← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

محسوب، غيرُ ساقط، قاله الفيّوميّ (١). (أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله (أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ ") وفي رواية أبي داود: "أيتُهُما صلاتك"، وللنسائيّ: "أيُّهما صلاتك"، وهو مبتدأ وخبر، و"أي" استفهامية، أيْ: أيُّ الصلاتين صلاتُك التي قصدتَ، واعتمدت عليها، وجئت لأجلها؟ التي صليتها معنا، أو التي صليت لنفسك؟، فهو استفهام إنكاريّ، والغرض منه توبيخه على صلاته النافلة، والإمام في الفريضة، وفيه دليلٌ على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلةً، وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورَدّ على من قال: إن عَلِم أنه يدرك الركعة الأولى أو الثانية، يصلي النافلة؛ لأن هذا الرجل قد أدرك مع النبيّ ﷺ الصلاة، ومع ذلك أنكر عليه أشدّ الإنكار، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. وقال السنديّ ﵀: قوله: "أيهما صلاتك"، أي: التي جئت لأجلها إلى المسجد، وقصدِ أدائها فيه، فإن كانت تلك الصلاة هي الفرض، فهل العاقل يؤخِّر مقصوده إذا وُجِدَ، ويُقَدِّم عليه غيره، وإن كانت هي السنة؟ فذاك عكس المعقول، إذ البيت أولى من المسجد في حقّ السنة، وأيضًا السنة للفرض، فكيف تُقصَدُ هي دونه؟ والمقصود الزجر، واللوم على ما فعل. انتهى (٢). وقال الخطابيّ ﵀: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر، وتَرَكَهُما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة. وقوله: "أيتهما صلاتك" مسألة إنكار، يريد بذلك تبكيته على فعله، وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: "أو التي صليت معنا" يدل على أنه أدرك الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ بعد فراغه من الركعتين. انتهى (٣). وفيه ردٌّ على من قال: إن عَلِمَ أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى، أو الثانية يبدأ بسنة الصبح، وقالوا: إن إنكاره ﷺ على الرجل لوصله النافلة

стр. 8507

بالفريضة، وصلاتِهما في مكان واحد بلا فاصل بينهما غير السلام، وهذا كنهيه من صلى الجمعة عن التطوع بعدها في مكانها حتى يتكلم، أو يتقدم. واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بما رواه الطحاويّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ مرَّ بعبد اللَّه بن مالك ابن بحينة، وهو منتصب يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال: "لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما فصلًا". انتهى. فظهر بهذا الحديث أن الذي كرهه ﷺ لابن بحينة إنما هو وصله الفريضة بالنافلة في مكان واحد من غير فصل بينهما. وقالوا أيضًا: إن حديث الباب محمول على أن الرجل صلى ركعتي الفجر مخالطًا للصفّ، فقد رَوَى ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن سرجس ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة. انتهى. فإن رؤيته ﷺ إياه لا تتأتى إلا وهو في جانب المسجد في الصف الأول. وقالوا أيضًا: فيما ذهبنا إليه جمع بين الفضيلتين، فضيلة إدراك السنة وفضيلة إدراك الجماعة. وقد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء أنهم أَدَّوا سنة الصبح، والإمام في الفريضة، ويبعد أن يكون حديث الباب على إطلاقه، ويفعل على خلافه هؤلاء الصحابة الأجلاء. وفي هذا كله نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل في النافلة، والإمام في الفريضة، وحمل الإنكار على عدم الفصل بين النافلة والفريضة بعيد، بل باطلٌ، يُبطله رواية المصنّف هنا بلفظ: "دخل رجل المسجد، ورسول اللَّه ﷺ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول اللَّه ﷺ . . . " الحديث، وكذا في رواية البيهقيّ بلفظ: "دخل رجل المسجد، ورسول اللَّه ﷺ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف. . . " الحديث، فإنهما ظاهران في أنه صلى النافلة في غير مكان الفريضة، فبطل ما زعموه من أنه ﷺ إنما أنكر عليه لكونه صلى مخالطًا للصفّ.

стр. 8508

وما ذكروه من أن ما ذهبوا إليه فيه الجمعُ بين الفضيلتين متعقب بأنه يمكن الحصول على الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من الفريضة، كما ثبت إقراره ﷺ مَن صلاهما بعد الفريضة، ولم ينكر عليه. وما ذكروه من الآثار معارَضٌ بالمثل، فقد ثبت عن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما أنهم كانوا يمنعون الشروع في النافلة بعد إقامة الصلاة، فقد رَوَى البيهقيّ عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كان إذا رأى رجلًا يصلي، وهو يسمع الإقامة، ضربه، وروى ابن حزم عن أبي هريرة ﵁، قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". وعلى تقدير عدم المعارض فهي لا تَقْوَى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ ، فإنه ﷺ هو الحجة وحده، لا فلان وفلان، كما تقدم عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر وغيره، أن الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح. جعلنا اللَّه تعالى من المتمسكين بالسنة، والمُحَكِّمينَ لها فيما شجر بيننا، والمُستسلمين لها، وجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا بمنّه وكرمه، آمين، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن سَرْجِس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٦٥١] (٧١٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٦٥)، و (النسائيّ) في "الإمامة" (٨٦٨)، وفي "الكبرى" (٩٤٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٥٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٩١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٢)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8509

وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة ﵁ الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف أن يقدّم أحاديث هذه الأبواب الثلاثة إلى "كتاب المساجد"؛ لما لا يخفى من المناسبة، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٥٢] (٧١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (١) سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلكَ مِنْ فَضْلِكَ". قَالَ مُسْلِم: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ (٢): بَلَغَيي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. ٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٥]. رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وابن المسيّب، والقاسم بن محمد، وابن أبي ليلى، والأعرج، ومكحول، وحنظلة بن قيس الزُّرَقيّ، وعبد اللَّه بن يزيد مولى الْمُنْبَعِث، وغيرهم.

стр. 8510

وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأخوه عبد ربه بن سعيد، وسليمان التيميّ، وهم من أقرانه، ومالك، وشعبة، والسفيانان، وحماد بن سلمة، والليث، وفُليح، والدَّرَاوَرْديّ، وسليمان بن بلال، وأبو ضمرة، وغيرهم. قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: ثقةٌ، وأبو الزناد أعلم منه، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، أحد مفتي المدينة، وقال مصعب الزُّبيريّ: أدرك بعض الصحابة، والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة، وكان يُحصَى في مجلسه أربعون مُعْتمًّا، وعنه أخذ مالك، وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أفطن منه، وقال الليث، عن عبيد اللَّه بن عُمَر: هو صاحب مُعْضِلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا، وقال معاذ بن معاذ العنبريّ، عن سَوّار العنبريّ: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قلت: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق تقولون: ربيعة الرأي، واللَّه ما رأيت أحدًا أحفظ للسنة منه، وقال مُطَرِّف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة، وقال الحميديّ أبو بكر: كان حافظًا، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء، لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه، قال: فقال: اقْعدوا، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز؛ لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا لا، ثلاث مرات، وقال أبو داود: قال أحمد: وأَيشٍ عند ربيعة من العلم؟. وقال ابن سعد: تُوُفّي سنة (١٣٦) بالمدينة فيما أخبرني الواقديّ، وكان ثقةً، كثير الحديث، وكانوا يتَّقونه لموضع الرأي، وقال يحيى بن معين، وأبو داود: تُوُفّي بالأنبار، واتفقوا كلهم على سنة وفاته، وقال ابن حبان في "الثقات": تُوُفِّي سنة (١٣٣)، وقال الباجيّ في "رجال البخاريّ "عنه: تُوفي سنة (١٤٢) وجَرَت له محنةٌ، قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزناد وربيعة

стр. 8511

متباعدًا، وكان أبو الزناد وجيهًا عند السلطان، فأعان على ربيعة، فضُرِب، وحُلِقت نصف لحيته، فحَلَقَ هو النصف الآخر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٧١٣) و (٧٤٤) و (١٠٧٥) و (١٤٣٨) و (١٥٠٤) و (١٥٤٧) وأعاده بعده، و (١٧٢٢) وكرّره ثلاث مرات، و (٢٣٤٧). ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ) بن سُوَيد الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي أُسيد، أو أبي حُميد، وقيل: عن أبي أُسيد وأبي حميد، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد. وروى عنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبكير بن عبد اللَّه بن الأشج. قال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وله رواية عن أبيه مذكورةٌ في الطبرانيّ وغيره، واستُشْهِد أبوه بأُحُد، فكانت روايته عنه مرسلة، ولا يبعد أن يكون لعبد الملك رؤيةٌ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف والنسائيّ إلا هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود حديثان: أحدهما هذا، والآخر في قبلة الصائم، وعند ابن ماجه حديثان أيضًا: أحدهما هذا، والآخر: "أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلًّا ميسَّرٌ لما خُلق له". ٥ - (أَبُو حُمَيْدٍ) الساعديّ اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو، الصحابيّ المشهور، شَهِد أُحُدًا وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦. ٦ - (أَبُو أُسَيْدٍ) -بضمّ الهمزة- الساعديّ، اسمه مالك بن ربيعة بن الْبَدَن -بفتح الموحّدة، والدال المهملة، بعدها نون- ابن عمرو بن عوف بن حارثة ابن عمرو بن الخزرج بن ما عدة بن كعب، الصحابيّ المشهور، شَهِد بدرًا، والمشاهد كلها. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: حمزة، والزبير، والمنذر، ومولاه: عليّ بن عبيد، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن سعيد بن سُويد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم بن سلمة بن طلحة، وقُرّةُ بن أبي قُرّة، ويزيد بن زياد المدنيّ، مولى بني ساعدة، مات ﵁ سنة

стр. 8512

ستين، وهو آخر من مات من البدريين، فيما ذكر المدائنيّ، وقال الواقديّ، وخليفة: مات سنة ثلاثين، قال ابن عبد البرّ: هذا اختلاف متباين، وقال غيره: مات سنة أربعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧١٣) وحديث (٢٥١١) وكرّره ثلاث مرّات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد الملك بن سعيد، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: ربيعة، عن عبد الملك. ٥ - (ومنها): أن عبد الملك ليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث فقط، وأبو أُسيد له حديثان فقط، وأما أبو حميد، فله نحو ستة أحاديث، وقد تقدّم في ترجمته في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) الساعديّ المنذر بن سعد بن المنذر ﵁، وقيل: غيره (أَوْ) للشكّ من الراوي، وهكذا هو عند أبي داود، ووقع عند النسائيّ: "سمعت أبا حميد، وأبا أُسيد" بالواو، وكذا هو عند ابن ماجه في رواية، وفي رواية له: "عن أبي حُميد"، ولم يذكر أبا أُسيد، وسيأتي كلام المصنّف قريبًا. (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بالضم مصغّرًا، مالك بن ربيعة ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ) الظاهر أنه يقول هذا الذكر مع دخوله، فيكون المعنى: إذا شَرَع في الدخول، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أي أراد الدخول (فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) وعند أبي داود من رواية عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ، عن ربيعة، زيادة السلام على النبيّ ﷺ ، ولفظه: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليُسَلِّم على النبيّ ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج، فليقل: اللَّهم إني أسألك من فضلك".

стр. 8513

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر من الأمر في قوله: "فليقل" الوجوب؛ إذ لا صارف له إلى الاستحباب، ولم أر من نَبَّه عليه، واللَّه تعالى أعلم. (وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ") أي: من رزقك الحلال، وخُصَّت الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج؛ لأن المسجد محل رحمة اللَّه ومغفرته، وخارج المسجد محل طلب الرزق، فشُرع لكلٍّ أن يدعو ربه بما يناسب حاله، واللَّه تعالى أعلم. وقال ولِيُّ اللَّه الدهلويّ ﵀ في "حجة اللَّه البالغة": الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة، والخارج بالفضل أن الرحمة في كتاب اللَّه أريد بها النِّعَم النفسانية، والأخروية، كالولاية والنبوة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من اللَّه تعالى، والخروج وقت ابتغاء الرزق. انتهى. وقال ابن رسلان ﵀: سؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني الرزق الحلال، وقيل: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هو طلب العلم، والوجهان متقاربان؛ فإن العلم من رزق اللَّه تعالى؛ لأن الرزق لا يختص بقوت البدن، بل يدخل فيه قوت الأرواح، والأسماع، وغيرها، وقيل: فضل اللَّه عيادة المريض، وزيارة أخ صالح (١). وقوله: (قَالَ مُسْلِم) هو: ابن الحجّاج، صاحب الكتاب (سَمِعْتُ يَحْيَى ابْنَ يَحْيَى) شيخه المذكور في السند (يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَاب سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، أي: بلفظ: "عن أبي حميد، أو أبي أُسيد" بالشكّ (قَالَ)

стр. 8514

يحيى بن يحيى: (بَلَغَنِي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ) -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم- هو: يحيى بن عبد الحميد بن عبد اللَّه بن ميمون بن عبد الرحمن، أبو زكريا الكوفيّ، لقبُ جدّه بَشْمِين -بفتح الموحّدة، وسكون الشين المعجمة- حافظٌ، إلا أنه اتُّهِم بسرقة الحديث، من صغار [٩]. رَوَى عن أبيه، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الواحد بن زياد، وعبد اللَّه بن المبارك، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وغيرهم. وروى عنه أبو حاتم، ومُطَيَّن، وموسى بن هارون، ومحمد بن أيوب بن الضريس، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. قال الساجيّ، عن أحمد بن محمد، هو ابن محرز، عن القعنبيّ: رأيت شابًّا طويلًا في مجلس ابن عيينة، فقال: من يسأل لأهل الكوفة؟، ثم قال: أين ابن الحمانيّ؟، فقام، وعن إبراهيم بن بشار، قال: رأيت عند ابن عيينة جماعة من البصريين، يذاكرون الحديث، قال: فتحرك سفيان للكوفية، فقال: أين ابن الحمانيّ؟ وقال محمد بن عبد الرحمن الشاميّ: سئل أحمد عنه؟ فلم يقل شيئًا، وقال الميمونيّ: ذُكر يحيى الحمانيّ عند أحمد، فقال: ليس بأبي غسان بأس، وقال مرةً: ثنا عبد الحميد الحمانيّ، وكان صدوقًا، قلت: فابنه؟ قال: لا أدري، ونفض يده، وقال مطين: سألت أحمد عنه؟ فقلت: لك به علم؟ قال: كنت لا أعرفه، قلت: كان ثقة؟ قال: أنتم أعرف بمشايخكم، وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجيّ: ثنا يحيى الحمانيّ، ثنا أحمد بن حنبل، قال البُوشنجيّ: وحدثناه أحمد بن حنبل، ثنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة حديث: "أبردوا بالصلاة"، وقال حنبل: قلت لأحمد: إن ابن الحمانيّ حدثنا عنك بهذا الحديث، قال: ما أعلم أني حدثته به، ولا أدري، لعله على المذاكرة حفظه، وأنكر أن يكون حدّثه به، وقال المرُّوذيّ: قلت لأحمد: إن ابن الحمانيّ روى عنك حديث الأوزاعي، وزعم أنه سمعه منك على باب ابن عُلَيّة، فأنكر أن يكون سمعه، وقال: ليس من

стр. 8515

رأسي، قلت: ادَّعَى أن هذا على المذاكرة، قال: وأنا علمت في أيام إسماعيل أن هذا الحديث عندي، يعني إنما أخرجه بآخره، وقال: قولوا لهارون الحمال: يضرب على حديث الحمانيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: حدَّث يحيى بن عبد الحميد، عن أحمد بحديث إسحاق الأزرق، فأنكره أحمد، وقال يحمى: ثنا به على باب إسماعيل ابن عُلَيّة، فقال أحمد: ما سمعناه من إسحاق إلا بعد موت إسماعيل، قال أبو داود: كان يحيى حافظًا، وسألت أحمد عنه؟ فقال: ألم تره؟ قلت: بلى، قال: إنك إذا رأيته عرفته، وقال الآجريّ أيضًا: قلت لأبي داود: أكان يتشيع؟ قال: سألته عن حديث لعثمان، فقال: أَوَتحب عثمان؟، وقال البخاريّ: كان أحمد وعليّ يتكلمان في يحيى الحمانيّ، وقال في موضع آخر: رماه أحمد وابن نمير، وقال يعقوب ين سفيان: وأما ابن الحمانيّ، فإن أحمد سيّئ الرأي فيه، فأحمد مُتَحَرٍّ في مذهبه، مذهبُهُ أحمدُ من مذهب غيره، وقال أحمد بن يوسف السلميّ عن ابن المدينيّ: أدركت ثلاثة يحدثون بما لا يحفظون، فذكره فيهم، وقال ابن عديّ: قال لنا عبدان: قال ابن نمير: الحماني كذّاب، قيل لعبدان: سمعته من ابن نمير؟ قال: لم أسمعه منه، وقال ابن عمار: قد سقط حديثه، قيل له: فما علّته؟ قال: لم يكن لأهل الكوفة حديث جيد غريب، ولا لأهل المدينة، ولا لأهل بلد حديث جيد غريب إلا رواه، فهذا يكون هكذا، وقال إبراهيم الْجُوزجانيّ: يحيى الحمانيّ ساقطٌ، مُتَلَوِّنٌ، ترِك حديثه، فلا ينبعث، وقال ابن خزيمة: سمعت محمد بن يحيى، وذكر يحيى بن عبد الحميد، فقال: ذَهَب كأمس المذاهب، قال الذهليّ: ما أستحل الرواية عنه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، وقال عثمان الدارميّ: سمعت ابن معين يقول: ابن الحماني صدوقٌ، مشهور بالكوفة، مثل ابن الحماني ما يقال فيه من حسد، قال عثمان: وكان ابن الحماني شيخًا فيه غفلة، لم يكن يقدر أن يصون نفسه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ابن الحماني ثقةٌ، وبالكوفة رجل يحفظ معه؟، وهؤلاء يحسدونه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن معين عنه؟ فأجمل القول فيه، وقال: كان أحد المحدثين، وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن الحمانيّ؟ فقال: صدوق ثقةٌ، وهكذا قال الدُّوريّ، ومحمد بن عثمان بن

стр. 8516

أبي شيبة، والبغويّ، وابن الدَّوْرَقيّ، ومُطَيَّنٌ، وجماعة عن ابن معين، زاد الدُّوريّ: لم يزل ابن معين على هذا حتى مات، وقال العقيليّ عن علي بن عبد العزيز: سمعت يحيى الحماني يقول لقوم غُرَباء عنده: لا تسمعوا كلام أهل الكوفة فِيَّ، فإنهم يحسدونني؛ لأني أول من جمع "المسند"، وقد تقدمتهم في غير شيء، وقال علي بن حكيم: ما رأيت أحفظ لحديث شريك منه، وقال أبو حاتم: لم أر من المحدثين من يحفظ، ويأتي بالحديث على لفظ واحد، لا يغيّره سوى يحيى الحماني في حديث شريك، وذكر جماعة، وقال ابن عديّ: وليحيى مسند صالح، ويقال: إنه أول من صنف "المسند" بالكوفة، ثم ذَكَر قصة الدارميّ إلى أن قال: ولم أر في "مسنده" وأحاديثه منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الخليليّ: يحيى بن عبد الحميد حافظ رَضِيَهُ يحيى بن معين، وضعّفه غيره، قال مطين: مات في رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين. انفرد به المصنّف، له ذكرٌ في هذا الموضع بلا رواية. (يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ) أي: بالواو العطفة، لا بـ "أو" التي للشكّ. [تنبيه]: ظاهر قول المصنّف ﵀ عن شيخه يحيى أن الحمّانيّ انفرد بروايته بواو العطف، وليس كذلك، قال الحافظ ﵀ في "نتائج الأفكار": ولم ينفرد الْحِمّاني بذلك، فقد أخرجه أحمد، عن أبي عامر الْعَقَديّ، عن سليمان بواو العطف أيضًا، وكذا أخرجه النسائيّ، وأبو يعلى، وابن حبّان من رواية سليمان، ولم ينفرد به سليمان أيضًا، بل جاء من رواية عُمارة بن غَزِيّة أيضًا، أخرجه الطبراني في "الدعاء"، عن زكريا الساجيّ، عن أحمد بن سعيد، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الملك بن سعيد، يقول: سمعت أبا حميد، وأبا أسيد ﵄ يقولان: قال رسول اللَّه ﷺ . . . الحديث. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد اللَّه بن وهب. انتهى. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عثمان الدمشقيّ، عن الدَّرَاوَرْديّ، عن ربيعة بإسناده، وتقدم لفظه.

стр. 8517

وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن عثمان الحمصيّ، وعبد الوهاب بن الضحاك، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن عُمارة بن غَزِيّة، لكن قال: عن أبي حميد، ولم يذكر أبا أسيد، بلفظ أبي داود المتقدم (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي حميد، أو أبي أسيد ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ١٦٥٢ و ١٦٥٣] (٧١٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٦٥)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٧٢٩)، و"الكبرى" في "الصلاة" (٨٠٨)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٧٧)، و (ابن ماجه) في "المساجد" (٧٧٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٦٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٩٧ و ٥/ ٤٢٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٤ و ٢/ ٢٩٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٣٤ و ١٢٣٥ و ١٢٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٠٦ و ١٦٠٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٨ و ٢٠٤٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٤١ و ٤٤٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: يستفاد من حديث الباب مشروعية طلب الرحمة من اللَّه تعالى عند دخول المسجد، وطلب الفضل منه عند الخروج منه، وقد وردت أحاديث فيما يقال في دخول المسجد والخروج منه. [فمنها]: حديث الباب، وزاد في رواية أبي داود -كما تقدّم- في أوله: "فليسلم، ثم ليقل. . . "، ولفظ الطبراني: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلّم على النبيّ ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلّم على النبيّ ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك".

стр. 8518

وأخرجه أيضًا أبو عوانة في "صحيحه" عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عُمارة بن غَزِيّة، بإسناد الطبراني، كما تقدم، وأخرجه أيضًا أبو عوانة من رواية عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، عن الدَّرَاوَرْديّ، فقال في روايته، عن أبي حميد: أن النبيّ ﷺ كان يقول، إذا دخل المسجد: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وسهِّل لي أبواب رزقك". [ومنها]: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلّم على النبيّ ﷺ ، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبيّ ﷺ ، وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم"، أخرجه النسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبيّ. ووقع في رواية النسائي: "باعدني"، وفي نسخة: "أعذني"، وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان: "أجرني"، ورجال هذا الحديث من رجال الصحيح، لكن أعله النسائي، فأخرجه من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنه قال له: أوصيك باثنين. . .، فذكر هذا الحديث بنحوه. ومن طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب كذلك، قال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا من الضحاك بن عثمان، ومن محمد بن عجلان، وحديثه أولى بالصواب. قال الحافظ: ورواية ابن عجلان أخرجها عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في "مصنّفيهما" كذلك، وأخرجه عبد الرزاق، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري أن كعبًا قال لأبي هريرة، فذكره، فهؤلاء ثلاثة خالفوا الضحاك في رفعه، وزاد ابن أبي ذئب في السند راويًا، وخفيت هذه العلة على مَن صَحَّح الحديث من طريق الضحاك. وفي الجملة هو حسنٌ لشواهده، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).

стр. 8519

[ومنها]: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أخرجه أبو داود، عن إسماعيل بن بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد اللَّه بن المبارك عن حيوة بن شريح، قال: لقيت عقبة بن مسلم، فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ ﷺ : أنه ﷺ كان يقول إذا دخل المسجد: "أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. . . "، قال: أقط؟ قلت: نعم، قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر اليوم"، قال الحافظ: هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح، إلا إسماعيل وعقبة. ومعنى قوله: "أقط؟ ": أما بلغك إلا هذا خاصّةً، والهمزة للاستفهام، والمشهور في طاء "قط" التخفيف، واللَّه تعالى أعلم. [ومنها]: حديث عبد اللَّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وسلّم، ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك"، أخرجه الإمام أحمد عن إسماعيل ابن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد اللَّه بن الحسن، قال إسماعيل: فلقيت عبد اللَّه بن الحسن، فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: كان وإذا دخل قال: "رب افتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال: "رب افتح لي أبواب فضلك". وهكذا أخرجه الترمذيّ عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل ابن علية. قال الترمذيّ: حديث فاطمة حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك جدتها فاطمة الكبرى؛ لأنها عاشت بعد النبيّ ﷺ أشهرًا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تحسين الترمذيّ ﵀ مع كونه منقطعًا؛ لشواهده، وصححه الشيخ الألبانيّ ﵀ (١)، واللَّه تعالى أعلم. وأخرجه الطبرانيّ بلفظ: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل المسجد حمد اللَّه وسمَّى، وقال: "اللَّهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال

стр. 8520

مثل ذلك، وقال: "اللَّهم افتح لي أبواب فضلك"، ورجال السند -كما قال الحافظ- ثقات، لكن فيه الانقطاع الذي ذكره الترمذيّ. قال الحافظ ﵀: ووقع لنا ذكر الصلاة على النبيّ ﷺ في هذا الحديث من وجه آخر، ثم ساقه بإسناده إلى عبد الرزاق، عن قيس بن الربيع، عن عبد اللَّه بن الحسن بإسناده: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل المسجد قال: اللهم صلِّ على محمد، وسلِّم، واغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال مثلها، لكنه يقول: "أبواب فضلك". وقال أيضًا: ووقع لنا من وجه آخر فيه الحمد، والتسمية، والصلاة، والتسليم، ثم ساقه بإسناده إلى أبي بشر الدُّولابيّ، عن محمد بن عوف، عن موسى بن داود، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ، عن عبد اللَّه بن الحسن، بإسناده: "كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا دخل المسجد، قال: بسم اللَّه، والحمد للَّه، وصلى اللَّه على النبيّ وسلم، اللهم اغفر لي" فذكر مثل الذي قبله، لكن قال: "سَهِّل" بدل "افتح" في الموضعين، ورواة هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه الانقطاع الذي تقدم ذكره. [ومنها]: ما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" من مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل المسجد قال: "السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته، اللهم أجرني من الشيطان، ومن الشر كله"، قال الحافظ: ورجاله ثقات، ليس فيه سِوَى الإرْسَال، واللَّه تعالى أعلم (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ينبغي للمسلم أن يلازم هذه الأذكار في دخول المسجد والخروج منه؛ فإن تيسر له أن يقول كلها، فحسنٌ، وإلا فليقل منها ما تيسرله. ومن الغريب أن كثيرًا من طلاب العلم، فضلًا عن عامة الناس، لا يهتمون بمثل هذه الأذكار، وهو حرمان عظيم، فقد سبق في بعضها أنه حرز من الشيطان؛ حيث يقول الشيطان إذا سمع الإنسان يقوله: حُفِظَ مني سائر اليوم، وهذا فضل عظيم.

стр. 8521

ألهمنا اللَّه تعالى الاقتداء بحبيبه ﷺ في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا، إنه وليّ ذلك ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ سَعِيدِ بْنِ سُويدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبت عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) ابن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عمارة بن غَزِيّة، عن ربيعة هذه ساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال: (٧٧٢) حدّثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، وعبد الوهاب بن الضحاك، قالا: حدّثنا إسماعيل بن عياش (١)، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاريّ، عن أبي حميد الساعديّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبيّ ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب

стр. 8522

رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَالنَّهْي عَنِ الْجُلُوسِ قَبْلَ صَلَاتِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٤] (٧١٤) - (حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٢١) تقدم في "المساجد" (ع) ٩/ ١٢١٧. ٦ - (عَمْرُوا بْنُ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ) -بضمّ الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف- ثقةٌ، كان كبار التابعين [٢] (ت ١٤٠)، ويقال: له رؤية (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦. ٧ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث بن رِبْعيّ، وقيل: غيره، الصحابي المشهور، تُوُفّي ﵁ سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.

стр. 8523

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: القعنبيّ، فما أخرج له ابن ماجه، ويحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخيه: قتيبة، فبغلانيّ، ويحيى، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعىّ، عن تابعىّ: عامر بن عبد اللَّه، عن عمرو بن سُليم. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، وكان فارس رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) قال في "الفتح": هكذا اتُّفِق عليه عن مالك، ورواه سُهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، فقال: "عن جابر" بدل أبي قتادة، وخطَّأه الترمذيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما. انتهى. (أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ) أي: فليُصَلِّ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل (رَكْعَتَيْنِ) هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتّفاق، واختُلِف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين، قاله في "الفتح". ويتأدى ذلك بصلاة الفرض، فإذا دخل والناس في الصلاة فدخل معهم فيها، سقط عنه الطلب، فلا حاجة -كما قال السنديّ- إلى تخصيص الحديث بما إذا لم تُقَمِ المكتوبة، واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح": اتَّفَقَ أئمة الفتوى على أن الأمر بصلاة تحية المسجد للندب، ونَقَل ابن بطّال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرَّح به ابن حزم عدمه. ومن أدلة عدم الوجوب قوله ﷺ للذي رآه يتخطى: "اجلس، فقد آذيت"، ولم يأمره بصلاتها، كذا استدل به الطحاويّ، وغيره، قال الحافظ: وفيه نظر.

стр. 8524

ومن أدلته أيضًا ما استدلّ به النسائيّ ﵀ فقال: "الرخصة في الجلوس فيه، والخروج منه بغير صلاة"، ثم أورد حديث قصّة كعب بن مالك في تخلّفه عن غزة تبوك، وفيه: "فجئت، فجلست بين يديه" يعني النبيّ ﷺ في المسجد، حيث لم يأمره بالصلاة. وقال الطحاويّ أيضًا: الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها. قال الحافظ ﵀: هما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي، وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو قول الحنفية، والمالكية. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعية -رحمهم اللَّه تعالى-؛ لما سنحققه، في المسائل -إن شاء اللَّه تعالى-. وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة ﵁: "أعطوا المساجد حقها"، قيل له: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبل أن تجلس" (٢). (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ") صرَّح جماعة بأنه إذا خالف، وجلس لا يُشْرَع له التدارك، وفيه نظر؛ لما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذرّ ﵁: أنه دخل المسجد، فقال له النبيّ ﷺ : "أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: "قم فاركعهما"، ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، ولحديث جابر ﵁: جاء سُلَيْك الغَطَفَانيّ يوم الجمعة، ورسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يصلي، فقال له: "أصليت ركعتين؟ "، فقال: لا، فقال: "قُم، فاركعهما". وقال المحب الطبري: يَحْتَمِل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداء، وبعده قضاء، ويَحْتَمِل أن تُحْمَل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل.

стр. 8525

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذكره المحبّ الطبري فيه نظرٌ لا يخفى، إذ الحقّ أنه يُشْرَع لمن لم يصلّ قبل الجلوس نسيانًا، أو جهلًا أن يصلي بعده مطلقًا، سواء طال الوقت، أم قصُر، على ظاهر النصوص المذكورة؛ فإنه ﷺ أمر بالصلاة قبل الجلوس، وأمر من لم يصلِّ قبله أن يقوم فيصلي، ولم ينبّه على التفصيل الذي ذكره المحب؛ فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث أبي قتادة ﵁ هذا له سببٌ يأتي بيانه في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ١٦٥٤ و ١٦٥٥] (٧١٤)، و (البخاريّ) في "المساجد" (٤٤٤ و ١١٦٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٤٦٧ و ٤٦٨)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣١٦)، و (النسائيّ) في "المساجد" (٧٣٠)، وفي "الكبرى" (٨٠٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠١٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٦٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٧٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٢١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٩٥ و ٢٩٦ و ٣٠٣ و ٣٠٥ و ٣١١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٢٥ و ١٨٢٦ و ١٨٢٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٣٨ و ١٢٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٠٨ و ١٦٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٣)، و (البغوي) في "شرح السنّة" (٤٨٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الصلاة لمن دخل المسجد. ٢ - (ومنها): بيان أنها ركعتان؛ لقوله ﷺ : "فليركع ركعتين"، قال في "الفتح": هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتّفاق، واختُلف في أقلّه، والصحيح

стр. 8526

اعتباره، فلا تتأدّى هذه السنّة بأقلّ من ركعتين. انتهى (١). ٣ - (ومنها): أن ظاهر هذا الأمر لمن أراد الجلوس، فمن دخل المسجد، وخرج قبل أن يجلس لا يتناوله الأمر، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بقوله: "فلا يجلس" على أنه إذا خالف، فجلس لا يُشرع له التدارك، والصحيح أنه لا تسقط عنه، بل يقوم فيُصليها؛ لما رواه ابن حبّان في "صحيحه" عن أبي ذرّ ﵁ أنه دخل المسجد، فقال له النبيّ ﷺ : "أركعت ركعتين؟ "، قال: لا، قال: "قم، فاركعهما". ٥ - (ومنها): أن هذه الصلاة التي تصلّى عند دخول المسجد تسمّى تحيّة المسجد، قد جاء ذلك عن النبيّ ﷺ فيما أخرج ابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي ذرّ ﵁ قال: دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس وحده، قال: "يا أبا ذرّ إن للمسجد تحيّة، وإن تحيته ركعتان، فقم، فاركعهما"، قال: فقمت فركعتهما، ثم عُدت فجلست إليه، وذكر الحديث بطوله (٢). وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسّانيّ، تكلّم فيه أبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهما. قال ابن رجب ﵀: وقد روي من وجوه متعدّدة عن أبي ذرّ ﵁، وكلُّها لا تخلو من مقال. قال: وتُسمَّى أيضًا حقّ المسجد، روى ابن إسحاق عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرو بن سُليم الزرقيّ، عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوا المساجد حقّها"، قالوا: وما حقّها؟ قال: "تُصلُّوا ركعتين قبل أن تجلسوا" (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركعتي تحية المسجد:

стр. 8527

ذهب الجمهور إلى استحباب ركعتي تحية المسجد، وأن الأمر في ذلك للندب، قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" -بعد إخراج حديث أبي قتادة المذكور في الباب-: والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا، استحبوا إذا دخل الرجل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي الركعتين، إلا أن يكون له عذر. انتهى (١). وذهب بعضهم إلى وجوب ركعتي تحية المسجد، وأن الأمر في ذلك للوجوب، ونسب إلى الظاهرية ما عدا ابن حزم، واستدلوا بحديث أبي قتادة المذكور في الباب، فإنه بصيغة الأمر، والأمر للوجوب، وسيأتي الجواب عنه -إن شاء اللَّه تعالى-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: نسبة الوجوب إلى الظاهرية، وإن حكاه القاضي عياض، وابن بطال، محل نظر؛ فإن ابن حزم قال في "المحلى" في الردّ على القائلين بوجوب شيء من الصلوات غير الخمس ما نصُّهُ: وأما كون ما عدا ذلك تطوعًا فإجماع من الحاضرين من المخالفين، إلا في الوتر، فإن أبا حنيفة قال: واجب، وقد رُوي عن بعض المتقدمين: أنها فرض. انتهى. فقد بَيَّنَ ابنُ حزم -وهو أعلم الناس بمذهب الظاهرية- أن القول بعدم وجوب ما عدا الخمس إجماع، إلا ما ذكر في الوتر. فتنبه، واللَّه تعالى أعلم. واستدلّ الأولون بحديث ضمام بن ثعلبة عند الشيخين، وغيرهما، وفيه: فقال رسول اللَّه ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع. . . " الحديث. قال الحافظ أبو بكر ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه": "باب الدليل على أن الأمر بركعتين عند دخول المسجد أمر ندب، وإرشاد، وفضيلة، والدليل على أن الزجر عن الجلوس قبل صلاة ركعتين عند دخول المسجد نهي تأديب، لا نهي تحريم، بل حَضٌّ على الخير، والفضيلة". قال أبو بكر: خبر طلحة بن عبيد اللَّه: جاء أعرابي إلى النبيّ ﷺ ، فقال: ماذا فرض اللَّه علي من الصلاة؟، قال: "الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا"،

стр. 8528

فأعلم النبيّ ﷺ أن لا فرض من الصلاة إلا خمس صلوات، وأن ما سوى الخمس فتطوّع، لا فرض في شيء من ذلك. انتهى (١). واستدلّوا أيضًا بحديث قصّة كعب بن مالك ﵁ حيث جلس عند النبيّ ﷺ ، فلم يأمره بالصلاة، وهو حديث متّفق عليه، وقد استدلّ به النسائيّ: على عدم الوجوب، فقال: "الرخصة في الجلوس فيه -أي: المسجد- والخروج منه بغير صلاة"، ثم أورد الحديث (٢). واستدلُّوا أيضًا بما تقدم من أن سبب حديث أبي قتادة ﵁ هذا ما سيأتي بعده أنه دخل المسجد فوجد النبيّ ﷺ وأصحابه جالسين، فجلس من غير أن يصلي ركعتين، فقال له النبيّ ﷺ : "ما منعك أن تركع؟ " قال: رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع

стр. 8529

ركعتين"، ففيه أنه لم يأمره بالقيام لأداء الركعتين، فيدلُّ على عدم وجوبهما أيضًا. واستدلُّوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة عن عبد اللَّه بن بسر ﵁، قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة، والنبيّ ﷺ يخطب، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "اجلس فقد آذيت"، وزاد أحمد: "اجلس فقد آذيت وآنيت" -يعني تأخرت- فقد أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة. لكن فيه أنه يَحْتَمِل أنه صلى في جانب المسجد قبل التخطي، واللَّه تعالى أعلم. وقال العلامة العينيّ ﵀: لو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما عند دخوله. انتهى. وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: وجمهور العلماء على عدم الوجوب لهما، ثم اختلفوا، فظاهر مذهب مالك أنهما من النوافل، وقيل: إنهما من السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين النوافل والسنن والفضائل، ونقل عن بعض الناس أنهما واجبتان، تمسكًا بالنهي عن الجلوس قبل الركوع، وعلى الرواية الأخرى -التي وردت بصيغة الأمر- يكون التمسك بصيغة الأمر. ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم، ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى دليل. ولعلهم يفعلون في هذا ما فعلوا في مسألة الوتر، حيث استدلّوا على عدم الوجوب فيه بقوله ﷺ : "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد"، وقول السائل: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع"، فحملوا لذلك صيغة الأمر على الندب، لدلالة هذا الحديث على عدم وجوب غير الخمس، إلا أن هذا يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على الميت، تمسكًا بصيغة الأمر. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: فهو محتاج إلى الدليل، أقوى

стр. 8530

الدليل للجمهور هو الحديث الذي ذكره هو، فدلالته على عدم وجوب ما سوى الخمس واضحة. وأما جواب من أجاب بأن ذلك قبل أن يجب غيرها من الصلوات -كما ذكره الصنعاني، والشوكانيّ- فَيُرَدُّ عليه بحديث معاذ ﵁ حين بعثه النبيّ إلى اليمن، فقال له: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب. . . " الحديث، وفيه: "فأعْلِمْهُم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"، وبَعْثُ معاذ ﵁ كان سنة عشر قبل حجة النبيّ ﷺ ، كما ذكره البخاريّ ﵀ في أواخر "كتاب المغازي"، ويقال: إنه ما قَدِمَ إلا بعد موته ﷺ ". فهذا واضح في عدم افتراض شيء من الصلوات غير الخمس؛ لأن هذا الحديث متأخر بيقين. وأما قوله: يشكل عليهم إيجابهم الصلاة على الميت. فجوابه أن الصلاة على الميت ليست فرض عين؛ لأن السائل سأله عما يجب عليه، ولا يسقط بفعل غيره عنه، بدليل اقتصاره ﷺ في جوابه على فرائض الأعيان. وقد أطال العلامة الشوكانيّ في انتصار القول بالوجوب (١)، وكذلك الصنعانيّ (٢)، وأقوى مُستَنَدِهما في ذلك دعوى أن حديث: "هل عليّ غيرُهَن؟ قال: لا. . . "، كان أوّلًا، ثم تزايدت التشريعات بعد ذلك، وهذا مردود عليهما بحديث معاذ ﵁ المذكور المتأخر يقينًا. فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم. وخلاصة القول في هذه المسألة أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب ركعتي تحيّة المسجد، هو الحق؛ لظهور حجته، كما أسلفناه آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أداء ركعتي تحيّة المسجد في أوقات النهي، ووقت الخطبة:

стр. 8531

ذهب الشافعية، وجماعة إلى جواز أدائها فيها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لظاهر أحاديث الباب. وذهب أبو حنيفة، والأوزاعيّ، والليث إلى كراهة أدائها فيها، محتجين بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة. وأجاب الأولون بأن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبيّ ﷺ صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر، متّفقٌ عليه. وبحديث: "أن رجلًا صلى مع النبيّ ﷺ الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلّم رسول اللَّه ﷺ قام يركع ركعتي الفجر، ورسول اللَّه ﷺ ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه"، رواه ابن حبان في "صحيحه". وبحديث: "أن النبيّ ﷺ صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما انصرف إذا هو برجلين، لم يصليا معه، فقال: "عليّ بهما"، فجيء بهما تَرْعَدُ فَرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة"، رواه أبو داود والنسائي، وصححه الترمذيّ. وبحديث: "أنه ﷺ أمر بركعتي تحية المسجد لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب"، مع أن الوقت وقت سماع الخطبة، ففي رواية الشيخين، من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي رواية لمسلم: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما". قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن من هذه الأدلّة الصحيحة ترجيح قول من قال بمشروعية ركعتي تحية المسجد مطلقًا في أوقات الكراهة، ووقت الخطبة، وغيرها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الإمام ابن دقيق العيد بعد ذكر الخلاف المتقدم ما نصه: وهذا الخلاف في هذه المسألة ينبني على مسألة أصولية مُشْكِلَة، وهو ما إذا تعارض نصّان كل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه، ولست أعني بالنصين ها هنا ما لا يحتمل التأويل. وتحقيق ذلك أوَّلًا يتوقف على تصوير المسألة، فنقول: مدلول أحد

стр. 8532

النصين إن لم يتناول مدلول الآخر، ولا شيئًا منه، فهما متباينان، كلفظة "المشركين" و"المؤمنين" مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، فهما متساويان، كلفظة "الإنسان" و"البشر" مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ويتناول غيره، فالمتناول له ولغيره عام من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والآخر خاص من كل وجه، وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كل واحد منهما بصورة، أو صُور، فكل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه. فإذا تقرر هذا، فقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد. . . " إلخ مع قوله: "لا صلاة بعد الصبح" من هذا القبيل، فإنهما يجتمعان في صورة، وهو ما إذا دخل المسجد بعد الصبح، أو العصر، وينفردان أيضًا، بأن توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد، ودخول المسجد في غير ذلك الوقت، فإذا وقع مثل هذا فالإشكال قائم؛ لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات؛ لأن هذا الحديث دلّ على جوازها عند دخول المسجد، وهو خاصّ بالنسبة إلى الحديث الأول المانع من الصلاة بعد الصبح، فأخصّ قوله: "لا صلاة بعد الصبح" بقوله: "إذا دخل أحدكم المسجد"؛ فلخصمه أن يقول: قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد" عام بالنسبة إلى الأوقات، فأخصه بقوله: "لا صلاة بعد الصبح" فإن هذا الوقت أخص من عموم الأوقات. فالحاصل أن قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد" خاص بالنسبة إلى هذه الصلاة -أعني الصلاة عند دخول المسجد- عام بالنسبة إلى هذه الأوقات، وقوله: "لا صلاة بعد الصبح" خاص بالنسبة إلى هذا الوقت، عام بالنسبة إلى الصلوات. فوقع الإشكال من ها هنا. وذهب بعض المحققين إلى التوقف حتى يأتي ترجيح خارج بقرينة، أو غيرها، فمن ادعى أحد هذين الحكمين -أعني الجواز، أو المنع- فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١).

стр. 8533

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأمر الزائد المرجِّح موجود -وللَّه الحمد- وهو ما تقدّم من النصوص الدالة على جواز الصلوات التي لها أسْبَاب. والمراد بذوات الأسباب هي التي لها سبب متقدم عليها، فاندفع بهذا ما قاله الصنعانيّ من أن الحكم على بعض الصلوات بأنها من ذوات الأسباب دون بعض تفريق بين المتماثلات؛ إذ ما من صلاة إلا ولها سبب باعث عليها أقله الندب إليها، فإن أرادوا ما نُصَّ عليه بخصوصه من النوافل، فهو من التنصيص على بعض أفراد العام الشامل له ولغيره، وهو قوله ﷺ : "الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر منها، فليستكثر"، حديث حسن أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط للطبرانيّ" بلفظ: "فمن استطاع أن يستكثر"، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، وأنه مع ذلك يلزم أن لا يبقى لأحاديث النهي محل يتوجه إليه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الصنعانيّ ﵀ بعيد كل البعد عما تقدّم، فإن المراد بالأسباب هنا هي الأسباب التي قدَّمها الشخص على فعل الصلاة، فاقتضت فعلَها، وذلك كأن تفوته صلاة، فيتذكرها في ذلك الوقت، فيصليها، أو يدخل المسجد فيصلي ركعتين، أو يتوضأ فيصلي ركعتي الوضوء، أو يأتي المسجد، وقد صلى العصر، أو الصبح في رحله، فأدرك الجماعة، فصلى معهم، أو فاتته ركعتا الفجر، فصلاهما بعد أداء الفرض جماعة، أو نحو ذلك، فمثل هذه الأشياء هي التي لها أسباب تقدمت على فعلها، وأما البواعث المقتضية للفعل من جهة الشرع، كالحديث الذي ذكره، فليست مرادة ها هنا، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وأما ما قاله الشوكانيّ ﵀ بعد ذكره التعارض المتقدِّم، وأنه لا يمكن الترجيح-: والمقام عندي من المضائق، والأوْلى للمتورع ترك دخول المساجد في أوقات الكراهة، فعجيب من مثله، فكيف يُمْنَع المسلم، من دخول المساجد؟ وأيُّ نص في ذلك حتى نعتمد عليه؟ بل الصواب أن المساجد مأذون في دخولها في جميع الأوقات، إلا فيمن ورد النصّ بتحريم الدخول في حقه كمن أكل ثُومًا، أو نحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8534

والحاصل أن أدلة تخصيص عموم النهي بذوات الأسباب واضحة، لا لبس فيها، فيُشْرَع أداء ركعتي تحية المسجد في جميع الأوقات، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: إذا دخل المسجد بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته فهل يركعهما في المسجد؟، اختَلَف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع، وقيل: إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث الذي رووه من قوله ﷺ : "لا صلاة بعد الفجر، إلا ركعتي الفجر"، وهذا أضعف من المسألة السابقة؛ لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن هذه المطالبة، وتقدير تسليم صحته يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين، يصير كل واحد منهما عامًّا من وجه، خاصّا من وجه، وقد ذكرناه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أما الحديث المذكور فضعيفٌ بجميع طرقه، وإن صححه بعضهم بمجموعها، فلا يعارض الحديث الصحيح، حديثَ عمرو بن عَبَسة ﵁: أصَلِّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح" الحديث. والحاصل أن من دخل المسجد بعد أداء ركعتي الفجر، يصلي ركعتي تحية المسجد؛ لكونهما من ذوات الأسباب، كما سبق تحقيقه قريبًا، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا دخل المسجد مجتازًا، فهل يؤمر بالركعتين؟ أم لا؟: خَفَّف في ذلك مالك ﵀، قال ابن دقيق العيد ﵀: وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة؛ فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فالنهي يتناول جلوسًا قبل الركعتين، فإذا لم يحصل الجلوس أصلًا لم يفعل المنهي،

стр. 8535

وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه بركوع قبل الجلوس، فإذا انتفيا معًا لم يخالف الأمر. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد ﵀ هو الظاهر، فمن دخل المسجد مجتازًا ليس عليه أن يركع الركعتين؛ لعدم تناول النصّ له، واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ ابن رجب ﵀: (واعلم) أن حديث أبي قتادة ﵁ قد روي بلفظين: [أحدهما]: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس"، كذا رواه مالك، وقد أخرجه البخاريّ ها هنا من طريقه كذلك، وهذا اللفظ يقتضي الأمر لهم بالصلاة قبل الجلوس، فمن جلس في المسجد كان مأمورًا بالصلاة قبل جلوسه، ومن لم يجلس فيه، فهل يكون مأمورًا بالصلاة؟ ينبغي على أن القبلية المطلقة هل تصدُق بدون وجود ما أضيفت إليه أم لا؟ وفيه خلاف، فإن قيل: إنها لا تصدق بدونه، فالأمر لا يتناول من لا يجلس، وإن قيل: إنها تصدق بدونه تناوله الأمر. [واللفظ الثاني]: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"، وقد أخرجه البخاريّ في: "أبواب صلاة التطوع" من رواية عبد اللَّه بن سعيد -هو: ابن أبي هند- عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، بإسناده. وهذه الرواية إنما فيها النهي عن الجلوس حتى يصلي، فمن دخل ولم يجلس، بل مرّ في المسجد مجتازًا فيه، أو دخل لحاجة ثم خرج ولم يجلس لم يتناوله هذا النهي. ولكن أخرجه أبو داود من رواية أبي عُميس، عن عامر بن عبد اللَّه، عن رجل من بني زريق، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ، بنحوه، زاد فيه: "ثم ليقعد بعد إن شاء، أو ليذهب إلى حاجته". وهذه الزيادة تدلّ على تناول الأمر لمن قعد ومن لم يقعد، ولعلها مدرجة في الحديث.

стр. 8536

وقد خرّج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في "كتاب الشافي" هذا الحديث من هذا الوجه، ووقفه كله على أبي قتادة ﵁. وقد فرّق أحمد وإسحاق بين أن يجلس الداخل في المسجد، فقالا: لا يجلس فيه حتى يصلي، قالا: وأما إذا مرّ فلا بأس، ولا يتخذه طريقًا، نقله إسحاق بن منصور عنهما. وكان ابن عمر يمرّ في المسجد ولا يصلي فيه. وفي "تهذيب المدونة": قال مالك: ومن دخل المسجد فلا يقعد حتى يركع ركعتين، إلا أن يكون مجتازًا لحاجة، فجائز أن يمرّ فيه ولا يركع، وقاله زيد بن ثابت ثم كره زيد أن يمر فيه ولا يركع، ولم يأخذ به مالك، وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلّون. قال: ورأيت ابن عمر يفعله، وكان سالم بن عبد اللَّه يمر فيه مقبلًا ومدبرًا ولا يصلي فيه، ورَخّص فيه الشعبي، وقال الحسن: لا بأس أن يستطرق المسجد، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مر في المسجد فصلى فيه ركعة، وقال: إنما هو تطوع، وقال: كَرِهْتُ أن أتخذه طريقًا، ومرَّ طلحة في المسجد، فسجد سجدة، ومر فيه الزبير فركع ركعة أو سجد سجدة، خرّجه وكيع في "كتابه"، وفي أسانيد المروي عن عمر وطلحة والزبير مقال. وفي جواز التطوع بركعة قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، وقد بوَّب البخاريّ على أن التطوع لا يكون إلا ركعتين يسلم فيهما، وخرّج فيه حديث أبي قتادة هذا مع غيره. وللشافعية خلاف فيما إذا صلى ركعة: هل يقضي بذلك حقّ المسجد، أم لا؟ والصحيح عندهم أنه لا يقضيه بذلك. وأما الاقتصار على سجدة فقول غريب. وفي النهي عن اتخاذ المسجد طريقًا أحاديث مرفوعة متعددة، في أسانيدها ضعف. وروينا من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن سالم، عن أبيه، قال: لقي عبد اللَّه رجل فقال: السلام عليك يا ابن مسعود. فقال عبد اللَّه: صدق اللَّه ورسوله؛ قال رسول اللَّه ﷺ : "من أشراط الساعة أن يمر الرجل في

стр. 8537

المسجد لا يصلي فيه ركعتين، ولا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وأن يُبْرِد الصبيُّ الشيخَ". الحكم بن عبد الملك، ضعيف. ورواه -أيضًا- ميمون أبو حمزة -وهو ضعيف جدًّا-، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعًا، وخرّجه البزار من رواية بشير بن سليمان أبي إسماعيل، عن سيار، عن طارق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ بمعناه، وخرَّجه الإمام أحمد بغير هذا اللفظ، ولم يذكر فيه المرور في المسجد، وذكر خِصَالًا أخر. وأما من مر على المسجد، فهل يستحب له الدخول إليه لقصد الصلاة فيه؟ لا نعلم في ذلك إلا ما رواه سعيد بن أبي هلال: أخبرني مروان بن عثمان، أن عبيد بن حنين أخبره، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فنمرّ على المسجد، فنصلي فيه، خرّجه النسائيّ، وبوّب عليه: "صلاة الذي يمر على المسجد". ومروان بن عثمان، قال فيه الإمام أحمد: لا يعرف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف. انتهى كلام ابن رجب ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح أن من دخل مسجدًا، ثم خرج قبل أن يجلس ليس عليه تحيّة المسجد؛ لظاهر النصّ، حيث قُيّد بالجلوس. وأما استطراق المسجد عند الحاجة فجائز؛ إذ الأحاديث الواردة في النهي عنه ضعيفة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): لفظ "المسجد" يتناول كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام، وجعلوا تحيته الطواف. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: فإن كان في ذلك خلاف، فلمخالفهم أن يستدِلَّ بهذا الحديث، وإن لم يكن فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح الدخول في محل العبادة بعبادة، وعبادة الطواف تُحَصِّل هذا

стр. 8538

المقصود، مع أن غير هذا المسجد لا يشاركه فيها، فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود مع الاختصاص. وأيضًا فقد يؤخذ ذلك من فعل النبيّ ﷺ في حجته حين دخل المسجد، فابتدأ بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث، واستمرّ عليه العمل، وذلك أخص من هذا العموم. وأيضًا فإذا اتفق أن طاف، ومَشَى على السُّنَّة في تعقيب الطواف بركعتيه، وجرينا على ظاهر اللفظ في الحديث، فقد وفينا بمقتضاه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه لا معنى لإخراج المسجد الحرام من هذا الحديث -كما يشير إليه آخر كلام ابن دقيق العيد ﵀، فإن من دخله، إما أن يكون محرمًا بأحد النسكين، أوْ لا، فإن كان محرمًا بأحدهما؛ فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف، ثم يصلي ركعتين -كما ثبت عن النبيّ ﷺ فمن فعل بالسنة فقد عَمِلَ بحديث الباب؛ لأن المطلوب منه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وقد وُجِد، وإن لم يكن محرمًا، فإن أراد الطواف فكذلك، وإلا فليركع ركعتين قبل أن يجلس. والحاصل أن المسجد الحرام كسائر المساجد في طلب الركعتين قبل الجلوس، تقدَّمهما طواف، أم لا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): إذا صلى العيد في المسجد، فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: والظاهر من لفظ الحديث أنه يصلي، ولكن جاء في الحديث: "أن النبيّ ﷺ لم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها"، أعني صلاة العيد، والنبيّ ﷺ لم يصلِّ العيد في المسجد، ولا نُقِل عنه ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل، ويَفهَم فاهم أن ترك الصلاة قبل العيد، وبعدها من سنة صلاة العيد، من حيث هي هي، وليس لكونها واقعة في الصحراء أثر في ذلك الحكم، فحينئذ يقع التعارض، غير أن ذلك يتوقف على أمر زائد، وقرائن تشعر بذلك، فإن لم يوجد فالاتباع أولى استحبابًا، أعني في ترك الركوع في الصحراء، وفعله في المسجد للمسجد، لا للعيد. انتهى.

стр. 8539

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: لم يُصَلِّ العيد في المسجد، ولا نُقِل عنه ذلك، هو كما قال، وأما ما رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، أنه أصابهم مطر يومًا، فصلى بهم النبيّ ﷺ العيد في المسجد، فضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن أبي فَرْوة مجهول. وقوله: فإن لم يوجد ذلك فالاتباع أولى؛ أي: إن لم توجد القرائن الدالة على ما ذكره، فالاتباع بترك الركعتين في الصحراء، وفعلهما في المسجد له، لا للعيد، هو الأولى. قال العلامة الصنعانيّ ﵀: وهذا هو المنهج الواضح، وصلاته في المسجد لأجله، لا للعيد، وتركها في الصحراء، أعني ترك صلاة التحية في مصلى الصحراء، لا للمنع عن الصلاة، فإن الترك لا ظاهر له يقتضي المنع عن الصلاة مطلقًا، ولا يوجد منه ما يعارض حديث: "الصلاة خير موضوع". والعجب من ذكر هذا الخلاف في تحية المسجد، والصحراءُ ليست من المساجد، وهذا بناءٌ على أن الصحراء غير مُسَبَّلَة، وإلا فهي مسجد. نعم يؤخذ من ترك الصلاة قبل صلاة العيد استحباب تعجيلها، وعدم الاشتغال بغيرها من النوافل، ولمثل هذا أُخّرت الخطبة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): قال الإمام النوويّ ﵀: لو تكرر دخوله في المسجد في الساعة الواحدة مرارًا، قال صاحب "التَّتِمّة": تستحب التحية لكل مرة، وقال المحاملي في "اللباب": أرجو أن تجزئه التحية مرة واحدة، والأول أقوى، وأقرب إلى ظاهر الحديث. انتهى (٢). وقال ابن دقيق العيد ﵀: من أكثر تردده إلى المسجد، وتكرر، هل يؤمر بتكرار الركعتين؟ قال بعضهم: لا، وقاسه على الحَطَّابين، والفَكَّاهين المترددين إلى مكة في سقوط الإحرام عنهم، إذا تكرر ترددهم. والحديث يقتضي التكرر بتكرر الدخول.

стр. 8540

وقول هذا القائل يتعلق بمسألة أصولية، وهو تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين في ذلك أقوال متعددة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذا الكلام نظرٌ لا يخفى؛ إذ هذا القياس غير صحيح؛ لأن دخول مكة لمن لم يرد الحج والعمرة بغير إحرام جائز على القول الراجح، سواء تكرر أم لا؛ فقد دخل النبيّ ﷺ عام الفتح بلا إحرام، فالقول بوجوب الإحرام مما لا دليل عليه، فقياس دخول المسجد عليه مع وجود النصّ قياس فاسد، فالراجح ما رجّحه النوويّ ﵀. والحاصل أن تكرّر الصلاة بتكرّر الدخول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ (١)، حَدَّثَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ (٣) الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟ "، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ، قَالَ: "فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 8541

٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن منقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) وهو ابن (٧٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عمرو بن يحيى، والباقون كوفيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: محمد بن يحيى، عن عمرو بن سُليم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام- الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعيّ بن بَلْدَمَة، وقد اختُلف في اسمه (صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بجرّ "صاحبِ" صفة لأبي قتادة، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) أي: بينهم، يقال: هو نازلٌ بين ظَهرانيهم -بفتح النون- قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعةٌ: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْريهم، وبين

стр. 8542

أَظْهُرهم، كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله في "المصباح" (١). (قَالَ) أبو قتادة ﵁ (فَجَلَسْتُ) أي: دون أن يصلي ركعتين (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا) استفهاميّةٌ، والاستفهام للإنكار (مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟ ") هذا يدلّ على أن أبا قتادة ﵁ كان يعلم قبل ذلك مشروعيّة ركعتين لمن دخل المسجد قبل أن يجلس، وإلا لما أنكر عليه في ذلك، بل كلّمه في مشروعيّتهما (قَالَ) أبو قتادة معتذرًا من عدم صلاته (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ) أي: فجلست موافقةً لكم، أو فاستحييت مخالفتكم، فجلست دون أن أركعهما (قَالَ) ﷺ ("فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ") فيه التصريح بكراهة الجلوس بلا صلاة ركعتين، واستحبابهما في أيّ وقت دخل، وهو مذهب الشافعيّ، وجماعة، وهو الأرجح، كما أسلفنا تحقيقه في شرح الحديث الماضي. [تنبيه]: عموم هذا الحديث يشمل المسجد الحرام، وأما ما اشتهر بين الناس من أن تحيّة المسجد الحرام هو الطواف، لا الصلاة، فمخالف لهذا الحديث وغيره، فتحيّة المساجد مطلقًا هي صلاة ركعتين، ولا ينافي ذلك كون السنّة أن يبدأ من أحرم بالحجّ، أو العمرة أن يبدأ بالطواف؛ لأن الذي يبدأ بالطواف يصلي عقبه ركعتي الطواف قبل أن يجلس، فقد حصل المطلوب من امتثال الأمر بقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين"، وكذلك لا يتناوله النهي بقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين". والحاصل أن من دخل المسجد الحرام إن كان لا يريد الطواف، فليركع ركعتين قبل أن يجلس، وإن كان يريد الطواف لحج أو عمرة، أو تطوّعًا،

стр. 8543

فليركع بعد الطواف ركعتي الطواف، وقد حصل امتثال الأمر بأداء ركعتين، فتفطّن لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٨٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٠٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٦] (٧١٥) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، فَقَضَانِي، وَزَادَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لِي: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ (١) الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ) الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (١٣٨) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: ابن عُبيد الرحمن -بتصغير الاسمين- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كُتُبًا في الثوريّ، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الحافظ الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.

стр. 8544

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، وعبيد اللَّه الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والصحابيّ مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه آنفًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ) هذا الدين هو ثمن جمل جابر ﵁، وسيأتي في الباب التالي من طريق شعبة، عن محارب، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "اشترى مني رسول اللَّه ﷺ بعيرًا، فلما قدِم المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأُصلّي ركعتين". وقصّة جمله ستأتي للمصنّف في "كتاب المساقاة": من طريق الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ ، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: "ما لبعيرك؟ "، قال: قلت: عَلِيلٌ، قال: فتخلف رسول اللَّه ﷺ ، فزجره، ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدّامها يسير، قال: فقال لي: "كيف ترى بعيرك؟ " قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال: "أفتبيعنيه؟ "، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت، نعم، فبعته إياه على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة، قال: فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه، قال: وقد كان رسول اللَّه ﷺ قال لي حين استأذنته: "ما تزوجت، أبكرًا أم ثيبًا؟ "، فقلت له: تزوجت ثيبًا، قال: "أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ "، فقلت له: يا رسول اللَّه، تُوُفِّي والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج إليهنّ مثلهنّ، فلا تؤدبهنّ، ولا تقوم عليهنّ، فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهنّ، وتؤدبهنّ، قال: فلما قدم

стр. 8545

رسول اللَّه ﷺ المدينة غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ. وفي رواية: قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول اللَّه ﷺ ، فاعتَلَّ جملي، وساق الحديث بقصته، وفيه: ثم قال لي: "بعني جملك هذا"، قال: قلت: لا، بل هو لك، قال: "لا، بل بعنيه"، قال: قلت: لا، بل هو لك يا رسول اللَّه، قال: "لا، بل بعنيه"، قال: قلت: فإن لرجل عليّ أوقيةَ ذهب، فهو لك بها، قال قد أخذته، فتبلَّغ عليه إلى المدينة، قال: فلما قَدِمت المدينة قال رسول اللَّه ﷺ لبلال: "أعطه أوقيةً من ذهب، وزده"، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول اللَّه ﷺ ، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرَّة. وفي رواية قال: كنا مع النبيّ ﷺ في سفر، فتخلّف ناضحي، وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال لي: "اركب باسم اللَّه"، وزاد أيضًا: قال: فما زال يزيدني، ويقول: واللَّه يغفر لك". انتهى. وسيأتي شرح الحديث مستوفى في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَقَضَانِي) أي: أدّى إليّ ذلك الدين، وكان أُوقيّة من ذهب، كما بُيّن في الرواية المذكورة آنفًا (وَزَادَنِي) أي: قيرَاطًا، كما بيّن في الرواية أيضًا (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على النبيّ ﷺ (الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَقَالَ لِي: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ"). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر أن هذه الصلاة غير الصلاة التي تأتي في حديث جابر ﵁ الآتي في الباب التالي؛ لأنه في تلك وجد النبيّ ﷺ على باب المسجد، فقال له: "ادخل، فصلّ ركعتين"، وأما هذه فظاهرها أنه ﷺ كان داخل المسجد، فدخل عليه جابر، فأمره بصلاة ركعتين، ونحوها رواية البخاريّ من طريق مسعر، عن محارب بلفظ: "أتيت النبيّ ﷺ ، وهو في المسجد"، فظاهره أنه وجده داخل المسجد، فعلى هذا يتم الاستدلال بهذا الحديث على الأمر بصلاة تحيّة المسجد. والحاصل أن الذي يظهر من هذه الرواية، حيث إن فيها: "أتيتُ النبيّ ﷺ وهو في المسجد"، أنه دخل عليه ﷺ وهو في المسجد، فأمره بصلاة ركعتين تحيّة للمسجد، والظاهر أن هذا في وقت آخر، غير ما في الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق وهب بن كيسان، عن جابر ﵁ بلفظ: "فجئتُ المسجد،
следующие страницы →