أبي ليلى، ويزيد استَشْهَد به مسلم، وعند البيهقيّ في "الشعب" من حديث جابر نحو حديث الباب، وفي آخره: "وعلينا معهم".
وأما الإيراد الأول، فإنه يختص بمن يَرَى أن معنى الآل كلُّ الأمة، ومع ذلك فلا يمتنع أن يُعْطَف الخاصّ على العامّ، ولا سيما في الدعاء.
وأما الإيراد الثاني، فلا نعلم مَن مَنَع ذلك تبعًا، وإنما الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا، وقد شُرع الدعاء للآحاد بما دعاه به النبيّ ﷺ لنفسه في حديث: "اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه محمد ﷺ "، وهو حديث صحيحٌ، أخرجه مسلم. انتهى كلام العراقيّ مُلَخَّصًا.
قال الحافظ: وحديث جابر ضعيف، ورواية يزيد أخرجها أحمد أيضًا عن محمد بن فُضيل، عنه، وزاد في آخره: قال يزيد: فلا أدري أشيء زاده عبد الرحمن من قبل نفسه، أو رواه عن كعب؟ وكذا أخرجه الطبريّ من رواية محمد بن فضيل.
ووردت هذه الزيادة من وجهين آخرين مرفوعين:
أحدهما: عند الطبرانيّ من طريق فِطْر بن خليفة، عن الحكم، بلفظ: "يقولون: اللهم صل على محمد. . . " إلى قوله: "وآل إبراهيم، وصلّ علينا معهم، وبارك على محمد. . . " مثله، وفي آخره: "وبارك علينا معهم"، ورواته موثقون، لكنه فيما أحسب مُدْرَج لما بيّنه زائدة عن الأعمش.
ثانيهما: عند الدارقطنيّ من وجه آخر، عن ابن مسعود مثله، لكن قال: "اللهم" بدل الواو في "وصلّ"، وفي "وبارك"، وفيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف.
وقد تَعَقّب الإسنويّ ما قال النوويّ، فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث، مع اختلاف كلامه.
وقال الإسنوي أيضًا: كان يلزم الشيخ أن يجمع الألفاظ الواردة في التشهد.
وأجيب بأنه لا يلزم من كونه لم يُصَرِّح بذلك أن لا يلتزمه.
وتعقّب الأذرعيّ ﵀ ما قاله النوويّ، وأجاد في ذلك، فقال: لم يُسْبَق إلى ما قال، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات،
стр. 5357
ويقول كلَّ ما ثبت هذا مرةً، وهذا مرةً، وأما التلفيق، فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم تَرِد مجموعة في حديث واحد. انتهى كلام الأذرعيّ ﵀.
وكأنه أخذه من كلام ابن القيّم ﵀، فإنه قال: إن هذه الكيفية لم تَرِد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يَستعمل كلَّ لفظ ثبت على حِدَةٍ، فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميع دَفْعَةً واحدةً، فإن الغالب على الظنّ أنه ﷺ لم يقله كذلك. انتهى.
وقال ابن القيم أيضًا: قد نَصّ الشافعيّ على أن الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات، ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن، وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد العلامة ابن القيّم ﵀، فالحقّ والصواب، أن يأتي بكلّ الصيغ المختلفة التي صحّت عن رسول اللَّه ﷺ في أوقات مختلفة، حتى يكون عاملًا بجميعها، لا بالجمع الذي ذكره النوويّ، ومن تبعه من المتأخرين، فإنه خروج عن التعليم النبويّ بالكلّيّة، وإحداث لصيغة أخرى لم ترد مجموعة في أيّ طريق من طرُق الحديث.
وقال الشيخ الألبانيّ ﵀: (واعلم) أنه لا يُشْرَع تلفيق صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، بل ذلك بدعة في الدين، إنما السنة أن يقول هذا تارة، وهذا تارة كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بحث له في التكبير في العيدين (١). انتهى (٢).
والحاصل أن الاختلاف في صيغ الصلاة على النبيّ ﷺ كالاختلاف في أذكار الاستفتاح، والركوع والسجود، والتشهّد، والأذان، والإقامة، وغير ذلك، فلا ينبغي التلفيق بين ألفاظها المختلفة، وإنما تُستعمل كلّ صيغة على ما وردت في أوقات مختلفة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 5358
وقال الحافظ ﵀: الذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر، سواء كما في أزواجه وأمهات المؤمنين، فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يَسْتَقِلّ بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به، ويُحْمَل على أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يَحْفَظ الآخر كما تقدم، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئًا ما، فلا بأس بالإتيان به احتياطًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ أيضًا من نوع ما قاله النوويّ، فلا ينبغي الاعتماد عليه، فإن الجمع بين الألفاظ الواردة في الروايات المختلفة، سواء كانت الألفاظ بمعنى واحد، أو معان مختلفة مما لا يخفى على المنصف كونه خروجًا من التعليم النبويّ، فليُتنبّه.
وقالت طائفة، منهم الطبريّ: إن ذلك من الاختلاف المباح، فأيُّ لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه، واستَدَلّ على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة ﵃، فذَكَر ما نُقِل عن عليّ ﵁، وهو حديث موقوفٌ طويلٌ، أخرجه سعيد بن منصور، والطبريّ، والطبرانيّ، وابن فارس، وأوله: "اللهم داحي المدحُوّات. . . " إلى أن قال: "اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحيتك، على محمد عبدك ورسولك. . . " الحديث، وعن ابن مسعود ﵀ بلفظ: "اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك. . . " الحديث. أخرجه ابن ماجه، والطبريّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مما ينبغي التنبّه له أن هذه الموقوفات لا تُغني عن الصيغ المرفوعة الواردة عن النبيّ ﷺ في الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في "الفتح": وادّعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث، بل كلها مُصَرّحة بذكر "محمد، وآل محمد"، وبذكر "آل إبراهيم" فقط، أو بذكر "إبراهيم" فقط، قال: ولم يجئ في حديث صحيح بلفظ "إبراهيم، وآل إبراهيم" معًا، وإنما أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن السباق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهولٌ، وشيخه مبهم،
стр. 5359
فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويّ، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائيّ، والدارقطنيّ من حديث طلحة.
وتعقّبه الحافظ، وأجاد في ذلك، فقال: وغَفَل عما وقع في "صحيح البخاري" في "كتاب أحاديث الأنبياء"، في ترجمة إبراهيم ﵇، من طريق عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بلفظ: "كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، وكذا في قوله: "كما باركت"، وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد اللَّه بن زيد، عنه، أخرجه الطبريّ، بل أخرجه الطبري أيضًا في رواية الحكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه من طريق عمرو بن قيس، عن الحكم بن عتيبة، فذكره بلفظ: "على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد"، وبلفظ: "على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"، وأخرجه أيضًا من طريق الأجلح، عن الحكم مثله سواءً، وأخرج أيضًا من طريق حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة ما سأذكره (١).
وأخرجه أبو العباس السرّاج من طريق داود بن قيس، عن نعيم المجمر، "عن أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
ومن حديث بُرَيدة رفعه: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، وأصله عند أحمد.
ووقع في حديث ابن مسعود المشار إليه زيادة أخرى، وهي: "وارحم محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم. . . " الحديث، وأخرجه الحاكم في "صحيحه" من حديث ابن مسعود، فاغتَرّ بتصحيحه قوم، فَوَهِمُوا، فإنه من رواية يحيى بن السباق، وهو مجهول، عن رجل مبهم. نعم
стр. 5360
أخرج ابن ماجه ذلك عن ابن مسعود من قوله، قال: قولوا: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد عبدك ورسولك. . . " الحديث.
وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك، فقال: حَذَار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة: "وترحم"، فإنه قريب من البدعة؛ لأنه ﷺ علّمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه. انتهى.
وابن أبي زيد ذكر ذلك في صفة التشهد في "الرسالة" لَمّا ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فزاد: "وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد. . . إلخ"، فإن كان إنكاره لكونه لم يصحّ فمسلّم، وإلا فدعوى مَن ادَّعى أنه لا يقال: "ارحم محمدًا" مردودة؛ لثبوت ذلك في عدّة أحاديث، أصحها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد ابن العربيّ ﵀ في إنكاره المذكور، فكيف لا يُنكر الزيادة على ما صحّ عن النبيّ ﷺ ؟ والعجيب اعتراض الحافظ عليه.
قال الحافظ: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبريّ في "تهذيبه" من طريق حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة، رفعه: "من قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة، وشَفَعت له"، ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان، مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حنظلة بن عليّ، فإنه مجهول. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا لا ينفع في تعقّب ابن العربيّ؛ لأنه ضعيف، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ ﵀: هذا كله فيما يقال مضمومًا إلى السلام، أو الصلاة، وقد وافق ابنَ العربي الصيدلانيُّ من الشافعية على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح "الإرشاد": يجوز ذلك مضافًا إلى الصلاة، ولا يجوز مفردًا،
стр. 5361
ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا، وقال القرطبيّ في "المفهم": إنه الصحيح؛ لورود الأحاديث به، وخالفه غيره، ففي "الذخيرة" من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك؛ لإيهامه النقص؛ لأن الرحمة غالبًا إنما تكون عن فعل ما يلام عليه، وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبيّ ﷺ أن يقول: ﵀؛ لأنه قال: "من صلى عليّ"، ولم يقل: من ترحّم عليّ، ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خُصّ بهذا اللفظ تعظيمًا له، فلا يُعْدَل عنه إلى غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] انتهى. وهو بحثٌ حسنٌ، لكن في التعليل الأول نظرٌ، والمعتمد الثاني، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة المسألة أن الدعاء بالرحمة للنبيّ ﷺ يجوز؛ لورود النصوص بذلك، كما قال القرطبيّ ﵀، كحديث: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"، أخرجه البخاريّ، وغير ذلك، لكن هذا من حيث الإجمال، وأما من حيث التفصيل، فلا يجوز ذلك عند ذكر النبيّ ﵀ كما حقّقه ابن عبد البرّ ﵀؛ لأنه ﷺ خصّ الدعاء له عند ذلك بالصلاة فقط، فلا يُعدل عنه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٩١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَمِسْعَرٍ، عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مِسْعَرٍ: "أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد النسائيّ، أبو خيثمة، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 5362
٣ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة ﵁.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث محمد بن جعفر، عن شعبة الماضي.
[تنبيه]: رواية وكيع عن شعبة، أخرجها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٣/ ١٩٣)، فقال:
(٩١٢) أخبرنا عبد اللَّه بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال لي كعب بن عُجْرة: ألا أُهدي لك هديةً؟ خرج إلينا رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". انتهى.
وأما رواية مِسْعَر، فقد أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٤٥١٩) حدّثني سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مِسْعَر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁، قيل: يا رسول اللَّه، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5363
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَعَنْ مِسْعَرٍ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَقُلِ: اللَّهُمَّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّار) بن الرّيّان الهاشميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) عن (٩٣) سنةً (م د) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَانيّ، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا، صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٧.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: نقل القاضي عياض عن المازريّ أنه قال: وقع في باب الصلاة حديث مقطوع الإسناد، وهو الثاني من الأحاديث الأربعة عشر التي تقدّم ذكرها على الجملة.
قال مسلم: ثنا صاحب لنا، قال: ثنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش. . . وذكر حديث كعب بن عُجْرة.
عن إبراهيم، عن مسلم، ثنا محمد بن بكّار، ثنا إسماعيل بن زكريّا، عن الأعمش. . . هكذا سمّاه، وجوّده، وهذا في رواية ابن ماهان أحد الأحاديث المقطوعة الإسناد.
قال القاضي عياض ﵀: هذا قول الجيّانيّ، وهو مذهب الحاكم أبي عبد اللَّه، والصواب أن لا يُعدّ هذا في المقطوع، وإنما يُعدّ في المقطوع ما تُرك فيه اسم رجل قبل التابعيّ، وأرسل قبله على عرف أهل الصنعة، وإلا فكلّه مرسل، والمنقطع نوع من المرسل على ما بيّنّاه في هذا الكتاب، والأولى بمثل
стр. 5364
هذا الحديث أن يُعدّ في المجهول الراوي؛ لأنه لم ينقطع له سندٌ، وإنما جُهل اسم راويه، كما لو جُهل حاله، وهو قول أئمة هذا الشأن. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره المازريّ من كون هذا الإسناد وقع فيه الإبهام إنما هو في رواية أبي العلاء بن ماهان، وقد سَلِمَت رواية الجلوديّ، وهي المشهورة لدى الناس، وهي التي اعتمدناها في هذا الشرح، فقد سمى مسلم ﵀ شيخه، فقال: حدّثنا محمد بن بكّار، حدّثنا إسماعيل بن زكريّا إلخ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ) الضمير للثلاثة: أعني الأعمش، ومسعرًا، ومالكَ بنَ مِغْوَل؛ أي كلّ من هؤلاء الثلاثة رووه عن الحكم بسنده الماضي.
فقوله: "وعن مِسعر، وعن مالك" معطوفان على الأعمش بإعادة الجارّ، فتنبّه.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الحكم الماضي، وهو عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة ﵁.
وقوله: (مِثْلَهُ) يعني أن حديث إسماعيل بن زكريّا، عن هؤلاء الثلاثة: الأعمش، ومسعر، ومالك بن مغول مثل حديث وكيع عن شعبة.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ. . . إلخ) يعني أن إسماعيل قال في روايته: "وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ" بدل قول وكيع: "اللَّهُمَّ بارك على محمد".
[تنبيه]: رواية الأعمش التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها الإمام النسائيّ ﵀، في "سننه"، فقال:
(١٢٨٨) أخبرنا القاسم بن زكريا، قال: حدّثنا حسين، عن زائدة، عن سليمان (٢)، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". انتهى.
стр. 5365
وأما رواية مِسْعَر، فقد أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٧٤٢٥) حدّثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا مِسْعَر، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إنا قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: فعلّمه أن يقول: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". انتهى.
وأما رواية مالك بن مِغْول، فأخرجها الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (٣/ ٩٢)، فقال:
(٢٥٨٧) حدّثنا أبو مسلم، قال: حدثنا الربيع، قال: حدثنا مالك بن مِغْوَل، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، قال: ألا أُهدي لك هديةً سمعتها من رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: قال رجل: يا رسول اللَّه، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد، وآل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٦] (٤٠٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرَّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرَّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ").
стр. 5366
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (رَوْح) بن عُبَادة بن العلاء بن حسّان الْقَيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ) الصائغ المخزوميّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ (١)، صحيح الكتاب، في حفظه لينٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن مالك، والليث، وعبد اللَّه بن عُمر العمريّ، وعبد اللَّه بن نافع، مولى ابن عمر، وابن أبي الزناد، وعبد المهيمن بن عباس بن سهل، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتيبة، وابن نمير، وسلمة بن شبيب، والحسن بن عليّ الخلال، وأحمد بن صالح المصريّ، وأبو الطاهر بن السرح، ودُحيم، والزبير بن بكار، وغيرهم.
قال أبو طالب، عن أحمد: لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفًا فيه، وقال ابن سعد: كان قد لَزِم مالكًا لزومًا شديدًا، وكان لا يقدِّم عليه أحدًا، وهو دون مَعْن، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس بالحافظ، هو ليّن في حفظه، وكتابه أصحّ، وقال البخاريّ: في حفظه شيءٌ، وأما "الموطأ" فأرجو، وقال أيضًا: يُعْرَف حفظه ويُنْكَر، وكتابه أصحّ، وقال ابن معين لَمّا سئل: مَن الثبت في مالك؟ فذكرهم، ثم قال: وعبد اللَّه بن نافع ثبت فيه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال مرةً: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، وقال الآجريّ، عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: كان عبد اللَّه بن نافع أعلم الناس برأي مالك وحديثه، كان يحفظ حديث مالك كلّه، ثم دخله بآخره شكّ، قال أبو داود: وكان عبد اللَّه عالِمًا بمالك، وكان صاحب فقه، وكان ربما دلَّ على مالك، قال: وسمعت أحمد بن صالح يقول: كان أعلم الناس بمالك وحديثه،
стр. 5367
وقال: بلغني عن يحيى أنه قال: عنده عن مالك أربعون ألف مسألة، وقال الدارقطنيّ: يُعْتَبَر به، وقال الخليليّ: لم يرضوا حفظه، وهو ثقةٌ، أثنى عليه الشافعيّ، وروى عنه حديثين أو ثلاثة، وقال ابن قانع: مدنيّ صالحٌ، وقال ابن عديّ: رَوَى عن مالك غرائب، وهو في رواياته مستقيم الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان صحيح الكتاب، وإذا حدّث من حفظه ربما أخطأ.
قال البخاريّ، عن هارون بن محمد: مات سنة ست ومائتين، وكذا أَرّخه ابن سعد، وزاد: في رمضان بالمدينة، وقال غيره: سنة سبع. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، و"المصنّف"، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أول الباب.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْر) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ، أبو محمد، ويقال: أبو بكر المدنيّ القاضي، ثقة [٥].
رَوَى عن أبيه، وخالة أبيه، عمرة بنت عبد الرحمن، وأنس، وحميد بن نافع، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وعباد بن تميم المازنيّ، وعبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وعروة بن الزبير، وأبي الزناد، والزهريّ، وهما من أقرانه، وغيرهم.
ورَوَى عنه الزهري أيضًا، وابن أخيه عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهشام بن عروة، وابن جريج، ومالك، وغيرهم.
قال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك: كان كثير الأحاديث، وكان رجل صدق، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: حديثه شفاء، وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائيّ: ثقة ثبتٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البرّ: كان من أهل العلم ثقةً فقيهًا محدثًا مأمونًا حافظًا، وهو حجة فيما نَقَلَ وحَمَلَ، وفي "العتبية" عن ابن القاسم، عن مالك: أخبرني ابنُ خنزابة، قال: قال لي ابن شهاب: مَن
стр. 5368
بالمدينة يُفتي؟ فأجابه، فقال ابن شهاب: ما ثَمّ مثلُ عبد اللَّه بن أبي بكر، ولكنه يمنعه أن يرتفع ذكرُهُ مكانُ أبيه أنه حيّ، وقال مالك: كان من أهل العلم والبصيرة.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، عالِمًا. تُوُفِّي سنة خمس وثلاثين ومائة، ويقال: سنة (٣٠) وهو ابن سبعين سنةً، وليس له عقب.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا.
٧ - (أَبُوهُ) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ النّجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يُكنى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٣ (١)] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٢.
٨ - (عَمْرُو بْنُ سُلَيْمِ) بن خَلْدة -بسكون اللام- ابن مَخْلَد بن عامر بن زُرَيق الأنصاريّ الزُّرَقيّ -بضمّ الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف- ثقةٌ، من كبار التابعين [٢].
رَوَى عن أبي قتادة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي حميد الساعديّ، وابن عمر، وابن الزبير، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه سعيد، وأبو بكر بن المنكدر، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وبكير بن الأشجّ، وسعيد المقبريّ، والزهريّ، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وعبد اللَّه بن أبي سَلَمة الماجشون، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وآخرون.
قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ في حديثه اختلاط، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الواقديّ: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر، وقال الفلاس: مات سنة أربع ومائة.
стр. 5369
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٤٠٧) و (٥٤٣) وكرّره ثلاث مرّات، و (٧١٤) وكرّره مرّتين، و (٨٤٦).
٩ - (أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ) الأنصاريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل: اسم جدّه مالك، وقيل: عَمْرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة بن عمرو بن الْخَزْرج، يقال: إنه عم سهل بن سعد.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه سعد بن المنذر، وجابر بن عبد اللَّه، وعبّاس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن سعيد بن سُويد، وعمرو بن سُلَيم الزُّرَقيّ، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وإسحاق بن عبد اللَّه بن عمرو بن الحكم، وغيرهم.
قال الواقديّ: تُوُفّي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد، وقال خليفة، وابن سعد، وغيرهما: إن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد شَهِدَ أُحُدًا وما بعدها.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٤٠٧) و (٧١٣) و (١٣٩٢) وكرّره مرّتين، و (١٨٣٢) وأعاده بعده، و (٢٠١٠).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، وروح، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرو بن سُليم، وقال في "الفتح": رواية أبي بكر بن عمرو عن عمرو بن سُليم من رواية الأقران، وولده من صغار التابعين. انتهى (١). وفيه نظرٌ؛ لأن أبا بكر أصغر من عمرو، كما لا يخفى من ترجمتهما، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5370
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكر بن عمرو بن حَزْم (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بالتصغير، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ) ﵁، وتقدّم الخلاف في اسمه، واسم أبيه آنفًا (أَنَّهُمْ) أي الصحابة الحاضرين مجلس النبيّ ﷺ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) أي كيف صيغة الصلاة عليك؟، فالحقّ أن السؤال عن الصيغة (قَالَ) ﷺ ("قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ) جمع زوج، وقد يقال: زوجة، والأول أفصح، وبها جاء القرآن الكريم، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ومن الثاني قول عمّار ﵁ في عائشة ﵂: "إنها زوجة نبيّكم ﷺ في الدنيا والآخرة"، رواه البخاريّ، وقال الفرزدق [من الطويل]:
وَإِنَّ الَّذِي يَبْغِي لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا (١)
وقد يُجمع زوجة على زوجات.
[تنبيه]: جملة أزواج النبيّ ﷺ اللاتي دخل بهنّ إحدى عشرة، وهنّ: خديجة بنت خُويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان، وأم سلمة هند بنت أبي أميّة، وزينب بنت جَحْش، وزينب بنت خُزيمة، وجُويرية بنت الحارث، وصفيّة بنت حُييّ، وميمونة بنت الحارث، وقد عقد على سبع ولم يدخل بهنّ.
فالصلاة على أزواجه ﷺ تابعةٌ لاحترامهنّ، وتحريمهنّ على الأمة، وأنهنّ نساؤه في الدنيا والآخرة، وقد ذكرتهنّ بالتفصيل في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (٢).
وأما من فارقها في حياتها، ولم يدخل بها فلا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهنّ، ومات عنهنّ ﷺ .
(وَذُرِّيَّتِهِ) بضمّ الذال المعجمة، وحُكِي كسرها: هي النسل، وقد يختص
стр. 5371
بالنساء والأطفال، وقد يُطْلَق على الأصل، وهي مِن ذَرَأَ بالهمز: أي خَلَقَ، إلا أن الهمزة سُهِّلَت؛ لكثرة الاستعمال، وقيل: بل هي من الذَّرّ؛ أي خُلِقوا أمتال الذَّرّ، وعليه فليس مهموز الأصل، واللَّه أعلم.
واستُدِلّ به على أن المراد بآل محمد أزواجُهُ وذريته، كما تقدم البحث فيه في الكلام على "آل محمد" في الحديث الذي قبل هذا.
قيل: واستُدِلّ به على أن الصلاة على الآل لا تجب؛ لسقوطها في هذا الحديث، وهو ضعيف؛ لأنه لا يخلو أن يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته، أو أزواجه وذريته، وعلى تقدير كلٍّ منهما لا يَنْهَض الاستدلال على عدم الوجوب.
أما على الأول فلثبوت الأمر بذلك في غير هذا الحديث، وليس في هذا الحديث المنع منه، بل أخرج عبد الرزاق، من طريق ابن طاوس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن رجل من الصحابة الحديث المذكور، بلفظ: "صل على محمد، وأهل بيته، وأزواجه وذريته".
وأما على الثاني فواضح.
واستَدَلّ به البيهقيّ على أن الأزواج من أهل البيت، وأيده بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قاله في "الفتح" (١).
وقد كتبت بحثًا مطوّلًا يتعلّق بالذريّة في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ") قد تقدّم شرحه مستوفًى، في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5372
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي حُميد الساعديّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٩١٦] (٤٠٧)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٦٩) و"الدعوات" (٦٣٦٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٧٩)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٤٩) وفي "الكبرى" (٤٧٠)، و (ابن ماجه) فيها (٩٠٥)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٦٥)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢/ ٢١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤٢٤)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٦/ ١٢ - ١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٨١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢١٥) و"المعرفة" (٢/ ٣٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣/ ١٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): استدلّ الإمام البخاريّ ﵀ بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فقال في "صحيحه":
"باب هلى يُصَلَّى على غير النبيّ ﷺ ؟ وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ثم أسند عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: كان إذا أتى رجلٌ النبيّ ﷺ بصدقته قال: اللهم صلّ عليه، فأتاه أبى بصدقته، فقال: اللَّهمّ صلّ على آل أبي أوفى".
ثم أخرج حديث أبي حميد الساعديّ ﵁ المذكور هنا.
قال في "الفتح": قوله: "باب هل يُصَلَّى على غير النبيّ ﷺ "؟ أي استقلالًا، أو تبعًا، ويدخل في الغير: الأنبياءُ والملائكةُ والمؤمنون، فأما مسألة الأنبياء فورد فيها أحاديث:
(فمنها): حديث عليّ ﵁ في الدعاء بحفظ القرآن، ففيه: "وصَلّ عليّ، وعلى سائر النبيين"، أخرجه الترمذيّ، والحاكم.
وحديثُ بُرَيدة رفعه: "لا تترُكَنّ في التشهد الصلاة عليّ، وعلى أنبياء اللَّه. . . " الحديث، أخرجه البيهقيّ بسند وَاهٍ.
стр. 5373
وحديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "صَلُّوا على أنبياء اللَّه. . . " الحديث، أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف.
وحديث ابن عباس ﵄ رفعه: "إذا صَلّيتم عليّ، فصلُّوا على أنبياء اللَّه، فإن اللَّه بعثهم كما بعثني"، أخرجه الطبرانيّ، وسنده ضعيف أيضًا.
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ اختصاص ذلك بالنبيّ ﷺ ، أخرجه ابن أبي شيبة، من طريق عثمان بن حكيم، عن عكرمة عنه، قال: "ما أعلم الصلاةَ تنبغي على أحد من أحد إلا على النبيّ ﷺ "، وهذا سند صحيح.
وحُكِي القول به عن مالك، وقال: ما تُعُبِّدنا به، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك: يكره.
وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز، وقال سفيان: يكره أن يُصَلَّى إلا على نبيّ، قال الحافظ: ووجدت بخط بعض شيوخي: مذهب مالك: لا يجوز أن يُصَلَّى إلا على محمد، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أُمِرنا به.
وخالفه يحيى بن يحيى، فقال: لا بأس به، واحتَجَّ بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا يُمْنَعُ إلا بنصّ، أو إجماع، قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء، قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاة على غير الأنبياء -يعني استقلالًا- لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أُحدثت في دولة بني هاشم.
وأما الملائكة فلا أعرف فيه حديثًا نصًّا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبت؛ لأن اللَّه تعالى سماهم رسلًا.
وأما المؤمنون فاختلف فيهم، فقيل: لا تجوز إلا على النبيّ ﷺ خاصةً، وحُكِي عن مالك كما تقدم.
وقالت طائفة: لا تجوز مطلقًا استقلالًا، وتجوز تبعًا فيما ورد به النصّ، أو أُلحق به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]، ولأنه لَمّا علّمهم السلام قال: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، ولما علّمهم الصلاة قصر ذلك عليه، وعلى أهل بيته،
стр. 5374
وهذا القول اختاره القرطبيّ في "المفهم"، وأبو المعالي من الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية من المتأخرين.
وقالت طائفة: تجوز تبعًا مطلقًا، ولا تجوز استقلالًا، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة.
وقالت طائفة: تكره استقلالًا لا تبعًا، وهي رواية عن أحمد، وقال النوويّ: هو خلاف الأولى.
وقالت طائفة: تجوز مطلقًا، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، فإنه صدَّر بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ثم عقّبه بالحديث الدالّ على الجواز مطلقًا، وعقبه بالحديث الدال على الجواز تبعًا.
فأما الأول، وهو حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى فسيأتي شرحه في "كتاب الزكاة"، برقم (١٠٧٨) -إن شاء اللَّه تعالى- ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عُبَادة أن النبيّ ﷺ رَفَع يديه، وهو يقول: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وسنده جيِّد.
وفي حديث جابر ﵁ أن امرأته قالت للنبيّ ﷺ : صَلِّ عليّ وعلى زوجي، فَفَعَل، أخرجه أحمد مطوَّلًا ومختصرًا، وصححه ابن حبّان.
وهذا القول جاء عن الحسن، ومجاهد، ونصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى اللَّه عليكِ، وعلى جسدك".
وأجاب المانعون عن ذلك كلِّه بأن ذلك صَدَرَ من اللَّه تعالى، ورسوله ﷺ ، ولهما أن يخصا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما.
وقال البيهقيّ: يُحْمَل قول ابن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم، لا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة.
وقد حقّق العلّامة ابن القيّم ﵀ هذا الموضوع، وناقش الأدلّة، وأجاد وأفاد، ثم قال في آخر البحث:
وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبيّ ﷺ إما أن
стр. 5375
يكون آله وأزواجه وذرّيّته، أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبيّ ﷺ ، وجائزة مفردةً.
وأما الثاني: فإن كان الملائكة، وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضًا، فيقال: اللهم صلّ على ملائكتك المقرّبين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصًا معيّنًا، أو طائفةً معيّنةً، كُرِه أن يتَّخذ الصلاة شعارًا لا يُخلّ به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجهٌ، ولا سيّما إذا جعلها شعارًا له، ومنع نظيره، أو من هو خيرٌ منه، وهذا كما تفعله الرافضة بعليّ ﵁، فإنهم حيث ذكروه قالوا: ﵇، ولا يقولون ذلك فيمن هو خيرٌ منه، فهذا ممنوع، ولا سيّما إذا اتُّخِذ شعارًا لا يُخَلُّ به، فتركه حينئذ متعيِّنٌ، وأما إن صلّى عليه أحيانًا بحيث لا يَجْعَل ذلك شِعَارًا كما يُصلَّى على دافع الزكاة، وكما كان ابن عمر ﵄ يكبّر على الجنازة، ويُصلّي على النبيّ ﷺ ، ثم يقول: "اللهم بارك فيه، وصلّ عليه، واغفر له، وأورده حوض نبيّك ﷺ " (١)، وكما صلّى النبيّ ﷺ على المرأة وزوجها، رواه أحمد، وأبو داود بسند قويّ، من حديث جابر ﵁، وكما رُوي عن عليّ ﵁ من صلاته على عمر ﵁، فهذا لا بأس به.
وبهذا التفصيل تتّفق الأدلّة، وينكشف وجه الصواب، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. انتهى حاصل كلام ابن القيّم ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه ابن القيّم: حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن الصلاة على غير الأنبياء من المؤمنين استقلالًا جائزة ما لم يمنع مانع، كما مرّ بيانه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: اختُلِفَ أيضًا في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحيّ، فقيل: يُشْرَع مطلقًا، وقيل: بل تبعًا، ولا يُفْرَد لواحد؛ لكونه صار شعارًا للرافضة، ونقله النوويّ عن الشيخ أبي محمد الْجُوينيّ، فقد منع أن يقال: عن عليّ ﵇.
стр. 5376
وفرّق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا: السلام يُشرع في حقّ كلّ مؤمن حيّ وميت، وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلِّغ فلانًا مني السلام، وهو تحيّة أهل الإسلام، بخلاف الصلاة، فإنها من حقوق النبيّ ﷺ ، ولهذا يقول المصلّي: "السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين"، ولا يقول: الصلاة علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فعُلم الفرق. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن السلام مثل الصلاة، فإن كان شعارًا لبعض الناس، كما تقول الشيعة: عليّ ﵇ فيكره، وإلا فلا، كما تقدّم التفصيل في كلام ابن القيّم ﵀ في الصلاة.
وقد ذكرت مباحث كثيرةً مفيدةً فيما كتبته على النسائيّ، فارجع إليه تستفد علمًا جَمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٧] (٤٠٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابِرِيّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر بن إياس السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
стр. 5377
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع و ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: العلاء عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ) شرطيّة، وجوابها قوله: "صلّى اللَّه عليه عشرًا" (صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً) نعت لمصدر محذوف، أي صلاةً واحدةً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا") وعند النسائيّ من حديث أنس ﵁ بسند صحيح: "صلّى اللَّه عليه عشر صلوات"، وزاد النسائيّ فيه: "وحُطّت عنه عشر خطيئات، ورُفعت له عشر درجات".
قال القاضي عياض ﵀: معنى صلاة اللَّه عليه: رحمته له، وتضعيف أجره، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠] قال: وقد تكون الصلاة على وجهها وظاهرها؛ تشريفًا له بين الملائكة، كما في الحديث: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"، متّفقٌ عليه (١).
стр. 5378
وقال الشوكانيّ ﵀: المراد بالصلاة من اللَّه الرحمة لعباده، وأنه يرحمهم رحمةً بعد رحمةً حتى تبلغ رحمته ذلك العدد، وقيل: المراد بصلاته عليهم إقباله عليهم بعطفه، وإخراجهم من ظلمة إلى رفعة ونور، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم لنا أن أصحّ الأقوال في معنى صلاة اللَّه على عبده ثناؤه عليه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقد استُشكل بأنه كيف يجوز أن تكون الصلاة على النبيّ ﷺ واحدةً، وعلى المصلّي عليه عشرًا؟.
وأُجيب بأن الواحدة صفة فعل المصلّي، وجزاؤها عشر صلوات من اللَّه عليه على ما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠]، ولا يُفهم منه أن الصلاة على النبيّ ﷺ من اللَّه تكون واحدةً، فإن فضل اللَّه واسع.
ولو سلّمنا أن الصلاة على النبيّ ﷺ من اللَّه تكون واحدةً، فلعلّ هذه الصلاة الواحدة من اللَّه تساوي في الشرف مائة ألف صلاة، أو تزيد في الشرف والكرامة بمائة ألف مرّة، كما أن الجوهرة الواحدة الثمينة النفيسة تساوي في الثمن مائة ألف فلس (١)، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: الصلاة من العبد طلب التعظيم والتبجيل لجناب رسول اللَّه ﷺ ، والصلاة من اللَّه تعالى، أي في الجزاء إن كانت بمعنى الغفران فيكون من باب المشاكلة من حيث اللفظ، وإن كانت بمعنى التعظيم، فيكون من الموافقة لفظًا ومعنى، وهذا هو الوجه؛ لئلا يتكرّر معنى الغفران، أي مع الحطّ (٢).
стр. 5379
ومعنى الأعداد المخصوصة محمول على المزيد والفضل في المعنى المطلوب. انتهى (١).
وقال ابن العربيّ ﵀: إن قيل: قد قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ﴾، فما فائدة هذا الحديث؟.
قلنا: فيه أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن من جاء بحسنة تُضاعف عشرةً، والصلاة على النبيّ ﷺ حسنةٌ، فمقتضى القرآن أن يُعطَى عشر درجات في الجنّة، فأخبر أن اللَّه تعالى يُصلّي على من صلّى على رسوله ﷺ عشرًا، وذكرُ اللَّه العبدَ أعظم من الحسنة مضاعفةً.
قال: ويُحقّق ذلك أن اللَّه تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره، وكذلك جعل ذكر نبيّه ﷺ ذكره لمن ذكره.
قال الحافظ العراقيّ ﵀: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر حسنات، وحطّ عنه عشر سيّئات، ورفعه عشر درجات، كما ورد في الأحاديث. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٩١٧] (٤٠٨)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٤٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥٣٠)، و (الترمذيّ) فيها (٤٨٥)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٥٠) رقم (١٢٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٢ و ٣٧٥ و ٤٨٥) رقم (٨٤٩٩ و ٨٥٢٧ و ٩٨٩٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٠٥ و ٩٠٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦٤٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠٥)،
стр. 5380
و (إسماعيل القاضي) في "فضل الصلاة على النبيّ ﷺ " برقم (٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث أصحّ، وأوضح ما ورد في فضل الصلاة على النبيّ ﷺ ، وقد وردت أحاديث قويّة تصلح للاحتجاج بها، نذكر بعضها تتميمًا للفائدة:
(فمنها): حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى عليّ صلاةً واحدةً صلى اللَّه عليه عشر صلوات، وحُطّت عنه عشر خطيئات، ورُفعت له عشر درجات"، حديث صحيح، أخرجه النسائيّ.
(ومنها): حديث أبي بُردة بن نيار ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى عليّ من أمتي صلاةً مخلصًا من قلبه، صلى اللَّه عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات"، أخرجه النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" (١)، وصححه ابن حبّان.
(ومنها): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاةً"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن حبّان.
(ومنها): حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "صلاةُ أمتي تُعْرَضُ عليّ في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليّ صلاةً كان أقربهم مني منزلة"، أخرجه البيهقيّ بسند لا بأس به.
(ومنها): حديث أوس بن أوس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فيه خُلِق آدم ﵇، وفيه قُبِض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعْقة، فأكثروا عليّ من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة عليّ"، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف تُعْرَضُ صلاتنا عليك، وقد أَرَمْتَ؟ أي يقولون: قد بَلِيتَ، قال: "إن اللَّه قد حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم.
(ومنها): حديث: "البخيلُ مَن ذُكِرت عنده، فلم يصلِّ عليّ"، أخرجه
стр. 5381
الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، والحاكم، وإسماعيل القاضي، وأطنب في تخريج طرقه، وبيان الاختلاف فيه من حديث عليّ، ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة الحسن، قاله الحافظ ﵀ في "الفتح" (١).
(ومنها): حديث: "مَن نَسِيَ الصلاةَ عليّ خَطِئ طريق الجنة"، أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس، والبيهقيّ في "الشعب" من حديث أبي هريرة، وابن أبي حاتم من حديث جابر، والطبرانيّ من حديث حسين بن عليّ، قال الحافظ: وهذه الطرق يَشُدُّ بعضُها بعضًا.
(ومنها): حديث: "رَغِمَ أنف رجل، ذُكِرت عنده، فلم يُصَلِّ عليّ"، أخرجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: "مَن ذُكِرت عنده، ولم يصلّ عليّ، فمات فدخل النار، فأبعده اللَّه"، وله شاهد عنده، وصححه الحاكم، وله شاهد من حديث أبي ذرّ ﵁ في الطبرانيّ، وآخر عن أنس ﵁ عند ابن أبي شيبة، وآخر مرسل عن الحسن، عند سعيد بن منصور، وأخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، ومن حديث مالك بن الحويرث، ومن حديث عبد اللَّه بن عباس، عند الطبرانيّ ومن حديث عبد اللَّه بن جعفر عند الفِرْيابيّ، وعند الحاكم من حديث كعب بن عُجْرة، بلفظ: "بَعُدَ مَن ذُكِرتُ عنده، فلم يصلّ عليّ"، وعند الطبرانيّ من حديث جابر رفعه: "شَقِي عبدٌ ذُكِرت عنده، فلم يصلّ عليّ"، وعند عبد الرزاق من مرسل قتادة: "من الْجَفَاء أن أُذكَر عند رجل، فلا يصلي عليّ".
(ومنها): حديث أُبَيّ بن كعب أنّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، إني أكثر الصلاة، فما أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئتَ" قال: الثلث؟ قال: "ما شئت"، وإن زدت فهو خير إلى أن قال: "أجعل لك كلَّ صلاتي"، قال: "إذًا تُكْفَى هَمَّك. . . " الحديث، أخرجه أحمد، وغيره بسند حسن.
قال الحافظ ﵀ بعد سوق هذه الأحاديث: فهذا الجيّد من الأحاديث الواردة في ذلك، وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفةٌ، وواهيةٌ، وأما ما وضعه القُصّاص في ذلك، فلا يُحصَى كثرةً، وفي الأحاديث القوية غُنْيَةٌ عن ذلك. انتهى (٢).
стр. 5382
[تنبيه]: قال الحليميّ ﵀: المقصود بالصلاة على النبيّ ﷺ التقرّب إلى اللَّه تعالى بامتثال أمره، وقضاء حقّ النبيّ ﷺ علينا، وتبعه ابن عبد السلام، فقال: ليست صلاتنا على النبيّ ﷺ شفاعةً له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن اللَّه أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا اللَّه لَمّا عَلِم عجزنا عن مكافأة نبينا ﷺ إلى الصلاة عليه.
وقال ابن العربيّ: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه؛ لدلالة ذلك على نُصُوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة ﷺ . انتهى (١).
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" نقلًا عن العلّامة ابن القيّم: مِن ذكر فوائد الصلاة على النبيّ ﷺ ، قريبًا من أربعين فائدةً، وذكرت أيضًا بعض المواطن التي تُطلب فيها الصلاة على النبيّ ﷺ ، فراجعه تستفد علمًا جمًّا (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر الإمام أبو حاتم محمد بن حبّان الْبُستيّ ﵀ في "صحيحه" بعد إخراج حديث ابن مسعود ﵁، مرفوعًا: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاةً" ما نصّه:
في هذا الخبر دليلٌ على أن أولى الناس برسول اللَّه ﷺ في القيامة، يكون أصحابَ الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاةً عليه ﷺ منهم. انتهى (٣).
وقال أبو نعيم -فيما نقله الخطيب في "شرف أصحاب الحديث"-: وهذه منقبة شريفة، يَختص بها رُواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يُعْرَف لعِصَابة من العلماء، من الصلاة على رسول اللَّه ﷺ أكثر مما يُعْرَف لهذه العِصَابة نَسْخًا وذِكْرًا. انتهى (٤).
стр. 5383
وقال العلّامة صدّيق حسن خان في كتابه: "نُزُل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار" (ص ١٦١) -بعد أن ساق أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبيّ ﷺ : لا شكّ في أن أكثر المسلمين صلاة عليه ﷺ هم أهل الحديث، ورُواة السنة المطهرة، فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف الصلاةَ عليه ﷺ أمامَ كلِّ حديث، ولا يزال لسانهم رطبًا بذكره ﷺ ، وليس كتاب من كتب السنة، ولا ديوان من دواوين الحديث -على اختلاف أنواعها من "الجوامع"، و"المسانيد"، و"المعاجم"، و"الأجزاء"، وغيرها- إلا وقد اشتَمَلَ على آلاف الأحاديث، حتى إن أخصرها حَجْمًا كتاب "الجامع الصغير" للسيوطيّ فيه عشرة آلاف حديث، وقس على ذلك سائر الصُّحُف النبوية، فهذه العصابة الناجية، والجماعة الحديثية، أولى الناس برسول اللَّه ﷺ يوم القيامة، وأسعدهم بشفاعته ﷺ بأبي هو وأمي- ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحدٌ من الناس، إلا من جاء بأفضل مما جاؤوا به، ودونه خَرْطُ القَتَاد.
فعليك يا باغي الخير، وطالب النجاة بلا ضير، أن تكون محدِّثًا، أو متطفِّلًا على المحدثين، وإلا فلا تكن. . . فليس فيما سوى ذلك من عائدة تعود إليك.
ورَحِمَ اللَّه الإمام أحمد إمام السنّة الذي أنشد [من الكامل]:
دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ أَخْبَارٌ … نِعْمَ الْمَطِيَّةُ لِلْفَتَى آثَارُ
لَا تَرْغَبَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ … فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى أَثَرَ الْهُدَى … وَالشَّمْسُ بَازِغَةٌ لَهَا أَنْوَارُ
نسأل اللَّه ﵎ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجعلنا من هؤلاء المحدثين الذين هم أولى الناس برسول اللَّه ﷺ يوم القيامة، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، ومُفيض البركات، آمين آمين آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 5384
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلّامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء التاسع من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" ﵀ تعالى، والمؤذّن يؤذّن لصلاة العشاء ليلة الاثنين المبارك ١٢/ ٥/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٨/ يوليو - تموز/ ٢٠٠٥ م.
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش الكريم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء العاشر مفتتحًا بـ (١٨) - (بَابُ التَّسْمِيعِ، وَالتَّحْمِيدِ) رقم الحديث [٩١٨] (٤٠٩).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 5385
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة العشاء ١٢/ ٥/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء العاشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" ﵀ تعالى.
(١٨) - (بَابُ التَّسْمِيعِ، وَالتَّحْمِيدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٨] (٤٠٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَاِئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدم في الباب الماضي.
٣ - (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع).
رَوَى عن مولاه، وابن المسيِّب، وأبي صالح ذكوان، والقعقاع بن حكيم، والنعمان بن أبي عياش.
وعنه ابنه عبد الملك، ويحيى بن سعيد، وسُهيل بن أبي صالح، وهما
стр. 5386
من أقرانه، وابن عجلان، وعبيد اللَّه بن عمر، والسفيانان، ومالك، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، وعُمارة بن غَزِيّة، وورقاء بن عُمر، وعبد العزيز بن المختار، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، أحبّ إليك، أو سُمَيّ؟ فقال: سُميّ خير منه، وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: سُميّ أثبت عندك، أو القعقاع؟ فقال: القعقاع أحبّ إليّ منه.
قال البخاريّ: قال لنا عبد الملك بن شيبة: قُتِل بقُدَيد سنة ثلاثين ومائة، وقال ابن عيينة: قتلته الحرورية يوم قُديد، وقال غيره: وذلك سنة (١٣١)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قتلته الْحَرُورية سنة خمس وثلاثين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريًّا، إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحفظ من روى الحديث في عصره، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5387
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة، بصيغة التصغير (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قال النوويّ ﵀: "سمع اللَّه لمن حمده" أي أجاب، أي من حَمِد اللَّه متعرّضًا لثوابه استجاب اللَّه تعالى له، وأعطاه ما تعرّض له، قال: ولفظ "ربّنا" على تقدير إثبات الواو متعلّق بما قبله، تقديره: سمع اللَّه لمن حَمِده، يا ربّنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على ما هديتنا. انتهى.
وقال البغويّ ﵀: وقوله: "سمع اللَّه لمن حمده": أي تقبّل اللَّه منه حمده، وأجابه، يقال: اسمع دعائي: أي أجب؛ لأن غرض السائل الإجابة، فوُضع السمع موضع الإجابة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥]، أي اسمعوا منّي سمع الطاعة والقبول، ومنه الحديث: "أعوذ بك من دعاء لا يُسمَعُ"، أي لا يُجاب. انتهى (١).
(فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وفي رواية البخاريّ: "فقولوا: اللَّهمّ ربنا ولك الحمد"، قال في "الفتح": في رواية الكشميهنيّ: "ولك الحمد" بإثبات الواو، وفيه رَدٌّ على ابن القيِّم حيث جَزَم بأنه لم يَرِد الجمع بين "اللهم" والواو في ذلك. انتهى (٢).
وقال الكرمانيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون السماع بمعناه المشهور.
[فإن قلت]: فلا بُدَّ أن تُستعمل بـ "من"، لا باللام.
[قلت]: معناه: سمع الحمد لأجل الحامد منه، ثم لفظ "ربّنا" لا يُمكن أن يتعلّق بما قبله؛ لأنه كلام المأموم، وما قبله كلام الإمام بدليل قوله: "فقولوا"؛ بل هو ابتداء كلام، وقوله: "لك الحمد" حال منه؛ أي أدعوك، والحال أن الحمد لك، لا لغيرك.
стр. 5388
[فإن قلت]: هل يكون عطفًا على "أدعوك"؟.
[قلت]: لا؛ لأنها إنشائيّة، وهذه خبريّة. انتهى.
وقال الطيبيّ ﵀ ما حاصله: هذا الكلام يَحتاج إلى مزيد كشف وبيان، وذلك أن قوله: "سَمِعَ اللَّه لمن حمده" وسيلة، و"ربّنا ولك الحمد" طلبٌ، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، فإذا رُوي بالعاطف تعلّق "ربنا" بالأولى؛ ليستقيم عطف الجملة الخبريّة على مثلها، وإذا عُزل عن الواو تعلّق "ربّنا" بالثانية، فإنه لا يجوز عطف الإنشائيّ على الخبريّ، وتقديره على الوجه الأول: يا ربنا قَبِلتَ في الدهور الماضية حَمْدَ مَنْ حَمِدَكَ من الأمم السالفة، ونحن نطلب منك الآن قبول حمدنا، ولك الحمد أوّلًا وآخرًا، فأخرج الأولى على الجملة الفعليّة، وعلى الغيبة، وخصّ اسم اللَّه الأعظم بالذكر، والثانية على الاسميّة، وعلى الخطاب؛ لإرادة الدوام، ولمزيد إنجاح المطلوب، فعلى هذا في الكلام التفاتة واحدة، وعلى الأول التفاتتان، من الخطاب إلى الغَيبة، ومنها إلى الخطاب. انتهى (١).
(فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده (مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ) برفع "قولُهُ" على الفاعليّة لـ "وَافَقَ"، ونصب "قولَ" على المفعوليّة، وفيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقوله المأمومون.
وأرجح الأقوال في معنى موافقة الملائكة هو الموافقة في القول والزمن، وسيأتي ذكر بقيّة الأقوال في التأمين -إن شاء اللَّه تعالى-.
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (مَا) موصولة (تَقَدَّمَ) بالبناء للفاعل (مِنْ ذَنْبِهِ") بيان لـ "ما".
ثم ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، صغيرها وكبيرها، وفضل اللَّه واسع، لكن خصّه العلماء بالصغائر، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح حديث عثمان بن عفّان ﵁ فيمن توضّأ كوضوئه ﷺ في "كتاب الطهارة"،
стр. 5389
فارجع إليه تجد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٩١٨ و ٩١٩] (٤٠٩)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٩٦) و"بدء الخلق" (٣٢٢٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٤٨)، و (الترمذيّ) فيها (٢٦٧)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٨٨)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٥٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٠٧ و ١٩٠٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار"، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٠٦ و ٩٠٧) (١/ ٢٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٣٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة قول "سمع اللَّه لمن حمده" للإمام، وسيأتي حكم تحميده قريبًا.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة "اللهم ربنا لك الحمد" للمأموم، وسيأتي حكم تسميعه أيضًا.
٣ - (ومنها): بيان رغبة الملائكة في مشاركة المؤمنين في صلاتهم، فيؤمّنون لتأمينهم، ويحمدون لتحميدهم.
٤ - (ومنها): الحثّ على موافقة الملائكة في التحميد، وذلك بمتابعة تسميع الإمام.
٥ - (ومنها): بيان فضل موافقة الملائكة في التحميد، وذلك أنه سبب لغفران ما تقدّم من الذنوب.
стр. 5390
٦ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستَدَلّ به على أن الإمام لا يقول: "ربنا لك الحمد"، وعلى أن المأموم لا يقول: "سمع اللَّه لمن حمده"؛ لكون ذلك لم يُذْكَر في هذه الرواية، كما حكاه الطحاويّ، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.
وتُعُقّب بأنه ليس فيه ما يدلّ على النفي؛ بل فيه أن قول المأموم: "ربنا لك الحمد" يكون عقب قول الإمام: "سمع اللَّه لمن حمده"، والواقع في التصوير ذلك؛ لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام، كما في الخبر، وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين، كما سيأتي في الباب التالي من أنه لا يلزم من قوله: "إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين" أن الإمام لا يُؤَمِّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وليس فيه أن الإمام يُؤَمِّن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول: "ربنا لك الحمد"، لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة، كما سيأتي في التأمين، وقد ثبت في "الصحيحين" أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد، وهو إمامٌ، وقد قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي".
وأما ما احتجوا به من حيث المعنى، من أن معنى: "سمع اللَّه لمن حمده" طلب التحميد، فيناسب حال الإمام، وأما المأموم، فتناسبه الإجابة بقوله: "ربنا لك الحمد"، ويقويه حديث أبي موسى الأشعريّ عند المصنّف وغيره، ففيه: "وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، يسمع اللَّه لكم".
فجوابه: أن يقال: لا يدلّ ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: "ربنا ولك الحمد"؛ إذ لا يمتنع أن يكون طالبًا ومجيبًا، وهو نظير ما سيأتي في مسألة التأمين، من أنه لا يلزم من كون الإمام داعيًا والمأموم مُؤَمِّنًا أن لا يكون الإمام مُؤَمِّنًا، ويَقرُب منه ما تقدم البحث فيه في الجمع بين الحيعلة والحوقلة لسامع المؤذن.
стр. 5391
وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تَشْهَد له، وزاد الشافعيّ أن المأموم يجمع بينهما أيضًا، لكن لم يصحّ في ذلك شيء، ولم يثبت عن ابن المنذر أنه قال: إن الشافعيّ انفرد بذلك؛ لأنه قد نَقَلَ في "الإشراف" عن عطاء، وابن سيرين وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم.
وأما المنفرد: فحَكَى الطحاويّ، وابن عبد البرّ الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاويّ حجةً لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على اتّحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب "الهداية" إلى خلاف عندهم في المنفرد، أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من البحث أن أرجح الأقوال أن يجمع الإمام ومثله المنفرد بين التسميع والتحميد؛ لصحّة ذلك عن النبيّ ﷺ ، حيث كان يجمع بينهما، وهو إمام، وأما المأموم، فلا يُسمّع؛ لظاهر هذا الحديث، حيث قال ﷺ : "وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده"، فقولوا: "اللَّهمّ ربنا لك الحمد"، فوزعّ بينهما التسميع والتحميد، فأمره بالتحميد فقط، ولولا ثبوت الجمع بينهما عنه ﷺ إمامًا لكان للإمام أيضًا التسميع فقط، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 5392
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عبدٍ القاريّ -بتشديد الياء- المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ) يعني أن حديث سُهيل عن أبيه، بمعنى حديث سُميّ عنه.
[تنبيه]: رواية سهيل عن أبيه هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٢)، فقال:
(٩٠٧) حدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا قال القارئ: سمع اللَّه لمن حمده، فقال مَن خلفه: اللهم ربنا لك الحمد، فوافق قوله قول أهل السماء: اللهم ربنا لك الحمد، غُفِر له ما تقدم من ذنبه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٩) - (بَابُ التَّأْمِينِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٢٠] (٤١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "آمِينَ").
стр. 5393
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الثبت الفقيه الحجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبثٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، إلا أنه دخل المدينة أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، كما تقدّم غير مرّة.
٦ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة: ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، عنه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) أي ابنَ شهاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) وفي رواية النسائيّ: "إذا أمّن القارئ"، أي الإمام (فَأَمِّنُوا) جواب "إذا"، أي قولوا: آمين، وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحَكَى
стр. 5394
الواحديّ عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذّةٌ: القصرُ، حَكاه ثعلب، وأنشد له شاهدًا، وأنكره ابن درستويه، وطَعَن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحَكَى عياضٌ ومن تبعه عن ثعلب أنه إنما أجازه في الشعر خاصّة، والتشديد مع المدّ والقصر، وخطّأهما جماعة من أهل اللغة.
و"آمين" من أسماء الأفعال مثل "صَهْ" للسكوت، وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، مثل "كيف"، وإنما لم تُكْسَر؛ لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناها: اللهم استَجِبْ عند الجمهور، وقيل غير ذلك مما يَرجع جميعه إلى هذا المعنى، كقول من قال: معناه: اللهم أُمَّنا بخير، وقيل: كذلك يكون، وقيل: درجة في الجنة تَجب لقائلها، وقيل: لمن استجيب له كما استجيب للملائكة، وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، رواه عبد الرزاق، عن أبي هريرة ﵁، بإسناد ضعيف، وعن هلال بن يساف التابعيّ مثله، وأنكره جماعة، وقال مَن مدَّ وشدَّد: معناها قاصدين إليك، ونُقِل ذلك عن جعفر الصادق، وقال مَن قَصَر وشَدَّد: هي كلمة عبرانية، أو سريانية، وعند أبي داود من حديث أبي زُهير النميريّ الصحابي: أن آمين مثل الطابَع على الصحيفة، ثم ذكر قوله ﷺ : "إن خَتَم بآمين فقد أوجب". انتهى (١).
وقد أشبعت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَإِنَّهُ) الضمير للشأن كما سبق في الحديث الماضي (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ (وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَاِئكَةِ) قال الحافظ العراقيّ ﵀: الصحيح أن المراد الموافقة في الزمن، بحيث يقع تأمين ابن آدم وتأمين الملائكة معًا، وهو ظاهر الحديث، وقيل: المراد بذلك الموافقة في صفة التأمين، من كونه بإخلاص وخشوع، قال القرطبيّ: وهذا بعيد، وقيل: من وافق الملائكة في استجابة الدعاء غُفِر له، وقيل: من وافقهم في لفظ الدعاء، قال القرطبيّ، وابنُ دقيق العيد: والأول أظهر. انتهى (٢).
وقال في "الفتح" ما حاصله: المراد الموافقة في القول والزمان خلافًا
стр. 5395
لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، كابن حبّان، فإنه لَمّا ذكر الحديث قال: يريد موافقة الملائكة في الإخلاص بغير إعجاب، وكذا جنح إليه غيره، فقال: نحو ذلك من الصفات المحمودة، أو في إجابة الدعاء، أو في الدعاء بالطاعة خاصّة، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.
وقال ابن الْمُنَيِّر ﵀: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظًا.
ثم إن ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا إنهم غير الحفظة.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن المراد بهم مَن يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء، وسيأتي في رواية الأعرج، عن أبي هريرة: "والملائكة في السماء آمين"، وفي رواية سهيل، عن أبيه: "فوافق قوله قول أهل السماء"، ورَوَى عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد". انتهى. ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ") جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، وظاهر الحديث مغفرة ما تقدم من الذنوب، سواء فيه الصغائر والكبائر، وقد خَصَّ العلماء هذا وأشباهه بتكفير الصغائر فقط، وقالوا: إنما يُكَفِّر الكبائرَ التوبةُ، وكأنهم لما رأوا التقييد في بعض ذلك بالصغائر، حملوا ما أُطْلِق في غيرها عليها، كالحديث الصحيح: "الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مُكَفِّراتٌ لما بينهنّ ما اجتُنِبت الكبائر"، واللَّه تعالى أعلم (٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وَقَع في "أمالي الجرجانيّ" عن أبي العباس الأصمّ، عن بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن يونس، في آخر هذا الحديث: "وما تأخر"، وهي زيادة شاذّة، فقد رواه ابن الجارود في "المنتقى" عن بحر بن