← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه، وقال أسباط عن السديّ في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم كان النبيّ ﷺ وأصحابه بعسفان، والمشركون بضَجْنان، فتوافقوا، فصلى النبيّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسّدّيّ، وعن جابر، وابن عمر، واختار ذلك أيضًا، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب. وقال ابن جرير: حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، حدّثنا ابن أبي فُديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أُمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد اللَّه بن عمر: إنا نَجِد في كتاب اللَّه قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟، فقال عبد اللَّه: إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملًا عملنا به. فقد سَمَّى صلاة الخوف مقصورةً، وحَمَل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتَجّ على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنصّ القرآن. وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا: حدّثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفيّ، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعةً، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١).

стр. 8297

قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر تصرّف ابن كثير ﵀ يدلّ على أنه يرى ترجيح القول بأن المراد بالقصر في الآية المذكورة قصر كيفية الصلاة، وهو صفة صلاة الخوف، لا قصر كميّتها، وهو صفة صلاة السفر، وقد نقل تصحيح ابن جرير له، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أن الأرجح كون الآية شاملة للاثنتين؛ فأما قصر المسافر فحديث عمر ﵁ عنه المذكور في الباب نصّ فيه، حيث سأل النبيّ ﷺ عما أشكل عليه من معنى الآية، فقال له: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم. . . " الحديث، فإن هذا هو قصر المسافر، وأما صلاة الخوف فسياق الآية اللاحقة ظاهر في ذلك. وهذا هو الذي مال إليه أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ حيث قال: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ الآية: يعني به القصر من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله ﷺ : "صدقةٌ تصدّق اللَّه بها عليكم" عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية متضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف، ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي، ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي. وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والحاصل أن الآية شاملة لقصر الكميّة، والكيفيّة، والصدقة التي تصدّق اللَّه بها علينا هي إلغاء شرط الخوف في قصر الكميّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٣ و ١٥٧٤] (٦٨٦)، و (أبو داود) في

стр. 8298

"الصلاة" (١١٩٩ و ١٢٠٠)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٣٤)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٣٣)، و"الكبرى" (١٨٩١)، وفي "التفسير" (١١١٢٠)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٦٥)، و (الشافعيّ) في "السنن المأثورة" (١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٥ و ٣٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٤٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٣٩ و ٢٧٤٠ و ٢٧٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٤٣ و ١٥٤٤)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٠٣١٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٤ و ١٤٠ و ١٤١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٢٤)، و (أبو جعفر النحّاس) في "الناسخ والمنسوخ" (ص ١١٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر. ٢ - (ومنها): بيان رحمة اللَّه تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شَرَعَ لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. ٣ - (ومنها): جواز القصر في السفر من غير الخوف. ٤ - (ومنها): جواز قول: "تصدّق اللَّه علينا"، و"اللهم تصدّق علينا"، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي ﵀: وهو غلط ظاهر؛ أي: لمخالفته لما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ في هذا الحديث. ٥ - (ومنها): أن المفضول إذا رأى الفاضل يَعْمَل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه. ٦ - (ومنها): أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر ﵁ فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبيّ ﷺ على هذا الفهم، ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقةً غيرَ مقيدة بالخوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8299

وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان الإمام الحافظ المتقن الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. والباقون ذُكروا في السند السابق. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد تصريح ابن جريج بالتحديث عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار، فإنه مدلّس، فزالت عنه تهمة التدليس، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ) يعني أن يحيى بن سعيد حدّث عن ابن جُريج، بمثل ما حدّث به عبد اللَّه بن إدريس، عنه. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال: (٢٤٦) حدّثنا يحيى، عن ابن جريج، حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال اللَّه : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد ذهب ذاك اليومُ، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8300

وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٥] (٦٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور أول الباب. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) المقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٥ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٦ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وأنس، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم. ورَوَى عنه الأعمش، ومِسْعَر، وزيد بن أبي أنيسة، وأيوب بن عائذ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وأبو عوانة، وجماعة. قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ثم أعاده في أتباع التابعين من الثقات، قال: وقد قيل: إنه سمع من أنس بن مالك، وقال ابن سعد: رَوَى عن الصحابة، وهو قليل الحديث، وقال الآجريّ: سألت أبا داود، عن بكير بن الأخنس؟، فقال: شيخٌ جائز الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال البخاريّ في "التاريخ": بكير بن

стр. 8301

الأخنس، ويقال: ابن فيروز، رَوَى عنه أبو عوانة، وأما ابن أبي حاتم، ففرّق بينهما، وقال أبو حاتم: هو قديمٌ، ما روى عنه شعبة، ولا الثوريّ، فلا أدري كيف رَوَى عنه أبو عوانة، ولا أين لقيه؟ حكاه عن أبيه في "العلل". روى له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٦٨٧) وأعاده بعده، و (١٣٢٣) و (١٥٣٦). ٧ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في التفسير والفقه [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالطائف. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ) وفي رواية النسائيّ: "فُرِضت الصلاةُ" (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) أي: بوحيٍ من اللَّه تعالى (فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا) منصوب على الحال، أي: كونها أربع ركعات بعد أن كانت ركعتين، ثمَّ قُصرت في السفر، فكانت صلاة السفر كأنها ما زيد فيها شيء، وهذا معنى قوله: (وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) فلا تعارض بين هذا الحديث وحديث عائشة ﵂ المتقدّم: "فُرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر. . . " الحديث، وقد تقدّم تمام البحث في هذا عند شرح حديث عائشة ﵂ المذكور. (وَفِي الْخَوْفِ

стр. 8302

رَكْعَةً") أي: وفرض ركعة واحدةً في حالة الخوف، وفيه أن اللازم في الخوف ركعةٌ واحدةٌ، وبه قال طائفة من السلف، ومنهم: الثوريّ، وإسحاق، وهو مرويّ عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعريّ، وغير واحد من التابعين، وهو المذهب الراجح، ومنهم من قَيَّده بشدّة الخوف، وخالف في ذلك الجمهور، فقالوا: قصرُ الخوف قصرُ هيئة، لا قصر عدد، وتأوّلوا هذا الحديث بأن المراد بها ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية، وسيأتي تحقيق القول ذلك مستوفًى في "باب صلاة الخوف" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٥ و ١٥٧٦] (٦٨٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٤٧)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٥٦ و ١٥٣٢)، وفي "تقصير الصلاة" (١٤٤١ و ١٤٤٢)، وفي "الكبرى" (١٨٩٩ و ١٩٠٠ و ١٩٢٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٧ و ٢٥٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٤٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٦٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١١/ ١١٠٤١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٠٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ١١٠٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٤٥ و ١٥٤٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٥)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث عائشة ﵂، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ

стр. 8303

عَائِذٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً") (١). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديثين. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٣ - (قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ، فيه لينٌ، من صغار [٨]. رَوَى عن المختار بن فُلْفُل، وأبي مالك الأشجعيّ، وابن عون، وخالد الحذّاء، وعاصم بن كُليب، والْجُعيد بن عبد الرحمن، والأجلح الكِنْديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وابن المدينيّ، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير، وزُهير بن حرب، وعمرو الناقد، وفَرْوة بن أبي الْمَغْراء، ويعقوب بن ماهان، وغيرهم. قال أبو داود، عن أحمد: كان صدوقًا، قال: وذَكَر أنه كان يلي بعض العمل في السواد، وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ما كان به بأسٌ صدوقٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وليس بالمتين، وقال إبراهيم بن عبد اللَّه الهرويّ، ومحمد بن عبد اللَّه بن عمار، وأبو الحسن العجليّ: ثقةٌ، وقال الساجيّ: ضعيفٌ، وقد رَوَى عنه علي ابن المديني في الناس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن سعد في أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً صالح الحديث، بقي إلى ما بعد التسعين ومائة. روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٨٧) و (٢٩٩٢).

стр. 8304

٤ - (أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الطَّائيُ) هو: أيوب بن عايذ -بتحتانيّة (١)، ومعجمة- ابن مُدْلِج الطائيّ الْبُحْتُرُيّ -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، وضمّ المثنّاة- الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [٦]. رَوَى عن قيس بن مسلم، وبُكير بن الأخنس، والشعبيّ. ورَوَى عنه القاسم بن مالك الْمُزَنيّ، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، وغيرهم. قال البخاريّ، عن علي: له نحو عشرة أحاديث، وقال الدُّوريّ، عن يحيى: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالحُ الحديث صدوقٌ، وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، وهو صدوقٌ، وليس له عنده سوى حديث واحد، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المبارك: كان صاحب عبادة، ولكنه كان مرجئًا، وقال ابن حبان في "الثقات": كان مرجئًا يخطئ، وقال أبو داود: لا بأس به، وفي رواية: ثقةٌ، إلا أنه مرجئٌ، وقال ابن المدينيّ: ثنا أيوب بن عائذ، وكان ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. روى البخاريّ حديثًا واحدًا، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقون ذُكروا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٧] (٦٨٨) - (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ).

стр. 8305

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢ كان هو وبُندارٌ فَرَسي رِهَان، وماتا في سنة واحدة. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج أبو بسطام البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٦ - (مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ) هو: موسى بن سَلَمَة بن الْمُحَبّق -بمهملة، وموحّدة، بوزن محمد- الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس، وعنه ابنه مُثَنّى، وقتادة، وأبو التيَّاح. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٨٨) و (١٣٢٥). و"ابن عبّاس" ﵄ ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.

стр. 8306

٥ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وآخر من مات بالطائف من الصحابة ﵃، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ) -بضمّ الهاء، وفتح اللام-: نسبة إلى قبيلة هُذَيل، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (كَيْفَ أُصَلَي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "سألَت ابن عبّاس، قال: فقلت له: إني مقيم ههنا -يعني بمكة- فكيف أصلي؟ "، والمراد -واللَّه أعلم- أنه أراد بإقامته إقامة لأداء الحج. (إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟) وفي رواية النسائيّ: "إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ؟ "، وفي رواية له: "قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ "، والبَطحَاء: مَسِيلٌ فيه دُقاق الحصى، وقيل: بطحاء الوادي تُراب لَيِّنٌ مما جَرّته السيول، والجمع بطحاوات، وبِطَاح بالكسر. وفي رواية أبي نعيم من طريق هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة: "قال: قلت لابن عبّاس: إذا فاتني الصلاة في المسجد الحرام". (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (رَكْعَتَيْنِ) أي: صَلِّ ركعتين قصرًا (سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ) يعني: أن القصر للحاجّ المسافر أيامَ إقامته بمكة سنةُ النبيّ ﷺ ، فالأيام التي يقيمها خلال أداء النسك تُعتبر من جملة السفر. والحاصل أن الحاج أيام أداء المناسك في مكة، وفيما حولها من منى، ومزدلفة، وعرفة، ونحوها يُعتبر مسافرًا، فيقصر صلاته، سواء صلاها جماعة، أو منفردًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٧ و ١٥٧٨] (٦٨٨)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٤٣ و ١٤٤٤)، وفي "الكبرى" (١٩٠١ و ١٩٠٢)، و (ابن

стр. 8307

حبّان) في "صحيحه" (٢٧٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٤٥ و ٢٣٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٤٧ و ١٥٤٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٥٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) أبو عبد اللَّه، أو أبو جعفر التميميّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٠/ ٣٣٦. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٥ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن موسى بن سلمة الْهُذَليّ، عن ابن عبّاس ﵄. وقوله: (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث شعبة، عن قتادة الماضي. [تنبيه]: أما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فقد ساقها الإمام النسائيّ في "سننه"، فقال:

стр. 8308

(١٤٤٤) أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدّثنا قتادة، أن موسى بن سلمة حدّثهم، أنه سأل ابن عباس، قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ . انتهى. وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقد ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٨٣) فقال: (١٥٤٨) أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، ثنا أبو داود، ثنا هشام، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الْهُذَليّ، قال: قلت لابن عباس: إذا فاتني الصلاة في المسجد الحرام، وقال يونس: إذا لم أدرك الصلاة أصلي بالبطحاء؟، قال: ركعتين تلك سنة أبي القاسم ﷺ ، ولفظهما واحد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٧٩] (٦٨٩) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى ابْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ، وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي (١)، يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]).

стр. 8309

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مُدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٢ - (عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعَدَويّ، أبو أيّوب المدنيّ، لقبه رَبَاح -بموحّدة- وهو عم عبيد اللَّه بن عمر، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وسعيد بن المسيِّب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي مروان. ورَوَى عنه سليمان بن بلال، ويحيى القطان، ووكيع، والدَّرَاورديّ، وجعفر بن عون، وأبو عامر الْعَقَديّ، والواقديّ، وعثمان بن عمر بن فارس، والقاسم بن عبد اللَّه العمريّ، والقعنبيّ. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الحاكم: قال فيه القعنبيّ: عيسى بن حفص الأنصاريّ، وكانت أمه ميمونة بنت داود الخزرجية، فربما عُرِف بقبيلة أخواله. قال ابن حبان، وابن قانع: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وذكر ابن سعد عن الواقديّ أنه مات سنة سبع وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر، وهو ابن ثمانينِ سنةً، قال ابن سعد: وكان قليل الحديث، ونقل ابن خلفون أن العجليّ وَثَّقه. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٨٩) و (١٣٧٧)، وقال في "التهذيب": له عندهم حديثان: أحدهما عن أبيه، عن ابن عمر في قصر الصلاة، والآخر عن نافع، عن ابن عمر في فضل المدينة (١). انتهى.

стр. 8310

٣ - (أَبُوهُ) حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه ﵀، المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، والقعنبيّ، وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّة، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وفيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عن حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أنه (قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: "فَصلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ركعتين" (ثُمَّ أَقْبَلَ) أي: إلى رحله، وفي رواية النسائيّ: "ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ" (وَأقبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ) أي: منزله، وهو -بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة- قال الفيّوميّ: هو كلُّ شيء يُعَدّ للرَّحِيل، من وِعَاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُل، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس، وسِهَامٍ. انتهى (١). (وَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ) أي: حضرت، وحصلت (مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ) واحدة الالتفات، وهو التوجّه والانصراف، يقال: التَفَتَ بوجهه يَمْنةً ويسرةً، ولَفَتهُ لَفْتًا، من باب ضرب: إذا صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال (٢). (نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى) أي: إلى جهة المكان الذي صلّى فيه الظهر (فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا) أي: قائمين (فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) "ما" استفهامية، والاستفهام هنا للإنكار (قُلْتُ) القائل هو حفص بن عاصم (يُسَبِّحُونَ) أي: يصلون النافلة، فالسبحة معناها النافلة (قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي)

стр. 8311

وفي نسخة: "أتممتُ صلاتي"، يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فَهِمَ من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ، قاله في "الفتح" (١). وقال السنديّ ﵀: لعلّ المعنى: لو كنت صليت النافلة على خلاف السنة لأتممت الفرض على خلافها؛ أي: لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحبّ، وأولى من تركها لإتيان النفل، وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا، حتى يَرِدَ عليه ما قيل: إن شرع الفرض تامّةً يُفضي إلى الحرج؛ إذ يلزم حينئذ الإتمام، وأما شرع النفل، فلا يُفضي إلى حرج؛ لكونها إلى خِيرة المصلي (٢). انتهى. وقال النوويّ ﵀: معناه: لو اخترت التنفل لكان إتمام فريضتي أربعًا أحبّ إليّ، ولكني لا أرى واحدًا منهما، بل السنة القصر، وترك التنفل. ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض، كسنة الظهر والعصر وغيرها من المكتوبات، وأما النوافل المطلقة، فقد كان ابن عمر ﵄ يفعلها في السفر، ورَوَى عن النبيّ ﷺ أنه كان يفعلها، كما ثبت في مواضع من "الصحيح" عنه. انتهى (٣). (يَا ابْنَ أَخِي) نداء لحفص بن عاصم؛ فإنه ولد أخيه عاصم بن عمر بن الخطّاب (إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) أي: في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يُعتَرَض على كلامه بالمغرب، حيث لا تُصلَّى ركعتين إجماعًا. قال ابن دقيق العيد ﵀: يَحْتَمِل هذا اللفظ -يعني: "كان لا يزيد في السفر على ركعتين"- أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويَحْتَمِل أن

стр. 8312

يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. انتهى. قال الحافظ ﵀: ويدلّ على هذا الثاني رواية مسلم، ولفظه: "صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؛ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت"، فذكر المرفوع. انتهى. قال النوويّ ﵀: أجابوا عن قول ابن عمر ﵄ هذا بأن الفريضة محتّمة، فلو شُرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خِيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، ويُخيّر فيها. انتهى. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن مراد ابن عمر بقوله: "لو كنت مسبحًا لأتممت" يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فَهِم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ. انتهى. (حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) غاية لقصره في السفر (وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ) بن الخَطّاب (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ) بن عفّان ﵁ (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) وإنما ذكر ابن عمر ﵄ الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع؛ ليُبيّن أن العمل استمرّ على ذلك، ولم يطرُق إليه نسخٌ، ولا مُعارِضٌ، ولا راجحٌ. واستُشْكِل قوله: "ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه"؛ لأنه ثبت فيما سيأتي في الباب التالي من حديث ابن عمر أن عثمان أتمها بعد ثماني سنين، أو ست. وأجيب: بأن المراد في هذه الرواية أن عثمان لم يَزِد على ركعتين حتى قبضه اللَّه في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصّةً، وقد فَسَّر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى، أفاده النوويّ ﵀ (١).

стр. 8313

ثم ذكر ابن عمر ﵄ دليلًا على أن الأولى بالمسلم الحريص على دينه أن يقتدي بالنبيّ ﷺ ، فيفعل ما فعله، ويترك ما تركه، ومن جملته ترك السنن الرواتب، فقال: (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) زاد في رواية لأبي عوانة: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ومعنى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: قُدْوة صالحة، يقال: لي في فلاة أُسوة: أي: لي به أسوة، والأسوة من الائتساء، كالقُدوة من الاقتداء: اسم يوضع موضع المصدر. وقال القرطبيّ في "تفسيره": و"الأسوة": القُدوة، وقرأ عاصم ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الهمزة، والباقون بالكسر، وهما لغتان، والجمع فيهما واحدٌ عند الفراء، والعلَّة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، فيقولون: كِسْوة وكُسًا، ولحية ولُحى، قال الجوهري: والأُسوة والإِسوة بالضم والكسر لغتان، والجمع أُسًى وإسًى. والأسوة: القدوة: والأسوة: ما يُتَأَسَّى به؛ أي: يُتَعَزَّى به، فَيُقْتَدى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شُجّ وجهه ﷺ ، وكُسِرت رباعيته، وقُتِل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلا صابرًا محتسبًا، وشاكرًا راضيًا (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه ﷺ في أقواله، وأفعاله، وأحواله، ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبيّ ﷺ يوم الأحزاب في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تَضَجَّروا، وتزبزلوا، واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلا اقتديتم به، وتأسيتم بشمائله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. انتهى (٢).

стр. 8314

وقال الشوكاني ﵀: وفي هذه الآية عِتَاب للمتخلفين عن القتال مع رسول ﷺ ؛ أي: لقد كان لكم في رسول اللَّه حيث بَذَل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنُصرة دين اللَّه أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصًّا، فهي عامّة في كل شيء، ومثلها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. واللام في: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ متعلّق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، أو بمحذوف هو صفة لـ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أي: كائنة لمن يرجو اللَّه. وقيل: إن الجملة بدل من الكاف في ﴿لَكُمْ﴾، وردّه أبو حيان، وقال: إنه لا يُبْدَل من ضمير المخاطب بإعادة الجارّ. ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون والأخفش، وإن منعه البصريون. والمراد بمن كان يرجو اللَّه: المؤمنون، فإنهم الذين يرجون اللَّه ويخافون عذابه، ومعنى يرجون اللَّه: يرجون ثوابه، أو لقاءه، ومعنى يرجون اليوم الآخر: أنهم يرجون رحمة اللَّه فيه، أو يُصَدِّقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ معطوف على ﴿كَانَ﴾ أي: ولمن ذكر اللَّه في جميع أحواله ذكرًا كثيرًا، وجَمَع بين الرجاء للَّه والذكر له؛ لأن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول اللَّه ﷺ ، قاله الشوكانيّ ﵀ (١). وقال القرطبيّ ﵀: واختُلِف في هذه الأسوة بالرسول ﷺ هل هى على الإيجاب، أو على الاستحباب؟ على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب، ويَحْتَمِل أن يُحْمَل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح أن الاقتداء بالنبيّ ﷺ مستحبّ ما لم يقم دليل الوجوب، فيجب، وقد حقّقت المسألة في "التحفة المرضيّة"،

стр. 8315

و"شرحها" في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٧٩ و ١٥٨٠] (٦٨٩)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١١٠١ و ١١٠٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٢٣)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٥٨)، و"الكبرى" (١٩١٦)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٧١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤ و ٢/ ٥٦)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٨٢٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٣٥ و ٢٣٣٦ و ٢٣٣٧ و ٢٣٣٨ و ٢٣٣٩ و ٢٣٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٤٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ترك السنن الرواتب في السفر. ٢ - (ومنها): بيان ملازمة النبيّ ﷺ للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتمّ في السفر حتى توفاه اللَّه تعالى، وكذا الخلفاء ﵃ بعده، ففيه الردّ على من قال: بأن الإتمام أفضل من القصر. ٣ - (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن واجبة. ٤ - (ومنها): فضل ابن عمر ﵄، حيث كان شديد الاتباع للنبيّ ﷺ ، في جميع أفعاله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في السفر: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في التطوع في السفر، فثبت أن ابن عمر ﵄ لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئًا قبلها، ولا بعدها، إلا من جوف الليل. ورأت طائفة التطوع في السفر، فممن روينا عنه أنه كان يتطوع في السفر عمر، وعليّ، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وابن

стр. 8316

عباس، وأبو ذرّ ﵃، وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يُسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. وممن رُوي عنه أنه كان يتطوع في السفر: القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد، والحارث بن سُويد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، والشعبيّ، ومكحول، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعروة بن الزبير، وعمرو بن ميمون، وجابر بن زيد، وأبو وائل، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-. انتهى (١). وقال الإمام الترمذيّ ﵀: ثم اختلف أهل العلم بعد النبيّ ﷺ ، فرأى بعض أصحاب النبيّ ﷺ أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها، ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوّع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم، يختارون التطوع في السفر. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر، وآخرون، واستحبها الشافعيّ، وأصحابه، والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامّة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته ﷺ الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة. انتهى. وقال الإمام ابن القيّم ﵀: كان من هديه ﷺ الاقتصار على الفرض، ولم يُحفَظ عنه ﷺ أنه صلى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنه لم يكن لِيَدَعَهما حضرًا، ولا سفرًا. قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة، ولا بعدها، إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبيّ ﷺ كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة، ولا بعدها شيئًا، ولم يكن يمنع من التطوع قبلها، ولا بعدها، فهو كالتطوع

стр. 8317

المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة، ويؤيِّد هذا أن الرباعية قد خُفّفت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يُجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها، وقد خُفّف الفرض ركعتين؟ فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان التمام أولى به. وقال أيضًا ﵀: كان -أي النبيّ ﷺ يواظب على سنة الفجر، والوتر أشدّ من جميع النوافل، دون سائر السنن، ولم يُنْقَل أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر في السفر؟ فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممت، وهذا من فقهه ﵁، فإن اللَّه خَفَّف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شُرع لها الركعتان قبلها، أو بعدها لكان الإتمام أولى به. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما ذُكر أن النفل المطلق ثابت عن النبيّ ﷺ في السفر، وكذا الوتر، ومن السنن الراتبة سنة الصبح، وما عدا ذلك، فأحاديثه متكلَّم فيها، وإن ثبتت فتُحْمَل على أنه ﷺ فعلها لبيان الجواز، فالأولى للمسافر أن يلازم ما لازمه النبيّ ﷺ ، فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ . والحاصل أن الأولى للمسافر أن يتطوّع بمطلق النافلة، كصلاة الليل، وصلاة الوتر، وصلاته ﷺ على راحلته في الطريق حيثما توجّهت به، وأما السنن الرواتب فالأولى له تركها، غير سنّة الصبح؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّحُ، وَلَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾).

стр. 8318

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِي) أي: يزورني، وفي رواية أبي عوانة من طريق الهيثم بن جميل، عن عاصم بن محمد، عن أخيه عمر بن محمد قال: دخلنا على حفص بن عاصم نعوده في شَكْوَى، قال: فحدّثنا، قال: دخل عليّ عمي عبد اللَّه بن عمر، قال: فوجدني قد كَسَرْتُ لي نُمْرُقةً -يعني الوسادة- قال: وبسطت عليها خُمرةً، قال: فأنا أسجد عليها، قال: فقال لي: يا ابن أخي لا تصنع هذا تناول الأرض بوجهك، فإن لم تقدر على ذلك، فأومئ برأسك إيماءً، قال: فقلت: يا عمّ رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها، قال: يا ابن أخي صحبت رسول اللَّه ﷺ . . . الحديث (١). وقوله: (قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِي السَّفَرِ؟) وفي رواية أبي عوانة من طريق هاشم بن القاسم، عن عاصم بن محمد، عن عمر بن محمد، عن حفص بن عاصم بن عمر: "قلت لعبد اللَّه بن عمر: يا عمّ إني رأيتك في السفر لا تصلّي قبل الصلاة ولا بعدها"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨١] (٦٩٠) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،

стр. 8319

وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ابن عُليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. ٦ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٧ - (أَنَسُ) بن مالك ﵁ المتوفّى سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: خلف، وأبي الربيع، وزُهير، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيوخه، فخلف، وأبو الربيع، وزُهير بغداديون، وقُتيبة بغلانيّ، ويعقوب كوفيّ.

стр. 8320

٤ - (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن أبي قلابة. ٦ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة. ٧ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ) أي: صلاة الظهر (بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه إلى مكة للحج، وهو يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القَعْدة، وقيل: يوم السبت لخمس ليال بقين منه، والأصحّ أنه "لخمس بقين من ذي القعدة"، كما سيأتي للمصنّف في "كتاب الحجّ" -إن شاء اللَّه تعالى- وذلك لسَنَةَ عشرٍ من الهجرة (وَصَلَّى الْعَصْرَ) أي: صلاة العصر (بذِي الْحُلَيْفَةِ) هو: ماءٌ من مياه بني جُشَم، ثم سُمِّيَ به الموضع، تصغير حَلَفَة (١)، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مَرْحَلَةٍ عنها، ويقال: ستة أميال. وقيل: سبعة (٢). (رَكْعَتَيْنِ) أي: لكونه مسافرًا، وفيه أن من أراد السفر لا يَقْصُرُ حتى يَبْرُزَ من البلد، خلافًا لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته، وفيه أيضًا حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل، واستدل به من قال بجواز القصر في السفر القصير؛ لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال. وتُعُقّب بأن ذا الحليفة لم يكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصدًا إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حَضَرتْ بهما العصرُ، فقصرها، واستَمَرَّ يقصر إلى أن رجع إلى المدينة، أفاده في "الفتح" (٣).

стр. 8321

وقال القرطبيّ ﵀: هذا كان وقد أزمع النبيّ ﷺ على سفره إلى مكة، والظاهر أنه كان في حجته، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال، وقيل: سبعة، واختُلف في الموضع الذي يبدأ منه بالقصر المسافر، فذهب جمهور السلف والعلماء إلى أنه إذا خرج من بيوت المدينة قَصَرَ، وإذا دخلها راجعًا من سفره أتمّ، ومحصول مشهور مذهب مالك هذا، ورُوي عنه أنه لا يقصُرُ حتى يُجاوز ثلاثة أميال إن كانت القرية مما تُجمَّع فيها الجمعةُ، فإذا رجع أتمّ من هناك، ورُوي عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد اللَّه أنه إذا أراد السفر قَصَرَ قبل خروجه، ورُوي عن مجاهد: لا تَقْصُر إذا خرجت يومك إلى الليل، ولم يوافقه أحد على هذا، والصحيح مذهب الجمهور، وفي حديث أنس ﵁ هذا ما يرُدّ قولَ عطاء، ومن قال بقوله، وقولَ مجاهد، فإنه ﷺ قصر بعدما فارق المدينة، وقبل الليل، فكان ذلك ردًّا لقولهما. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٥٨١ و ١٥٨٢] (٦٩٠)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٨٩)، و"الحجّ" (١٥٤٦ و ١٥٤٧ و ١٥٤٨ و ١٥٥١ و ١٧١٢ و ١٧١٤ و ١٧١٥ و ٢٩٥١ و ٢٩٨٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٠٢)، و (الترمذيّ) فيها (٥٤٦)، و (النسائيّ) فيها (٤٦٩)، وفي "الكبرى" (٣٥٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤)، و (الشافعيّ) في "السنن" (١٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٤ و ٣٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٤٣ و ٢٧٤٤ و ٢٧٤٧ و ٢٧٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٧٤ و ٢٣٧٥ و ٢٣٧٦ و ٢٣٧٧

стр. 8322

و ٢٣٧٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٢٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة قصر الصلاة الرباعية في السفر. ٢ - (ومنها): بيان عدد ركعات صلاة الحضر والسفر. ٣ - (ومنها): أن من أراد سفرًا لا يُشْرَع له القصر قبل خروجه من بيته، خلافًا لمن قال: يَقْصُر ولو في بيته. ٤ - (ومنها): أن من خرج من بيته يقصر ولو لم يدخل الليل، خلافًا لمجاهد. ٥ - (ومنها): أن الخروج إلى المحل القريب لا يُشْرَع فيه القصر؛ لأنه ﷺ كان يأتي قباء، وأحُدًا، وَبقِيعًا، وغيرَ ذلك فما قصر فيها، وإنما قصر في السفر الطويل، كمكة ونحوها، وقد تحقق ذلك كلّه، وبيان مذاهب العلماء بأدلتها، وترجيح الراجح منها بدليله في الباب الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣١] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ [٥].

стр. 8323

رَوَى عن أنس، ووهب بن عبد اللَّه بن قارب، وله صحبة، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن الشَّرِيد، وغيرهم. وروى عنه أيوب، وشعبة، والسفيانان، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وابن جريج، وغيرهم. قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثًا وأكثر، وقال الحميديّ، عن سفيان: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، مَن لم تَرَ عيناك واللَّه مثله، وقال حامد البلخيّ، عن سفيان: كان من أوثق الناس، وأصدقهم، وقال أحمد، ويحيى، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: قلت لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم عن طاوس، من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت أن أقول لك إني أُقَدِّم إبراهيم عليه في الحفظ لقلت، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات في خلافة مروان بن محمد، وكان ثقة كثير الحديث، وقال البخاريّ: مات قريبًا من سنة (١٣٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٩٥) و (٨٤٨) و (١٤٧٢) و (١٩٩٧) و (٢٢٥٥). و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٢) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٣] (٦٩١) - (وَحَدَّثَنَاه (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (٢)، عَنْ

стр. 8324

يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، سوى: ١ - (يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ) أبو نصر، ويقال: أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ (١) [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، والفرزدق، وعنه شعبة، ومحمد بن دينار الطاحيّ، وخَلَف بن خَلِيفة، وعُتبة بن حميد الضبيّ، وابن عُلَيّة. قال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ومن قال: يزيد بن يحيى، أو يزيد بن أبي يحيى، فقد وهم (٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط. [تنبيه]: "الْهُنائيّ" -بضمّ الهاء، وبعدها نون مخفّفة، وبالمدّ-: نسبة إلى هُناء بن مالك بن فَهْم بن غَنْم بن دوس، بطنٌ من الأزد، يُنسب إليهم نفرٌ، منهم أبو يزيد يحيى بن يزيد بن مُرّة الْهُنائيّ، من التابعين، يروي عن أنس بن مالك ﵁، قاله السمعانيّ ﵀ (٣). لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أبي بكر، فكوفيّ.

стр. 8325

٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن بشّار أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ) -بضم الهاء، وتخفيف النون- أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟) يقال: قَصَرتُ الصلاةَ قصرًا، من باب نصر، وقصّرتها تقصيرًا، وأقصرتها إقصارًا، والأول أشهر في الاستعمال، وأفصح، وهو لغة القرآن، وقد تقدّم تمام البحث فيه. والمعنى: أنه سأله عن مقدار المسافة التي تُقصر فيها الصلاة (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ) للشكّ (ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) قال النوويّ ﵀: هذا ليس على سبيل الاشتراط، وإنما وقع بحسب الحاجة؛ لأن الظاهر من أسفاره ﷺ أنه ما كان يسافر سفرًا طويلًا، فيخرج عند حضور فريضة مقصورة، ويترك قصرها بقرب المدينة ويتمها، وإنما كان يسافر بعيدًا من وقت المقصورة، فتدركه على ثلاثة أميال، أو أكثر، أو نحو ذلك، فيصليها حينئذ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدات على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرًا. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: ربّما تمسّك بهذا الحديث بعض الظاهريّة، وبحديث ذي الحليفة على أن من نوى سفرًا قصيرًا، ولو لم يبلغ يومًا تامًّا أنه يقصر، ولا حُجّة له فيه؛ لأنه مشكوك فيه، فلا يوثق لا بثلاثة أميال، ولا بثلاثة فراسخ؛ إذ كلّ واحد منهما مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما، فلعلّه حدّد المسافة التي بدأ منها القصر، وسفره بعد ذلك كان أزيد بالمقدار الذي حكيناه عن الجمهور. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لأنه مشكوك فيه. . . إلخ" فيه نظر لا يخفى، إذ مثل هذا الشكّ لا يضرّ؛ لأن الأميال الثلاثة داخلة في الفراسخ،

стр. 8326

فيؤخذ بالأكثر؛ احتياطًا، كما قاله في "الفتح"، فلا يضرّ الشكّ في مثل هذا. وأما حَمْلُ من حمله -كالنوويّ- على أن المراد به المسافة التي يُبتدَأُ منها القصر، لا غاية السفر، فمما لا يخفى بعده، ومما يُبطله أن البيهقيّ ذكر في روايته أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس ﵁، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس. . . فذكر الحديث، فقد تبيّن أنه إنما سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، فتبصّر. وأيضًا الصحيح عند القائلين بتحديد مسافة القصر بيومين، أو ثلاث أنه لا يتقيّد ابتداء القصر بمسافة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه. والحاصل أن حديث أنس ﵁ كما قال في "الفتح"- (١) هذا أصحّ ما ورد في بيان أقلّ مسافة القصر، وأصرحه، فالاعتماد عليه أولى من غيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك في المسألة الخامسة من شرح حديث عائشة ﵂ المتقدّم في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٥٨٣] (٦٩١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٠١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٦٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8327

وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٤] (٦٩٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ (١) كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرِ) بن يزيد الرَّحَبيّ الْهَمْدانيّ، أبو عمر الْحِمْصيّ الزَّبَاديّ، صدوقٌ [٥]. رَوَى عن عبد اللَّه بن بُسْر المازنيّ، وأبي إمامة الباهليّ، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، وحبيب بن عبيد، وسُليم بن عامر، وبسر بن عبيد اللَّه الحضرميّ، وغيرهم. وروى عنه صفوان بن عمرو، وشعبة، وجُمَيع بن أيوب، والضحاك بن حمزة الأُمْلُوكيّ، ومحمد بن جُحَادة، وأبو عوانة، وآخرون. قال سليمان بن حرب، عن شعبة: كان ثقةً، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث، وقال حرب، عن أحمد: كان كَيِّسًا، وحديثه حسنٌ، وقال الخضر بن داود، عن أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحه، ورفع أمره، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرّةً: ليس به بأس، وقال الهيثم بن عديّ: قلت لشعبة: رَوَيت عن يزيد بن خُمير، وكان شُرْطيًّا لهشام؟ قال: ويحك، كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 8328

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٦٩٢) و (١٤٤١) و (٢٠٤٢). ٣ - (حَبِيبُ بْنِ عُبَيْدٍ) الرَّحَبيّ -بفتح الراء، والحاء المهملة، ثم موحّدة- أبو حفص الحمصيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن الْعِرْباض بن سارية، والْمِقْدام بن مَعْدِي كَرِب، وأبي أمامة، وعُتبة بن عبد السُّلَميّ، وحبيب بن مسلمة الْفِهْريّ، وجُبير بن نُفير، وبلال بن أبي الدرداء، وأوسط البجليّ، وغيرهم، وأرسل عن عائشة ﵂. وروى عنه حَرِيز بن عثمان، وثور بن يزيد، ومعاوية بن صالح، ويزيد بن خُمَير، وجماعة. قال صاحب "تاريخ الحمصيين": قديمٌ أدرك ولاية عُمير بن سعد الأنصاريّ على حمص، وقال النسائيّ: ثقة، قال: وقال حبيب بن عُبيد: أدركت سبعين رجلًا من الصحابة ﵃، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٩٢) و (٩٦٣). ٤ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ) بن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ، ولأبيه صحبة، فكأنه ما وفد هو إلا في عهد عمر ﵁[٢] (ت ٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩. ٥ - (شرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ) -بكسر السين المهملة، وسكون الميم- ابن الأسود بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الكِنْديّ، أبو يزيد، ويقال: أبو السِّمْط الشاميّ، مُختلَف في صحبته، رَوى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وسلمان، وعمرو بن عَبَسة، وعبادة بن الصامت، وكعب بن مُرّة الْبَهْزيّ، وغيرهم. وروى عنه جُبير بن نُفير، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن يزيد الشاميّ، وسُليم بن عامر الخبائريّ، وأبو عُبيدة مُرّة بن عقبة بن نافع الْفِهْريّ، ومكحول، وغيرهم. قال ابن سعد: جاهليّ إسلاميّ، وَفَد إلى النبيّ ﷺ ، وشَهِدَ القادسية،

стр. 8329

وافتَتَحَ حِمْصَ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو عامر الْهَوْزنيّ: حضرت مع حبيب بن مسلمة جنازة شُرَحْبيل، وجزم البخاريّ في "تاريخه" بأن له صحبةً، وذكره ابن حبان في "الصحابة"، فقال: كان عاملًا على حمص، ومات بها، ثم أعاده في ثقات التابعين، وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبةٌ، وذكره ابن السكن، وابن زَبْر في الصحابة، وذكر خليفة أنه كان عاملًا لمعاوية على حمص نحوًا من عشرين سنةً، وقال ابن عبد البرّ: شَهِدَ صِفِّين مع معاوية ﵁. وقال صاحب "تاريخ حِمْصَ": تُوُفِّي بِسَلَمْيَةَ (١) سنة (٣٦) بلغني أنه هاجر إلى المدينة زمن عمر، وقال أبو داود: مات شُرحبيل بصِفِّين، وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (٤٠). أخرج المصنّف، والأربعة (٢)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٩٢) و (١٩١٣). والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، سوى زُهير، فبغداديّ، والباقون حمصيّون، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: يزيد بن خُمير، فمن بعده، وتقدمت لهذا نظائر كثيرة، وسيأتي بيان باقيها في مواضعها -إن شاء اللَّه تعالى- هذا على القول بكون شُرَحبيل تابعيًّا، وأما على قول من أثبت له الصحبة، كالبخاريّ وغيره، رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8330

شرح الحديث: (عَنْ خبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ) -بضمّ الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الحاء المهملة- (ابْنِ السِّمْطِ) -بكسر السين، وإسكان الميم- ويقال: السَّمِط -بفتح السين، وكسر الميم- (١) (إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا) وفي الرواية التالية: "إنه أتى أرضًا يقال لها: دُومين، من حمص على رأس ثمانية عشر ميلًا" (فَصَلَّى) شُرَحبيل (رَكْعَتَيْنِ) أي: صلى الصلاة الرباعيّة ركعتين قصرًا (فَقُلْتُ لَهُ) مقول القول محذوف؛ أي: لماذا فعلت هذا؟، أو لماذا قصرت؟، وفي رواية النسائيّ: "فسألته عن ذلك؟ "؛ أي: سألته عن كونه قصر الصلاة في هذه المسافة (فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁. [تنبيه]: قوله: "رأيت عمر" ﵁ هكذا النسخ التي بين أيدينا، وهو الصواب، ووقع عند بعضهم: "رأيت ابن عمر"، وهو وَهَمٌ. قال الحافظ أبو عليّ الحيّانيّ بعد أن أورد الحديث بلفظ: "رأيت ابن عمر صلّى. . . إلخ" ما نصّه: هكذا في نسخة ابن الحذّاء: "رأيت ابن عمر"، والصواب: "رأيت عمر"، وكذلك رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ: "رأيت عمر"، والحديث محفوظ لعمر، قال: وكذلك خرّجه ابن أبي شيبة، وأبو بكر البزّار، وغيرهما عن عمر ﵁. انتهى (٢). (صَلَّى بذِي الْحُلَيْفَةِ) تقدّم ذكرها قبل حديث (رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ) أي: سألت عمر ﵁ عن قصره في تلك المسافة (فَقَالَ: إِنَّمَا أَفَعَلُ) وفي نسخة: "إنما فعلتُ" (كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ) أي: فإنه ﷺ كان يقصر في مثل هذا، أو أراد فعله ﷺ في حجة الوداع حيث صلّى هناك العصر ركعتين، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ: هذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليلٌ لأهل الظاهر، ولا دلالة فيه بحال؛ لأن الذي فيه عن النبيّ ﷺ ، وعمر ﵁ إنما هو القصر بذي

стр. 8331

الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قوله: قَصَرَ شُرَحبيل على رأس سبعة عشر ميلًا، أو ثمانية عشر ميلًا، فلا حجة فيه؛ لأنه تابعيّ فَعَلَ شيئًا يخالف الجمهور، أو يُتأوَّل على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر ﵁، ونقله ذلك عن النبيّ ﷺ . انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "أو يُتأوّل على أنها. . . إلخ" فيه نظرٌ، إذ يُبعده قوله في الرواية التالية: "أتى أرضًا يقال لها: دومين"، فإنه ظاهرٌ في كون تلك الأرض كانت غاية سفره، فتأمّل، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٥٨٤ و ١٥٨٥] (٦٩٢)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٣٧)، وفي "الكبرى" (١٨٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩ و ٣٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٥٠ و ١٥٥١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضًا، يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ، مِنْ حِمْصَ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي، والباقيان ذُكرا في السند السابق.

стр. 8332

وقوله: (يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ) قال النوويّ ﵀: هي: بضم الدال وفتحها، وجهان مشهوران، والواو ساكنة، والميم مكسورة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة "القاموس": وَدَوْمِين، وقد تُفتح ميمه: قرية قُرْبَ حِمْصَ. انتهى (١). فظاهره أنّه بفتح، وأما الميم، فيجوز فتحها، وكسرها. وقوله: (مِنْ حِمْصَ) قال النوويّ ﵀: "حِمْص" لا ينصرف، وإن كانت اسمًا ثلاثيًّا ساكن الأوسط؛ لأنها أعجمية، اجتَمَع فيها العجمة والعلمية والتأنيث، كماه، وجُور، ونظائرهما، قاله النوويّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال النوويّ: إن حمص لا ينصرف، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة، فقد جوّزوا صرفه، وعدمه، قال في "المصباح": وحِمْصُ: البلد المعروفةُ بالصرف وعدمه. انتهى (٣). وقال في "القاموس"، و"شرحه": وحِمْصُ بالكَسْرِ: كُورَةٌ بالشّامِ مَشْهُورَةٌ، أَهْلُهَا يَمَانُونَ؛ أي: مِنْ قَبَائِلِ اليَمَنِ، قَالَ سِيبَوَيْه: هِيَ أَعْجَمِيَّةٌ، ولذلِكَ لَمْ تَنْصَرِف، وقد تُذَكَّرُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: حِمْصُ بَلَدٌ يُذَكّرُ ويُؤَنّث، قالَ السّنْدُوبِيُّ: مِنْ أَوْسَعِ مُدُنِ الشّامِ، بِهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، ولَهَا رَسَاتِيقُ، سُمِّيَت بحِمْصَ بنِ صهْر بنِ حُمَيْص بنِ صاب بنِ مُكْنِفٍ، مِنْ بَنِي عِمْلِيق، افْتَتَحَها أَبُو عُبَيْدَةَ صلْحًا سنة (١٦) ثُمّ نَافَقَتْ، ثم صُولِحَتْ، وقد نُسِبَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وبِهَا قَبْرُ الصحابيّ الجليل خالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ (٤). فقد تبيّن بما ذُكر أن حمص يجوز صرفها، وإن كان عدمه هو الأشهر استعمالًا. والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8333

وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٦] (٦٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْمُ) بنُ بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الْحَضْرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وسعيد بن أبي الحسن، وسلمان الأغرّ، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن سيرين، وهو أكبر منه، ويحيى بن أبي كثير، ومات قبله، والثوريّ، وشعبة، ووهيب، وهشيم، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى، وعباد بن العوّام، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين، عن عبد العزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي إسحاق: أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن وعلم بالعربية والنحو، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به، وقال العقيليّ:

стр. 8334

قال أحمد بن حنبل: في حديثه نَكارةٌ، وقال يحيى بن معين: في حديثه بعضُ الضعف، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال عمرو بن عليّ: مات سنة ست وثلاثين ومائة، وهو مولى الحضارمة، وقال ابن حبان: مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٦٩٣) و (١٢٥١) وأعاده بعده، و (١٣٤٥) و (١٣٧٤) و (١٥٩٠) و (٢٠٦٨) و (٢١١٠). ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ ذُكر قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٣) من رباعيّات الكتاب، وبقيّة اللطائف تقدّمت قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وذلك في حجة الوداع، ففي رواية شعبة الآتية: "خرجنا من المدينة إلى الحجّ" (مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس: "إلا المغرب" (حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: "حتى رجعنا إلى المدينة"، قال يحيى بن أبي إسحاق (قُلْتُ) لأنس ﵁ (كَمْ أقَامَ) النبيّ ﵁ (بِمَكَّةَ؟) المراد إقامته بها، وبحواليها، من منى وعرفة (قَالَ) أنس ﵁ (عَشْرًا) أي: أقام عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكَّر، وهو اليوم؛ لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث. ولا يُعارض هذا حديث ابن عباس ﵄: "أقام النبيّ ﷺ تسعة عشر يومًا يقصر"؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، قال الإمام أحمد ﵀: إنما وجه حديث أنس ﵁ أنه حسب مقام النبيّ ﷺ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتجّ بحديث جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة -يوم الأحد- فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلّى الصبح في اليوم الثامن -يوم الخميس-

стр. 8335

ثم خرج إلى منى، وخرج من مكة متوجّهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق، ومثله حديث ابن عبّاس ﵄ عند البخاريّ بلفظ: "قَدِم النبيّ ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يُلبّون بالحجّ. . . " الحديث. قال الحافظ ﵀: ولا شكّ أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدّة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنسّ ﵁، وتكون مدّة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلّى الظهر بمنى. وقال المحبّ الطبريّ ﵀: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتّجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد. انتهى. وقد استُشكل الحديث على الشافعيّة؛ لأنه قد تقرّر عندهم أنه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عيّنه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى دونها، وإن زاد عليه، ولا ريب أنه ﷺ في حجة الوداع كان عازمًا بالإقامة بمكة المدة المذكورة. وأجاب البيهقيّ فقال: إنما أراد أنس بقوله: "أقمنا بها عشرًا" أي: بمكة ومنى وعرفات، وذلك لأن الأخبار الثابتة تدلّ على أن رسول اللَّه ﷺ قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام بها ثلاثًا يقصُر، ولم يحسب اليوم الذي قَدِم فيه مكة؛ لأنه كان فيه سائرًا، ولا يوم التروية؛ لأنه خارج فيه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفات، ثم دفع منها حين غربت الشمس حتى أتى المزدلفة، فبات بها ليلتئذ حتى أصبح، ثم دفع منها حتى أتى منى، فقضى بها نسكه، ثم أفاض إلى مكة، فقضى بها طوافه، ثم رجع إلى منى، فأقام بها، ثم خرج إلى المدينة، فلم يُقم ﷺ في موضع واحد أربعًا يقصر. انتهى كلام البيهقيّ (١). وتعقّبه ابن التركمانيّ ﵀، فأجاد في تعقّبه، قال: أقام بمكة أربعة أيام يقصر، فإنه ﷺ قَدِم صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس
следующие страницы →