يشتبه بعبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازنيّ، راوي صفة الوضوء، وصلاة الاستسقاء، وغيرهما.
وذلك لأنهما يشتبهان على من لا معرفة له بعلم الرجال؛ إذ هما متّفقان في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج، وكذا في الصحبة، والرواية، ويَفترقان في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج؛ لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربّه من بَلْحَارث بن الْخَزْرَج، أفاده في "الفتح" (١).
وقد تقدّمت ترجمة عبد اللَّه بن زيد بن عاصم ﵁ في أبواب الوضوء ٧/ ٥٦١.
وأما عبد اللَّه بن زيد المذكور هنا، فهو: عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد المدنيّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شَهِدَ العقبة وبدرًا، والمشاهد، وهو الذي أُرِي النداء للصلاة في النوم، وكان رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد اللَّه بن محمد، على خلاف فيه، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، ولم يدركه.
قال الترمذيّ، عن البخاريّ: لا يُعْرَف له إلا حديث الأذان، وكذا قال نحوه ابن عديّ، وأطلق غيرُ واحد أنه ليس له غيره، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئًا يصحّ عن النبيّ ﷺ إلا حديث الأذان. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهذا يؤيد كلام البخاريّ، وهو المعتمد، وقد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء، واغتَرّ الأصبهاني بالأول، فجزم به، وتبعه جماعة، فَوَهِمُوا.
стр. 5322
قال المدائنيّ: عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن حنطب، عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد، قال: مات أبي سنة (٣٢) وهو ابن (٦٤)، وصلّى عليه عثمان.
وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتِل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة، كذا قال، وخالف ذلك في "المستدرك".
وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من "الحلية" بسند صحيح، عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ، قال: دخلت ابنة عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد اللَّه بن زيد، شهد أبي بدرًا، وقُتِل بأحد، فقال: سليني ما شئتِ، فأعطاها (١).
أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والأربعة، وليس له عند مسلم رواية، وإنما له ذكر فقط.
وقوله: (أَخْبَرَهُ) خبر "أنّ" (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁ أنه (قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) بن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمة، ويقال: خُزيمة بن أبي خزيمة، ويقال: حارثة بن حَرَام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج الأنصاريّ، سيد الخزرج، أبي ثابت، ويقال: أبو قيس المدنيّ، وأمه عمرة بنت مسعود، كانت لها صحبة، وماتت في زمن النبيّ ﷺ ، شَهِد العقبة، وغيرها من المشاهد، واختُلِف في شهوده بدرًا.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: قيس، وإسحاق، وسعيد، وابن ابنه شُرَحبيل بن سعيد، على خلاف فيه، وابن عباس، وابن المسيِّب، وأبو أمامة بن سهل، والحسن البصريّ، ولم يدركه، وعيسى بن فائد، وقيل: بينهما رجل.
شَهِدَ العَقَبَة، وغيرها من المشاهد، واختُلِف في شُهوده بدرًا، فذكر
стр. 5323
البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو أحمد الحاكم أنه شَهِدَ بدرًا، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يَشْهَد بدرًا، وقال: كان ممن يتهيأ للخروج إلى بدر، فنُهِش فأقام، وقال ابن سعد أيضًا: كان سعد في الجاهلية يَكتُب بالعربية، ويحسن العَوْم والرَّمْي، وكان مَن أحسن ذلك سُمِّي الكامل، وكان هو وعِدّةٌ من آبائه في الجاهلية يُنادَى على أُطُمهم: مَن أحبّ الشحم واللحم، فليأت أُطُم دُلَيم بن حارثة، قال: وكانت جَفْنة سعد تدور مع رسول اللَّه ﷺ في بيوت أزواجه، وقال مِقْسَم عن ابن عباس ﵁: كانت راية رسول اللَّه ﷺ في المواطن كلِّها مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبَادة راية الأنصار، وقال محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفّة يُعَشِّيهم.
وقال ابن عبد البرّ: تخلَّف سعد عن بيعة أبي بكر الصدِّيق، وخرج عن المدينة، فمات بحَوْران (١) من أرض الشام سنة (١٥)، وقيل: سنة (١٤)، وقيل: سنة (١١)، ولم يختلفوا أنه وُجِد ميتًا في مُغْتَسَله، وقال ابن جريج، عن عطاء: سمعت أن الجن قتلته، وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة (١٦)، له ذِكْرٌ في "الصحيحين" في غير موضع، وأخرج له الأربعة.
(فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ) بن ثَعْلبة بن الْجُلاس (٢) بن زيد بن مالك بن ثَعْلبة بن كعب بن الْخَزْرج الأكبر الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، والد النعمان، شَهِد بدرًا، وهو أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، رَوَى عن النبيّ ﷺ حديثًا واحدًا في النُّحْل على خلاف فيه.
стр. 5324
رَوَى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، ذكره ابن أبي حاتم فيمن مات سنة (١٣) فتكون رواية هؤلاء عنه سوى النعمان مرسلةً، وقد رُوي حديث حميد بن عبد الرحمن، عن النعمان، عن أبيه، فتعيّن إرساله، إن كان رواه عن بشير بلا واسطة.
وذكر ابن إسحاق والواقديّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنْصَرَفه من اليمامة سنة (١٢).
لكن رَوَى البخاري في "تاريخه" من طريق الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال يومًا، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو تَرَخَّصت في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير بن سعد: لو فَعلتَ قَوَّمناك تقويم القادح، فقال عمر: أنتم إذًا أنتم.
فهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر، وفي "كتاب الطبقات" لابن سعد: أنه كان يكتب بالعربية في الجاهلية.
وبعثه النبيّ ﷺ في بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء.
أخرج له النسائيّ حديث النُّحْلة فقط، وله ذِكْرٌ عند المصنّف وغيره في حديث أبي مسعود البدريّ ﵁ المذكور في هذا الباب فقط.
(أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) معناه أمرنا اللَّه تعالى بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فكيف نَلْفِظ بالصلاة؟ وفي هذا أن مَن أُمر بشيء لا يَفْهَم مراده يسأل عنه؛ لِيَعْلم ما يأتي به، قاله النووي ﵀.
وقال القاضي عياض: وسؤالهم هنا عن الصلاة يَحْتَمل أن يراد به السؤال عن كيفية الصلاة في غير الصلاة، ويَحْتَمل أن يكون في الصلاة، قال: وهو الأظهر؛ لقوله: "والسلام كما علمتم"، قال النوويّ: وهذا ظاهر اختيار مسلم، ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع. انتهى.
стр. 5325
وقال القاضي عياض ﵀ أيضًا: حُكْمُ من خُوطب بأمر يَحْتَمِل لوجهين، أو مُجْمَلٍ لا يَفْهَمُ مراده، أو عامّ يَحْتَمِل الخصوص أن يسأل، ويَبحث إذا أمكنه ذلك، واتَّسَعَ له الوقتُ للسؤال؛ إذ لفظ الصلاة الواردة في القرآن بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ محتمل لأقسام معاني لفظ الصلاة، من الرحمة، والدعاء، والثناء، فقد قيل: صلاة اللَّه عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة، ومن الملائكة دعاءٌ، وقيل: هي من اللَّه رحمةٌ، ومن الملائكة رقّةٌ، ودعاء بالرحمة، وقيل: هي من اللَّه لغير النبيّ رحمة، وللنبيّ تشريف، وزيادة تكرمة، وقيل: هي من اللَّه وملائكته تبريك، ومعنى ﴿يُصَلُّونَ﴾ يبَرِّكون.
فيَحْتَمِل أنّ الصحابةَ سألوا عن المراد بالصلاة؛ لاشتراك هذه اللفظة، وإلى هذا ذهب بعض المشايخ في معنى سؤالهم في هذا الحديث.
وقد اختَلَفَ الأصوليّون في الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقةً، فقيل: تُحْمَلُ على عموم مقتضاها من جميع معانيها ما لم يَمنَع مانعٌ، وقيل: تُحمَل على الحقيقة دون ما تُجُوِّز به، وإليه نحا القاضي أبو بكر.
وذهب بعض المشايخ إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة، لا عن جنسها؛ لأنهم لم يؤمروا بالرحمة، ولا هي لهم، فإن ظاهر أمرهم بالدعاء (١)، وإليه نحا الباجيّ.
قال القاضي عياض: وهو أظهر في اللفظ، وإن كانت الصلاة كما قدّمنا مشتركة اللفظ، والخلاف في معنى الصلاة من اللَّه والملائكة موجود، ويعضده السؤال فيه بـ "كيف" التي تقتضي الصفة لا الجنس الذي يُنقل عنه بها. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال هو المتعيّن هنا، وأما الاحتمال الأول، فلا يخفى بُعده، فتبصّر.
стр. 5326
والحاصل أن الصحابة ﵃ إنما سألوا عن صيغة الصلاة التي أُمِروا بها، ويدلّ على تعيّن هذا المعنى قوله في حديث كعب ﵁ الآتي: "عَرَفْنا كيف نسلّم عليك" أي عَلِمنا صيغة السلام عليك المأمور به في الآية، حيث علّمتنا بقولك في التشهد: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، فما هو اللفظ الذي نصلّي عليك به؟، فالسؤال عن صيغة الصلاة، لا عن المعنى المراد بها، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": واختُلِف في المراد بقولهم: "كيف"، فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأيِّ لفظ يُؤَدَّى، وقيل: عن صفتها، قال عياض: لَمّا كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ والآية [الأحزاب: ٥٦] يَحْتَمِل الرحمة والدعاء والتعظيم، سألوا بأيّ لفظ تُؤَدَّى؟ هكذا قال بعض المشايخ، ورَجّح الباجيّ أن السؤال إنما وقع عن صفتها، لا عن جنسها، وهو أظهر؛ لأن لفظ "كيف" ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيُسْأل عنه بلفظ "ما"، وبه جزم القرطبيّ، فقال: هذا سؤالُ مَن أشكلت عليه كيفية ما فَهِم أصله، وذلك أنهم عَرَفُوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تليق بها ليستعملوها. انتهى.
والحامل لهم على ذلك أن السلام لَمّا تقَدَّم بلفظ مخصوص، وهو "السلامُ عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته"، فَهِمُوا منه أن الصلاة أيضًا تقع بلفظ مخصوص، وعَدَلُوا عن القياس؛ لإمكان الوقوف على النصّ، ولا سيّما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجة عن القياس غالبًا، فوقع الأمر كما فَهِمُوا، فإنه لم يقل لهم قولوا: الصلاة عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك إلخ، بل علَّمَهم صيغة أخرى. انتهى (١).
(قَالَ) أبو مسعود ﵁ (فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي منتظرًا للوحي (حَتَّى تَمَنَّيْنَا انَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ) إنما تمنّوا ذلك خشيةَ أن يكون النبيّ ﷺ لم يُعجبه السؤال المذكور؛ لما تقرّر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١].
стр. 5327
ووقع عند الطبريّ من وجه آخر في هذا الحديث: "فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: تقولون. . . ".
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بعد أن سَكَت منتظرًا للوحي، فنزل عليه: ("قُولُوا: اللَّهُمَّ) هذه الكلمة كَثُر استعمالها في الدعاء، وهو بمعنى: يا اللَّه، والميم عوض عن حرف النداء، فلا يقال: اللهم غفور رحيم مثلًا، وإنما يقال: اللهم اغفر لي، وارحمني، ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر، كقول الراجز:
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
واختُصَّ هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء، ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف، هالى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ "يَا" وَ"أَلْ" … إِلَّا مَعَ "اللَّهِ" وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ "اللَّهُمَّ" بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ "يَا اللَّهُمَّ" فِي قَرِيضِ
وذهب الفَرّاء ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله "يا اللَّه"، وحذف حرف النداء تخفيفًا، والميم مأخوذة من جملة محذوفة، مثل أُمَّنَا بخير، وقيل: بل زائدة، كما في زُرْقُم للشديد الزُّرْقَة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيمًا، وقيل: بل هو كالواو الدالة على الجمع، كأن الداعي قال: يا مَن اجتمعت له الأسماء الحسنى، ولذلك شُدِّدت الميم؛ لتكون عوضًا عن علامة الجمع، وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللهم مُجْتَمَعُ الدعاء، وعن النضر بن شُميل: مَن قال: اللهم فقد سأل اللَّه بجميع أسمائه، ذكره في "الفتح" (١).
(صَلِّ) أصحّ التفاسير للصلاة ما ذكره البخاريّ في "صحيحه" عن أبي العالية قال: معنى صلاة اللَّه على نبيه ﷺ ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له.
وعند ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حَيّان قال: صلاة اللَّه مغفرته، وصلاة الملائكة الاستغفار.
стр. 5328
وعن ابن عباس ﵁: إن معنى صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
وقال الضحاك بن مُزاحم: صلاة اللَّه رحمته، وفي رواية عنه: مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء، أخرجهما إسماعيل القاضي عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها.
وقال المبرد: الصلاة من اللَّه الرحمة، ومن الملائكة رِقّة تَبْعَث على استدعاء الرحمة.
وتُعُقِّب بأن اللَّه غاير بين الصلاة والرحمة في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وكذلك فَهِم الصحابة المغايرةَ من قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب: ٥٦] حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام، حيث جاء بلفظ: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، وأقرّهم النبيّ ﷺ ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لقال لهم: قد علمتم ذلك في السلام.
وجَوَّز الحليميّ أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظرٌ، وحديث الباب يَرُدّ على ذلك.
وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية أن معنى صلاة اللَّه على نبيه ﷺ ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من اللَّه تعالى، والمراد طلب الزيادة، لا طلب أصل الصلاة.
وقيل: صلاة اللَّه على خلقه تكون خاصّةً، وتكون عامّةً، فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وَسِعت كل شيء.
ونَقَل عياض عن بَكْر القشيريّ قال: الصلاة على النبيّ ﷺ من اللَّه تشريف، وزيادة تَكْرِمة، وعلى من دون النبيّ رحمة، وبهذا التقرير يَظْهَر الفرق بين النبيّ ﷺ ، وبين سائر المؤمنين، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبيّ ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبيّ ﷺ ، والتنويه به ما ليس في غيرها.
стр. 5329
وقال الْحَلِيميّ في "الشعب": معنى الصلاة على النبيّ ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عَظِّم محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى.
ولا يَعْكُر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدْعَى لهم بالتعظيم؛ إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به، وما تقدّم عن أبي العالية أظهر، فانه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى اللَّه، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيِّده أنه لا خلاف في جواز الترحّم على غير الأنبياء، واختُلِف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد: اللهم ارحم محمدًا، أو ترحم على محمد، لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد، فلا بد من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدلّ عليه، قاله في "الفتح" (١).
(عَلَى مُحَمَّدٍ) هو أشهر أسمائه ﷺ ، وهو اسم منقولٌ من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود، ومحبّته، وإجلاله، وتعظيمه، وقد تقدّم البحث فيه، مستوفًى في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد علْمًا جمًّا (٢).
(وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قيل: أصل "آل" "أهلٌ"، قُلبت الهاء همزةً، ثم سُهِّلت، ولهذا إذا صُغِّر رُدّ إلى الأصل، فقالوا: أُهيلٌ، وقيل: بل أصله أَوَلٌ، من آل: إذا رجع، سُمّي بذلك من يؤول إلى الشخص، ويُضاف إليه، ويقوّيه أنه لا يضاف إلا إلى مُعظّم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال: آل الحَجّام،
стр. 5330
بخلاف أهل، ولا يُضاف آل أيضًا غالبًا إلى غير العاقل، ولا إلى المضمر عند الأكثرين، وجوّزه بعضهم بقلّة، وصوّبه القرطبيّ؛ لأن السماع الصحيح يَعضده، فإنه قد جاء في قول عبد المطّلب في قصّة أصحاب الفيل من أبيات:
لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْـ … ــــنَعْ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ
وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ … ــــــبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ
وقال قُدامة:
أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي … وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا
وغير ذلك من كلام العرب، وهو كثير (١).
وقد يُطلق آل فلان على نفسه، وعليه وعلى من يُضاف إليه جميعًا، وضابطه أنه إذا قيل: فَعَلَ آلُ فلان كذا دخل فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله ﷺ للحسن بن عليّ ﵁: "إنا آلَ محمد، لا تحلّ لنا الصدقة"، وإن ذُكرا معًا فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكالإيمان والإسلام، والفسوق والعصيان.
ولَمّا اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا، وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يُحمَل على أنه ﷺ قال ذلك كلّه، ويكون بعض الرواة حَفِظ ما لم يَحفَظه الآخرون، وأما التعدّد فبعيدٌ؛ لأن غالب الطرق تُصَرّح بأنه وقع جوابًا عن قولهم: "كيف نصلي عليك؟ ".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحمل على التعدّد أقرب؛ لأن السائلين كثيرون، فحملُ سؤالهم على محلّ واحد بعيدٌ جدًّا.
فالأولى أن نقول: إنه ﷺ علّمهم في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة في بعضها طولٌ، وفي بعضها اختصارٌ؛ توسعةً عليهم، فتكون كألفاظ التشهّد الْمُخْتلِف تعليمه ﷺ للصحابة ﵃ إياها، وكصيغ الاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، والدعوات.
والحاصل أن في الأمر سعةً، فيختار مريد الصلاة عليه ﷺ أيّ صيغة صحّت عن رسول اللَّه ﷺ ، فَيُصلي بها، والأولى أن يُصلي في وقت بصيغة، وفي آخر بأخرى، وهكذا حتى يستعمل الصيغ التي صحّت عن النبيّ ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5331
وقال في "الفتح": ويَحْتَمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى؛ بناءً على دخول إبراهيم في قوله: "آل إبراهيم"، كما تقدّم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال بعيدٌ جدًّا، فإن الرواية بالمعنى في الألفاظ المتعبّد بها غير جائز، كما هو مقرّر في محلّه من كتب مصطلح الحديث، قال في "التدريب" في بحث الخلاف في الرواية بالمعنى: "ولا شكّ في اشتراط أن لا يكون مما تُعُبّد بلفظه". انتهى (١).
واختُلِف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالراجح أنهم مَن حُرِّمت عليهم الصدقة، وسيأتي بيان الاختلاف في ذلك مستوفًى في "كتاب الزكاة" -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال في "الفتح": وهذا نَصَّ عليه الشافعيّ، واختاره الجمهور، ويؤيده قول النبيّ ﷺ للحسن بن عليّ ﵁: "إنا آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة"، وقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة، ومسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع: "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد".
وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، وعلى هذا، فهل يجوز أن يقال: أهل عوض آل؟ روايتان عندهم.
وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته" لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ: "وآل محمد"، وجاء في حديث أبي حميد موضعَهُ: "وأزواجه وذريته"، فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية.
وتُعُقِّب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة، كما في حديث أبي هريرة، فيُحْمَل على أن بعض الرواة حَفِظَ ما لم يَحفَظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد الأزواج، ومَن حُرِّمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يُجمع بين الأحاديث.
وقد أُطلق على أزواجه ﷺ آل محمد، في حديث عائشة ﵂: "ما شَبِعَ
стр. 5332
آل محمد من خبز بُرّ مأدوم ثلاثًا"، متّفق عليه، وقد تقدم وفي حديث أبي هريرة ﵁: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا"، متّفقٌ عليه، وكأن الأزواج أُفردن بالذكر تنويهًا بهنّ، وكذا الذرية.
وقيل: المراد بالآل ذريةُ فاطمة خاصّةً، حكاه النووي في "شرح المهذّب".
وقيل: هم جميع قريش، حكاه ابن الرفعة في "الكفاية"، وقيل: المراد بالآل جميع الأمة، أمة الإجابة، وقال ابن العربيّ: مال إلى ذلك مالكٌ، واختاره الأزهريّ، وحكاه أبو الطيب الطبريّ عن بعض الشافعية، ورجّحه النوويّ في "شرح مسلم"، وقيّده القاضي حسين، والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يُحْمَل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقوله ﷺ : "إن أوليائي منكم المتقون".
قال الحافظ: ويمكن أن يُحْمَل كلام من أطلق على أن المراد بالصلاة الرحمة المطلقة، فلا تحتاج إلى تقييد، وقد استُدِلّ لهم بحديث أنس رفعه: "آلُ محمد كلُّ تقيّ"، أخرجه الطبراني ولكن سنده وَاهٍ جِدًّا، وأخرج البيهقيّ عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أظهر الأقوال، وأرجحها أن المراد بالآل هم الذين تحرّم عليهم الصدقة؛ لوضوح أدلّته، وأما تفسيره بجميع الأمة، وإن استظهره النوويّ، واختاره غيره فلا يخفى بُعده، وأما تأييد الحافظ له بالآية، والحديث، فلا يخفى بُعده أيضًا، والحديث الأول لم يُبيّن درجته، ولم يسق سنده حتى يُنظر فيه، وأما الأخيران فقد بَيّنَ ضعفهما، فلا يكون شيء مما ذكره مؤيّدًا للحمل المذكور، فتبصّر.
وقد استوفيت البحث في هذا الموضوع في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا (١)، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
(كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) صفة لمصدر حذوف، تقديره: صلاةً مثلَ صلاتك.
стр. 5333
والمراد بآل إبراهيم ذريتُهُ، من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشُّرّاح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر، فهم داخلون لا محالة، ثم إن المراد المسلمون منهم، بل المتَّقُون، فيدخل فيهم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد.
[تنبيه]: اشتَهَرَ السؤال عن موقع التشبيه، مع أن المقرّر أن المشبَّه دون المشبَّه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمدًا ﷺ وحده أفضل من آل إبراهيم، ومن إبراهيم، ولا سيما قد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره، وأجيب عن ذلك بأجوبة، أحسنها عندي ما رجّحه القرطبيّ ﵀ في "المفهم"، حيث قال: إن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وكقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقد استوفيت بقيّة الأقوال بما لها وما عليها في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (١)، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[فائدة]: قال العلّامة ابن الملقّن ﵀: في إبراهيم خمس لغات: إبراهيم، وإبراهام، وإبراهِم، بضمّ الهاء، وفتحها، وكسرها من غير ياء، وجمعه براهم، وإبارة، ويجوز الواو والنون؛ لاجتماع الشروط فيه، قالوا: ومعناه: أبٌ رحيم.
قال الجواليقيّ وغيره: أسماء الأنبياء -صلوات اللَّه وسلامه عليهم- كلّها أعجميّةٌ، إلا محمدًا، وصالحًا، وشُعيبًا، وآدم -صلوات اللَّه وسلامه عليهم-.
وقال ابن قتيبة: وتحذف الألف من الأسماء الأعجميّة، كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل؛ استثقالًا كما تُرك صرفها، وكذا سليمان،
стр. 5334
وهارون، فأما ما لا يكثر استعماله منها، كهارون، وماروت، وقارون، وطالوت، وجالوت، فلا تُحذف الألف في شيء منها، ولا يُحذف من داود، وإن كان مشهورًا؛ لأنه حُذف منه إحدى الواوين، فلو حُذفت الألف أُجحِف به.
وأما ما كان على فاعل، كصالح، ومالك، وخالد، فيجوز إثبات ألفه، وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قلّ، كسالم، وحامد، وجابر، وحاتم لم يجز حذف الألف، وما كثُر استعماله، ودخلت الألف واللام فيه، تحذف ألفه معها، وتثبت مع حذفهما. انتهى (١).
(وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ) أي أثبِتْ له، وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه.
وقال في "الفتح": المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل: المراد إثبات ذلك، واستمراره، من قولهم: بَرَكَت الإبل: أي ثبتت على الأرض، وبه سُمِّيت بِرْكة الماء -بكسر أوله، وسكون ثانيه- لإقامة الماء فيها.
والحاصل أن المطلوب أن يُعْطَوا من الخير أوفاه، وأن يَثْبُت ذلك، ويَسْتَمِرّ دائمًا. انتهى. وقد أشبعت البحث فيما يتعلّق بالبركة في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (٢)، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
[فائدة]: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عمن يقول: قُضيت حاجتي ببركة اللَّه وبركة الشيخ.
فأجاب: بأن هذا منكر من القول، فإنه لا يُقرَن باللَّه في مثل هذا غيره، كما نهى النبيّ ﷺ من قال: "ما شاء اللَّه، وشئتَ"، إلى أن قال: وقول القائل: ببركة الشيخ قد يعني بها دعاءه، وأسرعُ الدعاء إجابةً دعاء الغائب للغائب، وقد يَعني بها بركة ما أمره به، وعلّمه من الخير، وقد يعني بها بركة معاونته له على الحقّ وموالاته في الدين، ونحو ذلك، وهذه كلّها معانٍ صحيحة، وقد يعني بها
стр. 5335
دعاءه للميت والغائب؛ واستقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له، من البدع المنكرات، والذي لا ريب فيه أن العمل بطاعة اللَّه تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل اللَّه تعالى ورحمته. انتهى كلامه ﵀ باختصار وتصرّف (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، فللَّه ما أدقّ نظره، وأعمق فكره.
(وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ) متعلّق بـ "صلّ"، أو بـ "بَارِكْ" على سبيل التنازع.
قال السخاويّ ﵀: أشار بقوله: "في العالمين" إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم في العالمين، وانتشار شرفه وتعظيمه، وأن المطلوب لنبيّنا ﷺ صلاة تُشبه تلك الصلاة، وبركة تُشبه تلك البركة في انتشارها في الخلق وشهرتها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٨ - ٧٩].
وقال: المراد بـ "العالمين" فيما رواه أبو مسعود في حديثه: أصناف الخلق، وفيه أقوال أخرى، قيل: ما حواه بطن الفَلَك، وقيل: كل مُحْدَث، وقيل: ما فيه روح، وقيل: بقيد العقلاء، وهذان القولان في "المشارق"، وقيل: الإنس والجن فقط، حكاه المنذريّ، وحَكَى قولًا آخر: إنه الجنّ والإنس والملائكة والشياطين (٢).
(إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أما "الحميد": فهو فَعِيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو مَنْ حَصَل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أي يَحْمَد أفعالَ عباده.
وأما "المجيد": فهو من المجد، وهو صفةُ مَن كَمُلَ في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدلّ على صفة الإكرام.
ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين، أن المطلوب تكريم اللَّه لنبيه ﷺ ، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم
стр. 5336
طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى: إنك فاعلٌ ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريمٌ بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد استوفيت البحث في تحقيق معنى هذين الاسمين، ومناسبتهما لختم الصلاة بهما في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (٢)، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ") جملة من مبتدأ وخبره، قال النوويّ ﵀: معناه: قد أمركم اللَّه تعالى بالصلاة والسلام عليّ، فأما الصلاة، فهذه صفتها، وأما السلام فكما قد علمتم في التشهّد، وهو قولهم: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
وقوله: "عَلِمْتُمْ" هو بفتح العين، وكسر اللام المخفّفة، ومنهم من رواه بضم العين، وتشديد اللام أي عَلَّمْتُكُمُوهُ، وكلاهما صحيح. انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٩١٢] (٤٠٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٨٠ و ٩٨١)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣٢٠)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٤٥ و ٤٧) وفي "الكبرى" (٨٤/ ١٢٥٨) وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٨ و ٤٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٦٥ - ١٦٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٠٨)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٠ - ٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١٨ و ٥/ ٢٧٣ و ٢٧٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٩ و ٣١٠)، و (عبد بن
стр. 5337
حُميد) في "مسنده" (٢٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٥٨ و ١٩٥٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٦٩٦ و ٦٩٨)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٤٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالصلاة على النبيّ ﷺ .
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، حيث كان يزور أصحابه في مجالسهم؛ إكرامًا وتأنيسًا لهم.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يخصّ رؤساء القوم وسادتهم بالزيارة في مجالسهم تأنيسًا لهم، واستجلابًا لمودّتهم، وتنويهًا بشرفهم لدى أتباعهم حتى يزدادوا لهم تعظيمًا وطاعةً.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من العناية بالسؤال عن مهمّات الدين، ومُعضِلات المسائل الشرعيّة، حتى يعملوا بمقتضى ما يُجيبهم به النبيّ ﷺ ، ولا يُقدمون على العمل بأنفسهم؛ أمتثالًا لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١].
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التأدّب مع مولاه عند توجيه السؤال في توضيح معنى آية من كتاب اللَّه تعالى، فينظر الوحي، حتى يُجيب على ضوئه، فكان كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولا ينافى هذا ما قدّمنا من ترجيح جواز الاجتهاد له ﷺ ؛ لأن اجتهاده نوع من الوحي؛ إذ لا يقَرّ على الخطأ، بل ينزل عليه الوحي، فيبيّن له الخطأ، بخلاف غيره من المجتهدين، فإنهم يبقون على خطئهم، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على تعيُّن هذا اللفظ الذي علّمه ﷺ لأصحابه في امتثال الأمر، فلا تبرأ الذمّة إلا به، فلو حلف إنسان على أن يصلّي عليه
стр. 5338
كما أمره اللَّه تعالى لا يبرّ في يمينه إلا أن يُصلي باللفظ الذي صحّ تعليمه ﷺ لأصحابه، فتنبّه.
٧ - (ومنها): أن هذه الصيغة، وما أشبهها مما صحّ عنه ﷺ هي أفضل الصيغ في الصلاة عليه ﷺ ، وأكملها؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأكمل والأشرف، فلو حلف شخص أن يصلي عليه بأفضل الصلاة، فطريق البرّ أن يأتي بها على أصحّ أقوال العلماء في ذلك.
قال الشيخ الألبانيّ ﵀ في كتابه الممتع "صفة صلاة النبيّ ﷺ ": وقد استدل بذلك -أي بتعليمه ﷺ هذه الكيفيّة لأصحابه لَمّا سألوه- على أنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه ﷺ ؛ لأنه لا يختار لهم -ولا لنفسه- إلا الأشرف والأفضل، ومن ثَمّ صَوَّب النوويّ في "الروضة": أنه لو حَلَف ليصلينّ عليه ﷺ أفضل الصلاة لم يَبَرّ إلا بتلك الكيفية، ووجّه السبكيّ بأنه مَن أتى بها، فقد صلى على النبيّ ﷺ بيقين، وكلُّ من جاء بلفظ غيرها، فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شكّ؛ لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا:. . . "، فجعل الصلاة عليه منهم هي قولهم كذا. انتهى. وذكره الهيتمي في "الدر المنضود" (ق ٢٥/ ٢) ثم ذكر (ق ٢٧/ ١) أن المقصود يحصل بكل من هذه الكيفيات التي جاءت في الأحاديث الصحيحة. انتهى (١).
٨ - (ومنها): ما قيل: إن الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأن صيغة الأمر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله : ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقد تقدّم تعليم السلام قبل الصلاة، كما قالوا: "عَلِمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟ ".
٩ - (ومنها): أن فيه الرّدّ على ما نُقل عن النخعيّ أنه يجزئ في امتثال الأمر بالصلاة قوله: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته" في التشهّد؛ لأنه لو كان كما قال لأرشدهم النبيّ ﷺ إلى ذلك، ولَمَا عَدَل إلى تعليمهم كيفيّةً أخرى.
١٠ - (ومنها): أن فيه دليلًا على عدم كراهة إفراد الصلاة عن السلام،
стр. 5339
وكذا العكس؛ لأنهم كانوا يسلّمون عليه قبل أن يتعلموا صيغة الصلاة.
١١ - (ومنها): أنه يدلّ على فضيلة الصلاة على النبيّ ﷺ من جهة ورود الأمر بها، واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيّتها، وقد وردت أحاديث كثيرة في التصريح بفضلها، وسنذكر بعضها في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الآتي آخر الباب -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على النبيّ ﷺ :
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال أوصلها الحافظ ﵀ إلى عشرة، حيث قال:
فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:
[أولها]: قول ابن جرير الطبريّ: إنها من المستحبات، وادَّعَى الإجماع على ذلك.
[ثانيها]: مقابله، وهو نقل ابن القصّار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقلّ ما يحصل به الإجزاء مرةً.
[ثالثها]: تجب في العمر في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازيّ من الحنفية، وابن حزم، وغيرهما، وقال القرطبيّ المفسر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرة، وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطية.
[رابعها]: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعيّ، ومن تبعه.
[خامسها]: تجب في التشهد، وهو قول الشعبيّ، وإسحاق بن راهويه.
[سادسها]: تجب في الصلاة من غير تعيين المحلّ، نُقِل ذلك عن أبي جعفر الباقر.
[سابعها]: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.
[ثامنها]: كلما ذُكِر، قاله الطحاويّ، وجماعة من الحنفية، والْحَلِيميّ،
стр. 5340
وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربيّ من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشريّ.
[تاسعها]: تجب في كل مجلس مرةً، ولو تكرر ذكره مرارًا، حكاه الزمخشريّ.
[عاشرها]: تجب في كل دعاء، حكاه الزمخشريّ أيضًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أرجح الأقوال القول الثامن، وهو وجوب الصلاة عليه ﷺ كلما ذُكر اسمه؛ لأدلّة كثيرة:
(منها): ما أخرجه الترمذيّ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُ رجل ذُكِرتُ عنده، فلم يُصَلِّ عليّ، ورَغِمَ أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغْفَر له، ورَغِم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، أو أحدهما، فلم يدخلاه الجنة"، وهو حديث صحيح.
ومعنى "رَغِم" بفتح الراء، وكسر الغين المعجمة: لَصِقَ بالرَّغَام بالفتح، وهو التراب ذُلًّا وهَوَانًا، وهو دعاء عليه بالذلّ والهوان، ولا يكون هذا إلا لترك واجب.
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ صعد المنبر، فقال: "آمين آمين آمين"، قيل: يا رسول اللَّه، إنك صَعِدت المنبر، فقلت: آمين آمين آمين، فقال: "إن جبريل ﵇ أتاني، فقال: من أدرك شهرَ رمضان، فلم يُغْفَر له، فدخل النار، فأبعده اللَّه، قل: آمين، فقلت: آمين، ومن أدرك أبويه، أو أحدهما، فلم يَبَرَّهما، فمات فدخل النار، فأبعده اللَّه، قل: آمين، فقلت: آمين، ومن ذُكِرتَ عنده، فلم يُصلِّ عليك، فمات فدخل النار، فأبعده اللَّه، قل: آمين، فقلت: آمين"، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في صحيحيهما، واللفظ لابن حبّان.
(ومنها): حديث الحسين بن عليّ ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "البخيل مَن ذُكرت عنده، فلم يصل عليّ"، رواه النسائيّ، وابن حبان في "صحيحه"،
стр. 5341
والحاكم، وصححه الترمذيّ، وزاد في سنده علي بن أبي طالب، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(ومنها): حديث أبي ذر ﵁ قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا أخبركم بأبخل الناس؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "من ذُكِرت عنده، فلم يُصَلّ عليّ، فذلك أبخل الناس"، رواه ابن أبي عاصم في "كتاب الصلاة" من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، وهو صحيح لغيره (١).
فهذه الأحاديث المشتملة على الوعيد المذكور، مَن تأمّلها حقّ التأمّل تبيّن له وجوب الصلاة على النبيّ ﷺ كلما ذُكر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهد الأخير:
(اعلم) أنهم اختلفوا في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة، ومالك -رحمهما اللَّه تعالى- والجماهير إلى أنها سنةٌ، لو تُرِكت صحت الصلاة، وذهب الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- إلى أنها واجبة، لو تُرِكت لم تصحّ الصلاة، وهو مَرْويّ عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه ﵄، وهو قول الشعبيّ، قال النوويّ: وقد نَسَب جماعة الشافعيَّ ﵀ في هذا إلى مخالفة الإجماع، ولا يصحّ قولهم، فإنه مذهب الشعبيّ كما ذكرنا، وقد رواه عن البيهقيّ، وفي الاستدلال لوجوبها خفاءٌ، وأصحابنا يحتجون بحديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ المذكور هنا، أنهم قالوا: "كيف نصلي عليك يا رسول اللَّه؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد. . . " إلى آخره، قالوا: والأمر للوجوب، وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضُمّ إليه الرواية الأخرى: "كيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد. . . " إلى آخره، وهذه الزيادة صحيحة، رواها الإمامان الحافظان: أبو حاتم بن حبّان -بكسر الحاء- البستيّ، والحاكم أبو عبد اللَّه في "صحيحيهما"، قال الحاكم: هي زيادة صحيحة، واحتج لها أبو
стр. 5342
حاتم، وأبو عبد اللَّه أيضًا في "صحيحيهما" بما روياه عن فَضَالة بن عُبيد ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يصلي، لم يحمد اللَّه، ولم يمجده، ولم يصل على النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "عَجِلَ هذا"، ثم دعاه النبيّ ﷺ ، فقال: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بحمد ربه، والثناء عليه، وليصلّ على النبيّ ﷺ ، وليدع ما شاء"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (١).
قال النوويّ ﵀: وهذان الحديثان وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع، كالصلاة على الآل والذرية، والدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما، فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل، بقي الباقي على الوجوب، قال: والواجب عند أصحابنا: "اللهم صل على محمد"، وما زاد عليه سنة، ولنا وجهٌ شاذٌّ أنه يجب الصلاة على الآل، وليس بشيء. انتهى كلام النوويّ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي فيما قاله من سنّيّة ما زاد على قوله: "اللهم صلّ على محمد" نظرٌ؛ إذ لا دليل على ذلك، فأدلّة وجوب الصلاة عليه ﷺ تدل على وجوب الصيغة كاملةً، فتنبّه.
ولقد أجاد العلّامة ابن القيّم في كتابه "جلاء الأفهام" حيث انتصر للإمام الشافعيّ ﵀ في قوله بوجوب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهّد الأخير، واستدلّ له على ذلك بأدلّة كثيرة.
والحاصل أن الحقّ وجوب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهد الأخير، وقد استوفيت البحث ببيان الأقوال وأدلّتها بما لها وما عليها في "شرح النسائيّ"، فراجعه، تستفد (٣)، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: اختُلف في الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهّد الأول، فقال الشافعيّ ﵀ في "الأمّ": يصلّي على النبيّ ﷺ في التشهّد الأول، هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد، لكنه يُستحبّ، وليس بواجب، وقال في
стр. 5343
القديم: لا يزيد على التشهّد، وهذه رواية المزنيّ عنه، وبها قال أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وغيرهم رحمهم اللَّه تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي قول الجمهور، وهو عدم استحباب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهّد الأول؛ لعدم وجود دليل على ذلك، ولأن مبنى التشهّد الأول على التخفيف، حيث ثبت أنه ﷺ كان إذا جلس للتشهّد الأول كأنه على الرَّضْف -أي الحجارة المحماة- وهو كناية عن شدّة إسراعه حتى يقوم، وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ" (١)، فارجع إليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في بيان ما شاع لدى المتأخّرين من زيادة لفظ "سيّدنا" في الصلاة على النبيّ ﷺ :
(اعلم): أنه لم يرد في شيء من ألفاظها المختلفة زيادة "سيدنا"، فلا يُشرع أن يزاد على التعليم النبويّ، فقد قال رسول اللَّه ﷺ حين سئل عن كيفية الصلاة عليه التي أمر اللَّه تعالى أمته بها، فسألوا عما يخرجون به من عُهدة الأمر، فأجاب ﷺ آمرًا لهم بقوله: "قولوا: اللهم صل على محمد. . . "، دون زياد "سيّدنا".
وقد سئل الحافظ ابن حجر العسقلانيّ: عن ذلك فيما ذكره تلميذه الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥)، وكان ملازمًا لابن حجر - قال: وسئل -أي الحافظ ابن حجر- أمتع اللَّه بحياته، عن صفة الصلاة على النبيّ ﷺ في الصلاة، أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها، أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة، كأن يقول مثلًا: اللهم صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو على سيد ولد آدم؟، أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل: الإتيان بلفظ السيادة؛ لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان به؛ لعدم ورود ذلك في الآثار؟.
فأجاب ﵁: نعم اتّباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعًا منه ﷺ كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : " ﷺ "،
стр. 5344
وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك، كلما ذكر؛ لأنا نقول: لو كان ذلك راجحًا لجاء عن الصحابة، ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم، قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك، وهذا الإمام الشافعي -أعلى اللَّه درجته، وهو من أكثر الناس تعظيمًا للنبيّ ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: "اللهم صل على محمد" إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله: "كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون"، وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه: "سبحان اللَّه عدد خلقه"، فقد ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين -ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته-: "لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن"، فذكر ذلك، وكان ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقد عَقَد القاضي عياض بابًا في صفة الصلاة على النبيّ ﷺ في كتاب "الشفاء"، ونقل فيها آثارًا مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين، ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ: "سيدنا".
منها: حديث عليّ ﵁ أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبيّ ﷺ فيقول: "اللهم داحي المدحُوّات، وباري المسموكات، اجعل سوابق صلواتك، ونوامي بركاتك، وزائد تحيتك، على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق".
وعن عليّ ﵁ أنه كان يقول: "صلوات اللَّه البر الرحيم، والملائكة المقربين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما سبّح لك من شيء يا رب العالمين، على محمد بن عبد اللَّه خاتم النبيين، وإمام المتقين. . . " الحديث.
وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه كان يقول: "اللهم اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة. . . " الحديث.
وعن الحسن البصريّ أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى، فليقل: "اللهم صل على محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريته، وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه".
قال الشيخ الألبانيّ ﵀: فهذا ما أوثره من "الشفاء" مما يتعلق بهيئة
стр. 5345
الصلاة عليه عن الصحابة ومن بعدهم وذكر فيه غير ذلك.
نعم ورد في حديث ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول في صلاته على النبيّ ﷺ : "اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين. . . " الحديث، أخرجه ابن ماجه، ولكن إسناده ضعيف.
وحديث عليّ المشار إليه أوّلًا أخرجه الطبراني بإسناد ليس به بأس، وفيه ألفاظ غريبة رويتها مشروحة في كتاب "فضل النبيّ ﷺ "، لأبي الحسن بن الفارس.
وقد ذكر الشافعية أن رجلًا لو حلف ليصليّن على النبيّ ﷺ أفضل الصلاة، فطريق الْبَرّ أن يصلي على النبيّ ﷺ : "اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون".
وقال النوويّ: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم. . . " الحديث.
وقد تعقّبه جماعة من المتأخرين بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدل على ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى فالأفضلية ظاهرة في الأول.
والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة، لم يقع في كلام أحد منهم: "سيدنا"، ولو كانت هذه الزيادة مندوبةً ما خَفِيت عليهم كلِّهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتّباع، واللَّه أعلم.
قال الشيخ الألبانيّ ﵀: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم مشروعية تسويده ﷺ في الصلاة عليه اتّباعًا للأمر الكريم، وهو الذي عليه الحنفية، هو الذي ينبغي التمسك به؛ لأنه الدليل الصادق على حبه ﷺ ، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
ولذلك قال الإمام النوويّ ﵀ في "الروضة" (١/ ٢٦٥): وأكمل الصلاة على النبيّ ﷺ : "اللهم صلِّ على محمد. . . " إلخ. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد الشيخ الألبانيّ ﵀ في هذا البحث،
стр. 5346
وأفاد، حيث نقل عن محققي الشافعيّة وغيرهم ممن جمع بين الحديث والفقه عدم مشروعيّة زيادة لفظ "سيّدنا" في الصلاة على النبيّ ﷺ ، وأن أفضل الصيغ هي التي صحّ عنه ﷺ تعليمها حين سئل عن الصلاة المأمور بها في الآية، فتفضيل صيغة أخرى مما فيه زيادة شيء أو نقصه، هو عين الانحراف عن الصراط المستقيم، واتّباع سبيل المعتدين، ولقد حذّرنا منه ﷺ حيث قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بسند صحيح، عن العرباض بن سارية ﵁ مرفوعًا، وفيه: "فإنه مَن يَعِش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنّتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
فيا من يريد الهدى والصلاح والفلاح، والتقى، فعليك بالسنّة، ودع البدع والخرافات، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، اللَّه أرنا الحقّ حقًا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٣] (٤٠٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إلا أنه ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
стр. 5347
٢ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
٣ - (كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بعد الخمسين، وله نيّفٌ وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه كليهما من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدم بيانهم غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالكوفيين غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ابن أبي ليلى.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ هو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم بالفدية، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَكَمِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف عليه في جميع الطرق عن شعبة إلا هكذا، غير منسوب، وهو فقيه الكوفة في عصره، وهو ابن عُتَيبة -بمثنّاة، وموحَّدة، مصغرًا- ووقع عند الترمذيّ، والطبرانيّ، وغيرهما من رواية مالك بن مِغْوَل وغيره منسوبًا، قالوا: "عن الحكم بن عُتيبة". انتهى. (قَالَ) أي الحكم (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى التابعيّ الكبير، وهو والد ابن أبي ليلى، فقيه الكوفة، محمدِ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، يُنْسَب إلى جدّه (قَالَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل على رأي الجمهور، أو مفعول ثانٍ لـ "سمِعتُ" على رأي بعض النحاة القائلين بأن "سمِعْتُ" من أخوات "ظنّ" (لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) -بضمّ العين المهملة، وسكون الجيم- وفي
стр. 5348
رواية فِطْر بن خليفة، عن ابن أبي ليلى: "لقيني كعب بن عُجْرة الأنصاريّ"، أخرجه الطبرانيّ، ونَقَل ابن سعد عن الواقديّ أنه أنصاريّ من أنفسهم، وتعقبه، فقال: لم أجده في نسب الأنصار، والمشهور أنه بَلَويّ، والجمع بين القولين أنه بَلَوِيّ، حالَفَ الأنصار، وعَيَّن المحاربيّ عن مالك بن مِغْوَل، عن الحكم المكان الذي التقيا به، فأخرجه الطبريّ من طريقه، بلفظ: إن كعبًا قال له، وهو يطوف بالبيت، قاله في "الفتح" (١).
(فَقَالَ: ألَا أُهْدِي) -بضمّ الهمزة- من الإهداء رباعيًّا (لَكَ هَدِيَّةً) بفتح الهاء، فَعِيلة بمعنى مفعولة، وجمعها هَدايا، كعطيّة وعطايا، قال الفيّوميّ ﵀: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل لا غير. انتهى (٢).
وقال ابن الملقّن ﵀: الهديّة: ما يُتقرّب به إلى الْمُهْدى إليه تودّدًا وإكرامًا، زاد فيه بعضهم: من غير قَصْدِ عِوَضٍ دنيويّ، بل لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يُستعمل في المأكول والمشروب، والملبوس، وقد يُتجَوَّز بها في العلوم اللفظيّة والمعنويّة الشرعيّة، كما في هذا الحديث. انتهى (٣).
وزاد عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جدّه كما عند البخاريّ في "أحاديث الأنبياء": "سمعتها من النبيّ ﷺ ".
وقال ابن الملقّن أيضًا: فيه الابتداء بالتعليم من غير طلب التعلّم لذلك، كما هو ظاهر الحديث، وفيه ابتداء التعليم باستفتاح كلام يحملهم على أخذه بقبول. انتهى (٤).
(خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "أنّ النبيّ ﷺ خَرَج علينا"، قال في "الفتح": يجوز في "أنّ" الفتح والكسر، وقال الفاكهانيّ في "شرح العمدة": في هذا السياق إضمارٌ، تقديره: فقال عبد الرحمن: نعم،
стр. 5349
فقال كعب: إن النبيّ ﷺ ، قال الحافظ: وقع ذلك صريحًا في رواية شَبَابة وعفان، عن شعبة، بلفظ: "قلت: بلى، قال"، أخرجه الخلعيّ في "فوائده"، وفي رواية عبد اللَّه بن عيسى المذكورة، ولفظه: "فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال". انتهى (١).
(فَقُلْنَا) وفي رواية البخاريّ: "فقلنا: يا رسول اللَّه"، قال في "الفتح": كذا في معظم الروايات عن كعب بن عُجْرة: "قلنا" بصيغة الجمع، وكذا وقع في حديث أبي سعيد عند البخاريّ، ومثله في حديث أبي بُريدة عند أحمد، وفي حديث طلحة، عند النسائيّ، وفي حديث أبي هريرة، عند الطبريّ.
ووقع عند أبي داود، عن حفص بن عمر، عن شعبة، بسند حديث الباب: "قلنا، أو قالوا: يا رسول اللَّه" بالشك، والمراد الصحابة، أو من حضر منهم.
ووقع عند السراج، والطبرانيّ، من رواية قيس بن سعد، عن الحكم به: "أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا".
وقال الفاكهانيّ: الظاهر أن السؤال صَدَر من بعضهم، لا من جميعهم، ففيه التعبير عن البعض بالكل، ثم قال: ويبعد جدًّا أن يكون كعب، هو الذي باشر السؤال منفردًا، فأتى بالنون التي للتعظيم، بل لا يجوز ذلك؛ لأن النبيّ ﷺ أجاب بقوله: "قولوا"، فلو كان السائل واحدًا، لقال له: قل، ولم يقل: قولوا. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، وأجاد، فقال: ولم يظهر لي وجه نفي الجواز، وما المانع أن يسأل الصحابيّ الواحد عن الْحُكْم، فيجيب ﷺ بصيغة الجمع؛ إشارةً إلى اشتراك الكلّ في الحكم؟ ويؤكِّده أن في نفس السؤال: "قد عَرَفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي؟ " كلها بصيغة الجمع، فدَلّ على أنه سأل لنفسه ولغيره، فحسن الجواب بصيغة الجمع، لكن الإتيان بنون العظمة في خطاب النبيّ ﷺ ، لا يُظَنّ بالصحابيّ، فإن ثبت أن السائل كان متعددًا فواضح، وإن ثبت أنه كان واحدًا، فالحكمة في الإتيان بصيغة الجمع الإشارة إلى أن السؤال
стр. 5350
لا يختص به، بل يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك، فحمله على ظاهره من الجمع هو المعتمَد، على أن الذي نفاه الفاكهانيّ قد وَرَد في بعض الطرق، فعند الطبريّ، من طريق الأجلح، عن الحكم، بلفظ: "قمتُ إليه، فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول اللَّه؟ قال: قل: اللهم صل على محمد. . . " الحديث.
قال الحافظ ﵀: وقد وقفت مِن تعيين مَن باشر السؤال على جماعة، وهم: كعبُ بن عُجْرة، وبَشِير بن سعد، والد النعمان، وزيد بن خارجة الأنصاريّ، وطلحة بن عبيد اللَّه، وأبو هريرة، وعبد الرحمن بن بَشير.
أما كعب: فوقع عند الطبرانيّ من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، بهذا السند، بلفظ: "قلت: يا رسول اللَّه، قد علمنا"، وأما بشير: ففي حديث أبي مسعود، عند مالك، ومسلم، وغيرهما أنه رأى النبيّ ﷺ في مجلس سعد بن عُبادة، فقال له بشير بن سعد: "أمرنا اللَّه أن نصلي عليك. . . " الحديث.
وأما زيد بن خارجة: فأخرج النسائيّ من حديثه، قال: أنا سألت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "صَلُّوا عليّ، واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللهم صل على محمد. . . " الحديث.
وأخرج الطبريّ من حديث طلحة، قال: قلت: يا رسول اللَّه، كيف الصلاة عليك؟، ومخرج حديثهما واحدٌ.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرج الشافعيّ من حديثه، أنه قال: يا رسول اللَّه، كيف نصلي عليك؟.
وأما حديث عبد الرحمن بن بشير: فأخرجه إسماعيل القاضي، في "كتاب فضل الصلاة على النبيّ ﷺ " قال: قلت، أو قيل للنبيّ ﷺ ، هكذا عنده على الشك، وأبهم أبو عوانة في "صحيحه" من رواية الأجلح، وحمزة الزَّيّات عن الحكم السائلَ، ولفظه: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه قد علمنا.
ووقع لهذا السؤال سببٌ، أخرجه البيهقيّ والخلعيّ من طريق الحسن بن محمد بن الصباح الزعفرانيّ، حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، ومسعر، ومالك بن مِغْوَل، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن
стр. 5351
كعب بن عُجْرة، قال: "لَمّا نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، قلنا: يا رسول اللَّه قد علمنا. . . " الحديث.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث (١)، عن محمد بن بكار، عن إسماعيل بن زكريا، ولم يسق لفظه، بل أحال به على ما قبله، فهو على شرطه.
وأخرجه السرّاج من طريق مالك بن مِغْوَل وحده كذلك.
وأخرج أحمد، والبيهقيّ، وإسماعيل القاضي، من طريق يزيد بن أبي زياد، والطبرانيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والطبريّ من طريق الأجلح، والسّرّاج من طريق سفيان وزائدة فرّقهما، وأبو عوانة في "صحيحه" من طريق الأجلح وحمزة الزيات، كلهم عن الحكم مثله، وأخرج أبو عوانة أيضًا من طريق مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله.
وفي حديث طلحة عند الطبريّ: أتى رجل النبيّ ﷺ ، فقال: سمعت اللَّه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ والآية، فكيف الصلاة عليك؟. انتهى (٢).
(قَدْ عَرَفْنَا) يحتمل ضبطه بفتح العين، والراء مخففَةً مبنيًّا للفاعل، وبضمّ العين، وكسر الراء المشدّدة، مبنيًّا للمفعول.
وفي رواية البخاريّ: "قد عَلِمنا"، قال في "الفتح": والمشهور في الرواية بفتح أوله، وكسر اللام مخففًا، وجَوَّز بعضهم ضم أوله والتشديد، على البناء للمجهول، ووقع في رواية ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد بالشك، ولفظه: "قلنا: قد علمنا، أو علمنا"، رويناه في "الخلعيات"، وكذا أخرج السرّاج من طريق مالك بن مِغْول، عن الحكم بلفظ: "علمنا، أو علمناه".
ووقع في رواية حفص بن عمر المذكورة: "أمرتنا أن نصلي عليك، وأن نسلم عليك، فأما السلام فقد عرفناه"، وفي ضبط "عرفناه" ما تقدم في "علمناه"، وأراد بقوله: "أمرتنا" أي بَلَّغتنا عن اللَّه تعالى أنه أمر بذلك.
ووقع في حديث أبي مسعود: "أمرنا اللَّه"، وفي رواية عبد اللَّه بن عيسى المذكورة: "كيف الصلاة عليكم أهلَ البيت؟ فإن اللَّه قد علمنا كيف نسلم"؛ أي علّمنا اللَّه كيفية السلام عليك على لسانك، وبواسطة بيانك.
стр. 5352
وأما إتيانه بصيغة الجمع في قوله: "عليكم" فقد بَيَّن مراده بقوله ﵀: "أهل البيت"؛ لأنه لو اقتصر عليها لاحتَمَلَ أن يريد بها التعظيم، وبها تحصل مطابقة الجواب للسؤال، حيث قال: "على محمد، وعلى آل محمد".
وبهذا يُسْتَغْنَى عن قول من قال: في الجواب زيادة على السؤال؛ لأن السؤال وقع عن كيفية الصلاة عليه، فوقع الجواب عن ذلك بزيادة كيفية الصلاة على آله. انتهى.
(كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ) قال البيهقيّ ﵀: فيه إشارة إلى السلام الذي في التشهد، وهو قول: "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، فيكون المراد بقولهم: "فكيف نصلي عليك؟ " أي بعد التشهد. انتهى.
قال الحافظ: وتفسير السلام بذلك هو الظاهر، وحَكَى ابن عبد البرّ ﵀ فيه احتمالًا، وهو أن المراد به السلام الذي يُتَحَلَّل به من الصلاة، وقال: إن الأول أظهر، وكذا ذكر عياض وغيره.
ورَدَّ بعضهم الاحتمال المذكور بأن سلام التحلّل لا يتقيد به اتفاقًا، كذا قيل، وفي نقل الاتفاق نظر، فقد جَزَم جماعة من المالكية بأنه يُستحب للمصلي أن يقول عند سلام التحلّل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، السلام عليكم، ذكره عياض، وقبله ابن أبي زيد وغيره.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا ينقضي عجبي من الحافظ حيث ينقل مثل هذا القول الذي لا يستند إلى دليل، ثم لا يتعقّبه، ومن أين له صيغة "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته"، في سلام التحلّل؟، وقد تظاهرت الأحاديث عن النبيّ ﷺ بأنه كان يقول عند التحلّل: "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، إن هذا لشيء عجاب.
(فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) تقدّم في حديث أبي مسعود ﵁ زيادة: "فسكت رسول اللَّه ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله"، وذكرنا هناك وجه تمنّيهم ذلك، فراجعه.
(قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ") تقدّم شرح هذه الجمل في الحديث
стр. 5353
الماضي مفصّلًا، فلا حاجة إلى إعادته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجْرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٩١٣ و ٩١٤ و ٩١٥] (٤٠٦)، و (البخاريّ) في "الأنبياء" (٣٣٧٠) و"التفسير" (٤٧٩٧) و"الدعوات" (٦٣٥٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٧ و ٩٧٨)، و (الترمذيّ) فيها (٤٨٣)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٤٧ - ٤٨) وفي "عمل اليوم والليلة" (٥٤) و (٣٥٩)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٤١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٠٥)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٦١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧١١ و ٧١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤١ و ٢٤٣ و ٢٤٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩١٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٠٦)، و (الطبرانيّ) في "الصغير" (ص ١٩٣)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣/ ٧٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٤٧ - ١٤٨)، و (البغويّ) في شرح السنّة" (٦٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٦٧ و ١٩٦٨ و ١٩٦٩ و ١٩٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠١ و ٩٠٢ و ٩٠٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان اختلاف الألفاظ الواردة في هذا الحديث، وغيره:
(اعلم): أنه وقع في هذا الحديث في الموضعين في قوله: "صل"، وفي قوله: "بارك" بلفظ: "على محمد، وعلى آل محمد"، ولفظ: "على آل إبراهيم"، ووقع عند البيهقيّ بلفظ: "على إبراهيم"، ولم يقل: "على آل إبراهيم"، وأخذ البيضاويّ من هذا أن ذكر الآل مقحم، كقوله: "على آل أبي أوفى".
وتعقّبه الحافظ، فقال: والحق أن ذكر "محمد"، و"إبراهيم"، وذكر "آل
стр. 5354
محمد"، و"آل إبراهيم" ثابت في أصل الخبر، وإنما حَفِظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخرون، وسأُبَيِّن من ساقه تامًّا بعد قليل.
وشرح الطيبيّ على ما وقع في رواية البخاري هنا، فقال: هذا اللفظ يساعد قول مَن قال: إن معنى قول الصحابيّ: "علمنا كيف السلام عليك"، أي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، "فكيف نصلي عليك؟ " أي على أهل بيتك؛ لأن الصلاة عليه قد عُرِفت مع السلام من الآية، قال: فكان السؤال عن الصلاة على الآل تشريفًا لهم، وقد ذُكِرَ "محمدٌ" في الجواب؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وفائدته الدلالة على الاختصاص، قال: وإنما تَرَك ذكر إبراهيم؛ لِيُنَبِّه على هذه النكتة، ولو ذُكِر لم يفهم أن ذكر محمد على سبيل التمهيد. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ولا يخفى ضعف ما قال، ووقع في حديث أبي مسعود، عند أبي داود، والنسائيّ: "على محمد النبيّ الأميّ"، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ: "على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم"، ولم يذكر "آل محمد"، ولا "آل إبراهيم"، وهذا إن لم يُحْمَل على ما قلته: إن بعض الرواة حَفِظ ما لم يحفظ الآخر، والأظهر فساد ما بحثه الطيبيّ.
وفي حديث أبي حميد الآتي: "على محمد وعلى أزواجه وذريته"، ولم يذكر الآل في "الصحيح"، ووقعت في رواية ابن ماجه، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: "اللهم صل على محمد النبيّ، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته"، وأخرجه النسائيّ من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، ولكن وقع في السند اختلاف بين موسى بن إسماعيل شيخ أبي داود فيه، وبين عمرو بن عاصم شيخ شيخ النسائي فيه، فروياه معًا عن حِبَّان بن يَسَار -وهو بكسر المهملة وتشديد الموحدة، وأبوه بمثناة ومهملة خفيفة- فوقع في رواية موسى عنه، عن عبيد اللَّه بن طلحة، عن محمد بن عليّ، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة، وفي رواية عمرو بن عاصم عنه، عن عبد الرحمن بن طلحة، عن محمد بن عليّ، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه، عليّ بن أبي طالب، وروايةُ موسى أرجح، ويَحْتَمِل أن يكون لِحِبَّان فيه سندان.
ووقع في حديث أبي مسعود وحده في آخره: "في العالمين إنك حميد
стр. 5355
مجيد"، ومثله في رواية داود بن قيس، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة، عند السرّاج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء: هل يُجمع بين هذه الألفاظ المختلفة، أم لا يُشرع ذلك، بل يقال كلّ ما ورد على حِدَته؟:
(اعلم): أنه ذكر النوويّ ﵀ في "شرح المهذب" أنه ينبغي أن يَجْمَع ما في الأحاديث الصحيحة، فيقول: "اللهم صل على محمد النبيّ الأميّ، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك. . . " مثله، وزاد في آخره: "في العالمين"، وقال في "الأذكار" مثله، وزاد: "عبدك ورسولك" بعد قوله: "محمد" في "صَلِّ"، ولم يزدها في "بارك"، وقال في "التحقيق"، و"الفتاوى" مثله، إلا أنه أسقط "النبيّ الأُميّ" في "وبارك".
قال الحافظ: وفاتَه أشياء لعلها توازي قدر ما زاده، أو تزيد عليه، منها قوله: "أمهات المؤمنين" بعد قوله: "أزواجه"، ومنها: "وأهل بيته" بعد قوله: "وذريته"، وقد وردت في حديث ابن مسعود عند الدارقطنيّ، ومنها: "ورسولك" في "وبارك"، ومنها: "في العالمين" في الأولى، ومنها: "إنك حميد مجيد" قبل "وبارك"، ومنها: "اللهم" قبل "وبارك" فإنهما ثبتا معًا في رواية للنسائيّ، ومنها: "وترحّم على محمد. . . إلخ" وسيأتي البحث فيها بعدُ، ومنها في آخر التشهد: "وعلينا معهم"، وهي عند الترمذيّ من طريق أبي أسامة، عن زائدة، عن الأعمش، عن الحكم، نحو حديث الباب، قال في آخره: قال عبد الرحمن: ونحن نقول: "وعلينا معهم"، وكذا أخرجها السّرّاج من طريق زائدة.
وتَعَقَّب ابن العربيّ هذه الزيادة، قال: هذا شيء انفرد به زائدة، فلا يُعَوَّل عليه، فإن الناس اختلفوا في معنى الآل اختلافًا كثيرًا، ومن جملته أنهم أمته، فلا يبقى للتكرار فائدة، واختلفوا أيضًا في جواز الصلاة على غير الأنبياء، فلا نرى أن نشرك في هذه الخصوصية مع محمد وآله أحدًا.
وتعقبه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذي" بأن زائدة من الأثبات، فانفراده لو انفرد لا يضرّ، مع كونه لم ينفرد، فقد أخرجها إسماعيل القاضي في "كتاب فضل الصلاة" من طريقين، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن
стр. 5356
أبي ليلى، ويزيد استَشْهَد به مسلم، وعند البيهقيّ في "الشعب" من حديث جابر نحو حديث الباب، وفي آخره: "وعلينا معهم".
وأما الإيراد الأول، فإنه يختص بمن يَرَى أن معنى الآل كلُّ الأمة، ومع ذلك فلا يمتنع أن يُعْطَف الخاصّ على العامّ، ولا سيما في الدعاء.
وأما الإيراد الثاني، فلا نعلم مَن مَنَع ذلك تبعًا، وإنما الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا، وقد شُرع الدعاء للآحاد بما دعاه به النبيّ ﷺ لنفسه في حديث: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه محمد ﷺ "، وهو حديث صحيحٌ، أخرجه مسلم. انتهى كلام العراقيّ مُلَخَّصًا.
قال الحافظ: وحديث جابر ضعيف، ورواية يزيد أخرجها أحمد أيضًا عن محمد بن فُضيل، عنه، وزاد في آخره: قال يزيد: فلا أدري أشيء زاده عبد الرحمن من قبل نفسه، أو رواه عن كعب؟ وكذا أخرجه الطبريّ من رواية محمد بن فضيل.
ووردت هذه الزيادة من وجهين آخرين مرفوعين:
أحدهما: عند الطبرانيّ من طريق فِطْر بن خليفة، عن الحكم، بلفظ: "يقولون: اللهم صل على محمد. . . " إلى قوله: "وآل إبراهيم، وصلّ علينا معهم، وبارك على محمد. . . " مثله، وفي آخره: "وبارك علينا معهم"، ورواته موثقون، لكنه فيما أحسب مُدْرَج لما بيّنه زائدة عن الأعمش.
ثانيهما: عند الدارقطنيّ من وجه آخر، عن ابن مسعود مثله، لكن قال: "اللهم" بدل الواو في "وصلّ"، وفي "وبارك"، وفيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف.
وقد تَعَقّب الإسنويّ ما قال النوويّ، فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث، مع اختلاف كلامه.
وقال الإسنوي أيضًا: كان يلزم الشيخ أن يجمع الألفاظ الواردة في التشهد.
وأجيب بأنه لا يلزم من كونه لم يُصَرِّح بذلك أن لا يلتزمه.
وتعقّب الأذرعيّ ﵀ ما قاله النوويّ، وأجاد في ذلك، فقال: لم يُسْبَق إلى ما قال، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات،
стр. 5357
ويقول كلَّ ما ثبت هذا مرةً، وهذا مرةً، وأما التلفيق، فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم تَرِد مجموعة في حديث واحد. انتهى كلام الأذرعيّ ﵀.
وكأنه أخذه من كلام ابن القيّم ﵀، فإنه قال: إن هذه الكيفية لم تَرِد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يَستعمل كلَّ لفظ ثبت على حِدَةٍ، فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميع دَفْعَةً واحدةً، فإن الغالب على الظنّ أنه ﷺ لم يقله كذلك. انتهى.
وقال ابن القيم أيضًا: قد نَصّ الشافعيّ على أن الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات، ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن، وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد العلامة ابن القيّم ﵀، فالحقّ والصواب، أن يأتي بكلّ الصيغ المختلفة التي صحّت عن رسول اللَّه ﷺ في أوقات مختلفة، حتى يكون عاملًا بجميعها، لا بالجمع الذي ذكره النوويّ، ومن تبعه من المتأخرين، فإنه خروج عن التعليم النبويّ بالكلّيّة، وإحداث لصيغة أخرى لم ترد مجموعة في أيّ طريق من طرُق الحديث.
وقال الشيخ الألبانيّ ﵀: (واعلم) أنه لا يُشْرَع تلفيق صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، بل ذلك بدعة في الدين، إنما السنة أن يقول هذا تارة، وهذا تارة كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بحث له في التكبير في العيدين (١). انتهى (٢).
والحاصل أن الاختلاف في صيغ الصلاة على النبيّ ﷺ كالاختلاف في أذكار الاستفتاح، والركوع والسجود، والتشهّد، والأذان، والإقامة، وغير ذلك، فلا ينبغي التلفيق بين ألفاظها المختلفة، وإنما تُستعمل كلّ صيغة على ما وردت في أوقات مختلفة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 5358
وقال الحافظ ﵀: الذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر، سواء كما في أزواجه وأمهات المؤمنين، فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يَسْتَقِلّ بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به، ويُحْمَل على أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يَحْفَظ الآخر كما تقدم، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئًا ما، فلا بأس بالإتيان به احتياطًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ أيضًا من نوع ما قاله النوويّ، فلا ينبغي الاعتماد عليه، فإن الجمع بين الألفاظ الواردة في الروايات المختلفة، سواء كانت الألفاظ بمعنى واحد، أو معان مختلفة مما لا يخفى على المنصف كونه خروجًا من التعليم النبويّ، فليُتنبّه.
وقالت طائفة، منهم الطبريّ: إن ذلك من الاختلاف المباح، فأيُّ لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه، واستَدَلّ على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة ﵃، فذَكَر ما نُقِل عن عليّ ﵁، وهو حديث موقوفٌ طويلٌ، أخرجه سعيد بن منصور، والطبريّ، والطبرانيّ، وابن فارس، وأوله: "اللهم داحي المدحُوّات. . . " إلى أن قال: "اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحيتك، على محمد عبدك ورسولك. . . " الحديث، وعن ابن مسعود ﵀ بلفظ: "اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك. . . " الحديث. أخرجه ابن ماجه، والطبريّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مما ينبغي التنبّه له أن هذه الموقوفات لا تُغني عن الصيغ المرفوعة الواردة عن النبيّ ﷺ في الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في "الفتح": وادّعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث، بل كلها مُصَرّحة بذكر "محمد، وآل محمد"، وبذكر "آل إبراهيم" فقط، أو بذكر "إبراهيم" فقط، قال: ولم يجئ في حديث صحيح بلفظ "إبراهيم، وآل إبراهيم" معًا، وإنما أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن السباق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهولٌ، وشيخه مبهم،
стр. 5359
فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويّ، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائيّ، والدارقطنيّ من حديث طلحة.
وتعقّبه الحافظ، وأجاد في ذلك، فقال: وغَفَل عما وقع في "صحيح البخاري" في "كتاب أحاديث الأنبياء"، في ترجمة إبراهيم ﵇، من طريق عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بلفظ: "كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، وكذا في قوله: "كما باركت"، وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد، عنه، أخرجه الطبريّ، بل أخرجه الطبري أيضًا في رواية الحكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه من طريق عمرو بن قيس، عن الحكم بن عتيبة، فذكره بلفظ: "على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد"، وبلفظ: "على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"، وأخرجه أيضًا من طريق الأجلح، عن الحكم مثله سواءً، وأخرج أيضًا من طريق حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة ما سأذكره (١).
وأخرجه أبو العباس السرّاج من طريق داود بن قيس، عن نعيم المجمر، "عن أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
ومن حديث بُرَيدة رفعه: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، وأصله عند أحمد.
ووقع في حديث ابن مسعود المشار إليه زيادة أخرى، وهي: "وارحم محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم. . . " الحديث، وأخرجه الحاكم في "صحيحه" من حديث ابن مسعود، فاغتَرّ بتصحيحه قوم، فَوَهِمُوا، فإنه من رواية يحيى بن السباق، وهو مجهول، عن رجل مبهم. نعم
стр. 5360
أخرج ابن ماجه ذلك عن ابن مسعود من قوله، قال: قولوا: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد عبدك ورسولك. . . " الحديث.
وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك، فقال: حَذَار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة: "وترحم"، فإنه قريب من البدعة؛ لأنه ﷺ علّمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه. انتهى.
وابن أبي زيد ذكر ذلك في صفة التشهد في "الرسالة" لَمّا ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فزاد: "وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد. . . إلخ"، فإن كان إنكاره لكونه لم يصحّ فمسلّم، وإلا فدعوى مَن ادَّعى أنه لا يقال: "ارحم محمدًا" مردودة؛ لثبوت ذلك في عدّة أحاديث، أصحها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد ابن العربيّ ﵀ في إنكاره المذكور، فكيف لا يُنكر الزيادة على ما صحّ عن النبيّ ﷺ ؟ والعجيب اعتراض الحافظ عليه.
قال الحافظ: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبريّ في "تهذيبه" من طريق حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة، رفعه: "من قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة، وشَفَعت له"، ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان، مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حنظلة بن عليّ، فإنه مجهول. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا لا ينفع في تعقّب ابن العربيّ؛ لأنه ضعيف، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ ﵀: هذا كله فيما يقال مضمومًا إلى السلام، أو الصلاة، وقد وافق ابنَ العربي الصيدلانيُّ من الشافعية على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح "الإرشاد": يجوز ذلك مضافًا إلى الصلاة، ولا يجوز مفردًا،