← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

السيول لا تدوم، وقد رَخَّص له في الصلاة في بيته بكل حال، ولم يخصه بحالة وجود السيل، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وذلك يقوم مقام السيل المخوف. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان قريبًا من المسجد، بخلاف عتبان، ولهذا ورد في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم: أنه كان يسمع الإقامة، ولكن في بعض الروايات أنه أخبر أن منزله شاسع كما تقدم. ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان، فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد. وقد أشار الجْوُزَجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره. يعني: أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم. وقيل: إن النبي ﷺ إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد قدّمت أن هذا الوجه من الجمع هو الأقرب عندي، واللَّه تعالى أعلم. قال: واستَدَلّ بعض من نصر ذلك -وهو: البيهقي- بما خرّجه في "سننه" من طريق أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن ابن أم مكتوم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن لي قائدًا لا يلائمني في هاتين الصلاتين؟ قَالَ: "أيّ الصلاتين؟ " قلت: العشاء والصبح، فقال النبي ﷺ : "لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوًا". وحديث ابن أم مكتوم يدل على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة، إذا كان قادرًا على إتيانها، وهو مذهب أصحابنا. ولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجد قائدًا متبرعًا له، فهل يجب عليه حضور المسجد؟ على وجهين، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا. وهذا بناء على قول أحمد: إن حضور المسجد للجماعة فرض عين. وقد يُستَدَلّ بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور المسجد خصوصًا للأعذار.

стр. 7912

ويَحْتَمِل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي ﷺ من بيته مسجدًا يؤذن فيه، ويقيم، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يُجَمَّع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفردًا، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جُمِع به بين الحديثين، واللَّه أعلم. لكن في "سنن البيهقيّ" من حديث كعب بن عجرة، أن رجلًا أعمى أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أسمع النداء، ولعلي لا أجد قائدًا، أفأتخذ مسجدًا في داري؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "فإذا سمعت النداء فأخرج". وفي إسناده اختلاف، وقد قال أبو حاتم فيه: أنه منكر. ومع هذا؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلي في بيته جماعة، إنما فيه أنه أراد أن يجعل في داره مسجدًا لصلاته في نفسه. ٨ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز إمامة الأعمى، وجواز الجماعة في صلاة التطوع -أحيانًا- وجواز إمامة الزائر بإذن المزور في بيته. ٩ - (ومنها): أن قولَهُ: "وحبسناه على خزيرة صنعناها له" يَدُلّ على أن الزائر وإن كان صاحب المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له، فإنه يستحب له أن يُضِيفه، وإن حبسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضرّ ذلك، بشرط ألا يكون على الزائر فيه مشقة. ١٠ - (ومنها): أن في قول النبي ﷺ : "لا تقل ذلك" نَهْيٌ أن يُرْمَى أحدٌ بالنفاق؛ لقرائن تظهر عليه، وقد كان النبيّ ﷺ يجري على المنافقين أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم، فكيف بمسلم يرمي بذلك بمجرد قرينة؟. ١١ - (ومنها): أن مَن رَمَى أحدًا بنفاق، وذَكَرَ سوء عمله، فإنه ينبغي أن تُرَدّ عليه غيبتُهُ، ويُذْكَرَ صالحُ عمله؛ ولهذا ذكر النبيّ ﷺ أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول من قال: إنما يقولها تَقِيّةً ونِفاقًا. ١٢ - (ومنها): أنه إنما لم يأمر النبيّ ﷺ بِهَجْر مالك بن الدُّخْشُن؛ لأنه

стр. 7913

لم يُعْرَف عنده بما يُخْشَى عليه من النفاق، ولم يَثُبت ذلك ببينة، وإنما رُمِي بذلك، بخلاف الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ فإنهم اعترفوا بما يُخْشَى عليهم منه النفاق؛ ولهذا عَذَرَ المعتذرين ووَكَلَهم إلى اللَّه، وكان كثيرٌ منهم كاذبًا. انتهى ملخّصًا مما كتبه ابن رجب ﵀ (١) في "شرح البخاريّ" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان الأعذار التي تُبيح التخلّف عن فرض صلاة الجماعة: (اعلم): أنه ذَكَر الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان ﵀ الأعذار التي تسقط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذورًا، فقد تتبعته في السنن كلها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء، ثم ذكرها، وهاك خلاصتها، قال ﵀: (الأول): المرض الذي لا يقدر المرء معه أن يأتي الجماعات، لحديث أنس ﵁ في كونه ﷺ كشف الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فأراد أبو بكر أن يرتدّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف. (الثاني): حضور الطعام؛ لحديث: "إذا حَضَر العشاءُ، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء"، متّفقٌ عليه. (الثالث): النسيان الذي يَعْرِض في بعض الأحوال؛ لحديث أبي قتادة ﵁ في نومهم عن صلاة الصبح، متّفقٌ عليه. (الرابع): السِّمَنُ الْمُفْرِط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات؛ لحديث أنس ﵁، قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضخمًا- للنبيّ ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيتَ منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك، فصنع له الرجل طعامًا، ودعاه إلى بيته، فبسط له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين (٣).

стр. 7914

(الخامس): وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه -يعني البول والغائط- لما أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن الأرقم ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة". والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يشغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يصلِّ أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان"، رواه ابن حبّان بإسناد قويّ. (السادس): خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك المذكور في الباب. (السابع): وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه وجد ذات ليلة بردًا شديدًا، فأَذَّن من معه، فصَلَّوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا كان مثل هذا أمر الناس أن يصلوا في رحالهم، صححه ابن حبّان. (الثامن): وجود المطر المؤذي؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: "ألا صلوا في الرحال"، متّفقٌ عليه. (التاسع): وجود العلة التي يَخاف المرء على نفسه العثر منها؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: كنا إذا كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فكانت ليلة ظلماء، أو ليلة مطيرة، أذن مؤذن رسول اللَّه ﷺ ، أو نادى مناديه: "أن صلوا في رحالكم"، صححه ابن حبّان. (العاشر): أكل الثوم والبَصَل إلى أن يذهب ريحها؛ لحديث: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها"، متّفقٌ عليه. انتهى ما ذكره ابن حبان في "صحيحه" من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة بتصرّف، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7915

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ (١)، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفَرًا، فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا أَظُن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ، قَالَ: فَحَلَفْتُ إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ، نَرَى أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ) وفي بعض النسخ: "ابن الربيع". وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير معمر. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟) بالنون، تقدّم اختلاف الروايات فيه في شرح الحديث الماضي.

стр. 7916

وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل "زاد" ضمير معمر أيضًا. وقوله: (قَالَ مَحْمُودٌ) أي ابن الربيع الراوي عن عتبان بن مالك ﵄. وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) إشارة إلى حديث عتبان بن مالك ﵁ المذكور قبله. وقوله: (نَفَرًا) أي جماعةً. وقوله: (فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ) اسمه خالد بن زيد بن كُليب الصحابيّ الشهير، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبيّ ﷺ عليه حين قَدِم المدينة، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤/ ١١٣. وقوله: (فَقَالَ) أي أبو أيوب ﵁، منكرًا ما حدّثه به، من هذا الحديث. وقوله: (مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ) إنما أنكره عليه؛ لما يقتضيه ظاهره من أن النار مُحَرَّمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالّة على أن بعضهم يُعَذَّب، لكن للعلماء أجوبة عن ذلك، منها جواب ابن شهاب المذكور بعده، ومنها غير ذلك، وقد استوفينا بيانه في "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد. وقوله: (قَالَ: فَحَلَفْتُ) القائل هو محمود بن الربيع ﵁. (إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ). وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ) أراد الزهريّ بهذا أن قوله ﷺ في هذا الحديث: "فإن اللَّه قد حرّم على النار. . ." الحديث كان في أول الإسلام، قبل أن تشرع الأحكام، فلما شُرعت، ففرضت الفرائض، وحُرّمت المحرّمات، وجب على الناس التزامها، فمن خالف، فقد عصى، والعصاة متوعّدون بالنار. لكن تعقّب قوله: "ثم نزلت بعد ذلك إلخ" بأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعًا، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يُعَذَّب إذا كان موحِّدًا.

стр. 7917

وقيل: المراد أن من قالها مخلصًا لا يترك الفرائض؛ لأن الإخلاص يَحْمِل على أداء اللازم. وتُعُقِّب بمنع الملازمة. وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار المعدَّة للكافرين، لا الطبقة المعدَّة للعصاة. وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيئ، ذكر هذا كلّه في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح تأويل من أوّله بأن المراد تحريم التخليد، وبه يحصل الجمع بين هذا الحديث، وبين النصوص التي تدلّ على أن بعض العصاة يدخلون النار، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (نَرَى) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بفتح النون، وضمّها. انتهى. وقوله: (أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا) أي إلى تلك الفرائض، والأمور الأخرى، يعني أنه نزل بعد هذا الرجاء الواسع فرائض، وواجبات، ومنهيّات، قُرن بها الوعيد والتخويف، فلم يبق على إطلاقه، وأن مجرّد الشهادتين لا يكفي بدون التمسّك بتلك الأمور. وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ) يعني أنه لا يسع المكلّف عدم العمل بتلك الفرائض، والأمور الأخرى؛ اتّكالًا على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، من أن مجرد الشهادتين دونها يكفي، فإن هذا اغترار خاطئ، وأمنيّة كاذبة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: إِنِّي

стр. 7918

لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ دَلْوٍ فِي دَارِنَا، قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَصَرِي قَدْ سَاءَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: "فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، وَحَبَسْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَشِيشَةٍ، صَنَعْنَاهَا لَهُ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم قريبًا أيضًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ دَلْوٍ فِي دَارِنَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في "صحيح مسلم"، وزاد في رواية البخاريّ: "مَجّها في وجهي"، قال العلماء: الْمَجُّ طرح الماء من الفم بالتزريق، كما قال: يَمُجُّ لُعَاعَ الْبَقْلِ فِي كُلِّ مَشْرَبِ وإنما فعل النبيّ ﷺ ذلك مباسطةً للصبيّ، وتأنيسًا له، كما قال: "يا أبا عُمَيْرُ ما فعل النُّغَير؟ " (١)، ففيه مشروعيّة ملاطفة الصبيان، وتأنيسهم، وإكرام آبائهم بذلك، وجواز المزاح، قال بعضهم: ولعل النبيّ ﷺ أراد بذلك أن يحفظه محمودٌ، فينقله كما وقع، فتَحْصُل له فضيلةُ نقل هذا الحديث، وصحة صحبته، وإن كان في زمن النبيّ ﷺ مميِّزًا، وكان عمره حينئذ خمس سنين، وقيل: أربعًا. وفيه أيضًا دليلٌ على جواز سماع الصغير إذا عَقَل، وتثبّت، ثم أدّاه بعد بلوغه. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ) هذه الرواية فيها بيان سماع محمود من عتبان ﵄.

стр. 7919

وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير الأوزاعيّ. وقوله: (عَلَى جَشِيشَةٍ) -بجيم، وشينين معجمتين، بينهما ياء تحتانيّة- قال شَمِر: هي أن تُطْحَن الحنطة طَحْنًا قليلًا، ثم يُلْقَى فيها لحمٌ، أو تمرٌ، فتطبخ به، وقال ابن قُتيبة: الخزيرة: هي لحم يُقطع صغارًا، ثم يُصبّ عليها ماءٌ كثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة، وقال أبو الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حَريرة، وإذا كانت من نُخَالة فهي خزيرة، وقال ابن السكّيت: الخزيرة: اللَّفِيتة من لبن، أو ماء ودقيق، وقال النضر: الخزيرة من النخالة، والحَرِيرة من اللبن. انتهى (١). [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٣/ ٩٦) فقال: (٤٩٣٨) - أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني الزهريّ، عن محمود بن الربيع، قال: إني لأعقل مَجّةً مجها رسول اللَّه ﷺ من دلو في دارنا، قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن بصري قد ساء، وإن الأمطار إذا اشتدّت، وسال الوادي، حال بيني وبين الصلاة في مسجد قومي، فلو صليت في منزلي مكانًا، أتخذه مصلى، فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم"، قال: فغدا عليّ رسول اللَّه ﷺ ، ومعه أبو بكر، فاستأذنا، فأَذِن لهما، فما جلس حتى قال: "أين تُحِبّ أن أصلي في منزلك؟ "، فأشرت له إلى ناحية، فتقدم رسول اللَّه ﷺ ، فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين، وحبسنا رسول اللَّه ﷺ على جَشِيشة صنعناها له. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 7920

(٤٩) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، وَالْخُمْرَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْتَهَنُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٠] (٦٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا، فَأُصَلِّيَ لَكُمْ"، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتَ إِلَى حَصِيرٍ لنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الحافظ المتقن [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٩١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.

стр. 7921

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة أيضًا. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، فأنس ﵁ عمّ لإسحاق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ هو خادم رسول اللَّه ﷺ ، خدمه عشر سنين، فدعا له بخيري الدنيا والآخرة، كما سيأتي في الحديث الثالث، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة ﵁، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ووقع عند الكشميهنيّ، والحمويّ في رواية البخاريّ: "عن إسحاق بن أبي طلحة" منسوبًا إلى جده (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بصيغة التصغير، قال القاضي عياض ﵀: ضبطاه في مسلم وغيره بضمّ الميم، وفتح اللام، وكذا ذكره الناس، وحَكَى ابن عتّاب عن الأصيليّ أنها مَلِيكة بفتح الميم، وكسر اللام. انتهى (١). وهو بالنصب بدلٌ من اسم "أن"، والضمير في "جدته" يعود على إسحاق، كما جزم به ابن عبد البرّ، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، وصححه النوويّ. وجزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار بأنها جدة أنس، والدة أمه، أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في "النهاية"، ومن تبعه، وكلام عبد الغنيّ في "العمدة"، وهو ظاهر السياق. قال الحافظ ﵀: ويؤيده ما رويناه في "فوائد العراقيين" لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدَّميّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: "أرسلتني جدّتي إلى النبيّ ﷺ ، واسمها مُلَيكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة. . ." الحديث. وقال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت مِلْحان، فساق نسبها إلى

стр. 7922

عديّ بن النجّار، وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال: الرُّميصاء، ويقال: اسمها سَهْلة، ويقال: أُنَيفة -أي بالنون، والفاء، مصغرة- ويقال: رُمَيثة، وأمها مُلَيكة بنت مالك بن عديّ، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها -أي أم سليم- مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خَلَف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد اللَّه، وأبا عمير. قال الحافظ: وعبد اللَّه هو والد إسحاق، رَاوِي هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه، أنس بن مالك ﵁. ومقتضى كلام من أعاد الضمير في "جدته" إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مُلَيكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "صَفَفْتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبيّ ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا". هكذا أخرجه البخاريّ في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طَوَّلها مالك، واختصرها سفيان، ويَحْتَمِل تعددها، فلا تخالف ما تقدم، وكون مُليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لما بيّناه. لكن الرواية التي رواها الدارقطني في "غرائب مالك" عن البغويّ، عن عبد اللَّه بن عون، عن مالك، ولفظه: "صنعت مليكة لرسول اللَّه ﷺ طعامًا، فأكل منه، وأنا معه، ثم دعا بوضوء، فتوضأ" الحديث، ظاهرة في أن مُليكة اسم أم سليم نفسها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الحمل على تعدد الواقعة أولى؛ لأنه لا يؤدِّي إلى التكلُّف، والتعسُّف بالتأويل البارد، واللَّه تعالى أعلم. (دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) جملة في محل رفع خبر لـ "أن" (لِطَعَامٍ) أي لأجل تناول طعام، قال الحافظ ﵀: وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك؛ لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مُصَلًّى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك المتقدّمة، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله. انتهى (٢). واعترضه العينيّ، فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين

стр. 7923

الدعاء للصلاة، ولهذا صلى رسول اللَّه ﷺ في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها. وقوله: وهذا هو السر. . إلخ فيه نظر؛ لأنه يَحْتَمِل أن الطعام كان قد حضر، وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيقدَّم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان، لعدم حضور الطعام. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ردّ به العينيّ على الحافظ غير صحيح؛ فإن ظاهر الحديثين صريح فيما قاله الحافظ، ففي حديث أنس ﵁ قال: "إن جدته مليكة دعت رسول اللَّه لطعام"، وهذا صريح في كون الدعوة للطعام، وفي حديث عتبان ﵁ قال: "وددت يا رسول اللَّه أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلى" وهذا صريح في كون الدعوة للصلاة، فما أبداه الحافظ ﵀ رأي معقول، واستنباط مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (صَنَعَتْهُ) جملة فعلية في محل جر صفة لـ "طعام"، ولفظ البخاريّ: "صنعته له"، وللنسائيّ: "قد صنعته له" (فَأَكَلَ مِنْهُ) أي أكل ﷺ بعض ذلك الطعام (ثُمَّ قَالَ) بعد الأكل ("قُومُوا) قال في "الفتح": استُدِلّ به على ترك الوضوء مما مست النار؛ لكونه صلى بعد الطعام، وفيه نظر؛ لرواية الدارقطنيّ السابقة، ففيها: "ثم دعا بوَضُوء، فتوضأ. . ." الحديث. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن ترك الوضوء مما مست النار، له أدلّة صحيحةٌ صريحةٌ، قد تقدم البحث عنها مُستَوْفًى في موضعها من "كتاب الطهارة"، فراجعه تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَأُصَلِّيَ لَكُمْ") أي لأجلكم، وقوله: "فلأصلي" هكذا وقع في معظم النسخ، وعليه فـ "أصليَ" منصوب بـ "أن" مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب الأمر، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: "فلأصلِّ لكم"، وعليه فهو مجزوم

стр. 7924

بلام الأمر، ووقع في شرح القاضي عياض: "فلأصلي بكم"، وفي رواية البخاريّ: "فلأصلي لكم"، قال في "الفتح": كذا في روايتنا بكسر اللام، وفتح الياء، وفي رواية الأصيليّ بحذف الياء، قال ابن مالك: رُوي بحذف الياء، وثبوتها مفتوحةً وساكنةً، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام "كي" والفعل بعدها منصوب بـ "أن" مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا، فقيامُكم لأصليَ لكم، ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بـ "قوموا". وعند سكون الياء يَحْتَمل أن تكون اللام أيضًا لام "كي"، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزاء إجراءً للمعتلّ مجرى الصحيح، كقراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. بإثبات الياء في "يتقي". وعند حذف الياء اللامُ لام الأمر، وأمرُ المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، قليل الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، قال: ويجوز فتح اللام، ثم ذكر توجيهه. وفيه لغيره بحث اختصرته؛ لأن الرواية لم ترد به، وقيل: إن في رواية الكشميهني: "فأصل" بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة. وحَكَى ابن قرقول عن بعض الروايات "فلنصلّ" بالنون، وكسر اللام، والجزم، واللامُ على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). وقال في "العمدة": قوله: "فلأصلي لكم" فيه ستة أوجه من الإعراب: [الأول]: "فلأصلي" بكسر اللام، وضمّ الهمزة، وفتح الياء، ووجهه أن اللام فيه لام "كي"، والفعل بعدها منصوب بـ "أن" المقدرة، تقديره: فلأن أصلي، قال القرطبيّ: رَوَيناه كذا، والفاء زائدة، أو الفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف، تقديره: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز أن تكون الفاء زائدة، على رأي الأخفش، واللام متعلِّق بـ "قوموا".

стр. 7925

[الوجه الثاني]: "فلأصلي" مثلها إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة. [الثالث]: "فلأصل" بحذف الياء؛ لكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأصيليّ. [الرابع]: "فأصلي" على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر. [الخامس]: "فلنصلِّ" بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أن اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء. [السادس]: "فَلَأصلي" بفتح اللام، ورُوي هكذا في بعض الروايات، ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء؛ للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم فواللَّه لأصلي لكم. انتهى (١). [تنبيه]: قال السهيليّ ﵀: الأمر في قوله: "فلأصلِّ لكم" بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. انتهى (٢). (قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- قال في "المحكم": هي سَفِيفةٌ تُصْنَعُ من بَرْديّ، وأَسَلٍ، ثم تُفْرَش، سُمِّي بذلك؛ لأنه على وجه الأرض، ووجه الأرض يُسَمَّى حصيرًا. و"السَّفِيفة" -بفتح السين المهملة، وبالفاءين-: شيءٌ يُعْمَل من الْخُوص، كالزَّنْبِيل. و"الأَسَلُ" -بفتح الهمزة، والسين المهملة، وفي آخره لام-: نباتٌ له أغصان كثيرةٌ دُقَاقٌ، لا وَرَقَ لها. وفي "الجمهرة": والحصير عربيّ سُمِّي حصيرًا؛ لانضمام بعضها إلى بعض. وقال الجوهريّ: الحصير: الباريّة، ذكره في "العمدة" (٣).

стр. 7926

وقال الفيّوميّ: والحصير: الباريّةُ، وجمعها حُصُر، مثلُ بَرِد وبُرُد، وتأنيثها بالهاء عاميّ. انتهى (١). وقوله: (لَنَا) الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف صفة لـ "حصير"، وقوله: (قَدِ اسْوَدَّ) جملة في محل جر صفة بعد صفة لـ "حصير"، أو في محل نصب على الحال منه. (مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) "ما" مصدرية و"لُبِسَ" بالبناء للمفعول، صلتها، أي من طول لبسه، وهو كناية عن كثرة استعماله. وقال النوويّ ﵀: احتَجّ بقوله: "من طول ما لُبِس" أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوبًا، ففرشه، فعندهم يَحْنَث، وأجاب أصحابنا -يعني الشافعيّة- بأن لُبْس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف مَن حلف لا يلبس ثوبًا، فإن أهل العرف، لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى. وقال في "الفتح": فيه أن الافتراش يسمى لبسًا، وقد استُدِلّ به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يَرِدُ على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرًا، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف. انتهى (٢). وقد اعتَرَض العينيّ على كلام الحافظ هذا بما لا يُسَلَّم له، فتبصر (٣).

стр. 7927

(فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ) من النَّضْح، وهو الرّشّ، وهذا النضح يَحْتَمِل أن يكون لتليين الحصير، أو لتنظيفه، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة، قاله في "الفتح" (١). وقال القرطبيّ: قال إسماعيل بن إسحاق: إنما نضحه ليلين، وليتوطّأ للصلاة، والأظهر قول غيره: إن ذلك إما لنجاسة متيقَّنَةٍ، فيكون النضح هنا غسلًا، أو متوقَّعَة؛ لامتهانه طول افتراشه، فيكون رشًّا لزوال الشكّ وتطييب النفس، وهذا هو الأليق، لا سيّما وقد كان عندهم أبو عُمير أخو أنس طفلًا صغيرًا حينئذ. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "والأظهر إلخ" فيه نظرٌ، بل الأظهر ما قاله إسماعيل؛ لأن الأصل الطهارة كما قال في "الفتح"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ أَنَا) أتى بكلمة "أنا" لأجل العطف على ضمير الرفع المتصل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ وقوله: (وَالْيَتِيمُ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى العطف على الضمير المتصل الفاعل، وأما النصب فعلى كون الواو واو المعية، والرفع أرجح؛ لوجود الفصل بالضمير. وقد وقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: "وصففت واليتيم" بدون الضمير المنفصل، وعليه يكون النصب أرجح؛ لكون العطف على الضمير المتصل بلا فاصل ضعيفًا.

стр. 7928

وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة"، فقال: وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضَعْفٍ أَحَقْ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ و"اليتيم": هو ضُميرة بن أبي ضُميرة -بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، بصيغة التصغير- وأبو ضميرة مولى رسول اللَّه ﷺ ، كذا قاله الذهبي في "تجريد الصحابة"، ثمّ قال: له ولأبيه صحبة، وقال في "الكنى": أبو ضُميرة مولى رسول اللَّه ﷺ كان من حِمْيَر، اسمه سعد، وكذا قال البخاريّ: إن اسمه سعد الْحِمْيريّ من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعد الحميري، هو جد حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى. ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سندر. وقيل: روح بن شير زاد، أفاده في "العمدة" (١). وقال في "الفتح": قال صاحب "العمدة": اليتيم: هو ضميرة جدُّ حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد اللَّه، أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول اللَّه ﷺ ، وقد اختُلِف في اسم أبي ضميرة، فقيل: رَوْحٌ. وقيل غير ذلك. انتهى. ووهم بعض الشراح، فقال: اسم اليتيم ضميرة، وقيل: روح، فكأنه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه، ووهم أيضًا من قال: إن اسمه سليم، وجزم البخاريّ بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميريّ، ويقال: سعيد، ونَسَبَهُ ابن حبّان ليثيًّا. انتهى (٢). (وَرَاءَهُ) أي خلف النبيّ ﷺ ، وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "صَفَفْتُ" (وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا) جملة اسمية في محل نصب على الحال، ويَحْتَمِل أن يُعْطَف "العَجُوزُ" على الفاعل، والظرف على الظرف، ففيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو "صَفّ"، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة، كما بيّنه ابن هشام الأنصاري في "المغني" (٣).

стр. 7929

والمراد بالعجوز مليكة المذكورة أوَّلًا. (فَصَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، أو إمامًا بنا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ) هذه الصلاة كانت تطوّعًا يدلّ على ذلك ما يأتي من قول أنس ﵁: "في غير وقت صلاة" (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي من الصلاة، أو إلى بيته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٠] (٦٥٨)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٠) و"الأذان" (٧٢٧ و ٨٦٠ و ٨٧١ و ٨٧٤) و"التهجّد" (١١٦٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦١٢)، و (الترمذيّ) فيها (٢٣٤)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠١) وفي "الكبرى" (٨٧٦)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٥٣)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٣٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣١ و ١٤٩ و ١٦٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٢٩١ و ١٣٨١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٣٩ و ١٥٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٦ و ١٠٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٢٨ و ٨٢٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة. ٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة على الحصير، ومثله سائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع، إلا من شَذّ، وسيأتي البحث فيه مستوفى في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان موقف الإمام إذا كان معه اثنان، وامرأةٌ، وذلك أن يَصُفّ الاثنان خلفه، وتكون المرأة خلفهما صفًّا وحدها، قال القرطبيّ: فيه

стр. 7930

حجة لكافّة أهل العلم في أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، وعلى أبي حنيفة والكوفيين إذ يقولون: يقومان عن يمينه ويساره. انتهى (١). ٤ - (ومنها): مشروعية إجابة الدعوة، ولو لم تكن عُرْسًا، ولو كان الداعي امرأة. ٥ - (ومنها): الأكل من طعام الدعوة. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق، والتواضع، حيث كان يزور أصحابه، ويصلي على البساط الذي عندهم، ولو كان ممتهنًا، ففي حديث أنس ﵁ الآتي بعد هذا قال: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس خلقًا، فربما تحضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس، ثم يُنضَحُ، ثم يَؤُمُّ رسول اللَّه ﷺ ، ونقوم خلفه. . . الحديث. ٧ - (ومنها): صلاة النافلة جماعة في البيوت، قال في "الفتح": وكأنه ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة؛ لأجل المرأة، فإنها يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها. انتهى. ٨ - (ومنها): أن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردًا حيث لا يكون هناك مصلحة، كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل، ولا سيما في حقه ﷺ (٢). ٩ - (ومنها): تنظيف مكان المصلي. ١٠ - (ومنها): قيام الصبيّ مع الرجل صفًّا، قال القرطبيّ ﵀: فيه حجة على أن من يَعْقِل الصلاة من الصبيان حكمهم في القيام خلف الإمام حكم الرجال، وهو مذهب الجمهور، ورُوي عن أحمد كراهة ذلك، وقال: لا يقوم مع الناس، إلا من بلغ، ورُوي عن عمر بن الخطّاب ﵁ وغيره أنه كان إذا أبصر صبيًّا في الصفّ أخرجه، وهذا عند الكافّة محمول على من لا يعقل الصلاة، ولا يكُفُّ عن العبث فيها. انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما قاله الإمام أحمد ﵀، ونُقل

стр. 7931

عن عمر ﵁ من أن الصبيّ لا يقوم مع الناس؛ لقوله ﷺ : "ليلني أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم. . ." الحديث، رواه مسلم. وأخرج النسائيّ ﵀ في "سننه" بإسناد صحيح، عن قيس بن عُبَاد، قال: بينا أنا في المسجد في الصفّ المقدَّم، فجبذني رجل من خلفي جَبْذَةً، فنَحّاني، وقام مقامي، فواللَّه ما عَقَلت صلاتي، فلما انصرف، فإذا هو أُبَيّ بن كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك اللَّه، إنّ هذا عَهْدٌ من النبيّ ﷺ إلينا، أن نَلِيَهُ. وأما حديث أنس ﵁ فمحمول على ما إذا كان البالغ وحده، فيقوم الصبيّ معه؛ لئلا يكون منفردًا في الصفّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): قيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها. ١٢ - (ومنها): تأخير النساء عن صفوف الرجال. ١٣ - (ومنها): أن بعضهم استَدَلّ به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف وحده، وفيه نظر؛ لأن هذا للمرأة، لا للرجل، فهو مخالف لهذا في هذا، فقد أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن وابصة بن معبد ﵁ قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن رجل صلى خلف الصفوف وحده؟ فقال: "يعيد الصلاة". وأخرجه أيضًا هو، والترمذيّ، والدارميّ بلفظ: "أن رجلًا صلى خلف الصفّ وحده، فأمره النبيّ ﷺ أن يعيد الصلاة". فهذا صريح في مخالفة الرجل للمرأة في هذه المسألة، فالمرأة تصلّي وحدها خلف الرجال، على حديث أنس ﵁ هذا، والرجل لا يصلّي وحده على حديث وابصة ﵁ المذكور، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أن نافلة النهار يقتصر فيها على ركعتين، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: الأفضل أن يتنفل بأربع، سواء كان ليلًا، أو نهارًا، وسيأتي ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-. ١٥ - (ومنها): صحة صلاة المميِّز، ووضوئه. ١٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: يجوز أن يُتمسّك به على أن المرأة لا تؤمّ الرجال؛ لأنها إذا كان مقامها في الائتمام متأخّرًا عن مرتبة الرجال، فأبعد أن تتقدّمهم، وهو قول الجمهور، خلافًا للطبريّ، وأبي ثور في إجازتهما

стр. 7932

إمامة النساء للنساء والرجال جملة، وحُكي عنهما إجازة ذلك في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرها، واختُلف في إمامتها للنساء، فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من العلماء إلى منع إمامتها للنساء، وأجاز ذلك الشافعيّ، وفيه رواية شاذّة عن مالك. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح جواز إمامة النساء لأهل دارها؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود بإسناد حسن عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث الأنصاري ﵂، وكانت قد جَمَعَت القرآن، وكان النبيّ ﷺ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذِّن، وكانت تؤم أهل دارها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب ﵀: قوله: "قد اسودّ من طول ما لُبِس يدلّ على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه، واستعماله في الجلوس عليه. واستَدَلّ بذلك مَن حَرّم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير. وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن مَن حَلَف لا يلبس ثوبًا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك يسمى لباسًا. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويُفْتَرش، أو أُطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئًا، فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرًا فجلس عليه. ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسًا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠].

стр. 7933

وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]. ولا نعلم خلافًا أنه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم يحنث، وقد سمّاها اللَّه بساطًا، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى اللَّه السماء سقفًا، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس. فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز، واللَّه أعلم. وإنما قال أصحابنا -يعنى الحنبليّة-: لو حلف لَيَرَيَنّ امرأته عاريةً لابسةً أنه يَبَرُّ برؤيتها في الليل عاريةً؛ لأن جمعه بين عُرْيها ولُبْسها قرينة تدلّ على أنه لم يُرِد لبسها لثيابها؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها. انتهى كلام ابن رجب ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الحصير، والْخُمْرة، ونحو ذلك: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الصلاة على الحصير، والسجود عليه، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض. وممن رُوي عنه أنه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر. وقال النخعيّ: كانوا يصلون على الحصير والبوري. وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت. ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها، والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء. . وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض.

стр. 7934

وروي عن أبي بكر الصديق، أنه رأى قومًا يصلون على بُسُط، فقال لهم: أَفْضُوا إلى الأرض، وفي إسناده نظر. ورُوي عن ابن عمر، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض، ونحوه عن علي بن الحسين، وقال النخعيّ في السجود على الحصير: الأرض أحب إليّ، وعنه، أنه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ. ونَقَلَ حَرْب، عن إسحاق، قال: مضت السنّة من النبيّ ﷺ أنه صلى على الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض، قال: وإن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إليّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا. وأكثر صلاة النبي ﷺ كانت على الأرض، يدلّ على ذلك: أنه لَمّا وَكَفَ المسجد وكان على عَرِيش فصلى النبي ﷺ صلاة الصبح، وانصرف وأثر الماء والطين على جبهته وأنفه. وأخرج أبو داود من رواية شُريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مُطِرنا مرةً بالليل، فطرحنا للنبي ﷺ نِطَعًا، فكأني انظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه، وما رأيته متقيًا الأرض بشيء من ثيابه قط. وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يتقي الأرض بشيء، إلا مرة؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني انظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه. وأخرجه ابن جرير، والبيهقيّ وغيرهما، وعندهم: أن شُريحًا قَالَ: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ فذكرت الحديث. وفي رواية لابن جرير: أن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ صلى على شيء قط، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعًا، فصلى عليه. وأخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى لا يضع تحت قدميه شيئًا، إلا أنّا مطرنا يومًا فوضع تحت قدميه نطعًا. وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه. وأخرج بَقِيّ بن مَخْلَد في "مسنده" من رواية يزيد بن المقدام بن شريح،

стр. 7935

عن أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن أناسًا يصلون على هذه الحصر، ولم أسمع اللَّه يذكرها في القرآن، إلا في مكان واحد: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أفكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن رسول اللَّه ﷺ يصلي على الحصير. قال ابن رجب ﵀: وهذا غريب جدًا. ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه. وأخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر، ثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي على خمرة، فقال: "يا عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس". قال ابن رجب: وهذا غريب جدًا، ولكنه اختلف فيه على يونس: فرواه مُفَضَّل بن فَضَالة، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يصلي على الخمرة، يسجد لها. ورواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري - مرسلًا. ورواه ابن وهب في "مسنده" عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل أسمع أن رسول اللَّه ﷺ صلى على الخمرة، وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على الخمرة ويسجد لها، فرواه بالوجهين جميعًا. وأما رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنها غير محفوظة، ولا تعرف تلك الزيادة إلا فيها، هكذا ذكر هذا البحث كلّه الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ جواز الصلاة على الحصير ومثله ما في معناه مما يُفرش، سواء كان مأخوذًا من حيوان، أو نبات، بلا كراهة؛ لحديث الباب وغيره، وهذا إذا لم يكن عليه ما يَشْغَلُ المصلّي، ويُلهيه عن صلاته، من نقش أو غيره، وإلا فيُكره؛ لحديث الخميصة، فقد قال ﷺ : "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني

стр. 7936

بأنبجانيّته، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي"، وفي رواية: "كنت انظر إلى علَمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"، متّفقٌ عليه. وقد حَكَى جواز ذلك الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" عن أكثر أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وهو قول أحمد، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وجمهور الفقهاء. والحاصل أن ما عليه الجمهور من الجواز هو الحقّ، والذي نُقل من كراهة ذلك عن بعض السلف، فيُحْمَل على أنه من باب التورّع، أو أنه لم يصل إليهم حديث الباب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠١] (٦٥٩) - (وَحَدَّثَنَا (١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ في بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ، ثُمَّ يُنْضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) عن بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يَثبُت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.

стр. 7937

٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ ذُكر في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٩٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا، فالأول أُبُليّ، نسبة إلى أُبُلّة، بضمتين، وتشديد اللام قرية بالبصرة، والثاني بصريّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن أبا التيّاح منفرد بهذه الكنية، فلا يوجد في الرواة من يُكنى أبا التيّاح، وتقدّم ما يتعلّق بأنس ﵁ في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا) منصوب على التمييز، وهو بضمّتين: السَّجِيّة، وأخرجه المصنّف في "كتاب الأدب" بسند الباب، كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عُمَير، قال: أحسبه قال: كان فَطِيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول اللَّه ﷺ ، فرآه، قال: "أبا عُمير ما فعل النُّغَيْر؟ "، قال: فكان يَلْعَبُ به. وأخرجه البخاريّ في "الأدب" أيضًا، من طريق شعبة، عن أبي التّيّاح، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: إن كان النبيّ ﷺ ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ ". ومن طريق مسدَّد، عن عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان النبيّ ﷺ أحسنُ الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ، يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فَطِيمًا، وكان إذا جاء قال: "يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ "، نُغَرٌ (١) كان

стр. 7938

يَلْعَب به، فربما حضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس، ويُنضَحُ، ثم يقوم، ونقوم خلفه، فيصلي بنا. قال في "الفتح": قوله: "كان النبيّ ﷺ أحسن الناس خُلُقًا" هذا قاله أنس ﵁ تَوْطِئةً لما يريد أن يذكره من قصّة الصبيّ، وأول حديث شعبة المذكور، عن أنس: قال: "إن كان النبيّ ﷺ ليخالطنا"، ولأحمد من طريق المثنى بن سعيد، عن أبي التياح، عن أنس: "كان النبيّ ﷺ يزور أمَّ سُلَيم"، وفي رواية محمد بن قيس: "كان النبيّ ﷺ قد اختلط بنا أهلَ البيت"، يعني لبيت أبي طلحة وأم سليم، ولأبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: "كان النبيّ ﷺ يغشانا، ويخالطنا"، وللنسائيّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: "كان النبيّ ﷺ يأتي أبا طلحة كثيرًا"، ولأبي يعلى من طريق خالد بن عبد اللَّه، عن حميد: "كان يأتي أم سُلَيم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ"، ولابن سعد، وسعيد بن منصور، عن ربعي بن عبد اللَّه بن الجارود، عن أنس: "كان يزور أُمَّ سُلَيم، فتتحفه بالشيء تصنعه له". انتهى (١). وقوله: (فَرُبَّمَا) قال في "القاموس": ورُبَّ، ورُبّةَ، ورُبّما، بضمّهن، مشدّدات، ومخفَّفات، وبفتحهنّ كذلك، ورُبُ بضمّتين، مخفّفةً، ورُبْ كمُذْ: حرفٌ حافظٌ، لا يقع إلا على نكرة، أو اسمٌ، وقيل: كلمةُ تقليل، أو تكثير، أو لهما، أو في موضع المباهاة للتكثير، أو لم توضع لتقليل، ولا لتكثير، بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى (٢). وقال في "المصباح": ورُبّ حرف يكون للتقليلٍ غالبًا، ويدخل على النكرة، فيقال: ربّ رجل قام، وتدخُل عليه التاء مُقحَمَة، وليست للتأنيث؛ إذ لو كانت للتأنيث لسَكَنتْ، واختَصَّت بالمؤنّث، وأنشد أبو زيد: يَا حَاحِبًا رُبَّتَ إِنْسَانٍ حَسَنْ … يَسْأَلُ عَنْكَ الْيَوْمَ أَوْ يَسْأَلُ عَنْ (٣) واختار ابن هشام في "مغنيه" أنها حرف جرّ، وليس معناها التقليل دائمًا،

стр. 7939

ولا التكثير دائمًا، بل ترد للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا. انتهى (١). فـ "رُبّ" هنا للتقليل (تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي بَيْتِنَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ) بكسر الموحّدة: ما بُسِط، أي فُرِشَ، وهو: فِعَالٌ بمعنى مفعول، ومثله كتاب بمعنى مكتوب، وفِرَاشٌ بمعنى مفروش، ونحو ذلك، وجمعه بُسُط بضمّتين (الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ) بالبناء للمفعول، يقال: كَنَسَ البيت يَكْنُسُه كَنْسًا، من باب نصر: كَسَحَ الْقُمَامة عنه، وكُنَاسةُ البيت: ما كُسِح منه من التراب، فأُلقِي بعضه على بعض، أفاده في "اللسان" (٢). (ثُمَّ يُنْضَحُ) بالبناء للمفعول أيضًا، أي يُرشّ بالماء، قال النوويّ ﵀: وإنما نضحه؛ ليلين، فإنه كان من جريد النخل، كما صرح به في هذه الرواية، ويَذهَبَ عنه الغبار ونحوه، هكذا فسره القاضي إسماعيل المالكيّ، وآخرون، وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته، وهذا على مذهبه في أن النجاسة المشكوك فيها تُطَهَّر بنضحها من غير غسل، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الطهارة لا تَحْصُل إلَّا بالغسل، فالمختار التأويل الأول. انتهى (٣). (ثُمَّ يَؤُمُّ) بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: "ثمّ يقوم" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ) أي بساط أهل ذلك العصر (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) "الْجَرِيد" -بفتح الجيم، وكسر الراء-: سَعَفُ النخَلِ، الواحدة: جَرِيدة، فَعِيلة بمعنى مفعولة، وإنما تُسَمَّى جَرِيدةً إذا جُرِدَ عنها خُوصُها، قاله في "المصباح" (٤). و"النَّخْل": اسم جمع، الواحدة "نَخْلَةٌ"، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم يذكّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما "النَّخِيلُ" بالياء، فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف

стр. 7940

في ذلك، ذكره الفيّوميّ (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠١] (٦٥٩) وفي "الأدب" بقصّة الصبيّ دون الصلاة، و (البخاريّ) في "الأدب" (٦١٢٩ و ٦٢٠٣) وفي "الأدب المفرد" (٢٦٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٣٣) وفي "البرّ والصلة" (١٩٨٩)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٣٣٣ و ٣٣٤ و ٣٣٥ و ٣٣٦)، و (ابن ماجه) قصة مزاحه في "الأدب" (٣٧٢٠ و ٣٧٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٩ و ٢١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٧٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٠٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صلاة النافلة جماعة، وجواز الصلاة على البساط. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق، والتواضع حيث كان يزور أم سليم وأهل بيتها، ويصلي على البساط الممتَهَن. ٣ - (ومنها): جواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية إذا أُمِنت الفتنة. ٤ - (ومنها): تخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض. ٥ - (ومنها): جواز مشي الحاكم وحده. ٦ - (ومنها): جواز الصلاة على الحصير، وترك التقزُّز؛ لأنه علم أن في البيت صغيرًا وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه. ٧ - (ومنها): أن الأشياء على يقين الطهارة؛ لأن نضحهم البساط إنما كان للتنظيف على الراجح.

стр. 7941

٨ - (ومنها): أن الاختيار للمصلي أن يقوم على أروح الأحوال، وأمكنها، خلافًا لمن استحب من المشددين في العبادة أن يقوم على أجهدها. ٩ - (ومنها): جواز دخول الرجل بيت المرأة وزوجها غائبٌ، ولو لم يكن محرمًا إذا انتفت الفتنة. ١٠ - (ومنها): استحباب النضح فيما لم يُتَيَقَّن طهارته. ١١ - (ومنها): إكرام أقارب الخادم، وإظهار المحبة لهم؛ لأن جميع ما ذُكِر من صنيع النبيّ ﷺ مع أم سليم وذويها، كان غالبه بواسطة خدمة أنس ﵁ له ﷺ ، وسيأتي ما يتعلّق من الفوائد بقصّة أبي عُمير في "كتاب الأدب" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٢] (٦٦٠) - (حَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: "قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ"، فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَصَلَّى بِنَا، فَقَالَ رَجُل لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ، مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ، أَنْ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته ولقبُهُ قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.

стр. 7942

٣ - (سُلَيْمَانُ) بن المغيرة (١) القَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٥ - (أنس) بن مالك ﵁ المذكور قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، وهاشم، فبغداديّان، وتقدّم ما يتعلّق بأنس ﵁، وللَّه الحمد والمنّة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا) أي في بيت أم سليم ﵂، فقد أخرج الحديث البخاريّ في "صحيحه"، من طريق حُميد، عن أنس ﵁ دخل النبيّ ﷺ على أم سليم، فأتته بتمر، وسمن، قال: "أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم"، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول اللَّه إن لي خُوَيِصّة، قال: "ما هي؟ " قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة، ولا دنيا، إلا دعا لي به، قال: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له فيه"، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أُمَينة، أنه دُفِن لصلبي مَقْدَمَ حَجّاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة. ووقع في رواية أبي داود بسند صحيح، عن ثابت، عن أنس ﵁ أنه

стр. 7943

قال: إن رسول اللَّه ﷺ دخل على أم حرام، فأتوه بسمن، وتمر، فقال: "رُدُّوا هذا في وعائه، وهذا في سقائه، فإني صائم"، ثم قام، فصلى بنا ركعتين تطوعًا، فقامت أم سليم، وأم حرام خلفنا، قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا تعارض بين القصّتين؛ إذ يمكن حمله على تعدّد الواقعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا) "ما" هنا نافية، و"هو" في محل رفع مبتدأ، وهو ضمير يفسِّره خبره، أي لا يُعْلَم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظًا ورتبةً، أفاده السمين الحلبيّ ﵀ في إعراب قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ [الأنعام: ٢٩] الآية. والمواضع التي يعود الضمير فيها على متأخّر لفظًا ورُتبةً ستّة، نظمتها بقولي: وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا … لَفْظًا وَرُتْبَةً أَتَى مُغْتَفَرَا فِي مُضْمَرِ الشَّأْنِ وِ"نِعْمَ رَجُلَا" … وَ"رُبَّهُ فَتًى" كَذَا مَا أُبْدِلَا مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا … بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى فَتِلْكَ سِتٌّ وَسِوَاهَا أَوْجَبُوا … تَقَدُّمَ الْمَرْجِعِ نَعْمَ الْمَطْلَبُ وقوله: "إلا أنا" خبر المبتدأ. (وَأُمِّي) أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصاريّة، يقال: اسمها سَهْلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مُليكة، أو غير ذلك، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان ﵁، وقد تقدمت ترجمتها في "الحيض" ٧/ ٧١٦. (وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي) هي أم حرام بنت مِلْحان، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حَرَام بن جندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن مالك بن النجّار الأنصاريّة، خالة أنس بن مالك، وزوجة عُبادة بن الصامت، يقال: اسمها الْغُمَيصاء، ويقال: الرُّمَيصاء. رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وروى عنها ابن أختها أنس بن مِالك، وعُمير بن الأسود العنسيّ، ويعلى بن شداد بن أوس، وعطاء بن يسار. قال ابن سعد: تزوجت عبادة بن الصامت، فوَلَدت له محمدًا، ثم خَلَف

стр. 7944

عليها عمرو بن قيس بن زيد بن سَوّاد الأنصاريّ، كذا قال، والصحيح العكس، فقد قال غير واحد: إنها خرجت مع زوجها عُبادة في بعض غزوات البحر، وماتت في غَزَاتها، وَقَصَتها بغلتها عندما قفلوا، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر، في زمن معاوية، في خلافة عثمان ﵃، زاد أبو نعيم الأصبهانيّ: وقُبِرَت بقُبْرُص، وزاد الإسماعيليّ في "مستخرجه" عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، قال: رأيت قبرها، ووَقَفتُ عليه بِقُبْرص، جزيرة عظيمة من جزائر الروم. أخرج لها البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في "كتاب الإمارة" برقم (١٩١٢) حديث: "أُريتُ قومًا من أمتي يركبون ظهر هذا البحر. . .". (فَقَالَ) ﷺ ("قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ") تقدّم إعراب هذه الجملة، وشرحها في حديث أنس ﵁ المذكور أولَ الباب، وقوله: (فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ) متعلّق بـ "قال"، أو متعلّق بخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وذلك كائنٌ في غير وقت صلاة، وأراد بذلك أن الوقت قال فيه ذلك كان غير وقت صلاة مفروضة، وليس المراد أنه صلى بهم في أوقات النهي (فَصَلَّى بِنَا) تقدّم في رواية البخاريّ: "ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلّى غير المكتوبة"، وفي رواية عند أحمد، من طريق ثابت، عن أنس: "ثم صلّى ركعتين تطوّعًا، فأقام أم حرام، وأمّ سُليم خلفنا، وأقامني عن يمينه". (فَقَالَ رَجُلٌ) وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه": "فقال رجلٌ من القوم"، ولا يُعرف هذا الرجل القائل، كما قاله صاحب "التنبيه" (١). (لِثَابِتٍ) البنانيّ (أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟) ﷺ ، أي على أي جهة منه أقامه؟ (قَالَ) ثابتٌ (جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ) أي جهة يمين النبيّ ﷺ ، وفيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام (ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بنصب "أهلَ" على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة": الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … كَـ "أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"

стр. 7945

وَقَدْ يُرَ ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ" ويَحْتَمِل أن يكون مفعولًا لفعل مقدّر، أي أعني أهل البيت، أي أهل بيت أنس ﵁. (بِكُلِّ خَيْرٍ) متعلّق بـ "دعا" (مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) هذا الدعاء لعموم أهل بيت أنس، غير الدعاء الخاصّ به الذي ذكره بقوله: (فَقَالَتْ أُمِّي) أمّ سُليم ﵂ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ) تصغير خادم، صغّرته على معنى التلطُّف، لا التحقير، يقال: خَدَمه يَخْدُمه، ويَخْدِمه، من بأبي نصر، وضرب، خَدْمةً، فهو خادم غلامًا كان، أو جاريةً، والخادمة بالهاء في المونّث قليلٌ، والجمع خَدَم، بفتحتين، وخُدّام (١). فـ "خُويدمك" مبتدأ، خبره قوله: "ادع اللَّه له". وفي رواية البخاريّ المتقدّمة: فدعا لأم سُليم وأهل بيتها، فقالت أم سُليم: يا رسول اللَّه إن لي خُوَيِصّةً، قال: "ما هي؟ " قالت: خادمك أنسٌ. . .، وفي رواية أحمد: "إن لي خُوَيصّة، خُويدمك أنسٌ، ادع اللَّه له". (ادْعُ اللَّهَ لَهُ) أي مكافأة لإحسانه إليك بالخدمة زمنًا طويلًا، فقد أخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، عن أنس بن مالك ﵁: "أنه كان ابن عشر سنين مَقْدَم رسول اللَّه ﷺ المدينةَ، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبيّ ﷺ فخدمته عشر سنين، وتوفي النبيّ ﷺ ، وأنا ابن عشرين سنة. . ." الحديث. وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن ثابت، قال أنس: ما شَمِمْت شيئًا عنبرًا قطّ، ولا مسكًا قطّ، ولا شيئًا قطّ أطيب من ريح رسول اللَّه ﷺ ، ولا مَسَسْتُ شيئًا قطّ ديباجًا، ولا حريرًا، ألين مَسًّا من رسول اللَّه ﷺ . قال ثابت: فقلت: يا أبا حمزة، ألست كأنك تنظر إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكأنك تسمع إلى نَغَمَته؟ فقال: بلى واللَّه، إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة، فأقول: يا رسول اللَّه خُويدمك، قال: خدمته عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام، ليس كل أمري كما يَشْتَهِي صاحبي أن يكون، ما قال لي فيها: أُفّ، ولا قال لي: لم فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا؟.

стр. 7946

(قَالَ) أنس ﵁ (فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ) هذا يدلّ على أن النبيّ ﷺ دعا لأنس ﵁ بدعوات كثيرة، غير هذا (أَنْ قَالَ) "أَنْ" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل اسم "كان" مؤخّرًا، أي كان قوله: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ) وقوله: (فِيهِ") وكذا هو في رواية البخاريّ المتقدّمة بالإفراد؛ نظرًا إلى اللفظ، ولأحمد: "فيهم"؛ نظرًا إلى المعنى، وللبخاريّ في "الدعوات"، من طريق قتادة، عن أنس: "وبارك له فيما أعطيته". ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال والولد من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره. وسيأتي لمسلم في "الفضائل" من طريق الجعد، أبي عثمان، قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁، قال: مَرّ رسول اللَّه ﷺ ، فسمعت أمي، أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه، أنيسٌ، فدعا لي رسول اللَّه ﷺ ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة. ولم يبيّن هذه الثالثة، وهي المغفرة كما بيّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد، بإسناد صحيح عنه، عن أنس ﵁ قال: "اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٢ و ١٥٠٣ و ١٥٠٤] (٦٦٠) وفي "فضائل الصحابة" (٢٤٨١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٨٢) و"الدعوات" (٦٣٣٤ و ٦٣٤٤ و ٦٣٧٨ و ٦٣٨٥) وفي "الأدب المفرد" (٨٨)، و (أبو داود) في "الصلاة"، و (ابن ماجه) فيها (٩٧٥)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠٢ و ٨٠٣ و ٨٠٤)، وفي "الكبرى" (٨٧٧ و ٨٧٨ و ٨٧٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٢٧)، و (أحمد)

стр. 7947

في "مسنده" (٣/ ١٩٣ و ١٩٤ و ٢١٧ و ٢٥٨ و ٢٦١)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٦٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء للخادم؛ مكافأة على إحسانه، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن استجار باللَّه فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفًا، فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه". ٣ - (ومنها): جواز التصغير على معنى التلطّف لا التحقير. ٤ - (ومنها): تحفة الزائر بما حضر بغير تكلُّف. ٥ - (ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يَشُقّ ذلك على المهدي، وأن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود في الهبة. ٦ - (ومنها): حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له. ٧ - (ومنها): مشروعية الدعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة. ٨ - (ومنها): استحباب الدعاء بخير الدنيا والآخرة؛ لأن كلّ ذلك بيد اللَّه ، وقد رغّب اللَّه تعالى في ذلك حيث قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠١، ٢٠٢]، وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤].

стр. 7948

٩ - (ومنها): جواز الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ، وأنّ فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص. ١٠ - (ومنها): زيارة الإمام بعض رعيته. ١١ - (ومنها): جواز دخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يُنقَل في طرق هذه القصّة أن أبا طلحة ﵁ كان حاضرًا. ١٢ - (ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال. ١٣ - (ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لما يحصل من المصيبة بموتهم، والصبرِ على ذلك من الثواب. ١٤ - (ومنها): التحدث بنعم اللَّه تعالى، وبمعجزات النبيّ ﷺ لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره. ١٥ - (ومنها): أن فيه التاريخ بالأمر الشهير، ولا يَتَوَقَّف ذلك على صلاح المؤرَّخ به. ١٦ - (ومنها): أنه إنما دعا النبيّ ﷺ لأنس بالبركة في ماله؛ لأن مجرّد كثرة المال لا ينفع صاحبه إلا إذا بارك اللَّه تعالى له فيه، فقام بواجبه، وإلا يكون وبالًا عليه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي ذرّ ﵁، مرفوعًا: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليلٌ ما هم"، وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وقليلٌ ما هم، عن يمينه، وعن شماله، وبين يديه، ووراءه". ١٧ - (ومنها): أن اللَّه تعالى أكرم نبيّه ﷺ حيث استجاب دعاءه لأنس ﵁، فكان أكثر الناس مالًا وولدًا، وطال عمره. أما كثرة ماله، وولده، فقد أخرج مسلم في "فضائل الصحابة" من طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقد أَزَّرَتني بنصف خمارها، ورَدّتني بنصفه، فقالت:

стр. 7949

يا رسول اللَّه، هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدُمك، فادع اللَّه له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، قال أنس: فواللَّه إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم. وفي "كتاب الصوم" من "صحيح البخاريّ": قال أنس: وحدّثتني ابنتي أُمينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم الحجاج البصرة (١) بضع وعشرون ومائة (٢). وقال النوويّ ﵀: كان أكثر الصحابة أولادًا، وقد قال ابن قُتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كلُّ واحد منهم من ولده مائةَ ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة. وأخرج الترمذيّ، عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، ورجاله ثقات.

стр. 7950

ولأبي نعيم في "الحلية" من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال: "وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يُثمر مرتين غيرها" (١). وأما طول عمره ﵁، فقد ثبت في "الصحيح" أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنِّه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعًا وتسعين سنةً، أفاده في "الفتح" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعَ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (ح م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد البصير العابد، أمير المؤمنين في الحديث، وأول من فتّشَ بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنّة [٧] (١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُخْتَارِ) البصريّ، ثقة (٣) [٧].
следующие страницы →