← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ". قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا (١) فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الإمام الحجة الفقيه المجتهد المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، تقدّم قبل باب، و"طاوس" ذكر قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أي أصحابه، أو أهل بيته (هَذَا الدُّعَاءَ) أي الذي يأتي (كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) هذا بيان

стр. 7177

لتأكيد اهتمامه ﷺ بتعليم هذا الدعاء لأمته، وتأكّد التعوذ به، والحثّ الشديد عليه (يَقُولُ) ﷺ ("قُولُوا) هذا أمر بقول هذا الدعاء، وظاهر الأمر للوجوب، واليه ذهب طاوس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع به، وإليه ذهب ابن حزم، وذهب الجمهور إلى استحبابه، والأول هو الظاهر؛ لأنه لا صارف للأمر (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى خالقها (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) أي على تقدير لُقيّه (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ") هذا تعميم بعد تخصيص، وكرّر "أعوذ" في كلّ واحدة؛ إظهارًا لعظم موقعها، وأنها حقيقة بإعاذة مستقلّة. (قَالَ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج) صاحب الكتاب: (بَلَغَنِي) قال صاحب "التنبيه": لا أدري من بلّغه (١). (أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ) يَحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن طاوس، أو غيره (أَدَعَوْتَ بِهَا) وفي بعض النسخ: "دعوت بها؟ " بحذف همزة الاستفهام، أي هل دعوت بهذه الدعوات (فِي صَلَاتِكَ؟، فَقَالَ) ابنه (لَا) أي لم أدع بها (قَالَ) طاوس لابنه (أَعِدْ صَلَاتِكَ) أي لتركك ما أُمرت به، وهي الدعوات المذكورة، ثم سبب أمره بإعادة صلاته، فقال: (لِأَنَّ طَاوُسًا) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: لأنّي رويته (رَوَاهُ) أي نقله (عَنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ) "أو" للشكّ من الراوي. قال النوويّ ﵀: ظاهر كلام طاوس: أنه حَمَل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحبّ، ليس بواجب، ولعلّ طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما قاله القاضي عياض ﵀: إن طاوسًا يرى الوجوب، وعبارته في "الإكمال": وقولُ طاوس لابنه -إذ لم يتعوّذ كما علّمهم النبيّ ﷺ بذلك-: أَعِدْ صلاتك، يدلّ أنه حَمَل أمر النبيّ ﷺ بذلك، وبقوله: "عُوذُوا باللَّه" على الوجوب. انتهى (٢).

стр. 7178

وقال القرطبيّ ﵀: وأمر طاوس ابنه بإعادته لَمّا لم يتعوّذ من تلك الأمور دليلٌ على أنه كان يعتقد وجوب التعوّذ منها في الصلاة، وكأنه تمسّك بظاهر الأمر بالتعوّذ منها، وتأكّد ذلك بتعليم النبيّ ﷺ إياها الناس كما يُعلِّمهم السورة من القرآن، وبدوام النبيّ ﷺ على ذلك. قال: ويَحْتَمِل أن ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه، لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرم فائدتها وثوابها. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح؛ لوضوح أدلّته، كما بيّنه القرطبيّ ﵀ نفسه. والحاصل أن أدلّة القول بوجوب الاستعاذة من هذه الأربع ظاهرة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ١٣٣٦] (٥٩٠)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٩٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥٤٢)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٩٤)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ١٠٤)، و"الاستعاذة" (٨/ ٢٦٧ - ٢٧٧)، و (ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٤٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و ٢٥٨ و ٢٩٨ و ٣١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٩٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢١٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣٠٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7179

(٢٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٧] (٥٩١) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (١)، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامٍ"، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ (٢): أَستَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) -بالتصغير- الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨. ٢ - (الْوَليدُ) بن مسلم الدمشقيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (أَبُو عَمَّارٍ، اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) القرشيّ الدمشقيّ، مولى معاوية بن أبي سُفيان، ثقة يُرسل [٤]. رَوَى عن أبي هريرة، وشدّاد بن أوس، وعمرو بن عَبَسَة، وواثلة، وأبي أسماء الرحَبيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وعكرمة بن عمّار، وعوف الأعرابي، وغيرهم. قال عكرمة بن عمّار: حدّثنا شدّاد أبو عمّار، وقد لقي أبا أمامة، وواثلة، وصَحِبَ أنسًا إلى الشام، وأثنى عليه فضلًا وخيرًا، وقال يحيى بن أبي كثير: حدّثنا شدّاد بن عبد اللَّه، وكان مرضيًّا، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، وابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به

стр. 7180

بأس، وكذلك قال النسائيّ، وقال صالح بن محمد: صدوق لم يسمع من أبي هريرة، ولا من عوف بن مالك، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٩١) و (٨٣٢) و (١٠٣٦) و (٢٠٧٤) و (٢٢٧٦) و (٢٢٧٨) و (٢٧٦٥). ٥ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثَد، ويقال: اسمه عبد اللَّه الدمشقيّ، ثقة [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢. ٦ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ ﷺ ، صَحِبَهُ ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارَزميّ، ثم بغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) قال النوويّ ﵀: المراد بالانصراف السلام، أي سلّم منها (اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) هذا الاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحقّ عبادة مولاه، لما يَعْرِض له من الوسواس والخواطر، فشُرع له الاستغفار، تداركًا لذلك. وقال السنديّ ﵀: استغفر ﷺ تحقيرًا لعمله، وتعظيمًا لجناب ربّه، وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفارًا كلّما يزداد عملًا، وقد مدح اللَّه عباده، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقال ابن سيّد الناس ﵀: هو وفاء بحقّ العبوديّة، وقيام بوظائف

стр. 7181

الشكر، كما قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"، وليبيّن للمؤمنين سنته فعلًا، كما بيّنها قولًا في الدعاء والضراعة ليُقتَدَى به. انتهى. (وَقَالَ) ﷺ بعد الاستغفار ("اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، أي أنت السليم من المعايب والآفات، ومن كل نقص. وقال الصنعانيّ ﵀: المراد ذو السلامة من كلّ نقص وآفة، مصدر وُصف به للمبالغة. انتهى. وفي تعريف الجزأين إفادة الحصر، أي أنت المختصّ بالتنزّه عن النقائص والعيوب، لا غيرك. (وَمِنْكَ السَّلَامُ) هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تُعطي السلامة وتمنحها لمن أردتها له، لا من غيرك، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو منك يُرجَى السلام، ويُستوهَب، ويُستفاد، أو السلامة من المعايب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلّمته. قال الشيخ الْجَزَريّ ﵀: وأما ما يُزاد بعد قوله: "ومنك السلام" من نحو: "وإليك يرجع السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام"، فلا أصل له، بل هو مُخْتَلَقٌ من بعض القُصّاص. انتهى. (تَبَارَكْتَ) تَفَاعَلْتَ من البركة، وهى الكثرة والنماء، رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "تبارك " بمعنى تعالى، وقال أبو العباس: ارتفع، والمبارك المرتفع، وقال ابن الأنباريّ: تقدّس، وقال الحسن: تبارك تجيء البركة مِن قِبَلِه، وقال الضّحّاك: تَعَظّم، وقال الخليل: تمجّد. وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك من شاء من خلقه. قال العلّامة ابن القيّم ﵀: هذا أحسن الأقوال، فتبارُكُهُ سبحانه وصفُ ذاتٍ له، وصفةُ فعلٍ. وقال ابن عطيّة: معناه عظُم، وكثُرت بركاته، ولا يوصف بهذه اللفظة إلا اللَّه تعالى، ولا تتصرف في لغة العرب، لا يُستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلّة ذلك أن "تبارك" لَمّا لم يوصف به غير اللَّه لم يَقتض مستقبلًا، إذ اللَّه قد تبارك في الأزل. (ذَا الْجَلَالِ) بحذف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، كقوله

стр. 7182

تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية، قال الحريريّ في "ملحته": وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي" أي العظمة (وَالْإِكْرَامِ") أي الإحسان إلى أوليائه (قَالَ الْوَليدُ) بن مسلم (فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟) أي الذي نُقل عن النبيّ ﷺ (قَالَ) الأوزاعيّ: (تَقُولُ) بالتاء خطابًا للمتكلّم، وفي بعض النسخ: "يقول" بالياء، أي المصلّي (أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي أطلب منه الصفح، قال الفيّوميّ ﵀: غَفَر اللَّه له غَفْرًا: صفَحَ عنه، والمغفرة: اسم منه، واستغفرتُ اللَّهَ: سألته المغفرة. انتهى (١). وقال في "اللسان": أصل الغَفْر: التغطية والستر، يقال: غَفَرَ اللَّهُ ذنوبَهُ: أي سترها، قال: وكلُّ شيء سترته، فقد غفرته، وقال أيضًا: الغَفْرُ والمغفرة: التغطية على الذنوب، والعفوُ عنها، ويقال: استغفر اللَّهَ من ذنبه، ولذنبه بمعنًى، واستغفر اللَّه ذنبَهُ على حذف الحرف: طَلَبَ منه غَفْرَه، أنشد سيبويه [من البسيط]: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ … رَبُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ انتهى باختصار، وتصرّف (٢). ومعنى كلام الأوزاعيّ ﵀ أن صيغة الاستغفار التي كان النبيّ ﷺ يقولها بعد الصلاة هي هذه، والظاهر أنه قاله روايةً، ويَحْتَمِل أن يكون قاله استنباطًا من النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمّل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، [آل عمران: ١٣٥]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ثوبان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 7183

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٣٧] (٥٩١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥١٣)، و (الترمذيّ) فيها (٣٠٠)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٧) وفي "الكبرى" (١٢٦٠) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٣٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٥ و ٢٧٩)، و (الدارمي) في "سننه" (١٣٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٦٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (١٣٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان اختلاف الرواة في هذا الحديث على الأوزاعيّ ﵀: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ عند المصنّف، بلفظ: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا. . . "، ونحوه عند النسائيّ، ووافقه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعيّ، عند أبي نعيم في "المستخرج". وخالفهما في ذلك جماعة فرووه عن الأوزاعيّ بلفظ: "كان إذا أراد أن ينصرف". فرواه أحمد من طريق عبد القدوس بن الحجّاج -وهو، والترمذي من طريق عبد اللَّه بن المبارك- وأبو داود من طريق عيسى بن يونس -وابن خزيمة، وأبو عوانة، وأبو العبّاس السرّاج ثلاثتهم من طريق بشر بن بكر- وابن خزيمة أيضًا من طريق عمرو بن أبي سلمة -وابن حبّان من طريق عُمَر بن عبد الواحد- خمستهم عن الأوزاعيّ اتفقوا على لفظ: "إذا أراد أن ينصرف". وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من رواية عمرو بن هاشم البيروتيّ، عن الأوزاعيّ بلفظ: "كان يقول قبل السلام". قال ابن خزيمة ﵀: إن كان عمرو بن هاشم حفظه، فمحلّ هذا الذكر قبل السلام. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه لم يحفظه، فقد خالف هؤلاء الحفّاظ، وقد قال عنه أبو حاتم -كما في "التهذيب"-: ليس بذاك، كان

стр. 7184

صغيرًا حين كتب عن الأوزاعيّ، وقال العُقيليّ: لا يُتابع على حديثه (١). والحاصل أن روايته بلفظ: "قبل السلام" شاذّة غير محفوظة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ في "نتائج الأفكار": ورواية: "إذا أراد أن ينصرف" موافقة لهذه، ويمكن ردّ رواية: "إذا انصرف" إليها، لكن المعروف أن هذا الذكر بعد السلام، ويؤيّده حديث عائشة ﵂ يعني الآتي بعد هذا، ثم قال: ويمكن الجمع بأنه كان يقول ذلك في الموضعين. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الجمع لا يُحتاج إليه (٢)؛ لما عرفت من أن الرواية بلفظ: "قبل السلام" غير محفوظة، فلا حاجة إلى الجمع المذكور. والأحسن عندي أن يُفَسّر الانصراف هنا بالانصراف إلى جهة الحاجة، لا بالانصراف الذي هو السلام، بدليل حديث عائشة ﵂ الآتي، فيكون معنى: "إذا أراد أن ينصرف" أي إذا أراد القيام إلى حاجته بعد السلام، فيتفق مع حديث عائشة ﵂، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الاستغفار ثلاث مرّات بعد التسليم من الصلاة. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من التواضع وإظهار العبودية للَّه تعالى، فيستغفر ربه، وإن كان قد غُفِر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ٣ - (ومنها): بيان أن العبد لا ينبغي له الاتّكال على الطاعة، بل يعتقد فيها النقص، وعدم أدائه حقّ اللَّه فيها، فيَجْبُر ذلك بالاستغفار، فالاستغفار ليس من الذنوب والمعاصي فقط، بل الطاعة تحتاج إليه أيضًا، لما يقع فيها من

стр. 7185

السهو والغفلة، وعدم القيام بها حقّ القيام، وقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن عائشة ﵂ أنها قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر، ويَسْرِقون؟ قال: لا، يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقْبَل منهم، ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] (١). ٤ - (ومنها): بيان وصف اللَّه تعالى بأنه السالم من كلّ نقص، وعيب، وبأن السلامة لعباده منه ، لا من غيره، وأنه متصف بالعظمة ذاتًا وصفةً، وبإكرام أوليائه، الذين قال في حقهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٨] (٥٩٢) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أثبت الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.

стр. 7186

٤ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، نَسِيب ابن سيرين وخَتَنُهُ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وأنس، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يوسف، وعاصم الأحول، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال سليمان بن حرب: كان ابن عمّ ابن سيرين ثقةٌ، وتَعَقّب ذلك الدمياطيّ، قال: بل هو ختنه. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ما المانع أن يكون ابن عمّه من الأمّ، أو من الرضاع، فلا يتخالف القولان. ورَوَى يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن نسيب، عن عائشة حديثًا، فقال ابن حبّان في "صحيحه": وَهِمَ فيه يحيى، وإنما هو عبد اللَّه بن الحارث نَسِيب ابن سيرين، سقط عليه "الحارث"، فبقيت عبد اللَّه بن نسيب. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٥٩٢) و (٦٩٩) و (١٦١٣) و (٢٧١٢) و (٢٧٢٢). ٦ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّلهما، حيث رويا عن أبي معاوية بالسماع منه. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سليمان، عن عبد اللَّه بن الحارث، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7187

شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵁ أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ) أي من صلاته (لَمْ يَقْعُدْ) أي في مكان صلاته (إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) اسم من أسماء اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ الآية [الحشر: ٢٣] (وَمِنْكَ السَّلَامُ) أي السلامة من الآفات، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة: ٩١]، ومعنى ذلك أن السلامة من المعاطب والمهالك إنما تحصل لمن سلمه اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [يونس: ١٠٧]، قاله القرطبيّ ﵀ (١). (تَبَارَكْتَ) هو: تفاعلتَ، من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمتَ؛ إذ كثُرت صفات جلالك وكمالك (ذَا الْجَلَالِ) أي ذا العظمة والسلطان، وهو بحذف حرف النداء، كما سبق بيانه في الحديث الماضي (وَالْإِكْرَامِ") أي الإحسان، وإفاضة النِّعَم على المطيعين. (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ") يعني بإثبات حرف النداء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٣٨ و ١٣٣٩ و ١٣٤٠] (٥٩٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥١٢)، و (الترمذيّ) فيها (٢٩٨ و ٢٩٩)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٣٨) وفي "الكبرى" (١٢٦١) وفي "عمل اليوم والليلة" (٩٥ و ٩٦ و ٩٧)، و (ابن ماجه) (٩٢٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٠٢ و ٣٠٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٢

стр. 7188

و ٦/ ١٨٤ و ٦/ ٢٣٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢٣٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٦١ و ٢٠٦٢ و ٢٠٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١٠ و ١٣١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٠ و ٢٠٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٣)، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٥/ ٣٤٢) هذا الحديث أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁، فقال: (٢٠٠٢) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا محمد بن الصباح الدُّولابيّ منذ ثمانين سنة، قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن عَوْسجة بن الرَّمَّاح (١)، عن عبد اللَّه بن أبي الْهُذَيل، عن ابن مسعود، قال: كان رسول اللَّه ﷺ لا يجلس بعد التسليم إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قال أبو حاتم ﵀: سَمِعَ هذا الخبر عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة، وسمعه عن عَوْسجة بن الرَّمَّاح، عن أبي الْهُذَيل، عن ابن مسعود، الطريقان جميعًا محفوظان. انتهى (٢). وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم المكث في مكان الصلاة بعد السلام من الصلاة: قال الحافظ ابن رجب ﵀: المنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء. رَوَى عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا سلّم الإمام، فليقم، ولينحرف عن مجلسه، قلت: يُجزئه أن ينحرف عن مجلسه، ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف بغرب، أو شرق عن غير واحد، وكان المسؤول معمرًا.

стр. 7189

وروى أيضًا بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعدما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عُبيدة أنه قال -لمّا سمع مصعبًا يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة-: ما له؟ قاتله اللَّه نَعَّار بالبِدَعِ. ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنًا. ففي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة ﵁ "أن النبيّ ﷺ كان لا يقوم من مصلّاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام". ورَوَى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة. قال أحمد -في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ-: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس. فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلّال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهرن جلوس الإمام في مصلّاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس. قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم للحديث الصحيح: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يُحدِث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه". فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصق الشافعيّ في "المختصر" على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له

стр. 7190

الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر اللَّه، خصوصًا بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافًا. وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يُحِدِث. ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه. ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلّاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهًا، أو غير مكروه. قال ابن مسعود ﵁: إذا فرغ الإمام، ولم يَقُم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعه، فقد تمّت صلاتك، أخرجه عبد الرزّاق. وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء. وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم الماموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة، وغيرهم. وقال الزهريّ ة إنما جُعل الإمام ليؤتم به - يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه. وفي "صحيح مسلم"، عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف". وحديث أم سلمة ﵂: "كان رسول اللَّه إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومَكَث يسيرًا قبل أن يقوم"، قال ابن شهاب: فأرى -واللَّه أعلم- أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم، رواه البخاريّ. فهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه. وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النبيّ ﷺ لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاءً عامّا للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: "يشهدن الخير ودعوة المسلمين". فلو كان عقب الصلاة دعاء عامّ لشهده النساء مع الرجال أيضًا.

стр. 7191

وقال الشافعي في "الأمّ": فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحبّ إليّ. وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم. وفي "تهذيب المدوّنة" للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنحّى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ في "الأم" هو الراجح عندي. وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلّاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا يقوم حتى ينصرفن. وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلًّا بالحديث المتقدّم، وهو قوله: "ولا بالانصراف" فهو غير صحيح عندي؛ لأن معنى الانصراف هنا -واللَّه أعلم- هو السلام، بدليل أنه ﷺ قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فنَهَى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ ﵁ المشهورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها: قال الحافظ ابن رجب ﵀: قد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق. فكَرِهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته.

стр. 7192

وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن عليّ ﵁ أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورَخّص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاريّ، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد. فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأمومًا، كذلك قال الإمام أحمد. وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد. وقد أخرج أبو داود حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثة ﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصفّ المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي اللَّه ﷺ ، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يَهْلِك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبيّ ﷺ بصره، فقال: "أصاب اللَّه بك يا ابن الخطّاب" (١). وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدلّ عليه أيضًا ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلّم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلْها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول اللَّه ﷺ أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج، أخرجه مسلم. وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر. وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه،

стр. 7193

قيل له: فما يُجزئ من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه. ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلّم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد. قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم، وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاريّ. وقد ذكر قتادة، عن ابن عمر أنه رأى رجلًا صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق. ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأمومًا، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال. وقد قال الشافعي في "سنن حرملة": حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة: "أصلاتان معًا؟ "، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام. وقد روي أن النبيّ ﷺ اضطجع بعد ركعتي الفجر. ورَوَى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم. قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس ﵃ في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟.

стр. 7194

وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية ﵁ يدلّ على الكراهة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية ﵁ المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب ﵀، فليُتَنَبّه، واللَّه تعالى أعلم. وكتب الحافظ ﵀ على قول الإمام البخاريّ ﵀: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوّع الإمام في مكانه"، ولم يصحّ. انتهى. ما نصه: قوله: "ولم يصحّ" هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في "تاريخه"، وقال: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ: "لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحوّل". رواه أبو داود، وإسناده منقطع، وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي ﵁ قال: "من السنّة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه". وحَكَى ابن قدامة في "المغني" عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم: "عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن النبيّ ﷺ أمرنا بذلك". ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة. ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالًا؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختُلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع

стр. 7195

بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين، وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع. وحجة الجمهور حديث معاوية ﵁. ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى. فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي. قلنا: قد ثبت في حديث معاوية ﵁: "أو تخرج". ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتُعُقّب بحديث: "ذهب أهل الدثور"، فإن فيه: "تسبّحون دبر كلّ صلاة"، وهو بعد السلام جزْمًا، فكذا ما شابهه. وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة. ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلًا للقبلة، من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال بعض المحققين ردًّا على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: "اللهم أنت السلام. . . إلخ" مطلقًا؛ لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله هذا المحقِّق حسنٌ جدًّا، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.

стр. 7196

وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة؛ لعموم حديث معاوية ﵁ المتقدّم. وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف؛ لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه. وكذا حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود مرفوعًا: "أَيَعْجَز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة" -يعني السُّبْحة، ضعيف أيضًا (١)؛ لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر أحاديث وردت باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبيّ ﷺ : (منها): حديث سمرة بن جندب ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه". أخرجه البخاريّ. (ومنها): حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه"، رواه مسلم، وأبو داود. (ومنها): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ﵁: "صلى لنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس. . . " الحديث، أخرجه البخاريّ. (ومنها): حديث أنس ﵁ قال: "أخّر رسول اللَّه ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه. . . " الحديث. أخرجه البخاريّ أيضًا. (ومنها): حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه ﵁: "أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى انحرف". حديث صحيح رواه النسائيّ.

стр. 7197

فهذه الأحاديث تدلّ على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك؛ لما يشعر به لفظ "كان"، كما هو القول الراجح فيها، فقد حقّقته في "التحفة المرضيّة"، وشرحها. [تنبيه]: قيل: الحكمة في استقبالهم أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختصّ بمن كان حاله في مثل حاله ﷺ من الصلاحية للتعليم والموعظة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الاختصاص فيه نظر لا يخفى. وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة، إذ لو استمرّ الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلًا. وقال الزين ابن المنَيّر: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم حينئذ يرفع الخُيَلاء والترفّع على المأمومين. وحديث سمرة ﵁ يدلّ على أنه ﷺ كان يُقبل على جميع المأمومين، وحديث البراء يدلّ على أنه كان يقبل على من في جهة يمينه. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان تارة يستقبل جميع المأمومين، وتارة يستقبل أهل يمينه. أو يُجعَلُ حديثُ البراء مفسّرًا لحديث سمرة ﵁، فيكون المراد بقوله: "أقبل علينا" أي على بعضنا. أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين، أفاده في "النيل" (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأحاديث الصحاح تدلّ على أنه يستحبّ للإمام أن يُقبل على المأمومين بعد السلام، إن شاء من جهة يمينه، وإن شاء أقبل عليهم جميعًا؛ لأن هذا هو هدي النبيّ ﷺ ، وغالب أحواله. هذا إن إذا لم تكن له حاجة، فأما إن كانت له حاجة، فله أن يذهب إليها، ويترك الإقبال عليهم؛ لما أخرجه البخاريّ عن عقبة بن الحارث

стр. 7198

النوفليّ ﵁، قال: صليت وراء النبيّ ﷺ بالمدينة العصر، فسلَّم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففَزِعَ الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عَجِبوا من سرعته، فقال: "ذَكَرتُ شيئًا من تِبْر عندنا، فكرهت أن يَحْبِسني، فأمرت بقسمته". فهذا الحديث يدلّ أيضًا على أن هديه ﷺ كان المكث في مصلاه؛ إذ لو لم يكن كذلك لَمَا تعجّبوا من سرعة انصرافه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. والباقيان ذُكرا قبله، و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عاصم الماضي، وهو: عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة ﵂. [تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (١)، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ").

стр. 7199

قال الجامع عفا اللَّه عنه: اتّفقت النسخ التي بين يديّ في هذا الإسناد على قوله: "حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ، عن عبد اللَّه بن الحارث، وخالدٍ، عن عبد اللَّه بن الحارث، كلاهما عن عائشة"، وهو غلطٌ، والصواب: "حدّثنا شعبة، عن عاصم، وخالدٍ، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة. . . إلخ"، فشعبة يروي عن كلّ من عاصم، وخالدٍ، وكلاهما يرويان عن عبد اللَّه بن الحارث، وهو عن عائشة ﵂، فقوله: "عن عبد اللَّه بن الحارث" يُحذف، ويكون قوله: "وخالدٍ" مجرورًا بالعطف على "عاصم"، ولفظ "كلاهما" يكتب بعد قوله: "وخالدٍ". وقد وقع عند أبي داود في "سننه" على الصواب، وسأسوق لفظه في التنبيه الآتي، وكذا وقع على الصواب عند أبي نعيم في "مستخرجه"، ولفظه بعد أن ساقه بسنده: "حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ الأحول، وخالدٍ الحذّاء، جميعًا عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة. . . " الحديث. وكذلك وقع في "تحفة الأشراف" (١)، ولفظه: "وعن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن شعبة، عن عاصمٍ، وخالدٍ، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث. . . "، فتنبّه لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (خَالِد) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.

стр. 7200

والباقون تقدّموا قبله. [تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها أبو داود في "سننه"، فقال: (١٥١٢) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، عن عاصم الأحول، وخالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان إذا سلّم قال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤١] (٥٩٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْمُسَيَّبُ (١) بْنُ رَافِعٍ) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧. ٢ - (وَرَّاد مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) هو: "ورّاد" -بفتح الواو، وتشديد الراء- الثقفيّ، أبو سعيد، أو أبو الْوَرْد الكوفيّ كاتب المغيرة، ومولاه، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مولاه المغيرة، ووَفَدَ على معاوية. ورَوَى عنه عبد الملك بن عُمير، والشعبيّ، وعبدة بن أبي لبابة، والْمُسَيَّب بن رافع، ورجاء بن حَيْوَة، والقاسم بن مُخَيمِرة، وأبو سعيد الشاميّ، وأبو عون الثقفيّ، وزياد بن عِلاقة، وعطاء السائب، وغيرهم.

стр. 7201

ذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٥٩٣) وكرّره خمس مرّات، و (١٤٩٩): "أتَعْجَبون من غيرة سَعْد، فواللَّه لأنا أغير منه. . . " الحديث. ٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور ﵁، أسلم قبل الحديبية، وولي إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقون تقدّموا قبل باب، و"إسحاق بن إبراهيم"، هو: ابن راهويه، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد، و"منصور" هو: ابن المعتمر. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنف ﵀، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه أيضًا، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وعلى قول من عدّ منصورًا من صغار التابعين، ففيه ثلاثة منهم روى بعضهم عن بعض، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ وَرَّادٍ) بتشديد الراء، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن سفيان عند الإسماعيليّ: "حدّثني ورّاد"، وفي رواية ابن عيينة -الآتية للمصنّف- عن عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عمير، سمعا ورّادًا كاتب المغيرة. . . (مَوْلَى الْمُغِيرَةِ) بضمّ الميم، وحُكي كسرها إتباعًا للغين (ابْنِ شُعْبَةَ) المراد بالمولى هنا: الْمُعْتَقُ، قال في "ألفيّة الحديث": وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي … وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ … وَلَاءُ إِسْلَامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي وقد تقدّم في "شرح المقدّمة" أن المولى يُطلَق على عدّة معان، أوصلها

стр. 7202

في "القاموس" إلى واحد وعشرين معنى، ونظمتها، ومنها الْمُعتَق -بفتح التاء- وهو المراد هنا. (قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيةَ) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبَلَ معاوية ﵁، وسيأتي سبب كتابه، من طريق ابن عيينة قال: حدّثنا عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عُمير سمعا ورّادًا كاتب المغيرة بن شعبة، يقول: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ بشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، قال: فكتب إليه سمعت رسول اللَّه ﷺ . . .، وعند البخاريّ في "القدر" من رواية عبد بن أبي لبابة، عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبيّ ﷺ يقول خلف الصلاة. . . (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) أي المكتوبة، ففي رواية للبخاريّ من طريق سفيان (١)، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرةُ بن شعبة في كتاب إلى معاوية، أن النبيّ ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . " الحديث. (وَسَلَّمَ) أي خرج من صلاته بالسلام (قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه تعالى (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقديره نكرةً، كما قال في "الخلاصة": وَالْحَالُ إِنْ عُرّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ "وَحْدَكَ اجْتَهِدْ" ومنه قول الشاعر [من الوافر]: فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا … وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ أي أرسل الإبل، أو الخيل حال كونها معتركة، أي مزدحمةً. والمعنى هنا: منفردًا في ذاته. (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته، وهو تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد، وقال في "العمدة": "لا شريك له" تأكيد لقوله: "وحده"؛ لأن المتّصف بالوحدانيّة لا شريك له. انتهى (٢).

стр. 7203

وقال ابن الملقّن ﵀: قوله: "وحده لا شريك له" هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات الذاكر، وإلا فالحصر الذي قبله يُفيده. قال ابن العربيّ ﵀: وهو إشارة إلى نفي الإعانة لما كانت العرب تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. انتهى (١). (لَهُ الْمُلْكُ) بضمّ الميم، قال في "اللسان": الْمُلْكُ: معروف، وهو يُذكّر ويُؤنّث كالسلطان، وملك اللَّه تعالى، ومَلكوته: سلطانه وعظمته، وقال أيضًا: قال ابن سِيدهْ: "الْمَلْكُ -بالفتح- والْمُلْك -بالضمّ- والْمِلْك -بالكسر-: احتواء الشيء، والقدرة على الاستبداد به. انتهى (٢). وقدّم الخبر لإفادة الاختصاص، أي لا لغيره، ومثله قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ) أي جميع حمد أهل السماوات والأرض، وجميع أصناف المحامد في الأولى والآخرة للَّه ؛ لأنه المستحق لها دون غيره. وزاد الطبرانيّ من طريق أخرى عن المغيرة: "يُحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير -إلى- قدير"، ورواته مُوَثَّقون، وثبت مثله عند البزّار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف، لكن في القول إذا أصبح، وإذا أمسى، قاله في "الفتح". وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد رُوي في الحديث زيادة: "بيده الخير" خرّجها الإسماعيلي من طريق مسعر، عن زياد بن عِلَاقة، عن ورّاد. وروي فيه أيضًا زيادة: "يحيي ويميت". ذكرها الترمذي في كتابه تعليقًا، ولم يذكر رواتها. وقد خرّجه البزّار بهذه الزيادة من رواية ابن عِلاقة، عن عبد اللَّه بن محمد بن عَقيل، عن جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ ، بمثل حديث المغيرة ﵁ بهذه الزيادة، وفي إسنادها ضعف. وخرّجه أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ ، وفيه زيادة: "بيده الخير"، وفي إسناده ضعف. وخرّجه ابن عديّ، وزاد فيه: "يحيي ويميت"، وقال: هو غير محفوظ.

стр. 7204

وخرّجه أبو مسلم البلخيّ في "سننه" من حديث أبان بن أبي عيّاش، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ ، وفيه: "يحيي ويميت، بيده الخير"، وأبان متروك. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ (١). (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال في "العمدة": هو من باب التتميم والتكميل؛ لأن اللَّه تعالى لَمّا كانت الوحدانيّة له، والملك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كلّ شيء، وذكره للتتميم والتكميل، والقدير: اسم من أسماء اللَّه تعالى، كالقادر، والمقتدر، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض. انتهى (٢). [تنبيه]: لم يُقيّد هذا الذكر بثلاث مرّات في رواية المصنّف، وكذا عند البخاريّ هنا، لكن أخرج البخاريّ ﵀: الحديث في "كتاب الرقاق" من "صحيحه" (٣) مقيّدًا بالثلاث، ونصه: حدّثنا عليّ بن مسلم، حدثنا هُشيم، أخبرنا غير واحد، منهم مغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضًا، عن الشعبي، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير - ثلاث مرّات. . . " الحديث. وكذلك أخرجه النسائيّ في "المجتبى" (٨٦/ ١٣٤٣) عن الحسن بن إسماعيل المجالديّ، ويعقوب الدورقيّ، كلاهما عن هُشيم به. غير أن الشيخ الألبانيّ ﵀ ضعّف قوله: "ثلاث مرّات"؛ لأجل الشذوذ.

стр. 7205

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في تضعيف الزيادة المذكورة نظر، بل هي زيادة صحيحة، وقد أخرجها البخاريّ، والنسائيّ، فالذي يظهر أن تقييد هذا الذكر بثلاث مرّات هو الحقّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي أعطيته، فالعائد محذوف، وكذا ما بعده، قال في "الخلاصة": . . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِل إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ" والمعنى: أن من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي من قضيت عليه بحرمان شيء، فلا أحد يقدر على إعطائه ذلك (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغنى والحظّ منك غناه، وضبطه جماعة بكسر الجيم، ومعناه: الاجتهاد، وقد تقدّم في "باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع". وقال الخطابيّ ﵀: "الجَدّ": الغنى، ويقال: الحظّ، قال: و"مِنْ" في قوله "منك" بمعنى البدل، قال الشاعر [من الطويل]: فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً … مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ (١) يريد: لنا بدل ماء زمزم. انتهى. وفي "الصحاح": معنى "منك" هنا: "عندك"، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى "البدل"، ولا بمعنى "عند"، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء، إن أنا أردتك بسوء. قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى "عندك"، أو فيه حذف، تقديره: "من قضائي"، أو "سطوتي"، أو "عذابي". واختار الشيخ جمالُ الدين في "المغني" الأولَ. قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "منك" يتعلّق بـ "ينفع"، وينبغي أن يكون

стр. 7206

"ينفع" قد ضُمّن معنى "يمنع"، أو ما قاربه، ولا يعود "منك" إلى "الجدّ" على الوجه الذي يقال فيه: حظي منك قليل، أو كثير، بمعنى عنايتك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافع. انتهى. و"الجدّ" مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه: الغنى، كما نقله البخاريّ عن الحسن، أو الحظّ. وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب، أي لا ينفع أحدًا نسبه. وقال القرطبي ﵀: حُكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري. وقال القزّاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن اللَّه قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة. وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرّده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل اللَّه ورحمته، كما ثبت في حديث: "لا يُدخلُ أحدًا منكم الجنةَ عمَلُهُ"، وقيل: المراد على رواية الكسر السعي التامّ في الحرص، أو الإسراع في الهرب. وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظّ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان. والمعنى لا يُنجيه حظه منك، وإنما يُنجيه فضلك ورحمتك. [تنبيه]: اشتَهَرَ على الألسنة في الذكر المذكور زيادة: "ولا رادّ لما قضيت"، وهي في مسند عبد بن حُميد من رواية معمر، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد به، لكن حذف قوله: "ولا معطي لما منعت"، ووقع عند الطبراني تامًّا من وجه آخر، قاله في "الفتح" (١). وعبارة ابن الملقّن في "إعلامه": مِنَ الناس من يزيد في هذا الدعاء: "ولا رادّ لما قضيت"، ورأيت من يُنكر هذه اللفظة، وهو عجيبٌ، فقد أخرجها عبد بن حُميد في "مسنده" (٢)، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ورّاد، قال:

стр. 7207

كتب معاوية إلى المغيرة: أن اكتُب لي بشيء من حديث رسول اللَّه ﷺ ، قال: فكتب إليه: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يتعوّذ من ثلاثة: من عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وسمعته ينهى عن ثلاث: عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وسمعته يقول: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا رادّ لما قضيت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ". انتهى (١). وقال الحافظ في "نتائج الأفكار" بعد أن ساق هذه الرواية بسنده إلى الطبرانيّ (٢) قال: قال شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ-: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. انتهى (٣). [تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاري في "كتاب القدر" في آخر هذا الحديث أن ورّادًا قال: "ثم وَفَدت على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك". وزعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في "الموطأ" من وجه آخر عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: "أيها الناس، إنه لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ، من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول اللَّه ﷺ على هذه الأعواد". قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي احتجاجه بما ذُكِر نظرٌ لا يخفى؛ إذ الذي ذَكَر أنه سمعه منه ﷺ هو الذي قاله على المنبر في خطبته، لا ما كتب إليه المغيرة أنه كان يقوله في دبر كل صلاة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٣٤١ و ١٣٤٢ و ١٣٤٣ و ١٣٤٤ و ١٣٤٥]

стр. 7208

(٥٩٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٤٤ و ١٤٧٧ و ٢٤٠٨ و ٥٩٧٥) و"الدعوات" (٦٣٣٠) و"الرقاق" (٦٤٧٣) و"القدر" (٦٦١٥) و"الاعتصام" (٧٢٩٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٥٠٥)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٤١ و ١٣٤٢ و ١٣٤٣) وفي "الكبرى" (١٢٦٣ و ١٢٦٤ و ١٢٦٦) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٢٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٢٢٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٢٣١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤٥ و ٤/ ٢٤٧ و ٤/ ٢٥٠ و ٤/ ٢٥١ و ٤/ ٢٥٤ و ٤/ ٢٥٥)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٣٩٠ و ٣٩١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٠٥ و ٢٠٠٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٩٢٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٦٩ و ٢٠٧٠ و ٢٠٧١ و ٢٠٧٢ و ٢٠٧٣ و ٢٠٧٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٣١٢ و ١٣١٣ و ١٣١٤ و ١٣١٥ و ١٣١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٨٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧١٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب هذا الذكر عقب الصلوات؛ لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه تعالى، والمنع، والإعطاء، وتمام القدرة. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: والثواب المرتّب على الأذكار يَرِدُ كثيرًا مع خفّة الأذكار على اللسان وقلّتها، وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى امتثال السنن، وإشاعتها. ٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجراؤها مُجرَى السماع في الرواية، ولو لم تقترن بالإجازة، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا أمن تغييره. واعْتَلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب، وأن يبلغ ما فيه مشافهةً. وتعُقّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن

стр. 7209

مجهول، ولو فُرض أنه ثقة عند من أرسله، ومن أُرسل إليه، فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام، والمرجّح عدم الاعتداد بها، قاله في "الفتح". ٤ - (ومنها): أن فيه الاعتمادَ على خبر الشخص الواحد، وله نظائر كثيرة. ٥ - (ومنها): أن فيه استحباب الذكر عقب الصلوات المكتوبات، قال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد كلامه على حديث الباب ما نصّه: وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أُخَر، وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روى عليّ، وابن عبّاس ﵄، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. قال: وعن عَبِيدة السلمانيّ أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من الْبِدَع، ولعله أراد بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر، كذلك هو في كتاب عبد الرزّاق. قال: وإذا صحّت السنّة بشيء، وعَمِلَ بها الصحابة، فلا نَعْدِل عنها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ رجب ﵀ أصل مهمّ جدًّا، وقاعدة ثابتة لا تتزعزع، ولا تتحرّك، وهو أن المعيار للعمل الشرعيّ صحّة السنّة، وثبوتها، واستمرارها، وذلك يكون عن طريق عمل الصحابة ﵃، أو بعضهم بها، فإن ذلك مما يدلّ على عدم نسخها، أو كونها من خصوصيّات النبيّ ﷺ . فإذا صحّت السنّة، وثبت العمل بها، فلا سبيل إلى العدول عنها، وترك العمل بها لمخالفة من خالفها، وإنكار من أنكرها؛ لعدم علمه بها، أو لتأويل تأوّلها به. والحاصل أن الواجب على المسلم إذا صحّت السنة أن يتمسّك بها، وإن خالفها أهل مذهبه، أو غيرهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الدعاء بعد الصلوات المكتوبات: قال الإمام ابن رجب ﵀: استَحبّ أيضًا أصحابنا -يعني الحنبليّة-

стр. 7210

وأصحاب الشافعيّ الدعاء عقب الصلوات، وذَكَره بعض الشافعيّة اتّفاقًا، واستدلّوا بحديث أبي أُمامة ﵁ قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوفُ الليل الآخرُ، ودبر الصلوات المكتوبات"، أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وحسّنه. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، عن الصُّنَابحيّ، عن معاذ بن جبل ﵁، أن النبيّ ﷺ أخذ بيده يومًا، ثم قال: "يا معاذ إني لأحبك"، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، وأنا أحبك، قال: "أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة، أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، قال: وأوصى بذلك معاذ الصُّنَابحيّ، وأوصى الصُّنابِحيّ، أبا عبد الرحمن، وأوصى أبو عبد الرحمن عُقبةَ بن مسلم (١). وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعيّة: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر؛ لأنه لا يُتنفّل بعدهما، وظاهر كلامهم أنه يجهر، ويُؤمّنون عليه، وفي ذلك نظر، وقد ذكرنا حديث دعاء النبيّ ﷺ عقب الصلاة جهرًا، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن السلف، والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يُسرّ بالباقي، ويَعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرًّا، ويدعو سرًّا. ومن الفقهاء من يَستحبّ للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك سنّة، ولا أثرٌ يُتَّبَع. انتهى كلام ابن رجب ﵀ بتصرّف (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن رجب ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أنه يُستحبّ الذكر والدعاء عقب الصلوات المكتوبات، وأن ذلك من هدي النبيّ ﷺ وهدي السلف، وإن كرهه بعضهم، ولكن لا وجه له، فقد ثبتت فيه أحاديث كثيرة:

стр. 7211

(فمنها): حديث معاذ بن جبل ﵁ المذكور. (ومنها): ما أخرجه المصنّف ﵀ عن البراء ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "رَبِّ قني عذابك يوم تبعث، أو تجمع عبادك". (ومنها): ما أخرجه النسائيّ في "سننه" عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، أن كعبًا حَلَف له باللَّه الذي فَلَق البحر لموسى، إنا لنجد في التوراة أن داود نبي اللَّه ﷺ كان إذا انصرف من صلاته قال: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، قال: وحدثني كعب أن صُهيبًا حدّثه أن محمدًا ﷺ كان يقولهنّ عند انصرافه من صلاته". وهو حديث حسنٌ، كما بيّنته في "شرح النسائيّ" (١). (ومنها): ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد رجاله ثقات، عن هلال بن يساف، عن زاذان، حدّثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في دبر الصلاة: "اللهم اغفر لي، وتُب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم" (٢). والحاصل أن الدعاء بعد الصلوات المكتوبات مستحبّ؛ للأدلّة الكثيرة. وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الدعوات" من "صحيحه": "باب الدعاء بعد الصلاة". قال في "الفتح": وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يُشْرَع، متمسّكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد اللَّه بن الحارث، عن عائشة ﵂: كان النبيّ ﷺ إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". والجواب أن المراد بالنفي المذكور نَفْيُ استمراره جالسًا على هيئته قبل

стр. 7212

السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه، فَيُحْمَل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يُقْبِل على أصحابه. قال ابن القيّم في "الهدي النبويّ": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبيّ ﷺ أصلًا، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخَصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبيّ ﷺ ، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عِوَضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال ﵀: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يُسْتَحبّ من أتى بها أن يصلي على النبيّ ﷺ بعد أن يَفْرُغ منها، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة. انتهى كلام ابن القيّم ﵀. قال الحافظ ﵀: وما ادّعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبيّ ﷺ قال له: "يا معاذ إني واللَّه لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"، أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم. وحديث أبي بكرة ﵁ في قول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر، كان النبيّ ﷺ يدعو بهن دبر كلّ صلاة"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم. وحديث سعد بن أبي وقّاص ﵁: كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ الغلمانَ، ويقول: إنّ رسول اللَّه ﷺ كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: "اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر". أخرجه البخاريّ، والنسائيّ. وحديث زيد بن أرقم ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يدعو في دبر كلّ

стр. 7213

صلاة: "اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيء. . . " الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ (١). وحديث صهيب ﵁ رفعه: "كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني. . . " الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد. قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة ﵁: قيل: يا رسول اللَّه أيّ الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات"، وقال: حسن. وأخرج الطبريّ من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. وفَهِمَ كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشروعة، فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيس جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبيّ ﷺ قولًا، وفعلًا، فلا يسع أحدًا إنكاره. وأمّا تأويل قوله: "دبر كلّ صلاة" بأنه قبل السلام؛ لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم؛ لأنه ﷺ علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة آية الكرسيّ؛ إذ لا دليل على التفريق، ولا سيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام.

стр. 7214

فقد أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٧٤٣) عن عليّ ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: "اللهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت". والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبّوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقًا. انتهى. فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار. وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب ﵀، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف. فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم رفع اليدين عند الدعاء: (اعلم): أنه قد عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" بابًا لرفع اليدين في الدعاء، فقال في "كتاب الدعوات": "باب رفع الأيدي في الدعاء": وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبيّ ﷺ ، ثم رفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه. وقال ابن عمر: رَفَعَ النبيّ ﷺ يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد". قال أبو عبد اللَّه: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنسًا، عن النبيّ ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.

стр. 7215

قال في "الفتح": وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس ﵁: "لم يكن النبيّ ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفةٌ خاصّة، لا أصل الرفع. وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: "حتى يُرى بياض إبطيه"، بل يُجمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذريّ ﵀: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح. قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النوويّ في "الأذكار"، وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد لها البخاريّ أيضًا في "الأدب المفرد" بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: قَدِمَ الطُّفَيل بن عمرو على النبيّ ﷺ ، فقال: إن دَوْسًا عَصَت، فادع اللَّه عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: "اللهم اهد دوسًا"، وهو في "الصحيحين"، دون قوله: "ورفع يديه". وحديث جابر: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر، ورفع يديه". وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة ﵂ أنها "رأت النبيّ ﷺ يدعو رافعًا يديه، يقول: اللهم إنما أنا بشر. . . " الحديث، وهو صحيح الإسناد. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبيّ ﷺ رافعًا يديه، يدعو لعثمان". ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ في قصّة الكسوف: "فانتهيت إلى النبيّ ﷺ ، وهو رافع يديه يدعو". وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: "ثم رفع يديه يدعو".
следующие страницы →