(قَالَ) أنس ﵁ (فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ) هذا يدلّ على أن النبيّ ﷺ دعا لأنس ﵁ بدعوات كثيرة، غير هذا (أَنْ قَالَ) "أَنْ" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل اسم "كان" مؤخّرًا، أي كان قوله: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ) وقوله: (فِيهِ") وكذا هو في رواية البخاريّ المتقدّمة بالإفراد؛ نظرًا إلى اللفظ، ولأحمد: "فيهم"؛ نظرًا إلى المعنى، وللبخاريّ في "الدعوات"، من طريق قتادة، عن أنس: "وبارك له فيما أعطيته".
ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال والولد من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره.
وسيأتي لمسلم في "الفضائل" من طريق الجعد، أبي عثمان، قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁، قال: مَرّ رسول اللَّه ﷺ ، فسمعت أمي، أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه، أنيسٌ، فدعا لي رسول اللَّه ﷺ ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.
ولم يبيّن هذه الثالثة، وهي المغفرة كما بيّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد، بإسناد صحيح عنه، عن أنس ﵁ قال: "اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٢ و ١٥٠٣ و ١٥٠٤] (٦٦٠) وفي "فضائل الصحابة" (٢٤٨١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٨٢) و"الدعوات" (٦٣٣٤ و ٦٣٤٤ و ٦٣٧٨ و ٦٣٨٥) وفي "الأدب المفرد" (٨٨)، و (أبو داود) في "الصلاة"، و (ابن ماجه) فيها (٩٧٥)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠٢ و ٨٠٣ و ٨٠٤)، وفي "الكبرى" (٨٧٧ و ٨٧٨ و ٨٧٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٢٧)، و (أحمد)
стр. 7947
في "مسنده" (٣/ ١٩٣ و ١٩٤ و ٢١٧ و ٢٥٨ و ٢٦١)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٦٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء للخادم؛ مكافأة على إحسانه، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن استجار باللَّه فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفًا، فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه".
٣ - (ومنها): جواز التصغير على معنى التلطّف لا التحقير.
٤ - (ومنها): تحفة الزائر بما حضر بغير تكلُّف.
٥ - (ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يَشُقّ ذلك على المهدي، وأن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود في الهبة.
٦ - (ومنها): حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له.
٧ - (ومنها): مشروعية الدعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة.
٨ - (ومنها): استحباب الدعاء بخير الدنيا والآخرة؛ لأن كلّ ذلك بيد اللَّه ، وقد رغّب اللَّه تعالى في ذلك حيث قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠١، ٢٠٢]، وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤].
стр. 7948
٩ - (ومنها): جواز الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ، وأنّ فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص.
١٠ - (ومنها): زيارة الإمام بعض رعيته.
١١ - (ومنها): جواز دخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يُنقَل في طرق هذه القصّة أن أبا طلحة ﵁ كان حاضرًا.
١٢ - (ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال.
١٣ - (ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لما يحصل من المصيبة بموتهم، والصبرِ على ذلك من الثواب.
١٤ - (ومنها): التحدث بنعم اللَّه تعالى، وبمعجزات النبيّ ﷺ لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره.
١٥ - (ومنها): أن فيه التاريخ بالأمر الشهير، ولا يَتَوَقَّف ذلك على صلاح المؤرَّخ به.
١٦ - (ومنها): أنه إنما دعا النبيّ ﷺ لأنس بالبركة في ماله؛ لأن مجرّد كثرة المال لا ينفع صاحبه إلا إذا بارك اللَّه تعالى له فيه، فقام بواجبه، وإلا يكون وبالًا عليه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي ذرّ ﵁، مرفوعًا: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليلٌ ما هم"، وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وقليلٌ ما هم، عن يمينه، وعن شماله، وبين يديه، ووراءه".
١٧ - (ومنها): أن اللَّه تعالى أكرم نبيّه ﷺ حيث استجاب دعاءه لأنس ﵁، فكان أكثر الناس مالًا وولدًا، وطال عمره.
أما كثرة ماله، وولده، فقد أخرج مسلم في "فضائل الصحابة" من طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقد أَزَّرَتني بنصف خمارها، ورَدّتني بنصفه، فقالت:
стр. 7949
يا رسول اللَّه، هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدُمك، فادع اللَّه له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، قال أنس: فواللَّه إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم.
وفي "كتاب الصوم" من "صحيح البخاريّ": قال أنس: وحدّثتني ابنتي أُمينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم الحجاج البصرة (١) بضع وعشرون ومائة (٢).
وقال النوويّ ﵀: كان أكثر الصحابة أولادًا، وقد قال ابن قُتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كلُّ واحد منهم من ولده مائةَ ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة.
وأخرج الترمذيّ، عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، ورجاله ثقات.
стр. 7950
ولأبي نعيم في "الحلية" من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال: "وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يُثمر مرتين غيرها" (١).
وأما طول عمره ﵁، فقد ثبت في "الصحيح" أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنِّه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعًا وتسعين سنةً، أفاده في "الفتح" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعَ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (ح م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد البصير العابد، أمير المؤمنين في الحديث، وأول من فتّشَ بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنّة [٧] (١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُخْتَارِ) البصريّ، ثقة (٣) [٧].
стр. 7951
رَوَى عن زياد بن عِلاقة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وسعيد الْجُريريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وموسى بن أنس بن مالك، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسرائيل، والحمادان، وشعبة، وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكذا ابن خلفون، وقال شعبة: كان من فتياننا، وكان أحدث مني سنًّا.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٦٠)، وحديث (١٨٥٢): "إنه ستكون هنات وهنات. . . " الحديث.
٥ - (مُوسَى بْنُ أَنَس) بن مالك الأنصاريّ، قاضي البصرة، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمه عمرو بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وعبد اللَّه بن عباس.
وروى عنه ابنه حمزة، وعطاء بن أبي رباح، وهو أكبر منه، ومكحول الشاميّ، وهو من أقرانه، وحميد الطويل، وعبد اللَّه بن عون، وداود بن أبي هند، وعبد اللَّه بن المختار، وشعبة، وسليمان بن بلال، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد أخيه النضر بن أنس.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٦٠) و (٦٧٧) و (٢٣١٢) و (٢٣٥٩) وأعاده بعده.
و"أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ" ذُكر قبله.
وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ. . . إلخ) "أو" فيه
стр. 7952
للشكّ، وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن شعبة: "صلّى بي رسول اللَّه ﷺ ، وبامرأة من أهلي، فأقامني عن يمينه، والمرأة خلفنا".
[تنبيه]: أورد ابن حبّان ﵀ حديث موسى بن أنس هذا في "صحيحه" (٥/ ٥٨٣) رقم (٢٢٠٦) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة، ولفظه: "عن أنس بن مالك، أنه كان هو ورسول اللَّه ﷺ ، وأمه وخالته، فصلّى بهم رسول اللَّه ﷺ ، فجعل أنسًا عن يمينه، وأمه وخالته خلفهما".
والظاهر أن قوله: "وخالته" بالواو غلط، والصواب "أو خالته" بـ "أو"، كما هو في رواية المصنّف هنا، ومما يؤيّد هذا أن مسلمًا ﵀ ساق رواية محمد بن جعفر، عن شعبة بعد هذا، ثم أحالها على رواية معاذ بن معاذ هذه، فلو كان بين الروايتين مخالفة لنبّه عليها، كعادته في ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٣ و ١٥٠٤] (٦٦٠)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 7953
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، وهو: عن عبد اللَّه بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٥٦) فقال:
(١٤٧٦) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة بإسناده: "أنه كان هو ورسول اللَّه ﷺ ، وامرأة وخالته (١)، فصلى بهم رسول اللَّه ﷺ ، فجعل أنسًا عن يمينه، وأمه أو خالته خلفه". انتهى.
وأما رواية ابن مهديّ، فلم أجد من ساقها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٥] (٥١٣ مكرّر) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم أول الباب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
стр. 7954
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩.
٥ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٢] قُتِل بالكوفة سنة (٨١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
٧ - (مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) ﵂، ماتت سنة (٥١) (ع) تقدّمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في "الصلاة" [٥٣/ ١١٥١] (٥١٣)، وبقي الكلام على قوله: (وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ).
و"الخمرة" -بضم الخاء، وسكون الميم-: وزان غُرْفة، قال الطبريّ ﵀: هو مصَلَّى صغير يُعْمَل من سَعَفِ النخل، سُمِّيت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حَرّ الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيرًا، وكذا قال الأزهري في "التهذيب"، وصاحبه أبو عبيد الهرويّ، وجماعة بعدهم، قاله في "الفتح" (١).
وقال ابن منظور ﵀: الخُمْرة: حَصِيرةٌ أو سَجَّادة صغيرة، تُنْسَج من سَعَف النخل وتُرَمَّلُ بالخيوط، وقيل: حَصِيرة أصغر من المُصَلَّى، وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَدُ عليه. قال الزجاج: سُمِّيت خمرةً؛ لأنها تستر الوجه من الأرض. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: هي مقدار ما يَضَعُ الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير، أو نَسِيج خُوص، ونحوه، من النبات، قال: ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسُمِّيت خمرة؛ لأن خيوطها مستورة بسعَفِها، وقد تكررت في الحديث، هكذا فسرت.
وقد جاء في "سنن أبي داود"، عن ابن عباس ﵄، قال: "جاءت فأرة،
стр. 7955
فأخذت تَجُرُّ الفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول اللَّه ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم"، وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة؛ إذ لو كانت صغيرة لقالت: "كان يسجد على خمرة".
وفي "المنهل": أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته؛ لتَقِيه من الحر، والبرد، وتُطْلَق أيضًا على الكبير من نوعها، وهو المراد في الحديث. انتهى (٢).
وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة، قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه، ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا الفعل لا ينبغي الاقتداء به، وإن كان عمر بن عبد العزيز عَمِلَ به مبالغة في التواضع، فالنبيّ ﷺ أشدّ تواضعًا منه، وهو القدوة الحسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلا ينبغي العدول عما ثبت عنه؛ لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ الهداية في اتباعه فقط، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٦] (٦٦١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
стр. 7956
يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدثانيّ، صدوقٌ، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ١٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورع، إلا أنه يُدلس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٨ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٩ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
١٠ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
١١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
стр. 7957
وقوله: (يُصَلِّي عَلَى حَصِيرِ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: الذي يُبسط في البيَوت، وقد تقدّم تفسيره مستوفًى، وكذا بيان اختلاف العلماء في حكم الصلاة عليه في شرح حديث أنس ﵁ المذكور أوّل الباب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في "باب الصلاة في الثوب الواحد" برقم [٥٤/ ١١٦١] (٥١٩) فراجعه هناك تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٠) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٧] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ (١): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ (٢) خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَ لَهُ (٣) بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ").
стр. 7958
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ مات سنة (٧ أو ٨ أو ٥٩) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابي، وأبي صالح، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ) مبتدأ، والمضاف محذوفٌ، أي ثواب صلاته، والضمير في "تزيد" راجع إليه (١).
قال ابن الملقّن ﵀: قوله: "صلاة الرجل" هو في المرأة كذلك حيث يُشرع لها الخروج إلى المسجد؛ لأن وصف الرجوليّة بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبرة شرعًا، وهو مثل قوله ﷺ : "من أعتق شركًا له في عبد. . . "
стр. 7959
الحديث، متّفقٌ عليه، وكقوله: من صلى كذا، من فعل كذا فله كذا، كلّه يتساوى فيه الرجال والنساء من غير نزاع، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد ﵀، فتكون "أل" في الرجل ليست لتعريف ماهيّة الرجوليّة، بل للعموم من حيث المعنى، كما عمّ "قوم" الرجال والنساء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وإن كان لفظ "قوم" خاصًّا بالرجال دون النساء، كما قاله الماورديّ.
نعم قال الرويانيّ من الشافعيّة: هل تكون جماعة النساء في الفضل، والاستحباب كجماعة الرجال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، فتفضل على صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة.
وأظهرهما أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهنّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. انتهى (١).
(فِي جَمَاعَةٍ) أي معهم (تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ) قال النوويّ ﵀: المراد صلاته في بيته وسوقه منفردًا هذا هو الصواب، وقيل فيه غير هذا، وهو قول باطلٌ، نبّهت عليه؛ لئلا يُغترّ به. انتهى (٢).
قال ابن الملقّن: ومن ذلك قول ابن التين في "شرح البخاريّ": لو صلّى في سوقه جماعةً كان الفذّ؛ أخذًا بظاهر الحديث، أو لأن السوق مأوى الشياطين، وهذا وَاهٍ جدًّا، نعم رفع الدرجات، وحطّ الخطيئات مشروطٌ بالمشي إلى المسجد، فمن فعل ذلك حصلا له، وإلا فلا. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: في تخصيص ذكر السوق والبيت إشعارٌ بأن مضاعفة الثواب على غيرهما من الأماكن التي لم تلزمه لزومهما لا يكون أكثر مضاعفةً منهما. انتهى (٤).
وقال في "الفتح": مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعةً تزيد على
стр. 7960
الصلاة في البيت وفي السوق جماعةً وفُرَادى، قاله ابن دقيق العيد ﵀، قال: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا.
قال: وبهذا يرتفع الاشكال عمن استَشْكَل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى.
قال الحافظ: ولا يَلْزَم من حمل الحديث على ظاهره التسويةُ المذكورة إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن كون الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختصّ بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق؛ لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعةً في البيت، وفي السوق أولى من الانفراد. وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع، وفي المسجد العامّ مع تقرير الفضل في غيره.
ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أوس الْمَعَافريّ أنه قال لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حَسَنٌ جَمِيلٌ، قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاةً، قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. انتهى.
وأخرج حميد بن زنجويه في "كتاب الترغيب" نحوه، من حديث واثلة، وخَصّ الخمس والعشرين بمسجد القبائل، قال: وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّع فيه -أي الجمعة- بخمسمائة، وسنده ضعيف، ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن عبد اللَّه بن عمرو، وواثلة ﵄ إن صحّ مرفوعًا فذاك، وإلا فما دلّ عليه ظاهر ما في "الصحيحين" من كون التضعيف يعم أنواع صلاة الجماعة هو الأقرب، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7961
(بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) البضع بكسر الباء، وفتحها، وهو من الثلاثة إلى العشرة، هذا هو الصحيح، والمراد هنا خمس وعشرون درجةً، كما جاء مفسّرًا في الروايات الأخرى، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في "باب فضل صلاة الجماعة" [٤٣/ ١٤٧٤] فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَذَلِكَ) إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: "يزيد"، يعني أن سبب الزيادة المذكورة أنه إذا توضّأ. . . إلخ.
وقال الطيبيّ: قوله: "وذلك" الجملة كالتعليل للحكم، كأنه لَمّا أضاف الصلاة إلى الرجل، والتعريف فيه للجنس أفاد أن صلاة الرجل الكامل الذي لا يُلهيه أمر دنيويّ عن ذكر اللَّه في بيت اللَّه يضعّف أضعافًا؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقصّر في شرائطها، وأركانها، وآدابها، فإذا توضّأ أحسن الوضوء، وإذا خرج إلى الصلاة لا يشوبه شيء مما يُكدّرها، فإذا صلّى لم يتعجّل للخروج، ومَنْ شأنه هذا فجديرٌ بأن يضعّف ثواب صلاته. انتهى (١).
(أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ) شَمِل الوضوء المجدّد وغيره، وقد يقال: إن قوله: "توضّأ" ليس للتقييد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغالب، أو ضرب المثال، قاله ابن الملقّن (٢).
وقال في "الفتح": هذا ظاهر في أن الأمور المذكورة علّة للتضعيف المذكور؛ إذ التقدير: وذلك لأنه، فكأنه يقول: التضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك، فما رُتِّب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها، إلا إذا دلّ الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا، أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة ﵁ معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجِّه، والروايات المطلقة لا تنافيها، بل يُحْمَل مطلقها على هذه المقيدة، والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية، ذهب كثير منهم إلى أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا رُوي عن أحمد في فرض العين، ووجَّهوه بأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهو وصف معتبر، لا ينبغي إلغاؤه، فيختص به المسجد، ويُلْحَق به ما في معناه مما يَحْصُل به إظهار الشعار. انتهى (٣).
стр. 7962
(فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي بإكمال الفرض ومراعاة الآداب كمًّا وكيفًا (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجدَ) هذا لا يستلزم الفوريّة، نعم البِدَار أولى فيما يظهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١].
(لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ) بفتح أوله، والهاء، وبالزاي: أي لا يُحرّكه، ولا يُقيمه إلا إرادة الصلاة، ومنه انتَهَزَ الفُرْصة: أي تحرّك لها، وحصَّلها، قاله القرطبيّ ﵀ (١).
وقال ابن الملقّن ﵀: ظاهره ترتيب المذكور من رفع الدرجات، وحطّ الخطيئات على اشتراط الخروج لها فقط، لا لأمر آخر من غير العبادات، ونظيره حجُّ من خَلَطَ به التجارة، أو غيرها من الأسباب الدنيويّة، فإنه ليس كمن محّضَ الخروج للحجّ، وكذا سائر العبادات، من الجهاد وغيره.
وأَسْنَد الفعل إلى الصلاة، وجعلها هي المحرّكة والمخرجة له، كأنه لفَرْط محافظته عليها، ورجاء ثوابها مُجْبَرٌ على خروجه إليها، وأنّ الصلاة هى الفاعلة للخروج، لا هو. انتهى (٢).
(لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ) أي لا يقصد إلا أداء الصلاة في جماعة فـ "أل" في "الصلاة" للعهد، والجملة حال مؤكّدة لما قبلها، والمضارع المنفيّ إذا وقع حالًا يجوز فيه الواو وتركه (٣). (فَلَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وضم الطاء، من خطا يخطو خَطْوًا: إذا فتح ما بين قدميه، ومشى (خَطْوَةً) قال في "الفتح": ضبطناه بضم أوله، ويجوز الفتح، قال الجوهريّ: الخطوة بالضم: ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة، وجزم اليعمريّ أنها هنا بالفتح، وقال القرطبيّ: إنها في روايات مسلم بالضم. انتهى (٤).
وقال ابن الملقّن بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقال غيرهم من المتأخّرين: كأن القياس أن يجيء في "خطوة" ثلاثة أوجه: الضمّ، والكسر، والفتح، كما هو في "جذوة"، وأشباهها، وقد قُرئ بالأوجه الثلاثة في ﴿جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] في السبع على ما أَصَّله أهل اللغة، من أن كلَّ ما كان على "فَعْلَةِ" لامه
стр. 7963
واو، بعدها تاء التأنيث جاء فيه ثلاثة أوجه. انتهى (١).
(إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ) ببناء الفعل للمفعول، و"درجةٌ" بالرفع على أنه نائب الفاعل، وفي بعض النسخ: "إلا رفع اللَّه له بها درجةً"، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، و"درجةً" منصوب على المفعوليّة، وكذا ما بعده، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن الملقّن ﵀: "الدرجة" واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، و"الدُّرَجَة" بضمّ الدال، مثالُ الْهُمَزَة لغة في الدَّرَجة، وهي المرقاة، قاله الجوهريّ.
وهل هذه الدرجة محسوسة، أو معنويّةٌ؟ بمعنى ارتفعت رُتبته، اللَّه أعلم بذلك.
وأما حطّ الخطيئة، فالظاهر أنه محوها من صحيفة السيّئات حقيقةً. انتهى (٢).
(وَحُطَّ عَنْهُ) أي أزال عنه (بِهَا) أي بتلك الخطوة (خَطِيئَةٌ) أي إثمًا (حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) غاية للرفع والحطّ.
قال الداوديّ: إن كانت له ذنوب حُطّت عنه، وإلا رُفعت له درجات، قال: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجةٌ واحدةٌ، إما الحطّ، وإما الرفع، أي وتكون الواو بمعنى "أو"، لا بمعنى العطف، وخالف غيره، فقال: بل الحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: "كتب اللَّه له بكلّ خطوة حسنةً، وَيرفعه بها درجةً، ويَحُطّ بها عنه سيّئةً" (٣). انتهى (٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن الخطوة الواحدة فيها ثلاث درجات: كتابة الحسنة، ورفع الدرجة، وحطّ السيّئة، كما نصّ الحديث الأخير، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 7964
(فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كانَ فِي الصَّلَاةِ) أي في ثوابها، فكأنه يصلّي بالفعل، وإن لم يدخل فيها، فله أجر المصلين، وليس المراد أنه في حكم الصلاة، حتى يمتنع عليه الكلام ونحوه (١). (مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة كون الصلاة، وقوله: (هِيَ) ضمير الفصل جيء به للتوكيد، وقوله: (تَحْبِسُهُ) خبر "كانت"، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، أي تمنعه عن الخروج من المسجد، والتصرّف في أشغاله الدنيويّة.
وقال في "المرعاة": "أي مدّة كون الصلاة حابسةً له، بأن كان جالسًا لانتظار الصلاة، أما جلوسه بعد الصلاة لذكر، أو اعتكاف مثلًا، فلا يترتّب عليه خصوص هذا الثواب، وإن كان فيه ثوابٌ عظيمٌ". انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: وفي قوله: "ما كانت الصلاة تحبسه" إشارة إلى النفس اللوّامة التي تنهي استيفاء لذّاتها، واشتغالها بخلع العذار، والصلاة تنهاها عن هواها، وتَحبسها في بيت اللَّه تعالى، كما كانت آمرةً بالمعروف في قوله: "لا يُخرجه إلا الصلاة"، فإذا لزم مصلّاه، وانتظر الصلاة الأخرى اطمأنّت، وقيل لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾، فإذا طلبت الملائكة الغفران والرحمة لها قيل لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. انتهى (٣).
(وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ) أي تدعو له بالخير، وتستغفر له من ذنوبه، وتطلب له الرحمة (عَلَى أَحَدِكُمْ) وفي رواية البخاريّ: "فإذا صلّى لن تزال الملائكة تصلّي عليه ما دام في مصلّاه"، قال ابن أبي جمرة ﵀: قوله: "فإذا صلى": أي صلى صلاةً تامّةً؛ لأنه ﷺ قال للمسيء صلاته: "ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلِّ" (مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ) أي في مكانه الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد، مستمرًّا على نية انتظار الصلاة كان كذلك، قاله في "الفتح" (٤).
стр. 7965
وروى الإمام مالك ﵀ في "الموطّأ" عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "إذا صلى أحدكم، ثم جلس في مصلاه، لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه، فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلي".
قال الباجيّ ﵀: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة، كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يحصُل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه، بخلاف المنتظر في غير مصلاه (١). انتهى.
وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث داود بن صالح، قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أيّ شيء نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟، قيل: لا، قال: إنه لم يكن في زمن رسول اللَّه ﷺ غزو يُرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة. انتهى (٢).
(يَقُولُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونهم قائلين (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللُّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أي وفّقه للتوبة، وتقبّلها منه، أو ثبّته عليها.
قال الطيبيّ ﵀: طلبت له الرحمة من عند اللَّه تعالى بعد طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة على العباد استغفار لهم.
(مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) "ما" مصدريّة ظرفيّة أيضًا، أي مدّة عدم إيذائه في ذلك المجلس.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "ما لم يؤذ": أي ما لم يؤذ أحدًا من المسلمين بلسانه ويده، فإنه كالحدث المعنويّ، ومن ثمّ أتبعه بالحديث الظاهريّ. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ما لم يؤذ فيه" أي ما لم يصدُر عنه ما يتأذَّى به بنو آدم والملائكة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: "ما لم يُحدث فيه" بدلًا
стр. 7966
من قوله: "ما لم يؤذ فيه". انتهى (١).
وقال في "المرعاة": ما لم يؤذ أحدًا من المسلمين بقوله، أو فعله، وقيل: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم بالحدث في المسجد، وهو معنى قوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ") بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحداث، والمراد خروج الريح منه، قال التوربشتيّ: هو: بتخفيف الدال، من الحدث، ومن شدّدها، فقد أخطأ. انتهى.
وفي رواية حمّاد بن سلمة، عن ثابت الثالثة: "قال: قلت: ما يُحدث؟، قال: يفسو، أو يضرِط".
وعند البخاريّ في "صحيحه" من طريق همّام بن منبّه، عن أبي هريرة ﵁: "فقال رجل أعجميّ: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت، يعني الضَّرْطة". انتهى.
وعند الترمذيّ في "جامعه" من طريق همّام بن منبّه أيضًا: "فقال رجلٌ من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فُساءٌ، أو ضُرَاطٌ". انتهى.
قال في "الفتح": والظاهر أنه إنما خصهما بالذكر دون ما هو أشدّ منهما؛ لكونهما لا يخرج من المرء غالبًا في المسجد غيرهما، فالظاهر أن السؤال وقع عن الحدث الخاصّ، وهو المعهود وقوعه غالبًا في الصلاة. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: ولعلّ الرجل إنما استفسره؛ لأن الإحداث يُستعمل على معنى إصابة الذنب، فاشتبه عليه المعنى. انتهى (٣).
وقال في "المرعاة": قوله: "ما لم يُحدث" مِن أحدث: أي ما لم ينقُض وضوئه، وظاهره عموم النقض لغير الاختيار أيضًا، ويَحْتَمِل الخصوص، ولفظ البخاريّ: "ما لم يؤذ، يُحْدِثْ فيه"، قال الحافظ: كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدليّة، ويجوز الرفع على الاستئناف، وللكشميهنيّ: "ما لم يؤذ بحدث فيه" بلفظ الجارّ والمجرور تعلّقًا بـ "يؤذ".
стр. 7967
وقال الكرمانيّ: وفي بعض النسخ: "ما لم يُحدث فيه" بطرح لفظ "يؤذ"، أي ما لم ينقض الوضوء، فالمراد بالحدث الناقض للوضوء، يدلّ عليه ما رُوي أن أبا هريرة لَمّا روى هذا الحديث قال له أبو رافع: ما "يُحدِثُ؟ " قال: يفسو أو يضرط.
وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالحدث هنا أعمّ من الحديث الناقض للوضوء، أي ما لم يُحدث سوءًا، ويدلّ عليه رواية أبي داود: "ما يؤذ فيه، أو يُحدث فيه"؛ لأنه عطف قوله: "أو يُحدث" على قوله: "لم يؤذ فيه".
قال المهلّب: معنى الحديث أن الحدث في المسجد خطيئة يُحرَم بها المحدِث استغفار الملائكة، ودعاءهم المرجوّ بركته.
وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرُم، لكن الأولى اجتنابه؛ لأن الملائكة تتأذّى بما يتأذَّى منه بنو آدم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ١٥٠٧ و ١٥٠٨ و ١٥٠٩ و ١٥١٠ و ١٥١١ و ١٥١٢ و ١٥١٣] (٦٤٩)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٧٧) و"الأذان" (٦٤٧) و"البيوع" (٢١١٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٩)، و (الترمذيّ) فيها (٦٠٣)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٨١) وفي "المساجد" (٧٨٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤١٢ و ٢٤١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٨ و ٢/ ٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٩ و ١٤٨٠ و ١٤٨١ و ١٤٨٢ و ١٤٨٣ و ١٤٨٤ و ١٤٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٩٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل انتظار الصلاة في المسجد، وقد ورد في فضل
стр. 7968
الانتظار أحاديث، فقد أخرج الإمام أحمد، وصححه ابن خزيمة، والحاكم عن عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا تطهر الرجل، ثم مَرّ إلى المسجد، يَرْعَى الصلاة، كَتَب له كاتبه، أو كاتباه، بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعدُ يرعى للصلاة كالقانت، ويُكْتَب من المصلين، من حين يخرج من بيته حتى يرجع" (١).
وأخرج الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: صلينا مع النبيّ ﷺ ذات ليلة، فعَقَّب مَن عَقَّب، ورجع من رجع، فجاء رسول اللَّه ﷺ قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء، فجاء، وقد حَفَزه النَّفَسُ رافعًا إصبعه هكذا، وعَقَدَ تسعًا وعشرين، وأشار بإصبعه السبابة إلى السماء، وهو يقول: أبشروا معشر المسلمين، هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: ملائكتي انظروا إلى عبادي، أَدَّوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى" (٢).
٢ - (ومنها): استُدِلّ به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لما ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه استحباب إحسان الوضوء بفعله على المأمور به، من غير مجاوزة فيه، ولا تقصير.
٤ - (ومنها): ما قيل: إن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، ويُستثنى منه ما إذا تعطّل القريب لغيبته، أو إذا كان إمام البعيد مبتدعًا، قاله في "الإعلام" (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، لكن ورد النهي عن تتبّع المساجد، فقد أخرج الطبرانيّ في "المعجم الكبير" بإسناد صحيح، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لِيُصَلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد" (٤).
стр. 7969
ففيه النهيُ عن تتبّع المساجد، لكن هذا يُحمل على الكراهة؛ لما ثبت في "الصحيح" من أن الصحابة كانوا يتركون أحيانًا مساجدهم، ويأتون يصلّون مع النبيّ ﷺ ، وأقرّهم عليه، وأمثلة ذلك كثيرة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه أيضًا تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وصلاة الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد.
٦ - (ومنها): أن من تعاطى أسباب الصلاة يُسمّى مصلّيًا.
٧ - (ومنها): أنه ينبغي لمن خرج في طاعة، صلاة، أو غيرها أن لا يشركها بشيء من أمور الدنيا.
٨ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على تفضيل صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، ولا يظهر هذا الاستدلال، ومسألة تفضيل الملائكة على البشر، أو عكسه، قد استوفيت البحث عنها في غير هذا الموضع، وهي ليست من المسائل المهمّة التي ينبغي العناية بها، بل هي من فضول المسائل، فالأولى عدم الخوض فيها؛ لعدم ورود النصّ الصريح بها، وليست مما يتعلّق بالمعتقدات الدينيّة، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد، كذا في "المرقاة".
١٠ - (ومنها): بيان أن الحدث في المسجد أشدّ من النخامة؛ لأن لها كفّارةً، وهو دفنها، ولم يذكر لهذا كفّارة، بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة، مع أن دعاءهم مرجوّ الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
١١ - (ومنها): أنه اسُتِدّل به على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ لأن قوله ﷺ : "على صلاته في بيته وسوقه" يقتضي صحة صلاته منفردًا؛ لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك.
стр. 7970
١٢ - (ومنها): ما قيل: أنه يستدلّ به على تساوي الجماعات في الفضل، سواء كثرت الجماعة أم قَلَّت؛ لأن الحديث دلّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة، كذا قال بعض المالكية، وقوَّاه بما رَوَى ابنُ أبي شيبة بإسناد صحيح، عن إبراهيم النخعيّ، قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعةٌ، لهم التضعيف خمسًا وعشرين. انتهى.
قال الحافظ: وهو مسلَّم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيد الفضل لِمَا كان أكثر، لا سيما مع وجود النصّ المصرِّح به، وهو ما رواه أحمد، وأصحاب "السنن"، وصححه ابن خزيمة وغيره، من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ مرفوعًا: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحب إلى اللَّه"، وله شاهد قويّ في الطبرانيّ، من حديث قَبَاث بن أَشْيَم، وهو بفتح القاف، والموحدة، وبعد الألف مثلثة، وأبوه بالمعجمة، بعدها تحتانية، بوزن أحمر، ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استَحَبَّ إعادة الجماعة مطلقًا؛ لتحصيل الأكثرية، ولم يَسْتَحِبّ ذلك الآخرون، ومنهم مَن فَصَّل، فقال: تعاد مع الأعلم، أو الأورع، أو في البقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير، لكن قصره على المساجد الثلاثة، والمشهور عنه بالمسجدين المكيّ والمدنيّ، وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلّة والكثرة، وغير ذلك، مما ذُكِر كذلك يفوق بعضها بعضًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول باستحباب الإعادة إذا زادت الجماعة مطلقًا هو الأظهر عندي؛ لمزيد الفضل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) عَبْثَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا
стр. 7971
ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ) الكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (عَبْثَر) (١) بن القاسم الزُّبَيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٨/ ٣٠٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) (٢) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) وله (٩٣) سنةً (م د) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا، صدوقٌ يخطئ قليلًا [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٧.
٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي، وكذا "الأعمش"، ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كل هؤلاء الثلاثة: عَبْثَر بن القاسم، وإسماعيل بن زكريا، وشعبة حدّثوا عن الأعمش.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء، أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
وقوله: (بِمِثْلِ مَعْنَاهُ) متعلّق بحدّثوا، كما قدّرناه آنفًا، كالجارّين قبله.
стр. 7972
[تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي معاوية، فقد ساقها الترمذيّ ﵀، في "جامعه"، فقال:
(٥٤٨) حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، عن الأعمش، سمع ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ الرجل، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة، لا يخرجه، أو قال: لا ينهزه إلا إياها، لم يَخْطُ خُطْوَةً، إلا رفعه اللَّه بها درجةً، أو حَطّ عنه بها خطيئةً". انتهى.
وأما رواية عَبْثَر، وإسماعيل، فلم أجد من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَأَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ (١) تَحْبِسُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
٣ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) بن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
стр. 7973
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ"، قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ (١) قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرَطُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ، [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفَيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ" ذكر قبله.
стр. 7974
وقوله: (قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟) وفي نسخة: "وما يُحدث؟ "، والقائل الظاهر أنه أبو رافع.
وقوله: (قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرَطُ) القائل هو أبو هريرة ﵁، و"يفسو" من باب نصر، والاسم الْفُسَاء بالضمّ، والمدّ، وهو ريحٌ يخرج بغير صوت يُسمع (١).
و"يضرَط" من بابي تَعِبَ، وضَرَبَ، والاسم الضُّرَاط بالضمّ، وتخفيف الراء.
قال القرطبيّ بعد ذكره تفسير أبي هريرة ﵁ هذا ما نصّه: وهو منه تمسّك بالعرف الشرعيّ، وقد فسّره غيره بأنه الحدث الذي يصرفه عن إحضار فضل انتظار الصلاة، ويَحْمِله على الإعراض عن ذلك، سواءٌ كان مُسَوَّغًا أو غير مُسَوَّغ، وهو تمسّك بأصل اللغة، وحَمَله بعضهم على إحداث مأثم. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
стр. 7975
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
و"أبو هريرة" ذكر قبله.
وقوله: (تَحْبِسُهُ) بكسر الباء، من باب ضرب: أي تمنعه من الخروج من المسجد.
وقوله: (أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ) أي يرجع إليهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَحَدُكُمْ (١) مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ، اللَّهُمَّ (٢) اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
والباقون تقدّموا قبل باب، غير الأعرج، وأبي هريرة ففي السند الماضي.
وقوله: (أَحَدُكُمْ) وفي نسخة: "إن أحدكم".
وقوله: (مَا قَعَدَ. . . إلخ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة قعوده.
وقوله: (مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ) هذا ظاهر في أن منتظر الصلاة في ثواب الصلاة مطلقًا، سواء كان في مجلسه الذي صلى فيه، أم تحوّل إلى مكان آخر من المسجد، ولا يُخالف ما سبق من قوله: "ما دام في مصلّاه"؛
стр. 7976
لأن المراد من المصلّى المكان المعدّ للصلاة، وهو المسجد (١)، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) دليلٌ على أن الحدث يُبطل هذا الفضل، وإن استمرّ جالسًا في المسجد.
وقوله: (تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ) يَحتَمِل أن المراد بهم الحفَظَة، أو السيّارة، أو أعمّ من ذلك، وهو الأولى؛ لعموم ظاهر الحديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا (٢) مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (بِنَحْوِ هَذَا) أي بنحو حديث الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ المتقدّم.
[تنبيه]: رواية همّام بن منبّه هذه ساقها الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال:
(٣٠٢) حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال أحدكم في صلاةٍ، ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم، ما دام في
стр. 7977
المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث"، فقال رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاءٌ، أو ضُرَاطٌ. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥١) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ)
[١٥١٤] (٦٦٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ، أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى، فَأَبْعَدُهُمْ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَنَامُ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد اللَّه بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (بُرَيْد) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
стр. 7978
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد اللَّه بن بَرّاد، فتفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، غير بُريد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بُردة جدّ لِبُريد بن عبد اللَّه، وكنيته أيضًا أبو بُردة، كجدّه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ: أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا) منصوب على التمييز (فِي الصَّلَاةِ) أي في أداء الصلاة جماعةً (أَبْعَدُهُمْ) بالفعل على الخبريّة لـ "إنّ" (إِلَيْهَا) متعلّق بـ (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى، وسكون الثانية: مصدر ميميّ لـ "مَشَى"، منصوب على التمييز أيضًا، ويَحْتَمل أن يكون ظرف مكان، أي مكان مَشْيٍ، والمعنى أبعدهم مسافةً إلى المسجد.
وقوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكرمانيّ: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: "الأمثلُ فالأمثلُ".
وتعقّبه العينيّ، فقال: لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء ها هنا للترتيب مع تفاوت من بعض الوجوه، وقال الزمخشريّ: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال:
[أحدها]: أن تدلّ على ترتيب معانيها في الوجود، كقوله:
يَا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّابِحِ … فَالْغَانِمِ فَالآيِبِ
أي الذي صَبَّحَ، فغَنِمَ!، فآب.
[والثاني]: أن تدلّ على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل، فالأفضل، واعمَلِ الأحسن، فالأجمل.
стр. 7979
[والثالث]: أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو رَحِمَ اللَّه المحلقين، فالمقصرين.
وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى "ثُمّ"، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، فالفاآت فيها بمعنى "ثُمَّ" لتراخي معطوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء ههنا بمعنى "ثُمّ"، بمعنى أبعدهم، ثم أبعدهم. انتهى (١).
(وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنِ الَّذِي يُصَلِّيهَا) أعمّ من أن يكون مع جماعةٍ، أو وحده، ويُستفاد منه أن الجماعة تتفاوت كما تقدّم بيان ذلك، وقوله: (ثُمَّ يَنَامُ") فائدة ذكره الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقّة التي في ضمن الانتظار، قاله الكرمانيّ ﵀ (٢).
(وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء شيخه الثاني ("حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ") يعني أنه زاد قوله: "في جماعة"، وهو من باب التوضيح، وإلا فقوله في رواية عبد اللَّه بن بَرّاد: "حتى يصلّيها مع الإمام" يؤدّي هذا المعنى؛ لأن معنى الصلاة مع الإمام هو الصلاة جماعةً.
قال الكرمانيّ ﵀:
[فإن قلت]: هذا التفضيل أمرٌ ظاهرٌ ضروريّ، فما الفائدة في ذكره؟.
[قلت]: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخر الوقت، أعظم أجرًا من الذي يصليها في وقت الاختيار وحده، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها أيضًا مع الإمام بدون انتظار، أي كما أنّ بُعد المكان مُؤَثِّرٌ في زيادة الأجر، كذلك طول الزمان؛ لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدَّمةً للجماعة.
قال العينيّ في "العمدة": قد عُلِم أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظار الصلاة، وإقامتها مع الإمام، فإن وُجِد أحدهما دون الآخر، فلا يحصل له ذلك، ويُعْلَم من هذا أيضًا أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار، لا يخلو عن أجر، كما في تأخير الظهر إلى أن يبرد الوقت عند اشتداد الحرّ،
стр. 7980
وتأخير العصر إلى ما قبل تغير قرص الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، وتأخير الصبح إلى وقت الإسفار (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما قوله: "كما تأخير الظهر. . . إلخ، وكذا قوله: وتأخير العشاء إلى ثلث الليل"، فصحيحٌ، وأما قوله: "وتأخير العصر. . . إلخ"، وكذا قوله: "وتأخير الصبح. . . إلخ" فهذا بناء على مذهبه؛ لأن الحنفيّة يستحبّون تأخير هاتين الصلاتين، والحقّ في هذا ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب تعجيل العصر، وتغليس الصبح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، وقد مضى تحقيقه في موضعه، فلا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٤] (٦٦٢)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٥١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٨٦)، و (البزّار) في "مسنده" (٣١٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤ و ١٠/ ٧٧) و"الصغرى" (١/ ٢٩٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطا إلى المساجد.
٢ - (ومنها): بيان فضل المسجد البعيد على القريب لأجل كثرة الخطا.
٣ - (ومنها): بيان أن الأجر يكثر، ويَعظُمُ بحسب بُعْد المكان عن المسجد.
٤ - (ومنها): بيان فضل السبق إلى المسجد في أول الوقت؛ لانتظار الصلاة.
стр. 7981
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة صلاة المنفرد، وهذا هو الحقّ، وهو لا ينافي القول بفرضيّة صلاة الجماعة عينًا على الرجال إلا لعذر، كما تقدّم تحقيقه في موضعه.
٦ - (ومنها): بيان فضل انتظار الصلاة حتى يصلي مع الإمام، وقد تقدّم مستوفى في الباب الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٥] (٦٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ، لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ، أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْثَر) بن القاسم، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن طرخان، تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مِلّ بن عَمْرو الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مخضرمٌ عابدٌ، مشهورٌ بكنيته، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، ويُكنى أيضًا أبا الطُّفيل، قيل: مات سنة (١٩) وقيل: (٣٢) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.
стр. 7982
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن عَبْثَرًا لا يوجد له مشارك من الرواة في هذا الاسم.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، قرأ عليه النبيّ ﷺ "سورة البيّنة"، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأُبَيّ بن كعب: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] "، قال: وسمّاني؟، قال: "نعم"، فَبَكَى، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، وفي رواية أحمد من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم الأحول: "كان ابن عمّ لي شاسع الدار"، ففيه أنه ابن عمّ أُبيّ بن كعب ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
وذكر صاحب "التنبيه" أن الشيخ شهاب الدين الأقفهسيّ قال في "كتاب المساجد": إنه أُبيّ بن كعب. انتهى، قال: وظاهر الحديث الآتي بعده أنه غيره، والظاهر أنه انتقال حفظ منه، وقد انتقل حفظه في هذا المؤلَّف في عدّة أماكن، منها قال: روى مسلم: "لا يوطّن أحدكم المساجد للصلاة، إلا تبشبش اللَّه به. . . " الحديث، وهذا الحديث ليس هو في مسلم، إنما هو في "مستدرك الحاكم" (١). انتهى.
(لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ) أي من ذلك الرجل (وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ) أي لا تفوته صلاة من الصلوات الخمس، أي أداؤها في الجماعة مع النبيّ ﷺ (قَالَ) أُبيّ ﵁ (فَقِيلَ لَهُ) أي قال له قائلٌ (أَوْ) للشكّ من الراوي
стр. 7983
(قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا) "لو" هذه يَحتَمِل أن تكون شرطيّة، جوابها محذوف، أي لكان خيرًا لك، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب (تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون النون، ممدودًا بمعنى الظلام، أو شديده، أي في الليلة الظَّلْماء، قال في "القاموس": والظُّلْمة بالضمّ، وبضمّتين، والظَّلْماءُ، والظلام: ذَهَاب النور، وليلةٌ ظَلْمَةٌ على طرح الزائد، وظَلْمَاءُ: شديدة الظُّلْمة، وليلٌ ظَلْماءُ شاذٌّ، وقد أظلم، وظَلِمَ، كسَمِعَ، ويومٌ مُظلمٌ، كمُحْسِنٍ: كثيرُ شرّهُ، وأمرٌ مُظلِمٌ، ومِظْلامٌ: لا يُدرَى من أين يُؤتى. انتهى (١).
وجملة "تركبه" في محلّ نصب نعتٌ لـ "حمارًا".
(وَفِي الرَّمْضَاءِ) بوزن ما قبله، قال في "المصباح": الرَّمْضَاءُ: الحِجَارةُ الحاميةُ من حرّ الشمس، ورَمِضَ يومُنا رَمَضًا، من باب تَعِبَ: اشتدّ حرُّهُ. انتهى (٢).
(قَالَ) ذلك الرجل (مَا) نافيةٌ، أي لا (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، يقال: سَرَّه الشيءُ يسرُّهُ، من باب نصر، سُرُورًا بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسانُ، والجمع المسارّ، والسرّاءُ: الخير والفضل (٣). (أَنَّ مَنْزِلِي) بفتح "أنّ"؛ لوقوعها موقع الفاعل (إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ) يعني أنه لا يفرح بقرب بيته من المسجد النبويّ، ثم ذكر علّة ذلك، فقال: (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوع الجملة موقع التعليل، ويَحْتَمِل إن ثبت روايةً فتحها؛ بتقدير حرف التعليل، أي لأني (أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي) بالبناء للمفعول (مَمْشَايَ) تقدّم أنه مصدر ميميّ، أي مشيي، أو هو ظرف مكان، أي مكان مشيي، وهو موضع قدمه، وهو مضاف إلى ياء المتكلّم، وعدم قلب ألفه إلى الياء مذهب جمهور العرب، إلا عند هُذيل، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
стр. 7984
وقوله: (إِلَى الْمَسْجِدِ) متعلّق بـ "ممشاي" (وَرُجُوعِي) أي ويُكتَب لي رجوعي من المسجد (إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ") أي ثواب ممشاك إلى المسجد، وثواب رجوعك منه إلى بيتك، قال النوويّ ﵀: فيه إثبات الثواب في الْخُطَا في الرجوع من الصلاة، كما يثبت في الذهاب. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٥ و ١٥١٦ و ١٥١٧ و ١٥١٨] (٦٦٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٧)، و (ابن ماجه) في "المساجد" (٧٨٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٠٧ و ٢٠٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٣٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٠ و ٢٠٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٨٧ و ١٤٨٨ و ١٤٨٩ و ١٤٩٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٨٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطَا إلى المسجد.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من رحمة بعضهم لبعض.
٣ - (ومنها): أن من سمع من شخص ما ظاهر نقيصة في دينه، يرفع أمره إلى كبير القوم؛ ليقوم بإصلاحه، فقد قال أُبيّ ﵁ كما في الرواية التالية: "فحملت به حملًا، حتى أتيت نبيّ اللَّه ﷺ ، فأخبرته. . . " الحديث.
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لكبير القوم إذا بلغه من أحد الرعيّة ما ظاهره غير موافق للشرع أن يتثبّت في الأمر، ولا يعاجل صاحبه بالعقوبة، فقد
стр. 7985
استدعى النبيّ ﷺ الرجل، فسأله عما قيل فيه، فبيّن له أنه يقصد بذلك تكثير الأجر، فقال له: "قد جمع اللَّه لك ذلك كلّه".
٥ - (ومنها): بيان أن الرجوع من الصلاة كالذهاب إليها في الأجر.
٦ - (ومنها): الحثّ على الإخلاص في العمل؛ لأن هذا الرجل ما جمع اللَّه تعالى له الأجرين إلا بإخلاصه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (١) (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سُليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضّبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير للمعتمر، وجرير.
وقوله: (عَنِ التَّيْمِيِّ) هو سليمان بن طرخان التيمىّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد التيميّ السابق، وهو عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أُبيّ بن كعب ﵁.