← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على صحّة صلاة المنفرد، وهذا هو الحقّ، وهو لا ينافي القول بفرضيّة صلاة الجماعة عينًا على الرجال إلا لعذر، كما تقدّم تحقيقه في موضعه. ٦ - (ومنها): بيان فضل انتظار الصلاة حتى يصلي مع الإمام، وقد تقدّم مستوفى في الباب الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥١٥] (٦٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ، لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ، أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْثَر) بن القاسم، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن طرخان، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مِلّ بن عَمْرو الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مخضرمٌ عابدٌ، مشهورٌ بكنيته، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٥ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، ويُكنى أيضًا أبا الطُّفيل، قيل: مات سنة (١٩) وقيل: (٣٢) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٦٦.

стр. 7982

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن عَبْثَرًا لا يوجد له مشارك من الرواة في هذا الاسم. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﵃، قرأ عليه النبيّ ﷺ "سورة البيّنة"، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأُبَيّ بن كعب: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] "، قال: وسمّاني؟، قال: "نعم"، فَبَكَى، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، وفي رواية أحمد من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم الأحول: "كان ابن عمّ لي شاسع الدار"، ففيه أنه ابن عمّ أُبيّ بن كعب ﵁، واللَّه تعالى أعلم. وذكر صاحب "التنبيه" أن الشيخ شهاب الدين الأقفهسيّ قال في "كتاب المساجد": إنه أُبيّ بن كعب. انتهى، قال: وظاهر الحديث الآتي بعده أنه غيره، والظاهر أنه انتقال حفظ منه، وقد انتقل حفظه في هذا المؤلَّف في عدّة أماكن، منها قال: روى مسلم: "لا يوطّن أحدكم المساجد للصلاة، إلا تبشبش اللَّه به. . . " الحديث، وهذا الحديث ليس هو في مسلم، إنما هو في "مستدرك الحاكم" (١). انتهى. (لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ) أي من ذلك الرجل (وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ) أي لا تفوته صلاة من الصلوات الخمس، أي أداؤها في الجماعة مع النبيّ ﷺ (قَالَ) أُبيّ ﵁ (فَقِيلَ لَهُ) أي قال له قائلٌ (أَوْ) للشكّ من الراوي

стр. 7983

(قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا) "لو" هذه يَحتَمِل أن تكون شرطيّة، جوابها محذوف، أي لكان خيرًا لك، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب (تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون النون، ممدودًا بمعنى الظلام، أو شديده، أي في الليلة الظَّلْماء، قال في "القاموس": والظُّلْمة بالضمّ، وبضمّتين، والظَّلْماءُ، والظلام: ذَهَاب النور، وليلةٌ ظَلْمَةٌ على طرح الزائد، وظَلْمَاءُ: شديدة الظُّلْمة، وليلٌ ظَلْماءُ شاذٌّ، وقد أظلم، وظَلِمَ، كسَمِعَ، ويومٌ مُظلمٌ، كمُحْسِنٍ: كثيرُ شرّهُ، وأمرٌ مُظلِمٌ، ومِظْلامٌ: لا يُدرَى من أين يُؤتى. انتهى (١). وجملة "تركبه" في محلّ نصب نعتٌ لـ "حمارًا". (وَفِي الرَّمْضَاءِ) بوزن ما قبله، قال في "المصباح": الرَّمْضَاءُ: الحِجَارةُ الحاميةُ من حرّ الشمس، ورَمِضَ يومُنا رَمَضًا، من باب تَعِبَ: اشتدّ حرُّهُ. انتهى (٢). (قَالَ) ذلك الرجل (مَا) نافيةٌ، أي لا (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، يقال: سَرَّه الشيءُ يسرُّهُ، من باب نصر، سُرُورًا بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسانُ، والجمع المسارّ، والسرّاءُ: الخير والفضل (٣). (أَنَّ مَنْزِلِي) بفتح "أنّ"؛ لوقوعها موقع الفاعل (إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ) يعني أنه لا يفرح بقرب بيته من المسجد النبويّ، ثم ذكر علّة ذلك، فقال: (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوع الجملة موقع التعليل، ويَحْتَمِل إن ثبت روايةً فتحها؛ بتقدير حرف التعليل، أي لأني (أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي) بالبناء للمفعول (مَمْشَايَ) تقدّم أنه مصدر ميميّ، أي مشيي، أو هو ظرف مكان، أي مكان مشيي، وهو موضع قدمه، وهو مضاف إلى ياء المتكلّم، وعدم قلب ألفه إلى الياء مذهب جمهور العرب، إلا عند هُذيل، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله: وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ

стр. 7984

وقوله: (إِلَى الْمَسْجِدِ) متعلّق بـ "ممشاي" (وَرُجُوعِي) أي ويُكتَب لي رجوعي من المسجد (إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ") أي ثواب ممشاك إلى المسجد، وثواب رجوعك منه إلى بيتك، قال النوويّ ﵀: فيه إثبات الثواب في الْخُطَا في الرجوع من الصلاة، كما يثبت في الذهاب. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٥ و ١٥١٦ و ١٥١٧ و ١٥١٨] (٦٦٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٧)، و (ابن ماجه) في "المساجد" (٧٨٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٠٧ و ٢٠٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٣٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٠ و ٢٠٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٨٧ و ١٤٨٨ و ١٤٨٩ و ١٤٩٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٨٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطَا إلى المسجد. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من رحمة بعضهم لبعض. ٣ - (ومنها): أن من سمع من شخص ما ظاهر نقيصة في دينه، يرفع أمره إلى كبير القوم؛ ليقوم بإصلاحه، فقد قال أُبيّ ﵁ كما في الرواية التالية: "فحملت به حملًا، حتى أتيت نبيّ اللَّه ﷺ ، فأخبرته. . . " الحديث. ٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لكبير القوم إذا بلغه من أحد الرعيّة ما ظاهره غير موافق للشرع أن يتثبّت في الأمر، ولا يعاجل صاحبه بالعقوبة، فقد

стр. 7985

استدعى النبيّ ﷺ الرجل، فسأله عما قيل فيه، فبيّن له أنه يقصد بذلك تكثير الأجر، فقال له: "قد جمع اللَّه لك ذلك كلّه". ٥ - (ومنها): بيان أن الرجوع من الصلاة كالذهاب إليها في الأجر. ٦ - (ومنها): الحثّ على الإخلاص في العمل؛ لأن هذا الرجل ما جمع اللَّه تعالى له الأجرين إلا بإخلاصه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (١) (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سُليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضّبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير للمعتمر، وجرير. وقوله: (عَنِ التَّيْمِيِّ) هو سليمان بن طرخان التيمىّ المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد التيميّ السابق، وهو عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أُبيّ بن كعب ﵁.

стр. 7986

وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن المعتمر، وجريرًا حدّثا عن سليمان التيميّ بنحو حديث عَبْثَرٍ، عنه. [تنبيه]: رواية المعتمر، وجرير، عن التيميّ ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٦٠) فقال: (١٤٨٧) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، وأبو محمد بن حيان، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، زهير بن حرب، ثنا جرير بن عبد الحميد، قالا: عن سليمان التيميّ (ح) وحدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، ثنا عبد اللَّه بن معاذ (ح) وحدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عباس بن الوليد، قالا: ثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أَبِي، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان رجل لا أعلم رجلًا من الناس، من أهل المدينة، ممن يصلي القبلة، أبعد دارًا من المسجد، من ذلك الرجل، فكانت لا تخطئه صلاة في المسجد، قال: فقلت: لو أنك اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، والرمضاء، قال: ما أحب أن داري إلى جنب المسجد، قال: فنما الحديث إلى النبيّ ﷺ ، فسأله، فقال: يا نبي اللَّه أردت أن يُكْتَب لي إقبالي إذا أقبلت إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت، قال: فقال نبيّ اللَّه ﷺ : "أعطاك اللَّه ذاك أجمع، أعطاك ما احتسبت أجمع"، قال: لفظ محمد بن إبراهيم، وأبي محمد سواءً. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ (٢) لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا، يَقِيكَ مِنَ

стр. 7987

الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، قَالَ: أَمَ وَاللَّهِ (١) مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ (٢)، قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا، حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الْأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٢ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن صُفْرة الأزديّ الْمُهَلَّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٣ - (عَاصِم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. والباقيان ذُكِرا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: سليمان، عن أبي عثمان، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو النَّهْديّ (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) لا يعرف اسمه، كما مرّ في الرواية الماضية، وقد تقدّم أن في رواية الإمام أحمد أنه ابن عمّ أبيّ كعب ﵁

стр. 7988

(بَيْتُهُ أَقْصَى) أي أبعد (بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ) أي من المسجد النبويّ (فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي لا تفوته صلاة من الصلوات المكتوبات معه ﷺ (قَالَ) أُبيّ ﵁ (فَتَوَجَّعْنَا لَهُ) أي أشفقنا عليه، وآلمنا ما يُعانيه من المشقّة (فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا) تقدّم في شرح الحديث الماضي أن "لو" إما شرطيّة يقدّر جوابها، أي لكان خيرًا لك، وإما للتمنيّ، فلا تحتاج إلى جواب (يَقِيكَ) مضارع وَقَى، من باب ضرب، وِقايةً، يقال: وقاه اللَّه السُّوءَ وِقَايةً بالكسر: حَفِظَهُ، والْوِقاءُ، مثلُ كتاب: كلُّ ما وَقَيتَ به شيئًا، ورَوَى أبو عبيد، عن الكسائيّ الفتح في "الوَقَاية"، و"الْوَقَاء" أيضًا، قاله في "المصباح" (١). (مِنَ الرَّمْضَاءِ) أي الحجارة الحامية من حرّ الشمس (وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ) بتشديد الميم: جمع هامّة، مثلُ دابّة ودوابّ، وهو ما له سمّ يَقتُلُ، كالحيّة، قاله الأزهريّ، وقد تُطلَقُ الهوامّ على ما لا يَقتُلُ، كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عُجْرة ﵁، حيث قال له النبيّ ﷺ : "أيؤذيك هوامّ رأسك. . . " الحديث، متّفقٌ عليه، والمراد القمل على الاستعارة، بجامع الأذى (٢). (قَالَ) ذلك الرجل (أَمَ وَاللَّهِ) هي "أما" بمعنى الاستفتاحيّة، حُذفت ألفها، وفي نسخة: "أما" بإثباتها، وحذفُها لغة؛ إذ فيها لغات، قال ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه": "أما" بالفتح، والتخفيف حرف استفتاح بمنزلة "ألا"، وتكثر قبل القسم، كقوله [من الطويل]: أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي … أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ وقد تُبدل همزتها هاءً، أو عينًا قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف وحذفها، أو تُحذف الألف مع ترك الإبدال، وإذا وقعت "إنّ" بعد "أما" هذه كُسرت كما تُكسر بعد "ألا" الاستفتاحيّة. انتهى (٣). (مَا) نافية (أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) أي لا أحبّ أنه مشدودٌ بالأَطْناب، وهي الحبال. و"الْمُطَنَّبُ" بفتح النون المشدّدة، اسم مفعول من طنّبه تطنيبًا، قال في

стр. 7989

"القاموس": طَنّبه تطنيبًا: مدّه بأطنابه، وشدّه، قال: والطُّنُبُ بضمّتين: حبلٌ طويلٌ، يُشدُ به سُرَادق البيت، أو الوتِدُ، جمعه: أطنابٌ، وطِنبَةٌ. انتهى (١). وقال في "المصباح": الطُّنُبُ بضمّتين، وسكونُ الثاني لغةٌ: الحبلُ تُشدّ به الخيمة ونحوها، والجمع أطناب، مثلُ عُنُق وأعناق، قال ابن السّرّاج في موضع من كتابه: ويُجمع على غير ذلك، وقال في موضع: قالوا: عُنُقٌ وأعناقٌ، وطُنُبٌ وأطناب فمن جَمَعَ الطُّنُبَ، فأفهم خلافًا في جواز الجمع، وأنه يُستعمل بلفظٍ واحدٍ للمفرد والجمع، وعليه قوله [من البسيط]: إِذَا أَرَادَ انْكِرَاسًا فِيهِ عَنَّ لَهُ … دُونَ الأُرُومَةِ مِنْ أَطْنَابِهَا طُنُبُ فجمع بين اللغتين، فاستعمله مجموعًا ومُفردًا بنيّة الجمع. انتهى (٢). والمعنى: أنه لا يُحبّ أن يكون بيته ملاصقًا ببيته ﷺ ، بل يُحبّ أن يكون بعيدًا منه؛ ليكثر ثوابه بكثرة خطاه من بيته إلى المسجد، ولا يريد نفي حبّه قربه من بيت رسول اللَّه ﷺ بغضًا له، وإنما رجاء زيادة الأجر بكثرة تلك الخطا، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) أُبيّ ﵁ (فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا) بكسر الحاء المهملة، أي ثِقَلًا؛ لبشاعة لفظه، وإيهامه سُوءًا، وهو بغضه للنبيّ ﷺ ، قال القاضي عياضٌ ﵀: معناه: أنه عَظُمَ عليّ، وثَقُل، واستعظمته؛ لبشاعة لفظه، وهَمَّني ذلك، وليس المراد به الحمل على الظهر. انتهى (٣). وفي رواية أحمد، من طريق ابن عيينة، عن عاصم: "قال: فما سمعتُ عنه كلمةً أَكْرَهَ إِلَيَّ منها". (حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ) أي بما قال الرجل (قَالَ) أُبيّ (فَدَعَاهُ) أي طلب النبيّ ﷺ ذلك الرجل ليحضر عنده؛ ليتثبّت في صحّة ما نسبه إليه أُبيّ ﵁ من كلامه المذكور، ويستفسره عما أراده به (فَقَالَ) الرجل (لَهُ) ﷺ (مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل ما قال لأبيّ، من قوله: "ما أُحبّ أن بيتي مطنّبٌ. . . إلخ" (وَذَكَرَ لَهُ) ﷺ موضِّحًا مراده به (أَنَّهُ يَرْجُو فِي أثَرِهِ) أي في ممشاه، و"الأثر"

стр. 7990

بفتحتين، وبكسر، فسكون: جمعه آثارٌ، المراد به هنا: الخُطَا، والأصل فيه أن تلك الخطا تؤثّر في الأرض بالمشي عليها، ثم أُطلقت على المشي نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قال المفسِّرون: آثارهم: خطاهم (الْأَجْرَ) أي الثواب عند اللَّه تعالى (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ") أي ما ادّخرته، وأعددته عند اللَّه تعالى، يقال: احتسب الأجر على اللَّه: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الْحِسْبة بالكسر، واحتسبتُ بالشيء: اعتددتُ به، قال الأصمعيّ: وفلانٌ حَسَنُ الْحِسْبة في الأمر: أي حسن التدبير، والنظر فيه، وليس هو من احتساب الأجر، إن احتساب الأجر فعلٌ للَّه لا لغيره. انتهى (١). وقال ابن الأثير عند شرح قوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا": أي طلبًا لوجه اللَّه وثوابه، فالاحتساب من الْحَسْب، كالاعتداد من العَدّ، وإنما قيل لمن يَنْوِي بعمله وجه اللَّه: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يَعْتَدَّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل، كأنه مُعْتَدٌّ به، والْحِسْبةُ: اسم من الاحتساب، كالعِدَّة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو البِدَارُ الى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها، على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. ومنه الحديث: "من مات له وَلَدٌ، فاحتسبه": أي احتَسَب الأجر بصبره على مصيبته، يقال: احتَسَب فلان ابنًا له، إذا مات كبيرًا، وافترطه، إذا مات صغيرًا، ومعناه: اعتَدَّ مصيبته به في جملة بلايا اللَّه التي يثاب على الصبر عليها، وقد تكرّر ذكر الاحتساب في الحديث. انتهى كلام ابن الأثير ﵀ (٢). والمعنى هنا: إن لك عند اللَّه تعالى أجر خَطَوَاتك التي عملتها للَّه تعالى، وادّخرت ثوابها، عنده ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 7991

قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّمت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ) هو: سعيد بن يحيى بن الأزهر بن نَجِيح الواسطيّ، أبو عثمان، نُسِب إلى جدِّه، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن أبي معاوية، ووكيع، وأبي بكر بن عيّاش، وإسحاق الأزرق، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وابن ماجه، وأسلم بن سهل، وعليّ بن الجنيد، وعمران بن موسى بن مجاشع، وخَلَف بن محمد، وغيرهم. قال عليّ بن الجنيد: ثقةٌ من ثقات الواسطيين، وقال بَحْشَل: مات سنة (٢٤٤)، وقال ابن حبان: في "الثقات": مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٦٣)، وحديث (٢٦٩٧): "اللهم اغفر لي، وارحمني. . . "، وله عند ابن ماجه حديثان آخران. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 7992

٣ - (أَبُوهُ) الجرّاح بن مَلِيح بن عَدِيّ بن فُرْس بن جمحة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رُؤَاس (١) وهو الحارث بن كلاب الرؤاسيّ الكوفيّ، أبو وكيع، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (بخ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١. "عاصم" هو ابن سليمان الأحول ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ) هكذا النسخ بلفظ "كلُّهم"، والظاهر أن الصواب أن يقول: كلاهما عن عاصم؛ لأن المراد ابن عُيينة، والجرّاح والد وكيع، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عاصم الماضي، وهو: عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أُبيّ بن كعب ﵁. وقوله: (نَحْوَهُ) يعني أن ابن عيينة، ووالد وكيع حدّثا عن عاصم الأحول نحو حديث عَبّاد بن عبّاد، عنه. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ١٣٣) فقال: (٢١٢٥٠) حدّثنا عبد اللَّه (٢)، حدّثني أبي، ثنا سفيان (٣)، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ، قال: كان ابن عمّ لي شاسع الدار، فقلت: لو أنك اتخذت حمارًا، أو شيئًا، فقال: ما يَسُرُّني أنّ بيتي مُطَنَّبٌ ببيت محمد ﷺ ، قال: فما سمعت عنه كلمةً أَكْرَهَ إِلَيَّ منها، قال: فإذا هو يَذكُرٍ الْخُطَا إلى المسجد، فسأل النبيّ ﷺ ، فقال: "إن له بكل خُطْوَة درجةً". وأما رواية والد وكيع، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 7993

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥١٩] (٦٦٤) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا (١) نَائِيَةً عَنِ الْمَسْجِدِ (٢)، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فَنَقْتَرِبَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ دَرَجَةً"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمِي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام ﵄، تقدّم قبل بابين.

стр. 7994

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيخه، فبغداديّ، ورَوْح، فبصريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بـ "حدّثنا" إلى أبي الزبير، فإنه قال: "سمعت"، وهو مدلّس، فأزال التهمة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: عن أبي الزبير المكيّ ﵀، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ (قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا) وفي نسخة: "دارنا" بالإفراد (نَائِيَةً) أي بعيدةً (عَنِ الْمَسْجِدِ) وفي نسخة: "من المسجد، أي النبويّ" (فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا، فَنَقْتَرِبَ مِنَ الْمَسْجِدِ) النبويّ (فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي عن بيعها (فَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خَطْوَةٍ) تقدّم أنه بضمّ الخاء: ما بين الرجلين، وجمعه خُطَى، وخُطُوات، مثلُ غرف وغُرُفات في وجوهها، وبفتحها المرة الواحدة من خطا يخطو، كغزا يغزو: إذا مشى، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثلُ شَهْوَةٍ وشَهَوَات، وقوله: (دَرَجَةً") منصوب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وخبرها "لكم" مقدّمًا، وقوله: "بكلّ خطوة" متعلّق بحال مقدّر، والباء سببيّة، وأصله كان صفة لـ "درجةً"، فلما قدّم عليها أعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله: لَمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلٌ

стр. 7995

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥١٩] (٦٦٤)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٠٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩١)، وفوائد الحديث تُعلم مما مضى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٠] (٦٦٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ"، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شُعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.

стр. 7996

٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٤ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلَطَ قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦. ٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. وجابر ﵄ ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن الجريريّ قد اختلط، ولكن الراوي هنا هو عبد الوارث، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، ولذا أخرج له المصنّف هنا، وقد ذكرت الآخذين عنه قبل الاختلاط في منظومتي "عمدة المحتاط"، فقلت: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِي وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى و"حماد" الأول هو ابن سلمة، والثاني هو ابن زيد، و"الثقفيّ" هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7997

شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ) بكسر الموحّدة: جمع بَقْعة بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: "الْبُقْعَةُ" من الأرض: القِطعة منها، وتُضمّ الباءُ في الأكثر، فتُجمَع على بُقَعٍ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، وتُفْتَح، فتُجمَعُ على بِقَاعٍ، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلَابٍ. انتهى (١). وقوله: (حَوْلَ الْمَسْجِدِ) ظرف متعلّق، بحال مقدّر من "البِقاع"، أو صفة له، على تقدير "أل" فيه جنسيّة، كما قيل في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وفي رواية السَّرّاج: "أرادوا أن يَقْرُبُوا من أجل الصلاة"، ولابن مردويه قال: "كانت منازلنا بِسَلْعٍ"، ولا يعارض هذا حديث أنس ﵁ الآتي في "كتاب الاستسقاء": "وما بيننا وبين سَلْعٍ من دار"؛ لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سَلْعٍ، وبين سَلْع والمسجد قدرُ مِيل، قاله في "الفتح" (٢). (فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: بطنٌ من الأنصار، وهو سَلِمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جُشم بن الخزرج، والنسبة إليه بفتح اللام عند النحويين، والمحدّثون يكسرونها (٣)، والأول هو الموافق لقواعد النسب، وإلى هذا أشرت بقولي: السَّلَمِيُّ نِسْبَةٌ لِسَلِمَهْ … بَطْنٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَهْلِ الْمَكْرَمَهْ وَهْيَ بِكَسْرِ اللَّامِ لَكِنِ النَّسَبْ … فَتَحَهُ النُّحَاةُ وَفاقًا لِلْعَرَبْ وَالْفَتْحُ لِلْمُحَدّثِينُ نُسِبَا … فَإِنْ يَصِحَّ فَالصَّوَابَ جَانَبَا وقال في "الفتح": بنو سَلِمة -بكسر اللام-: بطن كبير من الأنصار، ثم من الخزرج، وقد غَفَل القَزّاز، وتبعه الجوهريّ حيث قال: ليس في العرب

стр. 7998

سَلِمة -بكسر اللام- غير هذا القبيل، فإن الأئمة الذين صَنَّفُوا في "المؤتلف والمختلف" ذكروا عددًا من الأسماء كذلك، لكن يَحْتَمِل أن يكون أراد بقيد القبيلة، أو البطن فله بعض اتجاه. انتهى (١). (أَنْ) بالفتح مصدريّة (يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ) النبويّ؛ ليسهل عليهم ملازمة صلاة الجماعة مع النبيّ ﷺ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي إرادتهم الانتقال إلى قرب المسجد، فاسم الاشارة في محلّ رفع على الفاعليّة، وقوله: (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) منصوب على المفعوليّة (فَقَالَ) ﷺ (لَهُمْ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ما تُفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ") النبويّ، وفي رواية ابن حبّان عن ابن المبارك، عن الْجُرَيريّ: "فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأتانا في دارنا، فقال: يا بني سَلِمة بلغني أنّكم تريدون النُّقْلة إلى المسجد" (قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وقوله: (قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ) مؤكّد لـ "نعم"؛ لأنها تصديق لما تقدّمها من الكلام، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة، وفي رواية ابن حبّان المذكورة: "فقالوا: يا رسول اللَّه، بَعُدَ علينا المسجد، والبقاع حوله خاليةٌ" (فَقَالَ) ﷺ ("يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ) منصوب على الإغراء، مفعول لفعل محذوف، أي الزموا دياركم، كما قال في "الخلاصة" بعد بيان أحكام التحذير: وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا وقوله: (تُكْتَبْ آثَارُكُمْ) مجزوم في جواب فعل الأمر، كما قال في "الخلاصة" أيضًا: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ (دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ") كرّر الجملة لتأكيد هذا الأمر، والاهتمام به؛ لأنه أمر غريبٌ عند المخاطبين؛ لأن المعروف أن من أراد أن يقترب من الشخص يدلّ على شدّة محبّته له، فبنو سلمة ما أرادوا الانتقال إلى قرب المسجد إلا لظنّهم أنه مما يؤيّد النبيّ ﷺ ، ويفرح به، لكنه نهاهم عن ذلك، وبيّن لهم في عدم الانتقال مصلحة عظيمة، وهي كثرة ثوابهم بكثرة خطاهم إلى المسجد.

стр. 7999

وزاد في رواية كهمس التالية: "فقالوا: ما يسرُّنا أنا كنّا تحوّلنا"، وفي رواية ابن حبّان المذكورة: "قال: فما ودِدْنا أنا بحضرة المسجد؛ لما قال رسول اللَّه ﷺ قال". [تنبيه]: هذا الحديث هو سبب نزول قول تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقد أخرج الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعديّ، عَن أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد، قَالَ: كَانَتْ بنو سَلِمَة فِي ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فَنَزَلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقام رَسُول اللَّه ﷺ : "إن آثاركم تكتب"، فَلَمْ ينتقلوا. وأبو سُفْيَان فِيهِ ضعف، والصحيح: رِوَايَة مسلمٍ، عَن أَبِي نضرة، عَن جابر المذكور في الباب، كذا قاله الدارقطنيّ وغيره. وأخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك، عَن عَكْرِمَة، عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقربوا، فَنَزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قَالَ: فثبتوا. وفي حَدِيْث أَنَس: فكره رَسُول اللَّه ﷺ أن يعروا المدينة أو منازلهم. يعني: يخلوها فتصير عراةً من الأرض. والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] (١). [تنبيهٌ آخر]: بيّن النبيّ ﷺ في هذا الحديث سبب نهيه لهم عن النُّقْلة، وهو قلّة ثوابهم في قربهم المسجد بسبب قلّة آثارهم، وكثرته في بعدهم، وزاد في حديث أنس ﵁ عند البخاريّ سببًا آخر، وهو أنه ﷺ كَرِه أن تُعْرَى نواحي المدينة من سُكّانها، فقد أخرج الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "يا بني سَلِمَة ألا تحتسبون آثاركم؟ ". ثم أخرج عن أنس ﵁ أن بني سَلِمَة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم، فينزلوا قريبًا من النبيّ ﷺ ، قال: فكره رسول اللَّه ﷺ أن يُعْرُوا المدينة، فقال: "ألا تحتسبون آثاركم".

стр. 8000

وزاد في رواية للبخاريّ: "فأقاموا"، وللترمذي من حديث أبي سعيد: "فلم ينتقلوا". وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: خُطاهم. وقال أيضًا: خطاهم: آثارهم أن يُمْشَى في الأرض بأرجلهم. انتهى (١). قال في "الفتح": "قوله: ألا تحتسبون" كذا في النسخ التي وقفنا عليها بإثبات النون، وشرحه الكرمانيّ بحذفها، ووَجّهَهُ: بأن النحاة أجازوا ذلك، يعني تخفيفًا، قال: والمعنى: ألا تَعُدُّون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد، فإن لكل خطوة ثوابًا. انتهى. والاحتساب، وإن كان أصله العَدّ لكنه يستعمل غالبًا في معنى طلب تحصيل الثواب بنيّة خالصة. وقوله: "أن يُعْرُوا المدينة"، وفي رواية الكشميهنيّ: "أن يُعْرُوا منازلهم"، وهو بضم أوله، وسكون العين المهملة، وضم الراء: أي يتركونها خاليةً، يقال: أعراه: إذا أخلاه، والعراء الأرض الخالية، وقيل: الواسعة، وقيل: المكان الذي لا يُسْتَتَر فيه بشيء. ونَبّهَ بهذه الكراهة على السبب في منعهم من القرب من المسجد؛ لتبقى جهات المدينة عامرةً بساكنيها واستفادوا بذلك كثرة الأجر؛ لكثرة الْخُطَا في المشي إلى المسجد (٢). وقال القرطبيّ ﵀: وهذا تنبيه على علّة أخرى تَحْملهم على مُقامهم بمواضعهم، وهي أنه كَرِه أن تُترَك جهات المدينة عَرَاءً، أي فَضَاءً خاليةً، فيُؤتَوْنَ منها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي بموضع خال. انتهى (٣).

стр. 8001

وأشار البخاريّ ﵀ إلى أن قصة بنى سَلِمَة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مُصَرَّحًا به من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أخرجه ابن ماجه، وغيره وإسناده قويّ، قاله في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد أخرجه البخاريّ من حديث أنس ﵁ (٦٥٥ و ١٨٨٧) كما أسلفناه آنفًا. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٥٢٠ و ١٥٢١] (٦٦٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٣٧١ و ٣٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطا إلى المساجد. ٢ - (ومنها): بيان أن أعمال البرّ إذا كانت خالصةً تكتب آثارها حسنات. ٣ - (ومنها): دَلّت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يُكتب لصاحبه أجرهُ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ، وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى الأشعريّ ﵁، مرفوعًا: "أعظم النَّاس أجرًا فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى"، وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِىّ ﷺ : "وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة"، متّفقٌ عليه. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا".

стр. 8002

وقد سبق في حديث أُبَيّ بْن كعب ﵁ قول ذلك الرجل: إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "قَدْ جمع اللَّه لَكَ ذَلِكَ كله"، وفي رِوَايَة: "إن لَكَ مَا احتسبت". وهذا يدلّ عَلَى أَنَّهُ يثاب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله. وأخرج أحمد في "مسنده"، وابن حبّان في "صحيحه"، عَن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ﵄، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "من راح إلى المسجد جماعةً فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا". وهذا المطلق قَدْ ورد مقيَّدًا بقيدين: أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله. والثاني: أن لا يخرج إلَّا إلى الصلاة فِي المسجد، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاصّ. وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر، غير أن هَذَا الأجر الخاص -وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات- لا يحصل بذلك (١). ٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه استحباب السكنى بقرب المسجد، إلا لمن حَصَلَت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي، ما لم يَحْمِل على نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي عَلِمُوه منه، فما أنكر عليهم النبيّ ﷺ ذلك، بل رَجَّح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد، أو يزيد عليه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في "الفتح"، والذي يظهر لي أن الحديث لا يدلّ على فضل القرب من المسجد، بل إنما يدلّ على عكسه، فإنه ﷺ لم يقرّهم على الانتقال، بل أنكر عليهم ذلك، وبيّن لهم أن البعد فيه الأجر الكثير، فالحقّ أن البعد هو الأفضل، كما يدلّ عليه ظاهر الحديث.

стр. 8003

وأما ما أخرج أحمد في "مسنده" عَن حذيفة ﵁، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد"، فهو حديث ضعيف؛ لضعفه وانقطاعه، فإن الراوي عن حذيفة ﵁ وهو علي بن يزيد الألهانيّ الدمشقيّ، ضعيفٌ، بل قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: متروك الحديث، وقال في روايته، أنه بلغه عن حذيفة، فلا يصلح للاحتجاج به، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أنه اختُلِف فيمن كانت داره قريبةً من المسجد، فقارب الخطا بحيث تساوى خطا مَن داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟، وإلى المساواة جَنَح الطبريّ، ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق أنس، قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخطا، وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد. قال في "الفتح": وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل، وإن دلّ على أن في كثرة الخطا فضيلةً؛ لأن ثواب الخطا الشاقّة ليس كثواب الخطا السهلة، وهو ظاهر حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ المذكور أول الباب حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجرًا. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه استحباب قصد المسجد البعيد، ولو كان بجنبه مسجد قريب، وإنما يتمّ ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلا فإحياؤه بذكر اللَّه أولى، وكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال، كأن يكون إمامه مبتدعًا، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاستنباط يردّه ما أخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "ليُصلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبّع المساجد"، وهو حديث صحيح، فلا يستحبّ الذهاب إلى المسجد الأبعد، إلا لحاجة، كما قدّمنا تحقيقه، قريبًا. وقد استنبط القرطبيّ ﵀ عكس الاستنباط المذكور، فقال: وهذا الحديث، والأحاديث التي قبله تدلّ على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختُلِف فيه، فرُوي عن أنس ﵁ أنه كان يُجاوز الْمُحْدَثَ إلى القديم، ورُوي عن غيره أنه قال: الأبعدُ، فالأبعدُ من

стр. 8004

المسجد أعظم أجرًا، وكَرِه الحسن وغيره هذا، وقال: لا يَدَع مسجدًا قربه، ويأتي غيره، وهو مذهبنا، وفي المذهب عندنا في تخطّي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت مما أسلفته من حديث ابن عمر ﵄ أن القول بكراهية ترك المسجد القريب هو الأرجح، إلا إذا كان لحاجة، فقد كان الصحابة ﵃ يتركون مساجدهم ويأتون إلى النبيّ ﷺ ؛ لقضاء غرضهم، ويصلّون معه، وقد تقدّم ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ (٢)، قَالَ: وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ"، فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمرو البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في "المساجد" ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مَا كَانَ يَسُرُّنَا) "ما" نافية، و"يَسُرُّنا" بفتح أوله، وضمّ الراء المشدّدة، من باب نصر، أي يُفرحنا.

стр. 8005

وقوله: (أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا) بفتح همزة "أنا" لوقوعها في موضع فاعل "يَسُرّنا"، أي لا يسرّنا كوننا متحوّلين من منازلنا إلى قرب المسجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٢) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْي إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، وَتُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٢] (٦٦٦) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ؛ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، أخو يوسف، ثقةٌ حافظ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٨. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجَزريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سَكَن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٦) وقيل: (١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.

стр. 8006

٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤. ٦ - (أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وزكريّا أخرج له أبو داود في "المراسيل". ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عديّ، عن أبي حازم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (تَطَهَّرَ) أي بالوضوء، أو الغسل أو التيمّم بشروطه (فِي بَيْتِهِ) الظاهر أن المراد محلّه وموضع سكنه (ثُمَّ مَشَى) فيه أن من ركب لا ينال هذا الفضل (إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ) يعني المساجد، وأشار به إلى أنه صلى مع الجماعة؛ لأن ذلك هو الغرض من المشي إلى المسجد (لِيَقْضِيَ) أي ليؤدّي، والقضاء يُطلق على الأداء، يقال: قضيتُ الحجَّ والدينَ: إذا أدّيته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]: أي أدّيتموها، وقال أيضًا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]: أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، وقد استَعْمل الفقهاء القضاءَ في العبادة التي تُفْعَل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأَداءَ إذا فُعِلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ لهم ليُمييزُوا بين الوقتين، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١). (فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ) فيه أنه لو صلّى نافلة لا يحصل له مثل هذا، وفيه إشارة إلى أن غير الفريضة يُستحبّ أن تُصلى في البيت، وهو مصرّحًا به في قوله ﷺ : "أيها الناس صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة"، متّفقٌ عليه. (كَانَتْ

стр. 8007

خَطْوَتَاهُ) بفتح الخاء هنا؛ لأن المراد بها فعل الماشي، وقوله: (إِحْدَاهُمَا) بدلٌ من "خَطْوتاه"، أو مبتدأ خبره قوله: (تَحُطُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من نصر، مبنيًّا للفاعل: أي تُزِيل (خَطِيئَةً) أي إثمًا، وجملة "تحُطّ. . . إلخ" خبر "كانت" (وَالْأُخْرَى) أي الْخَطْوة الأخرى (تَرْفَعُ) بالبناء للفاعل أيضًا، وقوله: (دَرَجَةً") منصوب على المفعوليّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٢] (٦٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل التطهّر في البيت. ٢ - (ومنها): بيان إتيان المسجد مشيًا بلا ركوب؛ إن فيه تحمّل مشاقّ الطريق، فهو كما قال ﷺ لعائشة ﵂ في عمرتها: "ولكنها على قدر نصبك"، متّفقٌ عليه، يعني المثوبة، قال في "الفتح": والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب، أو النفقة. انتهى (١). ٣ - (ومنها): الحثّ على أداء الفرائض في المساجد. ٤ - (ومنها): بيان أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ماحية لخطيئته، والثانية رافعة لدرجته، وهذا هو الفضل العظيم، الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، جعلنا اللَّه تعالى ممن يسابق إلى مغفرته ورضوانه بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رءوفٌ رحيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8008

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٣] (٦٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْهَادِ (١)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ "، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيههٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩. ٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.

стр. 8009

٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر بن مضر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، وشيخه بَغلانيّ، والباقيان مصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين المدنيين، رَوى بعضهم عن بعض: ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأنه ممن اشتَهَر بالكنية. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) وقوله: (وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ) إشارة إلى أنه وقع اختلاف بين ليث، وبين بكر بن مضر، فقال ليث: "عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال"، وقال بكر: عن أبي هريرة (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه: أخبروني، ويُرْوَى: "أرأيتكم" بالكاف والميم، ولا محل لهما من الإعراب، قاله في "العمدة" (١). (لَوْ أَنَّ نَهْرًا) قال الطيبيّ ﵀: "لو" الامتناعيّة تقتضي أن تدخل على الفعل الماضي، وأن تُجاب، والتقدير: لو ثبت نهر بباب أحدكم يَغتسل فيه كلَّ يوم خمسًا لَمَا بَقِيَ من دَرَنه شيءٌ، فوُضِع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا؛ إذ هو في الحقيقة متعلَّق الاستخبار، أي أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟. انتهى (٢).

стр. 8010

و"النهر" -بفتح الهاء، وسكونها، وبفتحتين أيضًا- وكذلك يقال في كل ما كان عين الفعل منه حرف حلق، مثلُ شَعْرٍ وشَعَرٍ، ودَهْرٍ ودَهَرٍ، وبَحْرٍ وبَحَرٍ، وبَعْرٍ وبَعَرٍ، وهو: ما بين جَنْبَي الوادي، سُمِّي نهرًا؛ لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه (١). (بِبَابِ أَحَدِكُمْ) جارّ ومجرور في محلّ نصب صفة لـ "نهرًا"، أي نهرًا كائنًا بباب أحدكم، قال القاضي عياض ﵀: فيه تنبيه على قرب تناوله، وسهولة تأتِّي استعماله. انتهى (٢). (يَغْتَسِلُ مِنْهُ) أي من ذلك النهر، والجملة في محلّ نصب على الحال من "نهرًا"؛ لوصفه بالجارّ والمجرور، أو صفة له بعد صفة (كُلَّ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "يغتسل"، وقوله: (خَمْسَ مَرَّاتٍ) مفعول مطلق على النيابة لـ "يغتسل"، أي اغتسالًا خمسَ مرّات. (هَلْ يَبْقَى) بفتح أوله، وثالثه مضارع بَقِيَ ثلاثيًّا، من البقاء، وفي رواية البخاريّ: "يُبْقِي" من الإبقاء رباعيًّا (مِنْ دَرَنِهِ) متعلّق بـ "يَبْقَى"، و"الدَّرَن" بفتحتين: الوسَخُ، قال في "الفتح": وقد يُطلق الدرن على الْحَبّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم أجد هذا الإطلاق في "القاموس"، ولا في "اللسان"، ولا في "المصباح"، ولا في "المختار"، إلا أنه قال في "المعجم الوسيط": الدَّرَنُ من أمراض الرئتين مُحْدثةٌ. انتهى. وكون هذا هو المراد في الحديث بعيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر القرطبيّ ﵀ في "المفهم" رواية بلفظ: "هل يبقى من درنه"، بلا ذكر لفظة "شيءٌ"، قال: كذا صحّت الرواية بفتح ياء "يَبْقَى" مبنيّ للفاعل، وبإثبات "مِنْ"، وبتمام الكلام على "دَرَنِهِ"، من غير "شيء"، ويُحْمَلُ على أن "من" زائدة على الفاعل؛ لأن الكلام قبلها غير موجب، فكأنه قال: "هل يَبْقَى دَرَنُهُ"؟، وقد تَخَيَّل بعض الناس أن في الكلام حذفًا، فقال: هل

стр. 8011

يَبْقَى من درنه شيءٌ؟ ولا تَعْضِده الرواية، ولا القانون النحويّ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الرواية التي ذكرها القرطبيّ ﵀ لم أجدها في النسخ التي بين يديّ، من نسخ "صحيح مسلم"، فكلّ النسخ فيها: "هل يَبْقَى من درنه شيءٌ" بإثبات لفظة "شيءٌ"، فليُحرّر، واللَّه تعالى أعلم. وقد ذكر الطيبيّ أيضًا نحو ما ذكره القرطبيّ، حيث أعرب الجملة بقوله: و"من" في قوله: "من درنه" استغراقيّة زائدة (٢) لِمَا دَخَلَ في حيِّز الاستفهام، و"درنه" فاعل "يَبْقَى". انتهى (٣). وقوله: (شَيْءٌ؟ ") مرفوع على الفاعليّة لـ "يبقى" (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لهذا السؤال (لَا يَبْقَى) بعد هذه الاغتسالات المتكرّرة (مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ) قال الطيبيّ ﵀: فيه مبالغة في نفي درن الذنوب ووسخ الآثام، ومن ثمّ ما اكتفَوْا في الجواب بـ "لا"، بل زادوا فيه. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: "ما تقول (٤) ذلك يُبْقي من دَرَنه؟ "، فقال ابن مالك: فيه شاهدٌ على إجراء فعل القول مُجرى الظنّ، والشرط فيه أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطب، متّصلًا بالاستفهام، مثاله: "أتقول زيدًا منطلقًا؟ "، وكما في هذا الحديث، هذه هي اللغة المشهورة للعرب، وأما بنو سُلَيم فإنهم يُجرون القول مطلقًا مُجرى الظنّ، بلا شرط، فيقولون: قلتُ زيدًا منطلقًا، ونحو ذلك، وإلى هذا كلّه أشار في "الخلاصة" بقوله: وَكَـ "تَظُنُّ" اجْعَلْ "تَقُولُ" إِنْ وَلي … مُسْتَفْهَمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ … وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقًا … عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ "قُلْ ذَا مُشْفِقَا" قال الطيبيّ ﵀: قوله: "ذلك" مفعولٌ أوّل لـ "تقول"، و"يُبقي" مفعوله

стр. 8012

الثاني، و"ما" استفهاميّة منصوبةٌ بـ "يُبقِي"، وقُدِّم؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أيّ شيء تظنُّ أيها السامع ذلك الاغتسال مُبقيًا من درنه؟. انتهى (١). (قَالَ) ﷺ ("فَذَلِكَ) أي ما ذُكر من الاغتسال الموصوف بالتكرار خمس مرّات (مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) قال الطيبيّ ﵀: الفاء في قوله: "فذلك" داخلة على جواب شرط محذوف، أي إذا أقررتم ذلك، وصحّ عندكم، فهو مَثَلُ الصلوات الخمس، ومِصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل: صلاة الفجر والظهر طرفٌ، وصلاة العصر والمغرب طرفٌ، وزلفًا من الليل صلاة العشاء. انتهى (٢). و"المثل" -بفتحتين، وبكسر، فسكون-، ويقال فيه أيضًا: المثيل كالكريم: الشبيه، وقيل: الْمِثْل -بكسر، فسكون-: الشِّبْهُ، والْمَثَلُ -بفتحتين-: الوصف، أفاده الفيّوميّ (٣). ومعنى الحديث: أن ما ذُكر من الاغتسال شبيه بالصلوات الخمس، أو ما ذُكِر من إزالة الوسخ على وجهٍ أبلغَ صفةُ الصلوات الخمس. وجملة قوله: (يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا") جملة في محلّ نصب على الحال من "الصلوات الخمس"، أي حال كونه مُزيلًا بهذه الصلوات الخمس خطايا المصلّي. قال السنديّ ﵀: [إن قلت]: من أيّ التشبيهِ هذا التشبيُه؟. [قلت]: هو من تشبيه الهيئة بالهيئة، ولا حاجة فيه إلى تكلُّف اعتبار تشبيه الأجزاء بالأجزاء، فلا يقال: أيُّ شيء يُعْتَبَرُ مِثْلًا للنهر في جانب الصلاة. انتهى. وقال في "الفتح": وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس.

стр. 8013

وقال الطيبيّ ﵀: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب؛ لأنهم لم يقتصروا في الجواب على "لا" بل أعادوا اللفظ تأكيدًا. وقال ابن العربيّ ﵀: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويُطَهِّره الماءُ الكثيرُ، فكذلك الصلوات تُطَهِّر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبْقِي له ذنبًا إلا أسقطته وكفّرته. انتهى. ثمّ ظاهر الحديث أن الخطايا أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال ﵀: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصّةً؛ لأنه شَبَّهَ الخطايا بالدَّرَنِ، والدَّرَنُ صغيرٌ بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القُرُوح والخُرَاجَات. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهو مبنيّ على أن المراد بالدَّرَن في الحديث الحبّ، والظاهر أن المراد به الوَسَخُ؛ لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتَّنَظُّفُ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: إطلاق الدَّرَن على الحبّ المذكور ليس معروفًا في اللغة، كما سبق بيانه، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، بل الأولى أن المراد به الوَسَخُ، ولا سيما وقد جاء التصريح به في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، فقد أخرج البزّار والطبرانيّ بإسناد لا بأس به، -كما قال الحافظ- من طريق عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ ﵁ يحدث أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "أرَأيْتَ لو أنَّ رَجُلًا كان لهُ مُعْتَمَلٌ، وبين منزله ومُعْتَمَله خمسةُ أنهار، فإذا انطلق إلى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ ما شاء اللَّهُ، فأصابه وَسَخٌ، أو عَرَقٌ، فكلما مَرَّ بنهر اغتسل منه، ما كان ذلك يُبقي من درنه؟، فكذلك الصلوات كلّما عَمِل خطيئةً، أو ما شاء اللَّه، ثمّ صلّى صلاةً، فدعا، واستغفر غُفِر له ما كان قبلها". قال ابن رجب ﵀: هذا الحديث مما يدلّ على أن المراد بالدَّرَن الصغائر التي تُصيب الإنسان في كسبه، ومعاشه، ومخالطته للناس المخالطة المباحة. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تَسْتَقِلُّ بتكفير

стр. 8014

جميع الذنوب كبائرها وصغائرها، وليس الأمر كذلك؛ لاشتراطه في الحديث المتقدّم اجتناب الكبائر، فدَلّ ذلك على أن المكفَّر بالصلوات هي جميع الصغائر -إن شاء اللَّه- وقد تقدّم القول في ذلك في "كتاب الإيمان" (١). انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن المطلق هنا ينبغي أن يُحمل على ما سبق من الأحاديث من قوله ﷺ : "الصلواتُ الخمسُ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنّ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ"، فتكفير الصلوات الخمس المطلق هنا يُحمل على هذا المُقَيَّدِ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام": يتوجه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التخلُّصُ منه، وذلك أن الصغائر بنصّ القرآن مُكَفَّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد أجاب شيخنا الإمام البُلْقِينِيُّ بأن السؤال غير وارد؛ لأن مراد اللَّه "إن تجتنبوا" أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكَفِّرُ ما بينها، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارُض بين الآية والحديث. انتهى. وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلُّص منه -بحمد اللَّه- سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يُعَدَّ مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها، واللَّه أعلم. وقد فَصَّل البلقينيّ أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يَصْدُر منه من صغيرة وكبيرة؛ فقال: تنحصر في خمسة: [أحدها]: أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يُعَاوَضُ برفع الدرجات.

стр. 8015

[ثانيها]: أن يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تُكَفَّرُ عنه جزمًا. [ثالثها]: مثله لكن مع الإصرار، فلا تكفَّر، إذا قلنا: إن الإصرار على الصغائر كبيرة. [رابعها]: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر. [خامسها]: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظرٌ، يَحْتَمِل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفِّر الكبائر، بل تكفِّر الصغائر، ويَحْتَمِل أن لا تكفِّر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح؛ لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يُعْمَل به، فهنا لا تكفِّر شيئًا، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحُّض الكبائر، أو تكفِّر الصغائر، فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة، لِدَوَرَانه بين الفصلين، فلا يُعْمَل به، ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر، ومقتضى "ما اجتنبت الكبائر" أن لا كبائر، فيُصَانُ الحديثُ عنه. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀ عند قوله: "يمحو اللَّه بهن الخطايا"- ما نصه: خصّها العلماء بالصغائر، ولا يَخْفَى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في إزالة الدَّرَن؛ إذِ النَّهرُ المذكور لا يُبْقِي من الدرن شيئًا أصلًا، وعلى تقدير أن يُبْقِي فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير الكبير، فاعتبار بقاء الكبائر وارتفاع الصغائر قلب لما هو المعقول نظرًا إلى التشبيه، فلعلّ ما ذكروا من التخصيص مبنيّ على أن للصغائر تأثيرًا في درن الظاهر فقط، كما يدلّ عليه ما ورد من خروج الصغائر من الأعضاء عند الوضوء بالماء بخلاف الكبائر؛ فإن لها تأثيرًا في دَرَنِ الباطن، كما جاء أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه نقطةٌ سوداءُ، ونحو ذلك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وقد عُلِمَ أنَّ أثَرَ الكبائر تُذْهِبُهَا التوبةُ التي هي الندامة بالقلب، فكما أن الغسل إنما يَذهَب بدرن الظاهر دون الباطن فكذلك الصلاة، فتفكر. انتهى كلام السنديّ ﵀ (٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 8016

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٣] (٦٦٧)، و (البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٢٨)، و (الترمذيّ) في "الأمثال" (٢٨٦٨)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٦٢) و"الكبرى" (٣٢٣) (١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٦١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصلوات الخمس، وأنهنّ تُمحَى بهنّ الخطايا، قال الحافظ ابن رجب ﵀: هذا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجَعَل مَثَل ذلك مثل مَن ببابه نهرٌ يغتسل فيه كل يوم خمس مرار، كما أن درنه ووسخه يُنَقَّى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء. قال: وتمثيله ﷺ بالنهر فيه مبالغة في إنقاء الدرن؛ فإن النهر الجاري يُذْهِب الدرن الذي غُسِل فيه، ولا يَبْقَى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد؛ فإن الدرن الذي غُسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على

стр. 8017

طول الزمان؛ ولهذا جاء النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، كما سبق ذكره في "كتاب الطهارة". انتهى كلام ابن رجب ﵀ بتصرّف (١). ٢ - (ومنها): أن فيه بيان فضل اللَّه تعالى العظيم على هذه الأمة المرحومة، حيث يُكفّر عنها الخطايا بالصلوات الخمس، وهي أعمال سهلة هيّنة على كل مؤمن موفَّق، وإنما تكون كبيرة على ضعفاء الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. [فائدة]: قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد": وبلغني أن أبا زرعة الرازيّ قال: خَطَر ببالي تقصير الناس، وتقصيري في الأعمال من النوافل، والحجّ، والصيام، والجهاد، فَكَبُر ذلك في قلبي، فرأيت ليلةً فيما يرى النائم، كأن آتيًا أَتاني، فضرب بيده بين كتفيّ، وقال: قد أكثرت في العبادة، وأيُّ عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة؟. انتهى (٢). ٣ - (ومنها): ضرب المثل في التعليم؛ زيادةً في الإيضاح؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالشيء المحسوس. ٤ - (ومنها): حرص النبيّ ﷺ في تعليم أمته، وشدّةُ رأفته بهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجبّ ﵀: واستَدَلّ بذلك بعض من يقول: إن الصلاة تكفّر الكبائر والصغائر، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفِّرها مجرد الصلاة بدون توبة، يقولون: هذا العموم خُصّ منه الكبائر بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر". وفيه -أيضًا-: عن عثمان ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله".

стр. 8018

وأخرج النسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، عن النبيّ ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام". وأخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، من حديث أبي أيوب ﵁، عن النبيّ ﷺ بمعناها أيضًا. وقال ابن مسعود ﵁: "الصلوات الخمس، كفاراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر"، ورُوي عنه مرفوعًا، والموقوف أصح. وقال سلمان ﵁: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح، ما لم تُصَب المقتلة. وقد حَكَى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تُكَفَّر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفّر الصلوات الخمس الصغائر خاصة. وقد ذهب طائفة من العلماء -منهم: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا- إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفّر الصلوات شيئًا من الصغائر، وحكاه ابن عطية في "تفسيره" عن جمهور أهل السنة؛ لظاهر قوله: "ما اجتنبت الكبائر". والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجَّحه ابن عطية، وحكاه عن الْحُذّاق: أن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفّر الصغائر مطلقًا إذا لم يُصِرَّ عليها، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر. قال: وحديث عثمان ﵁ المتقدّم يدلُّ على أن كل صلاة تكفِّر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة، وقد ورد مصرَّحًا بذلك في أحاديث كثيرة. وحينئذ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر، وجمع بينهما، فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معًا، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع. انتهى كلام ابن رجب ﵀ بتصرّف (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه

стр. 8019

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٤] (٦٦٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ، عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ"، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: "وَمَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنَ الدَّرَنِ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّموا قبل باب، و"أبو سفيان" هو طلحة بن نافع تقدّم قبل بابين، و"جابر بن عبد اللَّه" ﵄ ذُكر في السند الماضي. وقوله: (غَمْرٍ) بفتح الغين المعجمة، وسكون الميم: هو الماء الكثير، وأما بضمّ الغين: فهو الرجل الذي لم يُجَرِّب الأمور، وبكسرها: فهو الحقد (١). وقوله: (عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ) إشارة إلى سهولة استعماله، وقرب تناوله. وقوله: (قَالَ الْحَسَنُ) لم أجد من عيّنه، ولعلّه الحسن البصريّ ﵀، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَمَا يُبْقِي) "ما" استفهاميّة استفهامًا إنكاريًّا، و"يُبقي" بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإبقاء رباعيًّا. وقوله: (ذَلِكَ) في محلّ رفع على الفاعليّة، والإشارة إلى الاغتسال المفهوم من "يَغتَسل". وقوله: (مِنَ الدَّرَنِ) بيان لـ "ما يُبقي"، وهو الوسَخُ. والمعنى: أيَّ شيء يُبقي ذلك الاغتسال من درن ذلك المغتسل؟، يعني أنه لا يُبقِي منه شيئًا، وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي.

стр. 8020

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٥٢٤] (٦٦٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٦ و ٣/ ٣٠٥ و ٣١٧ و ٣٥٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٢٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٤٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث: (اعلم): أنهم تكلّموا في هذا الحديث، قال ابن أبي حاتم ﵀ في "علله": (٢٨٣) سألت أبي عن حديث رُوِي عن الأعمش، عن أبي سفيان، فمنهم من يقول: عن عُبَيد بن عُمير، عن النبيّ ﷺ ، ومنهم من يقول: عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: "ضرب النبيّ ﷺ مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات"؟. قال: الحفاظ يقولون: عن عُبيد بن عُمير، عن النبيّ ﷺ ، وهو أشبه، وكذا رواه عبد العزيز بن رُفيع، عن عُبيد بن عمير، عن النبيّ ﷺ ، وهو أشبه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل كلام أبي حاتم: أنه يرى ترجيح يكون الحديث مرسلًا على كونه موصولًا، وقد خالفه في ذلك غيره، فمنهم المصنّف ﵀، حيث أخرجه في "صحيحه" هنا موصولًا من حديث جابر ﵁، وقد وافقه الدارقطنيّ ﵀، وعبارة "العلل": (١٤٩١) وسُئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار، على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم
следующие страницы →