وقد حكاه ابن عمر عن فلانٍ، وأنكره عليه، ولعله يريد به ابن عباسٍ ﵄.
وسئل عطاءٌ: أيهما يستحب؟ قال: سواءٌ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة، أو لا.
وخرّج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ كان ينصرف عن يمينه وشماله"، وهو من رواية بقية، عن الزُّبَيديّ، أنّ مكحولًا حدثه، أن مسروق بن الأجدع حدثه، عن عائشة ﵂، وهذا إسنادٌ جيدٌ، لكن رواه عبد اللَّه بن سالمٍ الحمصيّ -وهو ثقةٌ ثبتٌ-، عن الزبيديّ، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ بهذا الإسناد، قالَ الدارقطني: وقوله أشبه بالصواب، وسليمان بن موسى، مختلفٌ في أمره.
ورَوَى قَبِيصة بن الْهُلْب، عن أبيه، قالَ: "كانَ رسول اللَّه ﷺ يؤمّنا، فينصرف على جانبيه جميعًا، عن يمينه وشماله"، خرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديثٌ حسنٌ، وعليه العمل عندَ أهل العلم، قالَ: وصح الأمران عن النبيّ ﷺ . انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن من الأحاديث السابقة أن الانصراف لمن كانت له حاجة يكون من جهتها، وإلا فالانصراف من اليمين هو الأفضل لأنه ﷺ كان يُعجبه التيامن، وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في هذا الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَاه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
стр. 8472
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، أبو يعقوب، أو أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن عمارة بن عُمير، عن الأسود بن قيس، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي: مثل حديث وكيع، عن الأعمش الماضي.
[تنبيه]: رواية جرير وعيسى، عن الأعمش لم أجد من ساقهما تامّين بالانفراد، وإنما ساقهما أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٩٨) ضمن روايات الآخرين، حيث قال:
(١٥٩٥) حدّثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير، ثنا الأعمش (ح) وثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا جرير وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود، عن عبد اللَّه، قال: "لا يجعلنّ أحدكم للشيطان جزءًا، لا يَرَى إلا أن حقًّا عليه حَتْمًا ألا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن شماله"، لفظ أبي بكر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8473
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ؟ عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (السُّدِّيُّ) -بضمّ السين المهملة، وتشديد الدال- إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمد القرشيّ مولاهم الكوفيّ الأعور، وهو السدّيّ الكبير، كان يقعد في سُدَّة باب الجامع، فسمّي السّدّيّ، صدوق يَهَم ورُمي بالتشيّع [٤].
رَوَى عن أنس، وابن عباس، ورأى ابن عمر، والحسن بن علي، وأبا هريرة، وأبا سعيد، ورَوَى عن أبيه، ويحيى بن عَبّاد، وعكرمة، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال سَلْم بن عبد الرحمن: مَرّ إبراهيم النخعي بالسدّيّ، وهو يفسر القرآن، فقال: أما إنه يفسّر تفسير القوم، وقال عبد اللَّه بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبيّ، وقيل له: إن السدّيّ قد أعطي حظًّا من علم القرآن، فقال: قد أعطي حظًّا من الجهل بالقرآن، وقال عليّ، عن القطّان: لا بأس به، ما سمعتُ أحدًا يذكره إلا بخير، وما تركه أحد، وقال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذُكر إبراهيم بن مُهاجر والسدّيّ، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال، قال عبد اللَّه: سألت يحيى
стр. 8474
عنهما، فقال: متقاربان في الضعف، وقال الدوريّ، عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الْجُوزجَانيّ: هو كذّاب شَتّام، وقال أبو زرعة: ليّن. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائي في "الكنى": صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: له أحاديث يَرويها عن عدّة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به، وقال أبو جعفر بن الأخرم: لا يُنكر له ابن عباس، قد رأى سعد بن أبي وقّاص. وقال حسين بن واقد: سمعت من السدّيّ، فما قمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أَعُد إليه. وقال الجوزجاني: حُدّثتُ عن معتمر، عن ليث -يعني ابن أبي سُليم- قال: كان بالكوفة كذّابان، فمات أحدهما، السدّيّ، والكلبي، كذا قال، وليث أشدّ ضعفًا من السديّ. وقال العجليّ: ثقة عالم بالتفسير، راوية له. وقال العقيلي: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. وقال الساجيّ: صدوق فيه نظر. وحُكي عن أحمد: إنه ليُحسن الحديث إلّا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسنادًا، واستكلفه. وقال الحاكم في "المدخل" في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسّر، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الطبريّ: لا يُحتجّ بحديثه.
وقال خليفة: مات سنة (١٢٧).
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٠٨) وأعاده بعده، و (١٤٨٠) و (١٧٠٥) و (١٩٨٣) و (٢٥٣٦).
٤ - (أَنَسُ) بن مالك ﵁، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١١٠) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى السديّ، فما أخرج له البخاريّ.
стр. 8475
٣ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) سنة، وقد جاوز عمرة المائة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ السُّدِّيِّ) -بضمّ المهملة، وتشديد الدال-: نسبة إلى سُدّة الجامع؛ لكونه يقعد فيها، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا) ﵃ (كَيْفَ أَنْصَرِفُ) أي: أرجع إلى جهة حاجتي، وليس المراد السؤال عن الانصراف بمعنى السلام؛ لأنه لا تخيير فيه بين اليمين واليسار، وإنما هو عن اليمين، ثم اليسار، وقد تقدّم ذلك في بابه (إِذَا صَلَّيْتُ؟) أي: فرغت من الصلاة (عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟) أي: أأنصرف عن جهة يميني، أو عن جهة يساري؟ (قَالَ) أنس ﵁ (أمّا أنَا) -بفتح الهمزة، وتشديد الميم- وقد تخفف بقلّة، وقد تُبدل ياء، فيقال: "أيما"، وهي حرف شرط، وتفصيل غالبًا، وتوكيد، وقد تأتي بلا تفصيل، والظاهر أنها هنا كذلك؛ لأنه ما ذُكر لها مُعادل، فهي لمجرّد التوكيد، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في "شرح المقدّمة" عند قول المصنّف ﵀: "أما بعد"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ) أي: فالسنة أن تنصرف إلى جهة يمينك، فيكون كلامه متضمنًا الجوابَ مع الدليل، فكأنه قال له: انصرف عن يمينك؛ لأن أكثر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن جهة يمينه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ ﵀: قوله: "فأكثر ما رأيت إلخ" إخبار عما رأى، وكذا حديث ابن مسعود ﵁ الماضي، فلا تناقض، ولازِمُ الحديثين أنه كان يفعل أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، فدلّ على جواز الأمرين، وأما تخطئة ابن مسعود ﵁، فإنما هي لاعتقاد أحدهما واجبًا بعينه، وهذا خطأ بلا ريب، واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، وإلا فاليمين أفضل بلا وجوب، والظاهر أن حاجته ﷺ غالبًا الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذا أكثر ذهابه إلى اليسار. انتهى.
стр. 8476
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم في المسألة الرابعة في الحديث الماضي الجمع بين هذا الحديث، والأثر الذي علّقه البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، ووصله مسدّد في "مسنده الكبير" من طريق سعيد، عن قتادة، قال: كان أنس ينفتل عن يمينه، وعن يساره، ويَعِيب على من يتوخّى ذلك، أن لا ينفتل إلّا عن يمينه، ويقول: يدور كما يدور الحمار، بأن أنسًا إنما عاب مَن يعتقد تحتّم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين أولى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ١٦٤٠ و ١٦٤١]، و (النسائيّ) في "السهو" (١٣٥٩)، وفي "الكبرى" (١٢٨٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٨٢ و ١٣٣ و ١٧٩ و ٢١٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٣٥٨ و ١٣٥٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٩٥)، واللَّه تعالى أعلم.
وأما بقيّة المسائل، فقد سبق بيانها في شرح حديث ابن مسعود ﵁ الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 8477
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيهٌ إمام عابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا في الباب، والحديث من أفراد المصنّف ﵀، كما سبق قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ يَمِينِ الإِمَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٢] (٧٠٩) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِني عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ"، أَوْ "تَجْمَعُ عِبَادَكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٤ - (ثَابِتُ بْنُ عُبَيْدٍ) الأنصاريّ، مولى زيد بن ثابت الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٥ - (ابْنُ الْبَرَاءِ) هو: عبيد بن البراء بن عازب الأنصاريّ الحارثيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، في قول النبيّ ﷺ : "ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك"،
стр. 8478
وعنه ثابت بن عُبيد، ومحارب بن دِثَار، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، له عندهم هذا الحديث الواحد.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٦ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ثابت، عن ابن البراء، ورواية الراوي عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ) هو: عُبيد، وقيل: يزيد بن البراء (١).
[تنبيه]: وقع اختلاف بين الرواة في إثبات "ابن البراء" في إسناد هذا الحديث، وإسقاطه، وفي اسمه، هل هو عبيد، أم يزيد؟.
فممن أثبته: وكيع عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وأبو نعيم عند أحمد، ويحيى بن أبي زائدة عند مسلم هنا، وأبو أحمد الزبيريّ عند أبي داود، وابن خزيمة، وعبد اللَّه بن المبارك عند النسائيّ، وسفيان عند ابن خزيمة، ستتهم عن مِسْعَر، عن ثابت بن عُبيد، عن ابن البراء عن أبيه، فأثبتوه.
فأما أبو نعيم، عند أحمد، ووكيع عند المصنّف هنا، وابن ماجه،
стр. 8479
ويحيى بن أبي زائدة عند المصنّف هنا أيضًا، وابن خزيمة، وابن المبارك عند النسائيّ، وأبو أحمد الزبيري عند ابن خزيمة، فقالوا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء بن عازب ﵄، فأبهموه.
وأما أبو أحمد الزبيريّ من رواية محمد بن رافع عنه عند أبي داود، فقال: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عُبيد بن البراء، عن أبيه، فسماه عبيدًا.
وأما وكيع عند أحمد، وسفيانُ عند ابن خزيمة، فقالا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، فسمياه "يزيد".
وممن أسقطه: أبو أحمد الزبيريّ في رواية محمد بن بشار عنه عند ابن خزيمة، ووكيع في رواية سلم بن جنادة عنه، عند ابن خزيمة أيضًا، كلاهما عن مِسْعَر، عن ثابت بن عبيد، عن البراء بن عازب، فأسقطوه.
والحاصل أن الأكثرين على إثبات الواسطة، ثم الأكثرون منهم على إبهامه، لكن هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن ثابتًا سمعه عن البراء نفسه، وعن ابنه عنه، وكذا لا يضرّ إبهام ابنه؛ لأنه سمي في الروايات الأخرى، وكذا الاختلاف في تسميته عُبيدًا، ويزيد لا يضرّ أيضًا؛ لأن كلًّا منهما ثقة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ﵄ أنه (قَالَ: كُنَّا) يعني: معاشر الصحابة ﵃ (إِذَا صَلَّيْنَا) أي: إذا أردنا الصلاة (خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ) وفي رواية النسائيّ: "أحببت أن أكون" بضمير المتكلم الواحد (عَنْ يَمِينِهِ) أي: جهة يمين النبيّ، وقوله (يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) جملة تعليليّة؛ أي: وإنما أحببنا أن نكون عن يمينه؛ لأنه ﷺ يُقبل علينا بوجهه الشريف.
وفي رواية ابن خزيمة في "صحيحه" من رواية يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: "كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه كان يبدأ بالسلام على يمينه".
قال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل أن يكون التيامن عند التسليم، وهو الأظهر؛ لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله ﷺ يَحْتَمِل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل. انتهى.
стр. 8480
وقال القرطبيّ ﵀: يَحتَمِل أن يكون هذا الإقبال منه ﷺ في حال سلامه من الصلاة، فإنه كان يبدأ السلام بيمينه، والأظهر أنه كان حين انصرافه من الصلاة، ويكون هذا حين كان يُكثر أن ينصرف عن يمينه، كما قاله أنس ﵁. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون هذا الإقبال في حال سلامه هو الأظهر؛ لرواية ابن خزيمة المذكورة آنفًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) البراء ﵁ (فَسَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: "رَبِّ) بحذف حرف النداء، كما قال في "ملحة الإعراب":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
(قِنِي) أمر من وَقَى يَقِي، يقال: وقاه اللَّه السُّوءَ يَقِيه وِقَايةً بالكسر: حَفِظه، والْوِقَاءُ، مثلُ كتاب: كلُّ ما وقَيتَ به شيئًا، ورَوَى أبو عُبيد عن الكسائيّ الفتح في الْوَقَاية، والْوَقَاء أيضًا، قاله الفيّوميّ (١). (عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ") ظرف لـ "قِنِي"، و"تبعث" بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (أَوْ) للشكّ من الراوي ("تَجْمَعُ عِبَادَكَ") أي: يوم القيامة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ١٦٤٢ و ١٦٤٣] (٧٠٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٦١٥)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٢٢) وفي "الكبرى" (٨٩٦)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٩٠ و ٣٠٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٦٣ و ١٥٦٤ و ١٥٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٩٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٥٩٧)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8481
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الوقوف عن يمين الإمام، ووجه دلالة الحديث عليه أن محبة الصحابة ﵃ لذلك، ومسابقتهم إليه كان بعلم من النبيّ ﷺ ، فلو كان الفضل في غير اليمين لبيّنه لهم، ولا سيّما وقد ثبت قوله ﷺ : "إن اللَّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"، رواه أبو داود بإسناد حسن، كما قاله الحافظ في "الفتح" (١).
وأما قول بعضهم باستحباب وسط الصفّ مستدلًّا بحديث: "وَسِّطُوا الإمام" رواه أبو داود، فغير صحيح؛ إذ الحديث ضعيف، لجهالة بعض رواته، وكذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: قيل للنبيّ ﷺ : إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال: "من عَمَّر ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجر"، فضعيف أيضًا؛ لأن في إسناده عمرو بن عثمان الكلابيّ، وهو ضعيف، وليث بن أبي سُليم، وهو متروك، ويُحْمَل على تقدير صحته على ما إذا أدَّى إلى تعطيل الميسرة، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة محبّتهم للنبيّ ﷺ ، فكانوا يتسابقون في القيام عن يمينه ﷺ في الصلاة؛ حتى يشاهدوا طلعته، ويقع بصره عليهم قبل غيرهم ممن وقف في غير اليمين.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة تقديم اليمين في التسليم من الصلاة، وقد تمَّ البحث فيه في موضعه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ").
стр. 8482
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا، فشيخه، ومسعر، ذُكرا في السند الماضي، والباقيان تقدّموا في السند الذي قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد مِسْعر الماضي، وهو: عن ثابت بن عُبيد، عن ابن البراء، عن البراء ﵁.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٨٢٣٦) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا مع رسول اللَّه ﷺ مما أُحِبّ، أو نُحِبّ أن نقوم عن يمينه، وسمعته يقول: "ربّ قني عذابك يوم تجمع عبادك"، أو "تبعث عبادك".
وقال أيضًا:
(١٨٠٨٢) حدّثنا وكيع، حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء بن عازب، عن البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ مما أُحِبّ، أو مما يُحِبُّ أن يقوم عن يمينه، قال: وسمعته يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"، أو "تجمع عبادك".
حدّثناه أبو نعيم، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال ثابت: عن ابن البراء، عن البراء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٠) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ بَعْدَ شُرُوعِ المُؤَذِّنَ فِي الإِقَامَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٤] (٧١٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 8483
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (١): "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، الثقة الحافظ الفقيه الحجة، رأس [١٠] (٢٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في غير منصور بن المعتمر [٧] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ٩٩٩.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم من رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عطاء بن يسار.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8484
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: إذا شَرَع المؤذّن في الإقامة، كما صرّح بذلك محمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، فيما أخرجه ابن حبّان بلفظ: "إذا أخذ المؤذِّن في الإقامة" (فَلَا صَلَاةَ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه لا تنعقد صلاة التطوّع في وقت إقامة الفريضة، وبه قال أبو هريرة ﵁، وأهل الظاهر، ورأوا أنه يقطع إذا أُقيمت عليه المكتوبة، ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "فلا صلاة": أي: صحيحة، أو كاملة، قال: والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبيّ ﷺ صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دلّ على أن المراد نفي الكمال.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لكن. . . إلخ" فيه نظرٌ لا يخفى، ومن أين له القطع بأنه لم يقطع عليه، وأنه أتمّ تلك الصلاة، بعد هذا الإنكار الشديد؟ ولا سيّما وقد ورد بصيغة النهي، ومعلوم أن النهي للفساد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون النفي بمعنى النهي؛ أي: فلا تصلُّوا حينئذ، ويؤيده ما رواه البخاري في "التاريخ"، والبزار، وغيرهما من رواية محمد بن عمار، عن شريك بن أبي نَمِر، عن أنس ﵁، مرفوعًا، وفيه: "ونهى أن يُصَلَّيَا إذا أقيمت الصلاة".
وورد بصيغة النهي أيضًا فيما رواه أحمد من وجه آخر، عن ابن بُحَينة في قصته الآتية، فقال: "لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر، واجعلوا بينهما فصلًا"، والنهي المذكور للتنزيه؛ لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في حمله النهي على التنزيه نظر؛ إذ عدم النقل بقطع الصلاة ليس نصًّا في عدم قطعها، كما أسلفته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8485
وقال العلامة الشوكانيّ ﵀: قوله: "فلا صلاة" يَحْتَمِل أن يتوجه النفي إلى الصحة، أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازَين إلى الحقيقة، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة الصلاة المكتوبة، كما نقل عن أبي هريرة ﵁، وأهل الظاهر.
قال العراقيّ ﵀: إن قوله: "فلا صلاة" يَحْتَمِل أن يراد: فلا يَشرَع حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شَرَع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي، يَحْتَمِل كُلًّا من الأمرين.
وقد بالغ أهل الظاهرية، فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر، أو غيرهما من النوافل، فأقيمت الفريضة، بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلِّم منهما، ولو لم يبق عليه منهما غير التسليم، بل يدخل كما هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا أتمّ الفريضة، فإن شاء ركعهما، وإن شاء لم يركعهما، قال: وهذا غلوّ منهم في صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري أيهما أطول زمنًا: مدّة السلام، أو مدة إقامة الصلاة؟ بل يمكنه أن يتهيأ بعد السلام لتحصيل أكمل الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة.
نعم، قال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل، خروجه من النافلة إذا أدّاه إتمامها إلى فوات فضيلة التحريم، وهذا واضح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما نُقِلَ عن أبي هريرة ﵁، وأهل الظاهر، هو الذي يكون موافقًا لظاهر النص، ففيما قاله العراقيّ في الردّ عليهم نظر لا يخفى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ") الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة إلى الصلاة التي أقيمت، فقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ: "فلا صلاة إلا التي أقيمت"، وكذلك في رواية لأبي هريرة ﵁، ذكرها ابن عبد البر في "التمهيد".
وقال في "الفتح": فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، وزاد مسلم بن خالد، عن عمرو بن دينار في هذا الحديث: قيل: يا رسول اللَّه، ولا ركعتي الفجر؟ قال:
стр. 8486
"ولا ركعتي الفجر"، أخرجه ابن عديّ في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب، وإسناده حسن.
والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، وصرّح بذلك أحمد، والطحاويّ، من طريق أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث الباب يدلّ على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة، من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، وأن من أقيمت الصلاة، وهو في النافلة يقطعها، وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعيّة، كما قاله في "الفتح"، وخصّ آخرون النهي بمن أنشأ النافلة؛ عملًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والقول الأول هو الصواب، وأما الثاني فليس بشيء، والاستدلال بالآية غير صحيح؛ إذ هي نهت عن إبطال الأعمال، وهذه الصلاة بطلت بنفسها، حيث نفى الشارع صحّتها عند الإقامة بقوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة"، فلا دَخْلَ للمصلي في إبطالها حتى تشمله الآية، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٦٤٤ و ١٦٤٥ و ١٦٤٦ و ١٦٤٧ و ١٦٤٨] (٧١٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٦٦)، و (الترمذيّ) فيها (٤٢١)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٥٦ و ٨٦٥)، وفي "الكبرى" (٩٣٧ و ٩٣٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣١ و ٤٥٥ و ٥١٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٣٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٢٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٩٠ و ٢١٩٣)، و (الطبرانيّ) في "الصغير" (٢١ و ٥٢٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٥٦ و ١٣٥٧ و ١٣٥٨ و ١٣٥٩)، و (أبو نُعيم) في
стр. 8487
"مستخرجه" (١٥٩٨ و ١٥٩٩ و ١٦٠٠ و ١٦٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٠٤)، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اختُلف في رفعه، ووقفه، وقد رجّح المصنّف ﵀ رفعه، ولذا أخرجه هنا في الأصول، وكذا رجّح الترمذيّ ﵀ رفعه أيضًا، حيث قال في "الجامع" بعد إخراجه الحديث مرفوعًا ما نصّه: وهكذا رَوَى أيوب، ووَرْقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ .
ورَوَى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، فلم يرفعاه، والحديث المرفوع أصحّ عندنا. انتهى كلام الترمذيّ ﵀.
وقال في "الفتح" في شرح قول البخاريّ ﵀: "بابٌ إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة": هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، وابنُ خزيمة، وابن حبان، من رواية عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، واختُلِف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، وقيل: إن ذلك هو السبب في كون البخاريّ لم يُخرجه، ولما كان الحكم صحيحًا ذكره في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ" عند قوله: "بابٌ إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" ما نصّه: بَوَّب عَلَى هذه الترجمة، ولم يُخَرِّج الحَدِيْث الَّذِي بلفظها، وقد خرّجه مُسْلِم من حَدِيث عَمْرِو بن دينار، عَن عَطَاء بْن يسار، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، وخرَّجه أبو داود موقوفًا.
وقد اختُلِف فِي رفعه ووقفه، واختَلَف الأئمة فِي الترجيح، فرجّح الترمذيّ رفعه، وكذلك خرّجه مُسْلِم فِي "صحيحه"، وإليه ميل الإمام أحمد، ورجّح أبو زُرْعَة وقفه، وتوقف فِيهِ يَحْيَى بْن معين، وإنما لم يُخَرِّجه البخاريّ؛ لتوقفه، أو لترجيحه وقفه، واللَّه أعلم.
стр. 8488
وقد خرّجه الطبراني من رِوَايَة زياد بْن عَبْد اللَّه، عَن مُحَمَّد بْن جُحادة، عَن عَمْرٍو، عَن عَطَاء، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا أخذ المؤذن فِي الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة"، وهذا لفظ غريبٌ.
وقد روي من وجوه أُخَر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
وخرّجه الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة: ثنا عياش بْن عباسٍ، عَن أَبِي تميم الزُّهْرِيّ، عن أبي هريرة، عَن النَّبِيّ ﵁، قَالَ: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِى أُقيمت".
وخرّجه الطبراني بهذا اللفظ -أيضًا- من رِوَايَة أَبِي صالح: ثنا الليث، عن عَبْد اللَّه بْن عياش بْن عَبَّاس القتباني، عَن أبيه، عَن أَبِي تميم، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ ﷺ . انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن ما ذهب إليه المصنّف ﵀ من ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ، وهو أيضًا رأي الترمذيّ، وإليه ميل الإمام أحمد؛ لأن الذين رفعوا جماعة، ومعهم زيادة علم، فتُقبل زيادتهم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النافلة عند إقامة الصلاة:
(اعلم): أنه قد اختلف الصحابة، والتابعون، ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال:
[أحدها]: الكراهة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه بن عمر، على خلاف في ذلك، وأبو هريرة ﵁.
ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير.
ومن الأئمة: سفيان الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن جرير، هكذا أطلق الترمذيّ الرواية عن الثوريّ، وروى عنه ابن عبد البر، والنوويّ تفصيلًا، وهو أنه إذا خَشِي فوت
стр. 8489
ركعة من صلاة الفجر، دخل معهم، وترك سنة الفجر، وإلا صلاها، وسيأتي.
[القول الثاني]: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت المكتوبة قد قامت، من غير فرق بين ركعتي الفجر، وغيرهما، قاله ابن عبد البر في "التمهيد"، وهذا القول هو الحقّ، كما سيأتي.
[القول الثالث]: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح، والإمام في الفريضة، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصريّ، ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حيّ، ففرّق هؤلاء بين سنة الفجر وغيرها.
واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح".
وأجيب عن ذلك بأن البيهقيّ قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وفي إسنادها حجّاج بن نُصَير، وعباد بن كثير، وهما ضعيفان، على أنه قد روى البيهقي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، قيل: يا سول اللَّه، ولا ركعتي الفجر؟، قال: "ولا ركعتي الفجر"، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو متكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به في "صحيحه".
[القول الرابع]: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه، وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإمام، أو لا، وهو قول مالك، فقال: إذا كان قد دخل المسجد، فليدخل مع الإمام، ولا يركعهما -يعني ركعتي الفجر- وإن لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة، فليركع خارج المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإمام، فليدخل وليصلّ معه.
[القول الخامس]: أنه إن خَشِيَ فوت الركعتين معًا، وأنه لا يُدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما -يعني ركعتي الفجر- خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البرّ، وحُكي عنه أيضًا نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه، وحكى النوويّ عنه مثل قول الأوزاعيّ الآتي ذكره.
стр. 8490
[القول السادس]: أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت الركعة الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النوويّ عن أبي حنيفة، وأصحابه.
[القول السابع]: يركعهما في المسجد وغيره، إلا أن يخاف فوت الركعة الأولى، وهو قول سفيان الثوريّ، حَكَى ذلك عنه ابن عبد البرّ، وهو مخالف لما رواه الترمذيّ عنه.
[القول الثامن]: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإمام، إذا كان الوقت واسعًا، قاله ابن الجلاب من المالكية.
[القول التاسع]: أنه إذا سمع الإقامة لم يَحِلّ له الدخول في ركعتي الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عَصَى، وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعيّ، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابيّ. وحُكِي الكراهة عن الشافعيّ، وأحمد.
وحَكَى القرطبيّ في "المفهم" عن أبي هريرة ﵁، وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة.
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: وهذا القول هو الظاهر، إن كان المراد بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف.
قال العراقيّ: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديثُ المذكورةُ في شرح الحديث الذي بعد هذا -يعني حديث عبد اللَّه ابن بحينة الآتي- تدلّ على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقيّ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذّن قبل الشروع في الصلاة، وإذا كان المراد المعنى الأول، فهل المراد به الفراغ من الإقامة؛ لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة، أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقيّ: يحتمل أن يراد كل من الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإمام.
ومما يدلّ على ذلك، قوله في حديث أبي موسى ﵁ عند الطبرانيّ: إن النبىّ ﷺ رأى رجلًا صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم، قال العراقيّ:
стр. 8491
وإسناده جيد، ومثله حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود الطيالسيّ، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي اللَّه ﷺ ، وقال: "أتصلي الصبح أربعًا؟ "، ورواه أيضًا البيهقي، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه على شرط الشيخين، والطبرانيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن القول بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة هو الأرجح؛ لظهور أدلته، فمن ابتدأ بالنافلة، ثم أقيمت الصلاة وهو فيها يقطعها، ويقتدي بالإمام، ولا حجة لمن يقول: إن فيه إبطال الصلاة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه ما أبطل عمله بنفسه، وإنما أبطلها الشارع، حيث قال: "إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) (١).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ، صدوقٌ فاضل، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (شَبَابَةُ) بن سوّار، تقدّم قبل بابين، و"ورقاء" ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) وفي نسخة: "بهذا الإسناد مثله"؛ أي: بإسناد
стр. 8492
ورقاء الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁.
[تنبيه]: رواية شبابة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيِّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
والباقون ذُكروا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِيَ، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 8493
و"زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ" ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد زكريّا الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، يقول عن أبي هريرة ﵁.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن زكريّا هذه ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٢٦٦) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا حماد بن سلمة (ح) وحدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن ورقاء (ح) وحدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح) وحدّثنا الحسن بن عليّ، حدّثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن أيوب (ح) وحدّثنا محمد بن المتوكل، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا زكريا بن إسحاق، كلهم عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا، فَحَدَّثَنِي بِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ).
١ - (حَسَن الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ن ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
стр. 8494
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) قال النوويّ ﵀: هذا الكلام لا يقدح في صحة الحديث ورفعه؛ لأن أكثر الرواة رفعوه، قال الترمذيّ: ورواية الرفع أصحّ، وقد قدمنا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، أن الرفع مقدَّم على الوقف على المذهب الصحيح، وإن كان عدد الرفع أقلّ، فكيف إذا كان أكثر؟. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون الرفع هنا أرجح هو الحقّ كما قال، وقد أسلفنا تحقيقه، وأما مسألة تقديم الرفع على الوقف مطلقًا، فقد تقدّم مناقشة النوويّ فيها، وأن الصواب أنه ليس على إطلاقه، بل لا بدّ من الترجيح حسب القرائن، فإذا وُجدت رُجّح الرفع على الوقف، وكذا العكس، فتنبّه بهذه المسألة الدقيقة، وارجع إلى "شرح المقدّمة"، تجد ما يشفي غليلك، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٦/ ٢٢٢) فقال:
(٢٤٧٠) أخبرنا محمد بن سفيان الصفار بالْمِصِّيصة، قال: حدّثنا ابن عليه، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٩] (٧١١) - (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لَا
стр. 8495
نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا (١)، نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟، قَالَ: قَالَ لِي: "يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا".
قال الَقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ.
قال أبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: وَقَوْلُهُ: "عَنْ أَبِيهِ" في هَذَا الحَدِيث خَطَأٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدُ، [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٤ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد اللَّه بن مالك بن الْقِشْب الأزديّ، أبو محمد المعروف بابن بُحينة بموحّدة، مصغّرًا، وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات ﵁ بعد الخمسين (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، كما أسلفناه آنفًا.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه: إبراهيم، عن سعد بن إبراهيم، وتابعيّ، عن تابعيّ؛ سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8496
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) ووقع عند البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلًا من الأزد، يقال له: مالك ابن بحينة. قال في "الفتح": هكذا يقول شعبة في الصحابيّ، وتابعه على ذلك أبو عوانة، وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى بن معين، وأحمد، والبخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود، وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين:
[أحدهما]: أن بُحينة والدة عبد اللَّه، لا مالك.
[وثانيهما]: أن الصحبة، والرواية لعبد اللَّه، لا لمالك، وهو: عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقب جندب بن نَضْلة بن عبد اللَّه.
قال ابن سعد: قَدِمَ مالك بن القشب مكة -يعني في الجاهلية- فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بُحَينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها عبدة، وبُحينة لقب، وأدركت بحينة الإسلام، فأسلمت، وصحبت، وأسلم ابنها عبد اللَّه قديمًا، ولم يذكر أحد مالكًا في الصحابة، إلا بعض من تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له، وكذا أغرب الداوديّ الشارح، فقال: هذا الاختلاف لا يضرّ، فأي الرجلين كان فهو صحابيّ.
وحَكَى ابن عبد البر اختلافًا في بُحينة، هل هي أمُّ عبد اللَّه، أو أمُّ مالك؟ والصواب أنها أم عبد اللَّه، كما تقدم، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف (١)، ويُعْرَب إعراب عبد اللَّه، كما في عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ،
стр. 8497
ومحمد بن عليّ ابن الحنفية. انتهى (١).
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ) هو عبد اللَّه الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه، أن النبيّ ﷺ مَرَّ به، وهو يصلي، وفي رواية أخرى له: "خَرَجَ، وابن القشب يصلي"، ووقع لبعض الرواة هنا "ابن أبي القشب"، وهو خطأ كما بيّنه في "الإصابة".
ووقع نحو هذه القصة أيضًا لابن عباس ﵄، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذّن في الإقامة، فجذبني النبيّ ﷺ ، وقال: "أتصلي الصبح أربعًا؟! "، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبّان، والبزار، والحاكم، وغيرهم، فَيُحْمَل على تعدد القصة.
(يُصَلِّي) وقوله: (وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وفي رواية أبي عوانة التالية: "أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول اللَّه ﷺ رجلًا يصلّي، والمؤذن يقيم" (فَكَلَّمَهُ) أي: كلّم النبيّ ﷺ ذلك الرجل (بِشَيْءٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ) أي: لم نعلم أيُّ في ذلك الشيء الذي كلّمه به (فَلَمَّا انْصَرَفْنَا) أي: سلّمنا من الصلاة (أَحَطْنَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "أحطنا نقول"، وهو صحيح، وفيه محذوفٌ، تقديره: "أحطنا به". انتهى. وأشار في هامش بعض النسخ أنه وقع في بعض النسخ بلفظ: "أحطنا به".
وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم: "أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا، وقد أقيمت الصلاة، يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ لاث به الناس (٢)، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ ".
وظاهر رواية شعبة هذه تقتضي أنه ﷺ كلم الرجل بعد الفراغ من الصلاة، بخلاف رواية إبراهيم بن سعد، فإنها تقتضي أنه كلمه، وهو يصلي.
ويمكن الجمع بينهما بأنه كلّمه أوّلًا سرًّا، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا، فسمعوه، قاله في "الفتح".
стр. 8498
وقوله: (نَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أحطنا" (مَاذَا) أي: أيَّ شيء (قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟، قَالَ) الرجل (قَالَ لِي) ﷺ : ("يُوشِكُ) أي: يقرُب (أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا") وفي رواية أبي عوانة، عن سعد بن إبراهيم التالية: "فقال: أتصلّي الصبح أربعًا"، بهمزة الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ.
وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة المذكورة: "آلصبحَ أربعًا؟، آلصبحَ أربعًا؟ "، قال في "الفتح": بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكاريّ، وأعاده تأكيدًا للإنكار، و"الصبحَ" بالنصب بإضمار فعل تقديره: أتصلي الصبح؟، و"أربعًا" منصوب على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكرمانيّ: على البدلية، قال: ويجوز رفع "الصبح"؛ أي: الصبحُ تُصَلَّى أربعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٦٤٩ و ١٦٥٠] (٧١١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٦٣)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٦٧)، وفى "الكبري" (٩٣٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": واختُلف في حكمة هذا الإنكار -يعني إنكار النبيّ ﷺ على من يصلي النافلة عند الإقامة للصلاة-، فقال القاضي عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان، فيُظَنّ وجوبها، ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد: "يوشك أحدكم"، وعلى هذا، إذا حصل الأمن، لا يُكره ذلك.
وتُعُقِّب بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل.
стр. 8499
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي هذا القول أقرب إلى الصواب، وذلك أن قوله ﷺ : "أتصلي الصبح أربعًا؟ " ظاهر في كون الإنكار لكون المتنفل جعل صلاة الصبح أربع ركعات، ويُفْهَم منه أيضًا أن النهي عامّ لمن يصلي عند الإقامة، سواء ابتدأ بالنافلة قبل الإقامة، أو عندها، أو بعدها، وسواء كان في المسجد، أو خارجها، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض ﵀: والحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة أن لا يتطاول عليها الزمان، فيُظَنّ وجوبها، قال النوويّ ﵀: وهذا ضعيف، بل الصحيح أن الحكمة فيه أن يَتفرغ للفريضة من أولها، فيَشرَع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. انتهى (١).
وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار، عدم الفصل بين الفرض والنفل؛ لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاويّ، واحتجّ له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقَّب بما ذُكِر؛ إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل، لم يحصل إنكار أصلًا؛ لأن ابن بحينة سَلَّم من صلاته قطعًا (٢)، ثم دخل في الفرض.
ويدلّ على ذلك أيضًا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبيّ ﷺ حين سأله، لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلًا بها، فدلّ على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقد فهم ابن عمر ﵄ اختصاص المنع بمن يكون في المسجد، لا خارجًا عنه، فصح عنه أنه كان يحصب مَن يتنفل في المسجد بعد الشروع في
стр. 8500
الإقامة، وصحّ عنه أنه قصد المسجد، فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ﵂، ثم دخل المسجد، فصلى مع الإمام.
قال ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح، وتركُ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيثُ المعنى بأن قوله في الإقامة: "حي على الصلاة" معناه هَلُمُّوا إلى الصلاة؛ أي: التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره، واللَّه أعلم (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر وغيره من أن الحجة عند التنازع هي السنة هو التحقيق الصواب نقلًا وعقلًا، فإن اللَّه تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:
إِذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن المذهب الصحيح الذي تؤيِّده النصوص الصحيحة الصريحة هو القول بالمنع عن التنفل عند الإقامة للصلاة مطلقًا، سواء كان بركعتي الفجر، أم بغيرهما، وسواءٌ شرع فيه حال الإقامة، أم لا، كان في الصف، أم بعيدًا عنه، في المسجد، أم لا، وأن السنة أن يتدارك ما فاته من النافلة بعد أداء المكتوبة جماعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قوله: (قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي: بزيادة "عن أبيه".
وقوله: (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ) صاحب الصحيح بيانًا للخطأ الواقع في السند: (وَقَوْلُهُ: "عَنْ أَبِيهِ" فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ) أي: لأن الحديث لمالك بن عبد اللَّه، لا لأبيه مالك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله المصنّف ﵀ من توهيم القعنبيّ
стр. 8501
في زيادة: "عن أبيه"، قاله أيضًا الإمام أحمد، وابن معين، وسليمان بن داود الهاشميّ، وغيرهم (١).
وقال النوويّ ﵀: وهذا الذي قاله مسلم هو الصواب عند الجمهور، وإنما هذا الحديث من رواية عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ ، وهو عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف، وبالشين المعجمة الساكنة- و"بُحينة": أمُّ عبد اللَّه، والصواب في كتابته، وقراءته عبد اللَّه بن مالكٍ ابنُ بحينة، بتنوين "مالكٍ"، وكتابة "ابن" بالألف؛ لأنه صفة لعبد اللَّه، وقد سبق بيانه في "سجود السهو". انتهى (٢).
وأشار الحافظ المزي في "تحفة الأشراف": إلى أن النسائيّ أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو مسعود الدمشقيّ ﵀: وهذا يخطئ فيه القعنبيّ بقوله: "عن أبيه"، وأسقط مسلم من أوله: "عن أبيه"، ثم قال في عقبه: وقال القعنبي: "عن أبيه". وأهل العراق، منهم شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة يقولون: عن سعد، عن حفص، عن مالك ابن بحينة. وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة، وهو الأصحّ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن زيادة "عن أبيه" غلطٌ من القعنبيّ، والصواب: عن عبد اللَّه بن مالك نفسه، وليس عن أبيه، وأما بُحينة فاسم أم عبد اللَّه، ومن قال: إنها أم مالك والد عبد اللَّه، كما ظنّه ابن عبد البرّ (٤) فغلط، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8502
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي، وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: "أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه، تقدّم أيضًا قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
شرح الحديث:
وقوله: (فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي) تقدّم أن الرجل هو عبد اللَّه ابن بُحينة الراوي نفسه.
وقوله: (وَالْمُؤَذَنُ يُقِيمُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
وقوله: (أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟) هو استفهام إنكار، ومعناه أنه لا يُشرَع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة، صار في معنى من صلى الصبح أربعًا؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعًا، قاله النوويّ ﵀.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا إنكار على الرجل الذي فَعَل ذلك، وهذا الإنكارُ حجةٌ على من ذَهَب إلى جواز صلاة ركعتي الفجر في المسجد، والإمام يُصلي، كما ذكرنا آنفًا، وعلى سدّ الذريعة التي يُخاف منها توهُّم الزيادة في الفرائض، وقال في رواية أخرى ما ينُصّ على ذلك: "يوشك أن يصلّي أحدكم الصبح أربعًا"، وكذلك يُفهَم من قوله ﷺ في الحديث الآخر: "يا فلان بأي الصلاتين اعتددَتَ؟ بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟ "، ويزيد معنى آخر، وهو أن فيه منعَ ما يؤدّي إلى الاختلاف على الإمام.
قال: ويُمكن أن يُستنبط من هذين الحديثين أن ركعتي الفجر إن وقعت
стр. 8503
في تلك الحال صحّت؛ لأنه ﷺ لم يقطع عليهما مع تمكّنه من ذلك.
قال الجامع: بُعْدُ هذا الاستنباط مما لا يخفى على الفطن.
قال: وفي إنكاره ﷺ على المصلّي مع كونه صلَّى في جانب المسجد ما يدلّ على شدّة المنع من صلاتهما، والإمام في الصلاة، وإن كان في زاوية. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥١] (٧١٢) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، يَعْنِي ابْنَ زِيادٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ (٣) (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟، أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]، (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) ذُكر في الباب.
٣ - (حَامِدُ بْن عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
стр. 8504
٤ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٦ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
٧ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٨ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٩ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
١٠ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ) -بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- المزنيّ، وقيل: المخزوميّ حَلِيفٌ لهم، صحابيٌّ سكن البصرة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وأبي هريرة، وروى عنه عاصم الأحول، وقتادة، وعثمان بن حكيم بن عباد بن حُنيف، ومسلم بن أبي مريم، وعبد اللَّه بن عمران الطلحيّ، وقيل: بينهما عاصم الأحول.
وذكر البخاريّ في "تاريخه"، وابن حبّان في التابعين من "كتاب الثقات": عبد اللَّه بن سَرْجِس يروي عن أبي هريرة، روى عنه عثمان بن حكيم.
قال الحافظ: ومفهوم هذا أن البخاريّ وابن حبان لم يذكرا عبد اللَّه بن سرجس في الصحابة، وليس كذلك، فقد ذكراه فيهم، لكنهما أفردا الذي روى عن أبي هريرة بترجمة، فكأنهما عندهما اثنان، واللَّه أعلم. انتهى.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧١٢)، و (١٢٧٠) و (١٣٤٣) و (٢٣٤٦).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀ وهو (١١١) من رباعيات
стр. 8505
الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الخمسة إلا نحو سبعة أحاديث، راجع: "تحفة الأشراف" (١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) ﵁، زاد ابن حبّان: "وكان قد أدرك النبيّ ﷺ "، أنه (قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ) لم أجد من سمّاه، وليس هو عبد اللَّه ابن بُحينة؛ لأن هذا جاء من خارج المسجد، والنبيّ ﷺ يُصلي الصبح بالناس؛ لأنه قال: "دخل رجلٌ المسجد، ورسول اللَّه ﷺ في صلاة الغداة"، وفي رواية ابن حبّان: "أن رجلًا دخل المسجد بعدما أقيمت الصلاة، والنبيّ ﷺ يصلّي، فصلى ركعتين. . . " الحديث، فتبيّن أنه جاء من خارج المسجد، والنبيّ ﷺ في الصلاة، وأما ابن بُحينة، فإنما مرّ عليه النبيّ ﷺ ، وهو يُصلّي، والمؤذّن يقيم، فظهر بهذا أنه غيره، فتنبّه. (الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد، وقوله: (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحاصل أنه ﷺ يصلي صلاة الصبح، وفيه دليلٌ على إباحة تسمية الصبح غداةً، وقد سبقت نظائره (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أي: سنة الفجر (فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي: اقتدى به في صلاة الصبح (فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: من صلاة الصبح (قَالَ: "يَا فُلَانُ) كنايةٌ عن اسم ذلك الرجل الذي بدأ بأداء الركعتين قبل الاقتداء به، قال الفيوميّ ﵀: فُلانٌ، وفلانةٌ بغير ألف ولام: كنايةٌ عن الأنَاسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال: ركبت الفلان، والفلانة. انتهى (٢).
(بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ) متعلّقٌ بـ (اعْتَدَدْتَ) أي: احتسبت، يقال: اعتددتُ بالشيء، على افْتَعَلتُ: أي: أدخلته في العدّ والحِسَاب، فهو مُعتدّ به،
стр. 8506
محسوب، غيرُ ساقط، قاله الفيّوميّ (١). (أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله (أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ ") وفي رواية أبي داود: "أيتُهُما صلاتك"، وللنسائيّ: "أيُّهما صلاتك"، وهو مبتدأ وخبر، و"أي" استفهامية، أيْ: أيُّ الصلاتين صلاتُك التي قصدتَ، واعتمدت عليها، وجئت لأجلها؟ التي صليتها معنا، أو التي صليت لنفسك؟، فهو استفهام إنكاريّ، والغرض منه توبيخه على صلاته النافلة، والإمام في الفريضة، وفيه دليلٌ على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلةً، وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورَدّ على من قال: إن عَلِم أنه يدرك الركعة الأولى أو الثانية، يصلي النافلة؛ لأن هذا الرجل قد أدرك مع النبيّ ﷺ الصلاة، ومع ذلك أنكر عليه أشدّ الإنكار، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
وقال السنديّ ﵀: قوله: "أيهما صلاتك"، أي: التي جئت لأجلها إلى المسجد، وقصدِ أدائها فيه، فإن كانت تلك الصلاة هي الفرض، فهل العاقل يؤخِّر مقصوده إذا وُجِدَ، ويُقَدِّم عليه غيره، وإن كانت هي السنة؟ فذاك عكس المعقول، إذ البيت أولى من المسجد في حقّ السنة، وأيضًا السنة للفرض، فكيف تُقصَدُ هي دونه؟ والمقصود الزجر، واللوم على ما فعل. انتهى (٢).
وقال الخطابيّ ﵀: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر، وتَرَكَهُما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة.
وقوله: "أيتهما صلاتك" مسألة إنكار، يريد بذلك تبكيته على فعله، وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: "أو التي صليت معنا" يدل على أنه أدرك الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ بعد فراغه من الركعتين. انتهى (٣).
وفيه ردٌّ على من قال: إن عَلِمَ أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى، أو الثانية يبدأ بسنة الصبح، وقالوا: إن إنكاره ﷺ على الرجل لوصله النافلة
стр. 8507
بالفريضة، وصلاتِهما في مكان واحد بلا فاصل بينهما غير السلام، وهذا كنهيه من صلى الجمعة عن التطوع بعدها في مكانها حتى يتكلم، أو يتقدم.
واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بما رواه الطحاويّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ مرَّ بعبد اللَّه بن مالك ابن بحينة، وهو منتصب يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال: "لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما فصلًا". انتهى.
فظهر بهذا الحديث أن الذي كرهه ﷺ لابن بحينة إنما هو وصله الفريضة بالنافلة في مكان واحد من غير فصل بينهما.
وقالوا أيضًا: إن حديث الباب محمول على أن الرجل صلى ركعتي الفجر مخالطًا للصفّ، فقد رَوَى ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن سرجس ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة. انتهى.
فإن رؤيته ﷺ إياه لا تتأتى إلا وهو في جانب المسجد في الصف الأول.
وقالوا أيضًا: فيما ذهبنا إليه جمع بين الفضيلتين، فضيلة إدراك السنة وفضيلة إدراك الجماعة.
وقد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء أنهم أَدَّوا سنة الصبح، والإمام في الفريضة، ويبعد أن يكون حديث الباب على إطلاقه، ويفعل على خلافه هؤلاء الصحابة الأجلاء.
وفي هذا كله نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل في النافلة، والإمام في الفريضة، وحمل الإنكار على عدم الفصل بين النافلة والفريضة بعيد، بل باطلٌ، يُبطله رواية المصنّف هنا بلفظ: "دخل رجل المسجد، ورسول اللَّه ﷺ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول اللَّه ﷺ . . . " الحديث، وكذا في رواية البيهقيّ بلفظ: "دخل رجل المسجد، ورسول اللَّه ﷺ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف. . . " الحديث، فإنهما ظاهران في أنه صلى النافلة في غير مكان الفريضة، فبطل ما زعموه من أنه ﷺ إنما أنكر عليه لكونه صلى مخالطًا للصفّ.
стр. 8508
وما ذكروه من أن ما ذهبوا إليه فيه الجمعُ بين الفضيلتين متعقب بأنه يمكن الحصول على الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من الفريضة، كما ثبت إقراره ﷺ مَن صلاهما بعد الفريضة، ولم ينكر عليه.
وما ذكروه من الآثار معارَضٌ بالمثل، فقد ثبت عن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما أنهم كانوا يمنعون الشروع في النافلة بعد إقامة الصلاة، فقد رَوَى البيهقيّ عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كان إذا رأى رجلًا يصلي، وهو يسمع الإقامة، ضربه، وروى ابن حزم عن أبي هريرة ﵁، قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
وعلى تقدير عدم المعارض فهي لا تَقْوَى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ ، فإنه ﷺ هو الحجة وحده، لا فلان وفلان، كما تقدم عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر وغيره، أن الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح.
جعلنا اللَّه تعالى من المتمسكين بالسنة، والمُحَكِّمينَ لها فيما شجر بيننا، والمُستسلمين لها، وجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا بمنّه وكرمه، آمين، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن سَرْجِس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٦٥١] (٧١٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٦٥)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٦٨)، وفي "الكبرى" (٩٤٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٢)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8509
وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة ﵁ الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ)
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف أن يقدّم أحاديث هذه الأبواب الثلاثة إلى "كتاب المساجد"؛ لما لا يخفى من المناسبة، واللَّه تعالى أعلم.
[١٦٥٢] (٧١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (١) سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلكَ مِنْ فَضْلِكَ".
قَالَ مُسْلِم: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ (٢): بَلَغَيي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٥].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وابن المسيّب، والقاسم بن محمد، وابن أبي ليلى، والأعرج، ومكحول، وحنظلة بن قيس الزُّرَقيّ، وعبد اللَّه بن يزيد مولى الْمُنْبَعِث، وغيرهم.
стр. 8510
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأخوه عبد ربه بن سعيد، وسليمان التيميّ، وهم من أقرانه، ومالك، وشعبة، والسفيانان، وحماد بن سلمة، والليث، وفُليح، والدَّرَاوَرْديّ، وسليمان بن بلال، وأبو ضمرة، وغيرهم.
قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: ثقةٌ، وأبو الزناد أعلم منه، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، أحد مفتي المدينة، وقال مصعب الزُّبيريّ: أدرك بعض الصحابة، والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة، وكان يُحصَى في مجلسه أربعون مُعْتمًّا، وعنه أخذ مالك، وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أفطن منه، وقال الليث، عن عبيد اللَّه بن عُمَر: هو صاحب مُعْضِلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا، وقال معاذ بن معاذ العنبريّ، عن سَوّار العنبريّ: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قلت: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق تقولون: ربيعة الرأي، واللَّه ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة منه، وقال مُطَرِّف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة، وقال الحميديّ أبو بكر: كان حافظًا، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء، لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه، قال: فقال: اقْعدوا، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز؛ لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا لا، ثلاث مرات، وقال أبو داود: قال أحمد: وأَيشٍ عند ربيعة من العلم؟.
وقال ابن سعد: تُوُفّي سنة (١٣٦) بالمدينة فيما أخبرني الواقديّ، وكان ثقةً، كثير الحديث، وكانوا يتَّقونه لموضع الرأي، وقال يحيى بن معين، وأبو داود: تُوُفّي بالأنبار، واتفقوا كلهم على سنة وفاته، وقال ابن حبان في "الثقات": تُوُفِّي سنة (١٣٣)، وقال الباجيّ في "رجال البخاريّ "عنه: تُوفي سنة (١٤٢) وجَرَت له محنةٌ، قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزناد وربيعة