الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قوله: قَصَرَ شُرَحبيل على رأس سبعة عشر ميلًا، أو ثمانية عشر ميلًا، فلا حجة فيه؛ لأنه تابعيّ فَعَلَ شيئًا يخالف الجمهور، أو يُتأوَّل على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر ﵁، ونقله ذلك عن النبيّ ﷺ . انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "أو يُتأوّل على أنها. . . إلخ" فيه نظرٌ، إذ يُبعده قوله في الرواية التالية: "أتى أرضًا يقال لها: دومين"، فإنه ظاهرٌ في كون تلك الأرض كانت غاية سفره، فتأمّل، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٥٨٤ و ١٥٨٥] (٦٩٢)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٣٧)، وفي "الكبرى" (١٨٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩ و ٣٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٥٠ و ١٥٥١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضًا، يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ، مِنْ حِمْصَ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي، والباقيان ذُكرا في السند السابق.
стр. 8332
وقوله: (يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ) قال النوويّ ﵀: هي: بضم الدال وفتحها، وجهان مشهوران، والواو ساكنة، والميم مكسورة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة "القاموس": وَدَوْمِين، وقد تُفتح ميمه: قرية قُرْبَ حِمْصَ. انتهى (١). فظاهره أنّه بفتح، وأما الميم، فيجوز فتحها، وكسرها.
وقوله: (مِنْ حِمْصَ) قال النوويّ ﵀: "حِمْص" لا ينصرف، وإن كانت اسمًا ثلاثيًّا ساكن الأوسط؛ لأنها أعجمية، اجتَمَع فيها العجمة والعلمية والتأنيث، كماه، وجُور، ونظائرهما، قاله النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال النوويّ: إن حمص لا ينصرف، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة، فقد جوّزوا صرفه، وعدمه، قال في "المصباح": وحِمْصُ: البلد المعروفةُ بالصرف وعدمه. انتهى (٣).
وقال في "القاموس"، و"شرحه": وحِمْصُ بالكَسْرِ: كُورَةٌ بالشّامِ مَشْهُورَةٌ، أَهْلُهَا يَمَانُونَ؛ أي: مِنْ قَبَائِلِ اليَمَنِ، قَالَ سِيبَوَيْه: هِيَ أَعْجَمِيَّةٌ، ولذلِكَ لَمْ تَنْصَرِف، وقد تُذَكَّرُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: حِمْصُ بَلَدٌ يُذَكّرُ ويُؤَنّث، قالَ السّنْدُوبِيُّ: مِنْ أَوْسَعِ مُدُنِ الشّامِ، بِهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، ولَهَا رَسَاتِيقُ، سُمِّيَت بحِمْصَ بنِ صهْر بنِ حُمَيْص بنِ صاب بنِ مُكْنِفٍ، مِنْ بَنِي عِمْلِيق، افْتَتَحَها أَبُو عُبَيْدَةَ صلْحًا سنة (١٦) ثُمّ نَافَقَتْ، ثم صُولِحَتْ، وقد نُسِبَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وبِهَا قَبْرُ الصحابيّ الجليل خالِدِ بنِ الوَلِيدِ ﵁ (٤).
فقد تبيّن بما ذُكر أن حمص يجوز صرفها، وإن كان عدمه هو الأشهر استعمالًا.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8333
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٦] (٦٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْمُ) بنُ بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الْحَضْرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥].
رَوَى عن أنس بن مالك، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وسعيد بن أبي الحسن، وسلمان الأغرّ، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن سيرين، وهو أكبر منه، ويحيى بن أبي كثير، ومات قبله، والثوريّ، وشعبة، ووهيب، وهشيم، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى، وعباد بن العوّام، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين، عن عبد العزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي إسحاق: أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن وعلم بالعربية والنحو، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به، وقال العقيليّ:
стр. 8334
قال أحمد بن حنبل: في حديثه نَكارةٌ، وقال يحيى بن معين: في حديثه بعضُ الضعف، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال عمرو بن عليّ: مات سنة ست وثلاثين ومائة، وهو مولى الحضارمة، وقال ابن حبان: مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٦٩٣) و (١٢٥١) وأعاده بعده، و (١٣٤٥) و (١٣٧٤) و (١٥٩٠) و (٢٠٦٨) و (٢١١٠).
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ ذُكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٣) من رباعيّات الكتاب، وبقيّة اللطائف تقدّمت قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وذلك في حجة الوداع، ففي رواية شعبة الآتية: "خرجنا من المدينة إلى الحجّ" (مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس: "إلا المغرب" (حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: "حتى رجعنا إلى المدينة"، قال يحيى بن أبي إسحاق (قُلْتُ) لأنس ﵁ (كَمْ أقَامَ) النبيّ ﵁ (بِمَكَّةَ؟) المراد إقامته بها، وبحواليها، من منى وعرفة (قَالَ) أنس ﵁ (عَشْرًا) أي: أقام عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكَّر، وهو اليوم؛ لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث.
ولا يُعارض هذا حديث ابن عباس ﵄: "أقام النبيّ ﷺ تسعة عشر يومًا يقصر"؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، قال الإمام أحمد ﵀: إنما وجه حديث أنس ﵁ أنه حسب مقام النبيّ ﷺ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتجّ بحديث جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة -يوم الأحد- فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلّى الصبح في اليوم الثامن -يوم الخميس-
стр. 8335
ثم خرج إلى منى، وخرج من مكة متوجّهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق، ومثله حديث ابن عبّاس ﵄ عند البخاريّ بلفظ: "قَدِم النبيّ ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يُلبّون بالحجّ. . . " الحديث.
قال الحافظ ﵀: ولا شكّ أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدّة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنسّ ﵁، وتكون مدّة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلّى الظهر بمنى.
وقال المحبّ الطبريّ ﵀: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتّجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد. انتهى.
وقد استُشكل الحديث على الشافعيّة؛ لأنه قد تقرّر عندهم أنه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عيّنه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى دونها، وإن زاد عليه، ولا ريب أنه ﷺ في حجة الوداع كان عازمًا بالإقامة بمكة المدة المذكورة.
وأجاب البيهقيّ فقال: إنما أراد أنس بقوله: "أقمنا بها عشرًا" أي: بمكة ومنى وعرفات، وذلك لأن الأخبار الثابتة تدلّ على أن رسول اللَّه ﷺ قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام بها ثلاثًا يقصُر، ولم يحسب اليوم الذي قَدِم فيه مكة؛ لأنه كان فيه سائرًا، ولا يوم التروية؛ لأنه خارج فيه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفات، ثم دفع منها حين غربت الشمس حتى أتى المزدلفة، فبات بها ليلتئذ حتى أصبح، ثم دفع منها حتى أتى منى، فقضى بها نسكه، ثم أفاض إلى مكة، فقضى بها طوافه، ثم رجع إلى منى، فأقام بها، ثم خرج إلى المدينة، فلم يُقم ﷺ في موضع واحد أربعًا يقصر. انتهى كلام البيهقيّ (١).
وتعقّبه ابن التركمانيّ ﵀، فأجاد في تعقّبه، قال: أقام بمكة أربعة أيام يقصر، فإنه ﷺ قَدِم صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس
стр. 8336
والسادس والسابع وبعض الثامن ناويًا للإقامة بها بلا شكّ، ثم خرج إلى منى يوم التروية، وهو الثامن قبل الزوال، وهذا يُبطل تقديرهم بأربعة أيام، ولهذا حكى ابن رُشد عن أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتمّ، قال: واحتجّوا بمقامه ﷺ في حجته بمكة مقصرًا أربعة أيام.
وذكر صاحب "التمهيد" عن الأثرم: قال أحمد: أقام ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بالأبطح في الثامن، فهذه إحدى وعشرون صلاةً قصر فيها، وقد أجمع على إقامتها، وظهر بهذا بطلان قول البيهقيّ: فلم يُقم في موضع واحد أربعًا يقصر، وكيف يقول؛ كان سائرًا في اليوم الرابع مع أنه قَدِمَ في صبيحته، فأقام بمكة؟ وكيف لا يحسب يوم الدخول مع أن الأحكام المتعلّقة بالسفر ينقطع حكمها يوم الدخول إذا نوى الإقامة، ويلحق بها بعده؟. أصله رخصة المسح والإفطار، فلا معنى لإخراجه بعد نيّة الإقامة بغير دليل شرعيّ، وكذا يوم الخروج قبل خروجه.
وفي اختلاف العلماء للطحاويّ: روي عن ابن عبّاس وجابر أنه ﷺ قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع، وقد كان يقصر الصلاة، فدلّ على سقوط الاعتبار بالأربع. انتهى كلام ابن التركمانيّ ﵀ (١).
وأجاب بعضهم عن هذا التعقّب بأنه إنما يخالفنا إذا أقام أربع ليالٍ مع أيامها التامّة، فما تمّت له الأيام الأربع.
ويمكن أنه ﷺ خرج في اليوم الثامن من قبل الوقت الذي دخل فيه في اليوم الرابع، فما تمّت له الأيام الأربع، كذا أجاب، ولا يخفى ما فيه (٢).
وقال العلامة ابن قُدامة ﵀: وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس ﵃ أن النبيّ ﷺ قَدِم لصبح رابعة، فأقام النبيّ ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصُر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ ﷺ قَصَر، وإذا
стр. 8337
أجمع على أكثر من ذلك أتمّ، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد اللَّه يَذْكُر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، وقوله: أقام النبيّ ﷺ عشرًا يقصر الصلاة، فقال: قَدِمَ النبيّ ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة، ثم قال: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة، فإنما وجه حديث أنس ﵁ أنه حسب مقام النبيّ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاةً يقصر، فهذا يدلّ على أن من أقام إحدى وعشرين صلاةً يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف مَن حدّه أربعة أيام.
قال: وحديث ابن عباس ﵄ في إقامة تسع عشرة وجهه أن النبيّ ﷺ لم يُجْمِع الإقامة، قال أحمد: أقام النبيّ ﷺ بمكة ثماني عشرة زمن الفتح؛ لأنه أراد حُنَيْنًا، ولم يكن تم (١) إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس ﵄. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم يرد حديث صريح مرفوع يدلّ على ما ذهب إليه الشافعيّة والمالكيّة في تقديرهم مدةّ الإتمام بأربعة أيام، وكذا الحنفية في تقديرهم بخمسة عشر يومًا، وإنما هي آثار عن الصحابة ﵃.
قال الشوكانيّ ﵀: هذه من مسائل الاجتهاد، ولا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرحٌ، والحقُّ أن مَن حَطّ رَحْله ببلد، ونوى الإقامة بها أيامًا من دون تردّد، لا يقال له: مسافر، فيُتِمّ الصلاة، ولا يقصر إلا لدليل، ولا دليل ها هنا إلا ما جاء من إقامته ﷺ بمكة أربعة أيام يقصُر الصلاة، والاستدلال به متوقِّف على ثبوت أنه ﷺ عزم على إقامة أربعة أيام، إلا أن يقال: إن تمام أعمال الحجّ في مكة لا يكون في دون الأربع، فكان كلُّ من يحج عازمًا على ذلك، فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر والأصلُ في حقّ من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يَقْصُر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة، ولا قائل به.
стр. 8338
ولا يَرِدُ على هذا قوله ﷺ في إقامته بمكة في الفتح: "إنا قَوْمٌ سَفْرٌ"؛ لأنه كان إذ ذاك مترددًا، ولم يعزم على إقامة مدة معينة. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١).
قال صاحب "المرعاة": لا شكّ أنه ﷺ كان جازمًا بالإقامة أربعة أيّام بمكة في حجته؛ لأنه دخلها صبيحة رابعة من ذي الحجة، وخرج منها إلى منى في بعض الثامن؛ أي: بعد صلاة الصبح، فكان ناويًا لإقامة تلك المدّة بلا شكّ، وقد قصر بها الصلاة، فهذا يدلّ لمذهب الإمام أحمد ﵀، ولم يثبت حديث مرفوع قوليّ، ولا فعليّ أنه ﷺ أزمع على أكثر من أربعة أيّام، وقصر الصلاة، فالقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أقوى المذاهب وأرجحها في هذه المسألة هو مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو أن من نوى الإقامة في بلد إحدى وعشرين صلاةً مدة إقامته ﷺ بمكة قَصَر، ومن نوى أكثر من ذلك أتمّ، فهذا هو الذي أيّده الدليل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ١٥٨٦ و ١٥٨٧ و ١٥٨٨ و ١٥٨٩] (٦٩٣)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٨١)، و"المغازي" (٤٢٩٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٣٣)، و (الترمذيّ) فيها (٥٤٨)، و"النسائيّ" في "تقصير الصلاة" (١٤٣٨ و ١٤٥٢)، و"الكبرى" (١٨٩٦ و ١٩١٠)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٧ و ١٩٠ و ٢٨٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥١٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٥٦ و ٢٩٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٧٠
стр. 8339
و ٢٣٧١ و ٢٣٧٢ و ٢٣٧٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القصر للمسافر خلال إقامته في محلّ مدّة إقامة النبيّ ﷺ بمكة.
٢ - (ومنها): بيان أن الإقامة في أثناء السفر تُسَمَّى إقامة.
٣ - (ومنها): إطلاق اسم البلد على ما جاورها، وقَرُب منها؛ لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة، إلا إن قلنا: إن اسم مكة يَشْمَل الحرم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون في الباب الماضي، والباقون في هذا الباب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ) يعني أن أبا عوانة، وابن عُليّة حدّثا عن يحيى بن أبي إسحاق بمثل حديث هشيم عنه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الذي قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن يحيى هذه، ساقها الإمام النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٤٣٨) أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ من المدينة إلى مكة، فلم يزل يَقْصُر حتى رجع، فأقام بها عشرًا. انتهى.
стр. 8340
وأما رواية ابن عليّة، فقد ساقها الإمام ابن حبّان ﵀، في "صحيحه" (٦/ ٤٥٨) فقال:
(٢٧٥١) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؛ فقال: سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى بنا ركعتين حتى رجعنا، فسألته هل أقام؟ قال: نعم، أقمنا بمكة عشرًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ) الفاعل ضمير شعبة؛ أي: ذكر شعبة الحديث بمثل الحديث الذي قبل.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٧٥) فقال:
(٢٣٧٠) حدّثنا أبو قلابة، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، قال: "سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ ما بين مكة والمدينة، فكان يصلى ركعتين ركعتين، حتى رجعنا، قلت لأنس: كم أقمتم؟ قال: أقمنا عشرًا". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8341
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الثبت الحجة الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السابق.
[تنبيه]: رواية الثوريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٠] (٦٩٤) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِمِنًى وَغَيْرِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا).
стр. 8342
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ١٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
٦ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵄ المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، والتشدّد في اتّباع السنّة ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵄ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ) هي قصر الرباعيّة، وأما المغرب فلا قصر فيها، وأما الصبح فلا يختلف الحكم فيها في منى ولا في غيره (بِمِنًى)
стр. 8343
يعني في أيّام الرمي، و"منًى" -بكسر الميم، وتخفيف النون، مقصورًا-: اسم موضع بمكة، والغالب فيه التذكير، فيصرف، وقال ابن السرّاج: ومِنًى ذَكَرٌ، والشام ذَكَرٌ، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أنّث مُنع؛ أي: من الصرف، وأمنى الرجلُ بالألف: أتى مِنًى، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسُمي منى لما يُمنى فيه من الدماء؛ أي: يُراق، قاله الفيوميّ (١).
قال الحريريّ ﵀ في "ملحة الإعراب" مبينًا بعض ما يُصْرَف من البقاع:
وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وَمِنًى وَبَدْرِ … وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ
وقوله: (وَغَيْرِهِ) أي: غير منى من عرفة، والمزدلفة.
وقال النوويّ ﵀: قوله: (وَغَيْرِهِ) هكذا هو في الأصول "وغيره"، وهو صحيحٌ؛ لأن "منى" تُذكّر وتؤنّث بحسب القصد، إن قُصد الموضع فمذكّرٌ، أو البُقعة، فمؤنّثة، وإذا ذُكِّر صُرِف، وكتب بالألف، وإن أُنّث لم يُصرف، وكتب بالياء، والمختار تذكيره، وتنوينه، وسُمّي مِنًى؛ لما يُمنَى به من الدماء؛ أي: يُراق. انتهى (٢).
وقوله: (رَكْعَتيْنِ) منصوب على البدليّة من "صلاةَ المسافر" (وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁، وهو معطوف على الضمير المستتر في "صلّى"، وكذا قوله: (وَعُمَرُ) بن الخطّاب ﵁، وقوله: (وَعُثْمَانُ) أي: وصلّى عثمان بن عفّان ﵁ (رَكْعَتَيْنِ) مفعول لـ "صلّى" المقدّر (صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ) أي: أوّل خلافته، قال الفيّوميّ ﵀: صَدْرُ النهار: أوّله، وصَدْرُ المجلس: مُرتَفِعُهُ، وصدرُ الطريق: متَّسَعُهُ، وصدرُ السَّهْم: ما جاوز من وسطه إلى مُستدقّه، سُمّي بذلك؛ لأنه المتقدّم إذا رُمي به. انتهى.
ثم المراد بصدر الخلافة ثمان سنين، أو ستّ، كما سيأتي.
(ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا) أي: صلّى عثمان ﵁ بعد ذلك أربع ركعات؛ لأنه يرى القصر والإتمام جائزين، ورأى ترجيح طرف الإتمام؛ لأن فيه زيادة مشقّة، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في سبب إتمام عثمان ﵁، وكذا عائشة ﵂، مستوفًى
стр. 8344
في الباب الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٥٩٠ و ١٥٩١ و ١٥٩٢ و ١٥٩٣ و ١٥٩٤ و ١٥٩٥] (٦٩٤)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٥٨٢)، و"الحجّ" (١٦٥٥)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٥٠ و ١٤٥١)، و"الكبرى" (١٩٠٨ و ١٩٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١٦/ ٢ و ٥٥ و ٥٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٤ و ٤٥١ و ٥٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٥٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٤١ و ٢٣٤٢ و ٢٣٤٣ و ٢٣٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٥٢ و ١٥٥٣ و ١٥٥٤ و ١٥٥٥ و ١٥٥٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قصر الصلاة بمنى:
(اعلم): أنه اختَلَف السلف في المقيم بمنى، هل يقصُر، أو يتمّ، بناءً على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك.
وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل منى يُتِمُّون، ولا قائل بذلك، وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبيّ ﷺ : أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا للنسك.
وأجيب بأن الترمذيّ رَوَى من حديث عمران بن حصين ﵄ أنه ﷺ كان يصلي بمكة ركعتين، ويقول: "يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر"، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قال الحافظ ﵀: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك؛ لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث
стр. 8345
مبنيّ على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقْصَر فيها، وهو من محالّ الخلاف. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀، من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في محله من "كتاب الحج"، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ (٢): بِمِنًى، وَلَمْ يَقُلْ: وَغَيْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة ثبت فاضل [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو نصر، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ، عَمِيَ في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 8346
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) ضمير التثنية لإسحاق ابن راهويه، وعبد بن حُميد.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني الأوزاعيّ، ومعمرًا كلاهما حدّثا عن الزهريّ بإسناده الماضي، وهو: عن سالم، عن أبيه.
[تنبيه]: أما رواية الأوزاعيّ هذه فقد ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٦٢١٩) حدّثنا مُبَشِّر بن إسماعيل، حدّثنا الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ﵁ ركعتين، ومع عمر ﵁ ركعتين، ومع عثمان ﵁ ركعتين صدرًا من خلافته، ثم أتمها بعدُ عثمان رضي اللَّه عليهم أجمعين.
وأما رواية معمر، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ أيضًا، فقال:
(٦٣١٦) حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ ركعتين بمنى، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من خلافته، ثم صلاها أربعًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ (١) صَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
стр. 8347
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
وأبو بكر، وشيخه تقدّما في الباب الماضي، وابن عمر ﵄ في السند الماضي.
وقوله: (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناه؛ أي: بعد صدر خلافته، وهو بعد ستّ سنين.
وقوله: (إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ) الظاهر أن الإمام هو عثمان ﵁، ويَحْتَمل أن يكون المراد أيّ إمام يُتمّ الصلاة.
وقال القرطبيّ ﵀: يعني بالإمام عثمان ﵁ لَمّا أتمّ، فإن ابن عمر وابن مسعود ﵃ كانا يُصلّيان معه، ويُتمّان مع اعتقادهما أن القصر أولى وأفضل، لكنّهما اتّبعاه؛ لأن الإتمام جائز، ومخالفته فيما رآه مما يسوغ ممنوعة.
ويَحْتَمِلُ أن يريد بالإمام هنا أيَّ إمام اتَّفَقَ من أئمة المسلمين، ويعني به أن ابن عمر كان إذا صلّى خلف مقيم أتمّ؛ تغليبًا لفضيلة الجماعة، وبحكم الموافقة فيما يجوز أصله. انتهى.
(مسألة): قال القرطبيّ ﵀: قد اختُلف في مسافر صلّى خلف مقيم، وهذا الخلاف يتنزّل على الخلاف المتقدّم في حكم القصر، فقياس من قال: إن القصر فرض أن لا تُجزئه صلاته، وحكاه أبو محمد عن بعض المتأخّرين من أصحابنا، وقال غير هؤلاء: يقتدي به في الركعتين خاصّة، ثمّ يُسلّم ويتركه، أو ينتظره، ويُسلّم معه؟ قولان، ومن قال: إن القصر سنّة من أصحابنا اختلفوا، فروى ابن الماجشون وأشهب أنه يُتمّ، ثم يُعيد في الوقت، إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين، أو مساجد الأمصار الكبار، وروى مطرّف أن لا إعادة، ورواه ابن القاسم.
قال القرطبيّ: وقياس من قال بالتخيير أن لا إعادة أصلًا، بل القصر
стр. 8348
والإتمام في حقّه سيّان، يَفعَل أيّهما شاء، إلا أن الأولى به أن لا يُخالف الإمام، فإذا صلّى خلف مقيم اتّبعه من جهة منع المخالفة، لا من جهة التخيير، واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلّم الإمام من ثنتين أن عليه إتمام الصلاة. ثم أخرج بسنده عن عمران بن حصين، قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ ، وشَهِدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلةً، لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: "يا أهل البلد صَلُّوا أربعًا، فإنا قوم سَفْرٌ"، وهذا ضعيف؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف، وإنما الصحيح أنه من قول عمر ﵁، فقد أخرجه الإمام مالك ﵀ في "الموطّأ"، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى للناس بمكة ركعتين، فلما انصرف قال: "يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفرٌ"، ثم صلى عمر ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا، وهذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن المنذر أيضًا، من رواية الأسود، عن عمر ﵁، وهو أيضًا سند صحيح.
قال ابن المنذر ﵀: واختلفوا في مسافر أمّ قومًا مقيمين، وأتمّ الصلاة، فقالت طائفةٌ: لا يُجزيهم، هكذا قال سفيان الثوريّ، قال: وقال أصحاب الرأي: إذا صلّى مسافر بمسافر ومقيم أربعًا، فإن صلاة المسافر جائزة، وصلاة المقيم فاسدة؛ لأن صلاة المسافر عندهم تطوّع بالركعتين الأخريين، ومن مذهبهم أن من صلى فرضًا خلف متطوّع، فصلاته فاسدة.
وقال طائفة: إن صلاتهم كلِّهم تامّة، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرّف (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق -رحمهم اللَّه تعالى- من صحّة صلاة الجميع هو الحقّ؛ لأنه سبق لنا أن الحقّ جواز الإتمام، وأن اقتداء المفترض بالمتنفّل جائز، كما سبق تحقيقه في شرح حديث معاذ ﵁ حيث كان يصلي مع النبيّ ﷺ العشاء، ثم يصلي
стр. 8349
بقومه إمامًا، وهو حديث متّفق عليه، فهو دليلٌ واضح لصحّة صلاة المفترض خلف المتنفّل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (صَلَّى أَرْبَعًا) أي: لكونه مؤتمًّا بإمام يُتمّ، فتابعه في الإتمام؛ لأن من اقتدى بمن يُتم أتمّ معه وجوبًا عند الجمهور.
وقوله: (وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ) وفي نسخة: "وإذا صلّى وحده".
وقوله: (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي: لكونه مسافرًا، وحقّ المسافر القصر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كلُّهُم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
стр. 8350
٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير المذكور في الباب الماضي.
٧ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ) بن عقبة بن خالد السَّكونيّ، أبو مسعود الكوفيّ الْمُجَدَّرُ -بالجيم- صدوقٌ، صاحب حديث [٨].
رَوَى عن الأعمش، وعبيد اللَّه بن عمر، وهشام بن عروة، وأبي سعيد البقّال، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومالك بن أنس، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه خالد، وعيسى بن يونس، وهو من أقرانه، ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ، وأبو نعيم، وأحمد، وإسحاق، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن سلام البيكنديّ، ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير، وأبو سعيد الأشجّ، وآخرون.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي عنه، قلت: هو ثقة؟ قال: أرجو إن شاء اللَّه، وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الجاروديّ: شيخٌ كوفيّ، صاحب حديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو سعيد الأشجّ: حدّثنا عقبة بن خالد، وما تعلمتُ ألفاظ الحديث إلا منه، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة.
قال ابن نُمير، والترمذيّ: مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٦٩٤) و (١١٧٢) و (١٤٦٣) و (١٧٤٦) و (٢٠٩١) و (٢٨٩٤) وأعاده بعده.
٨ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن كلًّا من يحيى القطّان، ويحيى بن أبي زائدة، وعقبة بن خالد رووا عن عبيد اللَّه العمريّ بإسناده الماضي، وهو: عن نافع، عن ابن عمر بنحو الحديث المتقدّم.
[تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8351
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، أَوْ قَالَ: سِتَّ سِنِينَ، قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ (١) لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ (٢): لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِم) بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وابن عمر ﵄ ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (ثَمَانِيَ سِنِينَ) هكذا بإثبات الياء في "ثماني"، لإضافتها إلى مؤنّث، قال الفيّوميّ ﵀: "الثمانية": بالهاء للمعدود المذكر، وبحذفها للمؤنث، ومنه: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، والثوب سبعٌ في ثمانية؛ أي: طوله سبعُ أذرعٍ، وعرضه ثمانية أشبار؛ لأن الذراع أنثى في الأكثر، ولهذا حذفت العلامة معهاَ، والشِّبْر مذكَّرٌ، وإذا أضفت "الثمانية" إلى مؤنث تَثْبُتُ الياء ثبوتها في القاضي، وأُعرب إعراب المنقوص، تقول: جاء ثماني نسوةٍ، ورأيت ثمانيَ نسوةٍ، تُظهر الفتحةَ، وإذا لم تُضَف قلت: عندي من النساء ثمانٍ، ومررت منهن بثمانٍ، ورأيت ثمانيَ، وإذا وقعت في المركّب تَخَيَّرت بين سكون الياء وفتحها، والفتح أفصح، يقال: عندي من النساء ثَمَانِيَ عَشْرَةَ امرأةً، وتحذف الياء في لغة بشرط فتح النون، فإن كان المعدود مذكّرًا قلت: عندي ثمانيةَ عَشَرَ رجلًا بإثبات الهاء. انتهى (٣). وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا.
стр. 8352
وقوله: (أَوْ قَالَ: سِتَّ سِنِينَ) شكّ من الراوي، قال النوويّ ﵀: وهذا هو المشهور أن عثمان ﵁ أتمّ بعد ستّ سنين من خلافته. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: الصحيح سبع سنين، قال عمران بن حصين ﵄: حججت مع عثمان سبعًا من إمارته، لا يُصلي إلا ركعتين، ثم صلّى بمنًى أربعًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "الصحيح سبع سنين" فيه نظرٌ؛ لأن حديث عمران ﵁ المذكور ضعيف (٢)؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان ضعيف، فالصحيح أنه ستّ سنين، كما أشار إليه النوويّ؛ فقد أخرج حديث الباب الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" بإسناد صحيح بلفظ: "ستّ سنين من إمرته" من غير شكّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ) أي: دون أن يصلي راتبة بعدها، وفي رواية النسائيّ: "ثم انصرف إلى طِنْفِسة له".
وقوله: (فَقُلْتُ: أَيْ عَمّ) وفي نسخة: "فقلت له: أي عمّ"، "وأي" حرف نداء، "عمّ" منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، ويجوز فيه ستّ لغات، وقد أشار ابن مالك ﵀، في "الخلاصة" إلى خمس منها، فقال:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
فيجوز هنا: أي عَمِّ؛ أي عَمِّي؛ أي عَمِّيَ، أَي عَمَّا، أَيْ عَمَّ، هذا ما أشار إليه في النظم، والسادس: أي عَمُّ بالضمّ؛ تشبيهًا له بالمفرد، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في "كتاب الإيمان" في شرح قوله: "يا عمّ قل: لا إله إلا اللَّه. . . " الحديث.
وقوله: (لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ) "لو" حرف تَمَنٍّ، فلا تحتاج إلى جواب؛ أي: أتمنّى لك أن تصلي ركعتين، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، والجواب محذوف: أي: لكان حسنًا، وأراد بالركعتين المطلوبتين نافلة الراتبة.
وقوله: (قَالَ) وفي نسخة: "فقال" (لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ) أي: لو
стр. 8353
كانت الراتبة مطلوبةً، لكان إتمام الفريضة أولى بالطلب، والمراد أنه ليس هذا ولا ذاك مطلوبًا؛ إذ المقصود التخفيف عن المسافر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، قبل باب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اَلصَّمَدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا فِي الْحَدِيثِ: بِمِنًى، وَلَكِنْ قَالَا: صَلَّى في السَّفَرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: قال كلّ من خالد بن الحارث، وعبد الصمد: حدّثنا شعبة بهذا الإسناد الذي تقدّم، وهو: عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر ﵄.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث وعبد الصمد هذه، لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8354
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٦] (٦٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ قارئ، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن عبد اللَّه بن مالك النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من الأعمش، وعبد الواحد بصريّ، وقُتيبة بغلانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع إلا في موضع.
стр. 8355
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، وهو أخو الأسود بن يزيد، وكلاهما خالان لإبراهيم؛ لأن أمه مليكة بن يزيد بن قيس أختهما.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، جمّ المناقب، وقد تقدّم طرف من فضائله غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران أنه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنٍ بنَ يَزِيدَ) خاله، كما أسلفته آنفًا (يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ) بن عفّان ﵁ (بِمِنًى) تقدّم البحث فيه قريبًا (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ)، وكان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحجّ في حال إقامته بمنًى للرمي، قاله في "الفتح" (١). (فَقِيلَ ذَلِكَ) أي: ذُكر ما فعله عثمان ﵁ من الإتمام (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (فَاسْتَرْجَعَ) أي: فقال: إنا للَّه، وإنا إليه راجعون؛ لأنه يراه مصيبةً، حيث خالف السنّة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]، لكن يُعتذر عن عثمان ﵁ في مخالفتها أنه اجتهد، وتأوّل، فلا لوم عليه ولا حرج، بل له أجرٌ في اجتهاده، فقد أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر"، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا الاسترجاع لِمَا رأى من تفويت عثمان ﵁ لفضيلة القصر، ولوجود صورة خلافه لمن تقدّمه، ولا يُفْهَم منه أن ذلك الإتمام لا يُجزئ؛ لأنه قال: "ولَيت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان"، فلو كانت تلك الصلاة لا تُجزئ لما كان له فيها حظّ لا من ركعتين، ولا من غيرهما، فإنها تكون فاسدةً كلّها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢).
(ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود ﵁ (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ،
стр. 8356
وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ﵁ (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ) زاد الثوري، عن الأعمش: "ثمّ تفرّقت بكم الطرق"، رواه البخاريّ في "كتاب الحجّ" من طريق (فَلَيْتَ حَظِّي) أي: نصيبي، قال في "القاموس": الحظّ: النصيب، والْجَدُّ، أو خاصّ بالنصيب من الخير والفَضْلِ، والجمع حُظُوظ، مثلُ: فلس وفُلُوس، والحظّ أيضًا الْجَدُّ، والفعل كسَمِعَ يَسْمَعُ. انتهى باختصار (١). (مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) "مِنْ" بمعنى البدل، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية [التوبة: ٣٨]؛ أي: بدل أربع ركعات، وقوله: (رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ) خبر "ليت".
قال النوويّ ﵀: معناه ليت عثمان صلى ركعتين، بدل الأربع، كما كان النبيّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمرُ، وعثمان رضوان اللَّه عليهم أجمعين في صدر خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود ﵁ موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان يُصلي وراء عثمان ﵁ مُتمًّا، ولو كان القصر عنده واجبًا (٢) لما استجاز تركه وراء أحد. انتهى.
وقال في "الفتح": وهذا يدلّ على أنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلا لما كان له حظّ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع ابن مسعود ﵁ لِمَا وقع عنده من مخالفة الأَوْلى، ويؤيده ما روى أبو داود: "أن ابن مسعود ﵁ صلّى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرّ"، وفي رواية البيهقيّ: "إني لأكره الخلاف"، ولأحمد من حديث أبي ذرّ ﵁ مثل الأول، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يعتقد أن القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية، وهي رواية عن مالك، وعن أحمد، قال ابن قُدامة: المشهور عن أحمد أنه الاختيار، والقصر عنده الأفضل، وهو قول جمهور الصحابة، والتابعين.
стр. 8357
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أن الأرجح وجوب القصر؛ لوضوح أدلّته، ولكن الإتمام جائز، ولا تنافي بين وجوب القصر، وجواز الإتمام، وقد تقدم بيان ذلك مستوفًى، وللَّه الحمد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٥٩٦ و ١٥٩٧] (٦٩٥)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٨٤ و ١٦٥٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٩٦٠)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٤٨ و ١٤٤٩)، و"الكبرى" (١٩٠٦ و ١٩٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٨ و ٤٢٢ و ٤٢٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٥٧)، واللَّه تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَابْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
стр. 8358
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (١٩٥) وله (٨٢) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ خَشْرَمٍ) هو: عليّ بن خشرم، تقدّم قبل باب.
٦ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي، إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) أي: كل هؤلاء الثلاثة: أبو معاوية، وجريرٌ، وعيسى بن يونس رووا عن الأعمش بإلإسناد السابق، وهو عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، نحو حديثه المتقدّم.
[تنبيه]: رواية هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٨] (٦٩٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ (١)، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل حديث.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
стр. 8359
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابد، اختلط بآخره، ويدلس [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٥ - (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ) الْخُزَاعيّ، أخو عُبيد اللَّه بن عمر لأمه، واسم أمه كلثوم بنت جَرْوَل بن المسيَّب الخزاعية، صحابيّ نزل الكوفة، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن جُنْدُب الخير الأزديّ، قاتل الساحر، وحفصة بنت عمر، ورَوَى عنه معبد بن خالد، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، والمسيَّب بن رافع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٩٦) وأعاده بعده، و (١٠١١) و (٢٢٩٨) و (٢٨٥٣) وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كلاحقه، وهو (١٠٤) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو خمسة أحاديث فقط (١).
شرح الحديث:
(عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ) الْخُزَاعيّ ﵁، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى) وفي رواية الطبرانيّ: "صليتُ مع رسول اللَّه ﷺ بمكة، وبمنًى ركعتين"، في حديث ابن عباس ﵄ عند الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ بلفظ: "خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا اللَّه يصلي ركعتين" (آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ) قال أبو البقاء ﵀: "آمن"، و"أكثر" منصوبان نصبَ الظرف،
стр. 8360
والتقدير: زمنَ آمن ما كان الناس، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، قال: وضمير "أكثره" عائد إلى جنس الناس، وهو مفرد.
قال السندي: وهذا غلط، وإنما هو عائد إلى ما كان الناس، بناء على أن "ما" مصدرية، و"كان" تامّة، و"الناس" بالرفع فاعله، ألا ترى أنه كان في الأصل آمن ما كان الناس، وأكثر ما كان الناس، وحاصل المعنى: في زمن كان الناس فيه أكثر أمنًا، وعددًا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
ووقع في رواية للبخاريّ في "الحجّ" بلفظ: "صلى بنا النبيّ ﷺ ، ونحن أكثر ما كنا قطّ، وآمنه بمنى ركعتين".
قال الطيبيّ: "ما" مصدريّة، ومعناه الجمع؛ لأن ما أضيف إليه "أَفْعَلُ" يكون جمعًا، والمعنى: صلى بنا والحال أنّا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا، وكلمة "قط" متعلقة بمحذوف، تقديره: ونحن ما كنا أكثر منّا في ذلك الوقت، ولا أكثر أَمْنًا، وهذا يُستَدرَك به على ابن مالك حيث قال: استعمال "قط" غير مسبوقة بالنفي مما يخفى على كثير من النحويين، وقد جاء في هذا الحديث بدون النفي، وقال الكرمانيّ: قوله: "وآمنه" بالرفع، ويجوز النصب بأن يكون فعلًا ماضيًا، وفاعله: اللَّه، وضمير المفعول للنبيّ ﷺ ، والتقدير: وآمن اللَّه نبيّه ﷺ حينئذ، ولا يخفى بُعد هذا الإعراب.
وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسّك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شُرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرَّمَل، وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظرٌ؛ لحديث يعلى بن أمية في سؤاله عمر ﵄، وقد تقدم قبل باب، فإنه ظاهر في أن الصحابة فَهِمُوا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصّةً، وفي جواب عمر ﵁ إشارة إلى القول الثاني،
стр. 8361
أفاده في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حارثة بن وهب الخزاعيّ ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١٥٩٨ و ١٥٩٩] (٦٩٦)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٨٣)، و"الحجّ" (١٦٥٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٩٦٥)، و (الترمذيّ) فيها (٨٨٢)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة" (١٤٤٥ و ١٤٤٦)، و"الكبرى" (١٩٠٣ و ١٩٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٥٦ و ٢٧٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٤٨ و ٢٣٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٥٨ و ١٥٥٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ٣٢٤١ و ٣٢٤٢ و ٣٢٤٣ و ٣٢٤٤ و ٣٢٤٥ و ٣٢٤٦ و ٣٢٤٧ و ٣٢٤٨ و ٣٢٤٩ و ٣٢٥٠ و ٣٢٥٢ و ٣٢٥٣ و ٣٢٥٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسحَاقَ، حَدَّثَنِي (٢) حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ مُسْلِم: حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
стр. 8362
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الْجَزيرة، إلا أن سماعة من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (١٠٥) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وبالتحديث.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما سمع منه بعد اختلاطه، كما أسلفته آنفًا؟.
[قلت]: لم ينفرد زهير بالرواية عنه، بل تابعه أبو الأحوص، كما في السند الماضي، وشعبة، فقد أخرجه البخاريّ من رواية شعبة، عن أبي إسحاق، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا) "الناس": مبتدأ، و"أكثر" خبره، و"ما" مصدريّة؛ أي: أكثر أكوانهم.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب ﵀.
وقوله: (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "أخو عبيد اللَّه" بضم العين مُصَغّرًا، ووقع في بعض الأصول "أخو عبد اللَّه" بفتح العين، مكبرًا، وهو خطأ، والصواب الأول، وكذا نقله القاضي ﵀ عن أكثر رواة "صحيح مسلم"، وكذا ذكره البخاري في "تاريخه"، وابن أبي حاتم، وابن عبد البرّ، وخلائق لا يُحْصَون كلهم يقولون بأنه أخو عُبيد اللَّه مصغرًا، وأمه مُليكة بنت جَرْوَل الْخُزاعيّ، تزوجها عمر بن الخطاب ﵁، فأولدها ابنه عبيد اللَّه، وأما عبد اللَّه بن عمر، وأخته حفصة، فأمهما زينب بنت مظعون. انتهى (١). وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 8363
(٤) - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٠] (٦٩٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيح، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) ﵄، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٦) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فإنه نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، وشيخه كان إمام أهل نيسابور في الحديث والفقه.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقًا، كما نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀، فقد روى الخطيب في "الكفاية" عن يحيى بن بُكير أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زَعْزَعَة، عن زَوْبَعَةٍ إنما ترفع الستر، فتنظر
стр. 8364
إلى النبيّ ﷺ والصحابة ﵃: حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، رَوَى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَال: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) قال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": الظاهر أنه أتم الأذان، وقال بعد الفراغ منه: "ألا صلوا"، ويَحْتَمِلُ أنه قال ذلك بعد "حيّ على الفلاح"، وعلى الأول، يقال: كان هذا القول أحيانًا في الوسط، وأحيانًا بعد الفراغ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني تردّه رواية البخاريّ، ونصّها: "أَذَّنَ ابن عمر في ليلة باردة بضَجْنَان، ثم قال: "صلوا في رحالكم"، فأخبرنا أن رسول ﷺ كان يأمر مؤذنًا ثم يقول على إِثْرِهِ: ألا صلوا في الرحال. . . " الحديث.
قال في "الفتح": قوله: ثم يقول على إثره، صريح في أن القول المذكور كان بعد الفراغ، وقال القرطبيّ ﵀ لَمّا ذَكَر رواية مسلم بلفظ: "يقول في آخر ندائه": يَحْتَمِلُ أن يكون المراد في آخره قُبيل الفراغ منه؛ جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس الآتي في هذا الباب. انتهى.
وقد بَوَّب ابنُ خزيمة، وتبعه ابنُ حِبّان، ثم المحبّ الطبريّ: "حَذْفُ حيّ على الصلاة في يوم المطر"، نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى "حَيّ على الصلاة": هَلُمُّوا إلى الصلاة، ومعنى "الصلاةُ في الرِّحال": تأخَّروا عن المجيء إليها، فلا يتناسب سبب إيراد اللفظين معًا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر.
قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى "الصلاة في الرِّحال" رخصةً لمن أراد أن يترخص، ومعنى: هَلُمُّوا إلى الصلاة نَدْبٌ لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمّل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر ﵁ الآتي بعد هذا بلفظ: "ليصلِّ من شاء منكم في رحله". انتهى.
стр. 8365
(ثُمَّ قَالَ) ابن عمر ﵄ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ) بالرفع فاعل "كان"، وهي تامّةٌ لا تحتاج إلى خبر، كما ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريريّ ﵀ في "ملحة الإعراب":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويَحْتَمِلُ أن تكون ناقصةً، حُذِفَ اسمها، و"ليلةً" بالنصب خبرها؛ أي: إن كانت الليلةُ ليلةً.
(ذَاتُ مَطَرٍ) أي: صاحبة مطر، وفي الرواية التالية: "إذا كانت ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر"، وفي رواية البخاريّ: "في الليلة الباردة أو المطيرة"، قال في "الفتح": وقوله: "أو" للتنويع، لا للشك، وفي "صحيح أبي عوانة": "ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر، أو ذات ريح"، ودلَّ ذلك على أن كلًّا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة.
ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق، عن نافع في هذا الحديث: "في الليلة المطيرة، والغداة القُرَّة"، وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي الْمَلِيح، عن أبيه: "أنهم مُطِرُوا يومًا، فرَخَّص لهم".
قال الحافظ ﵀: ولم أَرَ في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحًا، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجهًا. انتهى (١).
(يَقُولُ) فعل مضارع مرفوع، صلة و"أن" مقدَّرةً، وحذف "أن" ورفع الفعل قياسيّ على الراجح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، برفع "يُرِي"، و"أَعْبُدُ"، وأنْ وصلتها مجرور بحرف جرّ مقدَّر قياسًا؛ أي: بالقول، وهو متعلق بـ "يأمر".
(أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ") مقول القول؛ أي: كان يأمر المؤذِّن أن يقول في
стр. 8366
الأذان: "ألا صلوا في الرحال"، و"الرِّحَال" -بالكسر- جمع رَحْلٍ، وهو مسكن الرجل، وما فيه من أثاثه، وقال ابن الأثير ﵀: يعني الدُّورَ، والمساكن، والمنازل، يقال لمنزل الإنسان، ومسكنه: رحله، وانتهينا إلى رحالنا: أي: منازلنا. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀ في حديث ابن عباس ﵄ الآتي: فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر ﵄ أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نصّ عليه الشافعيّ ﵀، لكن بعده أحسن؛ ليتم نظم الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس ﵄. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وكلامه يدلّ على أنها تزاد مطلقًا إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من "حَيَّ على الصلاة"، وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق، وغيره بإسناد صحيح، عن نُعَيم بن النّحّام، قال: "أَذَّن مؤذن النبيّ ﷺ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قَعَدَ فلا حرج، فلما قال: "الصلاة خير من النوم"، قالها". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيَّن بما ذُكِر من حديثي ابن عمر، وابن عباس ﵃ أن المؤذن مُخَيَّر في قوله: "ألا صلوا في الرحال" بين قولها أثناء الأذان، وقولها بعد الأذان، وإن شاء قالها بدل حيّ على الصلاة، كما دلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ ففيه: "إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صَلُّوا في بيوتكم"، فهذا صريح في أنه يقولها بدل "حيّ على الصلاة".
والحاصل أنه مخيَّر بين ثلاثة أمور: قولها في أثناء الأذان، وقولها بعده، وقولها بدل "حيّ على الصلاة"، فالأمر في ذلك واسعٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8367
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١٦٠٠ و ١٦٠١ و ١٦٠٢] (٦٩٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٣٢ و ٦٦٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٦٣)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٥٤)، و"الكبرى" (١٦١٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٨٣)، و (الشافعيّ) في "الأمّ" (١/ ١٥٥)، و"المسند" (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤ و ١٠ و ٥٣ و ١٠٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٧٩ و ٢٣٨٠ و ٢٣٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٦٠ و ١٥٦١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٠ و ٧١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٩٧ و ٧٩٨ و ٧٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وقد تقدّم بيان الأعذار التي تُسقط فرض الجماعة، في بابه.
٢ - (ومنها): بيان أن صلاة الجماعة متأكدة إذا لم يحصل للإنسان عذر.
٣ - (ومنها): مشروعية حضور الجماعة لمن تكلَّف الإتيان إليها، وتحمل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية: "ليصلِّ من شاء في رحله".
٤ - (ومنها): بيان مشروعية الجماعة في السفر.
٥ - (ومنها): أن الأذان مشروع في السفر، وأنه إذا حصل برد شديد، أو مطر استُحبّ أن يقول: "صلُّوا في رحالكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ
стр. 8368
وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، ألَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَة بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: "أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: "أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ"، وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِضَجْنَانَ) -بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم بعدها نون-: جبل على بريد من مكة، وقال الزمخشريّ: بينه وبين مكة خمسة عشر ميلًا، وبينه وبين وادي مريسعة أميال، وهو على وزن فعلان غير منصرف، قاله في "العمدة" (١).
стр. 8369
وقال في "القاموس": "ضَجْنَانُ" كسَكْرَانَ: جبلٌ قُربَ مكة، وجبلٌ آخر بالبادية. انتهى (١).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) فاعل "ذَكَر" ضمير لأبي أُسامة.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه.
وقوله: (وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً) من الإعادة، أي: لم يذكر الجملة الثانية، وهي قوله: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ".
وقوله: (مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) متعلّق بـ "يُعِد".
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد اللَّه هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٨٧) فقال:
(١٥٦١) حدّثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يونس بن محمد المؤدِّب، ثنا حماد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر (ح) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد اللَّه بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة بضجنان في ليلة ذات برد وريح، فقال في آخر أذانه: "ألا صلوا في الرحال"، ثم قال: ألا إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في سفر، يقول: "ألا صلوا في رحالكم"، لفظ أبي أسامة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٦٠٣] (٦٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (٢) أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: "لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديثين.
стр. 8370
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٧) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه ﵄ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) لم أجد من عيّن هذا السفر، ويَحْتَمل أن يكون في الغزوةَ التي وقع فيها بيع جمل جابر ﵁ للنبيّ ﷺ ، وهي غزوة ذات الرِّقَاع، وقيل: غزوة تبوك، والأول أصحّ، واللَّه تعالى أعلم. (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرَت السماة تَمْطُرُ مَطَرًا، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، ثم سُمّي القَطْرُ بالمصدر، وجمعه أمطار، مثلُ سبب وأسباب (١). (فَقَالَ) ﷺ ("لِيُصَلِّ) بكسر اللام، وهي لام الأمر، والفعل مجزوم بها (مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ) مفعوله محذوف؛