وفي "التوضيح": وقال الشافعيّ: إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه، وإلا أعاد.
ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ ﷺ في سفر، في ليلة مظلمة، فلم نَدْر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حِيَاله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ ﷺ ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أشعث السمّان، وهو متروك.
قال الترمذيّ ﵀: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح الأقوال عندي ما ذهب إليه الجمهور، ورجحه الإمام البخاريّ في "صحيحه"، حيث قال: "باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها، فصلّى إلى غير القبلة"؛ لحديث الباب، ووجه دلالته عليه من حيث إن الخطأ والجهل متشابهان، فيكون حكمهما واحدًا، ولما استدلّ به البخاريّ: من أنه ﷺ سلّم في ركعتي الظهر. . . إلخ، وهو طرف من حديث أبي هريرة ﵁ في قصّة ذي اليدين، وهو موصول في "الصحيحين" من طرُق.
لكن قوله: "وأقبل على الناس" ليس في "الصحيحين" بهذا اللفظ موصولًا، لكنه في "الموطّأ" من طريق سفيان مولى ابن أحمد، عن أبي هريرة ﵁.
ووجه الاستدلال به من جهة أن بناءه على الصلاة دالّ على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلّي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيًا لا تبطل صلاته (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 6477
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ الإمام الحافظ الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي جهته.
وقوله: (ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا أن نصرف وجوهنا جهة الكعبة؛ لأنها القبلة المطلوب استقبالها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٣] (٥٢٦) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
стр. 6478
بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليّ -بفتح القاف، وسكون السين المهملة، وفتح الميم مخفّفًا- مولاهم، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ربّما وَهِمَ [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق الهمدانيّ، وعبد اللَّه بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وابن عجلان، والأعمش، وحُصين بن عبد الرحمن، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وغيرهم.
وروى عنه ابن مهديّ، وأبو عامر العَقَدّي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وحَرَميّ بن حفص، والعلاء بن عبد الجبار، وأبو عبيدة الحداد، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبيّ، وعبد اللَّه بن رجاء، وأبو عمر الْحَوْضيّ، وشيبان بن فَرُّوخ، وآخرون.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقةٌ، وقال أبو عامر: ثنا عبد العزيز، وكان من العابدين، وقال يحيى بن إسحاق: ثنا عبد العزيز، وكان من الأبدال، وقال النسائيّ في "التمييز": ليس به بأسٌ، وقال ابن نمير، والعجليّ: ثقةٌ، وقال يحيى بن حسان: كان من أفاضل الناس، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": أصله من مرو، وقال ابن حبان أيضًا في "كتاب الصحابة" في ترجمة فروة بن نوفل: عبد العزيز بن مسلم، رُبّما وَهِمَ، فأفحش.
قال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة سبع وستين ومائة، زاد ابن قانع: في ذي الحجة.
стр. 6479
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٢٦) و (٩٣٥) و (١١٥١) و (١٤٩٠).
٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٦٩) من رباعيّات الكتاب، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيبان، فانفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعبد العزيز، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"، وقد مرّ البحث فيه غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) وفي رواية البخاريّ: "بينا"، وقد تقدّم أن أصله "بين" الظرفيّة زيد عليها "ما"، فصارت تُضاف إلى جملة اسميّة، أو فعلية، فهي هنا مضافة إلى قوله: (النَّاسُ) "أل" فيه للعهد الذهنيّ، والمراد بهم أهل قباء، ومن حضر معهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) ورواية موسى بن عقبة: "في صلاة الغداة"، وهو أحد أسمائها، وقد نُقِل بعضهم كراهية تسميتها بذلك، قاله في "الفتح" (١).
стр. 6480
وقال النوويّ ﵀: فيه جواز تسمية الصبح غداة، وهذا لا خلاف فيه، لكن قال الشافعيّ ﵀: سمّاها اللَّه تعالى "الفجر"، وسمّاها رسول اللَّه ﷺ "الصبح"، فلا أُحبّ أن تُسمّى بغير هذين الاسمين. انتهى (١).
وقال في "الفتح": وهذا فيه مغايرة لحديث البراء ﵁ المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر.
والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وَصَلَ وقت العصر إلى مَن هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عباد بن بِشْر، أو ابن نَهِيك كما تقدم، ووصل الخبر وقت الصبح إلى مَن هو خارج المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وذلك في حديث ابن عمر، ولم يُسَمّ الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر، ففيه نظرٌ؛ لأن ذلك إنما ورد في حقّ بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نَقُلوا محفوظًا فيَحْتَمِل أن يكون عباد أتى بني حارثة أوّلًا في وقت العصر، ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح.
ومما يدلّ على تعددهما أن مسلمًا رَوَى في هذا الباب من حديث أنس أن رجلًا من بني سَلِمَةَ مَرّ وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سَلِمَة غير بني حارثة، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جمع في "الفتح"، وهو عندي جمع حسنٌ، إلا أن ابن رجب استبعده، والغريب أنه مع استبعاده لم يذكر لهذا الاختلاف هذا جمعًا، فتأمّل.
(بِقُبَاءٍ) متعلّق بمحذوف، خبر للمبتدأ، و"قُباء" بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة، والمدّ والصرف، وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر، وعدم الصرف، وهو يُذَكَّر ويؤنث: موضع معروف بظاهر المدينة، والمراد هنا مسجد أهل قباء، ففيه مجاز الحذف.
(إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ) قال العينيّ: هو عبّاد بن بشر (فَقَالَ) ذلك الآتي (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى
стр. 6481
المعلوم من السياق، وقد جاء مصرّحًا به في رواية البخاريّ، حيث قال: "قد أُنزل عليه الليلةَ قرآن".
قال في "الفتح": قوله: "قد أُنزل عليه الليلةَ قرآنٌ" فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي، والليلة التي تليه مجازا، والتنكير في قوله "قرآن" لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات.
(اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "أُنزل" (وَقَدْ أُمِرَ) بالبناء للمفعول أيضًا، أي أمره اللَّه تعالى في تلك الآيات المنزلة عليه (أَنْ يَسْتَقْبِلَ) "أن" مصدريّة، والفعل مبنيّ للفاعل، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر قياسًا، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبَ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" وَ"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
أي بالاستقبال (الْكَعْبَةَ) منصوب على المفعوليّة، سُمّي البيت الحرام بالكعبة؛ لارتفاعه، وقيل: لتربيعه، قال الفيّوميّ ﵀: كَعَبَت المرأةُ تَكْعُبُ، من باب قَتَلَ كِعَابَة: نَتَأَ ثَدْيُها، فهى كاعبٌ، وسُمّيت الكعبةُ بذلك؛ لنُتُوئها، وقيل: لتربيعها وارتفاعها. انتهى (١).
(فَاسْتَقْبَلُوهَا) قال النوويّ ﵀: رُوي بكسر الباء، وفتحها، والكسر أصحّ وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. انتهى (٢).
والمعنى: أنهم تَحَوَّلُوا إلى جهة الكعبة، والواو في "استقبلوها" ضمير أهل قباء.
قال في "الفتح": وفيه أن ما أُمر به النبيّ ﷺ يلزم أمّته، وأن أفعاله يُتَأسّى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. انتهى.
وقال في "الفتح" أيضًا: ويَحْتَمِل أن يكون فاعل "استقبلوها" النبيّ ﷺ ، ومن معه، وضمير "وجوههم" لهم، أو لأهل قباء على الاحتمالين، وفي رواية
стр. 6482
الأصيليّ: "فاستقبِلوها" بكسر الموحّدة، بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير "وجوههم" الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر.
قال: ويرجِّح رواية الكسر أنه عند البخاريّ في "التفسير" من رواية سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار في هذا الحديث بلفظ: "وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبِلوها"، فدخول حرف الاستفتاح يُشْعِر بأن الذي بعده أَمْرٌ، لا أنه بقية الخبر الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
وقوله: (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ) تفسير من الراوي للتحول المذكور، قاله في "الفتح"، وقال في "العمدة": هو من كلام ابن عمر ﵄، لا كلام الرجل المخبِر بتغير القبلة، قاله الكرمانيّ، قال العينيّ: لا مانع أن يكون من كلام المخبِر، فعلى هذا تكون الواو للحال، فتكون جملةً حاليةً على رواية الأكثرين، وهو أن يكون صيغة الجمع من الماضي، وعلى رواية الأصيليّ تكون الواو للعطف، وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية، والضمير في "وجوههم" يحتمل الوجهين المذكورين. انتهى (٢).
(فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ) أي توجه أهل قباء إلى القبلة المأمور باستقبالها، وهي الكعبة، وقد تقدّم بيان كيفيّة تحوّلهم في شرح حديث البراء ﵁، فارجع إليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١١٨٣ و ١١٨٤] (٥٢٦)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٥٣)، و"التفسير" (٤٤٨٨ و ٤٤٩٠ و ٤٤٩١ و ٤٤٩٣ و ٤٤٩٤)، و"أخبار الآحاد" (٧٢٥١)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٤١)، و (النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٦١)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٩٥)، و (الشافعيّ) في "مسنده"
стр. 6483
(١/ ٦٤)، وفي "الأُمّ" (٢/ ١١٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦ و ٢٦ و ١٠٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢ و ١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٦٣ و ١١٦٤ و ١١٦٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٤٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث البراء ﵁، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ (١)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، هَرَويّ الأصل، أبو محمد، صدوقٌ، عمي، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) عن مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عُمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ، ربّما وَهِم [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير، ثقة فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
٤ - (نَافِع) مولى ابن عمر ﵄، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ) تقدّم أنه عبّاد بن بشر.
стр. 6484
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن موسى بن عقبة حدّث عن نافع، بمثل ما حدّث به مالك، عن عبد اللَّه بن دينار.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة هذه ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٣٠) فقال:
(١١٦٥) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا عمران بن موسى، ثنا سُويد (ح) وثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحسن بن عليّ المعمريّ، ثنا سُويد بن سعيد، حدّثني حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، وعبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد اللَّه بن العباس الطيالسيّ، ثنا أحمد لن حفص، حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "بينما الناس في صلاة الصبح، إذ جاءهم رجلٌ، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنٌ، فأُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكان وجه الناس إلى الشام، فاشتد عليهم، فوُجّهوا إلى الكعبة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٥] (٥٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
стр. 6485
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَس) بن مالك ﵁ تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ أيضًا بمن هو أثبت الناس في شيخه، فحماد بن سلمة أثبت في ثابت، وثابت أثبت في أنس، وألزم له، فقد لزمه أربعين سنةً، وأنس من ألزم الناس للنبيّ ﷺ ، فقد خدمه عشر سنين ﵁.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة ﵁، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أخرج الطبريّ وغيره من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ قال: لَمّا هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها، يستقبلون بيت المقدس، أمره اللَّه أن يستقبل بيت المقدس، ففَرِحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان رسول اللَّه ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو، وينظر إلى السماء، فنزلت هذه الآية.
ومن طريق مجاهد قال: إنما كان يُحِبّ أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، فنزلت.
قال في "الفتح": وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن
стр. 6486
عباس ﵄: كان النبيّ ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه.
والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر ﷺ لَمّا هاجر أن يستمرّ على الصلاة لبيت المقدس.
وأخرج الطبرانيّ من طريق ابن جريج قال: صلى النبيّ ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صُرِف إلى بيت المقدس، وهو بمكة، فصلى ثلاث حِجَجٍ، ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجّهه اللَّه إلى الكعبة.
فقوله في حديث ابن عباس الأول: "أَمَرَهُ اللَّه" يردُّ قول من قال: إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد.
وقد أخرجه الطبريّ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.
وعن أبي العالية أنه ﷺ صلى إلى بيت المقدس يتألّف أهل الكتاب، وهذا لا ينفي أن يكون بتوقيف. انتهى (١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(فَنَزَلَتْ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: "قد نرى. . . إلخ"، محكيّ؛ لقصد لفظه، وأنّث الفعل باعتبار الآية، أي نزلت هذه الآية (﴿قَدْ﴾ للتحقيق ﴿نَرَى تَقَلُّبَ﴾ أي تردّد وتصرّف ﴿وَجْهِكَ فِي﴾ جهة ﴿السَّمَاءِ﴾) متطلّعًا ومتشوّقًا للأمر باستقبال الكعبة، وكان يودّ ذلك؛ لأنها قبلة إبراهيم ﵇، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب؛ لأنها مفخرهم، ومزارهم، ومطافهم.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ أي لنحوّلنّك، وهو جواب قسم محذوف، أي فواللَّه لنولّينّك، وولّى يتعدّى لاثنين، فالأول الكاف، والثاني قوله: ﴿قِبْلَةً﴾ وقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ صفة لـ "قبلةً"، أي تحبّها محبّة طبيعيّةً ودينيّة؛ لأنها قبلة إبراهيم ﵇، وقبلته أيضًا قبل الهجرة على ما قيل، وكان ﷺ يحبّ أيضًا بيت المقدس من حيث امتثال الأمر باستقباله.
وقال النسفيّ ﵀: ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ أي تحبّها، وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها، ووافقت مشيئة اللَّه تعالى وحكمته. انتهى (٢).
قال بعضهم: قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ بشارة من اللَّه تعالى له ﷺ بما يُحبه
стр. 6487
ويتمنّاه، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ إنجاز له بما بشّره به (١).
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي نحوه، و"شطر" منصوب على الظرفيّة، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد الحرام، أي في جهته، وسَمْته؛ لأن استقبال عين القبلة متعسّر على النائي، وذكرُ المسجد الحرام دون الكعبة دليلٌ على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، قاله النسفيّ ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قال العلماء: هذه الآية مقدَّمة في النزول على قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، ومعنى ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾: تحوُّل وجهك إلى السماء، قاله الطبريّ. الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب، وخَصّ السماء بالذكر؛ إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها، ويعود منها، كالمطر والرحمة والوحي، ومعنى ﴿تَرْضَاهَا﴾: تحبها، قال السدي: كان إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، ينظر ما يؤمر به، وكان يحب أن يُصَلِّي إلى قِبل الكعبة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. انتهى (٣).
(فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) -بفتح السين المهملة، وكسر اللام-: بطنٌ من الأنصار، قال في "اللباب": هو سَلِمة -بكسر اللام-: هو سَلِمةُ بن سعد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج، والنسبة إليه سَلَميّ بفتح اللام عند النحويين، والمحدِّثون يكسرونها. انتهى (٤).
(وَهُمْ رُكُوعٌ) جمع راكع، والجملة في محلّ نصب على الحال.
[تنبيه]: لم يُذكَر في هذه الرواية القوم الممرور عليهم، وقد ذُكروا في حديث ابن عمر ﵄ الماضي بأنهم أهل قباء، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) تقدّم في حديث ابن عمر بلفظ "الصبح"، وبلفظ "الغداة"، وكلها بمعنى واحد (وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً) جملة حاليّة أيضًا (فَنَادَى: أَلَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام-: أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّ الْقِبْلَةَ) بكسر همزة
стр. 6488
"إن" لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة، كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ و (قَدْ حُوِّلَتْ) بالبناء للمفعول، أي صُرفت عن بيت المقدس إلى المسجد الحرام (فَمَالُوا) قال في "المصباح": مال عن الطريق يميل مَيْلًا: إذا تركه، وحاد عنه. انتهى (١). أي ترك هؤلاء القوم قبلتهم، وحادوا عنها (كَمَا هُمْ) أي على حالتهم التي كانوا عليها، وهي كونهم راكعين في صلاة الفجر (نَحْوَ الْقِبْلَةِ) بنصب "نحوَ" على الظرفيّة، أي جهة القبلة المأمور باستقبالها، وهي الكعبة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١١٨٥] (٥٢٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٤٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٨٤ رقم ١٤٠٤٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٩٢ رقم ١١٠٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤٣٠ و ٤٣١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ٤٤٢ رقم ٣٨٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ١٣٠ رقم ١١٦٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نسخ القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.
٢ - (ومنها): بيان وجوب استقبال الكعبة، قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ في "تفسيره": لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أُفُق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها، وهو معاين لها، وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كلّ ما صلى، ذكره أبو عمر.
وأجمعوا على أن كلَّ من غاب عنها عليه أن يستقبل ناحيتها وشطرها، وتلقاءها، فإن خَفِيت عليه فعليه أن يستدلّ على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك، مما يُمْكِن أن يستدَلَّ به على ناحيتها، ومن جلس
стр. 6489
في المسجد الحرام، فليكن وجهه إلى الكعبة، وينظر إليها إيمانًا واحتسابًا، فإنه يُرْوَى أن النظر إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء، ومجاهد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أخرج الطبرانيّ عن ابن عبّاس ﵄: "أشرف المجالس ما استُقْبِل به القبلة"، وهو ضعيف (١).
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: اختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة؟، فمنهم من قال بالأول، قال ابن العربيّ: وهو ضعيف؛ لأنه تكليف لما لا يَصِل إليه، ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح؛ لثلاثة أوجه:
الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف.
الثاني: أنه المأمور به في القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني من الأرض من شرق أو غرب ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
الثالث: أن العلماء احتجُّوا بالصفّ الطويل الذي يُعلم قطعًا أنه أضعاف عرض البيت. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ أيضًا: في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك، ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والحسن بن حيّ: يُسْتَحَب أن يكون نظره إلى موضع سجوده، وقال شريك القاضي: ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حِجْره.
قال ابن العربيّ: إنما ينظر أمامه، فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترَض عليه في الرأس، وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة، وحرج، وما جُعِل علينا في الدين من حرج، أما إن ذلك أفضل من قدر عليه. انتهى (٢).
стр. 6490
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استنباط المالكيّة لما ذهبوا إليه من نظر المصلي أمامه من هذه الآية لا يخفى بعده، بل ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحبّ نظره إلى موضع سجوده أقرب إلى الخشوع، كما لا يخفى على من تأمّله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ النَّهْي عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا، وَالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٦] (٥٢٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، توفّيت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
стр. 6491
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار إلا في موضع، ففيه العنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ويحيى بصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان صَخْر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبيّ ﷺ أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وعن زينب بنت جحش، وروت عنها ابنتها حبيبة، وأخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد اللَّه بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سَوّار، ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السّمّان، وعروة بن الزبير، وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حَوْشب، وآخرون.
قال أبو عبيد: تُوُفّيت سنة أربع وأربعين، وقال ابن أبي خيثمة، تُوُفّيت قبل معاوية بسنة، يعني سنة تسع وخمسين، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة اثنتين وأربعين، وقال ابن عبد البر: قيل: اسمها هُبَيْرَةُ.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٢) حديثًا بالمكرّر.
(وَأمّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين ﵂، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت سنة (٦١) على الأصحّ، تقدّمت ترجمتها في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
(ذَكَرَتَا كَنِيسَةً) بفتح الكاف، وكسر النون: مُتعبَّد اليهود، وتُطلق على متعبَّد النصارى، وهو المراد هنا، وهو معرّب، كما قاله في "المصباح".
стр. 6492
وفي رواية أبي معاوية التالية أن تلك الكنيسة تسمى مَارِيَة.
(رَأَيْنَهَا) هكذا رواية مسلم: "رأينها" بنون النسوة، والضمير لأم حبيبة، وأم سلمة، ومن معهما، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ، والكُشميهنيّ، بلفظ: "رأتاها" بضمير التثنية للمؤنّث على الأصل، وكذا هو عند النسائيّ.
(بِالْحَبَشَةِ) بفتحتين: البلد المعروف الذي هاجر إليه الصحابة في أول الإسلام، قبل هجرة المدينة، وكانت أم حبيبة، وأم سلمة ممن هاجر إليه (فِيهَا تَصَاوِيرُ) جملة في محل نصب على الحال من "كنيسة"؛ لكونها موصوفة بجملة "رأينها"، أو صفة بعد صفة، والتصاوير: التماثيل، والمراد صُوَر ذوات الأرواح (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) متعلّق بـ "ذَكَرتا" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أُولَئِكِ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها، قاله في "الفتح"، و"العمدة"، وقال السنديّ ﵀: قيل: بكسر الكاف؛ لأن الخطاب للمؤنّث، وقد تُفتح، قال: وكأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال: أولئكما، لا أولئكِ -بالكسر- وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، فليُتأمّل. انتهى (١).
(إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ) عطف على "كان"، وقوله: (بَنَوْا) جواب "إذا" (عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) أي محلّ عبادة (وَصَوَّرُوا فِيهِ) أي في ذلك المسجد (تِلْكَ الصُّوَرَ) وفي رواية البخاريّ والنسائيّ: "تيك الصور" بكسر التاء المثنّاة، وسكون الياء بدل اللام، من "تلك"، وهي لغة فيه (أُولَئِكِ) بكسر الكاف، وتفتح كما سبق آنفًا (شِرَارُ الْخَلْقِ) بكسر الشين المعجمة: جمع شَرّ، كالخيار جمع خَيْرٍ، والبحار جمع بَحْر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها شَرٌّ أيضًا، وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثلُ يَتِيم وأيتام، أفاده في "العمدة".
وإنما كانوا شرار الخلق؛ لأنهم ضمّوا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدةً وعملًا، قاله السنديّ ﵀.
وقوله: (عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ") متعلّقان بـ "شرار"، وإنما خصّ يوم القيامة؛ لأن الأمور تشتدّ فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشرّ الناس فيه كان أشدّهم
стр. 6493
عذابًا، ولأن من كان في الدنيا شريرًا ربّما يوفّق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء، واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبي ﵀: إنما صَوَّر أوائلهم الصُّوَرَ ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون اللَّه عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم خَلَف مِن بعدهم خَلْفٌ جَهِلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيّ ﷺ عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسدّ الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: "اشتدّ غضب اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتّخذوا القبور مساجد"، أي أنهاكم عن ذلك، وقال: "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد".
ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول اللَّه ﷺ ، فأَعْلَوُا حيطان تربته، وسدُّوا المداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يُتّخذ موضع قبره قبلة؛ إذ كان مستقبل المصلين، فتتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبَنَوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاويةِ مثلَّث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كلّه قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك لأُبرز قبره". انتهى كلام القرطبيّ ﵀. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٨٦ و ١١٨٧ و ١١٨٨] (٥٢٨)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٣٠ و ١٣٤١ و ١٣٩٠)، و"المغازي" (٣٤٥٣ و ٤٤٤١ و ٤٤٤٣)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٥٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٨ و ٦/ ٣٤ و ١٢١ و ٢٥٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٩ و ١٠١٩ و ١١٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٨٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٠٨)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6494
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير، وإنما نُهِي عنه لئلا يؤدّي إلى اتخاذ القبور والصور آلهةً.
٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀: هذا الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صُورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كلّ واحد منهما محرَّمٌ على انفراده، فتصوير صور الآدميين محرّم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرَّمٌ، كما دلتّ عليه نصوص أخرى، فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم، فلا شكّ في تحريمه، سواء كانت صورًا مجسّدةً كالأصنام، أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم.
قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظلّ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة، فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها، والاستشفاع بها محرَّمٌ في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبيّ ﷺ أن أهله شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة.
قال: وتصوير الصور للتأنّس برؤيتها، أو للتنزّه بذلك للتلهّي محرّمٌ، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثّلٌ بافعال اللَّه تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، واللَّه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): تحريم تصوير الحيوان خصوصًا الآدميّ، ولا سيّما الرجل الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد في ردّ ذلك عليه، وأحسن في ذلك، ودونك نصّه:
قال ﵀: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد
стр. 6495
كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد، هذا أو معناه.
قال: وهذا عندنا باطل قطعًا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: "أحيُوا ما خلقتم".
وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صُرّح بذلك في قوله ﷺ : "المشبّهون بخلق اللَّه"، وهذه علة عامّة مستقلة مناسبة لا تخص زمانًا دون زمان، وليس لنا أن نتصرّف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خياليّ يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق اللَّه، وقوله ﷺ : "بَنَوا على قبره مسجدًا" إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صَرَّح به الحديث الآخر: "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): النهي عن بناء المساجد على القبور، والحقّ أنه للتحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟، قال في "العمدة": وأما الشافعيّ وأصحابه فصرَّحُوا بالكراهة، وقال البندنيجيّ: والمراد أن يُسَوَّى القبر مسجدًا، فيصلى فوقه، وقال: إنه يكره أن يُبنَى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الداثرة إذا بُنِي فيها مسجد ليصلَّى فيه، فلم أر فيه بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد فمعناها واحد.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر النصّ العموم، فلا ينبغي العدول عنه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال البيضاويّ: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم النبيّ ﷺ ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له، ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور. انتهى.
стр. 6496
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي أباحه البيضاويّ هو عين ما جاء النهي عنه، فهل معنى قصد التبرك بالقبر غير معنى التعظيم، وهل دخل على الأولين الشرك والضلال إلا بقصد التبرك بقبور صالحيهم؟ فهذا هو غربة الإسلام، وعدم غيرة العلماء عليه، فيقرّرون للعوام الفساد، ويحبذون لهم الغلوّ في الصالحين.
ومن الغريب العجيب أن السيوطيّ، والسنديّ نقلا كلام البيضاويّ هذا في شرحيهما على النسائيّ، وكذا ذكر في "الفتح" نحوه، وكلهم أقرّوه عليه، وهذا هو العجب العجاب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا القول الشنيع، المنابذ للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة؟ وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم، فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد وقع من كثير ممن يدَّعي الإسلام في كثير من بلدان الإسلام اليوم ما وقع منهم حذو النعل بالنغل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما يفعلونه عند قبور الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع لليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركونهم فيه، ويزيّنون لهم قبيح فعلهم، فإلى اللَّه المشتكى.
وقد حَكَى لي بعض من أثق به من أهل العلم أنه سافر إلى مصر لطلب العلاج، فزار قبر البدويّ، فرأى رجلًا من علماء البلد، عليه زيّ علماء الأزهر، يسجد أمام ضريح البدويّ، قال: فقلت له: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، أمثلك يفعل هذا؟، وأنت من علماء هذه البلدة، وعليك لباس علماء الأزهر؟، قال: فردّ عليّ بملء فيه، قائلًا: إن السجود للَّه، والبدوي كالكعبة، أو كما قال، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم.
٥ - (ومنها): جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به.
٦ - (ومنها): ذمّ فاعل المحرمات، ولعنهم، وتحذير الناس من أفعالهم.
٧ - (ومنها): أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.
стр. 6497
٨ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث يدلّ على امتناع اتخاذ قبر الرسول ﷺ مسجدًا، ومنه يُفْهَم امتناع الصلاة على قبره، ومن الفقهاء مَن استدلّ بعدم صلاة المسلمين على قبره ﷺ على عدم الصلاة على القبر جملةً.
وأجيبوا عن ذلك بأن قبر الرسول ﷺ مخصوص عن هذا بما فُهِم من هذا الحديث من النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا.
وبعض الناس أجاز الصلاة على قبر الرسول ﷺ كجوازها على قبر غيره عنده، وهو ضعيف؛ لتطابق المسلمين على خلافه، ولإشعار الحديث بالمنع منه. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الصلاة على القبر من لم يُصلّ عليه سنّة، فقد صلّى النبيّ ﷺ على القبر، وصلّى أصحابه معه، فقد أخرج الشيخان عن ابن عبّاس ﵄ "أن رسول اللَّه ﷺ صلى على قبر بعدما دُفن، فكبّر عليه أربعًا".
وأخرجا أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة أو رجلًا كانت تَقُمّ المسجد، ولا أراه إلا امرأةً، فذكر حديث النبيّ أنه صلى على قبرها.
وأخرج مسلم عن أنس ﵁ "أن النبيّ ﷺ صلى على قبر".
وأما الصلاة على قبره ﷺ فمن المنكرات، فمن أجازه قياسًا على غيره، فقد خالف إجماع المسلمين، كما أشار إليه ابن دقيق العيد ﵀، فتبصّر.
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: في هذه الأحاديث ما يَستدلّ به مالك على صحّة القول بسدّ الذرائع على الشافعيّ وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه المسألة قد أشبعت الكلام فيها في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 6498
[١١٨٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ (١)، كَنِيسَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (وَكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) هكذا في معظم النسخ "وأمّ حبيبة" بواو العطف، ووقع في بعض النسخ "أو أم حبيبة" بـ "أو" بدل الواو، وهو الذي في "مستخرج أبي عوانة" الآتي.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذكر" ضمير وكيع، وضمير "نحوه" للحديث، يعني أن وكيعًا روى عن هشام بن عروة نحو رواية يحيى القطّان السابقة.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" (٢/ ١٥١)، فقال:
(٧٥٤٨) حدّثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم تذاكروا عند رسول اللَّه ﷺ في مرضه، فذكَرَت أم سلمة، أو أم حبيبة كنيسةً، رأتها في أرض الحبشة، فيها تصاوير، فقال النبيّ ﷺ : "أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروه، أولئك شرار الخلق عند اللَّه". انتهى.
стр. 6499
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ ) هكذا "ذكرن" بالنون في معظم النسخ، وفي بعضها: "ذكرت" بالتاء، قال النوويّ ﵀: والأول أشهر، وهو جائز على لغة "أكلوني البراغيث"، ومنه حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة"، وإليه أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا"
وَقَدْ يَقَالُ "سَعِدَا" وَسَعِدُوا" … وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وقال الحريريّ في "مُلْحته":
وَوَحّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ … كَقَوْلِهِمْ "سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ"
وَإِنْ تَشَأْ أَلْحِقْ عَلَيْهِ التَّاءَ … نَحْوُ "اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ
وقوله: (يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ) بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانيّة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) كان الظاهر أن يقول: بمثل حديثهما؛ لأن المراد يحيى القطّان، ووكيع، ويمكن أن يجاب عنه بأن أقل الجمع اثنان عند بعضهم، وهو الصحيح.
стр. 6500
والمعنى: أن أبا معاوية حدّث عن هشام بمثل حديث يحيى ووكيع.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه لم أجد من ساقها تامّة، غير أن إسحاق ابن راهويه قال في "مسنده" (٢/ ٢٦٥) بعد إخراج رواية وكيع ما نصّه:
(٧٦٩) أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم تذاكروا، فذكر مثله، وقال: كنيسة يقال لها: مارية، وقال: شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة. انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٩] (٥٢٩) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢) فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّه الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ (٣) أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ (٤) أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ، لَمْ يَذْكُرْ: قَالَتْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
стр. 6501
٣ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) أو ابن حميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد اللَّه الْجُهنيّ مولاهم، أبو الجهم، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفيّ الوزّان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في "الصلاة" ٣٩/ ١٠٦٢.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، كما أسلفته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيينِ: عائشة ﵂ وعروة، وبغداديينِ: عمرو، وهاشم، وكوفيينَ، وهم الباقون.
٣ - (ومنها): أن فيه عروة، من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: "قالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ (فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) أي الذي مات بسببه، ولفظ البخاريّ: "في مرضه الذي مات فيه"، كأنه ﷺ علم أنه مرتحلٌ من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره، كما فعل اليهود والنصارى، فعرّض بلعنهم إشارة إلى ذمّ من يَفعَل فعلهم كيلا يُعمل معه ذلك، فقال: ("لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي طردهم، وأبعدهم من رحمته، قال الفيّوميّ: لعنه لَعْنًا، من باب نفع: طرده، وأبعده، أو سبّه، فهو لَعِينٌ، وملعونٌ. انتهى (١).
واللعن أمارة الكبيرة المحرّمة أشدّ التحريم، فيكون الفعل الذي أوجب اللعن حرامًا (٢).
وقوله: (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو واقع جوابًا لسؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما السبب الموجب للعنهم، فأجاب
стр. 6502
بقوله: "اتّخذوا. . . إلخ"، زاد في حديث ابن عبّاس، وعائشة ﵃ الآتي: "يُحَذِّر ما صَنَعوا"، وهو أيضًا جواب لسؤال مقدّر من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بأنه قال ذلك ليُحَذِّر أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائه.
[تنبيه]: استُشكل ذكر النصارى في هذا الحديث؛ لأنه ليس لهم نبيّ إلا عيسى ﵇؛ إذ لا نبيّ بينه وبين نبينا ﷺ ، وهو حيّ في السماء لم يمت، فليس له قبر.
وأُجيب بأن ضمير الجمع في قوله: "أنبيائهم" للمجموع من اليهود والنصارى، فإن اليهود لهم أنبياء، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيّده حديث جندب ﵁ الآتية آخر الباب، وفيه: "وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"، ولهذا لَمّا أفرد النصارى في حديث عائشة ﵂ الماضي في قصّة أم حبيبة وأم سلمة ﵄، قال: "إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا"، ولم يذكر الأنبياء، ولَمّا أفرد اليهود في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي قال: "قاتل اللَّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فذكر الأنبياء.
قيل: ويَحْتَمل أن يُجاب بأن في النصارى أيضًا أنبياء، لكنهم غير مرسلين، كالحوارين.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف، وعندي أن أظهر الأجوبة ما قيل: إن أنبياء اليهود هم أنبياء النصارى؛ لأن النصارى مأمورون بالإيمان بكلّ رسول، فرُسُل بني إسرائيل يُسمَّون أنبياء في حقّ الفريقين، وأن المراد من اتّخاذ القبور أعمّ من أن يكون ابتداعًا، أو اتّباعًا، فإن اليهود ابتدعت اتّخاذ القبور مساجد، والنصارى اتّبعت في ذلك، ولا ريب أن النصارى تعظّم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظّمهم اليهود، وخصّ اليهود في حديث أبي هريرة ﵁ بالذكر؛ لكونهم ابتدعوا هذا الاتخاذ، فهم أظلم (١)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6503
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَلَوْلَا ذَاكَ) وفي نسخة: "ولولا ذلك"، وهو الذي عند البخاريّ، أي لولا تحذّير النبيّ ﷺ أمته بذكره لعن المتَّخِذين قبور الأنبياء مساجد (أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بالبناء للمفعول، أي لكُشف قبر النبيّ ﷺ ، ولم يُتَّخذ عليه الحائل، والمراد دفنه ﷺ خارج بيته، وهذا قالته عائشة ﵂ قبل أن يُوسّع المسجد النبويّ، ولهذا لَمّا وُسِّع المسجد جُعلت حجرتها مثلّثة الشكل محددةً حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر، مع استقبال القبلة، قاله في "الفتح" (١).
(غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بضم الخاء، وفتحها، وهما صحيحان. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما على الضمّ فالفعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله، ضمير النبيّ ﷺ ، أي أنه ﷺ خشي أن يُتّخذ قبره مسجدًا، فحذّر أمته، وأخبرها بأن اليهود والنصارى ملعونون بسبب ذلك.
وأما على الفتح فالفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير الصحابة ﵃، أي إنهم لَمّا حذّرهم النبيّ ﷺ خَشُوا أن يُتّخذ قبره مسجدًا، فلم يُبرزوه.
وقوله: (أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير لـ "قبره" (مَسْجِدًا) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ "يُتّخذ".
ووقع في نسخة: "فلولا ذاك لأبرز قبرُهُ، ولكنّه خُشي. . . إلخ".
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "غيرَ أني أَخْشَى"، بضمير المتكلّم، قال في "الفتح": كذا هنا، وفي رواية أبي عوانة، عن هلال الآتية في أواخر "الجنائز": "غير أنه خَشِيَ، أو خُشِيَ"، على الشكّ، هل هو بفتح الخاء المعجمة، أو ضمها؛ وفي رواية مسلم: "غير أنه خُشِي" بالضم لا غير.
قال: فرواية الباب تقتضي أن عائشة ﵂ هي التي امتَنَعَت من إبرازه، ورواية الضم مبهمة، يمكن أن تُفَسَّر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبيّ ﷺ هو الذي أمرهم بذلك. انتهى.
стр. 6504
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ) أي بالواو بدل الفاء (لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، والضمير لشيخه هاشم (قَالَتْ) أي لفظة "قالت"، يعني أن هاشمًا حين حدّث أبا بكر لم يذكُر "قالت" قبل قوله: "ولولا ذاك"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٨٩] (٥٢٩)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (١٣٣٠ و ١٣٩٠ و ٤٤٤١ و ٤٤٤٣ و ٥٨١٥)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٤٠)، و"الجنائز" (٤/ ٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤ و ٨٠ و ١٢١ و ٢٢٩ و ٢٥٥ و ٢٧٤ و ٢٧٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٢٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٠٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال التُّورِبِشْتِيّ الحنفيّ في "شرح المصابيح": معنى إنكار النبيّ ﷺ على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرَّجٌ على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لهم.
والثاني: أنهم كانوا يتحرَّون الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجّه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظرًا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند اللَّه تعالى؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة اللَّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذهابًا إلى أن تلك البقاع أولى بإقامة الصلاة والتوسّل بالعبادة فيها إلى اللَّه تعالى؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء، وكلتا الطريقتين غير مرضيّة.
أما الأولى: فلأنها من الشرك الجليّ، وأما الثانية: فلأنها متضمّنة معنى الإشراك في عبادة اللَّه تعالى حيث أُتي بها على صفة الإشراك، أو التبعيّة لمخلوق.
والدليل على ذمّ الوجهين قوله ﷺ : "اللَّهمّ لا تجعلوا قبري وثَنًا يُعبد،
стр. 6505
اشتدّ غضب اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١)، والوجه الأول أشبه به.
وأما نهي النبيّ ﷺ أمته عن الصلاة في المقابر، فإنه لمعنيين:
أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنّة اليهود، وإن كان القصدان مختلفين.
والثاني: لما يتضمّنه من الشرك الخفيّ، حيث أُتي في عبادة اللَّه بما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له.
قال: والصلاة في المواضع المتبرّك بها من مقابر الصالحين داخلة في جملة هذا النهي، لا سيّما إذا كان الباعث تعظيمَ هؤلاء، وتخصيص تلك المواضع؛ لما أشرنا إليه من الشرك الخفيّ. انتهى كلام التوربشتيّ ﵀. وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
وقال صاحب "المرعاة" بعد ذكر كلام التوربشتيّ المذكور ما نصّه: ويدخل. أيضًا في هذا النهي والوعيد اتّخاذ مسجد بجوار نبيّ، أو صالح، والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه، ولا بالتوجّه نحوه، بل لحصول مدد منه، ورجاء كمال عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح، وهذا لأن اتّخاذ المسجد بقربه، وقصد التبرّك به تعظيم له، ولأن في هذا الصنيع أيضًا من المفاسد ما لا يخفى، ولأنه لم يأمر النبيّ ﷺ أحدًا من أمته بالاستفاضة بقبره، أو بقبر أحد من صلحاء أمته، ولا بالاستمداد منه، ولا بالمجاورة به، ولا التبرّك به، وإنما أمر أمته بالسلام على أهل القبور، والدعاء والاستغفار لهم عند زيارة القبور، وحثّ على الاعتبار بهم، فالاستفاضة بالقبور، والاستمداد منها، والتبرّك بها، ولو كان بدون التوجّه إليها حرام عندنا؛ لكونه داخلًا في الشرك الخفيّ. انتهى كلام صاحب "المرعاة"، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٠] (٥٣٠) - (حَدَّثَنَا (٢) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
стр. 6506
أَخْبَرَني يُونُسُ وَمَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضل [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
والباقون تقدّموا قبل بابين، غير مالك وهو: ابن أنس إمام دار الهجرة، فتقدّم في الباب الماضي، و"ابن وهب": هو عبد اللَّه، و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة من المكثرين السبعة، وسعيدًا من الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁ على ما قاله بعضهم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأَولى فيه كسر الياء المشدّدة؛ لأنه المنقول عن أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحها أهل الكوفة، وكان هو يكره الفتح، فتنبّه. (أَن أَبا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) قيل: معناه: لعنهم، كما في الرواية التالية، وقيل: معناه: قَتَلهم وأهلكهم (١)، وقال في
стр. 6507
"العمدة": قوله: "قاتل اللَّه اليهود" أي قتلهم اللَّه؛ فاعل يجيء بمعنى فعل أيضًا، كقولهم: سافر، وسارع بمعنى سَفَر وسَرَع، ويقال: معناه: لعنهم اللَّه، ويقال: عاداهم اللَّه، ويقال: القتال ههنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤدّاه ومؤدّي اللعنة واحد.
وإنما خَصَّص اليهود ههنا بالذكر، بخلاف ما تقدّم؛ لأنهم أسسوا هذا الاتخاذ، وابتدؤوا به فهم أظلم، أو لأنهم أشدّ غلوًّا فيه.
وقد استَشْكَلَ بعضهم ذكر النصارى في الحديث الأول؛ لأنهم ليس لهم نبيّ بين عيسى وبين نبينا ﷺ غير عيسى ﵊ وليس له قبر؛ لأنه في السماء.
وأجيب عنه بأنه كان فيهم أنبياء أيضًا، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين ومريم في قول.
قال العينيّ ﵀: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنه جاء في رواية عن عكرمة وقتادة والزهري أن الثلاثة الذين أَتَوْا إلى أنطاكية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ الآية [يس: ١٤] كانوا رسلًا من اللَّه تعالى، وهم: صادق وصدوق وشلوم، وعن قتادة: إنهم كانوا رسلًا من عيسى ﵇، فعلى هذا لم يكونوا أنبياء فضلًا عن أن يكونوا رسلًا من اللَّه تعالى.
وأما مريم ﵍ فزعم ابن حزم وآخرون أنها نبية، وكذلك سارة أم إسحاق، وأم موسى ﵈ وعند الجمهور كما حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره من أهل السنة والجماعة أن النبوة مختصة بالرجال، وليست في النساء نبية. انتهى (١).
وقال في "الفتح" في "كتاب أحاديث الأنبياء": واستُدِلّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] على أن مريم كانت نبيةً، ويؤيِّده ذكرها في "سورة مريم" بمثل ما ذُكِر به الأنبياء، ولا يمنع وصفها بأنها صِدّيقة، فإن يوسف وُصِف بذلك مع كونه نبيًّا.
стр. 6508
وقد نُقِل عن الأشعرىِّ أن في النساء نبيات، وجزم ابن حزم بست: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، ولم يذكر القرطبيّ سارة، ولا هاجر.
ونقله السهيليّ في آخر "الروض" عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ.
وقال عياض: الجمهور على خلافه، وذكر النووي في "الأذكار" عن إمام الحرمين أنه نَقَل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في "شرح المهذَّب" لجماعة، وجاء عن الحسن البصريّ: ليس في النساء نبيةٌ، ولا في الجنّ، وقال السبكيّ: اختُلِف في هذه المسألة، ولم يصحّ عندي في ذلك شيء. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن التوقّف في هذه المسألة كما قال السبكيّ هو الحقّ؛ ليس عندنا دليل قاطع لأحد القولين، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") هذه الجملة تقدّم أنها جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، فكانه قيل: ما سبب قتال اللَّه تعالى اليهود؟، فأجاب بانهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٠ و ١١٩١] (٥٣٠)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٣٧)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٢٧)، و (النسائيّ) فيها (٤/ ٩٥ - ٩٦)، وفي "الكبرى" (٤/ ٢٥٧) رقم (٧٠٩٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (٣٢١) برواية محمد بن الحسن، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٤ و ٢٨٥ و ٣٦٦ و ٣٩٦ و ٤٥٣ و ٤٥٤ و ٥١٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٢٦)، و (البيهقيّ) في
стр. 6509
"الكبرى" (٤/ ٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٤ و ١١٨٥ و ١١٨٦ و ١١٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٠ و ١١٧١)، وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَنَا (٢) يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْفَزَارِيُّ) مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ) هو: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ العامريّ، نُسب لجدّه، مقبول [٦] تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسم الأصمّ عمرو بن عُبيد بن معاوية البكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﵂، ثقة [٣] (ت ١٠٣) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
وشرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٢] (٥٣١) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
стр. 6510
شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، يُحَذَرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀ وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل كيفيّة أدائهما على ما تقدّم بيانه غير مزة.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن صحابيين.
٤ - (ومنها): أن عائشة، وابن عبّاس ﵃ من المكثرين السبعة، وعبيد اللَّه من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ) ﵃ (قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله الجَارّ والمجرور، والأصل: لَمّا نَزَل الموت برسول اللَّه ﷺ .
وقال النوويّ ﵀: قوله: "لَمّا نُزِلَ" هكذا ضبطناه "نُزِلَ" بضمّ النون، وكسر الزاي، وفي أكثر الأصول: "نَزَلَتْ" بفتح الحروف الثلاثة، وبتاء التأنيث
стр. 6511
الساكنة، أي حضرت المنيّة والوفاة، وأما الأول فمعناه: نزل ملك الموت، والملائكة الكرام. انتهى (١).
وقال في "العمدة": قوله: "لَمّا نَزَلَ" على صيغة المعلوم في رواية أبي ذرّ، وفاعله محذوف، أي لما نَزَل الموت، وفي رواية غيره بضم النون، وكسر الزاي، على صيغة المجهول. انتهى (٢).
وقوله: (طَفِقَ) جواب "لَمّا"، يقال: طَفَق بكسر الفاء وفتحها، أي جعل، والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، وممن حَكَى الفتح الأخفش والجوهريّ، قاله النوويّ.
وقال في "العمدة": قوله "طَفَقَ" من أفعال المقاربة، وهي ثلاثة أنواع: منها ما وُضع للدلالة على الشروع في الخبر، وأفعاله: أنشأ، وطفق، وجعل، وعَلِق، وأخذ، وتعمل هذه الأفعال عمل "كان"، إلا أن خبرهن يجب كونه جملةً. حَكَى الأخفش: طَفَقَ يَطْفِقُ، مثل ضَرَب يَضْرِب، وطَفِقَ يَطْفَقُ، مثلُ عَلِم يَعْلَم، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدرٌ، حَكَى الأخفش: طُفُوقًا عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ بالكسر، ومعناه ههنا جَعَلَ. انتهى (٣).
وأفعال الشروع هي التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
(يَطْرَحُ) بفتح أوله، وثالثه، قال الفيّوميّ: طَرَحتُهُ طَرْحًا، من باب نَفَعَ: رَمَيْتُ به، ومن هنا قيل: يجوز أن يُعَدّى بالباء، فيقال: طَرَحتُ به؛ لأن الفعل إذا تضمّن معنى فعل جاز أن يَعْمَل عمله، وطَرَحتُ الرداء على عاتقي: ألقيتُهُ. انتهى (٤). والجملة خبر "طفق".
(خَمِيصَةً) بالنصب على أنه مفعول "يطرح"، وهي بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم: كِسَاءٌ أسودُ مربعٌ له عَلَمان، فإن لم يكن مُعْلَمًا، فليس بخميصة، وتكون من خزّ، أو صوف، وجمعها خَمَائص، وقيل: الخمائص: ثيابٌ من خزّ
стр. 6512
ثِخَان سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثِخَان أيضًا، أفاده في "اللسان" (١).
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ "خَمِيصة"، أي كائنةً له ﷺ (عَلَى وَجْهِهِ) متعلّق بـ "يطرح"، أي يُلقي تلك الخميصة على وجهه الشريف ﷺ (فَإِذَا اغْتَمَّ) بالغين المعجمة: أي احتَبَس نفسه عن الخروج، وقيل: إذا تَسَخَّن بالخميصة، وحَمِي بها (كَشَفَهَا) أي أزال تلك الخميصة (عَنْ وَجْهِهِ) الشريف ﷺ ؛ ليزول اغتمامه (فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي قال ﷺ ، والحال أنه في تلك الحال من الطرح والكشف، وقوله: ("لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مقول "فقال"، واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أي أبعدهم اللَّه تعالى عن رحمته.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") تقدّم أنها جملة استئنافية كأنها جواب عن سؤال سائل بقوله: ما سبب لعنهم هذا؟.
وقوله: (يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا) مقول الراوي، وليس مقول الرسول ﷺ ، وهي أيضًا جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه سئل عن حكمة ذكره ﷺ ذلك في ذلك الوقت، فأجاب به.
و"يُحذّر" بتشديد الذال المعجمة، مبنيًّا للفاعل، من التحذير، أي يحذر أمته أن تصنع بقبره كما صنعت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها؛ لأن ذلك يصير بالتدريج شَبِيهًا بعبادة الأصنام.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: أخرج الإمام أحمد من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قومًا اتَّخَذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُعْبَد، اشتَدَّ غضبُ اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال ابن عبد البرّ ﵀: الوَثَنُ: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يُعْبَد من دون اللَّه فهو وثن، صَنَمًا
стр. 6513
كان، أو غير صنم، وكانت العرب تُصَلِّي إلى الأصنام، وتعبدها، فخَشِي رسول اللَّه ﷺ على أمته أن تصنع كما صنع بعض مَن مضى من الأمم، كانوا إذا مات لهم نبيّ عَكَفُوا حول قبره، كما يُصْنَعُ بالصنم، فقال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُصَلَّى إليه، ويُسْجَد نحوه، ويُعْبَدُ، فقد اشتدّ غضب اللَّه على من فعل ذلك، وكان رسول اللَّه ﷺ يُحَذِّر أصحابه، وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صَلَّوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلةً ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يَسجُدون إليها، ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبيّ ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط اللَّه وغضبه، وأنه مما لا يرضاه؛ خشية عليهم امتثالَ طرقهم، وكان ﷺ يُحِبُّ مخالفة أهل الكتاب، وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا تَرَى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: "لتتبعُنَّ سَنَنَ الذين كانوا قبلكم حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إنّ أحدهم لو دَخَل جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه". انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١). وهو نفيسٌ.
قال ابن رجب ﵀: ويؤيّده ما ذكره أن النبيّ ﷺ كان يُحذِّر من ذلك في مرض موته، كما في حديث عائشة، وابن عباس ﵄، وفي حديث جُندب ﵁ أن النبيّ ﷺ قال ذلك قبل موته بخمس.
وفي "مسند الإمام أحمد" بسند صحيح، من حديث أبي عبيدة بن الجرّاح ﵁ قال: آخر ما تكلم به النبيّ ﷺ : "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأخرج الإمام أحمد حديث عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أدخل علي أصحابي"، فدخلوا عليه، فكشف القناع، ثم قال: "لعن اللَّه اليهود والنصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأخرج أيضًا حديث عائشة ﵂ من رواية ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، وقال في آخر حديثه: "يُحرّم ذلك على أمته".
стр. 6514
وقد اتّفق أئمة الإسلام على هذا المعنى، قال الشافعيّ ﵀: وأكره أن يُعظَّم مخلوقٌ حتى يتّخذ قبره مسجدًا خشيةَ الفتنة عليه، وعلى من بعده.
وقال صاحب "التنبيه" من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول اللَّه ﷺ متوجّهًا إليه فحرام.
قال القرطبي ﵀: بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبره النبيّ ﷺ ، فأعلموا حِيطان تربته، وسدُّوا الداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يُتخّذ موضع قبره قبلةً إذا كان مستقبل المصلّين، فتُتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاوية مُثلّثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا المعنى قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك أُبرِز قبره. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة وابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٢] (٥٣١)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (٤٣٥ و ٤٣٦ و ٣٤٥٣ و ٣٤٥٤ و ٤٤٤٣ و ٤٤٤٤ و ٥٨١٥ و ٥٨١٦)، و (النسائيّ) (٢/ ٤٠ - ٤١)، وفي "الكبرى" (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٠٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٨٣ و ١١٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتّخاذ القبور مساجد؛ لما يترتّب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدّي إلى عبادتها.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبي ﷺ من شدّة العناية في تحذير أمته
стр. 6515
من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته، وفي الوقت الذي اشتدّ به النزع.
٣ - (ومنها): بيان اشتداد مرضه ﷺ ، وذلك لتضعيف درجاته، فعن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول اللَّه ﷺ ". متّفقٌ عليه.
وعن عائشة ﵂ أيضًا، قالت: "إن رسول اللَّه ﷺ كان بين يديه رَكْوة، أو عُلْبة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده، فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبِض، ومالت يده"، متّفقٌ عليه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة لعن اليهود والنصارى؛ لانحرافهم عن دينهم، وعما أنزل اللَّه تعالى عليهم، حتى عَبَدُوا قبور الأنبياء، والصالحين من دون اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية [التوبة: ٣١].
٥ - (ومنها): أن من فعل مثل ما فعلته اليهود والنصارى استحقّ اللعن والطرد من رحمة اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١١٩٣] (٥٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ").