← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٧ و ١٩٠٨] (٤٠٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٤)، و (الترمذيّ) فيها (٢٩٠)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٢٤٢ و ٣/ ٤١)، و (ابن ماجه) فيها (٩٠٠)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٩ - ٩٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٥٢ و ١٩٥٣ و ١٩٥٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٩٩٦ و ١٠٩٩٧ و ١١٤٠٦)، و (الطحاوي) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٧٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٧٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٢ و ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٥ و ٨٩٦)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن مسعود ﵁، فراجعها تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَم) بن سليمان الأمويّ، مولى آل أبي مُعَيط، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيْدِ) بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ الكوفيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي الزبير، ومغيرة بن مِقْسَم، ومنصور، والأعمش، وطارق بن عبد الرحمن البجليّ، والأسود بن قيس، وغيرهم.

стр. 5287

وروى عنه ابنه حميد، ويحيى بن آدم، وعَبّاد بن ثابت، ودُبَيس بن حميد الملائيّ، وسلمة بن عبد الملك الْعَوْضيّ، ومالك بن إسماعيل النَّهْديّ. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٤٠٣)، وحديث (٤١٣): "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم. . . ". والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٠٩] (٤٠٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبي كَامِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلَاةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا؟، قَالَ: مَا قُلْتُهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ (١) كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَاتِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ

стр. 5288

وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (١)، يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎، قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ، فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْل أَحَدِكُمُ: التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل حديث. ٣ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب البصريّ، صدوق، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦. ٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، مشهور بكنيته [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة تقدّم قبل بابين. ٧ - (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ) الباهليّ، أبو غَلّاب (٢) البصريّ، ثقةٌ [٣].

стр. 5289

رَوَى عن ابن عمر، والبراء بن عازب، وجُندُب البجليّ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وكثير بن الصَّلْت، وحِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، وغيرهم. وروى عنه حميد بن هلال، وابن سيرين، وقتادة، وابن عون، وجماعة. قال ابن سعد: أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك لَمّا مات، وكان ثقةً، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن عُلَيّة عن أيوب بن محمد: لقيت أبا غَلَّاب، يونس بن جبير، وكان ذا ثَبْتٍ، فحدَّثني، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاريّ: مات بعد التسعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٠٤) و (١٤٧١) وكرّره ثلاث مرات، و (٢٢٥٨). ٨ - (حِطَّانُ (١) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن عليّ، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت. وروى عنه الحسن البصريّ، وإبراهيم بن العلاء الغَنَويّ، وأبو مِجْلَز، ويونس بن جبير. قال ابن المدينيّ: ثبتٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في ولاية بشر بن مروان على العراق، وقال أبو عمرو الدانيّ: كان مقرئًا قرأ عليه الحسن البصريّ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٠٤) و (١٦٩٠) وأعاده بعده، و (٢٣٣٤) وأعاده بعده. ٩ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حَضّار الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.

стр. 5290

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي كامل، وحطان، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه: سعيد، وقتيبة، وقد دخلا البصرة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن يونس، عن حطّان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة المشهورين، أمّره عمر، ثم عثمان ﵃، وهو أحد الحكمين بصفّين، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حِطَّانَ) بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ) بفتح الراء، وتخفيف القاف: نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة، امرأة كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في "اللباب" (١). (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) ﵁ (صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) اسم "كان" ضمير أبي موسى ﵁، وللنسائيّ: "فلما كان في القعدة" (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وفي رواية النسائيّ: "دخل رجل من القوم"، أي في الصلاة، وظاهره أنه كان مسبوقًا، فلحقهم في القعدة، ولأبي داود: "فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرّت الصلاة. . . " (أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ ﵀: معناه: قُرِنت بهما، وأُقَرّت معهما، وصار الجميع مأمورًا به. انتهى (٢).

стр. 5291

وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أُقِرَّت. . . إلخ" أي قُرِنت، والباء بمعنى "مع"، أي قُرِنت مع البِرّ والزكاة، فصارت معهما مستويةً في أحكامهما وتأكيدهما، ويَحْتَمِل أن يُراد بالبرّ هنا المبرّة، وبالزكاة الطهارة، ويكون المعنى: أن من داوم على الصلاة بَرّ وتطهّر من الآثام، واللَّه أعلم. انتهى (١). وقال ابن الأثير ﵀: معنى: "أُقرّت الصلاة بالبرّ والزكاة"، ورُوي "قَرّت": أي استقرّ معهما، وقُرنت بهما، يعني أن الصلاة مقرونة بالبرّ، وهو الصدق، وجِمَاعُ الخير، ومقرونة بالزكاة في القرآن مذكورة معها. انتهى (٢). وقال في "المنهل": و"الْبِرّ" بالكسر: الخير، والزكاة: التطهير، والمراد أن الصلاة توجب لصاحبها الخير، والطهارة من الذنوب. ويَحْتَمِل أن يكون "أُقِرّت" بمعنى أُثبِتت، من الإقرار، أي أُثبتت الصلاة مصاحبةً للخير، والطهارة من الذنوب. انتهى (٣). (قَالَ) حطّان ﵀: (فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ﵁ (الصَّلَاةَ) أي أتمّها، وانتهى منها (وَسَلَّمَ انْصَرَفَ) أي رجع إلى الناس، وأقبل عليهم، وفي رواية النسائيّ: "فلما سلّم أبو موسى أقبل على القوم، فقال: أيّكم القائل هذه الكلمة؟ " (فَقَالَ) أبو موسى للقوم منكرًا عليهم هذا الكلام: (أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا) أي قول الرجل: "أُقرّت الصلاة بالبرّ والزكاة"، وأطلق عليها الكلمة، مع أنها جملة -والجملة إنما يُطلق عليها الكلام لا الكلمة- مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وأشار إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:

стр. 5292

. … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ (قَالَ) حطّان (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) أي سكتوا، ولم يُجيبوا، يقال: أَرَمّ، فهو مُرِمٌّ، ويُرْوَى "فَأَزَمَ" بالزاي، وتخفيف الميم، وهو بمعناه؛ لأن الأَزْمَ: الإمساك عن الطعام والكلام، قاله في "النهاية" (١). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "فأرمّ القومُ" كذا رويناه بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروف، قال المازريّ: أي سكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرمّ القوم، فهم مُرِمُّون، ويُروى "فأزم"، ومعناه يرجع إلى الأول، وهو الإمساك عن الكلام أيضًا، ومنه سُمّيت الْحِمْيَةُ (٢) أزمًا. انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فأرمّ القومُ" بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروف، ويُروى: "فَأَزَمَ القومُ" بالزاي المنقوطة، ومعناهما واحدٌ، وهو السكوت، أي لم ينطقوا بشيء، ولا حرّكوا مَرَمّاتهم، وهي شِفَاهُهُم، والشَّفَةُ: هي الْمَرَمَّةُ، والْمِقَمَّةُ، وبالزاي من الأزم: أي لم يفتحوها بكلمة. انتهى (٤). وقال في "اللسان": "الأَزْمُ": تَرْكُ الأكل، وأصله من ذلك، وفي الحديث: أن عمر قال للحارث بن كَلَدَة، وكان طبيب العرب: ما الطبّ؟ فقال: هو الأَزْمُ، وهو أن لا تُدْخِل طعامًا على طعام، وفسّره الناس أنه الْحِمْيَةُ، والإمساكُ عن الاستكثار، قال: والأَزْمةُ: الأَكْلة الواحدة في اليوم مرّة كالْوَجْبَة، وفي حديث الصلاة أنه قال: "أيّكم المتكلّم؟ فأَزَمَ القوم"، أي أمسكوا عن الكلام كما يُمسك الصائم عن الطعام، قال: ومنه سُمّيت الْحِمْيَةُ أَزْمًا، قال: والرواية المشهورة: "فَأَرَمَّ القومُ" بالراء وتشديد الميم. انتهى المقصود من "اللسان" (٥).

стр. 5293

(ثُمَّ قَالَ) أبو موسى أيضًا تشديدًا لإنكاره عليهم (أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ) أبو موسى (لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا؟) ولعلّ أبو موسى ﵁ خصّ حِطّانًا بهذا الخطاب؛ إدلالًا عليه حيث كان يُلازمه، ولذا قال حطّان: "وقد رَهِبْتُ أن تَبْكعني بها"، حيث إنه توقّع لَمّا قال ذلك الرجل ما لا ينبغي أن يُقال في الصلاة أن أبا موسى سيواجه الناس بالتوبيخ والإنكار عليهم في ذلك، وأنه سيبدأ بمن هو أقرب إليه وألزم له؛ تنبيهًا لغيره ممن جَهِلَ الحكم، وسَتْرًا عليه؛ لئلا يَخْجل، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) حطّان: (مَا) نافية (قُلْتُهَا) أي لستُ أنا المتكلّم بهذه الكلمة (وَلَقَدْ رَهِبْتُ) بفتح الراء، وكسر الهاء، من باب تَعِبَ: أي خِفْتُ، والرَّهْبةُ: الخوفُ (١). (أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا) هو بفتح المثنّاة في أوّله، وإسكان الموحّدة بعدها: أي تُبَكِّتَنِي، وتُوبِّخني، قاله النوويّ (٢). وقال في "اللسان": بَكَّعَه تَبْكِيعًا، وبَكَعَه بَكْعًا: استقبله بما يَكْرَه، وبَكّته. انتهى (٣). وقال القاضي عياض ﵀: قال ابن الأعرابيّ: الْبَكْعُ: التبكيتُ في الوجه، وهكذا رَوَينا هذا الحرف عن جمهور شُيُوخنا، وكذا كان في كتبهم، وعند ابن ماهان: "تنكتني" بنون أولى، وبعدها الكاف المضمومة، وتاء باثنين فوقها مضمومة، بعدها نون ثانية، قال بعضهم: لعلّه تبكتني بها بالباء بمعنى الأول. انتهى (٤). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ) أي لم أتكلم بها للعب واللهو في الصلاة، وإنما قلتها لإرادة الخير والذكر بها (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) ﵁: (أَمَا تَعْلَمُونَ) وفي نسخة: "ما تعلمون" بحذف همزة الاستفهام، وهو الذي في مختصر القرطبيّ، فقال في "شرحه": ظاهره النفي، ويَحْتَمِل الاستفتاح، وحُذفت الهمزة تخفيفًا، كما تُحذَف مع الاستفهام. انتهى (٥).

стр. 5294

(كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَاِتكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بكسر "إن"؛ لوقوعها في الابتداء، وهو في موضع جواب سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا نقول؟ وما هو السنّة في ذلك؟ فقال: إن رسول اللَّه ﷺ (خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لنَا سُنَّتَنَا) أي ما يُسنّ لنا في ديننا من الأقوال والأفعال، (وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا) أي كيفيّتها (فَقَالَ) بالفاء التفسيريّة، فهو تفسيرٌ وبيانٌ لقوله: "علّمنا صلاتنا" ("إِذَا صَلَّيْتُمْ) أي إذا أردتم أداء الصلاة (فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أي عدّلوها بإلزاق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، بقوله: "باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصفّ"، ثم أخرج عن أنس بن مالك ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري"، وكان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. وفي "فوائد المخلص" بسند صحيح، قال أنس: "فلقد رأيت أحدنا يُلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، فلو ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شَمُوس" (١). وقال النوويّ ﵀: فيه الأمر بإقامة الصفوف، وهو مأمور به بإجماع الأمة، وهو أمر ندب، والمراد تسويتها، والاعتدال فيها، وتتميم الأول فالأول منها، والتراصّ فيها، وسيأتي بسط الكلام فيها حيث ذكرها مسلم - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (٢). (ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) اللام لام الأمر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وكسرها بعد "ثُمّ" أكثر من سكونها، ورواية الحديث بالسكون، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية [الحجّ: ٢٩] في قراءة الكوفيين، قال ابن هشام: وفي ذلك ردّ على من قال: إنه خاصّ بالشعر. وقوله: "يؤمّكم" مجزوم باللام، وحُرّك؛ للتخلّص من التقاء الساكنين، وكانت فتحةً للتخفيف.

стр. 5295

وقال النوويّ ﵀: فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب أم إيجاب على أربعة مذاهب: فالراجح في مذهبنا، وهو نصّ الشافعيّ ﵀، وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله مَن يحصل به إظهار هذا الشِّعَار سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم. وقالت طائفة من أصحابنا: هي سنة. وقال ابن خزيمة من أصحابنا: هي فرض عين، لكن ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفردًا بلا عذر أثم، وصحت صلاته. وقال بعض أهل الظاهر: هي شرط لصحة الصلاة، وقال بكلّ قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء، وستأتي المسألة في بابها - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الراجح ما ذهب إليه ابن خزيمة ﵀؛ لوضوح الأدلّة عليه، وستأتي المسألة مفصّلة في محلّها -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية النسائيّ: "فقال: إنما الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا. . . "، أي إنما جُعل الإمام ليُقتدى به في أفعال الصلاة، فلا تجوز مخالفته بالتقدّم عليه مطلقًا، ولا بالتأخر عنه. (فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) قال النوويّ ﵀: فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين: [إحداهما]: أنه لا يكبر قبله ولا معه، بل بعده، فلو شَرَع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويًا الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف لم يصحّ إحرام المأموم بلا خلاف؛ لأنه نوى الاقتداء بمن لم يَصِر إمامًا، بل بمن سيصير إمامًا إذا فرغ من التكبير.

стр. 5296

[والثانية]: أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال فضيلة تعجيلِ التكبير. انتهى (١). (وَإِذَا قَالَ) الإمام: (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ) قال القاضي عياض ﵀: معناه: استجب لنا، وقيل: معناه: كذلك نسأل اللَّه لنا، والمعروف فيها المدّ وتخفيف الميم، وحَكَى ثعلبٌ فيها القصر، وأنكره غيره، وقال: إنما جاء مقصورًا في ضرورة الشعر، وقيل: هي كلمة عبرانيّة، عُرِّبت مبنيّة على الفتح، وقيل: بل هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وقيل: معناه بآمين استجب لنا، والمدّة مدّة النداء عوض الياء، وحكى الداوديّ تشديد الميم مع المدّ، وقال: هو لغة شاذّة، ولم يعرفها غيره، وقد خطّأ ثعلب قائلها. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة ظاهرةٌ لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام، لا بعده، فإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقال الإمام والمأموم معًا: "آمين"، وتأولوا قوله ﷺ : "إذا أَمَّنَ الإمام فأمِّنوا"، قالوا: معناه إذا أراد التأمين؛ ليُجْمَع بينه وبين هذا الحديث، وهو يريد التأمين في آخر قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فيَعْقُب إرادتَهُ تأمينُهُ وتأمينُكُم معًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجمع حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وفي "آمين" لغتان: المدّ والقصر، والمدُّ أفصح، والميم خفيفة فيهما، ومعناه: استجب، وسيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- البحث في التأمين وما يتعلق به مستوفًى في بابه حيث يذكره الإمام مسلم ﵀. (يُجِبْكُمُ اللَّهُ) بالجيم، من الإجابة، وهو مجزوم بالطلب قبله، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ أي يستجب اللَّه تعالى دعاءكم، وهذا فيه حثّ عظيم على التأمين، فيتأكّد الاهتمام به. (فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا) أي اجعلوا تكبيركم للركوع، وركوعكم

стр. 5297

بعد تكبيره وركوعه، وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه. قال القاضي عياض ﵀: هذا يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام؛ لأنه جاء بفاء التعقيب، وهو مذهب كافّة العلماء، ولا خلاف أنه لا يسبقه المأموم بالتكبير والسلام إلا عند الشافعيّ ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن الصواب فعل المأموم ذلك بعد فعل الإمام، واختلفوا إذا فعله معه، قال: ولأصحابنا -يعني المالكيّة- فيه قولان: الإجزاء وعدمه، وكذلك اتّفقوا على أنه لا يسابقه بأفعاله وسائر أقواله في الصلاة، ولا يفعلها معه، وأن السنّة اتّباعه فيها. واختلفوا في اتّباع المأموم الإمامَ في أفعاله، هل يكون معه، فإذا شرع الإمام في الركوع ركع بإثره، ولا ينتظر تمام ركوعه، أم يكون بعده، ولا يركع حتى يركع الإمام، ولا يرفع حتى يرفع، وهكذا في سائر الأفعال، كما جاء في هذا الحديث؟ ثم ذكر عن مالك في المسألة ثلاثة أقوال. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بأنه لا يشرع في فعل من الأفعال، إلا بعد تمام فعل الإمام هو الحقّ؛ لأنه ﷺ بيّنه وأوضحه تمام الإيضاح بقوله: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم. . . " الحديث، فإنه نصّ واضح في كون المأموم لا يشرع في ركن من الأركان إلا بعد تلبّس الإمام به، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنَّ الإِمَامَ) الفاء للتعليل؛ لأن الإمام (يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ) يعني أن حقّه أن يتقدّمكم في كلّ ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ) أي أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تستدركونها بتأخّركم في الركوع بعد رفعه لحظةً، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدرُ ركوعكم كقدر ركوعه. وقال القاضي عياض ﵀: فيه إشارة إلى تحقيق ما تقدّم من ترجيح أحد الأقوال، وبيان الحكم من أنه لا يركع المأموم ولا يسجد، ولا يرفع حتى يفعل ذلك إمامه، وتنبيهٌ على أن الشيء الذي سبقه به إمامه من الركعة، أو

стр. 5298

السجدة لم يفته مقدارها؛ لفعله هو أيضًا مدّةَ انتظاره رفعَ الإمام رأسه واعتداله، فقامت مقام ما سبقه به إمامه، وجاءت أفعاله بقدر أفعاله، وسبقه له مطابق لتأنيه هو بعده، "فتلك بتلك". وقيل: معناه: فتلك الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصحّ بتلك الحالة من اتّباعكم له واقتدائكم به، وقيل: هو راجع إلى قوله: "آمين" بعد قوله: "والضالين"، و"ربّنا ولك الحمد" بعد قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، أي تلك الكلمة، أو الدعوة التي في السورة متعلّقة بـ "آمين"، أو بـ "ربنا ولك الحمد"؛ لارتباط إحداهما بمعنى الأخرى (١). (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قال القاضي ﵀: أي أجاب اللَّه دعاء من حمده، وقيل: أراد به الحثّ على التحميد، وسياق هذا الحديث يدلّ على أنه إعلام بذلك. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: "سمع اللَّه لمن حمده" خبرٌ عن اللَّه تعالى باستجابة حمده ودعائه، ويجوز أن يراد به الدعاء، فيكون معناه: اللهم استجب، كما تقول: صلى اللَّه على محمد. انتهى (٣). (فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وفي نسخة: "اللهمّ ربنا ولك الحمد"، قال في "الفتح": كذا في رواية الكشميهنيّ بإثبات الواو، وفيه ردّ على ابن القيّم حيث جزم بأنه لم يَرِد الجمع بين "اللهمّ" والواو في ذلك. انتهى (٤). وقال القرطبيّ ﵀: اختلفت روايات الحديث في إثبات الواو وحذفها، واختَلَفت روايات العلماء فيها، فمرّةً اختار مالك إثبات الواو؛ لأن قوله "ربّنا" إجابة قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، أي ربّنا استجب دعاءنا، واسمع حمدنا، ولك الحمد على هذا، وأيضًا فإن الواو زيادة حرف، ولكلّ حرف حظّ من الثواب، واختار مرّةً حذف الواو؛ إذ الحمد هو المقصود، قال القرطبيّ: والظاهر أن الموجب للاختلاف في الاختيار الاختلاف في ترجيح الآثار. انتهى (٥).

стр. 5299

وقال النوويّ ﵀: هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع: "ربنا ولك الحمد"، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز، وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقل القاضي عياض ﵀ اختلافًا عن مالك ﵀ وغيره في الأرجح منهما، وعلى إثبات الواو يكون قوله: "ربنا" متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع اللَّه لمن حمده، يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك. انتهى (١). وعبارة القاضي عياض ﵀: وقوله: "ربنا ولك الحمد" اختلفت الآثار فيه بإثبات الواو وحذفها، واختَلَف اختيار مالك وغيره من العلماء بين اللفظين، وفي إثبات الواو زيادة؛ لأن قوله: "ربّنا" إجابة قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، أي ربّنا استجِب دُعاءنا، واسمع حمدنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك، وبحذف الواو ليس فيها غير امتثال قول الحمد، ويظهر لي أن اختلاف قول مالك وتردّده في الاختيار بين اللفظين إما لاختلاف الآثار في ذلك، وترجيح أحدهما مرّة على الآخر من جهة الصحّة، أو الشهرة والعمل، أو لمطابقة المعنيين المتقدّمين في "سمع اللَّه لمن حمِدَه"، فإذا جعلنا "سمع اللَّه لمن حمده" بمعنى الحثّ على الحمد كان الوجه في الجواب ربنا لك الحمد دون واو؛ لأنه مطابقٌ لما حُثّ عليه، وامتثالٌ لما نُدِب إليه، وعلى التأويل الآخر الأَولى إثبات الواو؛ لأنه يتضمّن تأكيد الدعاء الأول، وتكراره لقوله: "ربّنا"، أي استجِبْ لنا، أو اسمع حمدنا، ثم يأتي بالعبادة التي دُعِي بالاستجابة لقائلها، وهو الحمد، فيقول: "ولك الحمد"، ومعنى "سمع اللَّه" هنا: أجاب وتقبّل. انتهى (٢). وقوله: (يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ) أي يستجيب لكم، وهو في نسخ الكتاب بالرفع مضبوطًا بالقلم، بخلاف قوله الماضي: "يجبكم اللَّه"، فإنه وقع في النسخ مجزومًا بضبط القلم، ووقع في نسخ سنن النسائيّ بالجزم في الموضعين، وكلا

стр. 5300

الأمرين جائزان، ووجه الجزم أن يكون جوابًا للطلب، كما أسلفناه، وأما الرفع فيكون على الاستئناف، واللَّه تعالى أعلم. (فَإنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية معمر، عن قتادة الآتية: "فإن اللَّه قضى على لسان نبيّه ﷺ : "سَمِع اللَّه لمن حمده"، ومعناه: أن اللَّه تعالى حكم في سابق قضائه وحتمه، وأمضاه وأنزله على نبيّه ﷺ ، فبلّغه إلى أمته أنه يُجيب دعاء من دعاه، ويقبل حمدَ من حمده، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إنه يستحب للإمام الجهر بقوله: "سمع اللَّه لمن حَمِده"، وحينئذ يسمعونه، فيقولون، وفيه دلالة لمذهب مَن يقول: لا يزيد المأموم على قوله: "ربنا لك الحمد"، ولا يقول معه: "سَمِع اللَّه لمن حمده"، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه ثبت أنه ﷺ جمع بينهما، وثبت أنه ﷺ قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وسيأتي بسط الكلام فيه في بابه - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بعدم مشروعيّة التسميع للمأموم هو الراجح؛ لكون هذا الحديث صريحًا فيه، وأما حديث: "صلُّوا كما رأيتموني أصلّي"، فعامّ خُصّ منه عدم متابعته في الجهر بالقراءة إجماعًا، فليُخصّ منه أيضًا هذا؛ لهذا الحديث الصريح الخاصّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-. (وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ) أي تلك اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدّمه إلى السجود، تُقابَلُ لكم بتأخّركم فيه بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، فيصير سجودكم بمقدار سجوده. (وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وسكون العين: المرّة من القعود، كما قال في "الخلاصة":

стр. 5301

وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَـ "جَلْسَهْ" … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـ "جِلْسَهْ" واسم "كان" ضمير يعود إلى المفهوم، والظرف خبرها، أي إذا كان الحال كائنًا عند القَعْدة (فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ) الظاهر أن "من" زائدة، وزيادتها في الإثبات أجازه الأخفش مطلقًا، وجعل منه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] والكوفيّون بشرط تنكير مجرورها، نحو: "قد كان من مطر". قال النوويّ ﵀: استَدَلَّ جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه: "التحيات"، ولا يقول: "بسم اللَّه"، وليس هذا الاستدلال بواضح؛ لأنه قال: "فليكن من أول"، ولم يقل: "فليكن أول"، واللَّه أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الاستدلال به واضحٌ، ووجه ذلك هو ما ذكرته من كون "من" زائدة، بدليل أنه وقع عند ابن ماجه وغيره بلفظ: "فإذا كان عند القعدة، فليكن أولُ ذكر أحدكم التشهدَ"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ") تقدّم شرح هذه الجمل قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٩٠٩ و ٩١٠ و ٩١١] (٤٠٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٢ و ٩٧٣)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ٩٦ - ٩٧ و ١٩٦ - ١٩٧ و ٢٤١ و ٣/ ٤١ - ٤٢)، و (ابن ماجه) فيها (٩٠١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٠٦٥)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٥١٧)، و (ابن أبي شيبة) في

стр. 5302

"مصنّفه" (١/ ٢٥٢ و ٢٥٣ و ٢٩٣ و ٣٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣١٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٨٤)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٦٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦٤ و ٢٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٦ و ١٤٠ و ١٤١ و ٣٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٢٠ و ٢٠٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٩٧ و ٨٩٨ و ٨٩٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صيغة التشهّد. ٢ - (ومنها): بيان أن أفعال الصلاة وأقوالها لا بدّ أن تكون مما ثبت عن النبيّ ﷺ ، فلا يجوز لأحد أن يبتدع فيها قولا أو فعلًا لم يثبت في السنّة، فقد قال أبو موسى ﵁: "أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ ". ٣ - (ومنها): عدم جواز مبادرة الإمام، فقد قال ﷺ : "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم. . . " الحديث. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الاهتمام في التبليغ، وتعليم أمته أحكام الدين. ٥ - (ومنها): أن الإمام هو القدوة للمأموم، فلا يجوز له أن يسابقه في أفعال الصلاة ولا أن يقارنه، بل يكون ابتداء متابعته بعد تأكّده من دخوله في الفعل الذي يريد أن يفعله، وقد أوضح هذا المعنى حديث البراء بن عازب ﵄ كان رسول اللَّه ﷺ إذا قال: "سمع اللَّه لمن حمده"، لم يَحْنِ أحدٌ منّا ظهره حتى يَقَع النبيّ ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده"، متّفق عليه، وفي لفظ: "كنا نصلي خلف النبيّ ﷺ ، فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبيّ ﷺ جبهته على الأرض". فقد صرّح أن الصحابة ﵃ كانوا إذا خرّ ﷺ للسجود، لا يحنون ظهورهم، فضلًا عن الخرور معه حتى يروه ﷺ واضعًا جبهته على الأرض، فقد دلّ على أن ابتداء فعل المأموم يكون بعد تمام انتقال الإمام إلى الركن التالي.

стр. 5303

ولكن مما يؤسف له أن كثيرًا من المصلّين إما يسابقون الإمام أو يساوونه، وهذا هو موت السنة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. ٦ - (ومنها): بيان أن اللحظة التي سبق الإمام بها المأموم تستدرك بتأخّر المأموم بلحظة مثلها. ٧ - (ومنها): الترغيب في قول "آمين" عند فراغ الإمام من قراءة الفاتحة؛ لأن اللَّه تعالى يُجيب الدعاء بذلك. ٨ - (ومنها): أن اللَّه يَسْمع حمد من حمده، ويُثيبه عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ (١)، بِمِثْلِهِ، وَفي حَدِيثِ جَرِيرٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ مُسْلِمٌ: تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ؟، فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، يَعْنِي: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ، فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا، إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث.

стр. 5304

٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٥ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِم [٩] (٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٦ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ ابن راهويه تقدّم أول الباب. ٨ - (جَرِير) بن عبد الحميد تقدّم أول الباب أيضًا. ٩ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طَرْخان، نزل في بني تيم، فنُسِب إليهم، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ١٠ - (قَتَادَةُ) بن دعامة تقدّم في السند الماضي. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ) إشارة إلى الثلاثة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ، فكلهم رووا هذا الحديث عن قتادة متابعين لأبي عوانة الراوي عنه في السند الماضي. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) وفي نسخة: "بهذا الإسناد" بالباء الموحّدة بدل "في"، والإشارة لإسناد قتادة الماضي، وهو عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ ﵁. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث قتادة الماضي في رواية أبي عوانة عنه. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة التي أحالها المصنّف هنا، ساقها الدارميّ ﵀ في "سننه"، فقال: (١٣٢٤) أخبرنا سعيد بن عامر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن

стр. 5305

يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيِّ، قال: صلى بنا أبو موسى إحدى صلاتي العشيّ، فقال رجل من القوم: أُقِرّت الصلاة بالبرّ والزكاة، فلما قضى أبو موسى الصلاة، قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأَرَمّ القوم، فقال: لعلك يا حِطّان قلتها؟ قال: ما أنا قلتها، وقد خِفْتُ أن تَبْكَعَني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أَوَما تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟ إن رسول اللَّه ﷺ خَطَبنا، فعَلَّمنا صلاتنا، وبَيَّن لنا سنتنا، قال: أحسبه قال: "إذا أقيمت الصلاة فليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يُجِبْكم اللَّه، فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه ﷺ : فتلك بتلك، فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، أو قال: ربنا ولك الحمد، فإن اللَّه قال على لسان نبيه: سمع اللَّه لمن حمده، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه ﷺ : فتلك بتلك، فاذا كان عند القَعْدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحياتُ الطيبات الصلوات للَّه، السلام، أو سلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام -أو سلام علينا- وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى. وأما رواية هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، فأخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٨٨٣٤) حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، أن الأشعريَّ صلى بأصحابه صلاةً، فقال رجل من القوم حين جلس في صلاته: أُقِرّت الصلاة بالبرّ والزكاة، فلما قَضَى الأشعريّ صلاته، أقبل على القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأَرَمَّ القوم، قال أبو عبد الرحمن (١): قال أبي: أَرَمَّ: السكوت، قال: لعلك يا حِطّان قلتها؟ لحطان بن عبد اللَّه، قال: واللَّه إن قلتها، ولقد رَهِبْتُ أن تَبْكَعَني بها، قال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت

стр. 5306

بها إلا الخير، فقال الأشعريّ: ألا تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟ فإن نبيّ اللَّه ﷺ خطبنا، فعلّمنا سنتنا وبيّن لنا صلاتنا، فقال: "أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أقرؤكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يُجِبْكم اللَّه، ثم إذا كبر الإمام وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه ﷺ : فتلك بتلك، فإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع اللَّه لكم، فإن اللَّه قال على لسان نبيه ﷺ : سمع اللَّه لمن حمده، وإذا كبر الإمام وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ اللَّه ﷺ : فتلك بتلك، فإذا كان عند القَعْدَة، فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى. وأما رواية جرير، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، فأخرجها الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه" (١/ ٢٧٦) إلا أنها مختصرة، فقال: (٨٤٧) حدّثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غلّاب، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قرأ الإمام فأنصتوا، فإذا كان عند القَعْدة فليكن أول ذكر أحدكم التشهد". انتهى. وأخرجها النسائيّ ﵀ في "سننه" من رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه، فقال: (١١٧٣) أخبرنا أبو الأشعث، أحمد بن الْمِقْدَام العجليّ البصريّ، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدّثنا أبي، يُحَدِّث عن قتادة، عن أبي غَلّاب، وهو يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه، أنهم صَلَّوا مع أبي موسى، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان عند القَعْدَة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات للَّه الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". انتهى.

стр. 5307

وأخرجها الإمام أبو داود أيضًا في "سننه" بعد إخراج رواية هشام، عن قتادة المتقدّم ذكرها، فقال: حدّثنا عاصم بن النضر، حدّثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، حدَّثنا قتادة، عن أبي غَلّاب، يحدثه عن حِطّان بن عبد اللَّه الرّقَاشيّ بهذا الحديث، زاد: "فإذا قرأ فأنصتوا"، وقال في التشهد بعد "أشهد أن لا إله إلا اللَّه" زاد: "وحده لا شريك له"، قال أبو داود: وقوله: "فأنصتوا" ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيميّ في هذا الحديث. انتهى. وأخرجها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ١٣٣)، فقال: حدّثنا الصائغ بمكة، قال: ثنا عليّ بن عبد اللَّه، قال: ثنا جريرٌ، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غَلّاب، يونس بن جبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه، أن أبا موسى قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فعلّمنا سنتنا، وبَيّن لنا صلاتنا، فقال: إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". انتهى. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَإِذَا قَرَأَ فأَنْصِتُوا") قد ذكرت آنفًا من أخرجه بهذه الزيادة، فتنبّه. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، إِلّا فِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) الظاهر أنه أراد بقوله: "أحد منهم" الذين شاركوا أبا كامل في روايتهم عن أبي عوانة، وهم: سعيد بن منصور، وقُتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبد الملك الأمويّ، وليس المراد الذين شاركوا أبا عوانة في روايته عن قتادة، وهم: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ، فإن قوله: "فإن اللَّه قال على لسان نبيّه ﷺ . . . إلخ" موجود في رواياتهم، كما أسلفت بيانه آنفًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (قالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، راوي "صحيحه" عنه، المتوفّى سنة (٣٠٨ هـ) وقد تقدّمت ترجمته في "شرح المقدّمة" (١).

стр. 5308

وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أي طعن في صحّة هذا الحديث بزيادة قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا". و"أبو بكر هذا" لم أجد ترجمته، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ مُسْلِم) بن الحجّاج صاحب الكتاب ردًّا على طعن أبي بكر المذكور في صحّة هذه الزيادة (تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟) هو بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، أي أتريد أحفظ من سليمان التيميّ الذي زادها؟ يعني أن سليمان كاملُ الحفظ والضبط، فلا تضرُّ مخالفة غيره له بعدم ذكر هذه الزيادة. وحاصل ما أشار إليه مسلم ﵀ أنه يرى صحّة هذه الزيادة، وإن خالف فيها سليمان جماعة الرواة عن قتادة؛ لأنه حافظ، فتُقبل زيادته، وسيأتي بيان من خالفه في هذا التصحيح، في المسألة الأولى -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أخت أبي النضر (فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أي: ما حاله؟. وأراد بحديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وقوله: (فَقَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي بكر، فيكون تفسيرًا لقوله: "فحديث أبي هريرة؟ "، فيكون قوله: (هُوَ صَحِيحٌ) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أهو صحيح؟ (يَعْنِي) بقوله: "فحديث أبي هريرة" قوله: ("وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"). ويَحْتَمِل أن يكون ضمير "قال" لمسلم، أي قال مسلم: هو حديث صحيح، فيكون قوله: (فَقَالَ) أي مسلم (هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ) تأكيدًا لما قبله، والوجه الأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ) أي أبو بكر (لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟) أي إذا كان صحيحًا، فلم لم تُخرجه في هذا الكتاب؟. وقوله: (قَالَ) أي مسلم (لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا)

стр. 5309

يعني أنه لم يضع في هذا الكتاب كلّ حديث صحيح لديه (إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ) أي ما أجمع الحفّاظ على صحّته. قال النوويّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم: ثم قد يُنكَر هذا الكلام، ويقال: قد وضع أحاديث كثيرةً غيرَ مُجْمَعٍ عليها. وجوابه أنها عند مسلم بصفة المجمَع عليه، ولا يلزم تقليد غيره في ذلك، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ما أجمعوا عليه" يحتمل معنيين: [أحدهما]: ما أجمع على صحّته الحفّاظ النقّاد، فلم يختلفوا في صحّته. [والثاني]: ما أجمع عليه الرواة، بأن اتّفقوا على شيخهم، لا ما اختلفوا فيه عليه، كرواية سليمان هنا بزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا"، مخالفًا للرواة الآخرين. وعلى كلّ من المعنيين فكلامه فيه نظر لا يخفى؛ لأنه وضع في كتابه أحاديث كثيرة من النوعين، وقد تقدّم أن ابن الصلاح ﵀ أجاب عنه بجوابين: [أحدهما]: أنه لم يضع في هذا الكتاب إلا الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائط الصحيح الْمُجمع عليه، وإن لم يَظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. [والثاني]: أنه أراد أنه ما وضع فيه ما اختلف الثقات فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولم يُرد ما كان إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، ثم ذكر جوابه على هذا الحديث المذكور هنا، قال: ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها؛ لصحّتها عنده، وفي ذلك ذهول منه ﵀ عن هذا الشرط، أو سبب آخر، وقد استُدركت عليه وعُلّلت. انتهى (٢).

стр. 5310

مسألتان تتعلّقان بهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا": (المسألة الأولى): في بيان اختلاف الحفّاظ في زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا": (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه الزيادة في حديث أبي موسى وأبي هريرة ﵄: فممن ذهب إلى تصحيحه المصنّف ﵀، كما سبق توضيحه في هذا الباب، ومنهم الإمام أحمد ﵀، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد": فإن قال قائل: إن قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" لم يقله أحدٌ في حديث أبي هريرة غيرُ ابن عجلان، ولا قاله أحد في حديث أبي موسى غير جرير، عن التيميّ. قيل له: لم يخالفهما من هو أحفظ منهما، فوجب قبول زيادتهما، وقد صحح هذين الحديثين أحمد بن حنبل، وحسبك به إمامةً وعلمًا بهذا الشأن. حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، قال: حدّثنا عبد الحميد بن أحمد، قال: حدّثنا الخضر بن داود، قال: حدّثنا أبو بكر الأثرم، قال: قلت لأحمد بن حنبل: مَن يقول عن النبيّ ﷺ من وجهٍ صحيحٍ: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"؟ فقال: حديث ابن عجلان الذي يرويه أبو خالد، والحديث الذي رواه جرير عن التيميّ، وقد زعموا أن المعتمر رواه، قلت: نعم قد رواه المعتمر، قال: فأيَّ شيء تريد؟ فقد صحح أحمد الحديثين جميعًا عن النبيّ ﷺ حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى، قوله ﷺ : "إذا قرأ الإمام فأنصتوا". انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١). وضعّفها جمهور الحفّاظ، فقد رَوَى البيهقيّ في "السنن الكبرى" عن أبي داود السجستانيّ أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه عن يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازيّ، والدارقطنيّ، والحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، شيخ الحاكم، أبي عبد اللَّه، قال البيهقيّ: قال أبو عليّ الحافظ: هذه اللفظة غير

стр. 5311

محفوظة، قد خالف سليمان التيميّ فيها جميع أصحاب قتادة، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مُقَدَّم على تصحيح مسلم، لا سيّما ولم يروها مُسْنَدَةً في "صحيحه"، ذكره النوويّ ﵀. وفي "علل" الدارقطنيّ ﵀: (١٣٣٣) وسئل عن حديث حِطّان بن عبد اللَّه الرّقَاشيّ، عن أبي موسى ﵁، عن النبيّ ﷺ في صفة الصلاة، فقال: يرويه قتادة، واختُلِف عنه، فرواه سعيد بن أبي عروبة، وهشام، وأبان، وأبو عوانة، ومعمر، وعديّ بن أبي عمارة، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطّان، عن أبى موسى، وألفاظهم متقاربة. ورواه سليمان التيميّ عن قتادة بهذا الإسناد، فزاد عليهم في الحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا" حدّث به عن سليمان كذلك معتمر، وجرير بن عبد الحميد، والثوريّ، وزاد معتمر عليهما، فذكر أنه يقول: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له"، ولم يذكر هذا سواه. ورواه سالم بن نوح العطّار، عن عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بهذا الإسناد: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"، ولم يزد على هذا. ورواه شعبة عن قتادة بهذا الإسناد، ولم يَشْرَح التشهدَ، وقال فيه: ذَكَرَ حديث التشهد. ورواه المثنى بن سعيد، عن قتادة، فخالف الجماعة في إسناده، جعله عن أبي العالية، عن أبي موسى، وذكر قصة التشهد خاصةً دون غيره من الصلاة، ووَهِمَ في قوله: عن أبي العالية. ورواه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن حِطّان، عن أبي موسى موقوفًا. وقال بهز بن أسد، والنضر بن شُميل، عن حماد، بهذا الإسناد: "أن النبيّ ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع"، وغيرهما يرويه عن حماد موقوفًا. ورواه مَطَرٌ الورّاق، عن زَهْدم الْجَرْميّ، عن أبي موسى موقوفًا أيضًا. والصواب من ذلك ما رواه سعيد، وهشام، ومن تابعهما، عن قتادة،

стр. 5312

وسليمان التيميّ من الثقات، وقد زاد عليهم قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولعله شُبِّه عليه لكثرة من خالفه من الثقات، وسالم بن نوح ليس بالقويّ، والصواب من حديث الأزرق بن قيس، عن حِطّان قول من وقفه عن حماد بن سلمة، واللَّه أعلم. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (١). وقال في "السنن" بعد أن ساق الحديمث ما نصّه: وكذلك رواه سفيان الثوريّ عن سليمان التيميّ، ورواه هشام الدستوائيّ، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعديّ بن أبي عُمارة، كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه. انتهى (٢). وقال البيهقيّ ﵀ في "الكبرى": أخبرنا أبو علي الروذباريّ، أنبأ أبو بكر بن داسة، قال: قال أبو داود السجستانيّ: قوله: "وأنصتوا" ليس بمحفوظ، وليس بشيء. (٢٧١١) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: خالف جرير عن التيميّ أصحابَ قتادة كلَّهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائيّ، وهَمّام، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبي عوانة، والحجاج بن الحجاج، ومن تابعهم على روايتهم -يعني دون هذه اللفظة- ورواه سالم بن نوح، عن ابن أبي عروبة، وعمر بن عامر، عن قتادة، فأخطأ فيه، أخبرنا بذلك أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يذكره. (٢٧١٢) وأخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ عليّ بن عمر الحافظ، ثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرميّ، ثنا محمد بن يحيى القَطِيعيّ، ثنا سالم بن نوح، ثنا عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير -يعني أبا غلاب- عن حطان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، قال: صلى بنا أبو موسى، فقال أبو موسى: إن رسول اللَّه ﷺ كان يعلمنا إذا صلى بنا، فقال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"، قال

стр. 5313

علي بن عمر (١): سالم بن نوح ليس بالقويّ. قال البيهقيّ: وقد رواه محمد بن عجلان من وجه آخر، أخبرنا أبو عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبوب الدهان، ثنا أبو حامد، أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزار، ثنا أبو الأزهر، ثنا إسماعيل بن أبان، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، ومصعب بن شُرَحبيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون". وكذلك رواه أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، وهو وَهَمٌ من ابن عجلان. أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان: "إذا قرأ فأنصتوا"، قال: ليس بشيء. أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه، أنبأ أبو محمد بن حيان، أنبأ ابن أبي حاتم، قال: سمعت أبي وذكر هذا الحديث، فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان، قال: وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا يعني عن زيد بن أسلم، وخارجة أيضًا ليس بالقوي. قال البيهقيّ ﵀: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازيّ كما روياه، ويحيى بن العلاء الرازيّ متروك (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ الناقدين أن أكثرهم على تضعيف زيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، سواء كان في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق محمد بن عجلان، أو من حديث أبي موسى الأشعريّ، من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة، إلا أن مسلمًا وبعض المحدثين صحّحوها

стр. 5314

على أنها زيادة ثقة، والذي يترجّح عندي قول الجمهور؛ لقوّة حجّتهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): أنه ينبغي على قول من قال بصحّة هذه الزيادة -أعني: "وإذا قرأ فأنصتوا"- كالمصنّف ومن قال بقوله، أن يكون هذا الأمر مقيّدًا بما سوى الفاتحة، فلا يجوز للمصلّي إذا سمع قراءة الإمام أن يقرأ سوى الفاتحة، وأما الفاتحة فلا بدّ من قراءتها؛ لصحّة استثنائها عن النبيّ ﷺ . فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف رسول اللَّه ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول اللَّه ﷺ ، فثَقُلَت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم هَذًّا يا رسول اللَّه، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح أيضًا، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال: قال النبيّ ﷺ : "لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟ " مرتين أو ثلاثًا، قالوا: يا رسول اللَّه، إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب". فهذا الحديث الصحيح استثنى الفاتحة، فأوجب قراءتها على المأموم، وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء، وقد تقدّم ذكر مذاهبهم، وأدلّتها مستوفًى في "باب وجوب قراءة الفاتحة في كلّ ركعة". وقد ذكر الإمام البخاريّ ﵀ تحقيق هذه المسألة في الجزء الذي وضعه في القراءة خلف الإمام، قال ﵀ ما مُلخّصه: واحتج هذا القائل -يعني أبا حنيفة- بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ثم قال: وهذا منقوض بالثناء، مع أنه تطوّع، والقراءة فرض، فأوجب عليه الإنصات بترك فرض، ولم يوجبه بترك سنة، فحينئذ يكون الفرض عنده أهون حالًا من التطوع. واعترضه أيضًا بفرع، وهو أن المصلي لو جاء والإمام في الركعة الأولى من الفجر، فإنه يصلي عنده ركعتي الفجر، ويترك الاستماع والإنصات، مع أنه ﵇ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".

стр. 5315

قال: ويقال له: أرأيت إذا لم يجهر الإمام، أيقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، فقد بطل دعواه؛ لأن الاستماع إنما يكون لما يُجْهَر به. ثم ذكر عن ابن عباس من غير سند: "فاستمعوا له، وأنصتوا"، قال: في الخطبة، ثم قال: ولو أريد به في الصلاة، فنحن نقول: إنما يقرأ خلف الإمام عند سكوته، وقد رَوَى سمرة ﵁ قال: كان للنبيّ ﷺ سكتتان: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته، قال: وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن، وميمون بن مِهْران، وسعيد بن جبير، وغيرهم يرون القراءة عند سكوت الإمام؛ عملًا بقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، والإنصات إذا قرأ الإمام؛ عملًا بالآية. قال: واحتج أيضًا بقوله ﵇: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، قال: وهذا حديث لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز والعراق؛ لإرساله وانقطاعه، أما إرساله، فرواه عبد اللَّه بن شداد، عن النبيّ ﷺ ، وأما انقطاعه، فرواه الحسن بن صالح، عن جابر الجعفيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يُدْرَى أسمع جابر من أبي الزبير أم لا؟ قال: ولو ثبت، فتكون الفاتحة مستثناةً منه، أي مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة بعد الفاتحة، كما قال ﷺ : "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وقال في حديث آخر: "إلا المقبرة"، مع انقطاعه. قال: ونظير هذا قوله ﵇ لسليك الغطفاني حين جاء وهو يخطب: "قم، فاركع"، مع أنه أمر بالإنصات للخطبة، فقال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت"، ولكنه أخرج الصلاة من هذا الإطلاق. قال: واحتَجّ أيضًا بخبر رُوي عن داود بن قيس، عن ابن نجاد، رجل من ولد سعد، عن سعد، قال: "وَدِدت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جَمْرة"، قال: وهذا مرسلٌ، فإن ابن نجاد لم يُعْرَف، ولا سُمِّي. قال: واحتَجّ أيضًا بحديث رواه أبو حُبَاب، عن سلمة بن كُهَيل، عن إبراهيم، قال: قال عبد اللَّه: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِئ فُوهُ نَتْنًا"، قال: وهذا مرسلٌ لا يُحْتَجّ به، وخالفه ابن عوان، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال: رَضْفًا، وهذا كله ليس من كلام أهل العلم لوجهين:

стр. 5316

أحدهما: قول النبيّ ﷺ : "لا تلاعنوا بلعنة اللَّه ولا بالنار، ولا تعذبوا عذاب اللَّه"، فكيف يجوز لأحد أن يقول في الذي يقرأ خلف الإمام جمرة، والجمرة من عذاب اللَّه؟. الثاني: أنه لا يحل لأحد أن يتمنى أن تُملأ أفواه أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، مثل عمر بن الخطاب، وأُبَيّ بن كعب، وحُذيفة، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن عمر، في جماعة آخرين، ممن رُوي عنهم القراءة خلف الإمام رَضْفًا، ولا نَتْنًا، ولا ترابًا. ثم روى أحاديث هؤلاء في مواضع متفرقة من الجزء المذكور. قال: واحتَجّ أيضًا بخبر رواه عمر بن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت، قال: "من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له"، قال: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله. قال: ورَوَى سليمان التيميّ، وعُمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطّان، عن أبي موسى في حديثه الطويل، عن النبيّ ﷺ وفيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير. وروى هشام، وسعيد، وأبو عوانة، وهمام، وأبان بن يزيد، وغيرهم، عن قتادة، فلم يقولوا فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولو صحّ لَحُمل على ما سوى الفاتحة. ورَوَى أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به"، وزاد فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ولا يُعْرَف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر، قال أحمد: أراه كان يُدَلِّس. وقد رواه الليث، وبكير، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه الليث أيضًا عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد، وزيد بن أسلم، والقعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فلم يقولوا فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا". ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، ولم يُتَابَعْ أبو خالد في زيادته.

стр. 5317

قال: ويقال لهذا القائل: قد أجمع أهل العلم وأنت على أن الإمام لا يتحمل عن القوم فرضًا، ثم قلت: إن الإمام يتحمل عن القوم هذا الفرض، مع أنك قلت: إنه لا يتحمل عنهم شيئًا من السنن، كالثناء، والتسبيح، ونحو ذلك، فتثبت أن الفرض عندك أهون حالًا من التطوع. انتهى كلام البخاريّ: مُلَخّصًا محررًا (١)، واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى في محلّه، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: "فَإِنَّ اللَّه (٢) قَضَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ مشهور، عمي في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. والباقيان تقدّما في السند الماضي.

стр. 5318

وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) إشارة إلى إسناد قتادة الماضى، وهو عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ ﵁. وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) ضمير "قال" لمعمر، أي قال معمر في روايته هذا الحديث عن قتادة: "فإن اللَّه. . . إلخ". وقوله: ("فَإِنَّ اللَّهَ قَضَى. . . إلخ") أي حكم بذلك، وأنزله على نبيّه ﷺ ، فبلّغه ﷺ بلسانه إلى الأمة. [تنبيه]: رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة التي أحالها المصنّف هنا على رواية من تقدّم ذكرهم من رُواة قتادة، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٨٦٩٠) حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطّان بن عبد اللَّه الرَّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع اللَّه ، فإن اللَّه تعالى قضى على لسان نبيه ﷺ : سمع اللَّه لمن حمده". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٧) - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩١٢] (٤٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ الأَنْصَارِيَّ -وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زيدٍ: هُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ- أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ

стр. 5319

سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الإمام المجمع على جلالته، وإتقانه، وحفظه [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرُ) (١) مولى آل عمر المدني، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٥. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وأبي مسعود الأنصاريّ، وروى عنه ابنه عبد اللَّه بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونعيم بن عبد اللَّه المجمر. قال العجلي: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال ابن منده: وُلِد في عهد النبيّ ﷺ ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، والأربعة، وله عندهم سوى ابن ماجه، حديث الباب فقط، وعند البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه حديث الأذان، فقط.

стр. 5320

٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الشهير، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، ومحمد بن عبد اللَّه، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: نعيم، عن محمد بن عبد اللَّه، وهو أيضًا من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه مشهور بكونه بدريًّا، وقد اختُلف في نسبته إلى بدر، والمشهور أنه لسُكْناه فيها، لا لشهوده غزوة بدر، وقال البخاريّ ومسلم: إنه شهدها، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ) -بضمّ الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية، بصيغة اسم الفاعل، من الإجمار، أو بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر الميم الثانية المشدّدة، من التجمير- وهو لقب لعبد اللَّه؛ لقّب به؛ لأنه كان يُبخّر المسجد النبويّ، ويُلقّب به أيضًا ابنه نُعيم (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) بالرفع على الابتداء، وخبره قوله: (هُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ) بالبناء للمفعول، وقوله: (النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ لـ "أُرِيَ"، أي أراه اللَّه تعالى في منامه الأذان للصلاة، وقد تقدّمت قصته في أبواب الأذان، والجملة من المبتدأ والخبر معترضة بين اسم "إنّ"، وخبرها، أتى به لبيان أن والد محمد هو عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربّه الذي رأى الأذان في منامه، وإنما أتى به لئلا

стр. 5321

يشتبه بعبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازنيّ، راوي صفة الوضوء، وصلاة الاستسقاء، وغيرهما. وذلك لأنهما يشتبهان على من لا معرفة له بعلم الرجال؛ إذ هما متّفقان في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج، وكذا في الصحبة، والرواية، ويَفترقان في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج؛ لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربّه من بَلْحَارث بن الْخَزْرَج، أفاده في "الفتح" (١). وقد تقدّمت ترجمة عبد اللَّه بن زيد بن عاصم ﵁ في أبواب الوضوء ٧/ ٥٦١. وأما عبد اللَّه بن زيد المذكور هنا، فهو: عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد المدنيّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شَهِدَ العقبة وبدرًا، والمشاهد، وهو الذي أُرِي النداء للصلاة في النوم، وكان رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد اللَّه بن محمد، على خلاف فيه، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، ولم يدركه. قال الترمذيّ، عن البخاريّ: لا يُعْرَف له إلا حديث الأذان، وكذا قال نحوه ابن عديّ، وأطلق غيرُ واحد أنه ليس له غيره، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئًا يصحّ عن النبيّ ﷺ إلا حديث الأذان. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا يؤيد كلام البخاريّ، وهو المعتمد، وقد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء، واغتَرّ الأصبهاني بالأول، فجزم به، وتبعه جماعة، فَوَهِمُوا.

стр. 5322

قال المدائنيّ: عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن حنطب، عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد، قال: مات أبي سنة (٣٢) وهو ابن (٦٤)، وصلّى عليه عثمان. وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتِل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة، كذا قال، وخالف ذلك في "المستدرك". وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من "الحلية" بسند صحيح، عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ، قال: دخلت ابنة عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد اللَّه بن زيد، شهد أبي بدرًا، وقُتِل بأحد، فقال: سليني ما شئتِ، فأعطاها (١). أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والأربعة، وليس له عند مسلم رواية، وإنما له ذكر فقط. وقوله: (أَخْبَرَهُ) خبر "أنّ" (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁ أنه (قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) بن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمة، ويقال: خُزيمة بن أبي خزيمة، ويقال: حارثة بن حَرَام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج الأنصاريّ، سيد الخزرج، أبي ثابت، ويقال: أبو قيس المدنيّ، وأمه عمرة بنت مسعود، كانت لها صحبة، وماتت في زمن النبيّ ﷺ ، شَهِد العقبة، وغيرها من المشاهد، واختُلِف في شهوده بدرًا. روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: قيس، وإسحاق، وسعيد، وابن ابنه شُرَحبيل بن سعيد، على خلاف فيه، وابن عباس، وابن المسيِّب، وأبو أمامة بن سهل، والحسن البصريّ، ولم يدركه، وعيسى بن فائد، وقيل: بينهما رجل. شَهِدَ العَقَبَة، وغيرها من المشاهد، واختُلِف في شُهوده بدرًا، فذكر

стр. 5323

البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو أحمد الحاكم أنه شَهِدَ بدرًا، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يَشْهَد بدرًا، وقال: كان ممن يتهيأ للخروج إلى بدر، فنُهِش فأقام، وقال ابن سعد أيضًا: كان سعد في الجاهلية يَكتُب بالعربية، ويحسن العَوْم والرَّمْي، وكان مَن أحسن ذلك سُمِّي الكامل، وكان هو وعِدّةٌ من آبائه في الجاهلية يُنادَى على أُطُمهم: مَن أحبّ الشحم واللحم، فليأت أُطُم دُلَيم بن حارثة، قال: وكانت جَفْنة سعد تدور مع رسول اللَّه ﷺ في بيوت أزواجه، وقال مِقْسَم عن ابن عباس ﵁: كانت راية رسول اللَّه ﷺ في المواطن كلِّها مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبَادة راية الأنصار، وقال محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفّة يُعَشِّيهم. وقال ابن عبد البرّ: تخلَّف سعد عن بيعة أبي بكر الصدِّيق، وخرج عن المدينة، فمات بحَوْران (١) من أرض الشام سنة (١٥)، وقيل: سنة (١٤)، وقيل: سنة (١١)، ولم يختلفوا أنه وُجِد ميتًا في مُغْتَسَله، وقال ابن جريج، عن عطاء: سمعت أن الجن قتلته، وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة (١٦)، له ذِكْرٌ في "الصحيحين" في غير موضع، وأخرج له الأربعة. (فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ) بن ثَعْلبة بن الْجُلاس (٢) بن زيد بن مالك بن ثَعْلبة بن كعب بن الْخَزْرج الأكبر الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، والد النعمان، شَهِد بدرًا، وهو أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، رَوَى عن النبيّ ﷺ حديثًا واحدًا في النُّحْل على خلاف فيه.

стр. 5324

رَوَى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، ذكره ابن أبي حاتم فيمن مات سنة (١٣) فتكون رواية هؤلاء عنه سوى النعمان مرسلةً، وقد رُوي حديث حميد بن عبد الرحمن، عن النعمان، عن أبيه، فتعيّن إرساله، إن كان رواه عن بشير بلا واسطة. وذكر ابن إسحاق والواقديّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنْصَرَفه من اليمامة سنة (١٢). لكن رَوَى البخاري في "تاريخه" من طريق الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال يومًا، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو تَرَخَّصت في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير بن سعد: لو فَعلتَ قَوَّمناك تقويم القادح، فقال عمر: أنتم إذًا أنتم. فهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر، وفي "كتاب الطبقات" لابن سعد: أنه كان يكتب بالعربية في الجاهلية. وبعثه النبيّ ﷺ في بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء. أخرج له النسائيّ حديث النُّحْلة فقط، وله ذِكْرٌ عند المصنّف وغيره في حديث أبي مسعود البدريّ ﵁ المذكور في هذا الباب فقط. (أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) معناه أمرنا اللَّه تعالى بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فكيف نَلْفِظ بالصلاة؟ وفي هذا أن مَن أُمر بشيء لا يَفْهَم مراده يسأل عنه؛ لِيَعْلم ما يأتي به، قاله النووي ﵀. وقال القاضي عياض: وسؤالهم هنا عن الصلاة يَحْتَمل أن يراد به السؤال عن كيفية الصلاة في غير الصلاة، ويَحْتَمل أن يكون في الصلاة، قال: وهو الأظهر؛ لقوله: "والسلام كما علمتم"، قال النوويّ: وهذا ظاهر اختيار مسلم، ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع. انتهى.

стр. 5325

وقال القاضي عياض ﵀ أيضًا: حُكْمُ من خُوطب بأمر يَحْتَمِل لوجهين، أو مُجْمَلٍ لا يَفْهَمُ مراده، أو عامّ يَحْتَمِل الخصوص أن يسأل، ويَبحث إذا أمكنه ذلك، واتَّسَعَ له الوقتُ للسؤال؛ إذ لفظ الصلاة الواردة في القرآن بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ محتمل لأقسام معاني لفظ الصلاة، من الرحمة، والدعاء، والثناء، فقد قيل: صلاة اللَّه عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة، ومن الملائكة دعاءٌ، وقيل: هي من اللَّه رحمةٌ، ومن الملائكة رقّةٌ، ودعاء بالرحمة، وقيل: هي من اللَّه لغير النبيّ رحمة، وللنبيّ تشريف، وزيادة تكرمة، وقيل: هي من اللَّه وملائكته تبريك، ومعنى ﴿يُصَلُّونَ﴾ يبَرِّكون. فيَحْتَمِل أنّ الصحابةَ سألوا عن المراد بالصلاة؛ لاشتراك هذه اللفظة، وإلى هذا ذهب بعض المشايخ في معنى سؤالهم في هذا الحديث. وقد اختَلَفَ الأصوليّون في الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقةً، فقيل: تُحْمَلُ على عموم مقتضاها من جميع معانيها ما لم يَمنَع مانعٌ، وقيل: تُحمَل على الحقيقة دون ما تُجُوِّز به، وإليه نحا القاضي أبو بكر. وذهب بعض المشايخ إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة، لا عن جنسها؛ لأنهم لم يؤمروا بالرحمة، ولا هي لهم، فإن ظاهر أمرهم بالدعاء (١)، وإليه نحا الباجيّ. قال القاضي عياض: وهو أظهر في اللفظ، وإن كانت الصلاة كما قدّمنا مشتركة اللفظ، والخلاف في معنى الصلاة من اللَّه والملائكة موجود، ويعضده السؤال فيه بـ "كيف" التي تقتضي الصفة لا الجنس الذي يُنقل عنه بها. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال هو المتعيّن هنا، وأما الاحتمال الأول، فلا يخفى بُعده، فتبصّر.
следующие страницы →