رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضل ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ، يدلّ ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ) الْكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٤) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٢] (٥٨٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ"، قَالَتْ
стр. 7142
عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر الأَيْليّ، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه المشهور، أبو بكر المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٤.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7143
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) وفي رواية النسائيّ: "دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة. . . "، وفي رواية المصنّف من طريق مسروق، عن عائشة ﵂ الآتية بعد حديث: "قالت: دخلت عليّ عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. . . ".
ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن أن إحداهما تكلّمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنَسَبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحْمَل على المتكلّمة، أفاده الحافظ ﵀، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما.
(وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ) يَحْتمل أن يكون للمسلمين، ويَحْتمل أن يكون لهم ولسائر الناس، وهذا أولى؛ لأنه يدلّ عليه الحديث الآتي بلفظ: "أن أهل القبور يُعذّبون في قبورهم" (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟) أي تعذّبون فيها، قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، قال القاضي عياض ﵀: استعمالها في العرف لكشف الحال المكروه. انتهى. وتُطلق أيضًا على القتل، والإحراق، والنميمة، والتعذيب.
وإنما نُسبت الفتنة إلى القبر؛ لكون الغالب على الموتى أن يُقبَروا، وإلا فالعذاب يقع على من شاء اللَّه تعالى تعذيبه بعد موته، ولو لم يُدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق، لا يسمعه إلا البهائم، كما جاء في الحديث.
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) من الارتياع: وهو الفَزَع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبِق له به علمٌ، ويكون شنيعًا منكرًا، ثم ردّه (وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ") أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون، وهذا قاله بناءً على أنه لم يوحَ إليه قبل ذلك، ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأُوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدليل، بل لقيام أمارةٍ ما على العدم أيضًا، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم عليه دليل، وظهر أمارةٌ ما على عدمه، وإن كان حقًّا، ولا إثم بإنكاره،
стр. 7144
قاله السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ" (١).
وفي هذه الرواية أنكر النبيّ ﷺ على اليهودية، وفي رواية مسروق عن عائشة الآتية: "فقال: صدقتا. . . "، وفي رواية للنسائيّ: "نعم عذاب القبر حقّ"، أقرّها على ما قالت، وبين الروايتين اختلاف.
وأجاب النوويّ تبعًا للطحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ ﷺ قول اليهودية في الأولى، ثم أُعلِمَ النبيُّ ﷺ بذلك، ولم يُعلِم عائشةَ، فجاءت اليهودية مرّة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته، انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وبهذا يجاب أيضًا ما سيأتي في قصة العجوزين أنه ﷺ قال: "صدقتا. . . إلخ".
وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ ﷺ على اليهودية عذاب القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا، من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك اللَّه عذاب القبر، قالت: فدخل رسول اللَّه ﷺ عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال: "لا، وعَمَّ ذاك؟ "، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئًا، إلا قالت: وقاك اللَّه عذاب القبر، قال: "كذبت يهود، وهم على اللَّه كذُبٌ، لا عذاب دون يوم القيامة"، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء اللَّه أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، مشتملًا بثوبه، مُحْمَرّةً عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيها الناس أظلتكم الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرًا، وضحكتم قليلًا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق".
قال الحافظ ﵀: وفي هذا كله أنه ﷺ -إنما عَلِم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما سيأتي تاريخ صلاة الكسوف في موضعه.
وقد استُشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
стр. 7145
الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم يتّصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحّدين، ثم عَلِم ﷺ أن ذلك قد يقع على من يشاء اللَّه منهم، فجزم به، وحذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه، تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض -بحمد اللَّه تعالى- انتهى (١).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ شَعَرْتِ) أيٍ عَلِمتِ، يقال: "شَعَرتُ بالشيء شُعُورًا، من باب قَعَدَ وشِعْرًا، وشِعْرةً بكسرهما: عَلِمْتُ" (٢). (أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موقع المصدر؛ لوقوعها مفعولًا به لـ "شعرت"، والهاء ضمير الشأن، وهو ما تفسّره جملة بعده (أُوحِيَ إِلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة أيضًا؛ لما ذكرته آنفًا، والخطاب للمسلمين (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ ") أي كما تُفتَن اليهود في قبورها، قال في "النهاية": يريد بالفتنة مسألة منكر ونكير، وهو من الفتنة، وهي الامتحان والاختبار. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: المراد عذاب القبر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [البروج: ١٠]، والفتنة تتصرّف على وجوه، وأصلها الاختبار. انتهى (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأولى تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر؛ لثبوت ذلك عن النبيّ ﷺ .
فأما تفسيره بسؤال الملكين، فقد أخرجه الشيخان من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، مرفوعًا: "ولقد أُوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثلَ أو قريب من فتنة الدجال، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما
стр. 7146
علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، فيقول: هو محمد رسول اللَّه، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالِحًا، فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما المنافق أو المرتاب، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته".
وأما تفسيره بعذاب القبر، فقد ثبت أيضًا، حيث أمر النبيّ ﷺ : بالتعوّذ من عذاب القبر، وأنه ﷺ كان يتعوّذ من عذاب القبر، كما بيّنته أحاديث الباب، وغيرها.
والحاصل أن تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر هو الصواب، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد الواقعة المذكورة، وبعد أن أُوحي إليه (يَسْتَعِيذُ) أي يطلب العصمة، والحماية (مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ) أي يطلُب من اللَّه تعالى أن يعصمه من عذاب القبر، وهذا في حقّه ﷺ تعبّد لربه، وتعليم لأمته؛ لأنه معصوم من جميع أنواع العذاب، حيث إن اللَّه غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ١٣٢٢] (٥٨٤) و [٢٤/ ١٣٢٤ و ١٣٢٥] (٥٨٦)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٥٠) و"الجنائز" (١٣٧٢) و"الدعوات" (٦٣٦٦)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١١٥ و ١٣٠٨ و ٢٠٥٥ و ٢٠٦٤ و ٢٠٦٦ و ٢٠٦٧ و ٥٥٠٤) وفي "الكبرى" (١٢٣١ و ٢١٩١ و ٢١٩٢ و ٢١٩٣ و ٢١٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٣٧٤٧ و ٢٤٠٦١ و ٢٥٤٧٧ و ٢٥٥٧٤ و ٢٥٨٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٩٥
стр. 7147
و ١٢٩٦ و ١٢٩٧ و ١٢٩٨)، و (البيهقيّ) في "إثبات عذاب القبر" (١٥٨ و ١٦٠ و ١٦١)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (٣٥٩)، و (هناد) في "الزهد" (١/ ٢١١)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٨٧٦)، و (ابن أبي داود) في "البعث والنشور" (٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستعاذة من عذاب القبر.
٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث وما في معناه يدلّ على صحّة اعتقاد أهل السنّة في عذاب القبر، وأنه حقّ، ويرُدّ على المبتدعة المخالفين في ذلك، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الجنائز" -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان أن عذاب القبر ليس خاصًّا باليهود، بل يعم غيرها من الأمم.
٤ - (ومنها): جواز التحديث عن أهل الكتاب إذا وافق قول رسول اللَّه ﵇.
٥ - (ومنها): التوقّف عن خبر أهل الكتاب حتى يُعرف أصدقٌ هو، أم كَذِبٌ؟.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الخوف من اللَّه تعالى، فكان يستعيذ به من عذاب القبر، وعذاب النار، مع أنه ﷺ غُفِر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر.
٧ - (ومنها): بيان أنه ﷺ لا يَعلم الغيب، إلا ما أطلعه اللَّه تعالى بالوحي، ولذا أنكر على اليهودية عذاب القبر مع أنه حقّ؛ لأنه لم يوح إليه به في ذلك الوقت، ثم لما أُوحي إليه به صدّقها.
٨ - (ومنها): جواز دخول اليهوديّة على المسلمات.
٩ - (ومنها): جواز استخدام الذميّة، فقد تقدّم في رواية أحمد في "مسنده" أن هذه اليهوديّة كانت تخدم عائشة ﵂.
١٠ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: ارتياع النبيّ ﷺ عند إخبار اليهوديّة بعذاب القبر إنما هو على جهة استبعاد ذلك للمؤمن؛ إذ لم يكن أُوحي إليه في
стр. 7148
ذلك شيء، ولذلك حقّقه على اليهود، فقال: "إنما تُفتن يهود" على ما كان عنده من علم ذلك، ثم أخبر أنه أوحي إليه بوقوع ذلك، وحينئذ تعوّذ منه، ولَمَّا استعظم الأمر، واستهوله أكثر الاستعاذة منه، وأمر به، وبإيقاعه في الصلاة؛ ليكون أنجح في الإجابة، وأسعف في الطَّلِبَة؛ إذ الصلاة من أفضل القرب، وأرجى للإجابة، وخصوصًا بعد فراغها (١)، فقد أخرج الترمذيّ عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل: يا رسول اللَّه، أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات"، قال الترمذيّ: حديث حسن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٣] (٥٨٥) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وشرح الحديث واضح.
وقوله: (بَعْدَ ذَلِكَ) هكذا في رواية المصنّف، والنسائيّ، والظاهر أن مرجع اسم الإشارة ما دلّت عليه أحاديث الباب، أي بعدما أُوحى إليه بعذاب القبر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 7149
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ١٣٢٣] (٥٨٥)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٦١) وفي "الكبرى" (٢١٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٩٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٤] (٥٨٦) - (حَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: "صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ (٢) عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ"، قَالَتْ (٣): فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر، تقدّم قبل باب.
٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
стр. 7150
٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد مخضرم [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ) تثنية عَجُوز، ووقع في رواية النسائيّ: "عجوزتان" بتاء التأنيث، والأول هو المشهور عند اللغويين، قال ابن السكّيت: الْعَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء.
والثانية أيضًا جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضًا: عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، ورُوي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول: عَجُوزة بالهاء. قاله في "المصباح".
وقولها: (مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ) -بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي-: جمع عَجُوز، مثل عَمُود، وعُمُد، ويجمع أيضًا على عجائز (فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ) والظاهر أنهما أخذتا هذا من أحبار اليهود (قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَكَذَّبْتُهُمَا) ظنًّا منها أن هذا مما كذبه اليهود (وَلَمْ أُنْعِمْ) بضم الهمزة، وإسكان النون، وكسر العين المهملة، من الإنعام، رباعيًّا، يقال: أنعمتُ له -بالألف-: إذا قلتَ له: نَعَم، قال النوويّ ﵀: أي لم تَطِبْ نفسي أن أُصدّقهما، ومنه قولهم في التصديق: نَعَم، وقولها: (أَنْ أُصَدِّقَهُمَا) "أن" مصدريّةٌ، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ "أُنْعِم"، والمراد أنها لم تصدّقهما أوّلًا؛ لظهور كذب اليهود، وافتراءاتهم في الدين، وتحريفهم الكتاب، كما أخبر اللَّه تعالى بذلك، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] الآية.
(فَخَرَجَتَا) أي العجوزان من البيت (وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا) أي قالتا، وقد تقدّم أن زعم أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، وهو هنا كذلك، بناء على ظنّ عائشة ﵂ (أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ) بالبناء للمفعول (فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ) ﷺ ("صَدَقَتَا) ظاهر هذا أن هذه الواقعة غير الواقعة السابقة؛
стр. 7151
لأنه فيها أنه ﷺ أنكر ذلك، فتكون هذه بعدما أُوحي إليه، فقوله: (إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ) وفي نسخة: "ليُعذّبون" الضمير فيه لأهل القبور.
ويَحْتَمِل أن تتّحد الواقعتان، فيكون قبل أن يوحَى إليه، ويكون الضمير في قوله: "إنهم يعذّبون" لليهود، والوجه الأول أقرب وأظهر، واللَّه تعالى أعلم.
قال الكرمانيّ ﵀: لعله سَمَّى أحوال العباد في القبر تعذيبًا؛ تغليبًا لفتنة العاصي على فتنة المطيع؛ لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يَهاب منه ابن آدم في العادة. انتهى.
(عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ") جمع بهيمة، قال في "المصباح": البَهيمة: كلُّ ذات أربع، من دوابّ البحر والبرّ، وكلُّ حيوان لا يُميِّز، فهو بهيمة، والجمع بَهَائم. انتهى (١). (قَالَتْ) وفي نسخة: "ثمّ قالت"، أي عائشة ﵂ (فَمَا) نافية (رَأَيْتُهُ) أي النبيّ ﷺ (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ كما مرّ في الحديث الماضي، أي بعد هذه الواقعة، وفي الرواية التالية: "وما صلّى صلاةً بعد ذلك إلا سمعته يتعوّذ من عذاب القبر" (فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي لأنه أوحي إليه به.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله في الحديث الماضى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (٢) هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ قَالَتْ: وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مصعب التميميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) عن (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
стр. 7152
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَشْعَثُ) بن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣.
٤ - (أَبُوهُ) سُليم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ، أبو الشعثاء الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (٨٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٩/ ٦٢٢.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث عائشة ﵂ الماضي.
[تنبيه]: رواية أشعث، عن أبيه، عن مسروق هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٥) - (بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٦] (٥٨٧) - (حَدَّثَنى (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
стр. 7153
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تأتي بعد حديث، أخّرتها إلى هناك؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٧] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
[تنبيه]: كذا وقع في النسخ الموجودة عندي كلِّها تقديم حديث أبي هريرة هذا على حديث عائشة الآتي بعده، وكان الأولى تأخيره عنه؛ ليتوالى حديثاها، ولعله من تصرّف النسّاخ، واللَّه تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِي) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (ابْنُ نمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
стр. 7154
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذكر في السند الماضي.
٥ - (وَكِيع) بن الجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٧ - (حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) الْمُحاربيّ مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٤].
رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي عائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقةٌ. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قدريًّا. وقال سعيد بن عبد العزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ، فقال: ما أغرّ سعيدًا باللَّه، ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل منه. وقال الجُوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقةٌ. وقال الأوزاعيّ: كان حسّان يتنحّى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر اللَّه حتى تغيب الشمس. وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطيّة عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) المدني مولى بني أُميّة، سكن دِمَشق، خرج إليها مع بني أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، حجازيّ ليس به بأس [٤].
стр. 7155
رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلّى مع النبيّ ﷺ ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
ورَوَى عنه حسّان بن عطيّة، وأبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال: سألت أبي عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث. انتهى.
قال الحافظ: وقع له -أي لابن أبي حاتم- وَهَمٌ في ذكر الرواة عنه، ؤذلك أنه صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو. انتهى.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة" حديثًا واحدًا، والباقون إلا الترمذي، له عندهم حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: "ذهب أصحاب الدُّثُور بالأُجُور، يصلّون كما نصلي. . . " في الذكر عقب الصلاة، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
١٠ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: نصرًا، وأبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة دون واسطة، وقد جمعتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأَصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
стр. 7156
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينِ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيرًا؛ لطول العهد بهم.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: حسّان، عن محمد بن أبي عاشة.
٥ - (ومنها): أن للأوزاعيّ فيه سندان: حسّان، عن محمد بن أبي عائشة، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فقوله: "وعن يحيى. . . إلخ" عطف على قوله: "عن حسّان. . . إلخ".
٦ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهم الذين جمعهم الحافظ العراقيّ ﵀ في قوله:
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمٌ
وقد تقدّموا أيضًا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيرًا؛ لطول العهد بهم.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية الوليد، عن الأوزاعيّ الآتية: "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر. . . " ومعناه آخر الصلاة، فيَشْمَل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة ﵂ المذكور بعده: "أن النبيّ ﷺ كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. . . "، فَبَيَّن في هذا الحديث أن التعوذ يكون في آخر الصلاة.
وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوّذ أيضًا في التشهّد الأول.
стр. 7157
قال النوويّ ﵀: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يُسْتَحَبُّ في الأول، وهكذا الحكم؛ لأن الأوّل مبنيّ على التخفيف. انتهى (١).
(فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاووس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، كما سيذكره المصنّف آخر الباب، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب، وادَّعَى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر.
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث المسيء صلاته؛ لما عرّفناك في شرحه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ ﵀ هو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم.
(مِنْ أَرْبَعٍ) أي من أربع خصال، قال في "المرعاة": ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوّذ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة ﵂ الآتي بعد هذا (٢).
وقوله: (يَقُولُ) تفسير لتلك الخصال الأربع، مع بيان الصيغة التي تقال (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) قال ابن الأثير ﵀: هي لفظة أعجميّة، اسم لنار الآخرة، وقيل: هي عربيّة، وسُمّيت بها لبعد قعرها، ومنه: ركِيّةٌ جِهِنَّامٌ -بكسر الجيم والهاء والتشديد-: أي بعيدة القعر، وقيل: تعريب كِهِنَّام بالعِبرانيّ. انتهى (٣).
وإنما قُدِّم التعوذ من عذاب جهنم؛ لكونه أشدّ وأبقى (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) هو ضرب من لم يُوَفَّق للجواب عند السؤال بمقامع من حديد، فقد أخرج الشيخان عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "العبد إذا وُضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله،
стр. 7158
فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنة، قال النبيّ ﷺ : فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ، ثم يُضْرَب بِمِطرَقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين".
وقال الإمام أحمد في "مسنده" (١٠٦١٧): حدّثنا أبو عامر، حدثنا عَبّاد -يعني ابن راشد- عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ جنازةً، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أيها الناس إن هذه الأُمة تُبْتَلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفن، فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مِطراق فاقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت، فهذا منزلك، فَيُفْتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن، ويُفْسَح له في قبره، وإن كان كافرًا أو منافقًا، يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ولا اهتديت، ثم يُفْتَح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فان اللَّه أبدلك به هذا، ويُفْتَح له باب إلى النار، ثم يَقْمَعه قمعة بالْمِطْرَاق، يسمعها خلق اللَّه كلهم غير الثقلين"، فقال بعض القوم: يا رسول اللَّه ما أحدٌ يقوم عليه ملك في يده مِطْراق إلا هُبِلَ (١) عند ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى.
وغير ذلك من أنواع العذاب، كشدّة الضغط، فقد ورد أنه يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (٢).
(وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار،
стр. 7159
قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يُكره. انتهى. وتُطلَق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك.
و"المحيا" بالقصر مَفْعَل من الحياة، كالْمَمَات من الموت، والمراد: الحياة والموت، ويَحْتَمِل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك مِحنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ ﵀.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: فتنة المحيا ما يَعرِض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ باللَّه- أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يُراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن بها فتنة القبر، وقد صحّ -يعني في حديث أسماء الآتي في "الكسوف": "ولأنه قد أُوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبًا، أو مثل فتنة المسيح الدجّال"، ولا يكون مع هذا الوجه متكرّرًا مع قوله: "عذاب القبر"؛ لأن العذاب مترتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الْحَيْرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجّال داخلة تحت فتنة المحيا.
وأخرج الحكيم الترمذيّ في "نوادر الأصول" عن سفيان الثوريّ أن الميت إذا سئل "من ربّك" تراءى له الشيطان، فيُشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل، ثمّ أخرج بسند جيّد إلى عمرو بن مرّة: "كانوا يستحبّون إذا وُضع الميت في القبر أن يقولوا: اللَّهم أعذه من الشيطان"، قاله في "الفتح".
(وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ") قيل: أَخَّره؛ لأنه إنما يقع في آخر الزمان قربَ الساعة.
قال القاري ﵀: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيمانًا، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه. انتهى.
стр. 7160
و"المسيح" -بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة- يُطْلَق على الدجّال، وعلى عيسى ابن مريم ﵇ ولكن إذا أريد الدجّال قُيّد به.
وقال أبو داود في "السنن": "الْمِسِّيح" مثقّلًا: الدجّال، ومخففًا: عيسى، والمشهور الأول. وأما ما نقل الفِرَبْرِيّ في رواية المستملي وحده عنه، عن خلف بن عامر، وهو الهمداني أحد الحُفّاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجّال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث.
وقال الجوهريّ: من قال بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجّال، ونُسِب قائله إلى التصحيف.
واختُلِف في تلقيب الدجّال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يَمْسَح الأرض إذا خرج.
وأما عيسى ﵇ فقيل: سُمّي بذلك لأنه خَرَج من بطن أمّه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريّا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يَمسح ذا عاهة إلّا برئ، وقيل: لأنه كان يَمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ماشيخا، فَعُرِّب المسيحَ، وقيل: المسيح الصدّيق، وذكر صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولًا، أوردها في "شرح المشارق".
و"الدّجّال": الخَدّاع الكَذّاب. فَعّال، من الدَّجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذّاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كلُّ مفسد مضلّ.
والمراد بفتنة المسيح الدجّال هي ما يَظْهَر على يديه من الخوارق للعادة التي يُضِلّ بها مَن ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يَظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا اللَّه تعالى من شر فتنته، بمنّه وكرمه آمين.
стр. 7161
زاد في رواية النسائيّ من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ: "ثمّ يدعو لنفسه بما بدا له".
وهذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب، حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٢٧ و ١٣٢٩ و ١٣٣٠ و ١٣٣١ و ١٣٣٢ و ١٣٣٣ و ١٣٣٤ و ١٣٣٥] (٥٨٨)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٧٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٨٣)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٦٠٤)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣١٠) وفي "الكبرى" (١٢٣٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩٠٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ١٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٦٩ و ٤٨٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٥٠ و ١٣٥١)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٤٨ و ٦٥٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٢١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٠٢ و ١٠١٨ و ١٠١٩ و ١٩٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٤٣ و ٢٠٤٤ و ٢٠٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٠١ و ١٣٠٢ و ١٣٠٣ و ١٣٠٤ و ١٣٠٥ و ١٣٠٦ و ١٣٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٥٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٨] (٥٨٩) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ،
стр. 7162
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ"، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤). تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ، الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة، اسم أبيه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، والأول حمصيّون، سوى شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته.
٥ - (ومنها): أن فيه عروةَ أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7163
شرح الحديث:
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂، وقوله: (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) منصوب على أنه بدل، أو عطف بيان لـ "عائشة"، والزوج بلا هاء يطلق على الرجل والمرأة على اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وقد يقال للمرأة: زوجة بالهاء (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ) هذا مطلق لا يخصّ محلًّا من الصلاة، لكن يُعَيِّن أنه بعد التشهّد الأخير ما يأتي للمصنّف في حديث أبي هريرة ﵁، من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، بلفظ: "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الأخير، فليتعوذ باللَّه من أربع. . . " فذكره، ويُعيّنه أيضًا ما أخرجه أحمد في "مسنده" (١)، وصححه ابن خزيمة -واللفظ له- من رواية ابن جُريج، أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، أنه كان يقول بعد التشهد كلماتٍ، يعظّمهنّ جدًّا، قلت: في المثنى كليهما؟، قال: بل في المثنّى الأخير بعد التشهّد،، قلت: ما هو؟، قال: "أعوذ باللَّه من عذاب القبر، وأعوذ باللَّه من عذاب جهنّم، وأعوذ باللَّه من شرّ المسيح الدّجّال، وأعوذ باللَّه من عذاب القبر، وأعوذ باللَّه من فتنة المحيا والممات"، قال: كان يعظّمهنّ.
قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه، عن عائشة عن النبيّ ﷺ .
ففي هذا تعيين هذه أن محلّ هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهّد الأخير، فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيّر من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام (٢).
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) تقدّم شرحه في الحديث الماضي (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال القرطبيّ ﵀: أي الحياة والموت، ويَحْتَمِل زمان ذلك؛ لأن كلّ ما كان معلَّ العين من الثلاثيّ، فقد يأتي منه المصدر، والزمان، والمكان بلفظ واحد، ويريد بذلك مِحْنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يُريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، فكأنه لَمّا استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل التثبيت
стр. 7164
فيهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، واللَّه تعالى أعلم (١).
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ) أي مما يَأْثَم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وُضع موضع الاسم.
(وَالْمَغْرَمِ) قال ابن الأثير ﵀: هو مصدر وُضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغُرْم، وهو الدين، ويريد به ما استُدين فيما يكرهه اللَّه، أو فيما يجوز، ثمّ عَجَز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه، وهو قادر على أدائه، فلا يُستعاذ منه. انتهى.
وقال الحافظ ﵀: المغرم الدين، يقال: غَرِم -بكسر الراء- أي ادَّانَ، قيل: المراد به ما يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يَعْجِز عن أدائه، ويَحْتَمِل أن يراد به ما هو أعمّ من ذلك، وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين.
وقال القرطبيّ ﵀: المغرم الغُرْم، وقد نَبّه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم. انتهى.
وقال السنديّ ﵀ بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى المعصية بسببٍ ما. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله السنديّ ﵀ هو الصواب؛ ويؤيّده آخر الحديث، حيث بيّن النبيّ ﷺ أن المغرم يترتّب عليه الكذب، وخُلْف الوعد، وهاتان من أخلاق المنافقين، وأما ما خلا عن ذلك فليس محلّ الاستعاذة؛ إذ الدين ليس مذمومًا على إطلاقه، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى اللَّهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه اللَّه".
وقد أخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، عن أم المؤمنين ميمونة ﵂ أنها كانت تَدَّانُ وتُكثر، فقال لها أهلها في ذلك، ولاموها، ووجدوا عليها، فقالت: لا أترك الدين، وقد سمعت خليلي وصفيي ﷺ يقول:
стр. 7165
"ما من أحد يَدَّانُ دَيْنًا، فعلم اللَّه أنه يريد قضاءه، إلا أداه اللَّه عنه في الدنيا" (١).
ولفظ ابن ماجه: كانت تَدّان دَينًا، فقال لها بعض أهلها: لا تفعلي، وأنكر ذلك عليها، قالت: بلى، إني سمعت نبيي وخليلي ﷺ يقول: "ما من مسلم يَدّان دينًا يعلم اللَّه منه أنه يريد أداءه، إلا أداه اللَّه عنه في الدنيا".
فتبيّن بهذا أن الدين ليس مذمومًا إلا إذا ساءت نيّة الإنسان، فعند ذلك يُذمّ، ويكون ذنبًا يعاقبه اللَّه تعالى عليه، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الحاكم في "مستدركه" (٢/ ٢٤)، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدين راية اللَّه في الأرض، فإذا أراد أن يُذِلّ عبدًا وضعها في عنقه"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. انتهى.
وهذا من تساهلاته، فقد تعقّبه الحافظ الذهبيّ ﵀، بأن في سنده بشر بن عبيد الدارسيّ، وهو وَاهٍ، وقال الشيخ الألبانيّ: إنه موضوع (٢).
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) هي عائشة ﵂، كما بينته رواية النسائيّ من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظها: كان رسول اللَّه ﷺ أكثر ما يتعوّذ من الْمَغْرَم والْمَأْثَم، قلت: يا رسول اللَّه، ما أكثر ما تتعَوَّذ من المغرم؟، قال: "إنه مَن غَرِمَ حَدّث، فكَذَب، ووَعَد فأخلَفَ".
(مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) "ما" الأولى تعجبية، و"أَكْثَرَ" -بفتح الراء- فِعْلُ تعجب، و"ما" الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعولُ فِعْلِ التعجّب، كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يَحْتَرِز عنه أصحاب الكمال، قاله السنديّ ﵀.
(فَقَالَ) ﷺ جوابًا عن هذا السوال ("إِنَّ الرَّجُلَ) المراد الجنس، وغالب حاله، ومثله المرأة (إِذَا غَرِمَ) -بكسر الراء- من باب تَعِبَ: أي لزمه دين، والمراد استدان، واتَّخَذَ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حَدَّثَ)
стр. 7166
-بتشديد الدّال- أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فَكَذَبَ) بفتح الذال المخفّفة، قال الفيّومي: كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِبًا، بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الذال، فالكذِبُ هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواءٌ فيه العمد والخطأُ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنّة، والإثم يَتْبَعُ العمد. انتهى (١).
والمعنى هنا: أنه يُحدّث ربّ الدين إذا تقاضاه، ولم يُحْضِر ما يُؤدِّي به دينه، فيكذب عليه؛ ليتخلص من يده، ويقول له: لي مال غائبٌ إذا حضر أُؤدِّي دينك منه، وليس له مالٌ، وإنما يريد التخلّص منه.
(وَوَعَدَ) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غدًا، أو في المدّة الفلانية (فَأَخْلَفَ") في وعده.
وبما تقرّر عُلم أن "غرم" فعل شرط، و"حدّث" جزاؤه، و"كذب" عطف على الجزاء مرقب عليه، و"وعد" عطف على "حدّث"، لا على "غَرِم"، و"أخلف" مرتب عليه.
وحاصل الجواب أن الدَّين يُؤدِّي إلى خلل بالدِّين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة.
واستُشكل دعاؤه ﷺ بما ذُكِر مع أنه معصومٌ مغفورٌ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
وأجيب بأجوبة:
(أحدها): أنه قَصَد التعليم لأمته.
(ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
(ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف اللَّه، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقُّق الإجابة؛ لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويَرْفَع الدرجات، وفيه تحريض
стр. 7167
لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان ﷺ مع تحقّق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يُدْرِكه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل تحقُّق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يَخرُج، وأنا فيكم، فانا حجيجه. . . " الحديث، أفاده في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٢٦] (٥٨٧) و [٢٥/ ١٣٢٨] (٥٨٩)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٣٢) و"الاستقراض" (٢٣٩٧) و"الدعوات" (٦٣٦٨ و ٦٣٧٥ و ٦٣٧٦ و ٦٣٧٧) و"الفتن" (٧١٢٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٨٨٠)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٩٥)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٠٩) و"الاستعاذة" (٥٤٥٤ و ٥٤٧٢) وفي "الكبرى" (١٢٣٢)، و (ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٣٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ١٨٨ - ١٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٨ - ٨٩ و ٢٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٥٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة.
٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، خلافًا لمن نفاه من المعتزلة، والتعوّذ منه.
٣ - (ومنها): إثبات وجود الدجّال، وإثبات خروجه، وفتنته الناس.
٤ - (ومنها): التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه، وسؤال اللَّه تعالى في دفعها.
стр. 7168
٥ - (ومنها): تعظيم شأن الدَّينِ، وأنه سبب للوقوع في الإثم، من الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، وهما من صفات المنافقين.
٦ - (ومنها): الاستعاذة من الدين؛ لأنه يَشين في الدنيا والآخرة إذا خلا عن نيّة صالحة في قضائه، كما سبق بيانه قريبًا.
٧ - (ومنها): ما قاله المهلّب ﵀: يُستفاد منه سدّ الذرائع؛ لأنه ﷺ استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد مع ما لصاحب الدين من المقال، ولا تناقض بين الاستعاذة من الدين، وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استُعيذ منه غوائل الدين، فمن ادّان وسَلِم منها، فقد أعاذه اللَّه تعالى، وفَعَل جائزًا. انتهى (١).
٨ - (ومنها): أن في سماع عائشة ﵂ دعاء النبيّ ﷺ في صلاته دليلًا على أنه كان أحيانًا يُسمع من يليه دعاءه، كما كان أحيانًا يُسمع من يليه الآية من القرآن (٢).
٩ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: ودعاء النبيّ ﷺ ، واستعاذته من هذه الأمور التي قد عُوفي منها، وعُصِم إنما فعله ليلتزم خوفَ اللَّه تعالى، وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به أمته، وليبين لهم صفة الدعاء، والمهتم منه. انتهى.
١٠ - (ومنها): ما قاله في "العمدة": [فإن قلت]: قوله: "فتنة المحيا والممات" يَشْمَل جميع ما ذُكِر، فلأيّ شيء خُصِّصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟.
[قلت]: لعظم شأنها، وكثرة شرّها، ولا شك أن تخصيص بعض ما يَشْمَله العامّ من باب الاعتناء بأمره؛ لشدة حكمه، وفيه أيضًا عطف العامّ على الخاصّ، وذلك لفَخَامة أمر المعطوف عليه، وعِظَم شأنه، وفيه اللفّ والنشر الغير المرتَّب؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا.
стр. 7169
[فإن قلت]: ما فائدة تعوذه ﷺ هذه الأمور التي قد عُصِم منها؟.
[قلت]: إنما ذلك ليلتزم خوف اللَّه تعالى، ولتقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء.
[فإن قلت]: سَلّمنا ذلك، ولكن ما فائدة تعوذه من فتنة المسيح الدجال، مع علمه بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير؟.
[قلت]: فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة، بأشه كذّاب مُبطِل مُفْتَرٍ سَاعٍ على وجه الأرض بالفساد، مُمَوِّه ساحرٌ حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه، عليه اللعنة، ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلةٌ، كما أخبر به رسول اللَّه ﷺ .
ويجوز أن يكون هذا تعليمًا منه ﷺ لأمته، أو تعوُّذًا منه لهم.
[فإن قلت]: يعارض التعوّذ باللَّه عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر، يرفعه: "إن اللَّه تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكرهه اللَّه تعالى" (١)، وكان ابن جعفر يقول لخادمه: اذهب فخذ لي بدَين، فإني أكره أن أبيت الليلة إلّا واللَّه معي، قال الطبرانيّ: وكلا الحديثين صحيح.
[قلت]: المغرم الذي استعاذ منه ﷺ إما أن يكون في مباح، ولكن لا وجه عنده لقضائه، فهو مُتَعَرِّضٌ لهلاك مال أخيه، أو يستدين، وله إلى القضاء سبيلٌ، غيرَ أنه يَرَى ترك القضاء، وهذا لا يصحّ إلّا أذا نُزِّل كلامه ﷺ على التعليم لأمته، أو يستدين من غير حاجة؛ طمعًا في مال أخيه، ونحو ذلك، وحديث جعفر ﵁ فيمن يستدين لاحتياجه احتياجًا شرعيًّا، ونيته القضاء، وإن لم يكن له سبيلٌ إلى القضاء. انتهى ما في "العمدة" (٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، ومرّ البحث قريبًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7170
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٩] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ (٢) الدَّجَّالِ").
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا طريق ثانٍ لحديث أبي هريرة ﵁ الماضي، وقد تقدّم أن الأولى تقديم حديث عائشة ﵂ المذكور قبل هذا إلى حديثها أول الباب، وذكر أحاديث أبي هريرة منسّقةً، كما لا يخفى.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل حديث، سوى:
١ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبي العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
وقوله: ("إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ) فيه بيان محلّ التعوّذ من هذه الأربع، وهو بعد التشهّد الآخر، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث أوجبه في التشهّد الأول أيضًا.
وقوله: (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. . . إلخ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ:
стр. 7171
(ح) وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ (١): "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآخِرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير، أبو صالح البغداديّ الْقَطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيادٍ) السَّكْسَكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقب، واسمه محمد، أو عبد اللَّه، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ مُتقنٌ [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٩.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بوزن جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٤ - (عِيسَى بْنَ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من هِقْل بن زياد، وعيسى بن يونس روياه عن الأوزاعيّ، بالإسناد الماضي، وهو عن حسّان بن عطيّة، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة ﵁.
[تنبيه]: رواية هقل، وعيسى لم أجد من ساقهما بمفردهما، إلا ما ساقه أبو نعيم، في "مستخرجه" (٢/ ١٨٦) فقال:
(١٣٠١) حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن إسحاق ابن راهويه، ثنا أبي، ثنا عيسى بن يونس (ح) وحدّثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الْهِقْل بن زياد (ح) وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع (ح) وحدّثنا أبو جعفر، محمد بن الحسن اليقطينيّ، ثنا أبو يحيى الخزيميّ، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم (ح) وحدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا
стр. 7172
عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قالوا: ثنا الأوزاعيّ، ثنا حسان بن عطية، حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ باللَّه من الأربع، من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وشر المسيح الدجال"، قال: لفظهم واحد. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال أبو نعيم: إن لفظهم واحد، وهو مخالف لقول المصنّف: "ولم يذكر الآخر"، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَشَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، و"يحيى": هو ابن أبي كثير، و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، وكذا مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 7173
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، عُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (طاووسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
وقوله: (عُوذُوا بِاللَّهِ. . . إلخ) أمر من عاذ كقال، أي اطلبوا منه العصمة، يقال: استعذتُ باللَّه، وعُذْتُ به مَعَاذًا، وعِيَاذًا: اعتصمتُ به (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، غير:
١ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد اللَّه بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 7174
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث أبي هريرة الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن طاوس هذه ساقها الحميديّ في "مسنده" (٢/ ٤٣٢)، فقال:
(٩٨٠) حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عُوذوا باللَّه من عذاب اللَّه، عوذوا باللَّه من فتنة المحيا والممات، عوذوا باللَّه من عذاب القبر، عوذوا باللَّه من فتنة المسيح الدجال". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (ح م د ت س) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٣ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
[تنبيه]: رواية الأعرج هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٥٥١٦) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "عُوذُوا باللَّه من عذاب اللَّه، عُوذوا باللَّه من عذاب القبر، عُوذوا باللَّه من فتنة المحيا والممات، عُوذوا باللَّه
стр. 7175
من فتنة المسيح الدجال". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم قبل بابين.
٣ - (بُدَيْل) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ [٥] (ت ١٢٥ أو ١٣٥) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٧/ ١١١٥.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَفِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نصبٌ [٣] (ت ١٠٨) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠.
والباقيان تقدّما في الباب.
والحديث أخرجه النسائيّ في "كتاب الاستعاذة" (٨/ ١٧٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩٨ و ٤٥٤)، وشرحه، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٦] (٥٩٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا
стр. 7176
نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا (١) فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الإمام الحجة الفقيه المجتهد المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، تقدّم قبل باب، و"طاوس" ذكر قبل حديثين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أي أصحابه، أو أهل بيته (هَذَا الدُّعَاءَ) أي الذي يأتي (كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) هذا بيان
стр. 7177
لتأكيد اهتمامه ﷺ بتعليم هذا الدعاء لأمته، وتأكّد التعوذ به، والحثّ الشديد عليه (يَقُولُ) ﷺ ("قُولُوا) هذا أمر بقول هذا الدعاء، وظاهر الأمر للوجوب، واليه ذهب طاوس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع به، وإليه ذهب ابن حزم، وذهب الجمهور إلى استحبابه، والأول هو الظاهر؛ لأنه لا صارف للأمر (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى خالقها (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) أي على تقدير لُقيّه (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ") هذا تعميم بعد تخصيص، وكرّر "أعوذ" في كلّ واحدة؛ إظهارًا لعظم موقعها، وأنها حقيقة بإعاذة مستقلّة.
(قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج) صاحب الكتاب: (بَلَغَنِي) قال صاحب "التنبيه": لا أدري من بلّغه (١). (أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ) يَحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن طاوس، أو غيره (أَدَعَوْتَ بِهَا) وفي بعض النسخ: "دعوت بها؟ " بحذف همزة الاستفهام، أي هل دعوت بهذه الدعوات (فِي صَلَاتِكَ؟، فَقَالَ) ابنه (لَا) أي لم أدع بها (قَالَ) طاوس لابنه (أَعِدْ صَلَاتِكَ) أي لتركك ما أُمرت به، وهي الدعوات المذكورة، ثم سبب أمره بإعادة صلاته، فقال: (لِأَنَّ طَاوُسًا) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: لأنّي رويته (رَوَاهُ) أي نقله (عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ) "أو" للشكّ من الراوي.
قال النوويّ ﵀: ظاهر كلام طاوس: أنه حَمَل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحبّ، ليس بواجب، ولعلّ طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما قاله القاضي عياض ﵀: إن طاوسًا يرى الوجوب، وعبارته في "الإكمال": وقولُ طاوس لابنه -إذ لم يتعوّذ كما علّمهم النبيّ ﷺ بذلك-: أَعِدْ صلاتك، يدلّ أنه حَمَل أمر النبيّ ﷺ بذلك، وبقوله: "عُوذُوا باللَّه" على الوجوب. انتهى (٢).
стр. 7178
وقال القرطبيّ ﵀: وأمر طاوس ابنه بإعادته لَمّا لم يتعوّذ من تلك الأمور دليلٌ على أنه كان يعتقد وجوب التعوّذ منها في الصلاة، وكأنه تمسّك بظاهر الأمر بالتعوّذ منها، وتأكّد ذلك بتعليم النبيّ ﷺ إياها الناس كما يُعلِّمهم السورة من القرآن، وبدوام النبيّ ﷺ على ذلك.
قال: ويَحْتَمِل أن ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه، لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرم فائدتها وثوابها. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح؛ لوضوح أدلّته، كما بيّنه القرطبيّ ﵀ نفسه.
والحاصل أن أدلّة القول بوجوب الاستعاذة من هذه الأربع ظاهرة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٣٦] (٥٩٠)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٩٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥٤٢)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٩٤)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ١٠٤)، و"الاستعاذة" (٨/ ٢٦٧ - ٢٧٧)، و (ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٤٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و ٢٥٨ و ٢٩٨ و ٣١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٩٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢١٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣٦٤)، واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 7179
(٢٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٣٧] (٥٩١) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (١)، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامٍ"، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ (٢): أَستَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) -بالتصغير- الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَليدُ) بن مسلم الدمشقيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (أَبُو عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) القرشيّ الدمشقيّ، مولى معاوية بن أبي سُفيان، ثقة يُرسل [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وشدّاد بن أوس، وعمرو بن عَبَسَة، وواثلة، وأبي أسماء الرحَبيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وعكرمة بن عمّار، وعوف الأعرابي، وغيرهم.
قال عكرمة بن عمّار: حدّثنا شدّاد أبو عمّار، وقد لقي أبا أمامة، وواثلة، وصَحِبَ أنسًا إلى الشام، وأثنى عليه فضلًا وخيرًا، وقال يحيى بن أبي كثير: حدّثنا شدّاد بن عبد اللَّه، وكان مرضيًّا، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، وابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به
стр. 7180
بأس، وكذلك قال النسائيّ، وقال صالح بن محمد: صدوق لم يسمع من أبي هريرة، ولا من عوف بن مالك، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٩١) و (٨٣٢) و (١٠٣٦) و (٢٠٧٤) و (٢٢٧٦) و (٢٢٧٨) و (٢٧٦٥).
٥ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثَد، ويقال: اسمه عبد اللَّه الدمشقيّ، ثقة [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
٦ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ ﷺ ، صَحِبَهُ ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارَزميّ، ثم بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) قال النوويّ ﵀: المراد بالانصراف السلام، أي سلّم منها (اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) هذا الاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحقّ عبادة مولاه، لما يَعْرِض له من الوسواس والخواطر، فشُرع له الاستغفار، تداركًا لذلك.
وقال السنديّ ﵀: استغفر ﷺ تحقيرًا لعمله، وتعظيمًا لجناب ربّه، وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفارًا كلّما يزداد عملًا، وقد مدح اللَّه عباده، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
وقال ابن سيّد الناس ﵀: هو وفاء بحقّ العبوديّة، وقيام بوظائف