← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) أي أكملوهما بمراعاة الطمأنينة والاعتدال، وفي رواية النسائيّ: "أتمّوا" بدل "أقيموا"، والإقامة هنا بمعنى الإحسان المتقدّم في قوله: "ألا تُحسن صلاتك" (فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي) أي بعد ظهري، كما أشار إليه بقوله: (وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي) تقدّم الكلام على معنى هذه الجملة في حديث أبي هريرة ﵁. قال في "الفتح": وأغرب الداوديّ الشارح، فحَمَل البعدية هنا على ما بعد الوفاة، يعني أن أعمال الأمة تُعْرَض عليه، وكأنه لم يتأمل سياق حديث أبي هريرة ﵁ حيث بَيَّنَ فيه سبب هذه المقالة، وحديثه وحديث أنس ﵁ في قضية واحدة، وهو مقتضى صنيع الشيخين في إيرادهما الحديثين في هذا الباب. [فإن قيل]: ما الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم، دون تحذيرهم برؤية اللَّه تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبيّن في سؤال جبريل ﵇، كما تقدم في "كتاب الإيمان": "اعبُدِ اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؟. [أجيب]: بأن في التعليل برؤيته ﷺ لهم تنبيهًا على رؤية اللَّه تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة؛ لكون النبيّ ﷺ يراهم أيقظهم ذلك إلى مراقبة اللَّه تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له ﷺ بذلك، ولكونه يُبْعَث شهيدًا عليهم يوم القيامة، فإذا عَلِمُوا أنه يراهم، تحفظوا في عبادتهم؛ ليشهد لهم بحسن عبادتهم، أفاده في "الفتح" (١). وقوله: (إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ") ظرف لـ "أراكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 5567

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٩٦٤ و ٩٦٥] (٤٢٥)، و (البخاريّ) في (٧٤٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١٠٥٤ و ١١١٧) و"الكبرى" (٦٤١ و ٧٠٤ و ١٣٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١١٣ و ١٣٠ و ١٧٠ و ١٧٧ و ٢٦٩ و ٢٧٤)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١١٧٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧١٥ و ١٧١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٢ و ٩٥٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي، إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ"، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: "إِذَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا سَجَدْتُمْ (١) "). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستَوَائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٥ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،

стр. 5568

ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، كسابقه. وقوله: (إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ) "ما" بعد "إذا" زائدة، كما تبيّن من الرواية التالية. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٦] (٤٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 5569

٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٣٥٨. ٥ - (أَنَس) بن مالك ﵁، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، كما سبق قريبًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيّام (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي أدّاها، وسلّم منها (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة، أي ومُهمّة الإمام أن يؤتمّ، ويُقتدى به، على وجه المتابعة. وقال السنديّ ﵀: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إمامًا، فيعمّ كلَّ إمام، لا لكونه نبيًّا؛ ليختصّ به. انتهى. (فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْبِقُونِي) أصله تسبقونني، فحُذفت نون الرفع للجازم، والنون الموجودة هي نون الوقاية، كما قال في "الخلاصة": وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) المراد بالانصراف هنا هو السلام، وقيل: هو الانصراف بعد السلام، والأول أرجح، بدليل أنه ذكره مع الركوع والسجود والقيام، وأيضًا قوله: "فإني أراكم من وراء ظهري" يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي المبادرة الواقعة في الصلاة قبل توجّهه إليه. وأما الانصراف الذي يكون بعد السلام، فيجوز قبل الإمام، إلا إذا كان

стр. 5570

هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينصرفن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال. وقد أخرج الطبرانيّ في "المعجم الكبير" بإسناد رجاله ثقات، عن أبي الأحوص، أن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا كنت خلف الإمام، فلا تركع حتى يركع، ولا تسجد حتى يسجد، ولا ترفع رأسك قبله، وإذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعْهُ، فقد تمّت صلاتك". انتهى (١). وقد استوفيت هذا البحث في "شرح النسائيّ" في باب "جلسة الإمام بين التسليم والانصراف" (٧٧/ ١٣٣٣) فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ ﵀: وأما نهيه ﷺ عن سبقهم إياه بالانصراف، فقد ذهب الحسن والزهريّ إلى أن حقّ المأموم أن لا ينصرف حتى ينصرف الإمام؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تمّ بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبيّ ﷺ ، وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإنه قد يَحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين، ومراعاة المصالح والآراء، واللَّه أعلم. ويَحْتَمِل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم، فإنه يقال: انصرف من الصلاة، أي سلَّم منها، واللَّه أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمله على التسليم هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي) وفي رواية النسائيّ: "من أمامي" (وَمِنْ خَلْفِي") أي رؤية حقيقيّةً، أعطاه اللَّه تعالى إياها آية بيّنة على نبوّته، وقد تقدّم أقوال العلماء في معنى هذه الرؤية في الباب الماضي، فراجعه. وقال ابن الملك ﵀: إنما ذكر النبيّ ﷺ الأَمَامَ مع الخلف؛ إشارةً إلى

стр. 5571

أن رؤيته من خلفه كرؤيته من قُدّامه، ولعلّ هذه الحالة تكون حاصلة له في بعض الأوقات حين تغلب عليه جهة مَلَكيّته دون بشريّته؛ لأنه ﵇ قال: "إنما أنا بشر أَنْسَى كما تنسون". انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "جهة ملكيّته" محلّ تأمل، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) ﷺ (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه على ما يليق بجلاله (لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ) "ما" موصولة، وعائد الصلة محذوفٌ، والتقدير: لو رأيتم الذي رأيته، أي من عظيم قدرة اللَّه تعالى، وشدّة انتقامه من أهل الإجرام. (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق محذوف، أي ضحكًا قليلًا، ويحتمل أن يكون صفة ظرف محذوف: أي زمنًا قليلًا، والأول أظهر. قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادرًا؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن عليكم (وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا") وإعرابه كسابقه، أي بكيتم بكاءً كثيرًا، أو زمنًا كثيرًا؛ خوفًا من عذاب اللَّه تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: لو رأيتم من سعة رحمة اللَّه وحلمه، وغير ذلك ما رأيت لتركتم الضحك وبكيتم على ما فاتكم من ذلك. (قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) "ما" استفهاميّة، مفعول مقدّم وجوبًا؛ لكونه اسم استفهام، ويحتمل أن تكون مبتدأ، و"رأيت" خبرها بتقدير الرابط، أي أيُّ شيء رأيته؛ والرؤية هنا بصريّة، ولذا تتعدّى إلى مفعول واحد (قَالَ) ﷺ ("رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ") هذه الرؤية أيضًا حقيقيّة، يعني أن الجنّة والنار سبب لكثرة البكاء، وقلّة الضحك، فالجنّة شوقًا إليها، وخوفًا من الحرمان منها، والنار خوفًا من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 5572

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٩٦٦ و ٩٦٧] (٤٢٦)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٣/ ٨٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢ و ١٢٦ و ١٥٤ و ٢١٧ و ٢٤٥ و ٢٩٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧١٥ و ١٧١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٥٧ و ١٧٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم مسابقة الإمام بالركوع، والسجود، والقيام، والسلام. ٢ - (ومنها): بيان حرص النبيّ ﷺ ، وشدّة عنايته في تحذير أمته مما يكون سببًا لهلاكها، وحثّهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وبالجملة فما من شيء فيه خير لهم إلا دلّهم عليه، وما من شيء فيه شرّ إلا حذّرهم منه، فظهر فيه مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - (ومنها): بيان ما خصّ اللَّه نبيّه ﷺ من إطلاعه على المغيّبات، حتى الجنّة والنار. ٤ - (ومنها): الحثّ على قلّة الضحك، وكثرة البكاء؛ لأن هذا هو اللائق بالعاقل؛ إذ لا يدري ماذا يكون حاله في الآخرة: هل يكون من الفائزين بدخول الجنّة، أو يكون من الخاسرين بدخول النار؟ اللهم إنّا نسألك الجنّة، ونعوذ بك من النار آمين. ٥ - (ومنها): بيان أن الجنّة والنار مخلوقتان، قاله النوويّ ﵀. [تنبيه]: من أغرب ما رأيته في هذا المحلّ من بعض شرّاح الكتاب (١) إنه كتب هنا ردًّا على استنباط النوويّ المذكور كلامًا خطيرًا، حيث قال: إن قلنا: الرؤية بصريّة، يَحْتَمِل أنهما صُوّرتا له ﷺ ، فرآهما، ومن فيهما من المنعّمين والمعذّبين في عُرْض الحائط كما نرى شاشة التلفزيون بتصوير ما سيكون في

стр. 5573

صورة ما هو كائن، فليس فيه دليلٌ على أن الجنّة والنار موجودتان، كما استدلّ به النوويّ، وإن قلنا: إن الرؤية علميّة سقط الاستدلال من أساسه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر كلامه هذا يدلّ على أنه ممن لا يؤمن بوجود الجنّة والنار، كما يفيده تشبيهه بما يشاهَدُ في التلفزيون مما سيكون. . . إلخ، وهذا خطر عظيم، فإن هذا من عقائد الفرق الضالّة، فكيف يصدر مثل هذا ممن يتولّى شرح "صحيح مسلم"، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإنما نبّهت عليه لعِظَم خطره؛ لأن الناس كثيرًا ما يغترّون بمثل هذا الكلام، ولا سيّما إذا صدر من الدكاترة، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان من سابق إمامه في أفعال الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في صلاة من خالف الإمام في صلاته، فقالت طائفة: لا صلاة له، روي هذا القول عن ابن عمر ﵄. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا تبادروا أئمتكم الركوع ولا السجود، فإن سبق أحد منكم، فليضع قدر ما سبق به. وممن رأى أن يرجع راكعًا أو ساجدًا إذا رفع رأسه قبل الإمام: مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال الأوزاعيّ: فليُعد رأسه، فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده بقدر ما نزل، وكان أبو ثور يقول: إذا ركع قبل الإمام، فأدركه الإمام، وهو راكع، ويسجد قبله، فقد أساء ويجزيه، وحُكي عن الشافعيّ أنه قال: يجزيه، وأكرهه، وقال سفيان الثوريّ فيمن ركع قبل الإمام: ينبغي أن يرفع رأسه، ثم يركع، قيل له: أيُعيد؟ قال: ومن يسلم من هذا؟. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (١). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد اختلف العلماء فيمن تعمّد رفع رأسه قبل إمامه في ركوعه أو سجوده، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه وجهان

стр. 5574

لأصحابنا -يعني الحنبليّة- وأكثرهم على البطلان، ورُوي عن ابن عمر ﵄. انتهى (١). وقال في "الفتح": الجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر ﵄: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي "المغني": عن أحمد أنه قال في "رسالته": ليس من سَبَقَ الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لَرَجى له الثوابَ، ولم يَخْشَ عليه العقاب. انتهى (٢). وقال أبو محمد بن حزم ﵀: وفرض على كل مأموم أن لا يرفع، ولا يركع، ولا يسجد، ولا يكبّر، ولا يقوم، ولا يسلم قبل إمامه، ولا مع إمامه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، فإن فعل ذلك ساهيًا فليرجع، ولا بُدّ حتى يكون ذلك كله منه بعد كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو. قال: وبه قال السلف، رَوَينا عن أبي هريرة ﵀ أنه قال: إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام، ويخفض قبله، فإن ناصيته بيد شيطان، وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ما يُؤَمِّن الرجل إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب، وعنه قال: لا تبادروا أئمتكم بالسجود، فإن سبقكم من ذلك شيء، فليضع أحدكم رأسه كقدر ما سَبَق. وعن عمر بن الخطاب ﵁ مثل هذا حرفًا حرفًا. قال ابن حزم: لا وعيد أشدّ من المسخ في صورة كلب أو حمار -يعني المذكور في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي-، ولا عقوبة أعظم من إسلام ناصية المرء إلى يد الشيطان، والمعصية المحرِّمة المبعِدة من اللَّه تعالى، لا تنوب عن الطاعة المفترضة المقرِّبة منه . انتهى كلام ابن حزم ﵀ (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن عمر ﵄، ونُقل عن الإمام أحمد ﵀، من بطلان صلاة من سابق إمامه، وعزاه ابن حزم إلى السلف، هو

стр. 5575

الراجح عندي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ جَمِيعًا، عَنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ: "وَلَا بِالِانْصِرَافِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه ولا حقه، وهو (٤٨). وقوله: (جَمِيعًا، عَنِ الْمُخْتَارِ) يعني أن كلًّا من جرير، وابن فُضيل رويا عن المختار بن فُلْفُل. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث أنس الماضي. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد لم أر من أخرجها، وأما رواية محمد بن فُضيل، فقد أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: (١١٥٥٩) حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، وقد انصرف من الصلاة، فأقبل

стр. 5576

إلينا، فقال: "يا أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالقعود، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما رأيت؟ قال: "رأيت الجنة والنار". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٩٦٨] (٤٢٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثَعْلَب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختياراتٌ في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠] (٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن دِرْهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيه، وهو (٤٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: خلف، وأبي الربيع، كما أسلفته آنفًا.

стр. 5577

٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أكثر الصحابة روايةً للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ، أنه قال (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ) كذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: "ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام. . . "، وفي رواية البخاريّ: "أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم" بالشكّ. و"أما" -بتخفيف الميم-: حرف استفتاح، مثل "ألا"، وأصلها "ما" النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام إنكار وتوبيخ، و"يخشى" بمعنى يخاف، لفظه خبرٌ، ومعناه النهي، قاله الصنعانيّ ﵀ (١). وزيادة "في صلاته" المذكورة آنفًا تدلّ على أن المسابقة المنهيّ عنها عامّة في جميع أجزاء الصلاة. ووقع في رواية أبي داود، عن حفص بن عمر: "الذي يرفع رأسه، والإمام ساجد"، فقال في "الفتح": فتبيّن أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقّب على من قال: إن الحديث نصّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نصّ في السجود، ويلتحق به الركوع؛ لكونه في معناه، ويمكن أن يُفَرَّق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه؛ لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خُصّ بالتنصيص عليه. ويَحْتَمِل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم، إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود، فقيل: يَلْتَحِق به من بابٍ أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دلّ الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد.

стр. 5578

ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المقاصد أشدّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر، أخرجه البزار من رواية مَلِيح بن عبد اللَّه السعديّ، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "الذي يَخفِض ويرفع قبل الإمام، إنما ناصيته بيد شيطان"، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله في "الفتح" من إلحاق الركوع والسجود، وأنه لا يشمله النصّ المذكور غير سديد، بل الظاهر أنه يشمله، ويقوّي ذلك زيادة "في صلاته" في الرواية الآتية، ويؤيّده حديث أنس ﵁ المذكور قبله: "فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، وبالقيام، ولا بالانصراف". ومن الغريب أن يحتجّ على هذا برواية البزّار المختلف في رفعها ووقفها، مع أن حديث أنس ﵁ أصرح في النهي، وهو عند مسلم. والحاصل أن أحاديث الباب وغيرها تدلّ دلالة صريحة على أن المسابقة في جميع أجزاء الصلاة محرّمة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ) من التحويل (رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ") وفي رواية محمد بن زياد التالية: "أن يحوّل اللَّه صورته صورة حمار"، وفي رواية الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد الآتية أيضًا: "أن يجعل اللَّه وجهه وجه حمار". ووقع في رواية البخاريّ: "أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو يجعل اللَّه صورته صورة حمار" بالشكّ، قال في "الفتح": الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسيّ، عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردّد، فأما الحمّادان فقالا: "رأس"، وأما يونس فقال: "صورة"، وأما الربيع فقال: "وجه"، والظاهر أنه من تصرف الرواة. قال القاضي عياض ﵀: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، قال الحافظ ﵀: لفظ الصورة يُطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل فهي المعتمدة، وخُصّ وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل.

стр. 5579

وقال القرطبيّ ﵀: هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه، فإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيدُ بمسخ الصورة الظاهرة، أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدلّ على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه، وأنه ركن مستقلّ، كالركوع والسجود. قال: وقوله في الحديث الآخر: "فإنما ناصيته بيد شيطان" (١) يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يصرفه كيف يشاء، كما تفعل بمن ملكتَ ناصيته. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تمام ما قاله العلماء في معنى التحويل المذكور في هذا الحديث في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. [تنبيه]: إنما اختصّ الحمار بالذكر دون سائر الحيوان على الرواية الصحيحة المشهورة -واللَّه أعلم- لأن الحمار من أبلد الحيوانات وأجهلها، وبه يُضرب المثل في الجهل والبلادة، ولهذا مثّل اللَّه تعالى العالم السَّوْءَ الذي يَحمِل العلم، ولا ينتفع به في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة: ٥]، فكذلك المتعبّد بالجهل يشبه الحمار، فإن الحمار يُحرّك رأسه، ويرفعه، ويَخفِضه لغير معنى. والحاصل أن مشابهة من يسابق إمامه بالحمار في البلادة، وعدم الفهم واضحة؛ لأن من يعلم أنه لا يخرج من تلك الصلاة إلا بخروج إمامه منها، ومع ذلك يسابقه، قد بلغ الغاية من البلادة والحماقة، فناسب بذلك أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار؛ لشبهه به (٣)، وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5580

[تنبيه آخر]: جاء في "صحيح ابن حبّان" في هذا الحديث بلفظ: "أن يحوّل اللَّه رأسه رأس كلب"، وقال ابن الملقّن ﵀: وروى ابن جُمَيع (١) في حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: "أنه يحول اللَّه رأسه رأس شيطان". انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ": قال الحافظ أبو موسى المدينيّ ﵀: اتّفق الأئمة على ثبوت هذا الحديث من هذا الطريق، رواه عن محمد بن زياد قريبٌ من خمسين نفسًا، وبعضهم يقول: "صورته"، وبعضهم يقول: "وجهه"، ومنهم من قال: "رأس كلب، أو خنزير"، وتابع محمد بن زياد جماعة عن أبي هريرة ﵁. انتهى (٣). وقال ابن الملقّن ﵀: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وحذيفة بن اليمان، كما أفاده ابن منده في "مستخرجه" (٤). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٩٦٨ و ٩٦٩ و ٩٧٠] (٤٢٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٩١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٢٣)، و (الترمذيّ) فيها (٥٨٢)، و (النسائيّ) فيها (٨٢٨) و"الكبرى" (٩٠٢)، و (ابن ماجه) فيها (٩٦١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٠ و ٤٥٦ و ٤٦٩ و ٤٧٢ و ٥٠٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)،

стр. 5581

و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٠٩ و ١٧١٠ و ١٧١١ و ١٧١٢ و ١٧١٣ و ١٧١٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٥ و ٩٥٦ و ٩٥٧ و ٩٥٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلًا صريحًا على تحريم سبق الإمام بركوع، أو سجود، أو غير ذلك من أجزاء الصلاة عمدًا، فقد توعّد عليه بالمسخ، وهو من أشدّ العقوبات. ونظر ابن مسعود ﵁ إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صلّيت، ولا بإمامك اقتديت، وعن ابن عمر ﵄ نحوه، وأمره بالإعادة، وفي "مصنّف عبد الرزّاق" عن أبي هريرة ﵁: "إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان"، وكذا قاله سلمان ﵁. وقال في "الفتح": ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام؛ لكونه تُوُعِّد عليه بالمسخ، وهو أشدّ العقوبات، وبذلك جزم النوويّ في "شرح المهذب"، ومع القول بالتحريم، فالجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر ﵄: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي "المغني" عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس من سبق الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثواب، ولم يُخْشَ عليه العقاب. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما نُقل عن ابن عمر ﵄، والإمام أحمد، وأهل الظاهر، كما أسلفت تحقيقه في المسألة الرابعة في شرح حديث أنس ﵁ الماضي، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان الوعيد المذكور من رفع رأسه قبل الإمام، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ على هذا الحديث بقوله: "باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام". ٣ - (ومنها): أن فيه التهديد على المخالفة خشية وقوعها. ٤ - (ومنها): وجوب متابعة الإمام، قال القاضي عياضٌ: لا خلاف أن متابعة الإمام من سنن الصلاة.

стр. 5582

٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ ﷺ بأمته حيث بيّن لهم الأحكام، وما يترتّب على المخالفة من العقاب. ٦ - (ومنها): ما قال أبو بكر ابن العربيّ ﵀ في "الْقَبس": جاء عنه ﷺ أن الشيطان مسلّط على الإنسان لإفساد صلاته عليه قولًا بالوسوسة حتى لا يدري كم صلّى؟ وفعلًا بالتقدّم على الإمام حتى يُخلّ بالاقتداء، فأما الوسوسة فدواؤها الذكر، والإقبال على الصلاة، وأما التقدّم فعلّته طلب الاستعجال، ودواؤها أن يَعْلَم أنه لا يُسلّم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال. انتهى (١). ٧ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن: هذا الحديث دالّ بمنطوقه على عدم المسابقة، وبمفهومه على جواز المقارنة، ولا شكّ فيه، لكن يكره، ويفوت به فضيلة الجماعة، نعم تضرّ مقارنته في تكبيرة الإحرام، هذا في الأفعال، وأما في الأقوال فإنه يتابعه فيها، فيتأخّر ابتداؤه عن ابتداء الإمام إلا في التأمين، فتستحبّ المقارنة؛ للنصّ فيه، وحكى القاضي عن مالك ثلاثة أقوال: أحدها: عقبه، ثانيها: بعد تمامه، ثالثها: معه إلا القيام من اثنتين فبعد تمامه. انتهى كلامه (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله ابن الملقّن من دلالة الحديث على جواز المقارنة نظر لا يخفى، كيف يحتجّ بالمفهوم مع ورود المنطوق على خلافه، وهو قوله ﷺ فيما أخرجه المصنّف من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، وقد سبق: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم"، وقال: "فتلك بتلك"، وقال في السجود كذلك. وأخرج أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ بأسانيد صحيحة، عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تبادروني بركوع، ولا بسجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت، تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت". فقد نصّ النبيّ ﷺ ، وصرّح على أن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام،

стр. 5583

فلا يجوز للمأموم أن يسابقه، ولا أن يقارنه، وهذا معنى الأمر الذي في قوله ﷺ : "وإذا ركع فاركعوا. . . " الحديث، فتكون أفعال المأموم كلّها إثر تحقّق أفعال الإمام، فمن خالف ذلك فقد خالف الأمر، فإن تعمّد فلا صلاة له، وإن كان ساهيًا، فليعُد إلى المتابعة. وبهذا يتبيّن أن ما يفعله كثير من الناس من المقارنة للإمام في الانتقالات، مستندين إلى ما قاله بعض العلماء ممن لم تبلغهم هذه الأحاديث مخالف لهدي رسول اللَّه ﷺ ، وطاعةٌ للشيطان، فما أقبح ذلك، ولا سيّما إذا صدر ممن يدّعي الانتساب إلى العلم، واللَّه المستعان على من خالف الهدى، وسلك سبيل الردى، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. [تنبيه]: قال ابن بزيزة ﵀: استَدَلّ بظاهر هذا الحديث قوم لا يعقلون على جواز التناسخ (١)، قال الحافظ: وهو مذهب رديءٌ، مبنيّ على دعاوى بغير برهان، والذي استَدَلّ بذلك منهم إنما استَدَلّ بأصل المسخ، لا بخصوص هذا الحديث. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الوعيد المذكور في هذا الحديث: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنويّ، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه، من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجازيّ أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدلّ على أن ذلك يقع ولا بدّ، وإنما يدل على كون فاعله متعرِّضًا لذلك، وكون فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، قاله ابن دقيق العيد ﵀. وقال ابن بزيزة ﵀: يَحْتَمِل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية، أو المعنوية، أو هما معًا.

стр. 5584

وحمله آخرون على ظاهره؛ إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك. قال الحافظ ﵀: ويدلّ على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة: ما أخرجه البخاريّ في "المغازي" من "صحيحه" من حديث أبي مالك الأشعريّ ﵁، أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الْحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف (١)، ولَيَنْزِلَنَّ أقوام إلى جنب عَلَم يَرُوح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فَيُبَيِّتُهُم اللَّه، ويَضَعُ العَلَم، ويَمْسَخ آخرين قِرَدةً وخنازير إلى يوم القيامة". وأخرج أحمد في "مسنده" بسند صحيح عن عبد الرحمن بن صُحَار (٢) العبديّ، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى يُخسَف بقبائل، حتى يقال: من بَقِي من بني فلان؟ "، فعرفت حين قال: قبائل أنها العربُ؛ لأن العجم إنما تُنسَب إلى قراها. وأخرج الترمذيّ، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في آخر الأمة خسف، ومسخ، وقَذْف". قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا ظهر الخبث" (٣). وأخرج أيضًا بإسناد صحيح، عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "في هذه الأمة خسفٌ، ومسخ، وقذف"، فقال رجل من المسلمين: يا رسول اللَّه، ومتى ذاك؟ قال: "إذا ظهرت القينات والمعازف، وشُربت الخمور"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة. قال الحافظ ﵀: ويقوّي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر، عن محمد بن زياد: "أن يُحَوِّل اللَّه رأسه رأس كلب"، فهذا يُبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.

стр. 5585

ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدالّ على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار. قال: وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يُخْشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة. وقال ابن الجوزي ﵀ في الرواية التي عَبّر فيها بالصورة-: هذه اللفظة تَمنَع تأويل من قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبيِّن وجه المنع، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣. والباقون تقدّموا قريبًا، فـ "عمرو الناقد" و"زهير" تقدّما قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ. . . إلخ) "ما"

стр. 5586

يَحْتَمل أن تكون نافية، أي لا يأمن تحويل صورته في صورة حمار، ويَحْتَمِلُ أن تكون استفهاميّة، أي أيَّ شيء يامن في تحويل اللَّه صورته في صورة حمار، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمِ، جَمِيعًا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، غَيْرَ أَنَّ في حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ: "أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ"). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ (١) الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو: عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم الْجُمَحيّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٠). رَوَى عن أبيه، وجدّه، وسهل بن قُرَين، ومحمد بن حُمْران الْقَيسيّ، وأبي المغيرة النضر بن إسماعيل. وروى عنه المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، وتمتام، ومعاذ أبو المثنى، وأبو خليفة، وغيرهم. قال أبو حاتم: محلُّه الصدق، يُحَدِّث عن جدِّه أحاديث صحاحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة ثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.

стр. 5587

٣ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (م د ت س) تقدم في "المقدمة" ١٠٠/ ٥٢٦. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٨ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ) أي كلٌّ من الربيع بن مسلم، وشعبة، وحماد بن سلمة رووا هذا الحديث عن محمد بن زياد. وقوله: (بِهَذَا) أي بهذا الحديث المتقدّم. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِم. . . إلخ) بنصب "غير" على الاستثناء. [تنبيه]: رواية الربيع بن مسلم، أخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٤٦٢) فقال: (١٧١٤) حدثني الفضل بن الحباب الْجُمَحيّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، يقول: سمعت الربيع بن مسلم، يقول: سمعت محمد بن زياد، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحَوِّل اللَّه رأسه رأس حمار". وكذا ساقه بهذا اللفظ أيضًا أبو نعيم في "المستخرج" ٢/ ٥٢ رقم (٩٥٧)، وأما اللفظ الذي أحاله المصنّف ﵀، فلم أجد من ساقه به، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5588

وأما رواية شعبة، فساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٦٩١) حدّثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "أما يخشى أحدكم -أو- لا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو يجعل اللَّه صورته صورة حمار". انتهى. وأما رواية حماد بن سلمة، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٩٧٢٣) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يُحَوِّل رأسه رأس حمار". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ النَّهْي عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧١] (٤٢٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان تقدّم قبل بابين. ٥ - (الْمُسَيَّبُ) بن رافع الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقة [٤] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.

стр. 5589

٦ - (تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) -بفتح الطاء المهملة، والراء- الطائيّ الْمُسْليّ -بضم الميم، وسكون السين المهملة- الكوفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن جابر بن سَمُرة، وعديّ بن حاتم، وابن أبي أوفى، والضحاك بن قيس. وروى عنه سماك بن حرب، والمسيَّب بن رافع، وعبد العزيز بن رُفيع، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال الشافعيّ: تميم بن طَرَفة مجهول، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ مأمونٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حَسّان الزياديّ، وغيره: مات سنة (٩٤)، وقال ابن أبي عاصم: سنة (٩٥)، وقال ابن قانع: تُوُفّي سنة (٩٣)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٤٢٨) و (٤٣٥) و (٨٧٠) و (١٦٥١) وأعاده أربع مرات. [تنبيه]: "الْمُسْلِيّ" بضم الميم، وسكون المهملة: نسبة إلى مُسلية قبيلة من مَذْحِج، ومَحِلّة لهم بالكوفة، قاله في "لبّ اللباب" (١). ٧ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وتميم، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.

стр. 5590

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب ممن اتّفق أصحاب الكتب الستة في الرواية عنه بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن ثلاثة منهم مشهورون بالكنية. ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن المسيّب، عن تميم. ٧ - (ومنها): أن "الْمُسيَّب بن رافع" بفتح الياء المشدّدة، بصيغة اسم المفعول، وكذا كلّ الْمُسَيَّبِ، سوى والد سعيد بن المسيّب، ففيه وجهان: الكسر، والفتح، والكسر أوَلى، كما تقدّم غير مرّة، قال السيوطيّ في "ألفيّة الحديث": كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفتْحِ سِوَى … أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى وقلت مذيِّلًا عليه: قُلْتُ وَكَسْرُهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى … أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَثَبَتَا وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ … بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ فَابْعُدْ عَنِ الْفَتْحِ تَكُنْ مُجَانِبَا … دُعَاءَهُ وَنِعْمَ هَذَا مَطْلَبَا واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ) اللام هي الموطّئة للقسم المقدَّر، أي: واللَّه لينتهينّ، والفعل مبنيّ للفاعل، و"أقوام" مرفوع على الفاعليّة، وجملة: (يرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ) في محلّ رفع صفة لـ "أقوام" (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ "يرفعون"، أو بحال مقدّر من الفاعل، أي حال كونهم كائنين في الصلاة. ويأتي في حديث أبي هريرة ﵁ بزيادة: "عند الدعاء"، فإن حُمِل المطلق على المقيّد اقتضى اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في الصلاة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمله على إطلاقه هو الظاهر، وقد أخرجه ابن ماجه، وابن حبان من حديث ابن عمر بغير تقييد، ولفظه: "لا ترفعوا أبصاركم

стр. 5591

إلى السماء" يعني في الصلاة، وأخرجه بغير تقييد أيضا الطبرانيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ، وكعب بن مالك، وأخرج ابن أبي شيبة من رواية هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: "كانوا يَلتفتون في صلاتهم حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، فأقبلوا على صلاتهم، ونظروا أمامهم، وكانوا يستحبون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده"، ووصله الحاكم بذكر أبي هريرة فيه، ورفعه إلى النبيّ ﷺ ، وقال في آخره: "فطأطأ رأسه"، قاله في "الفتح" (١). وإلى حمله على إطلاقه ذهب القرطبيّ ﵀ في "المفهم"، حيث قال: وهذا وعيدٌ بإعماء من رفع بصره إلى السماء في الصلاة، ولا فرق بين أن يكون عند الدعاء، أو عند غيره؛ لأن الوعيد إنما تعلّق به من حيث إنه إذا رفع بصره إلى السماء أعرض عن القبلة، وخرج عن سَمْتها، وعن هيئة الصلاة، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على النهي عن ذلك في الصلاة، وحَكَى الطبريّ كراهة رفع البصر في الدعاء إلى السماء في غير الصلاة، وحُكي عن شُرَيح أنه قال من رآه يفعله: اكفُفْ يديك، واخفض بصرك، فإنك لن تراه، ولن تناله. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، واللَّه تعالى أعلم. (أَوْ لَا) نافية، ولذا رفع قوله: (تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) الفاعل ضمير "أبصارهم"، وفي رواية أبي هريرة ﵁ التالية: "أو لتُخطفنّ أبصارهم"، أي لتُسلبنّ أبصارهم بسرعة. و"أو" هنا للتخيير، نظير قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، وإما الإسلام، وهو خبر في معنى الأمر، قاله في "الفتح". والمعنى أن أحد الأمرين واقع لا محالة، إما الانتهاء، وإما عدم رجوع أبصارهم إليهم؛ عقوبةً من اللَّه لهم. قال في "الفتح": واختُلِف في المراد بذلك، فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام، وأفرط ابن حزم، فقال: يُبْطِل الصلاة، وقيل: المعنى

стр. 5592

أنه يُخْشَى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين، كما في حديث أُسَيد بن حُضَير ﵄ الآتي في "فضائل القرآن" -إن شاء اللَّه تعالى- أشار إلى ذلك الداوديّ، ونحوه في "جامع حماد بن سلمة"، عن أبي مِجْلَز، أحدِ التابعين. وقال النوويّ ﵀: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقِلَ الإجماعُ في النهي عن ذلك. وقال القاضي عياض ﵀: واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شُرَيح، وآخرون، وجوَّزه الأكثرون، وقالوا: لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ولا يُنكَر رفع الأبصار إليها، كما لا يكره رفع اليد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢]. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لأن السماء قبلة الدعاء" فيه نظر لا يخفى؛ إذ الثابت عن النبيّ ﷺ أنه كان يستقبل القبلة عند الدعاء، ولم يُنقل عنه أنه كان يتوجّه في الدعاء إلى السماء، وتشبيهه برفع اليد غير صحيح؛ لأن رفع اليد في الدعاء ثبت في النصوص الصحيحة، وأما رفع البصر إلى السماء في الدعاء فلم يَرِد، وأما الآية فليس فيها بيان كون السماء قبلةً للدعاء، كما لا يخفى على بصير. والحاصل أن السنّة في الدعاء هو التوجّه إلى القبلة، لا إلى السماء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: تفرّد المصنّف ﵀ بإخراج هذا الحديث من حديث جابر بن سمرة، وأبي هريرة ﵄، وتفرّد البخاري بإخراجه من حديث أنس ﵁، فقال: (٧٥٠) حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، قال:

стр. 5593

حدّثنا ابن أبي عروبة، قال: حدّثنا قتادة، أن أنس بن مالك حدّثهم، قال: قال النبيّ ﷺ : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم"، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم". وقوله: "لَيُنْتَهَيَنَّ" كذا للمستملي، والحمويّ -بضم الياء، وسكون النون، وفتح المثناة والهاء والياء، وتشديد النون- على البناء للمفعول، والنون للتأكيد، وللباقين: "لَيَنْتَهُنَ" -بفتح أوله، وضم الهاء- على البناء للفاعل، قاله في "الفتح" (١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٩٧١] (٤٢٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩١٢)، و (ابن ماجه) فيها (١٠٤٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ١٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١٩٩٢١ و ١٩٩٦٠ و ٢٠٠٠٦ و ٢٠١٣٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٢٦٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ٢٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٠١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم رفع الأبصار إلى السماء في الصلاة، وأما رفع البصر في الدعاء خارج الصلاة فمكروه؛ لمخالفته هدي النبيّ ﷺ ، فقد ثبت في غير حديث أنه كان يستقبل القبلة في الدعاء، فلا ينبغي مخالفة هديه. وأما رفعه في غير الدعاء فجائز؛ لأنه ثبت عنه ﷺ أنه كان يرفع بصره إلى السماء، كما في "الصحيحين" من حديث ابن عبّاس ﵄ حين بات عند خالته ميمونة ﵂، فقد أخبر أنه ﷺ قام من الليل، فخرج، فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات [آل عمران: ١٩٠]، وحديث بدء الوحي: "بينا أنا أمشي إذ سمعت من السماء صوتًا، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، وغير ذلك من الأحاديث التي تدلّ على أنه ﷺ كان يرفع بصره إلى السماء، ولكن أكثر نظره كان إلى الأرض، كما ذكره الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة" بقوله:

стр. 5594

نَظَرُهُ لِلأَرْضِ مِنْهُ أَكْثَرُ … إِلَى السَّمَاءِ خَافِضٌ إِذْ يَنْظُرُ ٢ - (ومنها): بيان الوعيد الشديد من رفع بصره إلى السماء في الصلاة بعدم رجوع بصره إليه. ٣ - (ومنها): تغليظ القول في زجر مرتكب المنكرات؛ ليرتدع عن ذلك. ٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي سلوك مسلك الرفق عند زجر مرتكب المنكرات بعدم التصريح بذكر اسمه عند زجره، بل يكون بالإجمال، كما قال النبيّ ﷺ في هذا الحديث: "لينتهينّ أقوام"، وفي الحديث الآخر: "ما بال أقوام"، وذلك لئلا يكون فضيحة للشخص المرتكب؛ إذ ربّما يحمله ذلك على عدم قبول النصح، أو ارتكاب ما هو أشدّ من ذلك، فينبغي من ينهى عن المنكر أن يسلك مسلك الستر ما أمكن، فإن ذلك أدعى لقبول قوله، والانتفاع بإرشاده، فكثير ممن يتصدّى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسلكون هذا المسلك، فيُفسدون أكثر مما يُصلحون، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٢] (٤٢٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ (١) عِنْدَ الدُّعَاءِ، في الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥٤) (م د س ق) تقدم في "الايمان" ٣٤/ ٢٣٩.

стр. 5595

٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٤ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٥ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرَحبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى الأعرج، وهو والصحابيّ مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: ("لَيَنتهِيَنَّ أَقْوَامٌ) ببناء الفعل للفاعل. وقوله: (عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ) وفي بعض النسخ: "عن رفع أبصارهم" بإضافة "رفع" إلى "أبصار". وقوله: (عِنْدَ الدُّعَاءِ) هذا التقييد بالدعاء لم يأت في حديث جابر بن سمرة ﵄ الماضي، ولا في حديث أنس ﵁ الذي أخرجه البخاريّ، وظاهره أنه يقتضي أن النهي خاصّ في حالة الدعاء في الصلاة، لكن الأولى إجراؤه على العموم، فليس القيد به شرطًا في النهي؛ لكثرة الروايات بالإطلاق، ولأن سبب النهي منافاته الخشوع الذي هو المطلوب في الصلاة، فقد أمر لى اللَّه عليه وسلم -بالسكون في الصلاة، كما في حديث جابر بن سمرة ﵄ الآتي في الباب التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ) ببناء الفعل للمفعول: أي لَتُسْلَبَنّ، والخطف هو السلب والأخذ بسرعة، قال تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. وقال الطيبيّ ﵀: "أو" هنا للتخيير تهديدًا، وهو خبر في معنى الأمر، أي ليكوننّ منكم الانتهاء عن رفع البصر، أو خطف الأبصار عند الرفع. انتهى.

стр. 5596

وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٩٧٢] (٤٢٩)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٢٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٨٥٥٦ و ٨٤٤٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١١٩٩ و ٣٣٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٨) - (بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْي عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ، وَإِتْمَامِ الصُّفُوفِ الأُوَلِ، وَالتَّرَاصِّ فِيهَا، وَالنَّهْي عَنِ التَّفَرُّقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٣] (٤٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ"، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَرَآنَا حِلَقًا، فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ " قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ"). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي تقدّم في الباب الماضي، وتكلّمنا عنه هناك، فلا حاجة إلى إعادته. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية مِسْعر، عن عبيد اللَّه بن القبطيّة عن جابر ﵁ التالية: "قال: كنّا إذا صلّينا مع

стр. 5597

رسول اللَّه ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه، وأشار بيده إلى الجانبين"، وفي رواية فُرات القزّاز، عن ابن القبطيّة الثالثة: "قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ ، فكنّا إذا سلّمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم"، وفي رواية النسائيّ: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحنُ رافعو أيدينا في الصلاة" (فَقَالَ) عطف على مقدّر، أي فرآنا رافعي أيدينا، فقال منكرًا علينا ذلك الرفع ("مَا لِي) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"لي" جارّ ومجرور خبرها، والاستفهام هنا إنكاريّ، أَيْ أيُّ شيء ثبت لي؟. وقوله: (أَرَاكُمْ) جملة حاليّة، والرؤية هنا بصريّة تتعدّى إلى مفعول واحد، أي حال كوني رائيًا لكم (رَافِعِي أَيْدِيكُمْ) بنصب "رافعي" على الحال؛ لأن "أرى" بصريّة، كما أسلفته آنفًا، و"رافعي" جمع مذكّر سالم مضاف إلى "أيديكم"، ولذا سقطت نونه للإضافة، كما قال في "الخلاصة": نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ "طُورِ سِينَا" وفي رواية مِسْعر الآتية: فقال رسول اللَّه ﷺ : "علام تومئون بأيديكم؟، كأنها أذناب خيل شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلّم على أخيه، مَنْ على يمينه وشماله"، وفي رواية فُرات القزّاز الآتية: فنظر إلينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمُس؟ إذا سلّم أحدكم، فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده"، وفي رواية النسائيّ: "فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة؟ ". والمراد من رفع الأيدي رفعها عن الفخذ، والإشارة بها يمينًا وشمالًا، وجمع الأيدي لجمع أصحابها، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا، كأنه قال: ما لي أراكم رافعًا كلٌّ منكم يده، مشيرًا بالسلام؟. (كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ) "الأذناب" بالفتح: جمع ذَنَب بفتحتين، قال الفيّوميّ: وذَنَبُ الفرس، والطائر وغيره: جمعه أَذنابٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، والذُّنَابَى وزانُ الْخُزَامَى لغة في الذّنَبِ، ويقال: هو في الطائر أفصح من الذّنَب. انتهى (١).

стр. 5598

وقال في "القاموس": والذُّنَابَى، والذُّنُبَّى بضمّهما، والذِّنِبَّى بالكسر: الذَّنَبُ. انتهى (١). و"الخيل" -بفتح، فسكون-: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائل؛ لأنه يختال، جمعه أخيال، وخُيُول بالضمّ، ويُكسر، أفاده في "القاموس" (٢). و"الشُّمْسُ" -بضمّ الشين المعجمة، وسكون الميم، أو بضمّتين-: جمع شَمُوس -بفتح، فضمّ-، وهي النَّفُور من الدوابّ الذي لا يستقرّ لِشَغَبه وحِدَّته، وأذنابُها كثيرة الاضطراب. وقال في "اللسان": و"الشَّمِسُ" -بكسر الميم- والشَّمُوس من الدوابّ: الذي إذا نُخِسَ لم يستقرّ، وشَمَسَتِ الدابّة والفرس تَشْمِسُ، شِمَاسًا -بالكسر- وشُمُوسًا -بضمّتين- وهي شَمُوسٌ -بفتح، فضمّ-: شَرَدَت، وجَمَحَت، ومَنَعَت ظهرها. انتهى بإيضاح. وقال في "المصباح": وشَمَسَ الفرسُ يَشْمِسُ، ويَشْمُسُ، من بابي ضرب ونصر شُمُوسًا، وشِمَاسًا بالكسر: استَعْصَى على راكبه، فهو شَمُوسٌ، وخَيْلٌ شُمُسٌ، مثلُ رَسُول ورُسُلٍ، قال الشاعر: رَكْضُ الشَّمُوسِ نَاجِزًا بِنَاجِزِ قالوا: ولا يقال: فرسٌ شَمُوصٌ بالصاد، ومنه قيل للرجل الصَّعْبِ الْخُلُق: شَمُوسٌ أيضًا. انتهى (٣). وقال النوويّ ﵀: "شُمْس" بإسكان الميم، وضمها، وهي: التي لا تستقِرّ، بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهيّ عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صُرِّح به في الرواية الثانية. انتهى (٤). وقال بعضهم: المقصود من هذا التشبيه التنفير، وقد استخدم فيه ثلاثة مشبَّهات بها منفّرة، تشبيه الأيدي التي في مقدّمة الإنسان، ورمز قوّته بالأذناب

стр. 5599

التي في المؤخّرة، وهي مثلٌ للحقارة والضعف والتبعيّة، وتشبيه الإنسان بالحيوان، وتشبيه الحركة بالشغب والنفور. انتهى (١). (اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ") فيه الأمر بالسكون في الصلاة، فيلزم منه النهي عن الحركة فيها، وهو محمول على الحركات لغير حاجة، أو الحركات الكثيرة، كما يدلّ عليه تشبيهه ﷺ باضطراب أذناب الخيل الشُّمْس. وقال القرطبيّ ﵀: كانوا يشيرون عند السلام من الصلاة بأيديهم يمينًا وشمالًا، وتشبيه أيديهم بأذناب الخيل الشُّمُس تشبيهٌ واقعٌ، فإنها تُحرّك أذنابها يمينًا وشمالًا، فلمّا رآهم على تلك الحالة أمرهم بالسكون في الصلاة، وهذا دليلٌ على أبي حنيفة في أن حكم الصلاة باقٍ على المصلّي إلى أن يُسلِّم، ويلزم منه أنه إن أحدث في تلك الحالة -أعني في حالة الجلوس الأخير للسلام- أعاد الصلاة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) جابر ﵁ (ثُمَّ خَرَجَ) النبيّ ﷺ من بيته إلى المسجد، وقيل: معنى الخروج: الطلوع والظهور، والأول أظهر (عَلَيْنَا، فَرَآنَا حِلَقًا) قال النوويّ ﵀: هو بكسر الحاء وفتحها لغتان، جمع حَلْقة، بإسكان اللام، وحكى الجوهريّ وغيره فتحها في لغة ضعيفة. انتهى. وقال في "القاموس": وحَلْقَةُ الباب، والقومِ، وقد تُفتَح لامهما، وتُكسر، أو ليس في الكلام حَلَقَةٌ محرَّكةً إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، جمعه: حَلَقٌ محرَّكةً، وكَبِدَرٍ، وحَلَقَات محرَّكةً، وتكسر الحاء. انتهى (٢). وقال في "المصباح": وحَلْقَةُ الباب، بالسكون من حديث وغيره، وحَلْقَةُ القوم: الذين يجتمعون مُستديرين، والْحَلْقَةُ: السلاحُ كلّه، والجمع: حَلَقٌ بفتحتين على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ بالكسر، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَر، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الْحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ. انتهى (٣).

стр. 5600

(فَقَالَ) ﷺ ("مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ ") أي متفرّقين، جماعةً جماعةً، وهو بتخفيف الزاي، الواحدة عِزَةٌ، ومعناه النهي عن التفرّق، والأمر بالاجتماع، قاله النوويّ ﵀ (١). ونصبُ "عِزِين" على الحال؛ لأن "أرى" هنا بصريّة تتعدّى لمفعول واحد، كما سبق ذلك قريبًا. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "عِزِين" أي جماعات متفرّقين حلقةً حلقةً، وهو جمع عِزَة، وهي الحلقة المجتمعة من الناس، وأصلها عِزوة، فحُذفت الواو، وجُمِعت جمع السلامة على غير قياس، كثُبِين، وبُرين، جمع ثُبَة وبُرَة. والمعنى: ما لي أراكم أشتاتًا متفرّقين؟ وفي معناه قوله : ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ [المعارج: ٣٧]. قال: وهو إنكار على رؤيته ﷺ إياهم متفرّقين أشتاتًا، والمقصود الإنكار عليهم كونهم على تلك الحالة، يعني أنه لا ينبغي لكم أن تتفرّقوا، ولا تكونوا مجتمعين مع توصيتي إياكم بذلك، وكيف وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولعلّ العذر من طرفي، وذلك أنكم مجتمعون، وإني أراكم متفرّقين، ولو قال: ومالكم متفرّقين؟ لم يُفد من المبالغة فائدةً، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] حكايةً عن سليمان ﵇، أنكر على نفسه عدم رؤية الهدهد إنكارًا بليغًا، على معنى أنه لا يراه، وهو حاضرٌ لساتر ستره، أو غير ذلك. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ﵀: أمرهم بالائتلاف والاجتماع، وحذرهم من الْفُرْقة، وقد يَحْتَمِلُ أنه نهاهم عن هذا في الصلاة، وأمرهم بوصل الصفوف، ألا تراه كيف قال: ثم خرج، فقال: "ألا تصفّون". انتهى (٣).

стр. 5601

قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح، فالنهي عن تحلّقهم ليس في حال الصلاة، بل هو في حال اجتماعهم في المسجد، وهذا هو الذي تدلّ عليه روايات الحديث المختلفة، ولذا ترجم الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٥٣٤) بقوله: "ذِكْرُ الزجر عن ترك اجتماع الناس في المسجد في المجلس الواحد، إذا أرادوا تعلُّم العلم، أو دَرْسَه"، ثم أخرجه بسنده، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: خرج النبيّ ﷺ على أصحابه، وهم في المسجد جلوسٌ حِلَقًا، فقال: "ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى. وترجم البيهقيّ في "الكبرى" (٣/ ٢٣٤)، فقال: (١٢) "باب من كره التحلُّق في المسجد، إذا كانت الجماعة كثيرة، والمسجد صغيرًا، وكان فيه منع المصلين عن الصلاة"، ثم أخرج حديث جابر بن سمرة ﵄ المذكور في الباب، بلفظ: "قال: دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحن حلق متفرقون، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ ". انتهى. وأخرجه أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٨٠) بلفظ: "قال: دخل علينا، ونحن جلوس في المسجد، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ ". فكلّ هذه الروايات صريحة في أن ذلك كان في غير الصلاة، فإذا كان هذا في غير الصلاة فيكون النهي عنه فيها أشدّ وأغلظ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) جابر ﵁ (ثُمَّ خَرَجَ) النبيّ ﷺ (عَلَيْنَا، فَقَالَ: "ألَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، ويجوز تشديدها-: أداة تحضيض، وهو الطلب بِحَثّ، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] (تَصُفُّونَ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من باب نصر، ويستعمل متعدّيًا، فيقال: صَفَفْتُ الشيءَ صَفًّا، فهو مصفوف، وقد يُستعمل لازمًا، فيقال: صَفَفتُ القومَ، فصفُّوا هم، أفاده في "المصباح" (١)، وما هنا من اللازم. (كمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ ") ولفظ أبي داود، والنسائيّ: "عند ربهم"

стр. 5602

(فَقُلْنَا) وللنسائيّ: "قالوا" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ) ﷺ ("يُتِمُّونَ) بضمّ أوله، من الإتمام (الصُّفُوفَ الْأُوَلَ) بضم الهمزة، وفتح الواو: جمع "الأُولى"، وفي رواية النسائيّ: "يُتمّون الصفّ الأَوّل"، والمعنى: أنهم يتمّمون الصفوف المتقدّمة، وهي ما عدا الصفّ الأخير (وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ") أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج، ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامّهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرَة بهذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٩٧٣ و ٩٧٤ و ٩٧٥ و ٩٧٦] (٤٣٠ و ٤٣١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦٦١ و ٩٩٩)، و (النسائيّ) فيها (٣/ ٤ - ٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣١٣٥)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و ٨٨ و ١٠١ و ١٠٢ و ١٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٣٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٢٢ و ١٨٢٥ و ١٨٢٦ و ١٨٢٨ و ١٨٢٩ و ١٨٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٥٥ و ٢٠٥٦ و ٢٠٥٧ و ٢٠٥٨ و ٢٠٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦١ و ٩٦٢ و ٩٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٧٢ و ١٧٣ و ١٧٨ و ١٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٩٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): الإنكار على من أحدث في الصلاة خلاف السنّة. ٢ - (ومنها): الأمر بالسكون في الصلاة، والخشوع فيها، والإقبال

стр. 5603

عليها، وهو معنى قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٣/ ٢٣٩): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون، ساكنون، وكذا رُوي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهريّ، وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعيّ، وقال الحسن البصريّ: كان خشوعهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارهم، وخَفَضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ وخَفَضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، وقال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مُصَلّاه، فإن كان قد اعتاد النظر فَلْيُغَمِّض، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلًا: أن رسول اللَّه ﷺ كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية. والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحةً له، وقُرّة عين، كما قال النبيّ ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٣١٢٨)، والنسائيّ (٧٦١) عن أنس ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "حُبّب إليّ الطيب، والنساء، وجُعِلت قرة عيني في الصلاة"، حديث حسن. وقال الإمام أحمد (٥٣٦٤): حدّثنا وكيع، حدّثنا مِسْعَر، عن عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا بلال أَرِحْنا بالصلاة"، حديث صحيح. وقال الإمام أحمد أيضًا (٥٣٧١): ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، أن محمد ابن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صِهْر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتيني بوَضُوء لعلّي أصلي، فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة". انتهى (١).

стр. 5604

٣ - (ومنها): بيان أن الإمام يحثّ المأمومين على رصّ الصفوف، والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته. ٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الاهتمام في تسوية الصفوف. ٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبّداتهم. ٦ - (ومنها): بيان أن الملائكة يصلّون، وأن صفوفهم كما وُصف في هذا الحديث، فيعتنون بتسوية صفوفهم، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للمسلمين أن يقتفوا بهم في ذلك. وقد أخرج المصنّف ﵀ عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعِلت تربتها لنا طهورًا. . . " الحديث (١). ٧ - (ومنها): الأمر بإتمام الصفوف الأُوَل، والتراصّ فيها، قال النوويّ ﵀: ومعنى إتمام الصفوف الأُوَل أن يُتَمّ الأَوَّل، ولا يُشْرَع في الثاني حتى يَتِمّ الأول، ولا في الثالث حتى يتم الثاني، ولا في الرابع حتى يتم الثالث، وهكذا إلى آخرها. انتهى (٢). ٨ - (ومنها): أن السنّة في السلام من الصلاة أن يقول: "السلام عليكم ورحمة اللَّه" عن يمينه، "السلام عليكم ورحمة اللَّه"، عن شماله. قال النوويّ: ولا يسن زيادة "وبركاته"، وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيفٌ، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعةٌ؛ إذ لم يصحّ فيها حديث، بل صح هذا الحديث وغيره في تركها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم صحّة زيادة "وبركاته" غير صحيح، بل الحقّ أن زيادتها صحيح من الجانبين، ولا تخص اليمين فقط، كما ادّعاه بعضهم (٣)، وسيأتي البحث في هذا مستوفى في

стр. 5605

"باب السلام للتحلّل من الصلاة" برقم (٥٨١) -إن شاء اللَّه تعالى-. قال النوويّ ﵀: والواجب منه السلام عليكم مرة واحدة، ولو قال: السلام عليك بغير ميم لم تصحّ صلاته، وفيه دليل على استحباب تسليمتين، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: وقوله: "والواجب مرّة واحدة" محلّ تأمّل؛ لأنه قد ثبت قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم"، وهو يعمّ التسليمتين، كما ثبت عنه ذلك فعلًا، فكيف يكون الواجب مرّة واحدةً؟ فهذا قول لا دليل عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): النهي عن التفرّق أحزابًا، بل يجب أن يكون المسلمون صفًّا واحدًا تجمعهم كلمة الحقّ، وتربطهم أخوّة الإيمان، لا يلوون عنقهم إلى القوميّة، ولا إلى الوطن، ولا إلى غير ذلك مما لا صلة له بالدين، وإنما هم يدٌ واحدة على من سواهم، كما وصفهم بذلك النبيّ ﷺ حيث قال فيما أخرجه النسائيّ، وغيره، وأصله في "الصحيحين" من حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "المؤمنون تَكَافَأُ دماؤهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. . . " الحديث. وفي "الصحيحين" عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والْحُمَّى"، ولفظ البخاريّ: "ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم. . . " الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀: قد ذكر ابن القصّار هذا الحديث حجة في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة على رواية المنع من ذلك جملة، وذكر أن في ذلك نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧]، قال: والمفسّرون في سبب نزول الآية على غير هذا. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن ابن القصّار إن أراد المنع في
следующие страницы →