سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
قال البيهقيّ: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، فهذا لفظ حديثه، ورَوَى سعيد بن جبير الحديثين جميعًا، فسمع قرة أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخرَ، قال: وهذا أشبه، فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضًا.
قلت: وكذا رواه مسلم، فروى هذا المتن من حديث معاذ، ومن حديث ابن عباس، فإن قرة ثقة حافظ، وقد رَوَى الطحاويّ حديث قرة، عن أبي الزبير، فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل، وحديثه هذا عن سعيد، فدلَّ ذلك على أن أبا الزبير حدّث بهذا وبهذا.
قال البيهقيّ: ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، فخالف أبا الزبير في متنه، وذكره من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمته، وفى رواية وكيع: قال سعيد: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: كيلا يحرج أمته، ورواه مسلم في "صحيحه".
قال البيهقيّ: ولم يخرجه البخاريّ، مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه -واللَّه أعلم- لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير، قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظةً، فقد رواه عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك، عن أبي الزبير.
قلت (١): تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال "الصحيحين"، فهو أحقّ بالتقديم من أبي
стр. 8437
الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضًا فأبو الزبير اختُلِف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارةً يَجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة موافقةً لحديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثرون عنه، عن سعيد.
فهذا أبو الزبير قد رُوي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل، عن معاذ في جمع السفر، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا كله صحيحًا؛ لأن أبا الزبير حافظ، فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضًا ثابتًا عن سعيد بن جبير؟ وحبيبٌ أوثق من أبي الزبير، وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة تدلُّ على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر، وأيضًا فقوله: "بالمدينة" يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله: "جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر"، أولى بأن يقال: "من غير خوف ولا سفر"، ومن قال: أظنه في المطر، فظَنٌّ ظَنَّهُ، ليس هو في الحديث، بل مع حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال: "من غير خوف ولا مطر"، وقال: "ولا سفر"، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا.
وبهذا استَدَلَّ أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع لِيَرْفَع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يُرْفَعَ، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها.
ومما يبيّن أن ابن عباس لم يُرِد الجمع للمطر، وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز، بما (١) رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، عن الزُّبير بن الْخِرِّيت، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر، حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تيم، لا يفتُر: الصلاة الصلاة، فقال: أتعلّمني بالسنة؟ لا أُمّ لك، ثم قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب
стр. 8438
والعشاء، قال عبد اللَّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدَّق مقالته.
ورواه مسلم أيضًا من حديث عمران بن حُدَير، عن ابن شقيق، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فهذا ابن عباس لم يكن في سفر، ولا في مطر، وقد استَدَلّ بما رواه على ما فعله، فعُلِم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مُهِمّ من أمور المسلمين، يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه ونزل، فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبيّ ﷺ كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تَعْرِض له، كما قال: أراد أن لا يحرج أمته.
ومعلوم أن جمع النبيّ ﷺ بعرفة ومزدلفة، لم يكن لخوف، ولا مطر، ولا لسفر أيضًا، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع لَمّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل صلى كل صلاة ركعتين، غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم، فإنه من حينئذ صار محرمًا، فعُلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة، لم يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس ﵄، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا.
قال البيهقيّ: ليس في رواية ابن شقيق، عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما، أو على ما أوّله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل.
فيقال: يا سبحان اللَّه، ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن مسافرًا، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعًا يَحتَجّ به على مثل ما فعله، فلو
стр. 8439
كان ذلك لسفر أو مطر، كان ابن عباس أجلّ قدرًا من أن يَحتَجّ على جمعه بجمع المطر أو السفر.
وأيضًا فقد ثبت في "الصحيحين" عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال: لم ينف السفر، وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس، وقد روى عن سعيد، أنه قال: من غير خوف ولا مطر.
وأما قوله: إن البخاريّ لم يخرجه، فيقال: هذا من أضعف الحجج، فهو لم يخرج أحاديث أبي الزبير، وليس كل من كان من شرطه يخرجه.
وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في "الصحيحين"، من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية البخاريّ، عن حماد بن زيد، فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة، فقال: عسى.
فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظنّ ليس من مالك، وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوّزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت، لم يظنوا هذا الظن.
ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلّك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال: إنما أراد جمع المطر وحده، فقد غَلِطَ عليه.
ثم عمرو بن دينار تارةً يُجَوِّز أن يكون للمطر موافقةً لأيوب، وتارةً يقول هو وأبو الشعثاء: إنه كان جمعًا في الوقتين، كما في "الصحيحين" عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: صليت مع رسول اللَّه ﷺ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قال: قلت: يا أبا الشعثاء أُراه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك.
فيقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم، من أن يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة
стр. 8440
جوازه، أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلًا على ذلك، وأن يقول: أراد بذلك أن لا يحرج أمته، وقد عُلم أن الصلاة في الوقتين، قد شرعت بأحاديث المواقيت، وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت، وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، فإن كان النبيّ ﷺ إنما جمع على هذا الوجه، فأيّ غرابة في هذا المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت، وقال: "الوقت ما بين هذين"، فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز.
وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فَعَل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت المشهور هو أوسع، وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يَحتجّ على من أنكر عليه التأخير، لو كان النبيّ ﷺ إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يُغنيه عن هذا.
وإنما قصد ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء؛ ليبيّن أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة.
ثم ابن عباس قد ثبت عنه في "الصحيح" أنه ذكر الجمع في السفر، وأن النبيّ ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر، إذا كان على ظهر سيره، وقد تقدم ذلك مفصلًا، فعُلِم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما، وأما الجمع في الوقتين، فلم يُعْرَف أنه تكلم به، فكيف يَعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟.
وأيضًا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته، أَتُراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علمًا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره، حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين، وعَلِموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصّةً، وهؤلاء يجوّزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان،
стр. 8441
وجواز تأخيرها ليس معلقًا بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقًا إلى آخر الوقت، حين يؤخر العشاء أيضًا، وهكذا فعل النبيّ ﷺ حين بَيَّن أحاديث المواقيت، وهكذا في الحديث الصحيح: "وقتُ المغرب ما لم يغب نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل"، كما قال: "وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس"، فهذا الوقت المختص الذي بيّنه بقوله وفعله، وقال: "الوقت ما بين هذين"، ليس له اختصاص بالجمع، ولا تعلّق به.
ولو قال قائل: قوله: جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرقٌ، فلماذا يكون الإنسان من المطفِّفين، لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه، ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟.
وأيضًا فقد ثبت هذا من غير حديث ابن عباس، ورواه الطحاويّ: حدّثنا ابن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، وعمران بن موسى، قال: أنا الربيع بن يحيى الأشنانيّ، حدّثنا سفيان الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن يُنظَر حال هذا الأشنانيّ (١).
وجمعُ المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر، جمع معهم في ليلة
стр. 8442
المطر، قال البيهقيّ: ورواه العمريّ، عن نافع، فقال: قبل الشفق، وروى الشافعيّ في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد اللَّه بن حبيب، أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق، وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهانىّ بالإسناد الثابت، عن هشام بن عروة، وسعيد بن المسيّب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكر ذلك، وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة، إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومَشْيَخَة ذلك الزمان، كانوا يصلّون معهم، ولا ينكرون ذلك.
فهذه الآثار تدلّ على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة، زمنَ الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين، أنكر ذلك، فعُلِم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدلّ على أن النبيّ ﷺ لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جَمَعَ لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جَمَع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جَمع في السفر، وجمع في المدينة، كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جَمَع بها أيضًا، ولو لم يُنقَل أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدلّ ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة، من غير خوف ولا مطر.
فالأحاديث كلها تدلّ على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج، قد رفعه اللَّه عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يُحْرِج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويَجْمَع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج، كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الجمع بين الصلاتين من
стр. 8443
غير عذر من الكبائر، ورَوَى الثوريّ في "جامعه" عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن عمر، ورواه يحيى بن سعيد، عن يحيى بن صبح: حدّثني حميد بن هلال، عن أبي قتادة، يعني العدويّ، أن عمر بن الخطاب كَتَب إلى عامل له: "ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا من عذر، والفرار من الزَّحْف، والنَّهْبُ"، قال البيهقيّ: أبو قتادة أدرك عمر، فإن كان شَهِدَه كَتَب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأَوَّل صار قويًّا، وهذا اللفظ يدلّ على إباحة الجمع للعذر، ولم يَخُصّ عمر عذرًا من عذر.
قال البيهقيّ: وقد رُوي فيه حديثٌ موصولٌ عن النبيّ ﷺ ، في إسناده مَن لا يُحتجّ به، وهو من رواية سلمان التيميّ، عن حَنَش الصنعائيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد شيخ الإسلام ﵀ في هذا التحقيق، وأفاد، وحاصله ترجيح قول من قال بمشروعية الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الحضر بسبب عذر من الأعذار، مطرًا كان، أو مرضًا، أو ظلمةً، أو ريحًا شديدًا، أو غير ذلك من الأعذار يحتاج معها الإنسان إلى التيسير عليه بالجمع بين الصلاتين؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا (٢) أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ"، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ).
стр. 8444
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ) أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ) أي: لا يوقعه في حَرَج، وهو بفتحتين: الضِّيق، والإثم، يقال: حَرِجَ صدرُه، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ الرجُلُ: أَثِمَ، وصدرٌ حَرِجٌ: ضَيِّقٌ، ورجُلٌ حَرِجٌ: آثم، قاله في "المصباح" (١)، والمناسب هنا معنى الضيق.
والمعنى أنه ﷺ إنما فعل ذلك؛ لئلا يَشُقّ على أحد من أمته، ويُثقل عليه بإفراد كل صلاة في وقتها الأصليّ، فشرع لهم الجمع؛ تخفيفًا عنهم، وتيسيرًا عليهم.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ (٣) فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا، فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (٤)، قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
стр. 8445
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة، [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
والباقون ذُكروا قبله.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: (أن لا يُحرج) رُوي بضمّ الياء التحتانيّة، و"أُمته" بالنصب على أنه مفعول به، ورُوي أيضًا "تَحْرَج": بفتح التاء الفوقانيّة، و"أمتُهُ" بالرفع على الفاعليّة. انتهى بتصرّف (١).
والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣١] (٧٠٦) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَامِرٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ) بن واثلة بن عبد اللَّه بن عمرو بن جَحْش، ويقال: خميس بن جريّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، أبو الطُّفيل الليثيّ، ويقال: اسمه عمرو، والأول أصحّ، وُلد عام أُحُد.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سَرِيحة، ونافع بن عبد الحارث، وزيد بن أرقم، وغيرهم.
стр. 8446
ورَوَى عنه الزهريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعبد العزيز بن رُفيع، وسعيد بن إياس الْجُريريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وعكرمة بن خالد المخزوميّ، وعُمارة بن ثوبان، وعمرو بن دينار، وفرات القزّاز، وغيرهم.
قال مسلم: مات أبو الطُّفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وقال خليفة: مات بعد سنة مائة، ويقال: مات سنة سبع، وقال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطُّفيل، وقال ابن الْبَرْقيّ: مات سنة (١٠٢)، وقال موسى بن إسماعيل: ثنا مبارك بن فَضَالة، ثنا كثير بن أعين، سمعت أبا الطفيل بمكة سنة سبع ومائة يقول: ضحك رسول اللَّه ﷺ ، فذكر قصةً.
وقال ابن السكن: رُوي عنه رؤيته لرسول اللَّه ﷺ من وجوه ثابتة، ولم يُرْوَ عنه من وجه ثابت سماعه من رسول اللَّه ﷺ .
وقال ابن سعد: حدّثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الطفيل قال: كنت أطلب النبيّ ﷺ فيمن يطلبه ليلة الغار، قال: فقمت على باب الغار، ولا أرى فيه أحدًا، ثم قال ابن سعد: وهذا الحديث غلط، أبو الطفيل لم يولد تلك الليلة، وينبغي أن يكون حَدَّث بهذا الحديث عن غيره، فأوهم الذي حَمَل عنه.
وكان أبو الطفيل ثقةً في الحديث، وكان متشيِّعًا، وذكر البخاري في "التاريخ الصغير" هذا الحديث عن عمرو بن عاصم، وقال: الأول أصحّ، يعني قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبيّ ﷺ .
وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا عقبة بن مُكْرَم، ثنا يعقوب بن إسحاق، ثنا مهديّ بن عمران الحنفيّ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: كنت يوم بدر غلامًا قد شددت علي الإزار، وأنقل اللحم من السهل إلى الجبل.
قال الحافظ ﵀: لي فيه وَهَمٌ (١) في لفظة واحدة، وهي قوله: "يوم
стр. 8447
بدر"، والصواب يوم حنين -واللَّه أعلم- فقد رويناه هكذا من طريق أخرى، عن أبي الطفيل.
وقال ابن عديّ: له صحبة، قد رَوَى عن النبيّ ﷺ قريبًا من عشرين حديئًا، وكانت الخوارج يذُمّونه باتصاله بعليّ ﵁، وقولِهِ بفضله، وفضل أهل بيته، وليس في رواياته بأسٌ.
وقال ابن المدينيّ: قلت لجرير: أكان مغيرة يَكْرَه الرواية عن أبي الطفيل؟ قال: نعم.
وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: أبو الطفيل مكيّ ثقةٌ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن أبا الطّفيل ﵁ صحابيّ، فقد صحّح البخاريّ قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبيّ ﷺ ، فهذا صحابيّ بلا شكّ، فقول من قال: إنه ثقة محمول على أنه لم يثبت عنده كونه صحابيًّا؛ لأن هذه العبارة لا تُطلق على صحابيّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) بالمكرّرات.
٢ - (مُعَاذُ) بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرحمن، مات بالشام سنة (١٨) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ ﵄.
٤ - (ومنها): أن أبا الطُّفيل ﵁ آخر من مات من الصحابة ﵃ على الإطلاق، مات سنة (١١٠) من الهجرة على الصحيح.
٥ - (ومنها): أن معاذًا ﵁ من أعيان الصحابة ﵃، شَهِدَ بدرًا، وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَامِرِ) بن واثلة ﵁ (عَنْ مُعَاذِ) بن جبل ﵁ أنه (قَالَ:
стр. 8448
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) أي: سنة تسع من الهجرة في رجب، وهي آخر غزوة غزاها النبيّ ﷺ بنفسه، وتسمى غزوة العُسْرَة، وتبوك بوزن رَسُول بلد بالشام، قريب من مَدْيَن، بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلةً، وهي غير منصرفة للعلمية والتأنيث، أو وزن الفعل، صَالَحَ النبيّ ﷺ أهلها على الجزية من غير قتال (١).
(فَكَانَ) ﷺ (يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا) أي: جمع تأخير بأن يؤخر الظهرَ إلى وقت العصر، والمغربَ إلى وقت العشاء.
ويَحْتَمِل أن يكون جمع تقديم إن ارتحل عند الزوال بأن يصلي العصر مع الظهر في أول وقتها، وجمع تأخير إن ارتحل قبل الزوال، وكذا يقال في المغرب والعشاء.
ويدل على هذا حديث معاذ ﵁ الذي رواه أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وصححه ابن حبان، وابن القيّم، ولفظه: أن النبيّ ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء، فصلّاها مع المغرب".
زاد في رواية قرّة بن خالد الآتية: "قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يُحرِج أمته".
ولفظ أبي داود، والنسائيّ: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبرهم، أنهم خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فكان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا.
قال في "المنهل": مقتضاه أنه ﷺ كان غير سائر؛ لأن الغالب استعمال الدخول إلى الخباء، أو المنزل، وكذا الخروج حال الإقامة، فمعنى قوله:
стр. 8449
"فكان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" أنه يجمع بينهما سائرًا، ومعنى قوله: "فأخر الصلاة يومًا" إلخ: أنه جمع بينهما يومًا في حالة النزول، يدل على هذا لفظ: "ثم دخل، ثم خرج"، قال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل على ردّ قول من قال: لا يجمع إلا من جَدَّ به السير. انتهى (١).
وقد استَدَلَّ بهذا الحديث من قال بجواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء مطلقًا، في عرفة، والمزدلفة وغيرهما، جَدَّ به السير، أو لا، وهو رأي الجمهور، وهو الحقّ، كما تقدم تحقيقه قريبًا.
[تنبيه]: أخرج المصنّف ﵀ هذا الحديث في "الفضائل" مطوّلًا، وفيه قصّة، ولفظه:
(٧٠٦) - حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، حدّثنا أبو عليّ الحنفيّ، حدّثنا مالك، وهو ابن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره، أن معاذ بن جبل أخبره، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخّر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء اللَّه عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي"، فجئناها، وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشِّرَاك تَبِضّ بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول اللَّه ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئًا؟ "، قالا: نعم، فسبّهما النبيّ ﷺ ، وقال لهما ما شاء اللَّه أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، قال: وغسل رسول اللَّه ﷺ فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء مُنْهَمِر، أو قال: غزير، شكَّ أبو عليّ أيهما قال، حتى استقى الناس، ثم قال: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مُلِئ جِنَانًا"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
стр. 8450
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٦٣١ و ١٦٣٢] (٧٠٦)، وفي "كتاب الفضائل" (٧٠٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٠٦)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٨٧)، و"الكبرى" (١٥٦٣)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٠٧٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٤٣)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١١٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٣٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٢٩ و ٢٣٣٠ و ٢٣٣ و ٢٣٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٥٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٦٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٩١ و ١٥٩٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ١٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٨٨ و ١٥٨٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٦٢)، وفي "دلائل النبوّة" (٥/ ٢٣٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٤١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث معاذ ﵁ فيه جمع التأخير، وليس فيه جمع التقديم، وقد أخرج أبو داود في "سننه"، وفيه جمع التقديم أيضًا، فقال:
(١٢٢٠) حدّثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، أن النبيّ ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب، حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عَجَّل العشاء، فصلاها مع المغرب. قال أبو داود: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده. انتهى.
وقد تكلّم العلماء في هذا الحديث، قال العلامة ابن القيّم ﵀ في "الهدي": اختُلِف في هذا الحديث، فمن مصحِّح له، ومن محسِّن، ومن قادح فيه، وجعله موضوعًا، كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمِي بعلة عجيبة.
стр. 8451
قال الحاكم: حدّثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدّثنا موسى بن هارون، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل: "أن النبيّ ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، ويصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عجّل العشاء، فصلاها مع المغرب".
قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذّ الإسناد والمتن، ثم لا نعرف علة نُعِلُّه بها، فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولًا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل، غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذّ، وقد حدّثوا عن أبي العباس الثقفيّ، قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعليّ ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عَدَّ قتيبة سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علةً، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوعٌ، وقتيبة ثقة مأمونٌ، ثم ذكر بإسناده إلى البخاريّ، قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد بن القاسم، أبي الهيثم المدائنيّ، قال البخاريّ: وكان خالد المدائنيّ يُدخِل الأحاديث على الشيوخ.
قال ابن القيّم: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلَّم، فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد اللَّه بن موهب الرمليّ، حدّثنا الْمُفَضَّل بن فَضَالة، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي
стр. 8452
الطفيل، عن معاذ، فذكره (١).
فهذا المفضَّل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلّ من المفضل، وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قتيبة صَرَّح بالسماع، فقال: حدّثنا، ولم يُعنعن، فكيف يقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله اللَّه به من الأمانة والحفظ والثقة والعدالة.
وقد رَوَى إسحاق ابن راهويه، حدّثنا شبابة، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أنس: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل" (٢).
وهذا إسناد كما ترى، وشبابة هو شبابة بن سَوّار الثقة المتَّفَق على الإحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في "صحيحه"، عن الليث بن سعد بهذا الإسناد، على شرط الشيخين، وأقل درجاته أن يكون مُقَوِّيًا لحديث معاذ، وأصله في "الصحيحين" لكن ليس فيه جمع التقديم.
ثم قال أبو داود: وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد اللَّه، عن كُريب، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ نحو حديث المفضَّل، يعني حديث معاذ في جمع التقديم، ولفظه: عن حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة النبيّ ﷺ في السفر، كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا
стр. 8453
سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهر، حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر"، قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك.
ورواه الشافعيّ من حديث ابن أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغًا، عن حسين، قال البيهقيّ: هكذا رواه الأكابر: هشام بن عروة، وغيره، عن حسين بن عبد اللَّه، ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن كريب، كلاهما عن ابن عباس، ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا مرفوعًا.
وقال إسماعيل بن إسحاق: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثني أخي عن سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن كُريب، عن ابن عباس، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا جَدَّ به السير، فراح قبل أن تزيغ الشمس، ركب فسار، ثم نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا لم يَرُح حتى تزيغ الشمس، جمع بين الظهر والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاة المغرب جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء".
قال أبو العباس ابن سُرَيج: رَوَى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، فإذا لم تزغ أخَّرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويدلّ على جمع التقديم، جمعه بعرفة بين الظهر والعصر؛ لمصلحة الوقوف؛ ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر، مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8454
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمّتَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه عامر بن واثلة، وكذا هو في بعض نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن جمهور رواة "صحيح مسلم"، ووقع لبعضهم: عمرو بن واثلة، وكذا وقع في كثير من أصول بلادنا في هذه الرواية الثانية، وأما الرواية الأولى لمسلم، عن أحمد بن عبد اللَّه، عن زهير، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر، فهو عامر باتفاق الرواة هنا، وإنما الاختلاف في الرواية الثانية، والمشهور في أبي الطفيل عامر، وقيل: عمرو، وممن حَكَى الخلاف فيه البخاريّ في "تاريخه" وغيره من الأئمة، والمعتمد المعروف عامر، واللَّه أعلم. انتهى (١).
وعبارة الجيّانيّ ﵀ في "التقييد" -بعد أن أورده بلفظ: "قال: نا عمرو بن واثلة أبو الطفيل"-: هكذا أتى في الإسناد: "أبو الطفيل عمرو بن واثلة"، والمشهور في اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو، وإنما أتى هذا من قبل الراوي عن أبي الزبير.
قال أبو عليّ: وقد حَكَى مسلم بن الحجّاج في كتاب "التمييز" من تأليفه أن معمر بن راشد أيضًا حدّث به عن الزهريّ، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة، قال مسلم: ومعلوم عند عوامّ أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو.
стр. 8455
وذكر البخاريّ هذا الذي ذكره مسلم في "التاريخ الأوسط"، وقد نبّه على هذا في "تاريخه الكبير"، فقال: أبو الطفيل اسمه عامر بن واثلة، وقال بعضهم: عمرو.
وفي إسناد آخر في حديث لأبي الطفيل في "كتاب الحجّ" (١) من طريق قتادة، عن أبي الطفيل البكريّ، وأكثر ما يأتي في نسبه "الليثيّ" من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، ومن قال: "البكريّ" نسبه إلى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وليس من بكر بن وائل. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصحيح في اسم أبي الطفيل أنه عامر، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟) يَحْتمل أن يكون فاعل "قال" ضمير أبي الزبير، كما سبق في سؤاله لسعيد بن جبير، ويَحْتَمل أن يكون لغيره، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ"، فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ (٤): قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمّتَهُ، وَفي حَدِيثِ أَبِي
стр. 8456
مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يقدّم أحاديث ابن عبّاس ﵄ الآتية على حديثي معاذ ﵁؛، لتكون أحاديثه في محلّ واحد، كما لا يخفى.
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٥ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: أبي كُريب، وأبي سعيد ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ.
стр. 8457
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، وقد سبق الكلام عن ابن عبّاس ﵄ قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ) الباء بمعنى "في" (فِي غَيْرِ خَوْفٍ) أي: من غير خوف عدوّ يهاجمهم (وَلَا مَطَرٍ) أي: ومن غير نزول مطر يؤذيهم (فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ) متعلّق بـ "قال" بعده، وفي نسخة: "وفي حديث وكيع" بالواو (قَالَ) أي: سعيد بن جبير (قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟) أي: الجمع في الحضر (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ) "كي" تعليليّة؛ أي: فعل ذلك لئلا يوقع أمته في الحرج؛ أي: المشقّة والضِّيق (وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (مَا) استفهاميّة (أَرَادَ) ﷺ (إِلَى ذَلِكَ؟) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه مائلًا إلى الجمع (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
في تعليل ابن عبّاس ﵄ هذا دليلٌ على أن هذا الجمع جمعٌ حقيقيّ، لا صُوريّ، وذلك لأنه أجاب بمثل هذا الجواب لَمّا سُئل عن سبب الجمع في السفر، وقد ثبت أن الجمع هناك حقيقيّ بالإجماع في عرفة والمزدلفة، وفي جميع الأسفار عند الجمهور، فيكون جوابه هنا مثله، كما لا يخفى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في شرح حديث ابن عبّاس ﵄ أوّل الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ (١) الْعَصْرَ،
стр. 8458
وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ) (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٣ - (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ، أبو الشَّعْثاء البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
وقوله: (ثَمَانِيًا جَمِيعًا) أي: ثماني ركعات: أربعًا للظهر، وأربعًا للعصر.
وقوله: (وَسَبْعًا جَمِيعًا) أي: سبع ركعات: ثلاثًا للمغرب، وأربعًا للعشاء.
وقوله: (قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ) القائل هو عمرو بن دينار، و"أبو الشعثاء" كنية جابر بن زيد.
وقوله: (قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ) فاعل "قال" ضمير أبي الشعثاء.
وأخرج البخاريّ من طريق حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار بعد الحديث أن أيوب قال لجابر: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.
وهذا ظنّ من أبي الشعثاء، فلا يكون حجة لمن زعم أن الجمع صوريّ، وليس حقيقيًّا؛ لأنه يُقدّم عليه جزم ابن عبّاس ﵄ لَمّا سُئل عن سبب الجمع- بقوله: "أراد أن لا يُحرج أمته"، فإنه دليل واضح على الجمع الحقيقيّ، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8459
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا، وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ الْخِرِّيتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا، بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، لَا يَفْتُرُ، وَلَا يَنْثَنِي: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟ (٢)، لَا أُمَّ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) -بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء المكسورة، بعدها مثنّاةٌ تحتانيّة ساكنة، ثمّ مثنّاةٌ فوقانيّة- البصريّ، ثقةٌ [٥].
стр. 8460
رَوَى عن نُعيم بن أبي هند، والسائب بن يزيد، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد اللَّه بن شقيق، ومحمد بن سيرين، والفرزدق، وغيرهم.
وروى عنه جرير بن حازم، وحماد بن زيد، وأخوه سعيد بن زيد، وهارون بن موسى النحويّ، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: لم يرو عنه شعبة، وتركه، وهو صالح، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، ذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان (١) فقط، هذا برقم (٧٠٥) وحديث (٧٤٩).
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٢/ ٤٥٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَبَدَتِ النُّجُومُ) أي: ظهرت.
وقوله: (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ) مفعول مطلق لفعل محذوف أي: صلّوا الصلاة، وكُرّر للتأكيد، أو هو منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا الصلاة.
وقوله: (لَا يَفْتُرُ) بضمّ التاء؛ أي: لا يهدأ، ولا يسكت، قال الفيّوميّ: فَتَرَ عن العمل فُتُورًا، من باب قعد: انكسرت حِدّته، ولانَ بعد شدّته، ومنه فَتَرَ الحرّ: إذا انكسر فَتْرةً وفُتُورًا، وطَرْفٌ فاترٌ ليس بحديد، وقوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] أي: على انقطاع بعثهم، ودُرُوس أعلام دينهم. انتهى (٢).
وقوله: (وَلَا يَنْثَنِي) أي: لا يرجع عن ترديد قوله: "الصلاةَ الصلاة"، يقال: ثنيتُ الشيءَ أثنيه، من باب رَمَى: إذا عطفته، ورددته، وثنيتُهُ عن مراده:
стр. 8461
إذا صرفته عنه، قاله الفيّوميّ (١).
وقوله: (أتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟) وفي نسخة: "أتعلّمني السنّة"، وهو بتشديد اللام، من التعليم، أو بتخفيفها، من الإعلام، قال الفيّوميّ ﵀: إذا كان "عَلِمَ" بمعنى اليقين تعدَّى إلى مفعولين، وإذا كان بمعنى عَرَفَ تعدَّى إلى مفعول واحد، وقد يُضَمَّن معنى شَعَرَ، فتدخُلُ الباء، فيقال: علمته، وعَلِمتُ به، وأعلمته الخيرَ، وأعلمته به، وعلّمته الفاتحةَ، والصَّنْعَةَ، وغيرَ ذلك تعليمًا، فتعَلَّمَ ذلك تعلُّمًا. انتهى (٢).
وقوله: (لَا أُمَّ لَكَ) قال ابن الأثير: هو ذمّ وسبٌّ؛ أي: أنت لقيط، لا تُعرف لك أمّ، وقيل: قد يقع مدحًا بمعنى التعجّب منه، وفيه بُعْد. انتهى (٣).
وقال في "اللسان" ما خلاصته: معنى لا أمّ لك: ليست لك أمّ حرّةٌ، وهو سبّ صريحٌ، وذلك أن بني الإماء عند العرب مذمومون، لا يُلحقون ببني الحرائر، ولا يقول الرجل لصاحبه: لا أمّ لك إلا في غضبه عليه مقصّرًا به، شاتمًا له، وأما إذا قال: لا أبا لك، فلم يترُك له من الشتيمة شيئًا. انتهى (٤).
وقد سبق تمام البحث في هذا في "كتاب الإيمان" عند شرح حديث حذيفة ﵁ في الفتنة التي تموج كموج البحر، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (فَحَاكَ فِي صَدْرِي. . . إلخ) هو بالحاء والكاف؛ أي: وقع في نفسي نوعُ شكّ وتعجُّب، واستبعاد، يقال: حاك يَحِيك، وحَكّ يَحُكّ، واحتكّ، وحَكَى الخليل أيضًا: أحاك، وأنكرها ابن دُرَيد (٥).
وقوله: (فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ) أي: قول ابن عبّاس ﵄، فـ "المقالة" مصدر "قال"، يقال: قال يقول قَوْلًا ومَقَالًا ومقالةً، قاله في "المصباح" (٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8462
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، أَتُعَلِّمُنَا بِالصَّلَاةِ؟ وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةُ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (وَكيعُ) بن الجرّاح، ذُكر في الباب.
٣ - (عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ) -بمهملات مصغّرًا- السَّدوسيّ، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ [٦]، صلى على جنازة خلف أنس، وروى عن أبي مجلز وأبي قلابة وأبي عثمان النهدي وعبد اللَّه بن شقيق العقيلي ودعامة والد قتادة وقسامة بن زهير ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. وعنه شعبة والحمادان وعبد الملك بن الصباح ويزيد بن زريع ووكيع ومعاذ بن معاذ ومعتمر بن سليمان وعثمان بن الهيثم المؤذن وآخرون. قال أبو حاتم: حدثني عبد اللَّه بن دينار البصري قال: ذكر شعبة عمران به حدير فقال: كان شيئًا عجبًا، كأنه يثبته. وقال يزيد بن هارون: كان أصدق الناس، وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: بخ بخ ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن المديني: ثقة، من أوثق شيخ بالبصرة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري: وقال أبو قطن: مات سنة تسع وأربعين ومائة، قلت: وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: هو صدوق صدوق، وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير وأحمد بن صالح وغيرهما، ووصفه عثمان بن الهيثم أنه أصدق الناس.
стр. 8463
أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٠٥) وحديث (٧٤٩).
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أي: بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨) - (بَابُ جَوَازِ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٨] (٧٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ (١)، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا، لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ، أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُمَارَةُ) بن عُمَير التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٩/ ٩٧٧.
٢ - (الْأَسْوَدُ). بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم جليلٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٢/ ٦٧٤.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
стр. 8464
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، وعُمارة، والأسود، وتقدّم الكلام في مناقب ابن مسعود ﵁ غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: لَا يَجْعَلَنَّ) بنون التوكيد المشددة (أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا) الظاهر أنه على حذف مضاف؛ أي: من عبادة نفسه حظًّا للشيطان، أو المعنى: من عند نفسه، لا من تسلط الشيطان وغلبته، يعني: أنه لا ينبغي له أن يفتح بابًا للشيطان بنفسه باعتقاد ما ليس بواجب واجبًا، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: "من صلاته" (لَا يَرَى) -بفتح أوله-، أي: يعتقد، ويجوز الضم؛ أي: يَظُنّ.
ووجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها، هو إما أن يكون بيانًا للجعل، أو يكون استئنافًا، تقديره: كيف يجعل جزءًا للشيطان من نفسه؟، فقال: "يرى أن حتمًا عليه أن لا ينصرف إلخ"، في "العمدة".
(إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ) "حقّا" اسم "أنّ"، وفي رواية النسائيّ: "إلا أن حتمًا عليه"؛ أي: وجوبًا، وقوله: (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) في تأويل المصدر خبر "أنّ".
والمعنى: يرى أن حقًّا عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه.
وقال السنديّ ﵀: وأورد عليه أن "حتمًا"، أو "حقًّا" نكرة، وقوله: "أن لا ينصرف" بمنزلة المعرفة، وتنكير الاسم مع تعريف الخبر لا يجوز.
وأجيب بأنه من باب القلب.
стр. 8465
قلت: وهذا الجواب يَهْدِم أساس القاعدة، إذ يَتَأَتَّى مثله في كل مبتدأ نكرة، مع تعريف الخبر، فما بقي لقولهم بعدم الجواز فائدةٌ، ثم القلب لا يُقْبَل بلا نُكتة، فلا بُدّ لمن يُجَوّز ذلك من بيان نكتة في القلب ههنا.
وقيل: بل النكرة الْمُخَصَّصَة كالمعرفة.
قلت: ذلك في صحّة الابتداء بها، ولا يلزم منه أن يكون الابتداء بها صحيحًا مع تعريف الخبر، وقد صرّحوا بامتناعه.
ويمكن أن يجعل اسم "أنّ" قوله: "أن لا ينصرف"، وخبره الجارّ والمجرور، وهو "عليه"، ويُجعَل "حقًّا"، أو "حتمًا" حالًا من ضمير "عليه"؛ أي: يرى أن عليه الانصراف عن يمينه فقط، حال كونه حقًّا لازمًا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
(أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ) وفي رواية النسائيّ: "قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ".
و"رأى" هنا بصرية، ولذا لا تتعدّى إلا إلى واحد، وهو "رسول اللَّه"، و"أكثر انصرافه" بالنصب بدل اشتمال من "رسول اللَّه"، و"عن يساره" متعلق به.
ويحتمل أن يكون "أكثر" بالرفع على الابتداء، وخبره الجارّ والمجرور، والجملة في محل نصب على الحال من "رسول اللَّه".
وجملة القسم مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وقعت جوابًا لسؤال مقدر، تقديره: لماذا كان اعتقاد وجوب الانصراف عن اليمين نصيبًا للشيطان؟ قال: لأني قد رأيت أكثر انصراف رسول اللَّه ﷺ عن يساره.
والحاصل أن هذا الاعتقاد حظّ من حظوظ الشيطان من صلاة العبد؛ لأنه مخالف لهدي رسول اللَّه ﷺ ، فإنه كان ينصرف عن الجهتين، وأكثر انصرافه عن اليسار، فمن اعتقد وجوب الانصراف من جهة معيّنة، فقد خالف السنة، واتبع خُطُوات الشيطان، واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قيل]: وقع التعارض بين حديث ابن مسعود ﵁ هذا وبين حديث أنس ﵁ الآتي بعده، حيث عبّر كل منهما بأفعل التفضيل، فقال أنس ﵁: "أما أنا فأكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن يمينه"، وقال ابن مسعود ﵁: "أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله"، فكيف الجمع بينهما؟.
стр. 8466
[قلت]: جمع العلماء بينهما بأوجه، فقال النوويّ ﵀: وجه الجمع بينهما أن النبيّ ﷺ كان يفعل تارةً هذا، وتارةً هذا، فأَخبَر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأما الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود ﵁، فليست بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال، وإنما هي في حقّ مَن يَرَى أن ذلك لا بدّ منه، فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ، ولهذا قال: "يَرَى أنّ حقًّا عليه"، فإنما ذَمَّ من رآه حقًّا عليه.
قال: ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يُستحبُّ أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها، فاليمين أفضل؛ لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها، هذا صواب الكلام في هذين الحديثين، وقد يقال فيهما خلاف الصواب، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال الحافظ ﵀: ويمكن أن يُجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يُحمَل حديث ابن مسعود ﵁ على حالة الصلاة في المسجد؛ لأن حُجرة النبيّ ﷺ كانت من جهة يساره، ويُحْمَل حديث أنس على ما سوى ذلك، كحال السفر.
ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس ﵄ رُجّح ابن مسعود؛ لأنه أعلم، وأسنّ، وأكثر ملازمةً للنبيّ ﷺ ، وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تُكلّم فيه، وهو السُّدّيّ، وبأنه متّفقٌ عليه، بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود تُوافق ظاهر الحال؛ لأن حُجرة النبيّ ﷺ كانت على جهة يساره.
قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة، فعلى هذا لا يختصّ الانصراف بجهة معيّنة، ومن ثَمَّ قال العلماء:
стр. 8467
يستحبّ الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقّه فاليمين أفضل؛ لعموم الأحاديث المصرّحة بفضل التيامن، كحديث عائشة ﵂: "كان يُحبّ التيامن ما استطاع، في طهوره، وتنعّله، وترجّله، وفي شأنه كله"، متفق عليه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى في الجمع هو ما تقدّم عن النوويّ ﵀، وحاصله أن كلّا منهما قال: إنه أكثرُ حَسَبَ اعتقاده، وإلا فالواقع يؤيّد ما قاله ابن مسعود ﵁، حيث إن أكثر صلاته ﷺ كان في مسجده، وكانت حُجره إلى جهة اليسار، فيكون أكثر انصرافه إليها.
وقد وقع التصريح بذلك عند أحمد من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود ﵁ حدّثه: "أن النبيّ ﷺ كان عامّة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الْحُجُرات".
فتبيّن بهذا أن الانصراف إلى جهة الحاجة هو السنة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذ الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ١٦٣٨ و ١٦٣٩] (٧٠٧)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٨٥٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٤٢)، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٦٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٩٣٠)، وفي "الكبرى" (١٢٨٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٢٠٨)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٩٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٣ و ١/ ٤٠٨ و ٤٢٩ و ٤٥٩ و ٤٦٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٥٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٨٧)، و (أبو نعيم)
стр. 8468
في "مستخرجه" (١٥٩٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين وعن اليسار.
٢ - (ومنها): بيان أن اعتقاد مشروعية ما ليس مشروعًا حظٌّ من حظوظ الشيطان.
٣ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيّر ﵀: فيه أن المندوبات قد تنقلب مكروهات، إذا رُفعت عن رُتبتها؛ لأن التيمن مستحبّ في كل شيء؛ أي: من أمور العبادة، لكن لمّا خَشِي ابن مسعود ﵁ أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته، واللَّه أعلم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الانصراف من الصلاة:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال"، "وكان أنس ينفتل عن يمينه، وعن يساره، ويَعِيب على من يتوخّى، أو يتعمّد الانفتال عن يمينه". انتهى (٢).
قوله: "وكان أنس بن مالك إلخ" وصله مسدَّد في "مسنده الكبير" من طريق سعيد، عن قتادة، قال: "كان أنس. . . "، فذكره، وقال فيه: "ويعيب على من يتوخى ذلك أن لا ينفتل إلا عن يمينه، ويقول: يدور كما يدور الحمار".
قال: وظاهر هذا الأثر عن أنس يخالف ما رواه مسلم، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّيّ، قال: سألت أنسًا كيف أنصرف إذا صليت، عن يميني، أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبيّ ﷺ ينصرف عن يمينه. ويُجمع بينهما بأن أنسًا عاب من يعتقد تحتُّم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين أولى. انتهى (٣).
стр. 8469
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: الانفتال: هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس اليها الإمام بعد انحرافه، كما سبق ذكره، وحكمه: حكم الانصراف بالقيام من محل الصلاة، وقد نصّ عليه إسحاق وغيره.
وقد ذكر البخاريّ، عن أنسٍ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره، ويَعِيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني: يتحراه ويقصده.
وفي "مسند الإمام أحمد" من رواية أبي الأوبر الحارثيّ، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان النبي ﷺ ينفتل عن يمينه وشماله.
وخرّج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة، وفي رواية للإمام أحمد: "ينصرف" بدل: "ينفتل".
وخرّج مسلمٌ في هذا الباب حديث البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه، وخرّجه من روايةٍ أخرى ليس فيها: "ثم يقبل علينا بوجهه"، ولكن رُوي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام، خرّجه الإسماعيلي في "حديث مسعرٍ" من جمعه، ولفظه: كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه، وفي رواية أخرى له: أنه كان يبدأ بمن على يمينه، فيسلم عليه.
قال أبو داود: كان أبو عبد اللَّه -يعني: أحمد- ينحرف عن يمينه، وقال ابن منصورٍ: كان أحمد يقعد ناحية اليسرى، ويتساند، قال القاضي أبو يعلى: وهما متفقان؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره.
قال: وقال ابن أبي حاتمٍ: سمعت يقول (١): تدبرت الأحاديث التي رُويت في استقبال النبي ﷺ الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت.
وقال ابن بطة من أصحابنا -يعني الحنبليّة-: يجلس عن يسرة القبلة، ونَقَل حربٌ، عن إسحاق، أنه كان يُخَيِّر في ذلك كالانصراف.
стр. 8470
وللشافعية وجهان: أحدهما: التخيير كقول إسحاق، والثاني: أن الانفتال عن يمينه أفضل، ثم لهم في كيفيته وجهان:
أحدهما: -وحكوه عن أبي حنيفة-: أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب.
والثاني: -وهو أصح عند البغوي وغيره-: بالعكس.
واستدلوا له بحديث البراء بن عازب الذي خرَّجه مسلمٌ.
وأما الانصراف: فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته، فيذهب حيث كانت حاجته، سواءٌ كانت من جهة اليمين أو اليسار، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها، هذا قول جمهور العلماء، ورُوي عن عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، والنخعيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وإنما كان أكثر انصراف النبي ﷺ عن يساره؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار، وقد خرَّجه الإمام أحمد مصرِّحًا بذلك من رواية ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعودٍ حدثه، أن النَّبيّ ﷺ كانَ عامةً ما ينصرف من الصَّلاة على يساره إلى الحجرات.
فإن لم يكن له حاجةٌ في جهةٍ من الجهات، فقال الشافعي وكثيرٌ من الحنابلة: انصرافه إلى اليمين أفضل، فإن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في شأنه كله.
وحَمَل بعضهم على ذلك حديث السُّدّيّ، قال: سألت أنسًا: كيف أنصرف إذا صليت عن يميني، أو عن يساري؟ فقال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبيّ ﷺ ينصرف عن يمينه، خرّجه مسلمٌ.
والسُّدّيّ، هو: إسماعيل بن عبد الرحمن، وقد تكلم فيه غير واحدٍ، ووثقه أحمد وغيره، وعن يحيى فيه روايتان، ولم يخرج له البخاريّ.
قال ابن رجب: وأظنه ذكر ها هنا الأثر الذي علّقه عن أنسٍ ليعلل به هذا الذي رواه عنه السديّ، واللَّه أعلم.
وحَكَى ابن عبد البر، عن الحسن وطائفة من العلماء: أن الانصراف عن اليمين أفضل.
стр. 8471
وقد حكاه ابن عمر عن فلانٍ، وأنكره عليه، ولعله يريد به ابن عباسٍ ﵄.
وسئل عطاءٌ: أيهما يستحب؟ قال: سواءٌ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة، أو لا.
وخرّج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ كان ينصرف عن يمينه وشماله"، وهو من رواية بقية، عن الزُّبَيديّ، أنّ مكحولًا حدثه، أن مسروق بن الأجدع حدثه، عن عائشة ﵂، وهذا إسنادٌ جيدٌ، لكن رواه عبد اللَّه بن سالمٍ الحمصيّ -وهو ثقةٌ ثبتٌ-، عن الزبيديّ، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ بهذا الإسناد، قالَ الدارقطني: وقوله أشبه بالصواب، وسليمان بن موسى، مختلفٌ في أمره.
ورَوَى قَبِيصة بن الْهُلْب، عن أبيه، قالَ: "كانَ رسول اللَّه ﷺ يؤمّنا، فينصرف على جانبيه جميعًا، عن يمينه وشماله"، خرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديثٌ حسنٌ، وعليه العمل عندَ أهل العلم، قالَ: وصح الأمران عن النبيّ ﷺ . انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن من الأحاديث السابقة أن الانصراف لمن كانت له حاجة يكون من جهتها، وإلا فالانصراف من اليمين هو الأفضل لأنه ﷺ كان يُعجبه التيامن، وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في هذا الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
стр. 8472
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، أبو يعقوب، أو أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن عمارة بن عُمير، عن الأسود بن قيس، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل حديث وكيع، عن الأعمش الماضي.
[تنبيه]: رواية جرير وعيسى، عن الأعمش لم أجد من ساقهما تامّين بالانفراد، وإنما ساقهما أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٩٨) ضمن روايات الآخرين، حيث قال:
(١٥٩٥) حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، ثنا الأعمش (ح) وثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا جرير وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود، عن عبد اللَّه، قال: "لا يجعلنّ أحدكم للشيطان جزءًا، لا يَرَى إلا أن حقًّا عليه حَتْمًا ألا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله"، لفظ أبي بكر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8473
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ؟ عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (السُّدِّيُّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد الدال- إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمد القرشيّ مولاهم الكوفيّ الأعور، وهو السدّيّ الكبير، كان يقعد في سُدَّة باب الجامع، فسمّي السّدّيّ، صدوق يَهَم ورُمي بالتشيّع [٤].
رَوَى عن أنس، وابن عباس، ورأى ابن عمر، والحسن بن علي، وأبا هريرة، وأبا سعيد، ورَوَى عن أبيه، ويحيى بن عَبّاد، وعكرمة، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال سَلْم بن عبد الرحمن: مَرّ إبراهيم النخعي بالسدّيّ، وهو يفسر القرآن، فقال: أما إنه يفسّر تفسير القوم، وقال عبد اللَّه بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبيّ، وقيل له: إن السدّيّ قد أعطي حظًّا من علم القرآن، فقال: قد أعطي حظًّا من الجهل بالقرآن، وقال عليّ، عن القطّان: لا بأس به، ما سمعتُ أحدًا يذكره إلا بخير، وما تركه أحد، وقال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذُكر إبراهيم بن مُهاجر والسدّيّ، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال، قال عبد اللَّه: سألت يحيى
стр. 8474
عنهما، فقال: متقاربان في الضعف، وقال الدوريّ، عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الْجُوزجَانيّ: هو كذّاب شَتّام، وقال أبو زرعة: ليّن. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائي في "الكنى": صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: له أحاديث يَرويها عن عدّة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به، وقال أبو جعفر بن الأخرم: لا يُنكر له ابن عباس، قد رأى سعد بن أبي وقّاص. وقال حسين بن واقد: سمعت من السدّيّ، فما قمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أَعُد إليه. وقال الجوزجاني: حُدّثتُ عن معتمر، عن ليث -يعني ابن أبي سُليم- قال: كان بالكوفة كذّابان، فمات أحدهما، السدّيّ، والكلبي، كذا قال، وليث أشدّ ضعفًا من السديّ. وقال العجليّ: ثقة عالم بالتفسير، راوية له. وقال العقيلي: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. وقال الساجيّ: صدوق فيه نظر. وحُكي عن أحمد: إنه ليُحسن الحديث إلّا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا، واستكلفه. وقال الحاكم في "المدخل" في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسّر، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الطبريّ: لا يُحتجّ بحديثه.
وقال خليفة: مات سنة (١٢٧).
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٠٨) وأعاده بعده، و (١٤٨٠) و (١٧٠٥) و (١٩٨٣) و (٢٥٣٦).
٤ - (أَنَسُ) بن مالك ﵁، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١١٠) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى السديّ، فما أخرج له البخاريّ.
стр. 8475
٣ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) سنة، وقد جاوز عمرة المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ السُّدِّيِّ) -بضمّ المهملة، وتشديد الدال-: نسبة إلى سُدّة الجامع؛ لكونه يقعد فيها، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا) ﵃ (كَيْفَ أَنْصَرِفُ) أي: أرجع إلى جهة حاجتي، وليس المراد السؤال عن الانصراف بمعنى السلام؛ لأنه لا تخيير فيه بين اليمين واليسار، وإنما هو عن اليمين، ثم اليسار، وقد تقدّم ذلك في بابه (إِذَا صَلَّيْتُ؟) أي: فرغت من الصلاة (عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟) أي: أأنصرف عن جهة يميني، أو عن جهة يساري؟ (قَالَ) أنس ﵁ (أمّا أنَا) -بفتح الهمزة، وتشديد الميم- وقد تخفف بقلّة، وقد تُبدل ياء، فيقال: "أيما"، وهي حرف شرط، وتفصيل غالبًا، وتوكيد، وقد تأتي بلا تفصيل، والظاهر أنها هنا كذلك؛ لأنه ما ذُكر لها مُعادل، فهي لمجرّد التوكيد، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في "شرح المقدّمة" عند قول المصنّف ﵀: "أما بعد"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ) أي: فالسنة أن تنصرف إلى جهة يمينك، فيكون كلامه متضمنًا الجوابَ مع الدليل، فكأنه قال له: انصرف عن يمينك؛ لأن أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن جهة يمينه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ ﵀: قوله: "فأكثر ما رأيت إلخ" إخبار عما رأى، وكذا حديث ابن مسعود ﵁ الماضي، فلا تناقض، ولازِمُ الحديثين أنه كان يفعل أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، فدلّ على جواز الأمرين، وأما تخطئة ابن مسعود ﵁، فإنما هي لاعتقاد أحدهما واجبًا بعينه، وهذا خطأ بلا ريب، واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، وإلا فاليمين أفضل بلا وجوب، والظاهر أن حاجته ﷺ غالبًا الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذا أكثر ذهابه إلى اليسار. انتهى.