الأذان: "ألا صلوا في الرحال"، و"الرِّحَال" -بالكسر- جمع رَحْلٍ، وهو مسكن الرجل، وما فيه من أثاثه، وقال ابن الأثير ﵀: يعني الدُّورَ، والمساكن، والمنازل، يقال لمنزل الإنسان، ومسكنه: رحله، وانتهينا إلى رحالنا: أي: منازلنا. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀ في حديث ابن عباس ﵄ الآتي: فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر ﵄ أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نصّ عليه الشافعيّ ﵀، لكن بعده أحسن؛ ليتم نظم الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس ﵄. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وكلامه يدلّ على أنها تزاد مطلقًا إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من "حَيَّ على الصلاة"، وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق، وغيره بإسناد صحيح، عن نُعَيم بن النّحّام، قال: "أَذَّن مؤذن النبيّ ﷺ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قَعَدَ فلا حرج، فلما قال: "الصلاة خير من النوم"، قالها". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيَّن بما ذُكِر من حديثي ابن عمر، وابن عباس ﵃ أن المؤذن مُخَيَّر في قوله: "ألا صلوا في الرحال" بين قولها أثناء الأذان، وقولها بعد الأذان، وإن شاء قالها بدل حيّ على الصلاة، كما دلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ ففيه: "إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صَلُّوا في بيوتكم"، فهذا صريح في أنه يقولها بدل "حيّ على الصلاة".
والحاصل أنه مخيَّر بين ثلاثة أمور: قولها في أثناء الأذان، وقولها بعده، وقولها بدل "حيّ على الصلاة"، فالأمر في ذلك واسعٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8367
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١٦٠٠ و ١٦٠١ و ١٦٠٢] (٦٩٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٣٢ و ٦٦٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٦٣)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٥٤)، و"الكبرى" (١٦١٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٨٣)، و (الشافعيّ) في "الأمّ" (١/ ١٥٥)، و"المسند" (١/ ١٢٥ - ١٢٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤ و ١٠ و ٥٣ و ١٠٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٧٩ و ٢٣٨٠ و ٢٣٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٦٠ و ١٥٦١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧٠ و ٧١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٩٧ و ٧٩٨ و ٧٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وقد تقدّم بيان الأعذار التي تُسقط فرض الجماعة، في بابه.
٢ - (ومنها): بيان أن صلاة الجماعة متأكدة إذا لم يحصل للإنسان عذر.
٣ - (ومنها): مشروعية حضور الجماعة لمن تكلَّف الإتيان إليها، وتحمل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية: "ليصلِّ من شاء في رحله".
٤ - (ومنها): بيان مشروعية الجماعة في السفر.
٥ - (ومنها): أن الأذان مشروع في السفر، وأنه إذا حصل برد شديد، أو مطر استُحبّ أن يقول: "صلُّوا في رحالكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ
стр. 8368
وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، ألَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَة بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: "أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نمير، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: "أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ"، وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِضَجْنَانَ) -بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم بعدها نون-: جبل على بريد من مكة، وقال الزمخشريّ: بينه وبين مكة خمسة عشر ميلًا، وبينه وبين وادي مريسعة أميال، وهو على وزن فعلان غير منصرف، قاله في "العمدة" (١).
стр. 8369
وقال في "القاموس": "ضَجْنَانُ" كسَكْرَانَ: جبلٌ قُربَ مكة، وجبلٌ آخر بالبادية. انتهى (١).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) فاعل "ذَكَر" ضمير لأبي أُسامة.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه.
وقوله: (وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً) من الإعادة، أي: لم يذكر الجملة الثانية، وهي قوله: "أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ".
وقوله: (مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) متعلّق بـ "يُعِد".
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد اللَّه هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٨٧) فقال:
(١٥٦١) حدّثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يونس بن محمد المؤدِّب، ثنا حماد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر (ح) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد اللَّه بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة بضجنان في ليلة ذات برد وريح، فقال في آخر أذانه: "ألا صلوا في الرحال"، ثم قال: ألا إن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في سفر، يقول: "ألا صلوا في رحالكم"، لفظ أبي أسامة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٦٠٣] (٦٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (٢) أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: "لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديثين.
стр. 8370
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٧) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه ﵄ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) لم أجد من عيّن هذا السفر، ويَحْتَمل أن يكون في الغزوةَ التي وقع فيها بيع جمل جابر ﵁ للنبيّ ﷺ ، وهي غزوة ذات الرِّقَاع، وقيل: غزوة تبوك، والأول أصحّ، واللَّه تعالى أعلم. (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرَت السماة تَمْطُرُ مَطَرًا، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، ثم سُمّي القَطْرُ بالمصدر، وجمعه أمطار، مثلُ سبب وأسباب (١). (فَقَالَ) ﷺ ("لِيُصَلِّ) بكسر اللام، وهي لام الأمر، والفعل مجزوم بها (مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ) مفعوله محذوف؛
стр. 8371
أي: الصلاةَ (فِي رَحْلِهِ") -بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة-: قال أهل اللغة: هو المنزل، سواء كان من حجر، أو مدر، أو خشب، أو شَعْرٍ، أو صوف، أو وَبَرٍ، أو غيرها، جمعه رِحَالٌ.
وهذا فيه دلالة على أن الأمر في قوله ﷺ : "صلّوا في رحالكم" في الروايات السابقة للإباحة، والمعنى: أن من شاء منكم أن يصلّي في رحله، فليفعل، ومن تحمّل المشقّة، وأتى الجماعة، فقد استكمل الفضيلة (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان،
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: هذا الحديث مما رواه أبو الزبير عن جابر ﵁ معنعنًا، وهو مدلّسٌ، وليس الراوي عنه ليث بن سعد، فإنه لم يرو عنه إلا ما سمعه من جابر، فكيف أخرجه مسلم هنا؟.
[قلت]: يُجاب عن هذا بأن هذا مما صحّ لدى مسلم سماع أبي الزبير له من جابر ﵁، فإنه يَعلَم تدليس أبي الزبير، فلولا صحّة سماعه لديه لَما أخرجه، ومما يؤيّد هذا أن ابن حبّان أخرج الحديث في "صحيحه" بنفس الطريق (٥/ ٤٣٧) وهو قد بيّن في "خطبة "صحيحه" أنه لا يُخرج عن المدلّسين إلا ما ثبت سماعهم له، ودونك نصّه:
قال ﵀: وأما المدلسون الذين هم ثقاتٌ وعدول، فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بيّنوا السماع فيما رووا، مثل الثوريّ، والأعمش، وأبي إسحاق، وأضرابهم من الأئمة المتقين، وأهل الورع في الدين.
إلى أن قال: فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس، أنه بَيَّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر. انتهى (٢).
стр. 8372
وهذا هو منهج كل من التزم الصحّة، فإنه لا يُخرج عن المدلس إلا ما ثبت سماعه له من شيخه، من طريق آخر، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١٦٠٣] (٦٩٨)، (وأبو داود) في "الصلاة" (١٠٦٥)، و (الترمذيّ) فيها (٤٠٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٢ و ٣٢٧ و ٣٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٥٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٧١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٤] (٦٩٩) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ، فِي يَوْم مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، فَلَا تَقُلْ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"، قُلْ: "صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ"، قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ (١)، فَقَالَ: أتعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ (٢)، فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم المعروف بابن عُليّة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ) هو: عبد الحميد بن دينار، هو ابنُ
стр. 8373
كُرْديد، وقيل: ابن واصل البصريّ، صاحب الزياديّ، ومنهم من جعلهما اثنين، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي رجاء الْعُطَارديّ، وثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وأبي الوليد، عبد اللَّه بن الحارث البصريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، ومهدي بن ميمون، وحماد بن زيد، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ ﵀: ذكره ابن حبّان في أتباع التابعين، كانه لم يصحّ عنده لُقِيُّهُ لأنس، وفَرَّق بين ابن دينار، وابن كُرْديد؛ تبعًا للبخاريّ، وكذا فعل ابن أبي حاتم. انتهى.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٩٩) وحديث (٢٧٩٦): "قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحقّ. . . ".
[تنبيه]: لم أجد سبب تلقيب عبد الحميد هذا بصاحب الزياديّ، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، ابن عمّ ابن سيرين، وزوج ابنته، ثقة [٣] (ع) تقدم في "المساجد" ٢٦/ ١٣٣٨.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من صغار التابعين، كما قاله في "الفتح" (١).
стр. 8374
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١). (فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ) أَي: كثير المطر، وفي الرواية التالية: "خطبنا عبد اللَّه بن عبّاس في يوم ذي رَدْغٍ"، و"الردغ": الْوَحْلُ (إِذَا قُلْتَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، فَلَا تَقُلْ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ") أي: لأن فيه تكليف السامعين بالحضور إلى الصلاة، ولكن (قُلْ: "صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ") وفي رواية البخاريّ: "فأمره أن ينادي: الصلاة في الرحال" (قَالَ) عبد اللَّه بن الحارث (فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا) أي: أنكروا عليه، السين والتاء زائدتان للتأكيد، وفي رواية للبخاريّ: "كأنهم أنكروا ذلك" (ذَاكَ) وفي نسخة: "ذلك" أي: أمره المؤذّن بما ذُكر (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟) أي: من قولي المذكور (قَدْ فَعَلَ ذَا) أي: الذي استنكرتموه (مَنْ) موصولة؛ أي: الذي (هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) يعني: النبيّ ﷺ ، وفي رواية البخاريّ: "فَعَلَ هذا من هو خير منه"، وللكشميهنيّ: "منهم"، وللحجبيّ: "مني يعني: النبيّ ﷺ "، قال في "الفتح": كذا في أصل الرواية، ومعنى رواية الباب: من هو خير من المؤذن، يعني فَعَلَه مؤذن رسول اللَّه ﷺ ، وهو خير من هذا المؤذن، وأما رواية الكشميهنيّ ففيها نظرٌ، ولعلّ من أَذَّن كانوا جماعة، إن كانت محفوظةً، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خيرٌ من المنكرين. انتهى (٢).
وتعقّب العينيّ على الحافظ، فقال: في نظره نظرٌ، وتأويله بالوجهين غير صحيح، أما الأول فلم يثبت أن مَن أَذَّن كانوا جماعةً، وهذا احتمال بعيدٌ؛ لأن الأذان بالجماعة مُحْدَثٌ، وأما الثاني فلأن الألف واللام في "المؤذن" للعهد، فكيف يجوز أن يراد الجنس؟. انتهى (٣).
стр. 8375
(إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ) -بسكون الزاي- ضدُّ الرخصة؛ أي: واجبة متحتّمةٌ، فلو قال المؤذّن: "حيّ على الصلاة"، لكُلِّفتم المجيءَ إليها، ولَحِقتكم المشقّة (وَإِنِّي كَرِهْتُ) بكسر الراء، يقال: كَرِهتُ الشيءَ أَكْرَهُهُ من باب تَعِبَ، كَرْهًا، بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروهٌ (١). (أَنْ أُحْرِجَكُمْ) أي: أشُقّ، وأضيّق عليكم، وقال النوويّ ﵀: هو بالحاء المهملة، من الْحَرَج، وهو المشقّة، هكذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض عن رواياتهم. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الرواية فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقّة، ومنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": وفي رواية الحجبيّ، من طريق عاصم: "إني أُؤَثِّمُكُم"، وهي تُرَجِّح رواية من روى "أُحْرِجكم" بالحاء المهملة، وفي رواية جرير، عن عاصم، عند ابن خزيمة: "أن أخرج الناس، وأُكَلِّفهم أن يَحْمِلوا الخبث من طُرُقهم إلى مسجدكم". انتهى.
وقال في "العمدة": قوله: "أن أُحرجكم"؛ أي: كرهت أن أشُقّ عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، ويُرْوَى: "أن أخرجكم" بالخاء المعجمة، من الإخراج، ويُرْوَى: "كَرِهْتُ أن أُؤَثّمَكُم" أي: أكون سببًا لاكتسابكم الإثم عند ضِيقِ صدوركم. انتهى بتصرّف (٤).
(فَتَمْشُوا) معطوف على "أُخرج" منصوب بحذف النون (فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ) -بفتح الدال المهملة، وسكون الحاء المهملة، وتُفْتح، آخره ضادٌ معجمة- قال في "القاموس": مكانٌ دَحْضٌ، ويُحرَّكُ، ودَحُوضٌ: زَلِقٌ، جمعه دِحَاضٌ -بالكسر- والْمَدْحَضَةُ: الْمَزَلّةُ. انتهى (٥).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "في الطين والدَّحْض" بإسكان الحاء المهملة، وبعدها ضاد معجمة، وفي الرواية الأخيرة: الدَّحْض والزلل، هكذا هو باللامين، والدَّحْض والزلل والزَّلَق والرَّدْغ -بفتح الراء، وإسكان الدال
стр. 8376
المهملة، وبالغين المعجمة- كله بمعنى واحد، ورواه بعض رواة مسلم "رَزْغ" بالزاي بدل الدال -بفتحها، وإسكانها- وهو الصحيح، وهو بمعنى الرَّدْغ، وقيل: هو المطر الذي يَبُلُّ وجه الأرض. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عبّاس ﵄ متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١٦٠٤ و ١٦٠٥ و ١٦٠٦ و ١٦٠٧ و ١٦٠٨ و ١٦٠٩] (٦٩٩)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١٦ و ٦٦٨)، و"الجمعة" (٩٠١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٦٦)، و (ابن ماجه) فيها (٩٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٦٣ و ١٥٦٤ و ١٥٦٥ و ١٥٦٦ و ١٥٦٧ و ١٥٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار.
٢ - (ومنها): بيان أنها متأكدة إذا لم يكن للشخص هناك عذر.
٣ - (ومنها): بيان أنها مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها، وتحمّل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية: "ليصلّ من شاء في رحله".
٤ - (ومنها): بيان أن الجماعة مشروعة في السفر، وكذلك الأذان مشروع في السفر.
٥ - (ومنها): أن حديث ابن عباس ﵄ هذا يدلّ على أن المؤذّن يقول: "ألا صلوا في رحالكم" في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر ﵄ الماضي أنه يقول في آخر ندائه، قال النوويّ ﵀: والأمران جائزان، نَصَّ عليهما الشافعيّ ﵀ في "الأُمّ" في "كتاب الأذان"، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان، وفي أثنائه؛ لثبوت السنة فيهما، لكن كونه بعده أحسن؛
стр. 8377
ليبقى نظم الأذان على وضعه، ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهذا ضعيف، مخالف لصريح حديث ابن عباس ﵄، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر ﵄ الماضي؛ لأن هذا جَرَى في وقت، وذلك في وقت، وكلاهما صحيح. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث من رخّص الكلام في الأذان، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، وحَكَى ابن المنذر الجواز مطلقًا عن عروة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعن النخعيّ، وابن سيرين، والأوزاعيّ: الكراهةُ، وعن الثوريّ: المنعُ، وعن أبي حنيفة وصاحبيه: خلافُ الأولى، وعليه يدلّ كلام الشافعيّ، ومالك، وعن إسحاق ابن راهويه: يُكره إلا إن كان يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر، قاله في "العمدة" (٢).
٧ - (ومنها): أن فيه دلالةً على فرضية الجمعة، وأبعد بعض المالكية، حيث قال: إن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر، أو ما ينوب منابه (٣)، وهذا إن صحّ عن قائله، فبطلانه واضح؛ لمصادمته للنصوص الكثيرة الدالّة على فرضيّة الجمعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (٤) أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ (٥)، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، بِنَحْوِهِ).
стр. 8378
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ) -بفتح الراء، وسكون الدال المهملة، وبالغين المعجمة- ووقع في بعض النسخ: "رزغ" بالزاي موضع الدال.
قال القرطبيّ ﵀: الرواية المشهورة فيه بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السمرقنديّ: "رَزغ" بالزاي، وكلاهما: الذي يُزْلَقُ فيه، وقال أيضًا: والصواب الفتح، يعني فتح الدال، فإنه اسم، وبالسكون مصدر.
وقال صاحب "التلويح": "الردغ" بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، رواه العذريّ، وبعض رواة مسلم، وكذا لابن السكن والقابسيّ، إلا أنهما فتحا الدال، وهي روايتنا من طريق أبي الوقت، ورواية الأصيليّ، والسمرقنديّ: "رَزَغ" بزاي مفتوحة، بعدها غين معجمة.
وقال السفاقسيّ: رويناه بفتح الزاي، وهو في اللغة بسكونها، قال الداوديّ: "الرزغ": الغيم البارد.
وفي "المحكم": الرزغ: الماء القليل في الثِّمَاد، و"الرزغة": أقل من "الردغة"، و"الرزغة" بالفتح: الطين الرقيق.
وفي "الصحاح": "الرَّزَغَة" بالتحريك الْوَحْل، وكذلك "الرَّدَغَة" بالتحريك.
وفي كتاب أبي موسى: "الرَّدْغَة" بسكون الدال وفتحها: طينٌ، ووَحْلٌ كثير، والجمع رِدَاغٌ، وقد يقال: ارتاع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول.
ووقع عند البخاريّ بلفظ: "في يومِ رَدْغٍ" بالإضافة، أو بالتنوين على
стр. 8379
الوصف، كما يدلّ رواية مسلم هذه بلفظ: "في يومٍ ذي ردغ".
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) فاعل "ساق" ضمير شيخه أبي كامل، ويَحْتمل أنه لحماد بن زيد.
وقوله: (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ) "حمّاد" هو ابن زيد، و"عاصم" هو ابن سليمان الأحول.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي: بنحو حديث حمّاد، عن عبد الحميد، ولفظ البخاريّ في "صحيحه": "وعن حمّاد، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عبّاس نحوه، غير أنه قال: كرهتُ أن أُؤَثِّمَكم، فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم".
قال في "الفتح": قوله: "نحوه" أي: بمعظم لفظه، وجميع معناه، ولهذا استثنى منه لفظ: "أحرجكم"، وأن في هذا بدلها "أؤثّمكم. . . " إلخ، ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متّفقان في المعنى، وفي الرواية الثانية هذه الزيادة. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن عبد الحميد هذه، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٦٦٨) حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا عبد الحميد، صاحب الزياديّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس، في يومٍ ذي رَدْغٍ، فأمر المؤذن لَمّا بلغ "حيّ على الصلاة"، قال: قل: "الصلاة في الرحال"، فنظر بعضهم إلى بعض، فكأنهم أنكروا، فقال: "كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله مَن هو خيرٌ مني، يعني النبيّ ﷺ ، إنها عَزْمَةٌ، وإني كَرِهتُ أن أحرجكم". انتهى.
وأما رواية حماد، عن عاصم الأحول، فستأتي في الرواية التالية، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8380
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (١) أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، هُوَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
[تنبيه]: قوله: (وحدثنيه أبو الربيع الْعَتَكيّ، هو الزهرانيّ) قال القاضي عياض ﵀: كذا وقع هنا الجمع بين العتكيّ والزهرانيّ، وتارة يقول: العتكيّ فقط، وتارة الزهرانيّ، قال: ولا يجتمع العَتِيك وزهران إلا في جدّهما؛ لأنهما ابنا عمّ، وليس أحدهما من بطن الآخر؛ لأن زهران بن الْحُجْر بن عمران بن عَمرو، والعتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو، فكأنه صليبة في أحدهما، وحليف، أو جارٌ للآخر، وقد سبق التنبيه على هذا في أوائل الكتاب (٢)، وباللَّه تعالى التوفيق.
٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
و"حماد" هو المذكور قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد حماد الماضي، وهو: عن عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عبد اللَّه بن عبّاس ﵄.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ) فاعل "يَذكُر" ضمير شيخه
стр. 8381
أبي الربيع، ويَحْتَمِل أن يكون لحمّاد بن زيد؛ أي: لم يذكر حماد في روايته عن أيوب، وعاصم، كلاهما عن عبد اللَّه بن الحارث جملةَ "يعني النبيّ ﷺ ".
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، وعاصم الأحول هذه، ساقها الإمام البخاريّ مع روايته عن عبد الحميد صاحب الزياديّ، فقال:
(٦١٦) حدّثنا مسدّد، قال: حدّثنا حماد، عن أيوب، وعبد الحميد، صاحب الزياديّ، وعاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس، في يومِ رَدْغٍ، فلما بلغ المؤذن "حيّ على الصلاة"، فأمره أن ينادي "الصلاة في الرحال"، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال: فَعَلَ هذا من هو خير منه، وإنها عَزْمَةٌ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلِ (١)، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ (٢)، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَالَ: وَكَرِهْتُ أَنْ تَمْشُوا فِي الدَّحْضِ وَالزَّلَلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكوسَج المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (ابْنُ شُمَيْلٍ) هو: النضر بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، الإمام الحجة المشهور، [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٨١.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 8382
وقوله: (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي نسخة: "في يوم جمعة".
وقوله: (فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير شيخه إسحاق بن منصور، ويَحْتَمل أن يكون لشعبة.
وقوله: (وَالزَّلَلِ) -بفتحتين- عطف تفسير للدَّحَضِ.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن عبد الحميد هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٢٨٩) فقال:
(١٥٦٦) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا الحسن بن محمد الداركيّ، ثنا صالح بن مسمار، ثنا النضر بن شُميل، ثنا شعبة، ثنا عبد الحميد، صاحب الزياديّ، سمعت عبد اللَّه بن الحارث، قال: أَذَّن مؤذِّن ابن عباس يوم جمعة، في يوم مطير، وقال: "اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه"، قال: "صلوا في رحالكم"، قد فعله من هو خير مني، كَرِهت أن تمشوا في الدحض والزلل. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (١)، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ، فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: "فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ"، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرِ: "فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي"، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضبعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن خاله جويرية بن أسماء، وشعبة، وهمام بن يحيى، وسعيد بن
стр. 8383
أبي عروبة، وأبي عامر الخزاز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وأبان بن أبي عياش، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وعليّ ابن المدينيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن معين، وبُندار، وعقبة بن مُكْرَم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعباس الدُّوريّ، وعبد اللَّه الدارميّ، وعبد بن حميد، وغيرهم.
قال محمد بن الوليد التستريّ، عن يحيى بن سعيد: هو شيخ المصر منذ أربعين سنة، وقال يحيى أيضًا: إني لأغبط جيرانه، وقال ابن مهديّ لابنه يحيى: الزمه، فلو حدّثنا كلَّ يوم حديثًا لأَتيناه، وقال أبو مسعود، وزياد بن أيوب: ما رأيت بالبصرة مثله، وقال ابن معين: حدّثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، وكان في حديثه بعض الغلط، وهو صدوقٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً صالِحًا، وقال العجليّ: ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ، من خيار الناس، وقال ابن قانع: ثقةٌ.
قال أبو بكر الخطيب: حدَّث عنه ابن المبارك، ومحمد بن يحيى بن المنذر القزاز، وبين وفاتيهما مائة وتسع سنين.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة (١٢٢) ومات لأربع بقين من شوال سنة (٢٠٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٩٩) و (١٦٥٢) و (٢١٠٧) و (٢٣٩٩).
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) الضمير لشعبة، ومعمر.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) الضمير لشيوخه السابقين، وهم: عليّ بن حُجر، وأبو كامل، وأبو الربيع، وإسحاق بن منصور، ويَحْتَمِل أن يكون لإسماعيل ابن عليّة، وحماد بن زيد، وشعبة في رواياتهم السابقة، يعني أن شعبة، ومعمرًا
стр. 8384
حدّثا عن عاصم بنحو ما حدّث به ابن عليّة، وحماد بن زيد، وشعبة ثلاثتهم عن عبد الحميد صاحب الزياديّ.
[تنبيه]: أما رواية شعبة، عن عاصم هذه، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٢٨٩) فقال:
(١٥٦٨) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن محمد بن يعقوب، ثنا عباس الدُّوريّ، ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عباس، أمر مؤذِّنه في يوم مطير، إذا بلغ "قد قامت الصلاة"، قال: "صلوا في رحالكم"، قد فعله مَن هو خير مني. انتهى.
وأما رواية معمر، عن عاصم، فقد ساقها عبد الرزاق ﵀ في "مصنّفه" (١/ ٥٠٠) فقال:
(١٩٢٣) أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبد اللَّه بن الحارث، أن ابن عباس أمر مناديه يوم الجمعة، في يوم مطير، فقال: إذا بلغت "حي على الفلاح"، ففل: "ألا صلوا في الرحال"، فقيل له: ما هذا؟ فقال: فعله مَن هو خير مني. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ وُهَيْبٌ: لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، قَالَ: أَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ) هو: أحمد بن إسحاق بن زيد بن عبد اللَّه بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وعبد العزيز، وأبي عوانة بن المختار، وهمام، ووُهَيب، والقطان.
стр. 8385
ورَوى عنه إبراهيم الجوهريّ، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، ويعقوب بن شيبة، وأحمد بن الحسن بن خِرَاش، والحارث بن أبي أسامة، وغيرهم.
قال أحمد: كان عندي -إن شاء اللَّه- صدوقًا، ولكني تركته من أجل ابن أكثم، دخل له في شيء، وقال يعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، ومحمد بن سعد: ثقةٌ، وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس، وقال المروزيّ، عن أحمد: لم يكن بأحمد بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يحفظ حديثه.
وقال ابن سعد: مات بالبصرة سنة (٢١١).
أخرج المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٦٩٩) و (١٠٢١) و (١٢٤٤) و (٢٥٢٣) و (٢٨٦١) و (٢٨٨١) و (٢٩٤٦).
٢ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا قبله، و"أيوب": هو السختيانيّ.
وقوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ) يعني أن أيوب لم يسمع هذا الحديث من عبد اللَّه بن الحارث، هكذا قال، وفيه نظر؛ لأنه ثبت أنه سمعه منه، فقد أخرج الإسماعيليّ وغيره هذا الحديث من رواية سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب، وعبد الحميد، قالا: سمعنا عبد اللَّه بن الحارث، أفاده في "الفتح" (١).
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن شيخه عبد بن حميد حدّثه بنحو حديث شيوخه السابقين، وهم: علي بن حجر، وأبو كامل، وأبو الربيع، وإسحاق بن منصور.
[تنبيه]: رواية وُهيب هذه لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 8386
(٥) - (بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٠] (٧٠٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّموا مع بيان اللطائف في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ) -بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة-؛ أي: نافلته (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) وفي نسخة: "راحلته"، قال النوويّ ﵀: يعني في جهة مقصده، قال أصحابنا: فلو توجّه إلى غير المقصد، فإن كان إلى القبلة جاز، وإلا فلا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "وإلا فلا" فيه نظرٌ؛ إذ هو مخالف لظاهر إطلاق قوله: "حيثما توجّهت به راحلته"، ولظاهر الآية التي نزلت في هذا الشأن، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية سالم الآتية: "كان رسول اللَّه ﷺ يسبّح على الراحلة قِبَل أيّ وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
قال في "الفتح": وقد تكرر -يعني ذكر التسبيح- في الحديث كثيرًا، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان اللَّه، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكلّ، أو لأن المصلي منزِّه للَّه -بإخلاص العبادة-، والتسبيح: التنزيه، فيكون من باب الملازمة، وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي. انتهى (٢).
стр. 8387
[تنبيه]: قال القاضي عياضٌ ﵀: ولم يذكر في كتاب مسلم صفة صلاته على الدابّة، وقد وقع مفسّرًا في "الموطأ" من فعل أنس ﵁، قال: إيماءً، وقال مالك: وتلك سنة الصلاة على الدابّة، قال: "ولا يسجد على الْقَرَبُوس" (١). انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٦١٠ و ١٦١١ و ١٦١٢ و ١٦١٣ و ١٦١٤ و ١٦١٥ و ١٦١٦ و ١٦١٧ و ١٦١٨] (٧٠٠)، و (البخاريّ) في "الوتر" (٩٩٩ و ١٠٠٠)، وفي "تقصير الصلاة" (١٠٩٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٢٦)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٧٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٤٩٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٠٠)، و"الكبرى" (٩٤٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٤ و ١٥٠ - ١٥١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٥١٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٠٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤ و ١٣ و ٣٨ و ٤٩ و ٥٧ و ٧٥ و ٨٣ و ١٢٤ و ١٢٨ و ٣/ ٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٦٧ و ١٢٦٨ و ١٢٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤١٣ و ٢٥١٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٦٩ و ١٥٧٠ و ١٥٧١ و ١٥٧٢ و ١٥٧٣ و ١٥٧٤ و ١٥٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٣):
стр. 8388
١ - (منها): بيان جواز التنفل على الراحلة في السفر، حيث توجهت، وهذا جائز بإجماع المسلمين، قال النوويّ ﵀: وشرطه أن لا يكون سفر معصية، ولا يجوز الترخص بشيء من رُخَص السفر لعاص بسفره. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الراجح عموم الترخيص لكلّ مسافر، مطيعًا كان أو عاصيًا؛ لإطلاق النصوص، فتبصّر.
٢ - (ومنها): بيان جواز التنفل في السفر لغير القبلة، وهو يُخَصِّص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويبيّن أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، في صلاة النافلة، كما سيأتي بيانه بعد حديث.
٣ - (ومنها): بيان كون الوتر غير فرض؛ لكونه ﷺ كان يُصَلِّيه على الراحلة؛ إذ لو كان فرضًا لَمَا جاز راكبًا بدليل نزوله ﷺ لأداء المكتوبة.
٤ - (ومنها): بيان جواز التنفّل على الراحلة، سواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا عند الجمهور، ولا يجوز في البلد، وعن مالك أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، قال النوويّ: وهو قول غريبٌ محكيّ عن الشافعيّ ﵀.
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، وهذا مجمع عليه، إلا في شدة الخوف، قال النوويّ: فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على الدابة واقفة عليها هَوْدَجٌ أو نحوه، جازت الفريضة على الصحيح من مذهبنا، فإن كانت سائرة لم تصحّ على الصحيح المنصوص للشافعيّ، وقيل: تصحّ كالسفينة، فإنها يصح فيها الفريضة بالإجماع، ولو كان في رَكْب، وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم، ولَحِقه الضرر، قال أصحابنا: يصلي الفريضة على الدابة بحسب الإمكان، وتلزمه إعادتها؛ لأنه عذر نادر. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في لزوم الإعادة محلّ نظر؛ لأنه فعل ما في وُسعه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فتبصّر.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من إكثار الطاعة مع كونه قد
стр. 8389
غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ شكرًا للَّه تعالى، كما قال في حديث عائشه ﵂: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
٧ - (ومنها): في قول ابن عمر ﵄: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ بيان أن القرآن نزل على النبيّ ﷺ شيئًا بعد شيء على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل اللَّه دينه، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه أخذ بمضمون حديث ابن عمر ﵄ فقهاء الأمصار، فقالوا: يجوز التنفل في السفر لغير القبلة، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، والحجة لهم في ذلك حديث الجارود بن أبي سَبْرَة، عن أنس ﵁ "أن النبيّ ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صَلَّى حيث وَجَّهَت رِكَابُهُ". أخرجه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وصححه ابن السكن (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما قاله الإمام أحمد، وأبو ثور هو الأولى؛ لهذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أجمع أهل العلم على جواز النافلة على الراحلة في السفر قِبَلَ مقصده كما قاله النوويّ، والعراقيّ، والحافظ، وغيرهم.
واختلفوا في جوازه في الحضر، فَجَوَّزه أبو يوسف، وأبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية، والظاهرية، وقال ابن حَزْم: وقد رَوَينا عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يصلون على رحالهم ودَوَابِّهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة، والتابعون عمومًا في الحضر والسفر.
قال النووي: وهو محكيّ عن أنس بن مالك ﵁.
وقال العراقيّ: استدَلَّ من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم تُصَرِّح بذكر السفر، وهو ماشٍ على قاعدتهم أنه لا يُحْمَل المطلق على المقيد، بل يُعْمَل بكل منهما، فأما من يحمل المطلق على المقيد، وهم الجمهور، فحملوا الروايات المطلقة على المقيدة.
стр. 8390
ثم إن الجمهور الذين يشترطون السفر قالوا بجواز التنفل على الراحلة سواء كان السفر طويلًا أو قصيرًا، وخالفهم في ذلك مالك، فخصّه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبريّ: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وقال الحافظ: ولم يُتَّفَق على ذلك عنه، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا، فصنع ذلك.
وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك، وكأن السر في جواز التطوع على الراحلة تيسير تحصيل النوافل على العباد، وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم رحمة من اللَّه بهم (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي القول بعدم جواز التنفل في الحضر؛ لأن التوجه إلى القبلة فرض في الصلاة مطلقًا بنص الكتاب، فلا يُسْتَثْنَى منه إلا ما استثناه النصّ، وهو حالة السفر، كما يأتي نصًّا من حديث ابن عمر بأن آية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] نزلت في ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الوتر على الراحلة: ذهب أكثرهم إلى جوازه، ومنهم: ابن عمر، ورُوي عن عليّ وابن عباس ﵃، وهو قول سالم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال الثوري: لا بأس به، وبالأرض أحب إليّ، وكذا مذهب مالك في "تهذيب المدونة": أن المسافر إذا كان له حزب، فليوتر على الأرض، ثم يتنفل في الْمَحْمِل بعد الوتر.
وهذا يدل على أن تقديم الوتر على الأرض على قيام الليل أفضل من تأخيره على الراحلة.
ومنع من الوتر على الراحلة من يرى أن الوتر واجب، وهو قول أبي حنيفة، وقال النخعي: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض.
قال ابن رجب: وحَكَى ابن أبي موسى عن أحمد في جواز صلاة ركعتي الفجر على الراحلة روايتين، دون الوتر.
стр. 8391
وحُكِي عن بعض الحنفية، أنه لا يفعل الوتر ولا ركعتا الفجر على الراحلة.
وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عمر ﵄ كان يصلي على راحلته تطوّعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض.
قال ابن رجب: ولعله فعله استحبابًا، وإنما أنكر على من لا يراه جائزًا.
ورَوَى محمد بن مصعب: ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁، قالَ: كان النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوّعًا، فإذا أراد أن يصلي الفريضة أو يوتر أناخ فصلى بالأرض.
قال ابن جوصا في "مسند الأوزاعي من جمعه": لم يقل أحد من أصحاب الأوزاعي: "أو يوتر" غير محمد بن مصعب وحده، وخرّجه من طرق كثيرة عن الأوزاعيّ، ليس في شيء منها: ذكر الوتر.
ومحمد بن مصعب، قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر في الباب من حديث ابن عمر ﵄ وغيره أن الصحيح قول الجمهور، وهو كون الوتر غير واجب، وجواز أدائه على الراحلة، وسيأتي البحث في هذا مُستوفًى في "باب صلاة الليل والوتر" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥] على أقوال:
[أحدها]: هذا الذي ذكره ابن عمر ﵄ في حديث الباب أنها نزلت في صلاة النافلة على الراحلة، وهو الأرجح كما يأتي.
стр. 8392
[الثاني]: أنها نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة، أخرج الترمذيّ ﵀ بسنده عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه ﵁، قال: كنا مع النبيّ ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ ﷺ ، فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده الأشعث السمّان، وهو ضعيف، قال الترمذي: يضعف في الحديث، وشيخه عاصم بن عبيد اللَّه أيضًا ضعيف، قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: منكر الحديث.
[الثالث]: أنها نزلت في النجاشيّ لما صلى عليه النبيّ ﷺ حين مات، أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة: أن النبيّ ﷺ قال: "إن أخًا لكم قد مات فصلوا عليه"، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل اللَّه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا غريب واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وهو أيضًا مرسل، فهو ضعيف، واللَّه تعالى أعلم.
[الرابع]: أنها نزلت لما أنكرت اليهود تحويل القبلة إلى الكعبة بعدما كانت إلى بيت المقدس، فقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] فردّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ يعني: أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء وجّههم إلى بيت المقدس، وإن شاء إلى الكعبة، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
[الخامس]: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ذكره ابن عباس ﵄.
[السادس]: أنها محكمة، والمعنى: أينما كنتم من شرق وغرب، فثمّ
стр. 8393
وجه اللَّه الذي أمركم باستقباله، وهو الكعبة، روي هذا عن مجاهد، والضحاك.
[السابع]: ما رُوي عن مجاهد، وابن جبير: لما نزلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
[الثامن]: ما رُوي عن ابن عمرو النخعي: أينما تولوا في أسفاركم، ومنصرفاتكم فثمّ وجه اللَّه.
[التاسع]: قيل: هي متصلة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية [البقرة: ١١٤]، فالمعنى أن بلاد اللَّه أيها المؤمنون تَسَعُكم، فلا يمنعكم تخريب مَن خَرَّب مساجد اللَّه أن تولوا وجوهكم نحو قبلة اللَّه أينما كنتم من أرضه.
[العاشر]: أنها نزلت حين صدّ النبيّ ﷺ عن البيت الحرام عام الحديبية، فاغتمّ المسلمون لذلك.
فهذه عشرة أقوال في هذه الآية ملخصة من "تفسير القرطبيّ ﵀"، وزيادة من "تفسير ابن كثير" (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قولُ من قال: إنها نزلت في الصلاة النافلة في السفر؛ لحديث ابن عمر ﵄ المذكور في هذا الباب، فإنه نصّ صحيح قاطع للنزاع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ).
стр. 8394
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) هي الْمَرْكب من الإبل، ذكرًا كان، أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرَحَّلَ، وجمعها رَوَاحِل، قاله في "المصباح".
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ (١) [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو
стр. 8395
عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٥ - و"ابن عمر" ذُكر قبله.
وقوله: (وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) هذا كناية عن استدباره القبلة؛ لأن المقبل من مكة إلى المدينة لا يكون وجهه مستقبل القبلة.
وقوله: (حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) أي: إلى الجهة التي فيها قصده، سواء كانت في جهة القبلة، أم لا.
وقوله: (قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) "أين" ظرف متعلِّق بـ "تُوَلُّوا"، و"ما" زائدة، وهو مضمّن معنى الشرط، ولذا جُزِمَ به الشرط، والجواب، و"ثَمَّ" ظرف مكان للبعيد في محل النصب متعلق بمحذوف خبر لقوله: "وَجْهُ"، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وقد ذكر الإمام ابن جرير الطبريّ ﵀ في "تفسيره" اختلاف أهل العلم في معنى قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾، فأخرج بسنده عن النضر بن عربيّ، عن مجاهد، قال: قبلةُ اللَّه، وأخرج عن إبراهيم، عن مجاهد، قال: حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها.
وقال آخرون: معناه: فثمّ اللَّه ﵎، وقال آخرون: معناه: فثمّ تُدركون بالتوجه إليه رضا اللَّه الذي له الوجه الكريم.
وقال آخرون: عَنَى بالوجه: ذا الوجه، وقال قائلو هذه المقالة: وجه اللَّه صفة له. انتهى (١).
وقال قبل ذلك: وقال آخرون: بل أنزل اللَّه هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جَلَّ ثناؤه في ذلك الوجه، وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك
стр. 8396
بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه إلى المسجد الحرام. انتهى (١).
وتعقبه الحافظ ابن كثير ﵀، وأجاد في ذلك، فقال: وفي قوله: "وأنه تعالى لا يخلو منه مكان"، إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى اللَّه عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُبَارَكٍ (٣)، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ: ثُمَّ تَلَا ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وَقَالَ: فِي هَذَا نَزَلَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور قبل باب.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة ثبت فقيهٌ جوادٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) وله (٦٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٣ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ) الضمير لابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة، وعبد اللَّه بن نُمير.
стр. 8397
وقوله: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هو ابن أبي سليمان المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد عبد الملك الماضى، وهو: عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر ﵄ نحو الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن عبد الملك، ساقها النسائيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٨٩) فقال:
(١٠٩٩٧) أخبرني محمد بن آدم بن سليمان، عن ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أن النبيّ ﷺ كان يصلي على راحلته، حيث توجهت به، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. انتهى.
وأما رواية ابن أبي زائدة، وابن نمير، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مُرْجَانة، ثقةٌ متقنٌ [٣].
стр. 8398
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن خالد الجهنيّ.
وروى عنه سعيد المقبريّ، وسُهيل بن أبي صالح، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعثمان بن حكيم، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، وغيرهم.
قال عباس الدُّوريّ: قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ ثقة، وقال ابن عبد البرّ: لا يَختلفون في توثيقه.
قال الواقديّ: مات سنة (١١٦) وقيل: سبع عشرة ومائة، وهو ابن ثمانين سنةً، وقال ابن حبان في "الثقات": مات بالمدينة سنة سبع عشرة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
و"ابن عمر" ذُكر قبله.
وقوله: (يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ) قال الدارقطنيّ وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازنيّ، قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبيّ ﷺ على راحلته، أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس ﵁، كما ذكره مسلم بعد هذا، ولهذا لم يذكر البخاريّ حديث عمرو. انتهى.
قال النوويّ ﵀ بعد ذكر كلام الدارقطنيّ ومتابعيه؛ ما نصّه: وفي الحكم بتغليط رواية عمرو نظرٌ؛ لأنه ثقةٌ نَقَل شيئًا مُحتَمِلًا، فلعله كان الحمار مرةً، والبعير مرةً، أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذٌّ فإنه مخالفٌ لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذّ مردود، وهو المخالف للجماعة. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحديث صحيحٌ، كما صحّحه المصنّف ﵀ حيث أخرجه هنا، ولم يُعلّه، فزيادة عمرو بن يحيى مقبولة؛ لعدم منافاتها لما رواه الجماعة؛ إذ أمكن الجمع بحمل روايته على وقت، ورواياتهم على أوقات أخرى.
ويشهد لذلك ما أخرجه النسائيّ بإسناد حسن، عن يحيى بن سعيد، عن
стр. 8399
أنس ﵁ أنه رأى النبيّ ﷺ يصلّي على حمار، وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ) بكسر الجيم: أي: متوجّهٌ، يقال: وَجّه ههنا: أي: توجّه، وقد يقال: إن معناه: قاصدٌ، يقال: هذا وجهي إليه؛ أي: قصدي، وقد يقال: معناه: مقابلٌ بوجهه إليها، قاله في "الإكمال" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ، فَنَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) القُرشيّ الْعَدويّ المدنيّ، ثقةٌ، من كبار [٧].
أرسل عن جد أبيه، ورَوَى عن عمّ أبيه سالم، وأبي الحُباب سعيد بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وإسحاق بن عبد اللَّه بن جعفر، وعباد بن تميم، وجماعة.
ورَوَى عنه مالك، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبيد اللَّه بن عمر الْعُمَريّ، وسعيد بن سلمة بن أبي الْحُسَام، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسَمَّى، وقاله القاسم اللالكائيّ: ثقةٌ،
стр. 8400
وقال الخليليّ: لا يوقف له على اسمه، وهو مدنيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد في الوتر على الدابة. قلت: روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) "خَشِي" بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي: خاف؛ أي: خِفْتُ طلوع الصبح، وفوات وقت صلاة الوتر.
وقوله: (أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟) بضمّ الهمزة، وكسرها: أي: اقتداء، واتّباع لسنّته ﷺ ، وفيه تعليم العالم لرفيقه ما قد يخفى عليه من السنن.
وقوله: (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ) فيه الحلف على الأمر الذي يراد تأكيده.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ (١) بِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٨) من رباعيّات الكتاب.
стр. 8401
وقوله: (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وفي نسخة: "حيث توجّهت به"، والباء للتعدية، أو المصاحبة؛ أي: إلى أيّ جِهَةٍ وَجَّهته، أو توجهت معه، والعائد إلى "حيث" محذوف؛ أي: إليه، و"حيث" متعلق بـ "يُصَلِّي".
وقال ابن التين ﵀: مفهومه: أنه يَجلس عليها على هيئته التي يركب عليها، ويَستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره: يصلي على راحلته التي له حيث توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله: "توجهت به" بقوله: "يصلي".
ويَحْتَمِل أن يتعلق بقوله: "على راحلته"، لكن يؤيد الأول الرواية بلفظ: "وهو على الراحلة، يُسَبِّح قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توجهت" (١).
قال في "الفتح": واستُدِلّ به على أن جهة الطريق تكون بدلًا عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة المسير، إلا إذا كان في غير جهة القبلة، فانحرف إليها، فإنه لا يضرّه على الصحيح.
واستُنبِط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك، مع أنه أجازه لراكب السفينة. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (٣) عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ (٤)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ) أبو موسى، لقبه زُغْبَةُ، وهو أيضًا لقب أبيه، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
стр. 8402
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيهٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في أول الباب الماضي، غير:
١ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
وقوله: (يُسَبِّحُ) أي: يصلي النافلة.
وقوله: (قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ) -بكسر ففتح- وزان عِنَبٍ: أي: جِهَةَ، وهو منصوب على الظرفيّة، متعلق بـ "يُسَبِّح".
وقوله: (تَوَجَّهَ) بتاء واحدة بصيغة الماضي، والفعل ضمير النبيّ ﷺ ، وفي رواية النسائيّ: "تتوجّه" بتاءين، والضمير على هذا للراحلة.
وقوله: (ويُوتِرُ عَلَيهَا) أي: يصلّي صلاة الوتر على الراحلة.
стр. 8403
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ) الضمير في "أنه"، و"يصلّي" للنبيّ ﷺ ، وفيه دليلٌ على أن الوتر غير واجب؛ إذ لو كان واجبًا لما جاز راكبًا، وبه قال الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وهو مرويّ عن عليّ، وابن عمر، وعطاء بن أبي ربَاح، والحسن البصريّ ﵃.
وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض، كما في الفرائض، وأحاديث الباب ترد عليهم، وسيأتي تمام البحث في هذا في "باب صلاة الليل، والوتر" -إن شاء اللَّه تعالى-.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦١٩] (٧٠١) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (١)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنَزيّ، أبو محمد المدنيّ، حليف بني عديّ، ولد في عهد النبيّ ﷺ ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وحارثة بن النعمان، وعائشة، وجابر ﵃.
وروى عنه الزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعاصم بن عبيد اللَّه، وأمية بن هند، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، وعبد اللَّه بن أبي بكر بن
стр. 8404
حَزْم، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن حفص الزهريّ، وغيرهم، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد اللَّه، استُشْهِد يوم الطائف، وأمهما أم عبد اللَّه، ليلى بنت أبي خيثمة.
قال الهيثم ابن عديّ: تُوُفّي سنة بضع وثمانين، وقال غيره: سنة خمس.
وقال ابن معين: لم يسمع من النبيّ ﷺ ، وقال الترمذيّ في "الصحابة": رأى النبيّ ﷺ ، وروى عنه حرفًا، وإنما روايته عن أصحاب محمد ﷺ ، قال الواقديّ: وكان عبد اللَّه ثقةً، قليل الحديث، وقال أبو زرعة: مدنيّ أدرك النبيّ ﷺ ، وهو ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: رأى النبيّ ﷺ لَمّا دخل على أمه، وهو صغير، وقال ابن حبّان في "الصحابة": أتاهم النبيّ ﷺ في بيتهم، وهو غلام، وروايته عن الصحابة، وأخرجه ابن سعد بسند حسن.
رَوَى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٧٠١) و (٢٢١٩) و (٢٤١٠) وأعاده بعده.
٣ - (أَبُوهُ) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن رَبيعة بن عامر بن مالك، أبو عبد اللَّه الْعَنَزي العَدَويّ، حَلِيف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا، والمشاهد كلها، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وكان صاحب لواء عمر بن الخطاب لَمّا قَدِمَ الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ، وقال محمد بن إسحاق: كان أول من قَدِم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال: عامر بن الخطاب، حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب، وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَّب الناس في الطعن على عثمان، فصل في الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قُمْ فسل اللَّه أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعدُ إلا جنازةً.
стр. 8405
قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ وغيره: مات سنة (٣٢)، وذكره أبو عبيد فيمن مات سنة (٣٢) ثم في سنة (٣٧) قال: وأظنّ هذا أثبت، وحكى ابن زَبْر عن المدائنيّ أنه مات سنة ثلاث وثلاثين، ثم ذكره فيمن مات سنة (٣٦) في المحرم، قال الحافظ: كأنه تلقّاه من قول الواقديّ: كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وأرخه ابن قانع سنة (٣٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٠١)، و (٩٥٨) في القيام للجنازة.
والباقون تقدّم الكلام عنهم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، ثم مصريّ، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو أحد عشر حديثًا، راجع: "تحفة الأشراف" (٤/ ٩٠ - ٩٣)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر ابن شهاب (أَنَّ أَبَاهُ) عامر بن ربيعة الْعَنَزيّ -بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي- قال في "الفتح": ليس في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر في "الجنائز"، وآخر علّقه في "الصيام" (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي السُّبْحَةَ) أي: النافلة (بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) وفي رواية البخاريّ: "حيث توجّهت به"، قال في "الفتح": هو أعمّ من قول جابر: "في غير القبلة"،