← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

وقوله: (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وفي نسخة: "حيث توجّهت به"، والباء للتعدية، أو المصاحبة؛ أي: إلى أيّ جِهَةٍ وَجَّهته، أو توجهت معه، والعائد إلى "حيث" محذوف؛ أي: إليه، و"حيث" متعلق بـ "يُصَلِّي". وقال ابن التين ﵀: مفهومه: أنه يَجلس عليها على هيئته التي يركب عليها، ويَستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره: يصلي على راحلته التي له حيث توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله: "توجهت به" بقوله: "يصلي". ويَحْتَمِل أن يتعلق بقوله: "على راحلته"، لكن يؤيد الأول الرواية بلفظ: "وهو على الراحلة، يُسَبِّح قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توجهت" (١). قال في "الفتح": واستُدِلّ به على أن جهة الطريق تكون بدلًا عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة المسير، إلا إذا كان في غير جهة القبلة، فانحرف إليها، فإنه لا يضرّه على الصحيح. واستُنبِط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك، مع أنه أجازه لراكب السفينة. انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (٣) عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ (٤)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ) أبو موسى، لقبه زُغْبَةُ، وهو أيضًا لقب أبيه، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.

стр. 8402

٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيهٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في أول الباب الماضي، غير: ١ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. وقوله: (يُسَبِّحُ) أي: يصلي النافلة. وقوله: (قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ) -بكسر ففتح- وزان عِنَبٍ: أي: جِهَةَ، وهو منصوب على الظرفيّة، متعلق بـ "يُسَبِّح". وقوله: (تَوَجَّهَ) بتاء واحدة بصيغة الماضي، والفعل ضمير النبيّ ﷺ ، وفي رواية النسائيّ: "تتوجّه" بتاءين، والضمير على هذا للراحلة. وقوله: (ويُوتِرُ عَلَيهَا) أي: يصلّي صلاة الوتر على الراحلة.

стр. 8403

وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ) الضمير في "أنه"، و"يصلّي" للنبيّ ﷺ ، وفيه دليلٌ على أن الوتر غير واجب؛ إذ لو كان واجبًا لما جاز راكبًا، وبه قال الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وهو مرويّ عن عليّ، وابن عمر، وعطاء بن أبي ربَاح، والحسن البصريّ ﵃. وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض، كما في الفرائض، وأحاديث الباب ترد عليهم، وسيأتي تمام البحث في هذا في "باب صلاة الليل، والوتر" -إن شاء اللَّه تعالى-. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٩] (٧٠١) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (١)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنَزيّ، أبو محمد المدنيّ، حليف بني عديّ، ولد في عهد النبيّ ﷺ ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وحارثة بن النعمان، وعائشة، وجابر ﵃. وروى عنه الزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعاصم بن عبيد اللَّه، وأمية بن هند، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، وعبد اللَّه بن أبي بكر بن

стр. 8404

حَزْم، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن حفص الزهريّ، وغيرهم، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد اللَّه، استُشْهِد يوم الطائف، وأمهما أم عبد اللَّه، ليلى بنت أبي خيثمة. قال الهيثم ابن عديّ: تُوُفّي سنة بضع وثمانين، وقال غيره: سنة خمس. وقال ابن معين: لم يسمع من النبيّ ﷺ ، وقال الترمذيّ في "الصحابة": رأى النبيّ ﷺ ، وروى عنه حرفًا، وإنما روايته عن أصحاب محمد ﷺ ، قال الواقديّ: وكان عبد اللَّه ثقةً، قليل الحديث، وقال أبو زرعة: مدنيّ أدرك النبيّ ﷺ ، وهو ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: رأى النبيّ ﷺ لَمّا دخل على أمه، وهو صغير، وقال ابن حبّان في "الصحابة": أتاهم النبيّ ﷺ في بيتهم، وهو غلام، وروايته عن الصحابة، وأخرجه ابن سعد بسند حسن. رَوَى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٧٠١) و (٢٢١٩) و (٢٤١٠) وأعاده بعده. ٣ - (أَبُوهُ) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن رَبيعة بن عامر بن مالك، أبو عبد اللَّه الْعَنَزي العَدَويّ، حَلِيف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا، والمشاهد كلها، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وكان صاحب لواء عمر بن الخطاب لَمّا قَدِمَ الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ، وقال محمد بن إسحاق: كان أول من قَدِم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال: عامر بن الخطاب، حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب، وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَّب الناس في الطعن على عثمان، فصل في الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قُمْ فسل اللَّه أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعدُ إلا جنازةً.

стр. 8405

قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ وغيره: مات سنة (٣٢)، وذكره أبو عبيد فيمن مات سنة (٣٢) ثم في سنة (٣٧) قال: وأظنّ هذا أثبت، وحكى ابن زَبْر عن المدائنيّ أنه مات سنة ثلاث وثلاثين، ثم ذكره فيمن مات سنة (٣٦) في المحرم، قال الحافظ: كأنه تلقّاه من قول الواقديّ: كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وأرخه ابن قانع سنة (٣٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٠١)، و (٩٥٨) في القيام للجنازة. والباقون تقدّم الكلام عنهم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، ثم مصريّ، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو أحد عشر حديثًا، راجع: "تحفة الأشراف" (٤/ ٩٠ - ٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر ابن شهاب (أَنَّ أَبَاهُ) عامر بن ربيعة الْعَنَزيّ -بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي- قال في "الفتح": ليس في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر في "الجنائز"، وآخر علّقه في "الصيام" (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي السُّبْحَةَ) أي: النافلة (بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) وفي رواية البخاريّ: "حيث توجّهت به"، قال في "الفتح": هو أعمّ من قول جابر: "في غير القبلة"،

стр. 8406

قال ابن التين: قوله: "حيث توجّهت به" مفهومه أنه يجلس عليها على هيئته التي يركبها عليها، ويستقبل ما استقبلته الراحلة، فتقديره: يصلّي على راحلته التي له حيث توجّهت به، فعلى هذا يتعلّق قوله: "توجّهت به" بقوله: "يصلّي". ويَحْتَمل أن يتعلّق بقوله: "على راحلته"، لكن يؤيّد الأول رواية عُقيل، عن ابن شهاب، بلفظ: "وهو على الراحلة يُسبّح قِبَلَ أيِّ وجهٍ توجّهت". انتهى. قال ابن دقيق العيد ﵀: الحديث يدل على الإيماء مطلقًا في الركوع والسجود معًا، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السجود أخفض من الركوع؛ ليكون البدل على وفق الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيّد ما قاله الفقهاء ما أخرجه الترمذيّ عن جابر ﵁ قال: "بعثني النبيّ ﷺ في حاجة، فجئت، وهو يصلي على راحلته، نحو المشرق، والسجودُ أخفض من الركوع"، وهو حديث صحيح، إلا أن في سنده أبا الزير، وهو مدلّس، وقد عنعنه. لكن يشهد له ما أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (١٢/ ٢٦٩) عن ابن عمر ﵄ قال: عاد رسول اللَّه ﷺ رجلًا من أصحابه مريضًا، وأنا معه، فدخل عليه، وهو يصلي على عُود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه، فطرح العُود، وأخذ وسادةً، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعها عنك، إن استطعت أن تسجد على الأرض، وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (١).

стр. 8407

وأخرج البزّار وأبو يعلى عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: دعا رسول اللَّه ﷺ مريضًا، وأنا معه، فرآه يصلي ويسجد على وسادة، فنهاه، وقال: إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومي إيماءً، واجعل السجود أخفض من الركوع" (١)، رواه البزار، وأبو يعلى، قال الهيثميّ ﵀: ورجال البزار رجال الصحيح. انتهى. والحاصل أن هذه الأحاديث وإن كان في طرقها مقالٌ إلا أنها صحيحة بمجموعها، فتدلّ على ما تقدّم عن الفقهاء من أن الإيماء بالسجود يكون أخفض من الركوع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عامر بن ربيعة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٦١٩] (٧٠١)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٩٣ و ١٠٩٧)، وعلّقه برقم (١١٠٤)، (وأحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٤٤ و ٤٤٥ و ٤٤٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٦٥)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٣١٩)، و (أبو نعيم) في "مسنده" (٢٣٦٣ و ٢٣٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٧٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٠] (٧٠٢) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا (٢) عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ (٣)، فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ،

стр. 8408

وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ لَمْ أَفْعَلْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ) بن عبد اللَّه الصفّار الباهليّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقة [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [٣] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "المساجد" ٤٨/ ١٤٩٤. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابي الجليل ﵁، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ ممن أكرمه اللَّه تعالى بخدمة النبيّ ﷺ ، وملازمته، ونال بركة دعائه، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، ومن المعمّرين، قد جاوز عمره المائة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ﵀، أنه (قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) وفي رواية البخاريّ: "استقبلنا أنس بن مالك" (حِينَ قَدِمَ الشَّامَ) قال النوويّ ﵀: هكذا

стр. 8409

هو في جميع نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الروايات لـ "صحيح مسلم"، قال: وقيل: إنه وَهَمٌ، وصوابه: "قَدِمَ من الشام"، كما جاء في "صحيح البخاري"؛ لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قَدِم من الشام. قال النوويّ: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين قَدِمَ الشام، وإنما حَذَفَ ذِكْرَ رجوعه للعلم به. انتهى (١). قال في "الفتح": قوله: "حين قَدِمَ من الشام" كان أنسٌ ﵁ قد توجه إلى الشام يشكو من الحجاج، ووقع في رواية مسلم: "حين قَدِم الشامَ"، وغَلَّطوه؛ لأن أنس بن سيرين إنما تلقاه لَمّا رجع من الشام، فخرج ابن سيرين من البصرة ليتلقاه. ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله: "حين قَدِمَ الشام" مجرد ذكر الوقت الذي وقع له فيه ذلك، كما تقول: فعلتُ كذا لَمَّا حججتُ، قال النوويّ: رواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين قَدِمَ الشامَ. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار في هامش النسخة التي علّق عليها محمد ذهني إلى أنه يوجد في بعض نسخ "صحيح مسلم": "حين قَدِمَ من الشام" بزيادة لفظة "من"، ومما يؤكّد ذلك ما ذكره العينيّ ﵀ في "عمدته"، حيث قال: وجدت في نسخ صحيحة لمسلم: "من الشام". انتهى (٣). (فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ) هو موضع بطريق العراق، مما يلي الشام، وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر ﵁ بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووَجَدَ بها غلمانًا من العرب، كانوا رَهْنًا تحت يد كسرى، منهم جَدُّ الكلبيّ المفسر، وحُمران مولى عثمان، وسيرين مولى أنس، قاله في "الفتح" (٤). (فَرَأَيْتُهُ) أي: أنسًا ﵁ (يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الراوي عن أنس بن سيرين (عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ) فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار، ولا غير

стр. 8410

ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط (قَالَ): أنس ﵁ (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (لَمْ أَفْعَلْهُ) يعني ترك استقبال القبلة للمتنفّل على الدابة، وهل يؤخذ منه أن النبيّ ﷺ صلى على حمار؟ فيه احتمال، وقد نازع في ذلك الإسماعيليّ، فقال: خبر أنس إنما هو في صلاة النبيّ ﷺ راكبًا تطوُّعًا لغير القبلة، فإفراد الترجمة في الحمار من جهة السنة -أي: كما فعل البخاريّ في "صحيحه"، حيث قال: "باب صلاة التطوّع على الحمار"- لا وجه له عندي. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد رَوَى السرّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن أنس ﵁ أنه رأى النبيّ ﷺ يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر، وإسناده حسن. وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازنيّ، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر ﵄: "رأيت النبيّ ﷺ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر"، فهذا يرجح الاحتمال الذي أشار إليه البخاريّ ﵀ (١). [فائدة]: لم يُبَيَّن في هذه الرواية كيفية صلاة أنس ﵁، وذكره في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، قال: "رأيت أنسًا، وهو يصلي على حمار، وهو متوجه إلى غير القبلة، يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع جبهته على شيء" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٦٢٠] (٧٠٢)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١١٠٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٢٥)، و (النسائيّ) في

стр. 8411

"المساجد" (٧٤١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قيل: إن من صلى على موضع فيه نجاسة، لا يباشرها بشيء منه، أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة، ولو على منفذها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في "الفتح" هذه الفائدة، وهو مبنيّ على نجاسة البول ونحوه من جميع الحيوانات مأكول اللحم وغيره، وقد سبق تحقيق الخلاف في ذلك، وأن الراجح طهارة البول ونحوه مطلقًا، فارجع إلى ما حقّقته في "كتاب الطهارة"، وباللَّه تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه طهارة عَرَق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرّز منه متعذَّرٌ، لا سيّما إذا طال الزمان في ركوبه، واحتَمَل العرَق، قاله ابن دقيق العيد ﵀ (١). ٣ - (ومنها): أن فيه الرجوعَ إلى أفعاله ﷺ كالرجوع إلى أقواله. ٤ - (ومنها): أن فيه تلقّي المسافر حيث قُدومه من السفر. ٥ - (ومنها): أن فيه سؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله، والجواب بالدليل. ٦ - (ومنها): أن فيه التلطف في السؤال، والعمل بالإشارة؛ لقوله: "من ذا الجانب"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢١] (٧٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ

стр. 8412

نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) العدويّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵄، المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٠٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أنه أصح الأسانيد على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "عَجِلَ عليه"، هو بمعنى عَجِلَ به، في الروايات الباقية. انتهى. ومعنى "عجِلَ عليه السير"، أو "به": دعاه السير، أو السفر إلى العجلة والإسراع، ومثله "عَجِلَ به السير"، و"أعجله السير".

стр. 8413

قال في "المصباح": عَجِلَ عَجَلًا -من باب تَعِبَ- وعَجَلَة: أسرع وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، وتعجل، واستعجل في أمره كذلك، وأعجلته بالألف: حملته على أن يعجل. انتهى باختصار. واستَدَلّ به من قال: يَجْمَع من جدَّ به السير، وهو قول الليث، والمشهور عن مالك، وسيأتي الجواب عنه. (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وفي رواية سالم الآتية: "يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ"، قال الحافظ ﵀: لم يُعَيِّن غاية التأخير، وبيّنه مسلم من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع: "فأخَّر المغرب بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هوي من الليل"، وللبخاريّ في "الجهاد" من طريق أسلم مولى عمر، عن ابن عمر في هذه القصة: "حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جمعًا بينهما"، ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر في هذه القصة: "فصار حتى غاب الشفق، وتصوّبت النجوم نزل، فصلى الصلاتين جمعًا". وجاءت عن ابن عمر روايات أخرى: "أنه صلى المغرب في آخر الشفق، ثم أقام الصلاة، وقد توارى الشفقُ، فصلى العشاء"، أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن نافع، ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه كان في واقعة أخرى. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٦٢١ و ١٦٢٢ و ١٦٢٣ و ١٦٢٤] (٧٠٣)،

стр. 8414

و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٩١ و ١١٠٦ و ١١٠٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٠٧ و ١٢١٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٥٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٩٢ و ٥٩٧ و ٥٩٨ و ٥٩٩ و ٦٠٠)، و"الكبرى" (١٥٦٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦١٦)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٧٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤ و ٧ و ٥١ و ٥٤ و ٦٣ و ٧٧ و ٨٠ و ١٠٢ و ١٠٦ و ١٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٨٥ و ٢٣٨٦ و ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩ و ٢٣٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٧٧ و ١٥٧٨ و ١٥٧٩ و ١٥٨٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الشريعة سَمْحَةً سَهْلَةً، تُوسِّعُ على المكلفين في محل الحرج، فلذا شُرع الجمع في السفر ونحوه. ٢ - (ومنها): مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء، كما في هذا الحديث، وبين الظهر والعصر كما في حديث أنس ﵁ الآتي، في وقت إحداهما تأخيرًا، أو تقديمًا؛ أما تأخيرًا، فللأحاديث المذكورة في هذا الباب، وأما تقديمًا فللأدلة الأخرى، كما يأتي تحقيقه قريبًا. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من مراعاة ما يَسْهُل على الناس، فإذا كان المحلّ مناسبًا لهم تأخّر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفًا على الصحابة ﵃. فقد ورد: "أنه ﷺ كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر"، أخرجه البيهقيّ من حديث ابن عباس ﵄، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في السفر: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال: [أحدها]: أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في

стр. 8415

السفر في وقت أحدهما جمعًا حقيقيًّا تقديمًا وتأخيرًا مطلقًا؛ أي: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيرًا مُجِدًّا، أم لا. وبه قال كثير من الصحابة ﵃، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء: الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأشهب، وحكاه ابن قُدامة عن مالك أيضًا. وقال الزرقانيّ: وإليه ذهب مالك في رواية مشهورة، قال صاحب "المرعاة": وهو مختار المالكية كما في فروعهم. واختاره الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ، حيث قال في "حجة اللَّه البالغة": مِنْ رخص السفر الجمعُ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر، والظهر، والمغرب، وإنما اشتُقّ العصر من الظهر، والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة الطويلة فاصلة بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشُرع لهم جمع التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعِزم عليه، مثل ما فعل في القصر. انتهى (١). [الثاني]: أنه يَختص الجمع بمن يَجِدّ في السير؛ أي: يُسْرع، قاله الليث، وهو قول مالك في "مدونة مالك"، واستُدِلَّ لهما بما رُوي في "الصحيحين" عن ابن عمر ﵄، قال: كان النبيّ ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير، وسيأتي الجواب عنه. [والثالث]: أنه يختص بما إذا كان سائرًا، لا نازلًا، قاله ابن حبيب من المالكية، واستُدِلّ لذلك بقوله: "إذا كان على ظهر سير". وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل ﵁ بلفظ: "فأخّر الصلاة يومًا، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء". قال الشافعيّ ﵀ في "الأم": قوله: "ثم دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا.

стр. 8416

وقال ابن عبد البرّ ﵀: هذا أوضح دليل في الردّ على من قال: لا يَجمع إلا من جَدّ به السير، وهو قاطع للالتباس. وقال الباجيّ ﵀: مقتضى قوله: "ثم دخل، ثم خرج" أنه مقيم غير سائر؛ لأنه إنما يُسْتَعْمَل في الدخول في المنزل والخِبَاء، والخروج منهما، وهو غالب الاستعمال، إلا أن يريد أنه خرج من الطريق إلى الصلاة، ثم دخله للسير، وفيه بُعْدٌ، وكذا حَكَى عياض هذا التأويل عن بعضهم، ثم استبعده، ولا شك في بعده، وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا، أو نازلًا، ومن ثم قالت الشافعية: ترك الجمع أفضل. [والرابع]: أن الجمع مكروه، قال ابن العربيّ: إنها رواية المصريين عن مالك. [والخامس]: أنه مختص بمن له عذر، حُكي ذلك عن الأوزاعيّ. [والسادس]: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو اختيار ابن حزم، وسيأتي الكلام فيه. [والسابع]: أنه لا يجوز الجمع مطلقًا، إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن، والنخعيّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه. ووقع عند النوويّ أن الصاحبين خالفا شيخهما، وَرَدَّ عليه السَّرُوجيّ في "شرح الهداية"، وهو أعرف بمذهبه. وأجاب هؤلاء عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جَمْعٌ صوري، وهو أنه أخّر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها، وعجّل العشاء في أول وقتها. وتعقبه الخطابيّ ﵀ (١) بما حاصله: أن الجمع من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة.

стр. 8417

وأما أمره ﷺ للمستحاضة بالجمع الصوري، فهو وارد في شيء يندُر وجوده، على أنه ﷺ قَيَّدَ ذلك بقوله: "إن قويت" كما تقدم في محلّه، فإن قَدَرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث مرات جمعت بين الصلاتين فعلًا صورةً. ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، أخرجه مسلم، وهذا يقدح في حمله على الجمع الصوريّ؛ لأن النزول للصلاتين، والخروج إليهما مرة واحدة -وإن كان أسهل من النزول مرتين- لكن لا يخلو ذلك عن حرج ومشقة بسبب عدم معرفة أكثر الناس أوائل أوقات الصلاة وأواخرها، بخلاف الجمع الوقتيّ فهو أيسر وأخفّ من الجمع الفعليّ، وهذا ظاهر. وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهي نصوص صريحة، لا تحتمل تأويلًا. قال الشيخ عبد الحيّ اللكنويّ ﵀ (١): حَمَل أصحابنا -يعني الحنفية- الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوريّ، وقد بسط الطحاويّ الكلام فيه في "شرح معاني الآثار"، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحًا بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في "الصحيحين"، و"سنن أبي داود"، وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر فيها؟، فإن حُمل على أن الرواة لم يحصل لهم التمييز، فظنوا قرب خروج الوقت خروج الوقت، فهذا بعيد عن الصحابة الناصِّين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد، وأبعد، مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن، بل هو الظاهر. وبالجملة فالأمر مشكل، فتأمل لعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمرًا. انتهى كلام اللكنويّ.

стр. 8418

قال الجامع عفا اللَّه عنه: أقول إنه لا إشكال -بحمد اللَّه تعالى- إلا على من يتعصب لبعض الآراء، فإن الأمر سهل لمن يتبع الدليل؛ فأدلة الجمع الحقيقي واضحة صريحة؛ كما اعترف بها اللكنوي نفسه سابقًا، فلا يسع إلا القول بها، وترك التعصب للمذهب؛ كما فعل الطحاويّ والعينىّ، وأمثالهما واللَّه المستعان على دفع ما خالف ظواهر النصوص بالتأويل الْمُهَان. وأيضًا المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتيّ، لا الفعلي. قال الخطابي في "معالم السنن": ظاهر اسم الجمع عرفًا لا يقع على من أخَّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجّل العصر، فصلّاها في أول وقتها؛ لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معًا في وقت أحدهما، ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك؟!. انتهى. ولو سلم أن لفظ الجمع عامّ يشمل الوقتيّ والفعليّ كليهما، فالروايات الصريحة في جمع التقديم والتأخير معيِّنة للمراد من لفظ الجمع في الروايات المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتىّ؛ أي: الحقيقيّ، لا الصوريّ؛ أي: الفعليّ، قاله في "المرعاة" (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: وبالجملة فأدلة الجمع الحقيقيّ أوضح، وأقوى، فوجب القول بجواز جمع التقديم والتأخير جمعًا حقيقيًّا في وقت الأولى أو الثانية". وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في "شرح النسائيّ" (٢)، فراجعه تستفد، واللَّه -تعالى- أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآبُ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8419

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام الجرح والتعديل، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدّ، قاله صاحب "المحكم"، وقال عياض: جدّ به السير: أسرع، كذا قال، وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعًا (٢). وقوله: (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) قال النوويّ ﵀: هذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول وقتها. ومثله في حديث أنس ﵁: "إذا ارتحل قبل أن تَزِيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما"، وهو صريح في الجمع في وقت

стр. 8420

الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالةً، وهي قوله: "إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر، أَخَّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما"، وفي الرواية الأخرى: "ويؤخِّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق". وإنما اقتصر ابن عمر على ذكر الجمع بين المغرب والعشاء؛ لأنه ذَكَره جوابًا لقضيّة جَرَت له، فإنه استُصْرِخ على زوجته، فذَهَب مسرعًا، وجَمَع بين المغرب والعشاء، فذَكَر ذلك بيانًا لأنه فعله على وفق السنة، فلا دلالة فيه لعدم الجمع بين الظهر والعصر، فقد رواه أنس، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة ﵃. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ، إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.

стр. 8421

٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (سَالِمُ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَاهُ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وسالِمٌ، وأبوه ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (فِي السَّفَرِ) متعلق بالفعل قبله، وأخرج به ما إذا أعجله السير في الحضر، كأن يكون خارج البلد في بستان مثلًا، قاله في "الفتح" (١). والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٥] (٧٠٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 8422

إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْمُفَضَّلُ بْنَ فَضَالَةَ) بن عُبيد بن ثُمامة بن مَزْيَد بن نَوْف الرُّعَينيّ (١)، ثم الْقِتْبانيّ (٢)، أبو معاوية المصريّ، قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٨]. رَوَى عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عجلان، وعبد اللَّه بن عياش القِتْبانيّ، وعياش القتبانيّ، وعُقيل بن خالد الأيليّ، وربيعة بن سيف، وهشام بن سعد، وابن جريج، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وروى عنه ابنه فَضالة، والوليد بن مسلم، وحسان بن عبد اللَّه الواسطيّ، ويزيد بن خالد بن مَوْهَب الرمليّ، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: رجل صدوق، وكان إذا جاء رجل قد انكسرت يده أو رجله جبرها، وكان يصنع الأَرْحِية، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم، وابن خِرَاش: صدوق في الحديث، وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر مرتين، وكان من أهل الفضل والدين، ثقةً في الحديث، من أهل الورع، ذكره أحمد بن شعيب يومًا وأنا حاضرٌ، فأحسن الثناء عليه، ووَثَّقه، وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يَذْكُر عنه فضلًا، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان مجاب الدعوة، ولم يُحَدِّث عنه ابن وهب، وذلك أنه قضى عليه بقضية، وقال عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشايخنا أن رجلًا لقي المفضَّل بن فَضَالة بعد أن عُزِل عن القضاء، فقال له: حَسِيبك اللَّه، قضيت عليّ بالباطل، فقال له المفضَّل: لكن الذي قضينا له يُطِيب الثناء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عيسى بن حماد، زُغْبة: كان مجاب الدعوة طويل القيام، مع ضعف بدنه.

стр. 8423

وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، وقال: كان منكر الحديث. قال الحافظ في "التقريب": أخطأ ابن سعد في هذا؛ أي: لأنه متّفقٌ على توثيقه، فتنبّه. قال يحيى بن أبي بكير: وُلد سنة سبع ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة، وكذا قال ابن يونس، لكن لم يقل: أو اثنتين، وقال البخاريّ: مات في شوال سنة إحدى وثمانين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٧٠٤) و (١٦٤٤) و (١٨٨٦). ٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقة ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. ٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عُقيل (١)، والباقيان مدنيّان. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ) أي: ذهب (قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) بزاي، ومعجمة: أي: تميل عن كَبِد السماء، وزاغت: مالت، وذلك إذا قام الفيء (أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: في وقت العصر، وفي رواية جابر بن إسماعيل، عن عُقَيل الآتية: "يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى

стр. 8424

يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق"، وفي رواية شَبَابَةَ عن عُقَيل التالية: "حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما". (فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) قال في "الفتح": كذا فيه -أي: في حديث أنس- "الظهر" فقط، وهو المحفوظ عن عُقَيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه لا يَجْمَع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتجّ من أَبَى جمع التقديم، ولكن رَوَى إسحاق ابن راهويه هذا الحديث عن شَبَابة، فقال: "كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل"، أخرجه الإسماعيليّ. وَأعِلَّ بتفرُّد إسحاق بذلك عن شَبَابة، ثم تفرُّد جعفر الفِرْيابيّ به عن إسحاق. قال الحافظ: وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان. وقد وقع نظيره في "الأربعين"، للحاكم، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، هو الأصم، حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، هو أحد شيوخ مسلم، قال: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الواسطيّ، فذكر الحديث، وفيه: "فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر، ثم ركب". قال الحافظ صلاح الدين العلائيّ: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من "الأربعين" للحاكم بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيِّدٌ. انتهى. قال الحافظ: وهي متابعة قويّة لرواية إسحاق ابن راهويه، إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر؛ لأن البيهقيّ أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود، عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا أن في رواية قتيبة: "كان رسول اللَّه ﷺ " وفي رواية حسان: "أن رسول اللَّه ﷺ ". والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، وابن حبّان، من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ بن جبل ﵁. وقد أعلّه جماعة من أئمة الحديث بتفرّد قتيبة، عن الليث، وأشار البخاريّ إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في "علوم الحديث"، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل ﵁، أخرجها أبو داود من

стр. 8425

رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشامٌ مختلَف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوريّ، وقُرّة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم. وقد وَرَد في جمع التقديم حديث آخر، عن ابن عباس ﵄، أخرجه أحمد، وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذيّ في بعض الروايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد اللَّه الهاشميّ، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس ﵄، لا أعلمه إلا مرفوعًا: "أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر"، أخرجه البيهقيّ، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس ﵄، ولفظه: "إذا كنتم سائرين. . . " فذكر نحوه. وفي حديث أنس ﵁ هذا استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا، أو نازلًا. وقد استُدِلّ به على اختصاص الجمع بمن جَدَّ به السير، لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في "الموطأ"، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ أخَّر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا". قال الشافعيّ ﵀ في "الأم": قوله: "دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا، ومسافرًا. وقال ابن عبد البرّ ﵀: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس. وحَكَى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله: "ثم دخل" أي: في الطريق مسافرًا، "ثم خرج" أي: عن الطريق للصلاة، ثم استبعده، ولا شك في بُعده. وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلّ عليه حديث أنس، واللَّه أعلم.

стр. 8426

ومن ثم قال الشافعية: ترك الجمع أفضل، وعن مالك أنه مكروه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: في كون ترك الجمع أفضل نظرٌ، وليس في حديث أنس ما يدلّ عليه، وأما القول بالكراهة فلا وجه له أصلًا، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. وفي هذا الحديث ونحوه من أحاديث الجمع تخصيصٌ لحديث الأوقات التي بَيَّنَهَا جبريل ﵇ للنبيّ ﷺ ، وبيّنها النبيّ ﷺ للأعرابي، حيث قال في آخرها: "الوقت ما بين هذين"، قاله في "الفتح" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٦٢٥ و ١٦٢٦ و ١٦٢٧] (٧٠٤)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١١١١ و ١١١٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢١٨ و ١٣١٩)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٨٦ و ٥٩٤)، و"الكبرى" (١٥٦٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٥٦ و ٤٥٧)، و (البزّار) في "مسنده" (٦٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٤٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٥٦ و ١٥٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٩١ و ٢٣٩٢ و ٢٣٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٨١ و ١٥٨٢ و ١٥٨٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٦٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٦١ و ١٦٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٤٠)، واللَّه تعالى أعلم. وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عمر ﵄ أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8427

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَايِنِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ في السَّفَرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَايِنِيُّ) خراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه مروان الفَزَاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ المشهور، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ) فيه بيان صريح في كون الجمع حقيقيًّا في وقت الصلاة الثانية، وبهذا يظهر بطلان من أوّل أحاديث الجمع على الجمع الصوريّ، فتبصّر. والحديث قد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ (٢)، يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ (٣)، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ).

стр. 8428

رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، سوى: ١ - (جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَضْرميّ، أبي عبّاد المصريّ، مقبول [٨]. رَوَى عن عُقَيل بن خالد، وحُيَيّ بن عبد اللَّه الْمَعَافريّ، ورَوى عنه ابن وهب. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه" مقرونًا بابن لهَيِعة، وقال: ابن لَهيعة لا أحتجُّ به وإنما أخرجت هذا الحديث؛ لأن فيه جابر بن إسماعيل. رَوَى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، ووقع في رواياتنا، وروايات أهل بلادنا: "جابر بن إسماعيل" بالجيم والباء الموحدة، ووقع في بعض نسخ بلادنا: "حاتم بن إسماعيل"، وكذا وقع لبعض رواة المغاربة، وهو غلظ، والصواب باتفاقهم "جابر" بالجيم، وهو جابر بن إسماعيل الحضرميّ المصريّ. انتهى (١). وعبارة الحافظ الجيّانيّ ﵀ في "التقييد" بعد أن ساقه بلفظ: "حدّثني جابر بن إسماعيل، عن عُقيل": هكذا روي هذا الإسناد مُجوّدًا، وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: "أخبرنا ابن وهب، حدّثني إسماعيل، عن عُقيل"، وهذا وهمٌ، إنما هو جابر بن إسماعيل، شيخٌ لابن وهب مصريّ، ووقع في بعض النسخ أيضًا: "ابن وهب، عن حاتم بن إسماعيل"، وليس بشيء. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ (٢). وقال القاضي عياض ﵀ في "الإكمال": وروايتنا من طريق الجلوديّ: حاتم بن إسماعيل، ومن طريق ابن ماهان: إسماعيل، كذا عند جميع شيوخنا عن العذريّ، والسمرقنديّ، وابن الحذّاء، وسائر رواة الجلوديّ، وابن ماهان، إلا أنه كان في كتاب شيخنا القاضي التميميّ رواية ابن الحذّاء بخطّ ابن

стр. 8429

العسال: عن جابر بن إسماعيل بغير خلاف على الصواب، وفي كتاب شيخنا أبي محمد الخشنيّ: حدّثنا ابن إسماعيل، دون اسم، فطرح الاسم لأجل الوهم، وأبقى النسب الصحيح؛ ليَسْلَم من الوهم في اسم ابن إسماعيل، والصواب جابر، كما حكى الشيخ، وكذا صوّبه الجيّانيّ، وأبو عليّ الحافظ، وكذا ذكره الدمشقيّ، وأبو داود، والنسائيّ في حديث ابن شهاب، وقال البخاريّ: جابر بن إسماعيل يُعدّ في المصريين عن عُقيل، رَوَى عنه ابن وهب. انتهى (١). وقوله: (إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ) هكذا هو الأصول: "عَجِلَ عليه"، وهو بمعنى عَجِل به في الروايات الباقية (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٨] (٧٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل باب.

стр. 8430

٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزبير، عن سعيد. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ البحر الحبر، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) أي: صلاتهما (جَمِيعًا) أي: حال كونهما مجموعتين (وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: صلاتهما (جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ) أي: من غير أن يخاف عدوًّا (وَلَا سَفَرٍ) أي: من غير أن يكون مسافرًا، وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄ الآتية: "جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٦٢٨ و ١٦٢٩ و ١٦٣٠ و ١٦٣٣ و ١٦٣٤ و ١٦٣٥ و ١٦٣٦ و ١٦٣٧] (٧٠٥)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٤٣ و ٥٦٢) و"التهجّد" (١١٧٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢١١)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٨٧)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٨٩ و ٥٩٠ و ٦٠١ و ٦٠٢ و ٦٠٣) و"الكبرى" (١٥٦٥ و ١٥٧٣ و ١٥٧٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/

стр. 8431

١٤٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١١٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٤٣٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٣٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٧١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٣ و ٣٤٦ و ٣٥١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٦٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٩٧ و ٢٣٩٨ و ٢٣٩٩ و ٢٤٠٠ و ٢٤٠١ و ٢٤٠٢ و ٢٤٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٨٤ و ١٥٨٥ و ١٥٨٦ و ١٥٨٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٦٦ و ١٦٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٤٣ و ١٠٤٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في الحضر: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اخْتَلَفوا في الجمع بين الصلاتين في الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما: فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع بينهما وإن لم يكن مطر، إذا كان طينًا وظلمة. وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه يريان الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في حال المطر عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما، ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلّون المغرب، ويصلّون العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعِيبُ ذلك. وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز. وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في حال المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا في حال المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور.

стр. 8432

وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين: المغربِ والعشاءِ في الليلة المطيرة؟ فقال: أهل المدينة يَجْمَعُون بينهما، ولم يزل مَنْ قَبْلَنَا يصلّون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن يجمع بينهما في حال الطين والظلمة. وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن عِلّة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول اللَّه ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبيّ ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك، كما أُدّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس ﵄ الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا سئل لِمَ فَعَلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أحدًا من أمته. ثم قد رَوَينا مع ذلك عن ابن عباس ﵄ في العلة التي توهمها بعض الناس، ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته". وأخرج بسنده أيضًا عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: "جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته". قال أبو بكر: فإن تَكَلَّم متكلِّم في حديث حبيب، وقال: لا يصح، يعني المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قولُهُ لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول اللَّه ﷺ لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته،

стр. 8433

دلّ على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس -مع حضوره- بشكّ مالك. فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر، قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما للمطر، والريح، والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل، وأحقّ الناس بأن يَقْبَلَ ما قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن عباس لَمَّا ذَكَرَ "أن النبيّ ﷺ نَهَى عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ"، فقال ابن عباس: وأحْسِبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةً بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل شكّ ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن النبيّ ﷺ أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف. انتهى كلام ابن المنذر بتغيير يسير (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا لمن أنصف واعتدل، واستعمل الأدلة على وجهها، ولم يتجمّد على التقليد المحض، فإن الأحاديث المذكورة في الباب واضحة في ذلك، وتأويلها بما يُخرجها عن ظواهرها إجحاف بها، وتعسّف، فتبصّر. وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها، وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذيّ في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وهذا الذي قاله الترمذيّ في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخٌ، دلَّ الإجماع على نسخه. وأما حديث ابن عباس فلم يُجمِعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال: منهم من تأوّله على أنه جَمَع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى: "من غير خوف ولا مطر". ومنهم من تأوّله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم، وبان أن وقت العصر دخل فصلّاها، وهذا أيضًا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى

стр. 8434

احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضًا ضعيف أو باطل؛ لأنه مخالف للظاهر مخالفةً لا تُحْتَمَلُ، وفِعْلُ ابن عباس الذي ذكرناه حين خَطَب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له، وعدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض، أو نحوه، مما هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابيّ، والمتوليّ، والرويانيّ من أصحابنا، وهو المختار في تأويله؛ لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس، وموافقة أبي هريرة ﵃، ولأن المشقة فيه أشدّ من المطر. وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابيّ عن القفال، والشاشيّ الكبير من أصحاب الشافعيّ عن أبي إسحاق المروزيّ، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس ﵄: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعللَّه بمرض ولا غيره. انتهى كلام النووى ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أنصف النوويّ ﵀ وأجاد في هذا التحقيق، مع مخالفته لمذهبه، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يحرص على العمل بما اقتضاه الدليل، وإن خالف مذهبه، أو خالفه جلّ الناس؛ لأن الأدلة هي المرجع والمفزع عند الاختلاف، قال اللَّه : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، ولأن اللَّه تعالى قد ضمن الهداية والفلاح في اتّباع النصوص، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 8435

والحاصل أن الأرجح هو القول بجواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، كما هو حال النبيّ ﷺ ، فإنه لم يتخذ ذلك عادةً؛ لوضوح حجتّه، وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في "شرح النسائيّ" (١)، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ قد حقّق هذا الموضوع تحقيقًا حسنًا جدًّا، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلا أن فوائده نافعةٌ جدًّا، وهذا الشرح ما وُضع إلا لاستيفاء المسائل المهمّة، ولو كان فيها طولٌ، قال ﵀: وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره، فقد رَوَى مسلم وغيره من حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف ولا سفر. وممن رواه عن أبي الزبير مالك في "موطئِه"، وقال: أظنّ ذلك كان في مطر. قال البيهقيّ: وكذلك رواه زهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، عن أبي الزبير: "في غير خوف، ولا سفر"، إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء، وقالا: "بالمدينة". ورواه أيضًا ابن عيينة، وهشام بن سعد، عن أبي الزبير، بمعنى رواية مالك، وساق البيهقيّ طرقها. وحديث زهير رواه مسلم في "صحيحه": ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر"، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لِمَ فَعَل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يُحرِج أحدًا من أمته، قال: وقد خالفهم قُرّة في الحديث، فقال: "في سفرة سافرها إلى تبوك"، وقد رواه مسلم من حديث قُرّة، عن أبي الزبير، عن

стр. 8436

سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قال البيهقيّ: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، فهذا لفظ حديثه، ورَوَى سعيد بن جبير الحديثين جميعًا، فسمع قرة أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخرَ، قال: وهذا أشبه، فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضًا. قلت: وكذا رواه مسلم، فروى هذا المتن من حديث معاذ، ومن حديث ابن عباس، فإن قرة ثقة حافظ، وقد رَوَى الطحاويّ حديث قرة، عن أبي الزبير، فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل، وحديثه هذا عن سعيد، فدلَّ ذلك على أن أبا الزبير حدّث بهذا وبهذا. قال البيهقيّ: ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، فخالف أبا الزبير في متنه، وذكره من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمته، وفى رواية وكيع: قال سعيد: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: كيلا يحرج أمته، ورواه مسلم في "صحيحه". قال البيهقيّ: ولم يخرجه البخاريّ، مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه -واللَّه أعلم- لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير، قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظةً، فقد رواه عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك، عن أبي الزبير. قلت (١): تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال "الصحيحين"، فهو أحقّ بالتقديم من أبي

стр. 8437

الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضًا فأبو الزبير اختُلِف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارةً يَجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة موافقةً لحديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثرون عنه، عن سعيد. فهذا أبو الزبير قد رُوي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل، عن معاذ في جمع السفر، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا كله صحيحًا؛ لأن أبا الزبير حافظ، فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضًا ثابتًا عن سعيد بن جبير؟ وحبيبٌ أوثق من أبي الزبير، وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة تدلُّ على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر، وأيضًا فقوله: "بالمدينة" يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله: "جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر"، أولى بأن يقال: "من غير خوف ولا سفر"، ومن قال: أظنه في المطر، فظَنٌّ ظَنَّهُ، ليس هو في الحديث، بل مع حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال: "من غير خوف ولا مطر"، وقال: "ولا سفر"، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا. وبهذا استَدَلَّ أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع لِيَرْفَع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يُرْفَعَ، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها. ومما يبيّن أن ابن عباس لم يُرِد الجمع للمطر، وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز، بما (١) رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، عن الزُّبير بن الْخِرِّيت، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر، حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تيم، لا يفتُر: الصلاة الصلاة، فقال: أتعلّمني بالسنة؟ لا أُمّ لك، ثم قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب

стр. 8438

والعشاء، قال عبد اللَّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدَّق مقالته. ورواه مسلم أيضًا من حديث عمران بن حُدَير، عن ابن شقيق، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فهذا ابن عباس لم يكن في سفر، ولا في مطر، وقد استَدَلّ بما رواه على ما فعله، فعُلِم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مُهِمّ من أمور المسلمين، يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه ونزل، فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبيّ ﷺ كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تَعْرِض له، كما قال: أراد أن لا يحرج أمته. ومعلوم أن جمع النبيّ ﷺ بعرفة ومزدلفة، لم يكن لخوف، ولا مطر، ولا لسفر أيضًا، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع لَمّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل صلى كل صلاة ركعتين، غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم، فإنه من حينئذ صار محرمًا، فعُلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة، لم يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس ﵄، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا. قال البيهقيّ: ليس في رواية ابن شقيق، عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما، أو على ما أوّله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل. فيقال: يا سبحان اللَّه، ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن مسافرًا، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعًا يَحتَجّ به على مثل ما فعله، فلو

стр. 8439

كان ذلك لسفر أو مطر، كان ابن عباس أجلّ قدرًا من أن يَحتَجّ على جمعه بجمع المطر أو السفر. وأيضًا فقد ثبت في "الصحيحين" عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال: لم ينف السفر، وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس، وقد روى عن سعيد، أنه قال: من غير خوف ولا مطر. وأما قوله: إن البخاريّ لم يخرجه، فيقال: هذا من أضعف الحجج، فهو لم يخرج أحاديث أبي الزبير، وليس كل من كان من شرطه يخرجه. وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في "الصحيحين"، من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية البخاريّ، عن حماد بن زيد، فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة، فقال: عسى. فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظنّ ليس من مالك، وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوّزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت، لم يظنوا هذا الظن. ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلّك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال: إنما أراد جمع المطر وحده، فقد غَلِطَ عليه. ثم عمرو بن دينار تارةً يُجَوِّز أن يكون للمطر موافقةً لأيوب، وتارةً يقول هو وأبو الشعثاء: إنه كان جمعًا في الوقتين، كما في "الصحيحين" عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: صليت مع رسول اللَّه ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قال: قلت: يا أبا الشعثاء أُراه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. فيقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم، من أن يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة

стр. 8440

جوازه، أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلًا على ذلك، وأن يقول: أراد بذلك أن لا يحرج أمته، وقد عُلم أن الصلاة في الوقتين، قد شرعت بأحاديث المواقيت، وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت، وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، فإن كان النبيّ ﷺ إنما جمع على هذا الوجه، فأيّ غرابة في هذا المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت، وقال: "الوقت ما بين هذين"، فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز. وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فَعَل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت المشهور هو أوسع، وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يَحتجّ على من أنكر عليه التأخير، لو كان النبيّ ﷺ إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يُغنيه عن هذا. وإنما قصد ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء؛ ليبيّن أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة. ثم ابن عباس قد ثبت عنه في "الصحيح" أنه ذكر الجمع في السفر، وأن النبيّ ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر، إذا كان على ظهر سيره، وقد تقدم ذلك مفصلًا، فعُلِم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما، وأما الجمع في الوقتين، فلم يُعْرَف أنه تكلم به، فكيف يَعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟. وأيضًا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته، أَتُراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علمًا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره، حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين، وعَلِموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصّةً، وهؤلاء يجوّزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان،
следующие страницы →