بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة العشاء ١٩/ ٦/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء الحادي عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه اللَّه تعالى.
(٣٧) - (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٢] (٤٦٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَقَرَأَ في إِحْدَى الرَّكعَتَيْنِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾) (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان الْعَنْبَرِيّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور، ذُكر في الباب الماضي.
٤ - (عَدِيّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٥ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات ﵁ سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
стр. 5882
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، إلَّا الصحابيّ، فمدنيّ، ثم كوفيّ ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيٍّ) الأنصاريّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازب ﵄ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) فيه جواز قول: "العشاء الآخرة"؛ خلافًا لمن كرهه.، وفي رواية الإسماعيليّ: "فصلّى العشاء ركعتين" (فَقَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ) هي الركعة الأولى، كما بيّنه النسائيّ من طريق يزيد بن زُريع، عن شُعبة، عن البراء بن عازب ﵄ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ في سفر، فقرأ في العشاء في الركعة الأولى. . . "، وقوله: (﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾) مفعول به لـ "قرأ" محكيّ؛ لقصد لفظه، وفي نسخة: بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾؛ أي قرأ تمام هذه السورة، وإنما قرأ في العشاء بقصار المفضَل؛ لكونه مسافرًا، والسفر يُطلب فيه التخفيف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٠٤٢ و ١٠٤٣ و ١٠٤٤] (٤٦٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٦٧ و ٧٦٩)، و"التفسير" (٤٩٥٢)، و"التوحيد" (٧٥٤٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٢١)، و (الترمذيّ) فيها (٣١٥)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٧٣)، و (ابن ماجه) فيها (٨٣٤ و ٨٣٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٧٩)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٨٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٣٣)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٢٧٠٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٣٥٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٦ و ٣٥٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٢٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٢٣ و ١٠٢٤ و ١٠٢٥)،
стр. 5883
و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءِ، فَقَرَأَ بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جميل بن طَرِيف الثّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وتقدّم الكلام على الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
стр. 5884
٣ - (مِسْعَر) بن كِدام الحافظ المشهور تقدّم في الباب الماضي، وكذا الباقيان ذكرا في السند الماضى.
وقوله: (فَمَا سَمِعْتُ أحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ) فيه أنه ﷺ كان حسن الصوت، وقد أخرج الترمذيّ في "الشمائل"، عن قتادة، قال: "ما بعث اللَّه نبيًا إلَّا حسن الصوت"، وزاد قوله: "وكان نبيكم حسن الوجه، حسن الصوت".
قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "تخريج أحاديث الإحياء": ورويناه متصلًا في "الغيلانيات"، من رواية قتادة، عن أنس، والصواب الأول، قاله الدارقطنيّ، ورواه ابن مردويه في "التفسير" من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وطرقه كلها ضعيفة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٥] (٤٦٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ، فَأَمُّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" (٢)، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ، وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى (٣)، فَافْتَتَحَ بـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" (٤)، فَأَقَبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على مُعَاذٍ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ أفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا". قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو: إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابرٍ، أَنَّهُ قَالَ: "اقْرَأْ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، فَقَالَ عَمْرٌو: نَحْوَ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
стр. 5885
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٥٤) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، وجابر ﵁ ممن نزل مكة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ) الْجُمحيّ المكيّ ﵀.
[تنبيه]: (اعلم): أن هذا الحديث رواه عن جابر ﵁ عمرو بن دينار، وأبو الزبير، ومُحارب بن دِثَار، وعبيد اللَّه بن مِقْسَم، فأما رواية عمرو فأخرجها المصنّف ﵀ هنا عن سفيان بن عيينة، والبخاريّ عن شعبة، وفي "الأدب" له عن سَلِيم بن حَيّان، وثلاثتهم عن جابر ﵁.
وأما رواية أبي الزبير فهي الرواية التالية للمصنّف.
وأما رواية مُحارب بن دثار، فهي عند البخاريّ، وهي أيضًا عند النسائي مقرونةً بأبي صالح.
وأما رواية عبيد اللَّه، فهي عند ابن خزيمة، وله طُرُق أخرى غير هذه، قد تتبع الحافظ ﵀ في "الفتح" ما يُحتاج إليه منها معزوًّا، وسأُلَخّص ذلك هنا -إن شاء اللَّه تعالى- قال: وإنما قدّمت ذكر هذه لتسهل الحوالة عليها (١).
(عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه ﵄، أنه (قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ) بن جبل بن عمرو بن
стр. 5886
أوس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ المشهور، شَهِد بدرًا، وما بعدها، وكان إليه الْمُنتَهَى في العلم بالأحكام، والقراءات، مات ﵁ بالشام سنة (١٨) تقدّم في الإيمان ٧/ ١٣٠. (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) بيّن الصلاة في الرواية الآتية من طريق منصور، عن عمرو، ولفظه: "كان يصلّي مع رسول اللَّه ﷺ العشاء الآخرة"، قال الحافظ: فكأن العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرّتين. انتهى. (ثُمَّ يَأْتِي) وفي رواية منصور المذكورة: "ثم يرجع إلى قومه" (فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) في رواية منصور: "فيُصلّي بهم تلك الصلاة"، وفي هذا رَدٌّ على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبيّ ﷺ غير الصلاة التي كان يصلّيها بقومه، وفي رواية الحميديّ عن ابن عيينة: "ثم يرجع إلى بني سَلِمة، فيصلِّيها بهم"، ولا مخالفة فيه؛ لأن قومه هم بنو سَلِمة، وفي رواية الشافعي عنه: "ثم يرجع فيصلّيها بقومه في بني سَلِمة"، ولأحمد: "ثم يرجع فيؤمنا" (فَصَلَّى) أي معاذ (لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ) أي صلاة العشاء الآخرة (ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ) أي وهم بنو سَلِمة -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- (فَأَمَّهُمْ) أي في تلك الصلاة، كما بيّنته رواية منصور المذكورة، وفي رواية البخاريّ: "فصلّى العشاء"، قال في "الفتح": كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة، والطحاويّ، من طريق مُحَارب: "صلّى بأصحابه المغرب"، وكذا لعبد الرزاق، من رواية أبي الزبير، فإن حُمِل على تعدد القصة، كما سيأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تَمَّ، وإلا فما في الصحيح أصحِّ. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ.
(فَافْتَتَحَ بِـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ") وفي نسخة: "فافتتح سورة البقرة"؛ أي ابتدأ في قراءة "سورة البقرة" بعد قراءة الفاتحة، وإنما ترك ذكرها؛ لكونها معلومة مشهورة، ووقع عند البخاريّ بلفظ: "فقرأ بالبقرة"، ولا دليل يُستَدَل به على من يكره أن يقول البقرة، بل يقول سورة البقرة؛ لأن هذا من تصرّف الرواة.
وفي رواية مُحارب: "فقرأ بسورة البقرة، أو النساء" على الشكّ، وللسّرّاج من رواية مِسعر، عن محارب: "فقرأ بالبقرة والنساء"، قال الحافظ:
стр. 5887
كذا رأيته بخط الزكيّ البرزاليّ بالواو، فإن كان ضَبَطَه احْتَمَل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء.
ووقع عند أحمد من حديث بُريدة بإسناد قويّ: "فقرأ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] "، وهي شاذّةٌ، إلَّا إن حُمِل على التعدد.
(فَانْحَرَفَ رَجُلٌ) أي مال عن الصفّ، وخرج منه، يقال: انحرف عن كذا: مال عنه، قاله الفيّومي ﵀ (١).
[فإن قلت]: كان حقّه أن يقول: فسلّم رجل، فانحرف؛ لأن الانحراف يكون بعد السلام.
[قلت]: يُجاب عنه بأن المعنى: أراد الانحراف، فسلّم.
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "فانصرف الرجل" بالتعريف، واللام فيه للعهد الذهنيّ، ويحتمل أن يراد به الجنس، فكأنه قال: واحد من الرجال؛ لأن المعرَّف تعريف الجنس كالنكرة في مؤدَّاه.
[تنبيه]: قال في "الفتح": لَمْ يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل، لكن رَوَى أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، والبزار، من طريقه، عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: "مَرَّ حَزْم بن أُبَيّ بن كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلّي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة، ومع حزم ناضح له. . . " الحديث، قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلَّا ابن جابر. انتهى.
وقد رواه أبو داود في "السنن" من وجه آخر، عن طالب، فجعله عن ابن جابر، عن حَزْم صاحبِ القصة، وابن جابر لَمْ يُدرك حَزْمًا، ووقع عنده "صلاة المغرب" وهو نحو ما تقدم من الاختلاف في رواية مُحارب.
ورواه ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، فسماه حازمًا، وكأنه صَحَّفه، أخرجه ابن شاهين من طريقه.
ورواه أحمد، والنسائيّ، وأبو يعلي، وابن السكن بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، قال: "كان معاذ يؤم قومه، فدَخَل حَرَام،
стр. 5888
وهو يريد أن يَسْقِي نخله. . . "، الحديث، كذا فيه براء بعدها ألف، وظن بعضهم أنه حَرَام بن مِلْحان، خالُ أنس، وبذلك جزم الخطيب في "المبهمات"، قال الحافظ: لكن لَمْ أره منسوبًا في الرواية، ويَحْتَمِل أن يكون تصحيفًا من حَزْم، فتجتمع هذه الروايات، وإلى ذلك يومئ صنيع ابن عبد البرّ، فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أُبَيّ بن كعب، وذكر له هذه القصة، وعزا تسميته لرواية عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بَنَى على أن اسمه تصحَّف، والأب واحد، سماه جابر، ولم يسمه أنس.
وجاء في تسميته قول آخر، أخرجه أحمد أيضًا، من رواية مُعاذ بن رِفاعة، عن رجل من بني سَلِمة، يقال له: سُليم، أنه أتى النبيّ ﷺ ، فقال: "يا نبي اللَّه إنّا نَظَلّ في أعمالنا، فنأتي حين نُمسِي، فنصلّي، فيأتي معاذ بن جبل، فينادى بالصلاة، فنأتيه، فيطوّل علينا. . . " الحديث، وفيه أنه استُشْهِد بأُحد، وهذا مرسلٌ؛ لأن معاذ بن رِفاعة لَمْ يدركه.
وقد رواه الطحاويّ، والطبرانيّ، من هذا الوجه، عن معاذ بن رِفاعة، أن رجلًا من بني سَلِمة، فذكره مرسلًا.
ورواه البزار، من وجه آخر، عن جابر، وسَمّاه سُليمًا أيضًا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه، أن اسمه سَلْم -بفتح أوله، وسكون اللام- وكأنه تصحيف، واللَّه تعالى أعلم.
وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأَيَّد ذلك بالاختلاف في الصلاة، هل هي العشاء، أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة، هل هي "البقرة"، أو "اقتربت"؟ وبالاختلاف في عُذْر الرجل، هل هو لأجل التطويل فقط؛ لكونه جاء من العمل، وهو تَعْبَان، أو لكونه أراد أن يَسْقِي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل، كما في حديث بُريدة؟.
واستشكل هذا الجمع؛ لأنه لا يُظَنّ بمعاذ ﵁ أنه ﷺ يأمره بالتخفيف، ثم يعود إلى التطويل.
ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أَوّلًا بالبقرة، فلما نهاه قرأ "اقتربت"، وهي طويلة بالنسبة إلى السور التي أمره أن يقرأ بها، كما سيأتي.
стр. 5889
ويَحْتَمل أن يكون النهي أَوّلًا وَقَع لما يُخشَى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنّت نفوسهم بالإسلام، ظَنّ أن المانع زال، فقرأ بـ "اقتربت"؛ لأنه سمع النبيّ ﷺ يقرأ في المغرب بـ "الطور"، فصادف صاحب الشغل.
وجَمَع النوويّ باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بـ "البقرة"، فانصرف رجل، ثم قرأ "اقتربت" في الثانية فانصرف آخر.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما جَمع به النوويّ ﵀ أظهر، وأقرب، وحاصله أن الواقعتين حصلتا قبل أن ينهاه النبيّ ﷺ ، ثم لَمّا رفع الرجلان في وقت واحد، أو متقارب، نهاه ﷺ ، عن التطويل، وأمره بقراءة السور التي ذكرها له؛ وأما الحمل على التعدّد مع تخلّل النهي له فبعيد؛ لأن معاذًا ﵁ من أفقه الصحابة ﵃، فلا يُظنّ به أن يخالف ما أمره ﷺ من القراءة بالسور التي ذكرها، أو نحوها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
ووقع في رواية أبي الزبير التالية للمصنّف: "فانطلق رجلٌ منّا"، وهذا يَدُلّ على أنه كان من بني سَلِمة، ويُقَوي رواية من سماه سُلَيمًا، قاله الحافظ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لَمْ يظهر لي وجه التقوية على تسميته سليمًا، فلا مناسبة بين كونه من بني سلمة وتسميته سُليمًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسَلَّمَ) أي تسليم الخروج من الصلاة (ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ) أي استأنف الصلاة بعد قطعها بالسلام، وأتمّها منفردًا، هذا هو الظاهر الذي يدلّ عليه قوله: "فسلّم"، فلا يكون حجة لمن قال: إنه فارق بالنيّة، وأتمّ بلا استئناف؛ لأن التسليم ينافي ذلك، لكن لو قيل: إذا كان قطع الصلاة، واستئنافها جائزًا، فالمفارقة بالنيّة، وإكمالها منفردًا يجوز من باب أولى لا يبعد، واللَّه تعالى أعلم.
(وَانْصَرَفَ) أي خرج من المسجد إلى بيته، أو إلى محلّ حاجته، ووقع في رواية سَلِيم بن حَيّان: "فتَجوَّز رجل، فصلّى صلاة خفيفةً".
ثم إن رواية المصنّف ظاهرة في أنه قَطَع الصلاة، لكن ذكر البيهقيّ أن محمد بن عَبّاد شيخ مسلم، تفرد عن ابن عيينة بقوله: "ثم سَلَّم"، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا مِن أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من
стр. 5890
أصحاب جابر، لم يذكروا السلام، وكأنه فَهِمَ أن هذه اللفظة تدلّ على أن الرجل قطع الصلاة؛ لأن السلام يُتَحَلَّل به من الصلاة، وسائرُ الروايات تدلّ على أنه قَطَع القُدْوة فقط، ولم يَخْرُج من الصلاة، بل استَمَرّ فيها منفردًا.
قال الرافعيّ في "شرح المسند" -في الكلام على رواية الشافعيّ عن ابن عيينة في هذا الحديث: "فتَنَحَّى رجلٌ مِن خَلْفِه، فصلَّى وحده"-: هذا يَحْتَمِل من جهة اللفظ أنه قَطَع الصلاة، وتَنَحَّى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه؛ لأن الفرض لا يُقْطَع بعد الشروع فيه. انتهى.
ولهذا استَدَلّ به الشافعية، على أن للمأموم أن يقطع القُدْوة، ويُتِمّ صلاته منفردًا.
ونازع النوويّ فيه، فقال: لا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سَلَّم دليلٌ على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، فيدُلّ على جواز قطع الصلاة، وإبطالها لعذر (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما قاله النوويّ ﵀ هو الأرجح؛ لوضوح حجته، وهو الذي مال إليه النسائيّ حيث بوّب بقوله: "خروجُ الرجل من صلاة الإمام، وفراغُهُ من صلاته في ناحية المسجد"، ثم أورد حديث الباب، وفيه: "فانصرف الرجل، فصلّى في ناحية المسجد"، وهو ظاهر في كونه قطع الصلاة، واستأنفها لنفسه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالُوا) أي أصحاب معاذ (لَهُ) أي لذلك الرجل الذي قطع الائتمام به، وصلّى منفردًا (أَنَافَقْتَ) أي أصرت منافقًا، أو شابهتهم؟ وأصل النفاق مشتق من النّفَق، بفتحتين، وهو سَرَبٌ في الأرض، يكون له مخرجٌ من موضع آخر، يقال: نافق الْيَرْبُوعُ: إذا أَتَى النافِقَاء، ومنه قيل: نافق الرجلُ: إذا أظهر الإسلام لأهله، وأضمر غير الإسلام، وأتاه مع أهله، فقد خرج منه بذلك، ومحل النفاق القلبُ، قاله الفيّوميّ (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أنافقت": أي فعلتَ ما يفعله المنافق من الميل والانحراف عن الجماعة، والتخفيف في الصلاة، كما وصفهم اللَّه تعالى
стр. 5891
بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، قالوه تشديدًا وتغليظًا. انتهى (١).
(يَا فُلَانُ) كناية عن اسم الرجل، وإنما كنوا عنه سترًا له، وفي رواية أبي الزبير التالية: "فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق"، وفي رواية سَلِيم بن حَيّان: "فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق"، وفي رواية البخاريّ: "فكان معاذ تناول منه"، أي ذكره بسوء، وهو قوله: إنه منافقٌ.
ويوفّق بين الروايتين بأن معاذًا قال ذلك أَوّلًا، ثم قاله أصحاب معاذ للرجل.
(قَالَ) الرجل (لَا) أي لم أنافق (وَاللَّهِ) إنما أقسم تأكيدًا لنفيه، وقوله: (وَلَآتِيَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) إما معطوف على جواب القسم؛ أي واللَّه لا أنافق، ولآتينّ رسول اللَّه ﷺ ، وإما إنشاء قسم آخر، والمقسم به مقدَّر؛ أي واللَّه لآتينّه ﷺ .
(فَلَأُخْبِرَنَّهُ) أي قول معاذ له: إنه منافق، وفي رواية أبي الزبير التالية: "فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره ما قال معاذ"، وفي رواية النسائيّ: "فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرنّ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فذكر ذلك له، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول اللَّه، عَمِلتُ على ناضح لي. . . "، فذكر الحديث، وكان معاذًا سبقه بالشكوي، فلما أرسل إليه جاء، فاشتكى من معاذ.
(فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء (أَصْحَابُ نَوَاضِحَ) جمع ناضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها الماء، قال الفيّوميّ ﵀: نَضَحَ البعيرُ الماء، من بابي ضَرَبَ، ونَفَعَ: حَمَله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحة بالهاء، سُمِّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ الْعَطَشَ؛ أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يَحْمِله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يَحْمِل الماء. انتهى (٢).
стр. 5892
(نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ) أي نكدّ فيه بعمل الزراعة، وسقي النخيل بالنواضح؛ لأمر المعاش، وأراد الرجل بذلك الاعتذار إلى النبيّ ﷺ بأنه صاحب عَمَل وتعبٍ شديد في النهار، ومن كان كذلك لا يستطيع تطويل الصلاة.
وفي رواية للنسائيّ: "فأتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن معاذًا يصلّي معك، ثم يأتينا فيؤمّنا، وإنك أخّرت الصلاة البارحة، فصلّى معك، ثم رجع فأمّنا، فاستفتح بـ "سورة البقرة"، فلما سمعت ذلك تأخّرت، فصلّيتُ، وإنما نحن أصحاب نواضح، نعمل بأيدينا".
وفي رواية: "عملتُ على ناضحي من النهار، فجئت، وقد أُقيمت الصلاة، فدخلت المسجد، فدخلت معه في الصلاة، فقرأ سورة كذا وكذا، فطوّل، فانصرفتُ، فصلّيتُ في ناحية المسجد".
(وَإِن مُعَاذًا) بكسر همزة "إن" عطفًا على "إن" الأولى (صلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى) وفي نسخة: "ثم أتانا" (فَافْتَتَحَ بـ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ") وفي نسخة: "فافتتح سورة البقرة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن معاذًا ﵁ أراد أن يقرأها كلّها في تلك الصلاة، ويَحْتَمِل أنه أراد أن يقرأ بعضها، ويركع، فتوهّم الرجل أنه أراد إتمامها، فقطع صلاته، فعاتبه رسول اللَّه ﷺ على إيهامه ذلك، فإنه سبب للتنفير.
لكن يُبعد هذا الاحتمال إنكاره ﷺ ، وتوبيخه على ذلك؛ إذ لو أراد أن يقرأ بعضها، لبيّن للنبيّ ﷺ ذلك، فعذره، وترك تعنيفه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ، فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ) خطاب عتاب (أفَتَّانٌ أَنْتَ؟) مبتدأ وخبر، والهمزة للاستفهام الإنكاريّ والتوبيخيّ؛ أي أنت منفّرٌ عن الدين، وصادٌّ عنه، يعني أنه لا ينبغي، ولا يجوز لك ذلك.
وفي رواية أبي الزبير التالية: "أتريد أن تكون فتّانًا يا معاذ؟ "، وفي رواية النسائيّ: "أفتّانٌ يا معاذ، أفتّانٌ يا معاذ، أفتّانٌ يا معاذ؟ " بالتكرار ثلاثًا بالرفع، وفي "الكبرى" له: "أفتّانًا يا معاذ؟ " بالتكرار ثلاثًا، والنصب، ولأحمد في حديث معاذ بن رِفاعة المتقدم: "يا معاذُ لا تكن فاتنًا"، وزاد في حديث أنس: "لا تُطَوّل بهم".
стр. 5893
ومعنى الفتنة ها هنا أن التطويل يكون سببأ لخروجهم من الصلاة، وللتكرُّه للصلاة في الجماعة.
ورَوَى البيهقيّ في "الشعب" بإسناد صحيح عن عمر ﵁ قال: "لا تبغضوا اللَّهَ إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا، فيُطَوِّل على القوم الصلاة، حتى يُبَغِّضَ إليهم ما هم فيه".
وقال الداوديّ: يَحْتَمِل أن يريد بقوله: "فَتّان"؛ أي معذِّب؛ لأنه عذَّبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] قيل: معناه عذَّبوهم.
(اقْرَأْ بِكَذَا، وَاقْرَأْ بِكَذَا"، قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (فَقُلْتُ لِعَمْرٍو) أي ابن دينار (إنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم المكيّ (حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: "اقْرَأَ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، زاد في رواية البخاريّ، من طريق الحميديّ، عن ابن عيينة مع الثلاثة الأُوَل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾، وفي رواية الليث، عن أبي الزبير التالية هنا: "فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ ".
(فَقَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار: (نَحْوَ هَذَا) أي نحو ما ذكره أبو الزبير، وفي رواية البخاريّ: "وأمره بسورتين من أوسط المفصل، قال عمرو: لا أحفظهما"، أي قال عمرو بن دينار: لا أحفظ السورتين اللتين أمره أن يقرأ بهما، وكأنه قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سَلِيم بن حَيّان، عن عمرو: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ونحوها"، وقد تقدّم الخلاف في المراد بالمفصَّل، وصحح في "الفتح" أنه من أول ﴿ق﴾ إلى آخر القرآن.
وقوله: "أوسط" يَحْتَمِل أن يريد به المتوسط، والسورُ التي مَثَّلَ بها من قصار المتوسط، ويَحْتَمِل أن يريد به المعتَدِل، أي المناسب للحال من المفصَّل، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5894
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ١٠٤٥ و ١٠٤٦ و ١٠٤٧ و ١٠٤٨] (٤٦٥)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٧٠٠ و ٧٠١ و ٧١١)، و"الأدب" (٦١٠٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٩٩ و ٦٠٠ و ٧٩٠)، و (الترمذيّ) (٥٨٣)، و (النسائيّ) فيها (٢/ ١٠٢)، و (ابن ماجه) فيها (٨٣٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٩٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٤٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٨ و ٣٦٩)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٤ و ١٨٤٠)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٧٤ و ١٧٧٥ و ١٧٧٦ و ١٧٧٧ و ١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٢٦ و ١٠٢٧ و ١٠٢٨ و ١٠٢٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٢٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٥٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في صلاة العشاء، وهو مجمع عليه.
٢ - (ومنها): جواز صلاة المفترض خلف المتنفِّل؛ لأن معاذًا ﵁ كان يصلي الفريضة مع رسول اللَّه ﷺ ، فيُسْقِط فرضه، ثم يصلِّي مرةً ثانيةً بقومه، هي له تطوع، ولهم فريضة، وقد جاء هكذا مُصَرَّحًا به في غير مسلم، وهذا جائز عند الشافعي ﵀ وآخرين، ولم يُجِزه ربيعة، ومالك، وأبو حنيفة، والكوفيون رحمهم اللَّه تعالى، وتأولوا حديث معاذ ﵁ على أنه كان يصلّي مع النبيّ ﷺ تنفلًا، ومنهم من تأوله على أنه لم يعلم به النبيّ ﷺ ، ومنهم من قال: حديث معاذ كان في أول الأمر، ثم نُسِخ، قال النوويّ: وكلُّ هذه التأويلات دعاوي لا أصل لها، فلا يُتْرَك ظاهر الحديث بها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ هو الحقّ، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): جواز خروج المأموم عن صلاة الإمام، وصلاته منفردًا
стр. 5895
لعذر، وأما بغير عذر فاستَدَلّ به بعضهم، وتُعُقِّب، وقال ابن المنير: لو كان كذلك لَمْ يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدةٌ، وفيه نظر؛ لأن فائدة اللأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز الصلاة منفردًا، وهذا كما استَدَلّ بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة، وفيه نحو هذا النظر، قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: استَدَلّ أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة، ويُتِمّ صلاته منفردًا، وإن لَمْ يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه يجوز لعذر ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا، والثالث يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وعلى هذا: العُذر هو ما يَسْقُط به عنه الجماعة ابتداءً، ويُعْذَر في التخلف عنها بسببه، وتطويل القراءة عذر على الأصح؛ لقصة معاذ ﵁.
قال: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية الأولى أنه سَلَّم، وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة، وإنما يدُلّ على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح أنه يجوز قطع الاقتداء، والصلاة وحده لعذر؛ لحديث قصّة معاذ ﵁، حيث أقرّ النبيّ ﷺ الرجل الذي قطع الاقتداء به، وصلّى وحده، وأما إذا لَمْ يكن لعذر فلا؛ لقوله ﷺ : "أصلاتان معًا؟ "، وهو حديث صحيح، أخرجه مالك، وأبو داود، فقد أنكر ﷺ على من يُصلِّي صلاةً وحده بعد أن تقام الصلاة.
والحاصل أن قطع الاقتداء لعذر، جائز، وأما لغير عذر، فلا، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): استحباب تخفيف الصلاة مراعاةً لحال المأمومين، وأما من قال: لا يكره التطويل إذا عَلِم رضاء المأمومين، فَيُشكِل عليه أن الإمام قد لا يَعْلَم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، كما في حديث الباب،
стр. 5896
فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا إلَّا إذا فُرِض في مصلّ بقوم محصورين راضين بالتطويل، في مكان لا يدخله غيرهم.
٥ - (ومنها): أن الحاجة من أمور الدنيا عُذْرٌ في تخفيف الصلاة.
٦ - (ومنها): جواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل إذا كان هناك سبب، كمن صلّى وحده، أو في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فيصلّي معهم، أو كان إمامًا فصلّى مع جماعة، ثم ذهب إلى مسجده، فيصلّي بقومه أيضًا، كما فعل معاذ ﵁، ونحو ذلك، وأما تكرار الصلاة الواحدة بدون سبب فيحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يُصَلَّى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
٨ - (ومنها): الإنكار بلطف؛ لوقوعه بصورة الاستفهام.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه تعزير كلِّ أحد بحسبه.
١٠ - (ومنها): الاكتفاء في التعزير بالقول.
١١ - (ومنها): الإنكار في المكروهات، كذا قيل، وفيه: فلم لا يكون من الحرام؟.
١٢ - (ومنها): مشروعيّة التكرار ثلاثًا في الإنكار؛ للتأكيد، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم فَسَلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا.
١٣ - (ومنها): أن فيه اعتذار مَن وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حقّ من وقع في محذور ظاهر، وإن كان له عذر باطنٌ؛ للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك؛ متأوِّلًا.
١٤ - (ومنها): أن التخلُّف عن الجماعة من صفة المنافقين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز صلاة المفترض خلف المتنفّل:
قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد إخراج الحديث ما نصّه:
стр. 5897
والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا أَمَّ الرجل القوم في المكتوبة، وقد كان صلّاها قبل ذلك أنّ صلاة من ائتَمّ به جائزة، واحتجّوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوي من غير وجه، عن جابر، ورُوي عن أبي الدرداء أنه سئل عن رجل دخل المسجد، والقوم في صلاة العصر، وهو يَحْسَب أنَّها صلاة الظهر، فائتم بهم، قال: صلاته جائزة.
وقد قال قوم من أهل الكوفة: إذا ائتَمّ قوم بإمام، وهو يصلّي العصر، وهم يَحسَبُون أنَّها الظهر، فصلّى بهم، واقتَدَوا به، فإن صلاة المقتدي فاسدة؛ إذ اختلف نية الإمام ونية المأموم. انتهى (١).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر قصّة معاذ ﵁، وقصّة صلاة الخوف (٢).
وممن قال بهذا عطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، وبه قال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، وقال بمثل هذا المعنى الأوزاعي.
وقالت طائفة: كلُّ من خالفت نيّته نيّة الإمام في شيء من الصلاة لَمْ يُعْتَدّ بما صلّى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، ورُوي معنى ذلك عن الحسن البصريّ، وأبي قلابة، وبه قال الزهريّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحَكَى أبو ثور عن الكوفيّ (٣) أنه قال: إن كان الإمام متطوّعًا لم يُجْز من خلفه الفريضة، وإن كان الإمام مفترضًا، وكان من خلفه متطوّعًا كانت صلاتهم جائزة.
وكان عطاء، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في قيام
стр. 5898
رمضان، ولم يكن صلّى المكتوبة، قالا: يصلّي معهم ركعتين، فيبني عليهما ركعتين، ويَعتدّ به من العتَمَة، وأبى ذلك سعيد بن المسيِّب، والزهريّ، وقالا: يُصلّي معهم، ثم يُصلّي العشاء وحده.
ثم رجّح ابن المنذر: قول من قال بالجواز؛ عملًا بحديث الباب (١).
وقال في "الفتح" عند شرح حديث الباب ما نصّه: واستُدِلَّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفتوض بالمتنفل؛ بناءً على أن معاذًا ﵁، كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدلّ عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعيّ، والطحاويّ، والدارقطنيّ، وغيرهم، من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ في حديث الباب، زاد: "هي له تطوُّع، ولهم فريضةٌ".
قال الحافظ ﵀: وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تُهْمة تدليسه.
فقول ابن الجوزيّ: "إنه لا يصحّ" مردود، وتعليل الطحاويّ له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتمّ من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة، ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسنّ، وأجلّ من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقّف في الحكم بصحتها.
وأما رَدّ الطحاويُّ لها باحتمال أن تكون مُدْرَجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج، حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا رُوي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعيِّ أخرجها من وجه آخر، عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه.
وقولُ الطحاويّ: "هو ظَنٌّ من جابر" مردودٌ؛ لأن جابرًا كان ممن يصلِّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنّ بجابر أنه يُخْبِر عن شخص بأمر غير مشاهَد، إلَّا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.
قال: وأما احتجاج أصحابنا -يعني الشافعيّة- لذلك بقوله ﷺ : "إذا
стр. 5899
أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة"، فليس بجيِّد؛ لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت، من غير تَعَرُّض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلّي الثانية بقومه؛ لأنها ليست حينئذ فرضًا له.
قال: وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يُظَنّ بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة، في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبيّ ﷺ لَمْ يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.
وكذلك قول الخطابيّ: إن العشاء في قوله: "كان يصلي مع النبيِّ ﷺ العشاء" حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.
وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يُجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصلّيه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يَجُوزُ عندهم؟ فهذا إن كان كما قال نقضٌ قويّ، وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة.
وأما قول الطحاويّ: لا حجة فيها؛ لأنَّها لَمْ تكن بأمر النبيّ ﷺ ، ولا تقريره.
فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابيّ إذا لَمْ يخالفه غيره حجةٌ، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلّي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عَقَبيًّا، وأربعون بَدْرِيًّا، قاله ابن حزم، قال: ولا يُحْفَظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز: عُمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم.
وأما قول الطحاويّ: لو سَلَّمنا جميع ذلك لَمْ يكن فيه حجة؛ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصَلَّى مرّتين، أي فيكون منسوخًا.
فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادّعاه من إعادة الفريضة. انتهى.
قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك،
стр. 5900
وهو حديث ابن عمر رفعه: "لا تُصَلُّوا الصلاة في اليوم مرتين"، ومن وجه آخر مرسل: إن أهل العالية كانوا يصلّون في بيوتهم، ثم يصلّون مع النبيّ ﷺ ، فبلغه ذلك، فنهاهم.
قال: ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلّوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقيّ جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لَمْ يكن بعيدًا.
ولا يقال: القصة قديمة؛ لأن صاحبها استُشْهِد بأحد؛ لأنا نقول: كانت أُحُدٌ في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلًا.
وقد قال ﷺ للرجلين اللذين لَمْ يُصَلّيا معه: "إذا صلّيتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة" (١)، أخرجه أصحاب "السنن" من حديث يزيد بن الأسود العامريّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع، في أواخر حياة النبيّ ﷺ .
ويدلّ على الجواز أيضًا أمره ﷺ لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها: أن "صَلُّوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها معهم نافلة".
وأما استدلال الطحاويّ أنه ﷺ نَهَى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سُلَيم بن الحارث: "إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخَفِّف بقومك"، ودعواه أن معناه: إما أن تصلّي معي، ولا تصلّي بقومك، وإما أن تخفف بقومك، ولا تصلّي معي، ففيه نظرٌ؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلّي معي فقط، إذا لَمْ تُخَفِّف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه.
وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على
стр. 5901
صفة فيها مخالفة ظاهرةٌ بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلّى النبيّ ﷺ بهم مرتين على وجه، لا تقع فيه منافاة، فلَمّا لَمْ يفعل دَلّ ذلك على المنع.
فجوابه أنه ثبت أنه ﷺ صلّى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود، عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة، فلبيان الجواز.
وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة؛ لقلة القُرّاء في ذلك الوقت، فهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة، كان حافظوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من عرض الأقوال وأدلّتها أن الأرجح قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفّل، وبالعكس؛ لحديث الباب وغيره مما سبق بيانه، والذين منعوا من ذلك لَمْ يأتوا بحجة مقنعة تقاوم حجج المجيزين، ولذا قال السنديّ الحنفيّ ﵀ في "شرح النسائيّ": فدلالة حديث قصّة معاذ ﵁ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل واضحة، والجواب عنه مشكلٌ جدًّا، وأجابوا بما لا يتمّ، وقد بسطت الكلام فيه في "حاشية ابن الهُمَام". انتهى.
وهذا من إنصافه ﵀، وهكذا ينبغي لكلّ متمذهب أن يكون مع الأدلّة، وإن خالف مذهبه، بل ومذاهب الجلّ؛ لأن الحقّ أحقّ أن يُتبع، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية [النساء: ٥٩].
والحاصل أنه يجوز اقتداء المفترض بالمتنفّل والعكس؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5902
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث، قَالَ: (ح) (١) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا، فَصَلَّى، فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ (٢) فَاقْرَأْ بِـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾، وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمْح بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، و"ليث" بـ "أل" وبدونها: هو الليث بن سعد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو
стр. 5903
أعلى الأسانيد له، وهو (٥٥) من رباعيّات الكتاب، ووافقه النسائيّ، وابن ماجه على الإسنادين، فأخرجه النسائيّ عن قتيبة برقم (٩٩٨)، وابن ماجه عن محمد بن رُمح برقم (٩٨٦).
(فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا) أي من الأنصار، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح الحديث الماضي، وباللَّه التوفيق.
وقوله: (فَصَلَّى) أي فصلّى الرجل وحده بعدما قطع صلاته مع معاذ ﵁.
وقوله: (فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي أخبر بعض الناس معاذًا ﵁ بما فعله الرجل من صلاته. وقوله: (فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ) أي وصل إليه قول معاذ إنه منافقٌ.
وقوله: (إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ) أي صلّيتَ بهم إمامًا، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْم) بن بَشِير المذكور قبل باب.
٣ - (مَنْصُور) بن زاذان الواسطيّ المذكور أيضًا قبل باب، والباقيان ذُكرا قبل حديث.
وقوله: (الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) فيه جواز قول: "العشاء الآخرة"، وقد سبق قريبًا
стр. 5904
بيانه، وقول الأصمعيّ بإنكاره، وإبطال قوله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لَمْ يتكلم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كَيْسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَيُصَلِّي بِهِمْ) أي تلك الصلاة التي صلّاها مع النبيّ ﷺ ، وهي العشاء، كما بُيّنت في الروايات الماضية.
[تنبيه]: تكلّم أبو مسعود الدمشقيّ ﵀ في هذا الإسناد، فقال: قتيبة يقول في حديثه: عن حمّاد، عن عمرو، ولم يذكر فيه أيّوبَ، وكان ينبغي لمسلم أن ينبّه عليه.
ويُجاب عن مسلم: بأنه إنما أهمل التنبيه عليه؛ لكونه جَعَل الرواية مسوقةً عن أبي الربيع وحده، كذا أفاده النوويّ ﵀ (١).
стр. 5905
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية حمّاد التي أشار إليها أبو مسعود، أخرجها الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال:
(٥٣٢) حدّثنا قتيبة، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه، أن معاذ بن جبل، كان يصلّي مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمهم، وقال: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٨) - (بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٤٩] (٤٦٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَن قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَّاخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بنَا، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٩.
٢ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] (ت بعد ٩٠) وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٥.
٣ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ بالكوفة، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٥٨.
стр. 5906
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وهُشيمٍ، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي الذي انفرد بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة على الصحيح، ولا مشارك له في ذلك، خلافًا للحاكم صاحب "المستدرك" حيث ادّعى ذلك، وقد أشار السيوطيّ ﵀ إلى ذلك في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ مَعْ خَمْسَةٍ … أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ
٦ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بنسبته إلى بدر، فعدّه البخاريّ في "صحيحه"، ومسلم في "الكنى": ممن شَهِد غزوة بدر، وقال الأكثرون: لَمْ يشهدها، وإنما نزل ماءً ببدر، فنُسب إليها، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو (الْأَنْصَارِيِّ) البدريّ ﵁ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لَمْ أقف على اسمه، ووَهِم مَن زعم أنه حَزْم بن أُبَيّ بن كعب؛ لأن قصته كانت مع معاذ، لا مع أُبَيّ بن كعب. انتهى (١). (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولفظ البخاريّ: "إني لأتأخَّر عن صلاة الغداة"، أي فلا أحضرها مع الجماعة؛ لأجل التطويل، وفي رواية للبخاريّ أيضًا من طريق ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد: "واللَّه
стр. 5907
لأتأخر" بزيادة القسم، وفيه جواز مثل ذلك؛ لأنه لَمْ يُنْكِر عليه النبيّ ﷺ ، وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن إسماعيل: "إنى لا أكاد أدرك الصلاة".
قال القاضي عياض ﵀: ظاهره مشكل؛ لأن التطويل يقتضى الإدراك لا عدمه، قال: فكأن الألف زيدت بعد "لا"، وكأن "أُدْرِك" كانت "أَتْرُك".
قال الحافظ: هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية، وقال أبو الزناد بن سراج: معناه أنه كان به ضعف، فكان إذا طوَّل به الإمام في القيام، لا يبلغ الركوع إلَّا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة.
قال الحافظ أيضًا: وهو معنى حسن، لكن رواه البخاريّ، عن الفريابيّ، عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: "إني لأتأخر عن الصلاة"، فعلى هذا فمراده بقوله: "إني لا أكاد أدرك الصلاة"، أي لا أقرُب من الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحيانًا؛ من أجل التطويل (١).
قال: ويَحْتَمل أيضًا أن يكون المراد أن الذي أَلِفَه من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء في أول الوقت؛ وثوقًا بتطويله، بخلاف ما إذا لَمْ يكن يطوِّل، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أوّل الوقت، وكأنه يَعْتَمِد على تطويله، فيتشاغل ببعض شغله، ثم يتوجه، فيصادف أنه تارةً يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال: "لا أكاد أدرك مما يُطَوّل بنا"، أي بسبب تطويله. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذا الاحتمال من البعد، فالأول هو الوجه، فتأملّ، واللَّه تعالى أعلم.
وإنما خص الصبح بالذكر؛ لأنَّها تطوَّل فيها القراءة غالبًا، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها.
(مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ) هو كناية عن اسم سُمّي به المحدّث عنه، ويقال في غير الآدميّ: الفلان معرّفًا بالألف واللام، قاله الكرمانيّ ﵀ (٣).
والمراد بفلان هنا هو: أُبيّ بن كعب ﵁، قال في "الفتح": ووَهِمَ مَن
стр. 5908
فَسَّر الإمام المبهم هنا بمعاذ، بل المراد به أُبَيّ بن كعب، كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، من رواية عيسى بن جارية -وهو بالجيم- عن جابر، قال: كان أُبّيّ بن كعب يصلّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلةً، فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتَلَ من صلاته، فغضب أُبَيّ، فأتى النبيّ ﷺ يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أُبَيًّا، فغضب النبيّ ﷺ حتى عُرِف الغضب في وجهه، ثم قال: "إن منكم منفرين، فإذا صلّيتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيفَ، والكبيرَ، والمريضَ، وذا الحاجة"، فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب: "مما يطيل بنا فلان"، أي في القراءة، واستفيد منه أيضًا تسمية الإمام، وبأيّ موضع كان، وفي الطبرانيّ من حديث عديّ بن حاتم: "مَن أَمّنا، فَلْيُتِمّ الركوع والسجود". انتهى (١).
وقوله: (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) "من" هنا للتعليل، و"ما" مصدريّة، و"يُطيل" من الإطالة، أي من أجل إطالته القراءة في الصلاة علينا، وفي رواية البخاريّ: "مما يُطوّل"، من التطويل.
(فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غَضَبًا أشدّ، أو منصوب على الحال من "النبيّ ﷺ ".
وسببه إما لمخالفة الموعظة، أو للتقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلمه، كذا قاله ابن دقيق العيد.
وتعقّبه تلميذه أبو الفتح اليعمريّ بأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ما ظهر من الغضب؛ لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه؛ ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلا يعود مَن فَعَل ذلك إلى مثله.
قال الحافظ ﵀: وأقول: هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونه أشدّ فالاحتمال الثاني أوجه، ولا يَرِدُ عليه التعقب المذكور. انتهى (٢).
(مِمَّا غَضِبَ) "من" صلة "أشدّ"، و"ما" مصدريّة، أي غضبه (يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُخبر بذلك (فَقَالَ) أي النبيّ ﷺ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وفي رواية البخاريّ: "أيها الناس" بحذف حرف النداء.
стр. 5909
[فائدة]: المقصود بالنداء في نحو قوله: "يا أيها الناس"، هو "الناس"، وإنما جاءوا بـ"أيّ" ليمكن الوصول إلى نداء ما فيه "أل"؛ لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء، وأداة التعريف، فكأن المنادى هو الصفة، و"ها" مُقْحَمة للتنبيه، أفاده في "العمدة" (١).
(إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، والنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وهو من التنفير، وهو التفريق، قال في "القاموس": النَّفْرُ: التفرّق، نَفَرت الدابّة تَنْفِرُ وتَنْفُرُ -أي من بابي ضرب، وقعد- نَفْرًا، ونُفُورًا، ونِفَارًا، فهي نافرةٌ، ونَفُورٌ: جَزِعَتْ، وتباعدت، قال: ونَفَرَ الظبيُ: شَرَدَ، ونفّرتُهُ، واستنفرته، وأنفرته. انتهى ملخّصًا (٢).
والمعنى: أن منكم من يفرّق الناس، ويُبعدهم عن الجماعة بسبب تطويله.
وقال في "الفتح": قوله: "إن منكم منفرين" فيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ ﵁: "أفتّان أنت"، ويحتمل أن تكون قصة أُبَيّ هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب، وكذا ذَكَر في هذا الغضب، ولم يذكره في قصة معاذ، وبهذا يتوجه الاحتمال الأول؛ لابن دقيق العيد، يعني ما ذكر في سبب شدّة غضبه. انتهى (٣).
وإنما خاطب الكلّ، ولم يُعيّن المطوِّل فقط؛ كرَمًا منه، ولطفًا عليه، وكانت هذه عادته ﷺ غالبًا حينما كان يوجّه العتاب والتأديب لمن يستحقّه حتى لا يحصل له الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد، أفاده الكرمانيّ ﵀ (٤).
(فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ) وفي رواية البخاريّ: "فأيُّكم ما صلّى بالناس" أي أيُّ واحد منكم، و"ما" زائدة، وزيادتها بعد "أيٍّ" الشرطيّة كثيرةٌ، وفائدتها التوكيد، وزيادة التعميم، قاله الكرمانيّ (٥).
(فَلْيُوجِزْ) من الإيجاز، وهو الاختصار، ولفظ البخاري: "فليتجوّز"، أي فليُخفّف، وأصل اللام الكسر، ويجوز فيها السكون؛ تخفيفًا.
стр. 5910
قال ابن دقيق العيد ﵀: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة لعادة آخرين، قال: وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبيّ ﷺ أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلًا.
قال الحافظ ﵀: وأولى ما أُخِذ حدُّ التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أن النبيّ ﷺ قال له: "أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم"، وإسناده حسنٌ، وأصله في مسلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ يأتي في هذا الباب بعد حديث أبي هريرة ﵁.
ثم ذكر علّة أمره بالإيجاز والتخفيف، فقال:
(فَإِنَّ) الفاء للتعليل، أي لأن (مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخَّرًا، وما بعده عطف عليه.
ومقتضى هذا التعليل أنه متى لم يكن فيهم مُتَّصِف بصفة من المذكورات، لم يضرّ التطويل، لكن فيه أنه يمكن مجيء من يتصف بإحداها.
وقال اليعمريّ ﵀: الأحكام إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا، قال: وهذا كما شُرع القصر في صلاة المسافر، وعُلِّل بالمشقة، وهو مع ذلك يُشْرَع، ولو لم يَشُقّ؛ عملًا بالغالب؛ لأنه لا يُدرَى ما يَطْرأ عليه، وهنا كذلك. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(وَالضَّعِيفَ) أي المريض، وفي حديث عثمان بن أبي العاص الآتي: "فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم المريضَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة"، فيكون المراد بالضعيف هناك الضعيف في خِلْقته، كالنحيف، والسمين.
وزاد في رواية الطبرانيّ في حديث عثمان المذكور: "والحامل،
стр. 5911
والمرضع"، وله من حديث عديّ بن حاتم: "والعابر السبيل"، أفاده في "الفتح" (١).
(وَذَا الْحَاجَةِ") بالنصب أيضًا؛ لما ذُكر، وهذا من عطف العامّ على الخاصّ؛ لأن ذا الحاجة يعمّ الكبير، والضعيف، وغيرهما.
وإنما اقتصر على ذكر هذه الثلاثة؛ لأنها متناولة لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف، فإن المقتضي له إما في نفسه أولًا، والأول إما في ذاته، وهو الضعف، أو بسبب العارض لذاته، وهو المرض، أو لما يشمل هذين، وغيرهما، وهي الحاجة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٠٤٩ و ١٠٥٠] (٤٦٦)، و (البخاريّ) في "العلم" (٩٠) و"الأذان" (٧٠٢ و ٧٠٤) و"الأدب" (٦١١٠) و"الأحكام" (٧١٥٩)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٨٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٣١ و ١٣٢)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٠٧)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٣٧٢٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١٨ و ١١٩ و ٥/ ٢٧٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٢٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٣٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٥٥ و ٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٥٨ و ٥٥٩ و ٥٦٠ و ٥٦١ و ٥٦٢ و ٥٦٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٥٣ و ١٥٥٤ و ١٥٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٣٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١١٥)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٨٤٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 5912
١ - (منها): بيان الأمر للأئمة بتخفيف الصلاة حتى لا يتضرّر المأمومون، لكن بشرط أن لا يُخلّ بسننها، وآدابها، ومقاصدها، وأما إذا أدّى التخفيف إلى نقص شيء من ذلك، كما يفعله بعض الجهلة مغترّين بظاهر قوله ﷺ : "فليُخفّف"، فيتلاعبون بالصلاة، فهذا من تلبيس الشيطان، واستيلاء الجهل بالسنّة، وغلبة الهوى، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
٢ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة أمر الدين، حيث أمر النبيّ ﷺ الأئمة بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، حتى لا تحصل مشقّة على الضعفاء، كالمريض، والصغير، والكبير، وذي الحاجة.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليلٌ على الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدْخِل عليهم ما يشقّ عليهم، وإن كان يسيرًا من غير ضرورة. انتهى.
٤ - (ومنها): جواز التأخّر عن صلاة الجماعة، إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير.
٥ - (ومنها): جواز ذكر الإنسان بفلان ونحوه في معرض الشكوى، والاستفتاء.
٦ - (ومنها): جواز الغضب لما يُنْكَر من أمور الدين، والغضب في الموعظة.
٧ - (ومنها): أن فيه حكم النبيّ ﷺ في حال غضبه، ولا يعارضه قوله ﷺ : "لا يقضينّ حكم بين اثنين، وهو غضبان"، متّفقٌ عليه؛ لأنه ﷺ معصوم فلا يصدر منه في حال غضبه ما يخالف الشرع، بخلاف غيره.
والحاصل أن الحكم في حال الغضب خاصّ بالنبيّ ﷺ ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٨ - (ومنها): جواز الإنكار على مَن ارتَكَبَ ما يُنْهَى عنه، وإن كان مكروهًا غير محرَّم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، لكن تقدّم أن كون هذا من المكروهات محلّ نظر، بل هو من المحرّمات إذا تضَرَّر به المأمومون، أو
стр. 5913
بعضهم، وكيف لا يكون محرّمًا، وقد غضب النبيّ ﷺ غضبًا شديدًا، وصفه الصحابيّ بأنه لم يره غضب قبله مثله، وقال: "فأيُّكم أم الناس فليتجوّز"، وأمره للوجوب، كما أن نهيه للتحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
٩ - (ومنها): أن الأرجح كون الأمر بالتخفيف للوجوب، قال العراقيّ ﵀: هذا الأمر بالتخفيف صَرَّح أصحابنا -يعني الشافعيّة- وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر، قال ابن حزم الظاهريّ ﵀: يجب على الإمام التخفيف، إذا أمَّ جماعةً، لا يَدْري كيف طاقتهم.
وقال ابن عبد البرّ المالكيّ ﵀: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ لأمر رسول اللَّه ﷺ إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل، وكذا قال ابن بطّال في "شرح البخاريّ": فيه دليل أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ لأمر رسول اللَّه ﷺ لهم بذلك. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي قول من قال بالوجوب؛ عملًا بظاهر الأمر؛ إذ لا صارف له عن الوجوب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة التعزير على إطالة الصلاة، إذا لم يَرْضَ المأموم به، وجواز التعزير بالكلام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما جاء عن أهل العلم في تخفيف الصلاة:
(اعلم): أن أحاديث الباب فيها الأمر للأئمة بتخفيف الصلاة؛ مراعاةً لحال المأمومين.
قال الترمذيّ ﵀ في "جامعه": وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يُطيل الإمام الصلاة؛ مخافة المشقّة على الضعيف، والكبير، والمريض. انتهى.
وقال العراقيّ ﵀ في "شرح التقريب" بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: وهو يقتضي خلافًا في ذلك بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافًا، قال ابن
стр. 5914
عبد البرّ: التخفيف لكل إمام أمر مُجْمَعٌ عليه، مندوب عند العلماء إليه، وقال أيضًا: لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أمّ قومًا على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يُجزئ، وساق الكلام على ذلك، وكأن الترمذيّ توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في "مصنفه" في التبويب: "التخفيفُ في الصلاة"، "من كان يُخَفِّفها"، وليس ذلك صريحًا في وجود خلاف، ولم يبوّب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثَمّ قائل به لَبَوَّب عليه، وذكره.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة في الباب المذكور، عن ثابت البنانيّ قال: صلّيت مع أنس ﵁ العَتَمَة، فتجوَّز ما شاء اللَّه، وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي إذا صلّى في المسجد خَفَّف الركوع والسجود، وتجوَّز، وإذا صلّى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟، فقال: إنا أئمة يُقْتَدَى بنا، وعن أبي رجاء، وهو العطارديّ قال: رأيت الزبير بن العوّام صلّى صلاةً خفيفةً، فقلت: أنتم أصحاب رسول اللَّه ﷺ أخفّ الناس صلاةً، فقال: إنا نُبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر، أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تخفيف الصلاة من أجل مبادرة الوسواس يحتاج إلى دليل، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم
وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلًا، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويُتِمُّ الركوع والسجود، وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة ﵁ صلّى صلاةً تجوّز فيها، فقلت له: هكذا كانت صلاة النبيّ ﷺ ؟ قال: نعم، وأجوز، وعن عمرو بن ميمون: لَمّا طُعِن عمر، وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، وعن إبراهيم النخعيّ أنه كان يخفف الصلاة، ويتمّ الركوع والسجود، وعن أبي مِجْلَزٍ قال: كانوا يُتِمّون، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة.
قال الجامع: مبادرة الوسوسة محلّ نظر، كما أسلفته آنفًا، فليُتنبّه.
وعن عمرو بن ميمون، قال: ما رأيت الصلاة في موضع أخفّ منها فيما
стр. 5915
بين هاتين الحائطين، يعني مسجد الكوفة الأعظم، وعن النعمان بن قيس، قال: كُنّ النساء إذا مررن على عَبِيدة، وهو يصلّي قُلْن: خففوا، فإنها صلاة عَبِيدة، يعني مِن خفتها، رواها كلها ابن أبي شيبة.
وحَكَى ابن حزم في "الْمُحَلَّى" عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلًا أخذ شاة عزوزًا لم يفرُغ من لبنها حتى أُصلي الصلوات الخمس، أُتِمُّ ركوعها وسجودها، والْعَزُوز -بالعين المهملة، والزاي المعجمة المكررة-: الضيِّقة الإحليل، وعن علقمة: لو أُمر بذبح شاة، فأُخذ في سَلْخها لصلّيت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفْرَغ منها.
ويَحْتَمِل أن ابن أبي شيبة إنما بَوّب تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من كان يؤثر تخفيفها، ولو مع هذه الحالة، فنقله الترمذيّ إلى أئمة العامة، وأولئك لا خلاف فيهم كما تقدم. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): المراد من الأمر بتخفيف الصلاة -كما قال أهل العلم- أن يكون بحيث لا يُخِلّ بسننها ومقاصدها، ففي "الصحيحين" عن أنس ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمّنا بالصّافّات".
وقال العلّامة ابن القيّم ﵀: إذا أمرهم بالتخفيف، وأمرهم أن يصلّوا كصلاته في قوله: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلّي"، عُلِمَ بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أَمَرَ به، يوضّح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويُسمّى تخفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمّى تطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخفّ منه، فلا حدّ له في اللغة يُرجَع إليه، وليس من الأفعال المعروفة التي يُرْجَع فيها إلى العرف كالْحِرْز، والقَبْض، وإحياء الموات، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها، وصفاتها، وهيآتها، كما يُرجَع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس وعوائدهم في مسمّى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافًا بيِّنًا لا ينضبط.
стр. 5916
ولهذا لَمّا فَهِمَ بعض من نَكَّس اللَّه قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يُمكن من التخفيف، اعتَقَدَ أن الصلاة كلّما خُفّفت، وأُخِّرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمرّ فيها مرّ السَّهْم، ولا يزيد على "اللَّه أكبر" في الركوع والسجود بسرعة، فكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربّما ظنّ الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث.
ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنه رأى غُلامًا له يَطمئنّ في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كلُّه تلاعب بالصلاة، وتعطيلٌ بها، وخِدَاعٌ من الشيطان. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العلّامة ابن القيّم ﵀ هو الحقّ، وإن اعتَرَض عليه الصنعانيّ، وطوّل الكلام في الرّدّ عليه في كتابه "العدّة حاشية العمدة" (١).
وخلاصة ما أشار إليه ابن القيّم: أن ما ثبت عن النبيّ ﷺ من كيفيّة الصلاة هو الذي أمر به، فقد كان يُخفّف أحيانًا، ويُطوّل أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين، فقد ثبت أنه ﷺ خفّف صلاته، فقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، وكان ذلك في السفر، وقد روي أنه قرأ بها في المغرب، ولم يُذكر السفر، وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقرأ بقصار المفصّل، ولا يُعارضه حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصّل؛ لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في "الصحيح" أنه قرأ فيها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلّى الصبح بـ "الزلزلة" في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا "المعوّذتين"، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار.
وثبت عنه ﷺ أنه طوّل في بعض الأحيان، فقرأ في المغرب ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، و ﴿الطُّورِ﴾، وبطولى الطوليين، وظاهره أنه أتمّها، فقول القاضي عياض: إن المراد بعضها خلاف الظاهر، وكان يطوّل في الصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستّين والمائة، وصلاها أيضًا بـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى إذا جاء ذكر
стр. 5917
موسى وعيسى أخذته سعلة، فركع، وقرأ فيها أيضًا ﴿ق﴾، وقرأ فيها ﴿الطُّورِ﴾.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنهم قدّروا قراءته في الظهر في الأوليين بقدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وفي الأخريين بقدر النصف من ذلك، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة.
والحاصل أنه ﷺ قد خفّف، وهو الغالب منه، وطوّل أحيانًا، حيث يرى نشاط المأمومين، وأمر أمته أن يقتدوا به في التخفيف والتطويل، فقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي".
وخلاصة القول أن كلّ ما ثبت عن النبيّ ﷺ ينبغي العمل به؛ لأنه التخفيف الذي أمر به الأئمة، قال أنس ﵁: "ما صلّيت وراء إمام قطّ أخفّ صلاةً ولا أتمّ من النبيّ ﷺ ، وإن كان ليسمع بكاء الصبيّ فيخفِّف؛ مخافة أن تفتن أمه"، متّفق عليه.
وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان النبيّ ﷺ يراعي ذلك، فقد قال: "إني لأقوم في الصلاة، أريد أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأتجوّز في صلاتي؛ كراهية أن أشقّ على أمه"، أخرجه البخاريّ، فإن خفي على الإمام حالهم، فليُخفّف احتياطًا.
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" مسائل مفيدةً، فراجعها (١) تستفد علمًا جَمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ،
стр. 5918
قَالَ: (ح) (١) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون تقدّموا، فأبو بكر، ووكيع تقدّما قبل باب، والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وابن نمير هو: محمد، وأبوه هو: عبد اللَّه بن نُمير، وسفيان هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: إنما ذكر هُشيمًا هنا مع أنه تقدّم في السند الماضي؛ لاختلاف شيخيه عليه، وذلك أن يحيى بن يحيى حدّثه عنه وحده، وقال: أخبرنا هُشيم؛ ليُبيّن أنه أخذ عنه قراءةً، وأما أبو بكر، فحدّثه عنه مقرونًا بوكيع، وقال: حدّثنا هُشيم، ووكيع؛ ليُبيّن أنه أخذ عنهما سماعًا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قال: ح إلخ) هذا من الراوي عن المصنّف، أي قال المصنّف: ح وحدّثنا ابن نمير إلخ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) أي كلّ هؤلاء الأربعة: هُشيم، ووكيع، وعبد اللَّه بن نُمير، وسفيان بن عيينة رووه عن إسماعيل بن أبي خالد.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء متعلّق بحال مقدّر من إسماعيل بن أبي خالد، أي حال كونه مخبرًا بهذا الإسناد السابق، وهو: عن قيس، عن أبي مسعود ﵁.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ) يعني الذي قبل هذا، وهو متعلّق بـ "حدّثنا".
[تنبيه]: رواية هشيم هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٨٣) فقال:
(١٠٣٠) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد (ح) وحدّثنا حبيب، ثنا يوسف القاضي، ثنا مسدّد، ثنا يحيى، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي
стр. 5919
مسعود، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأتأخر عن صلاة الغداة، مما يطيل بنا فلان فيها، قال: فقام النبيّ ﷺ ، فما رأيته في موعظة أشدَّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، وأيُّكم صلّى بالناس، فليتجوَّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ وذا الحاجةِ"، قال: لفظ هشيم. انتهى.
وأما رواية وكيع، فقد ساقها ابن حبّان في "صحيحه" فقال:
(٢١٣٧) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه إني لأتأخر عن صلاة الغداة، مما يطيل بنا فلان، فقام رسول اللَّه ﷺ ، فما رأيته في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيُّكم ما صلّى بالناس، فليتجوّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى.
وأما رواية ابن نمير، فساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(٩٨٤) حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود، قال: أتى النبيّ ﷺ رجل، فقال: يا رسول اللَّه، إني لأتأخر في صلاة الغداة، من أجل فلان؛ لما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت رسول اللَّه ﷺ قطُّ في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيّكم ما صلّى بالناس فَلْيُجَوِّز، فإن فيهم الضعيفَ، والكبيرَ، وذا الحاجة". انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، فساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٤١٩) فقال:
(١٥٥٣) حدّثنا علي بن حرب، وشعيب بن عمرو الدمشقيّ قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، قال: قال رجل للنبيّ ﷺ : إني لأتأخر عن صلاة الصبح، مما يُطَوِّل بنا فلان، فقال النبيّ ﷺ : "إنّ منكم منفرين، فأيُّكم أمّ للناس، فليخفِّفْ، فإن فيهم الضعيف، والمريضَ، وذا الحاجة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 5920
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٥١] (٤٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الْحِزاميّ المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير ﵁ مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀ أنه قال: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.