ﷺ ما أشار عليه عمر ﵁ من جمع أزواد القوم (قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ) "البُرّ" بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء: الْقَمْحُ، والواحدة: بُرّةٌ (٢) (وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ) "التمر" بفتح، فسكون يذكّر ويؤنّث، فيقال: هو التمر، وهى التمر، وهو من ثمر النخل، كالزبيب من الْعِنَب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد أرطابه حتى يَجِفَّ، أو يقارب، ثم يُقطَع، ويُترك في الشمس حتى ييبَس، قال أبو حاتم السجستانيّ: وربما جُدّت النخل، وهي باسرة بعد ما أَخَلَّت (٣)؛ ليُخفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترَكُ حتى تكون تمرًا، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ (٤). وقوله: (قَالَ) الضمير لطلحة بن مُصَرِّف، كما قاله الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) يعني أن مجاهدًا زاد في روايته لهذا الحديث قوله: "وذو النواة بنواه"، ولم أجد رواية مجاهد هذه. وقوله: (وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا

стр. 560

هو في أصولنا وغيرها، الأول "النواة" بهاء التأنيث، والثاني بحذفها، فذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن صوابه حذف تاء التأنيث في الموضعين، كما قال: "ذو التمر بتمره"، قال ابن الصلاح: وجدته في كتاب أبي نعيم "المخرج على صحيح مسلم": "ذو النوى بنواه"، بلا هاء في الكلمتين، قال: والواقع في "كتاب مسلم" له عندي وجه صحيح، وهو أن تُجعل "النواة" عبارة عن جملة من النوي، أُفْرِدت عن غيرها، فتُسمّى الجملة المفردة الواحدة باسم النواة الواحدة، كما أُطلق اسم الكلمة على القصيدة، أو تكون النواة من قبيل ما يُسْتَعمَل في الواحد والجمع بلفظ واحد من الأسماء التي فيها علامة التأنيث، نحو: الْحَنْوة، وهي نبتٌ طيّب الريح على مثال الْعَنْوَة. انتهى (١). (قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو طلحة، كسابقه (وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟) أي: أيَّ شيء يستفيدون بإحضارهم النوى (قَالَ: كَانُوا يَمَصُّونَهُ) - بفتح الميم - هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، ويقال: مَصِصْتُ الرُّمَّانة والتمر، وشبههما - بكسر الصاد - أَمَصُّهَا - بفتح الميم - وحَكَى الأزهريّ عن بعض العرب ضم الميم، وحَكَى أبو عُمَر الزاهد في "شرح الفصيح" عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ هاتين اللغتين: مَصِصْتُ - بكسر الصاد - أَمَصُّ - بفتح الميم - ومَصَصْتُ - بفتح الصاد - أَمُصُّ - بضم الميم - مَصًّا فيهما، فأنا مَاصٌّ، وهي مَمْصُوصَةٌ. وإذا أمرتَ منهما قلتَ: مَصَّ الرُّمّانةَ، ومَصِّهَا، ومُصَّهَا، ومُصِّهَا، ومُصُّهَا، فهذه خمس لغات في الأمر: فتح الميم مع الصاد، ومع كسرها، وضمّ الميم، مع فتح الصاد، ومع كسرها، وضمها، هذا كلام ثعلب، والفصيح المعروف في مُصّها ونحوه، مما يَتَّصِل به "ها" التأنيثِ لمؤنثٍ أنه يتعين فتح ما يلي الهاء، ولا يكسر، ولا يضم. قاله النوويّ في "شرحه" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كذا الذي ذكره النَّوويّ هنا في الأمر من "مصّ"، من المسائل المهمة جدًّا، فينبغي أن نحقّقه بالتفصيل، فنقول: (اعلم): أنه إذا اتّصل بآخر الفعل المدغم من المجزوم وشبهه ضمير الغائبة وجب فتحه، كرُدَّهَا، ولم يَرُدّهَا، أو ضمير الغائب وجب ضمّه، كرُدُّهُ،

стр. 561

ولم يَرُدُّهُ؛ لأن الهاء خفيَّة، فلم يُعتدّ بها، فكأنّ الدال قد وليَهَا الألف والواو، وحَكَى ثعلبٌ التثليث قبل هاء الغائب، وغُلِّط في جواز الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لُغيّةٌ، سَمِعَ الأخفشُ مُدِّه، وغُطِّه، وحكى الكوفيّون التثليث قبل كلّ منهما. وإذا اتْصل بآخر الفعل ساكنٌ، فأكثرهم يكسره، كرُدّ القوم بالكسر؛ لأنَّها حركة لالتقاء الساكنين، وبنو أسد تفتحه؛ تخفيفًا، وحَكَى ابن جني ضمَّهُ؛ إتباعًا، وقد رُوي بهنّ قول جرير [من الوافر]: فَغُضُّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ … فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا نعم الضمّ قليلٌ، ولذا أنكره في "التسهيل". وإن لم يتّصل الفعل بشيء من ذلك، ففيه ثلاث لغات: الفتح؛ للخفّة مطلقًا، أي سواء كان مضموم الفاء، كرُدُّ، أو مكسورها، كفِرَّ، أو مفتوحها، كعَضَّ، وهو لغة أسد وغيرهم، والكسر مطلقًا، على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وهو لغة كعب، والإتباع لحركة الفاء، كرُدُّ بالضمّ، وفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في كلامهم. ذكره الخضريّ في "حاشيته" (١). وقد نظم بعضهم هذه القاعدة، فقال: إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَـ "لَا تَضُرِّ أَحَدَا" فَاكْسِرْهُ مُطْلَقًا لِقَوْمٍ وَافْتَحَا … لآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الْفُصَحَا مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ يَلْقَى ساكِنَا … يَأتُونَ بِالْكَسْرِ كَـ "سُرِّ الْحَزَنَا" ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أَنْ يُتْبَعَ مَا … يَلِي فَإِثْرَ ضَمِّهِ لَهُ اضْمُمَا وَافْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أَوْ أَلِفِ … وَبَعْدَ كَسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي إِلَّا بِنَحْوِ "مُسُّهُ" وَ"فِرُّهُ" … فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَـ "لَا تُمِرُّهُ" وَنَحْوَ "رُدَّهَا" وَ"حُبَّهَا" افْتَحَا … لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ وَضَحَا وَنَحْوَ "غُضِّ الطَّرْفَ" "عَضِّ اللَّحْمَا" … فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابْغِ الْعِلْمَا (٢) (وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) يعني: أنهم، وإن لَمْ ينتفعوا بأكله، إلَّا أنه إذا

стр. 562

مُصّ جلب العطش، فشربوا الماء، وتقوَّوا بذلك (قَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي هريرة ﵁ (فَدَعَا عَلَيْهَا) أي دعا رسول الله ﷺ على ما أتوا به من بقيّة الأزواد (حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ) غاية لمحذوف، أي فأمرهم بالأخذ منها، فأخذوا حتى ملؤوا أزودتهم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا الرواية - "أزودتهم" - وصوابه مزاودهم، فإنها هي التي تُمْلأُ بالأزودة، وهي جمع زاد، فسمّي المزاد أزودةً باسمها؛ لأنَّها تُجعل فيها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبّر عنها في الرواية الأخرى بالأوعية. انتهى (١). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "أزودتهم" كذا الرواية فيه في جميع أصول شيوخنا، و"الأزودة" غير الأوعية، كما قال في الحديث الآخر: "أوعيتهم"، ولعلّه "مَزَاودهم"، أو سمّى الأوعية بما فيها، كما سُمِّيت الأسقية "رَوَايَا" بحامليها، وإنما الرَّوَايَا الإبلُ التي تحملها، وسُمّيت النساء ظعائن باسم الهودج التي حُمِلت فيها. انتهى (٢). وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "الأَزْوِدَة: جمع زاد، وهي لا تُمْلأُ، إنما تُمْلأُ بها أوعيتُهَا، قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهل القرية، وبلغنا عن ابن جني أن في القرآن العظيم زُهاء ألف موضع فيه حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه، أو يكون ذلك من قبيل المقلوب الذي من أمثلته قول الشاعر [من الكامل]: كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ كَمَا … كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ وليس هذا مخصوصًا بضرورة الشعر، كما زعم ابن قتيبة، بل من عادات العرب قلبهم الكلام عند اتّضاح المعنى توسّعًا في فُنون المخاطبات، ومما ذكروا من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: بلغت الكبر.

стр. 563

قال: فاعلم ذلك، فإنه حرف مشكلٌ، لَمْ أرهم شرحوه إلَّا ما كان من القاضي عياض، فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سَمَّى الأوعية بما فيها، كما سُمّيت الأسقية رَوَايَا بحاملها، وإنما الروايا الإبل التي تحملها، وسُمِّيت النساء ظعائن باسم الْهَوَادج التي حُمِلت فيها، وما قاله غير مسلَّم، وتسمية رَوَايَا من توليد العامّة، والأمر في الظعائن على العكس مما ذكره، فإن صفة الظَّعْن للنساء بالأصالة. انتهى كلام ابن الصلاح (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب ابن الصلاح على القاضي عياض فيه نظر لا يخفي، فإن ما قاله قد أثبته أهل اللغة، فراجع "القاموس"، و"شرحه"، و"لسان العرب". والحاصل أن تأويل القاضي ليس ببعيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (فَقَالَ) ﷺ (عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقيّة الأزواد ("أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بكلمتي الشهادة المذكورتين (عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا) بنصب "غير" على الحال (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ"). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من لَقِي الله تعالى، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله دخل الجَنَّة، ولا يدخل النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يَتُبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعيّ أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة يَقْبِضُهَا الله تعالى التي وردت في الحديث الصحيح كما سيأتي في أحاديث الشفاعة - إن شاء الله تعالى - أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره، فيتعيّن تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان: [أحدهما]: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من

стр. 564

أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يَغفِر له؛ ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا على مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا للمبتدعة المانعين تفضّل الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردود بالأدلّة العقليّة والنقليّة. [وثانيهما]: أنهم لا يُحجبون عن الجنّة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته الأخبار بخلود كلّ من دخل الجَنَّة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها. انتهى (١). وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى (٢). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا (١٠/ ١٤٥) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر عن أبي النضر، عن عُبيد الله الأشجعيّ، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف، عن أبي صالح، عنه. وفي (١٠/ ١٤٦) عن سهل بن عثمان، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد (شكّ الأعمش). (والنسائيّ) في "السير" من "الكبرى" (٨٧٩٤) عن أبي بكر بن أبي النضر به، (ح) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن عبد الله، عن عبد العزيز، عن سهيل بن أبي صالح - (ح) عن أحمد بن سليمان، عن قتادة بن الفُضَيل، عن الأعمش - كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁.

стр. 565

و (٨٧٩٥) عن موسى بن عبد الرَّحمن الْمَسروقيّ، عن أبي أسامة، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة، عن أبي صالح: "بينما النبيّ ﷺ … "، فذكره مرسلًا، ولم يذكر أبا هريرة ﵁. و (أحمد) ٢/ ٤٢١ و ٣/ ١١، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١ و ١٣٢) و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣ و ١٤ و ١٥ و ١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان استدراك الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على إسناد هذا الحديث. (اعلم): أن هذا الإسناد، والإسناد الذي بعده مما استدركه الدارقطنيّ رحمه الله تعالى، وعَلَّله: فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عُبيدَ الله الأشجعيّ فرووه عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا. وأما الثاني فعلله؛ لكونه اختُلِف فيه عن الأعمش، فقيل فيه أيضًا عنه عن أبي صالح، عن جابر، وكان الأعمش يَشُكّ فيه. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاريّ ومسلم قَدْحٌ في أسانيدهما غير مُخْرِج لمتون الأحاديث من حَيِّز الصحة، وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الحافظ فيما أجاب الدارقطنيّ عن استدراكاته على مسلم رحمه الله تعالى أن الأشجعيّ ثقة مُجَوِّد، فإذا جَوَّدَ ما قَصَّر فيه غيره حُكِمَ له به، ومع ذلك فالحديث له أصلٌ ثابتٌ عن رسول الله ﷺ برواية الأعمش له مُسنَدًا، وبرواية يزيد بن أبي عُبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة ﵁. قال الشيخ: رواه البخاريّ، عن سلمة ﵁ عن رسول الله ﷺ . وأما شَكُّ الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث، فإنه شَكٌّ في عين الصحابيّ الراوي له، وذلك غير قادح؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدولٌ. انتهى كلامُ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى (١).
следующие страницы →