أبي أيوب: "ذكرُ ما خَصَّ اللَّه نبيه ﷺ به من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخًا".
وقد جَمَع القرطبيّ في "المفهم" بين الروايتين بأن الذي في القِدْر لم يَنضِج حتى تَضْمَحِلّ رائحته، فبقي في حكم النيء. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي رجّحه الحافظ ﵀ من كون رواية "بقِدر" أصحّ هو الظاهر؛ لما ذكره، ولأن فيه السلامة من دعوى التصحيف على الرواة الثقات، ولأن معناه صحيح على التأويل الذي قاله القرطبيّ ﵀، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فِيهِ) أي في ذلك القدر (خُضَرَاتٌ) قال في "الفتح": ضُبِط في رواية أبي ذرّ بضم الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، وهو جمع خُضْرَة، ولغيره بفتح أوله، وكسر ثانيه، ويجوز مع ضم أوله ضمُّ الضاد، وتسكينها أيضًا. انتهى.
وقال في "العمدة": قال ابن التين: رَوَيناه بفتح الخاء، وكسر الضاد، وقال ابن قرقول: ضبطه الأصيليّ بضمّ الخاء، وفتح الضاد، والمعروف الأول. انتهى (٢).
(مِنْ بُقُولٍ): "من" بيانيّة، ويجوز كونها للتبعيض، قاله في "العمدة" (فَوَجَدَ) النبيُّ ﷺ (لَهَا) أي لتلك الخضرات (رِيحًا) المراد الريح الكريه (فَسَأَلَ) أي عما فيها (فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (بِمَا فِيهَا) أي بما في تلك القدر، وقد تقدّم أنه يؤنّث، وقد يُذكّر (مِنَ الْبُقُولِ) بالضمّ جمع بَقَل، كفلس وفُلُوس، وقد تقدّم أنه كلّ نبت اخضرّت به الأرض (فَقَالَ) ﷺ ("قَرِّبُوهَا") أمرٌ من التقريب، والضمير المنصوب يجوز أن يرجع إلى الخضرات، ويجوز أن يرجع إلى القدر، ويجوز أن يرجع إلى البقول، أفاده في "العمدة" (٣). (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ) ﷺ ، قال الكرمانيّ ﵀: فيه النقل بالمعنى؛ إذ الرسول ﷺ لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: قَرِّبوها إلى فلان مثلًا، أو فيه حذفٌ، أي قال: قَرِّبوها مشيرًا، أو أشار إلى بعض أصحابه. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاريّ، ففي "صحيح
стр. 6827
مسلم" من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبيّ ﷺ عليه قال: فكان يصنع للنبيّ ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه -أي بعد أن يأكل النبيّ ﷺ منه- سأل عن موضع أصابع النبيّ ﷺ ، فصنع ذلك مرّةً، فقيل له: لم يأكل، وكان الطعام فيه ثُومٌ، فقال: أحرام هو يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولكن أكرهه". انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ ﵀ من أن ذلك البعض هو أبو أيوب ﵁ هو الظاهر؛ لما ذكره، وقد تعقّبه العينيّ في ذلك، فإن أراد الاعتراض على جزمه بأنه أبو أيوب، فله وجه، وإلا فلا، فتأمّل ما كتبه بالإنصاف (٢)، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَلَمَّا رَآهُ) أي رأى النبيّ ﷺ ذلك الرجل (كَرِهَ أَكْلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه كارهًا أكل ما في تلك القدر؛ لكونه ﷺ ترك أكلها (قَالَ) ﷺ لذلك الرجل ("كُلْ) ثم علّل تركه لها، وأمْرَه بأكلها بقوله: (فَإِنِّي) الفاء فيه للتعليل، أي لأني (أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي") أي أُسارُّ من لا تُسارُّ، وهم الملائكة، قال في "القاموس": وناجاه مناجاةً، ونِجاءً: سارّه، وانتجاه: خصّه بمناجاته، وناجى القومُ: تسارُّوا، كتَنَاجَوْا، قال: ونَجَاه نَجْوًا، ونَجْوَى: سارّه، ونَكَهَهُ، والنَّجْوَى: السِّرُّ، والْمُسَارُّون، اسمٌ، ومصدرٌ. انتهى بتصرّف (٣).
قال القرطبيّ ﵀: هذا يُشعر بأن هذا الحكم خاصّ به ﷺ ؛ إذ هو المخصوص بمناجاة الملك، ولكن قد عُلِّلَ هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم، حيث قال: "فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم"، وقولِهِ: "ولا تؤذينا بريح الثُّوم". انتهى (٤).
وقال في "الفتح": قوله: "كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي" أي الملائكة، وفي حديث أبي أيوب زمنه عند ابن خزيمة، وابن حبان من وجه آخر: أن رسول اللَّه ﷺ أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بَصَلٌ، أو كُرّاثٌ، فلم يَرَ فيه أثر رسول اللَّه ﷺ ، فأبى أن يأكل، فقال له: "ما منعك؟ "، قال: لَمْ أَرَ أَثَرَ
стр. 6828
يدك، قال: "أستحي من ملائكة اللَّه، وليس بمحرَّم"، ولهما من حديث أم أيوب ﵄ قالت: نزل علينا رسول اللَّه ﷺ ، فتكلَّفنا له طعامًا فيه بعض البقول. . . فذكر الحديث نحوه، وقال فيه: "كلوا، فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أُوذي صاحبي"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٥٧ و ١٢٥٨ و ١٢٥٩] (٥٦٤)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٥) و"الأطعمة" (٥٤٥٢) و"كتاب الاعتصام" (٧٣٥٩)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٢)، و (الترمذيّ) في "الأطعمة" (١٨٠٦)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٧٣٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ و ٨/ ٣٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٤ و ١٦٦٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الصغير" (٢/ ١٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٧ و ١٢٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣١ و ١٢٣٢ و ١٢٣٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٦ و ٧/ ٥٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٩٦).
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٨] (. . .) - (وحَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 6829
"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَنِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ -وَقَالَ مَرَّةً-: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضل ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أول الباب.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (الثُّومِ) بالجرّ بدل من "الْبَقْلة".
وقوله: (وَقَالَ مَرَّةً إلخ) فاعل "قال" ضمير ابن جُريج، كما بيّنته رواية أبي نعيم في "مستخرجه"، من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جُريج، ولفظه: "قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: الثوم والبصل والكراث".
وقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) قال القاضي عياض ﵀: قال أبو القاسم بن أبي صفرة: فيه دليلٌ على تفضيل الملائكة على بني آدم، قال: ولا دليل في ذلك، ولا سيّما مع قوله: "فإن الملائكة تتأذى بما يتاذّى به الإنس"، فقد سوّاهم. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: (ع) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: "مَنْ أَكَلَ (٢) مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ-
стр. 6830
فَلَا يَغْشَنَا (١) فِي مَسْجِدِنَا"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ، وَالْكُرَّاثَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) الضمير لمحمد بن بكر، وعبد الرزّاق.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد ابن جريج الماضي، وهو: عن عطاء، عن جابر ﵁.
وقوله: (يُرِيدُ الثُّومَ) قال الحافظ ﵀: لَمْ أعرف الذي فسره، وأظنه ابن جريج، فإن في الرواية التي تلي هذه -يعني عند البخاريّ- عن الزهريّ، عن عطاء الجزم بذكر الثوم، على أنه قد اختُلِف في سياقه عن ابن جريج، فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطان، عن ابن جريج بلفظ: "من أكل من هذه البقلةِ الثُّومِ" -يعني الرواية التي قبل هذه- وقال مرةً: "من أكل البَصَلَ، والثومَ، والكُرّاث"، ورواه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج مثله، وعَيَّن الذي قال: "وقال مرةً"، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: "الثوم والبصل والكراث"، ورواه أبو الزبير عن جابر بلفظ: "نَهَى النبيّ ﷺ عن أكل البصل والكراث"، قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم، هكذا أخرجه ابن خزيمة، من رواية يزيد بن إبراهيم، وعبد الرزاق، عن ابن عيينة كلاهما، عن أبي الزبير.
قال الحافظ: وهذا لا ينافي التفسير المتقدم؛ إذ لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم أن لا يُجْلَب إليهم، حتى لو امتَنَع هذا الحمل لكانت رواية المثبِتِ مقدمة على رواية النافي. انتهى (٢).
стр. 6831
وقوله: (فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا) وفي نسخة: "فلا يغشانا في المسجد"، قال في "الفتح": قوله: "فلا يغشانا" كذا فيه بصيغة النفي التي يراد بها النهي، قال الكرمانيّ: أو على لغة من يُجرِي المعتلَّ مُجرَى الصحيح، أو أشبع الراوي الفتحة، فظُنّ أنَّها ألف، والمراد بالغشيان: الإتيان، أي فلا يأتينا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه في توجيه إثبات ألف "يغشانا"؛ إذ الأصل أن تُحذف للجازم، إما أن نقول: إن "لا" هنا للنفي، لا للنهي، فليست جازمة، ويكون المراد بالنفي النهيَ المؤكّد، وإما أن نقول: هي ناهية، والفعل مجزوم، وإنما ثبتت الألف على لغة من يُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فيحذف الحركة المقدّرة، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
وقوله:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
وذكر السيوطيّ ﵀ في "همع الهوامع" أنه لغة، وخرّج عليها قراءة قُنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ بإثبات ياء ﴿يَتَّقِى﴾، وجزم ﴿وَيَصْبِرْ﴾.
ويَحْتَمِل أن تكون الألف تولّدت من إشباع الفتحة، والوجه الثاني هو الأولى؛ لأن تخريج القراءة المذكورة على اللغة أولى، فتبصّر.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦٠] (٥٦٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١)، قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّيحَ، فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ
стр. 6832
مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا (١) فِي الْمَسْجِدِ"، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكَرَهُ رِيحَهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم في الباب.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بضم الجيم مصغّرًا- هو: سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ، مشهور بكُنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأبو نضرة علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، ثم رقّيّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ قد اختلط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفًا، إلَّا أن الراوي عنه ابن عُليّة، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، وإلى ذلك أشرت في "عمدة المحتاط" حيث قلتُ:
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ
стр. 6833
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُريعٍ أَعْلَى (١)
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الجريريّ، عن أبي نضرة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان ﵄، زاد في نسخة: "الْخُدريّ"، أَنه (قَالَ: لَمْ نَعْدُ) بفتح النون، وسكون العين المهملة، مضارع عدا، يقال: عدوتُ الشيء أعدوه، من باب "قال": إذا تجاوزته إلى غيره، وعدّيته وتعدّيته بالتشديد فيهما كذلك (٢)، وقوله: (أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ) "أن" مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ "نَعْدُ"، أي لم نتجاوز فتح خيبر، ولم يطل زمن فتحها حتى وقعنا في أكل الثوم، وفي نسخة: "لَمْ يَعْدُ" بالياء، وعليها يكون المصدر المؤوّل فاعلًا، أي لم يتجاوز فتحُ خيبر، وقوعنا، ويَحْتَمِل أن يكون الفاعل ضمير الوقوع المفهوم من السياق، والمصدر مفعولًا، أي لم يتجاوز وقوعنا في الأكل فتح خيبر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بنصب أصحاب على الاختصاص، أي أخصّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا". . كَـ "أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَل" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ"
стр. 6834
(فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ) هي كلّ نبات اخضرّت به الأرض، كما تقدّم، وقوله: (الثُّومِ) بضمّ المثلّثة بدل من "الْبَقْلة" (وَالنَّاسُ جِيَاعٌ) جملة حاليّة من الفاعل، وفيه بيان سبب وقوعهم في أكلها مع خُبث رائحتها (فَأَكَلْنَا مِنْهَا) أي من تلك البقلة (أَكَلًا شَدِيدًا) المراد كثرة أكلهم منها (ثُمَّ رُحْنَا) بضمّ الراء، يقال: راح يروح، كقال يقول رَوَاحًا: إذا سار في وقت الرَّوَاح، وهو الْعَشيّ، أو من الزوال إلى الليل، أفاده في "القاموس" (١). (إِلَى الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه المسجد النبويّ (فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّيحَ) أي ريح البقلة التي أكلوها (فَقَالَ) ﷺ ("مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ) أي المستكرَهَة، والْمُنْتِنَ ريحُهَا، قال النوويّ ﵀: سمّاها خبيثةً؛ لقبح رائحتها، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه، من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى (٢).
وقوله: (شَيْئًا) نكّره ليعمّ القليل والكثير (فَلَا يَقْرَبَنَّا) بتشديد النون كما تقدّم، وهي نون التوكيد مدغمة في نون "نا" الضمير، ووقع في بعض النسخ بتخفيفها، وعليها يكون الفعل غير مؤكّد بالنون (فِي الْمَسْجِدِ") تقدّم أن "أل" هنا للجنس، فيشمل المسجد النبويّ وغيره، ويؤيّده رواية: "في مساجدنا" بالجمع.
قال القاضي عياض ﵀: وفي اختصاصه النهي عن دخول المساجد إباحة دخول الأسواق وغيره بها، وذلك لأنه ليس فيها حرمة المساجد، ولا هي محلّ الملائكة، ولأنه إن آذى به أحدًا في سوقه تنحّى عنه إلى غيره، وجالس سواه، ولا يُمكنه ذلك في المسجد؛ لانتظاره الصلاة، وإن خرج فاتته الصلاة. انتهى (٣).
(فَقَالَ النَّاسُ) أي الصحابة الذين سمعوا منه ﷺ كلام الكلام (حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ) بالبناء للمفعول، وكُرّر للتوكيد، والضمير للبقلة، والمعنى أنهم لَمّا سمعوا النبيّ ﷺ نهى من أكل منها أن يقرب المسجد، ظنّوا أنه يريد تحريمها، ولا سيّما وقد سمّاها الشجرة الخبيثة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧].
стр. 6835
وقال القرطبيّ ﵀: لَمَّا سَمِع الصحابة ﵃ هذا الذّمّ ظنّوا أنَّها قد حُرِّمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فَهِموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها من أنهم قد سَمِعوا من قول اللَّه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فبيَّن لهم النبيّ ﷺ أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم؛ إذ قد يُراد به ما لا يوافق عادةً واستعمالا، وعند هذا لا يصحّ للشافعيّ الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ على تحريم ما يُستَخبَثُ عادةً، كالحشَرَات وغيرهما؛ إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادةً، وإلى مستخبث شرعًا، ومراده تعالى في الآية المستخبثات الشرعيّة؛ إذ قد أباح البصل والثوم مع أنَّها مستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير، وإن كان قد يُستطاب، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: من هنا يتبيّن أن من يستدلّ على تحريم شرب الدخان (السجارة) بهذه الآية غير مصيب؛ لأن الخبث لا يدلّ على التحريم؛ إذ ليس كلّ خبيث حرامًا، كما بيّن النبيّ ﷺ أن خُبْث هذه الشجرة لا يجعلها حرامًا، وإنما يصحّ الاستدلال على النهي عن شرب الدخان من جهة الطبّ؛ إذ هو مناف للصحّة، كما أثبت ذلك الأطبّاء، ففيه إلقاء النفس إلى التهلكة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وأيضًا هو متلف للمال بدون ضرورة.
والحاصل أن كلّ حرام خبيثٌ وليس كلُ خبيث حرامًا، فتنبّه، لهذه الدقائق، فإنها مزلّة أقدام، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ ﷺ ) أي قولهم: "حُرّمت حُرّمت" (فَقَالَ) ﷺ ("أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي) يعني أنه ﷺ لا يجوز له أن يُحَرِّم شيئًا مما أحلّ اللَّه تعالى له دون أن يأتيه الأمر من اللَّه بتحريمه، فإن التحريم والتحليل للَّه ، وإنما النبيّ ﷺ مبلّغ عنه (وَلَكِنَّهَا) أي البقلة التي أكلوها (شَجَرَةٌ أَكْرَهُ) بفتح الراء، يقال: كَرِهت الأمرَ أَكْرَهه، من باب تَعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، أكرهه: ضدّ أحببته، فهو مكروه (٢). (رِيحَهَا) يعني أن سبب
стр. 6836
نهيي مَن أكلها عن قرب المسجد ليس لكونها حرامًا، وإنما هو لكراهتي ريحها، حيث يتأذَّى بها الناس، والملائكة.
قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ على أن الثُّوم ليس بحرام، وهو إجماعُ مَن يُعْتَدُّ به كما سبق، وقد اختَلَفَ أصحابنا في الثوم، هل كان حرامًا على رسول اللَّه ﷺ ، أم كان يتركه تَنَزُّهًا؟، وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرَّم عليه ﷺ ، ومن قال بالتحريم يقول: المراد ليس لي أن أُحَرّم على أمتي ما أَحَلَّ اللَّه لها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عدم تحريمه على النبيّ ﷺ هو الأرجح، كما دلّ عليه ظاهر هذا الحديث، حيث قال ﷺ : "ليس بي تحريم ما أحلّ اللَّه لي"، فقد بيّن أنه حلال له، فكيف يُقبل تأويلهم بما أحلّ اللَّه لأمته؟ هذا غير صحيح، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦٠] (٥٦٥)، و (أبو داود) في "الأطعمة" (٣٨٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٧ و ١٦٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٢٩ و ١٢٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٤)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٦١] (٥٦٦) - (حَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
стр. 6837
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ (١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ، وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرَف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلِّم فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، نُسب لجدّه المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٣ - (ابْنُ خَبَّابٍ) هو: عبد اللَّه بن خَبّاب الأنصاريّ النّجّاريّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أبو سعيد" في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير، وهو مدنيّ، ثم مصريّ، والباقيان مدنيان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ) زاد في نسخة: "وهو عبد اللَّه بن خبّاب" (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
стр. 6838
الْخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ) بفتح الزاي، وتشديد الراء: هي الأرض المزروعة، قاله النوويّ (١).
وقال في "اللسان": الْمَزْرَعَةُ، والْمَزْرُعَةُ، والزَّرَّاعَةُ، والْمُزْدَرَعُ: موضع الزَّرْعِ، وقال الشاعر [من البسيط]:
وَاطْلُبْ لَنَا مِنْهُمُ نَخْلًا وَمُزْدَرَعًا … كَمَا لِجِيرَانِنَا نَخْلٌ وَمُزْدَرَعُ
وهو مُفْتَعَلٌ من الزرع، وقال جرير [من الطويل]:
لَقَلَّ غَنَاءٌ عَنْكَ فِي حَرْبِ جَعْفَرٍ … تُغَنّيكَ زَرَّاعَاتَهَا وَقُصُورُهَا
أي قصيدتك التي تقول فيها: زرّاعاتها وقُصُورها. انتهى (٢).
والمعنى هنا: أنه ﷺ مرّ على أرض مزروعة بصلًا.
(هُوَ) أتي بالضمير المنفصل، ليمكنه عطف الاسم الظاهر، وهو قوله: "وأصحابُهُ" على الضمير المتّصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَأَصْحَابُهُ) ﵃ مرفوع عطفًا على فاعل "مَرَّ".
[تنبيه]: كان مرور النبيّ ﷺ وأصحابه على تلك الزرّاعة في غزوة خيبر، كما بيّنته رواية أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما"، ولفظ أبي عوانة: عن أبي سعيد الخدريّ، قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر، فمررنا بِمَبْقَلَة فيها بصلٌ، فأكل منه طائفة منّا، وطائفة وَقَفُوا ولم يأكلوا، وطائفة لَمْ يَرَوَا المبقلة، وكنا نَرُوح إلى رسول اللَّه ﷺ ، فيَمْسَح رؤوسنا، ويَدْعُو لنا، فرُحْنا إليه، فلما اقتربنا إليه، وجد ريح البصل، فقال: "من أكل الشجرة فلا يقربنا"، أو نحو هذا، وقال بعضهم: حتى يذهب ريحها، وقال أصبغ: فدعا الذين لم يأكلوا، وأخَّر الآخرين حتى ذهب ريحها. انتهى (٣).
(فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ) أي من أصحاب النبيّ ﷺ (فَأَكَلُوا مِنْهُ) أي من ذلك البصل الذي في تلك الزّرّاعة، والظاهر أن صاحب الزرّاعة أذن لهم، أو أكلوا
стр. 6839
بناءً على جوازه للمحتاج، فقد أخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن، واللفظ لأحمد، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد اللَّه بن عمرو: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الرجل يدخل الحائط؟، قال: "يأكلُ غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً" (١) وهو حديثٌ حسنٌ.
ورواه أيضًا الترمذيّ، وابن ماجه من حديث عمر ﵁ مرفوعًا، ولفظ الترمذيّ: "من دخل حائطًا فليأكل، ولا يَتَّخِذ خُبْنةً"، ولفظ ابن ماجه: "إذا مَرّ أحدكم بحائط فليأكل، ولا يتخذ خُبْنةً"، وصحّحه الشيخ الألبانيّ ﵀ (٢).
(وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ) لعلهم سمعوا كراهة النبيّ ﷺ له، أو لعدم حاجتهم إليه (فَرُحْنَا) بضمّ الراء، كما سبق قريبًا، أي ذهبنا (إِلَيْهِ) ﷺ (فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ) أي طلبهم أن يتقربوا من مجلسه ﷺ ؛ لعدم ارتكابهم ما يستوجب البعد عنه، فيَمْسَحُ رؤوسهم، ويَدْعُو لهم، كما سبق في رواية أبي عوانة (وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ) أي أبعدهم عن مجلسه؛ لارتكابهم أكل ما له رائحة كريهة (حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا) أي ريح تلك الزرّاعة، والمراد ريح ما زُرع فيها من البصل ونحوه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦١] (٥٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده"
هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ (١) رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أول الباب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان تقدّم أيضًا أول الباب.
٣ - (هِشَام) بن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ، تقدّم في الباب أيضًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) واسمه رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
٦ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) ويقال: ابن طلحة، الْيَعْمَريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨.
٧ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد العُزّى بن رِيَاح بن عبد اللَّه بن قُرط بن رَزَاح بن محمديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى معدان، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى سالم، وهو كوفيّ، ومعدان شاميّ، وعمر ﵁ مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
стр. 6842
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن سالم، عن معدان.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان الشيطان يفرّ منه، وكان من المحدَّثين، جمّ المناقب ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) سيأتي أن الدارقطنيّ انتقد على مسلم ذكر معدان بين سالم، وعمر ﵁؛ لمخالفة قتادة للحفّاظ فيه، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵀ (خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي عوانة الآتية: "خطبنا عمر بن الخطّاب"، فصرّح معدان بأنه حضر تلك الخطبة.
[تنبيه]: كانت خطبة عمر ﵁ هذه بعد رجوعه من الحجة الأخيرة التي حجها بالناس، وقد ذكر البخاريّ ﵀ في "صحيحه" سبب هذه الخطبة مطوّلًا، ودونك نصّه:
(٦٨٣٠) حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه، حدّثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: كنت أُقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمني، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حَجّةٍ حجَّها، إذ رجع إليّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان، يقول: لو قد مات عمر، لقد بايعت فلانًا، فواللَّه ما كانت بيعة أبي بكر إلَّا فَلْتَةً فتمَّت؟ فغَضِب عمر، ثم قال: إني إن شاء اللَّه لقائمٌ العشيةَ في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يَغصِبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين: لا تفعل، فإن الموسم يَجمَع رَعَاع الناس وغَوْغَاءهم (١)، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم
стр. 6843
في الناس، وأنا أخشى أن تقوم، فتقول مقالةً يُطِيرها عنك كلّ مُطِير، وأن لا يَعُوها، وأن لا يَضَعوها على مواضعها، فأَمْهِل حتى تَقْدَم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتَخْلُص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيَعِي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما واللَّه إن شاء اللَّه لأقومنّ بذلك أولَ مَقَامٍ أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدِمنا المدينةَ في عقب ذي الحجة، فلما كان يومُ الجمعة عَجَّلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالسًا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تَمَسُّ ركبتي ركبته، فلم أَنْشَب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلًا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل: ليقولنّ العشيةَ مقالةً لَمْ يقُلها منذ استُخْلِف، فأنكر عليّ، وقال: ما عسيت أن يقول ما لَمْ يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون، قام فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ فإني قائل لكم مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عَقَلها ووعاها فليحدِّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خَشِي أن لا يَعقِلها فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليّ، إن اللَّه بعث محمدًا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول اللَّه ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللَّه، فيَضِلُّوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، والرجم في كتاب اللَّه حقّ على من زني، إذا أُحْصِن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبَلُ، أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللَّه: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كُفْر بكم أن ترغبوا عن أَبائكم، أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، إلا ثم إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد اللَّه ورسوله"، ثم إنه بلغني أن قائلًا منكم يقول: واللَّه لو قد مات عمر، بايعت فلانًا، فلا يَغْتَرَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، إلا وإنها قد كانت كذلك، ولكن اللَّه وَقَى شَرَّها، وليس منكم من تُقطَع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من
стр. 6844
بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يُقتَلا (١)، وإنه قد كان مِن خبرنا حين توفى اللَّه نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سَقِيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نُريدهم، فلما دنونا منهم لَقِيَنا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تَقْرَبوهم، اقضوا أمركم، فقلت: واللَّه لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَّمَّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عُبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يُوعَك، فلما جلسنا قليلًا تشهّد خطيبهم، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار اللَّه، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهطٌ، وقد دَفَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يَحضُنُونا من الأمر (٢) فلما سكت، أردت أن أتكلم، وكنت قد زَوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أُقَدِّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن أتكلَّم، قال أبو بكر: على رسلك، فكَرِهت أن أُغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني، وأوقر، واللَّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلَّا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن يُعْرَف هذا الأمر إلَّا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رَضِيتُ لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان واللَّه أن أُقَدَّم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلَّا أن تُسَوِّل إليّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلها الْمُحَكَّك (٣)، وعُذَيقها
стр. 6845
الْمُرَجَّب (١)، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثُرَ اللَّغَط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونَزَونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللَّه سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا واللَّه ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نَرْضَي، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مَشُورَةٍ من المسلمين، فلا يُتَابَعُ هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يُقتَلا. انتهى.
(فَذَكَرَ) عمر ﵁ (نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ) قد سبق في حديث البخاريّ قوله: "إن اللَّه بعث محمدًا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب. . . "، وقوله: إلا ثم إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد اللَّه ورسوله. . . " (وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ) ﵁، أي ذكره بالخير وأثنى عليه.
(قَالَ) عمر ﵁، وفي نسخة: "وقال" (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ … حَالٍ كَـ "زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ"
(رَأَيْتُ) أي في المنام (كَأَنَّ دِيكًا) بكسر الدال: ذكرُ الدَّجَاج، والجمع: دُيُولٌ، ودِيَكَةٌ، وزانُ عِنَبَةٍ، قاله في "المصباح" (٢).
стр. 6846
وقال في "القاموس": الدِّيكُ با لكسر معروفٌ، جمعه: دُيُوكٌ، وأَدْيَاكٌ، ودِيَكَةٌ، كَقِرَدَةٍ، وقد يُطلَق على الدَّجَاجة، كقوله [من الرجز]:
وَزَقَّتِ الدِّيكُ بِصَوتٍ زَقَّا (١)
وقال في "اللسان": الدِّيك: ذكر الدَّجَاج معروفٌ، وقوله [من الرجز]:
وَزَقَّتِ الدِّيكُ بِصَوتٍ زَقَّا
إنما أنّثه على إرادة الدجاجة؛ لأن الديك دَجَاجة أيضًا، والجمع القليل أَدْيَاك، والكثير دُيُوك، ودِيَكَةٌ. انتهى (٢).
(نَقَرَنِي) يقال: نقر الطائر الحبّ نَقْرًا، من باب نصر: التقطه، والْمِنْقَار له كالفم للإنسان، ونَقَرَ السهمُ الْهَدَفَ نَقْرًا: أصابه، قاله في "المصباح" (٣). (ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ) بفتحات جمع نَقْرَة، بفتح فسكون، ولا يجوز تسكين العين في الجمع؛ لكونه وسطه حرفًا صحيحًا، إلا في الضرورة الشعريّة، كقوله [من الطويل]:
وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا … وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ الْعَشِيِّ يَدَانِ
وقد أشار إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال:
وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا أَنِلْ … إِتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ
إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا بَدَا … مُخْتَتَمًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا
وَسَكِّنِ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ … خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلًّا قَدْ رَوَوْا
وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي نعيم: "كأن دِيكًا نقرني نقرةً أو نقرتين"، وفي رواية شعبة، عن قتادة عند ابن أبى عوانة: "كأن ديكًا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين".
قال القرطبيّ ﵀: هذا الديك الذي أُريه عُمر ﵁ مثال لِلْعِلْج الذي قتله، وهو أبو لُؤْلُؤَة، غلام المغيرة بن شُعبة، وكان مجوسيًّا، وكان نَجّارًا حدّادًا نقّاشًا، وكان من شأنه ما ذكره البخاريّ وغيره، وهو أنه وثب على عمر ﵁، وهو في صلاة الصبح، بعد أن دخل عمر فيها، فطعنه ثلاث طَعَنات، فصاح عمر": قتلني، أو أكلني الكلب ظانًّا منه أنه كلبٌ عضَّه، فتناول
стр. 6847
عمر عبد الرحمن بن عوف، فكمّل الصلاة بالناس، ثم إن العِلْج وَثَبَ، وفي يده سكِّين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شِمالًا إلَّا طعنه، حتى طَعَن ثلاث عشر رجلًا، مات منهم تسعة، وقيل: سبعة، فطَرَح عليه رجلٌ خميصةً كانت عليه، فلما رأى الْعِلْج أنه مأخوذٌ نَحَرَ نفسه، وحزَّ عبد الرحمن بن عوف (١) رأسه، وهو الذي كان طرح عليه الخميصة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قصّة قتل عمر ﵁ ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" بطولها، وهو من أفراده، وإليك نصّه:
(٣٧٠٠) حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن حُصين (٣)، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وَقَف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنيف، قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حَمَّلتما الأرض ما لا تطيق؟ (٤) قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سَلّمني اللَّه لأدَعَنّ أرامل أهل العراق لا يَحتَجن إلى رجل بعدي أبدًا، قال: في أتت عليه إلَّا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلَّا عبد اللَّه بن عباس غَداةَ أصيب، وكان إذا مَرّ بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لَمْ يَرَ فيهن خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، في هو إلَّا أن كبَّر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار الْعِلج بسكين ذات طرفين، لا يَمُرّ على أحد يمينًا ولا شمالا إلَّا طعنه، حتى طَعَن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من
стр. 6848
المسلمين (١)، طرَحَ عليه بُرْنُسًا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نَحَر نفسه، وتناول عُمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أري، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فَقَدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، فصلّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفةً، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعةً، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمد للَّه الذي لَمْ يجعل مِيتتي بيد رجل يَدَّعِي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك تحبان أن تَكْثُر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا، فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعدَما تكلموا بلسانكم، وصَلَّوا قبلتكم، وحجُّوا حجكم، فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعَلِموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شابّ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى اللَّه لك، من صحبة رسول اللَّه ﷺ ، وَقَدَمٍ في الإسلام ما قد علمتَ، ثم وُلِّيتَ فعدلتَ، ثم شهادةٌ، قال: ودِدتُ أن ذلك كفافٌ، لا عليّ، ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يَمَسّ الأرض، قال: رُدُّوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد اللَّه بن عمر انظر ما عليّ من الدين، فحَسَبُوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفًا، أو نحوه، قال: إن وَفَى له مال آل عمر فأدِّه من أموالهم، وإلا فسَلْ في بني عديّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عَنِّي هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقْرأ عليكِ عمر السلامَ، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدْفَن مع صاحبيه، فسَلَّم، واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: يَقرَأ عليكِ عمر بن الخطاب السلامَ،
стр. 6849
ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرِنّ به اليومَ على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تُحِبّ يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد للَّه، ما كان من شيء أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضَيتُ، فاحمِلُوني، ثم سَلِّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن رَدَّتني رُدُّوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فوَلَجَت عليه، فبكت عنده ساعةً، واستأذن الرجال، فولَجَت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أَوْصِ يا أمير المؤمنين، استَخْلِف، قال: ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين تُوُفِّي رسول اللَّه ﷺ ، وهو عنهم راضٍ، فسَمَّى عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، وقال: يَشْهَدكم عبدُ اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أن يُقْبَل من محسنهم، وأن يُعْفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاةُ المال، وغيظ العدوّ، وأن لا يؤخذ منهم إلَّا فَضْلُهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادّة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرَدَّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة اللَّه، وذمة رسوله ﷺ أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل من ورائهم، ولا يُكَلَّفوا إلَّا طاقتهم، فلما قُبِض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسَلَّم عبد اللَّه بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأُدخل، فوُضِع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عليّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تَبَرَّأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللَّهُ عليه والإسلام، لَيَنْظُرنّ أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان،
стр. 6850
فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ، واللَّه عليّ أن لا آلُو عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول اللَّه ﷺ ، والقِدَم في الإسلام ما قد علمتَ، فاللَّه عليك لئن أَمَّرتُك لتعدِلَنّ، ولئن أمَّرتُ عثمان لتَسمَعَنّ، ولَتُطيعنّ، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايَعَهُ، فبايع له عليّ، ووَلَجَ أهل الدار، فبايعوه. انتهى.
وروى مالك في "الموطّأ" عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، أنه سمعه يقول: لَمّا صَدَر عمر بن الخطاب من مني، أناخ بالأبطح، ثم كَوَّم كُومة بطحاء، ثم طَرَح عليها رداءه، واستلقى، ثم مَدَّ يديه إلى السماء، فقال: اللهم كَبِرت سني، وضَعُفت قُوّتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضَيِّع، ولا مُفَرِّط، ثم قَدِم المدينة، فخطب الناس، فقال: أيها الناس قد سُنَّت لكم السُّنَنُ، وفُرِضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة، إلَّا أن تَضِلُّوا بالناس يمينًا وشمالًا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تَهْلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حَدَّين في كتاب اللَّه، فقد رَجَم رسول اللَّه ﷺ ، ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب اللَّه تعالى، لكتبتها: "الشيخُ والشيخةُ فارجموهما البتة"، فإنا قد قرأناها، قال مالك: قال يحيى بن سعيد، قال سعيد بن المسيِّب: في انسلخ ذو الحجة حتى قُتِلَ عمر ﵀. انتهى (١).
(وَإِنِّي) بكسر الهمزة عطفًا على "إني" الماضي (لَا أُرَاهُ) بضمّ الهمزة، أي لا أظنّ تفسير ما رأيته من نَقَرات الديك، ويَحْتَمِل أن يكون "أَرَاهُ" بفتح الهمزة، بمعنى أعتقده (إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي) أي إلَّا كونها إشارةً إلى قرب موتي (وِإنَّ) بالكسر أيضًا؛ لما مرّ آنفًا (أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي) بنونين: الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وفي بعض النسخ بنون واحدة، فيحتمل أن يكون بالتخفيف على حذف إحدى النونين، ويَحْتَمِل أن يكون بالتشديد على الإدغام (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أَستَخْلِفَ) أي أجعل خليفة يقوم مقامي في أمر الأمة.
стр. 6851
قال القرطبيّ ﵀: معنى الأمر هنا: الْعَرْضُ، والتحضيض، أو الْفُتيا بأنه يجب عليه أن يستخلف، وأنه مأمورٌ بذلك من جهة اللَّه تعالى، وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لَمّا سَمِعُوا من عمر ﵁ تأوله لمنامه بحضور أجله، وهذا قبل وقوع طعنه.
وَيَحْتَمِلُ أن يكون هذا بعد أن طُعِنَ، ويكون بعض الرواة ضمّ أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدلّ مساقُ هذا الخبر. انتهى (١).
(وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ) يَحْتَمِلُ أن يكون مضارع ضَيّع بالتشديد، من التضييع، ويَحْتَمِل أن يكون بالتخفيف، من الإضاعة، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
وقوله: (دِينَهُ) منصوب على المفعوليّة، وكذا قوله: (وَلَا خِلَافَتَهُ) وقوله: (وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ) من عطف المؤكِّد على المؤكَّد؛ لأن الذي بُعِثَ به ﷺ هو دين اللَّه .
قال النوويّ ﵀: معناه: إن أستخلف فحسَنٌ، وإن تركتُ الاستخلاف فحسنٌ، فإن النبيّ ﷺ لَمْ يستخلف؛ لأن اللَّه لا يضيع دينه، بل يُقيم له من يقوم به. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: إنما قال ذلك عمر ﵁؛ لأنه عَلِمَ مما قد فَهِمَه من كتاب اللَّه تعالى، وسَمِعه من رسول اللَّه ﷺ أن اللَّه تعالى يستخلف المؤمنين في الأرض، ويُمكِّنُ لهم دينهم، ويُظهره على الدين كلّه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي﴾ [النور: ٥٥] الآية، فقال ذلك ثقةً بوعد اللَّه، وتوكّلًا عليه.
والخلافة هنا: القيام بأمر أمة محمد ﷺ على نحو ما قام به محمد ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄. انتهى (٣).
(فَإِنْ عَجِلَ) بكسر الجيم، يقال: عَجِلَ عَجَلًا، من باب تَعِبَ وعَجَلَةً:
стр. 6852
أسرع، وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، ومنه العاجلة للساعة الحاضرة، قاله الفيّوميّ (١). (بِي أَمْرٌ) يعني إن حلّ بي الموت (فَالْخِلَافَةُ شُورَى) بضمّ الشين المعجمة، والقصور: اسم من التشاور، قال الفيّوميّ ﵀: وشاورته في كذا، واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليّ بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونةٍ، ويقال: هي من شارَ الدابّةَ: إذا عَرَضَها في الْمِشْوَارِ، ويقال: من شُرْب الْعَسَل، شُبِّهَ حُسْنُ النصيحة بشرب العسَل، وتشاور القوم، واشتوروا، والشُّورَى اسم منه، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مثلُ قولهم: أمرُهُم فَوْضَى بينهم، أي لا يستأثِرُ أحدٌ بشيء دون غيره. انتهى (٢).
(بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ) "بين" ظرف لـ "شُورَى"، يعني أنهم يتشاورون فيما بينهم بشأن الخلافة، ويتّفقون على واحد منهم، وليس المراد أنهم يحكمون معًا، بدليل قول عمر ﵁ فيما سبق من حديث ابن عبّاس ﵄ عند البخاريّ: "فإن أصابت الإمرة سعدًا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّر". (الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) جملة حاليّة، والستّة هم: عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد اللَّه، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃.
وإنما لم يُدخل سعيد بن زيد معهم، وإنْ كان من العشرة؛ لأنه من أقاربه، فتورّع عن إدخاله، كما تورّع عن إدخال ابنه عبد اللَّه ﵃، قاله النوويّ ﵀ (٣).
[تنبيه]: هؤلاء الستّة مع الشيخين، وسعيد بن زيد بن نُفيل هم: العشرة المبشرّون بالجنّة في حديث واحد (٤).
стр. 6853
أخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه كان في المسجد، فذكر رجل عليًّا ﵁، فقام سعيد بن زيد، فقال: أشهد على رسول اللَّه ﷺ أني سمعته، وهو يقول: "عشرة في الجنة: النبيّ في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت سميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد" هذا لفظ أبي داود.
وأخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
(١٦٣٢) حدّثنا يحيى بن سعيد، عن صدقة بن المثنَّي، حدثني جدّي رِيَاح بن الحارث، أن المغيرة بن شعبة، كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة عن يمينه، وعن يساره، فجاءه رجل يُدْعَى سعيد بن زيد، فحيّاه المغيرة، وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة، فاستقبل المغيرةَ، فسَبَّ ولسَبّ، فقال: من يَسُبّ هذا يا مغيرة؟ قال: يسب عليّ بن أبي طالب، قال: يا مغير بن شُعْبَ، يا مغير بن شُعْبَ ثلاثًا، إلا أسمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ يُسَبُّون عندك، لا تنكر، ولا تُغَيّر، فأنا أشهد على رسول اللَّه ﷺ بما سمعت أُذناي، ووعاه قلبي، من رسول اللَّه ﷺ ، فإني لم أكن أَرْوِي عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعليّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة"، لو شئت أن أسميه لسميته، قال: فَضَجّ أهل المسجد يناشدونه، يا صاحب رسول اللَّه من التاسع؟ قال: ناشدتموني باللَّه، واللَّهِ العظيم أنا تاسع المؤمنين، ورسول اللَّه ﷺ العاشر، ثم أَتْبَع ذلك يمينًا، قال: واللَّه لمشهد شَهِده رجل يُغَبِّر فيه وجهه مع رسول اللَّه ﷺ أفضل من عمل أحدكم، ولو عُمِّر عمر نوح ﵇. انتهى.
وجاء في رواية أخرى أن العاشر هو أبو عبيدة بن الجرّاح ﵁، فقد أخرج النسائيّ في "الفضائل" من "الكبرى" من طريق عبد الرحمن بن حميد،
стр. 6854
عن أبيه، أن سعيد بن زيد حدّثه في نفَر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ قال: "عشرة في الجنة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص"، قال: فعدّ هؤلاء التسعة، ثم سكت عن العاشر، فقال القوم: ننشُدُك اللَّه يا أبا الأعور، أنت العاشر؟ قال: إذ نشدتُموني باللَّه، أبو الأعور في الجنّة.
وأخرجه الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة، وسعيد بن زيد في الجنّة، وأبو عُبيدة بن الجرّاح في الجنّة" (١). واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِنِّي) بكسر الهمزة أيضًا عطفًا على "إني" الأول (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أقوَامًا يَطْعَنُونَ) بضمّ العين وفتحها، وهو الأصحّ هنا، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: طَعَنَهُ بالرُّمْح طَعْنًا، من باب قَتَل، وطَعَنَ في الْمَفَازَة طَعْنًا: ذَهَبَ، وطَعَن في السِّنِّ: كَبِرَ، وطَعَنَ الْغُصن في الدار: مال إليها مُعْتَرِضًا فيها، قال الزمخشريّ: طَعَنْتُ في أمر كذا، وكلُّ ما أخذتَ فيه، ودخلتَ فقد طَعَنْتَ فيه، وعلى هذا فقولهم: طَعَنت المرأة في الحيضة، فيه حَذفٌ، والتقدير: طَعَنَتْ في أيام الحيضة، أي دخلت فيها، وطَعَنتُ فيه بالقول، وطَعَنْتُ عليه، من باب قَتَل أيْضًا، ومن باب نَفَعَ لغةٌ: قَدَحْتُ، وعِبْتُ طَعْنًا، وطَعَنَانًا، وهو طاعن، وطَعّان في أعراض الناس، وأجاز الفراء يَطْعَن في الكل بالفتح؛ لمكان حرف الحلق، والْمَطْعَنُ يكون مصدرًا، ويكون موضعَ الطَّعْن. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيَّن بما ذُكر أن "يَطْعُنُ" هنا يجوز فيه ضم العين، وفتحها، وأن المعنى المراد هنا هو القدح والعيب، أي يقدحون ويَعِيبون (فِي هَذَا الْأَمْرِ) أي الأمر الذي أصدره في وصيّته الآن، وهو جعله أمر
стр. 6855
الخلافة شُورَى بين هؤلاء الستّة (أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ) أي حاربتهم، وقاتلتهم على أن يدخلوا في الإسلام، والمراد أنهم ليسوا من السابقين الأولين إليه، ولا ممن رسخ قدمه فيه، بل هم قريبو العهد به، فجملة "أنا ضربتهم" صفة لـ "أقوامًا" بعد صفة (فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ) أي الطعن في هذا الأمر، وأرادوا إثارة الفتن (فَاُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ) بفتحات: جمع كافر، كما قال في "الخلاصة":
وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ
وقوله: (الضُّلَّالُ) بضمّ الضاد، وتشديد اللام: جمع ضالّ، كما قال في "الخلاصة":
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
قال النوويّ ﵀: معناه: إن استحلّوا ذلك فهم كَفَرَةٌ ضُلَّالٌ، وإن لم يستحلّوا ذلك، ففعلهم كفعل الكفرة، أي فُخُذوا على أيديهم. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فإن فعلوا ذلك" أي إن أفشوا الطعن، وعَمِلوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة، ولم يَرْضَوا بالذين اخترتهم، فأولئك عند اللَّه الْكَفَرَة الضُّلّال، وظاهر هذا أنه حَكَم بكفرهم، وكأنه عَلِمَ أفهم منافقون، وعلى هذا يدلّ قوله: "أنا ضربتهم بيدي على الإسلام"، يعني أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال، لم تنشرح صدورهم للإسلام، إنما تستّروا بالإسلام، وذلك حال المنافقين.
ويَحْتَمِل أنهم لَمّا فَعَلوا فعل الكفّار من الخلاف، وموافقة أهل الأهواء، ومُشاقّة المسلمين، أَطْلَقَ عليهم ما يُطلَق على الكفّار، وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كُفْرِان النِّعَم والحقوق. انتهى (١).
(ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ) أي لا أترك (بَعْدِي) أي بعد موتي (شَيْئًا أهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ) قال الحافظ ابن كثير ﵀: الكلالة مُشْتَقَّةٌ من الإكليل، وهو الذي يُحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا مَن يرثه من حواشيه، لا أصوله، ولا فروعه، كما رَوَى الشعبيُّ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن الكلالة؟
стр. 6856
فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له ولا والد، فلما وُلِّيَ عمر ﵁ قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره": حدَّثنا محمد بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر ﵁، فسمعته يقول: القول ما قلت، وما قلت، وما قلت، قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وهكذا قال عليّ، وابن مسعود، وصَحّ عن غير واحد، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبيّ، والنخعيّ، والحسن، وقتادة، وجابر بن زيد، والحكم، وبه يقول أهل المدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حَكَى الإجماع عليه غيرُ واحد، وورد فيه حديثٌ مرفوعٌ (١)، قال أبو الحسين بن اللَّبّان: وقد رُوي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فَهِمَ عنه ما أراد. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (٢).
وقال في موضع آخر بعد ذكره تفسير الصدّيق ﵁ للكلالة الماضي ما نصّه: وهذا الذي قاله الصدِّيق ﵁ عليه جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبةً، وهو الذي يدُلُّ عليه القرآن، كما أرشد اللَّه أنه قد بَيَّنَ ذلك، ووَضَّحَهُ في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ: أي أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛
стр. 6857
لإحاطتها بالقمر إذا احْتَلّ بها، ومنه الإكليل أيضًا، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَدٌ ولا والد، فورثته كلالةٌ، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وذكر يحيى بن آدم، عن شَرِيك، وزهير، وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد، قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا، وأجمعوا على أن الكلالة مَن مات ليس له ولد ولا والد، وهكذا قال صاحب "كتاب العين"، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والْقُتَبيّ، وأبو عبيد، وابن الأنباريّ، فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلَّله النسب، ومنه قيل: رَوْضَةُ مُكَلَّلةُ: إذا حُفَّت بالنَّوْر، وأنشدوا:
مَسْكَنُهُ رَوْضَةٌ مُكَلَّلَةٌ … عَمَّ بِهَا الأَيْهُقَانُ وَالذُّرَقُ (١)
يعني نَبْتَيْن، وقال امرؤ القيس [من الطويل]:
أَصَاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ … كَلَمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ (٢)
فَسَمُّوا القرابة كلالةً؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم يَنْتَسِبون معه، كما قال أعرابيّ: مالي كثير، ويرثني كلالةٌ مُتَرَاخٍ نسبهم، وقال الفرزدق [من الطويل]:
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ … عَنِ ابْنَي مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ
وقال آخر [من المتقارب]:
وَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ … وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ
وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكَلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ وإعياء، قال الأعشى [من الطويل]:
فَآلَيْتُ لَا أَرْثي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ … وَلَا مِنْ وَجًى (٣) حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا
وذكر أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة، قال: الكلالة كلُّ من لم يرثه أبٌ، أو ابنٌ، أو أخٌ، فهو عند العرب كلالةٌ.
стр. 6858
قال أبو عُمر: ذِكْر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلطٌ، لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره.
ورَوَى عن عمر بن الخطاب ﵁ أن الكلالة من لا وَلَدَ له خاصّةً، ورُوي عن أبي بكر ثم رجعا عنه، وقال ابن زيد: الكلالة الحيّ والميت جميعًا، وعن عطاء: الكلالةُ المال، قال ابن العربيّ: وهذا قول طريف لا وجه له.
قال القرطبيّ: له وجه يتبيّن بالإعراب آنفًا.
ورُوي عن ابن الأعرابيّ: أن الكلالة بنو العم الأباعد، وعن السُّديّ: أن الكلالة الميت، وعنه مثل قول الجمهور.
وهذه الأقوال تتبيّن وجوهها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين: "يُوَرِّث كلالةً" بكسر الراء وتشديدها، وقرأ الحسن، وأيوب: "يُورِثُ" بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما، وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلا الوَرَثَةَ، أو المال، كذلك حَكَى أصحاب المعاني، فالأول مِن وَرَّثَ، والثاني من أَوْرَثَ، و"كلالةً" مفعوله، و"كان" بمعنى وَقَعَ، ومن قرأ "يُورَثُ" بفتح الراء احتَمَلَ أن تكون الكلالة المالَ، والتقدير: يُورَثُ وِراثةَ كلالةٍ، فتكون نعتًا لمصدر محذوف، ويجوز أن تكون الكلالة اسمًا للورثة، وهي خبر "كان"، فالتقدير: ذا وَرَثَةٍ، ويجوز أن تكون تامّة بمعنى وقع، و"يورَثُ" نعت لـ "رجلٌ"، و"رجلٌ" رُفِعَ بـ "كان"، و"كلالةً" نُصِب على التفسير، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، والتقدير: وإن كان رجلٌ يورَث مُتَكَلِّل النسب إلى الميت. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
[تنبيه]: ذكر اللَّه في كتابه الكلالة في موضعين: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يذكر في الموضعين وارثًا غير الإخوة، فأما في الآية الأولى فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عُنِي بها الإخوة للأم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ
стр. 6859
فِي الثُّلُثِ﴾، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: "وله أخ أو أخت من أمه"، ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم كهذا، فدلَّ إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة الْمُتَوَفَّى لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لقوله : ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم يَختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدَلَّت الآيتان أن الإخوة كُلَّهم جميعًا كلالةٌ.
وقال الشعبيّ: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد، من الورثة إخوةً أو غيرهم من العصبة، كذلك قال عليّ، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس ﵃، قال الطبريّ: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده؛ لصحة خبر جابر ﵁، فقلت: يا رسول اللَّه إنما يرثني كلالةٌ، أَفأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا. . ." الحديث، متّفقٌ عليه (١).
[فائدة]: قال أهل اللغة: يقال: رجلٌ كلالةٌ، وامرأةٌ كلالةٌ، ولا يثنَّى، ولا يُجمَعُ؛ لأنه مصدرٌ، كالوكالة، والدلالة، والسَّمَاحة، والشَّجَاعة، وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾، ولم يقل: لهما، وقد سبق ذكر الرجل والمرأة، على عادة العرب، إذا ذَكَرت اسمين، ثم أَخبَرَت عنهما، وكانا في الحكم سواءً، ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما جميعًا، تقول: من كان عنده غلام وجارية، فليحسن إليه، وإليها، وإليهما، وإليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية، ويجوز أولى بهم، قاله الفراء وغيره (٢).
(مَا) نافيةٌ (رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ) أي من أحكام الدين (مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ) أي بيان حكمها، و"ما" مصدريّةٌ، والمصدر المؤّول نعت لمصدر مفعول مطلقٌ لـ "راجعتُ"، أي مثل مراجعتي في الكلالة (وَمَا أَغْلَظَ) ﷺ ، وهو بالبناء للفاعل (لِي فِي شَيْءٍ) أي مما سأله من الأحكام (مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ) أي مثل إغلاظه في سؤالي عن الكلالة (حَتَّى طَعَنَ) بالبناء للفاعل
стр. 6860
أيضًا (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبوع بالضمّ، وزانُ أُسْبُوع، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة (فِي صَدْرِي) أي تأديبًا له لتشدّدة في السؤال.
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ ما حاصله: مقتضى الآية الأولى أن كلَّ واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكرًا أو أُنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف، وللاثنين الثلثين، ولم يُبيَّن في واحدة من الآتين الإخوة، هل هي لأمّ، أو لأب، أو لهما؟ ثم إذا تنزّلنا على أن الإخوة في الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقّاءُ، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم، وإن كان معهم بعض الورثة؟ كلُّ ذلك أمورٌ مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عَسِيرٌ، كما سنبيّن الصحيح من ذلك كلّه في "الفرائض" -إن شاء اللَّه تعالى-.
فلَمّا استُشكلت على عمر ﵁ هذه الوجوه تشوّف إلى معرفتها بطريق يُزيح له الإشكال، فأَلَحّ على النبيّ ﷺ بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبيّ ﷺ على صدره، وأغلظ عليه في ذلك؛ رَدْعًا له عن الإلحاح؛ إذ كان قد نُهي عن كثرة السؤال، وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عمّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يُبيِّنُ بعضه بعضًا.
وقال الخطّابيّ ﵀: يُشبه أن يكون لم يُفْتِهِ، ووكل الأمر إلى بيان الآية؛ اعتمادًا على علمه وفهمه؛ ليتوضَلَ إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فَهْمَ له لَبَيَّنَ له البيان الشافي.
قال: وإن اللَّه تعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول "سورة النساء"، وفيها إجمالٌ، وإبهامٌ لا يكاد يتبيّن المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر "النساء" في الصيف، وفيها زيادة بيان. انتهى (١).
(فَقَالَ) ﷺ ، وفي نسخة: "وقال" ("يَا عُمَرُ أَلَا) أداة تحضيض (يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ) أي الآية التي نزلت في فصل الصيف، وهو أحد الفصول الأربعة
стр. 6861
المشهورة، قال الفيّوميّ ﵀: السنة: أربعة أزمنة، وهي الفُصول أيضًا:
[فالأول]: الرَّبِيع، وهو عند الناس الخَرِيف، سَمَّته العرب رَبيعًا؛ لأن أوّل المطر يكون فيه، وبه يَنبُت الربيع، وسمّاه الناس خَرِيفًا؛ لأَن الثمار تُخْتَرَف فيه، أي تُقْطَع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان.
[والثاني]: الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الْجَدْي.
[والثالث]: الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس الربيع.
[والرابع]: الْقَيْظُ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس السَّرَطَان. انتهى (١).
(الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ") يعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦].
(وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من عاش يعيش، يقال: عاش يَعيش عيَشًا، كسار يسير سيرًا: صار ذا حياة، فهو عائشٌ، والأنثى عائشة، وعيّاشٌ أيضًا مبالغةٌ (٢)، وقوله: (أقضِ) مجزوم على أنه جواب الشرط، أي أحكم، يقال: قضيتُ بين الخصمين، وعليهما: أي حكمت (٣). (فِيهَا) أي في الكلالة، أي في معرفة أحكامها (بِقَضِيَّةٍ) أي بقضاء، فالمراد بالقضيّة هنا معناها المصدريّ، قال في "القاموس": "القضاءُ"، ويُقصر: الحكم، قَضَى عليه يَقْضي قَضْيًا، وقَضَاءً، وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضًا. انتهى (٤). (يَقْضِي بِهَا) أي بتلك القضية (مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) يعني أنه يستوي في فهم تلك القضيّة الخاصّ والعامّ؛ لوضوحها وبيانها.
قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنه كان اتّضح له وجهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْرَه فيها حتى فَهِمَ ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة ﵁، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك.
стр. 6862
لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيَّن الصبح لذي العينين، وسيأتي ذلك في موضعه - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) عمر ﵁ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ) أي الذين ولّاهم على أمصار المسلمين النائية من المدينة (وَإِنِّي) وفي نسخة: "فإني" (إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ) أي على أهل الأمصار (لِيَعْدِلُوا) بكسر الدال، من العَدْل -بفتح، فسكون- وهو خلاف الْجَوْر، قال الفيّومي ﵀: العَدْلُ: القَصْدُ في الأمور، وهو خلاف الْجَورِ، يقال: عَدَلَ في أمره عَدْلًا، من باب ضَرَبَ، وعدل على القوم عَدْلًا أيضًا، ومَعْدِلَةً بكسر الدال وفتحها، وأما عَدَلَ يَعْدَل بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع، من باب تَعِبَ، فهو بمعنى جار وظَلَم. انتهى بتصرّف (٢). (عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا) بتشديد اللام، من التعليم (النَّاسَ دِينَهُمْ) وقوله: (وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ) عطف تفسير وبيان لـ "دينهم"؛ لأن دينهم هو سنّة النبيّ ﷺ ، وهو الإسلام، قال اللَّه : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وهو الذي أكمله اللَّه تعالى، ورضيه لنا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ) بفتح الفاء، وسكون التحتانيّة، وهو: ما أصيب من أموال الكفّار بعد أن تضع الحرب أوزارها، وأما ما أُصيب منهم عَنْوَةً، والحرب قائمةٌ، فهو الغنيمة.
قال ابن الأثير ﵀: "الْفيءُ": هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفّار من غير حرب، ولا جهاد، وأصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفيء فِئَةً، وفُيُوءًا، كأنه كان أصله لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظلّ الذي يكون بعد الزوال: فيءٌ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.
قال: والغَنِيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. انتهى كلام ابن الأثير ﵀ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد صدق في قوله: "كأنه كان أصله لهم إلخ"؛
стр. 6863
لأن منافع الدنيا من المال وغيره خُلقت؛ ليستعين بها المؤمنون على طاعة اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية، فاستولى عليها الكفّار، واغتصبوها منهم، فلما أقام المؤمنون الجهاد، وغلبوا عليهم، وأخذوا أموالهم، فقد رجع إليهم ما اغتصبوه منهم، فلهذا سمّاه اللَّه تعالى فيئًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَيَرْفَعُوا) أي أمراء الأمصار (إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ) أي أمر أهل الأمصار الذي لا يستطيعون حلّه، ولا يقدرون على أن يقيموه على الوجه المطلوب، فيرفعوه إلى وليّ الأمر حتى يقوم بحلّ ما أشكل منه، ويُعينهم على إقامته على الوجه المطلوب.
(ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ) تقدّم أن إطلاق الشجر على ما لا ساق له، مثل البصل والثوم جائز لغةً، وهو الراجح؛ لأحاديث هذا الباب الصحيحة، وإن كان أكثر أهل اللغة لا يُطلقونه إلا على ما له ساق، وأما ما لا ساق له، فهو النَّجْم، فتنبّه.
وقوله: (لَا أَرَاهُمَا) بالبناء للفاعل: أي لا أعتقدهما (إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ) جملة في محل نصب على الحال، سُمِّيَا خبيثتين؛ لقبح رائحتهما، وتقدّم أن الخبيث في اللغة: هو المكروه من قول، أو فعل، أو غير ذلك، وقوله: (هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ) يَحْتَمِل النصب على البدليّة من "شجرتين"، ويَحْتَمِل الرفع، على أنه مبتدأ وخبره، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيّا، كأنه قيل له: ما هاتان الشجرتان؟، فأجاب بقوله: هذا البصلُ والثُّومُ.
(لَقَدْ) وفي نسخة: "ولقد" بالواو (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا) أي ريح البصل والثوم (مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (أَمَرَ بِهِ) أي بإخراجه من المسجد (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول (إِلَى الْبَقِيعِ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: مقبرة المدينة، وإنما أُخرج إلى ذلك المكان البعيد، ولم يُترك خارج المسجد؛ تشديدًا في تأديبه حتى لا يعود مرّةً أخرى.
(فَمَنْ أَكَلَهُمَا) أي من أراد أكل البصل والثُّوم (فَلْيُمِتْهُمَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإماتة، أي ليُزل رائحتهما الكريهة (طَبْخًا) منصوب بنزع
стр. 6864
الخافض، أي بالطبخ، وإماتة الشيء: كسرُ حِدّته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجتها بالماء، وكسرت حِدّتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٢٦٢ و ١٢٦٣] (٥٦٧) وسيأتي في "كتاب الفرائض" (١٦١٧)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٤٣) وفي "الكبرى" (٧٨٧) و"التفسير" من "الكبرى" (١١١٣٥) و"الأطعمة" منها (٦٦٧٣ و ٦٦٨٢ و ٦٦٨٤)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٤) و (الأطعمة" (٣٣٦٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (ص ١١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥١٠ - ٥١١ و ٨/ ٣٠٤)، و (ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٥ و ٢٦ و ٤٨ - ٤٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠ و ٢٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٩١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢١٧ و ١٢١٨ و ١٢١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٣٦ و ١٢٣٧ و ١٢٣٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٨٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٢٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في انتقاد الحافظ أبي الحسن الدارقطنيّ ﵀ على المصنّف هذا الحديث:
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ، وهم منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعَمْرو بن مُرّة، فرووه عن سالم، عن عمر منقطعًا، لم يذكروا فيه معدان، قال الدارقطنيّ: وقتادة وإن كان ثقةً، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه مُدَلِّس، ولم يَذكُر فيه سماعَهُ من سالم، فأشبه أن يكون بَلَغه عن سالم، فرواه عنه.
стр. 6865
قال النوويّ: هذا الاستدراك مردودٌ؛ لأن قتادة، وإن كان مُدَلِّسًا، فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاريّ ومسلم عن المدلسين، وعنعنوه، فهو محمولٌ على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلِّس هذا الحديثَ ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا، أو كثير منه يَذكُر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر، متصلًا به، وقد اتفقوا على أن المدلِّس لا يُحتَجُّ بعنعنته، كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح، ولا شك عندنا في أن مسلمًا ﵀ يَعْلَم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يَحتَجَّ به، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يَذكُر معدانًا، من غير أن يكون له ذكر، والذي يُخاف من المدلِّس أن يَحذِف بعض الرواة، أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلِّس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذِكْرُ معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها.
والعجب من الدارقطني: في كونه جعل التدليس موجِبًا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محلُّهُ من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية، وباللَّه التوفيق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما ردّ به النوويّ على الدارقطنيّ أمران:
أحدهما: أن ما كان في "الصحيحين" معنعنًا عن طريق المدلّسين محمول على السماع.
والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يُخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها، هذا ملخّص ردّه ﵀.
وعندي أن قتادة وإن كان معروفًا بالتدليس، فهذا ليس مما دلّسه قطعًا؛ لأنه رواه شعبة عنه كما في الرواية التالية، وقد ثبت وعُرف أن شعبة لا يروي عن قتادة إلا ما صرّح فيه بالسماع، نُقل عنه أنه قال: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: "حدّثنا"، و"سمعتُ" حفظته، وإذا قال: حدّث فلان تركته، وقال أيضًا: كَفَيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.