٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الأَنْصَارِيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن منقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) وهو ابن (٧٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عمرو بن يحيى، والباقون كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: محمد بن يحيى، عن عمرو بن سُليم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام- الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبْعيّ بن بَلْدَمَة، وقد اختُلف في اسمه (صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بجرّ "صاحبِ" صفة لأبي قتادة، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) أي: بينهم، يقال: هو نازلٌ بين ظَهرانيهم -بفتح النون- قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعةٌ: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْريهم، وبين
стр. 8542
أَظْهُرهم، كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله في "المصباح" (١).
(قَالَ) أبو قتادة ﵁ (فَجَلَسْتُ) أي: دون أن يصلي ركعتين (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا) استفهاميّةٌ، والاستفهام للإنكار (مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟ ") هذا يدلّ على أن أبا قتادة ﵁ كان يعلم قبل ذلك مشروعيّة ركعتين لمن دخل المسجد قبل أن يجلس، وإلا لما أنكر عليه في ذلك، بل كلّمه في مشروعيّتهما (قَالَ) أبو قتادة معتذرًا من عدم صلاته (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ) أي: فجلست موافقةً لكم، أو فاستحييت مخالفتكم، فجلست دون أن أركعهما (قَالَ) ﷺ ("فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ") فيه التصريح بكراهة الجلوس بلا صلاة ركعتين، واستحبابهما في أيّ وقت دخل، وهو مذهب الشافعيّ، وجماعة، وهو الأرجح، كما أسلفنا تحقيقه في شرح الحديث الماضي.
[تنبيه]: عموم هذا الحديث يشمل المسجد الحرام، وأما ما اشتهر بين الناس من أن تحيّة المسجد الحرام هو الطواف، لا الصلاة، فمخالف لهذا الحديث وغيره، فتحيّة المساجد مطلقًا هي صلاة ركعتين، ولا ينافي ذلك كون السنّة أن يبدأ من أحرم بالحجّ، أو العمرة أن يبدأ بالطواف؛ لأن الذي يبدأ بالطواف يصلي عقبه ركعتي الطواف قبل أن يجلس، فقد حصل المطلوب من امتثال الأمر بقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين"، وكذلك لا يتناوله النهي بقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين".
والحاصل أن من دخل المسجد الحرام إن كان لا يريد الطواف، فليركع ركعتين قبل أن يجلس، وإن كان يريد الطواف لحج أو عمرة، أو تطوّعًا،
стр. 8543
فليركع بعد الطواف ركعتي الطواف، وقد حصل امتثال الأمر بأداء ركعتين، فتفطّن لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٨٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٠٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٦] (٧١٥) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، فَقَضَانِي، وَزَادَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لِي: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ (١) الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ) الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (١٣٨) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: ابن عُبيد الرحمن -بتصغير الاسمين- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كُتُبًا في الثوريّ، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الحافظ الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 8544
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، وعبيد اللَّه الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والصحابيّ مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه آنفًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ) هذا الدين هو ثمن جمل جابر ﵁، وسيأتي في الباب التالي من طريق شعبة، عن محارب، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "اشترى مني رسول اللَّه ﷺ بعيرًا، فلما قدِم المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأُصلّي ركعتين".
وقصّة جمله ستأتي للمصنّف في "كتاب المساقاة": من طريق الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ ، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: "ما لبعيرك؟ "، قال: قلت: عَلِيلٌ، قال: فتخلف رسول اللَّه ﷺ ، فزجره، ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدّامها يسير، قال: فقال لي: "كيف ترى بعيرك؟ " قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال: "أفتبيعنيه؟ "، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت، نعم، فبعته إياه على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة، قال: فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه، قال: وقد كان رسول اللَّه ﷺ قال لي حين استأذنته: "ما تزوجت، أبكرًا أم ثيبًا؟ "، فقلت له: تزوجت ثيبًا، قال: "أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ "، فقلت له: يا رسول اللَّه، تُوُفِّي والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج إليهنّ مثلهنّ، فلا تؤدبهنّ، ولا تقوم عليهنّ، فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهنّ، وتؤدبهنّ، قال: فلما قدم
стр. 8545
رسول اللَّه ﷺ المدينة غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ.
وفي رواية: قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول اللَّه ﷺ ، فاعتَلَّ جملي، وساق الحديث بقصته، وفيه: ثم قال لي: "بعني جملك هذا"، قال: قلت: لا، بل هو لك، قال: "لا، بل بعنيه"، قال: قلت: لا، بل هو لك يا رسول اللَّه، قال: "لا، بل بعنيه"، قال: قلت: فإن لرجل عليّ أوقيةَ ذهب، فهو لك بها، قال قد أخذته، فتبلَّغ عليه إلى المدينة، قال: فلما قَدِمت المدينة قال رسول اللَّه ﷺ لبلال: "أعطه أوقيةً من ذهب، وزده"، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول اللَّه ﷺ ، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرَّة.
وفي رواية قال: كنا مع النبيّ ﷺ في سفر، فتخلّف ناضحي، وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال لي: "اركب باسم اللَّه"، وزاد أيضًا: قال: فما زال يزيدني، ويقول: واللَّه يغفر لك". انتهى.
وسيأتي شرح الحديث مستوفى في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَقَضَانِي) أي: أدّى إليّ ذلك الدين، وكان أُوقيّة من ذهب، كما بُيّن في الرواية المذكورة آنفًا (وَزَادَنِي) أي: قيرَاطًا، كما بيّن في الرواية أيضًا (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على النبيّ ﷺ (الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَقَالَ لِي: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ").
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر أن هذه الصلاة غير الصلاة التي تأتي في حديث جابر ﵁ الآتي في الباب التالي؛ لأنه في تلك وجد النبيّ ﷺ على باب المسجد، فقال له: "ادخل، فصلّ ركعتين"، وأما هذه فظاهرها أنه ﷺ كان داخل المسجد، فدخل عليه جابر، فأمره بصلاة ركعتين، ونحوها رواية البخاريّ من طريق مسعر، عن محارب بلفظ: "أتيت النبيّ ﷺ ، وهو في المسجد"، فظاهره أنه وجده داخل المسجد، فعلى هذا يتم الاستدلال بهذا الحديث على الأمر بصلاة تحيّة المسجد.
والحاصل أن الذي يظهر من هذه الرواية، حيث إن فيها: "أتيتُ النبيّ ﷺ وهو في المسجد"، أنه دخل عليه ﷺ وهو في المسجد، فأمره بصلاة ركعتين تحيّة للمسجد، والظاهر أن هذا في وقت آخر، غير ما في الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق وهب بن كيسان، عن جابر ﵁ بلفظ: "فجئتُ المسجد،
стр. 8546
فوجدته على باب المسجد، قال: "الآن حين قدِمتَ؟ "، قلت: نعم، قال: "دَعْ جملك، وادخل، فصلّ ركعتين"، قال: فدخلت، فصلّيت، ثم رجعت"، فهذه الرواية ظاهرة في أن ذلك كان أول ما قدِم من سفره، فوجده على باب المسجد، فأمره بأن يدخل، فيُصلي ركعتين، وهما سنّة القدوم من السفر، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ١٦٥٦ و ١٣/ ١٦٥٧ و ١٦٥٨] (٧١٥)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٤٣) و"البيوع" (٢٠٩٧) و"الاستقراض" (٢٣٩٤) و"الهبة" (٢٦٠٤) و"الجهاد" (٣٠٨٧ و ٣٠٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٩٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٤١ و ١٢٤٢ و ١٢٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦١٠ و ١٦١١ و ١٦١٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تحيّة المسجد بصلاة ركعتين فيه.
٢ - (ومنها): بيان جواز الاستدانة من الناس.
٣ - (ومنها): وجوب قضاء الدين.
٤ - (ومنها): جواز البيع إلى أجل؛ لأن جابرًا ﵁ باع جمله بثمن مؤجّل.
٥ - (ومنها): استحباب الزيادة في قضاء الدين، ولا يكون ذلك من باب الربا؛ لأنه ﷺ قضى جابرًا دينه، وكان أوقيّةً، وزاده قيراطًا، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على النبيّ ﷺ سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: "أعطوه"، فطلبوا سِنَّهُ، فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها، فقال: "أعطوه"، فقال: أوفيتني أوفى اللَّه بك، قال النبيّ ﷺ : "إن خيارَكم أحسنُكم قضاءً"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 8547
(١٣) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنَي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، وهو دليل واضح على استحباب الابتداء بالمسجد لمن قدِمَ من السفر، فيصلي فيه ركعتين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، وَأَعْيَا، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 8548
قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ (١): "الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرَشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٧٩٧.
والصحابيّ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن وهب، وتقدّم الكلام في جابر ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ)
стр. 8549
-بفتح الغين المعجمة، اسم من الغَزْو، قال ابن الأثير ﵀: "الْغَزْوة": المرّة من الغزو، والاسم: الْغَزَاةُ. انتهى (١). وقال في "المختار": غَزَوت العدوَّ، من باب عَدَا، والاسم: الْغَزَاةُ، ورجلٌ غازٍ، وجمعه: غُزَاةٌ، كقاضٍ وقُضاة، وغُزًّى، كسابق وسُبَّق، وغَزِيّ، كحاجّ وحَجِيج، وقاطنٍ وقَطِينٍ، وغُزّاءٌ، كفاسق وفُسّاق. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": غزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم. انتهى (٣).
ويقال: إن الغزوة التي فيها هي غزوة ذات الرقاع، وقيل: هي غزوة تبوك، ورجّح الحافظ الأول؛ لأنه قول أهل المغازي، وهم أضبط لذلك من غيرهم، وأيضًا فإن النبيّ ﷺ قال له: "هل تزوّجت؟ "، قال: نعم إلى آخر القصّة، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيّب بأن أباه استُشهد بأُحُد، وترك أخواته، فتزوّج ثيّبًا؛ لتمشّطهنّ، وتقوم عليهنّ، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصّة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أُحُد بسنة واحدة على الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، أفاده في "الفتح" (٤).
(فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي) أي: تأخّر سيره، يقال: أبطأ الرجلُ: تأخّر مجيئه، وبَطُؤَ مجيئه بُطْئًا، من باب قَرُب، وبَطاءَةً بالفتح والمدّ، فهو بطيء، على فعيل (٥).
(وَأَعْيَا) أي: تَعِبَ، وعجز عن السير، يقال: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، من باب تَعِبَ عِيًّا: عَجَزَ عنه، وقد يُدْغَم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٌّ، وعَيِيٌّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ بالأمر: لم يَهتَد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييتُ يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، وأعيا في مشيه، فهو مُعْيٍ، منقوصٌ (٦).
стр. 8550
(ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ) الظاهر أنه أراد غداة اليوم الذي يلي يوم قدومه ﷺ ، وهذا يخالف ما تقدّم في الرواية الأخرى من أنه قال: "فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة"، فإنه يدلّ على أنه سبق الناس.
ويُمكن الجمع بأن يقال: إنه لا يلزم من قوله: فتقدّمت الناس أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقوه بعد أن تقدّمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، واستمرّ النبيّ ﷺ على سيره حتى دخل المدينة قبله، ثم قدم بعده بالغداة، واللَّه تعالى أعلم.
(فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ) وفي نسخة: "فقال" ("الْآنَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بخبر لـ "حين قدمت"، وهو على تقدير أداة الاستفهام؛ أي: آلآنَ، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِمَ دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز المشتركات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه (١). (حِينَ قَدِمْتَ؟ ") ببناء "حين" على الفتح؛ لإضافتها إلى الفعل الماضي، ويجوز إعرابها، فيُرفع على أنه مبتدأ، خبره الظرف قبله، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
ومنه قول الشاعر:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا … فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
رُوي بفتحِ "حين" على البناء، وكسرها على الإعراب.
(قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) ﷺ ("فَدَعْ) أي: اترك (جَمَلَكَ، وَادْخُلْ) المسجد (فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"، قَالَ) جابر ﵁ (فدَخَلْتُ) المسجد (فَصَلَّيْتُ) الركعتين، ففيه استحباب صلاة ركعتين عند القدوم من السفر، واستحباب البداءة بالمسجد قبل البيت (ثُمَّ رَجَعْتُ) أي: إلى جهة حاجته.
والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، وسيأتي أيضًا مطوّلًا في
стр. 8551
"الرضاع" و"المساقاة"، ويأتي هناك شرحه مستوفًى -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٩] (٧١٦) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا، فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبله.
٢ - (الضَّحَّاكُ، أَبُو عَاصِمٍ) ابن مَخْلد بن الضحّاك النبيل الشيبانيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، تقدّم قبل بابين.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريبًا.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وجدّه، وعمّه، عبيد اللَّه، وأبي هريرة، وجابر، وسلمة بن الأكوع على خلاف فيه.
стр. 8552
وروى عنه الزهريّ، ومحمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قيل: إنه كان أعلم قومه، وأوعاهم، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال خليفة بن خياط: مات في خلافة هشام بن عبد الملك.
ووقع في "صحيح البخاريّ" في "الجهاد" تصريحه بالسماع من جدّه، وقال الذهليّ في "العلل": ما أظنه سمع من جدّه شيئًا، وقال الدارقطنيّ: روايته عن جدّه مرسل، وقال أبو العباس الطَّرْقيّ: إنما رَوَى عن جدّه أحرفًا في الحديث، ولم يمكنه الحديث بطوله، فاستثبته من أبيه. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧١٦) و (١٨٠٢) و (٢٧٦٩).
٨ - (أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ) بن مالك الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢]، يقال: له رؤيةٌ (ت ٧ أو ٩٨) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٠.
٩ - (عَمُّهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو فَضَالة المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه أخوه مَعْبد، وابن أخيه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، والزهريّ.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو أحمد الحاكم: كان أعلم قومه، وأوعاهم لأحاديث الصحابة، وذكر ابن حبان أنه سمع من عثمان، وأخرج له أبو يعلى في "مسنده" حديثًا أرسله، لذلك ذكره الذهبيّ في "تجريد الصحابة"، وهو وَهَمٌ، قاله الحافظ ﵀.
أخرج له البخاري والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عند المصنّف، وأبي داود إلا هذا الحديث، وله عند البخاريّ حديثان، وعند النسائيّ حديثان أيضًا.
١٠ - (كَعْبُ بْنُ مَالِكِ) بن أبي كعب، واسمه عمرو بن الْقَيْن بن كعب بن سَوّاد بن غَنْم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد: ويقال: أبو بشير المدنيّ الشاعر.
стр. 8553
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أُسَيد بن حُضير، وعنه أولاده: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومحمد، ومَعْبَد، وعبد الرحمن، وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد اللَّه، وابن عباس، وجابر، وأبو أُمامة الباهليّ، وعُمَر بن الحكم بن ثوبان، وعُمر بن الحكم بن رافع، وعُمر بن كثير بن أفلح، وعليّ بن أبي طلحة، وأبو جعفر الباقر، ولم يدركاه.
قال ابن الكلبيّ: شَهِد بدرًا، كذا قال، وقد صَحّ عن كعب أنه قال: تخلَّفت عن بدر، وقال الهيثم بن عديّ: تُوُفّي سنة إحدى وخمسين، وقال ابن الْبَرْقيّ: مات قبل الأربعين، وقال الواقديّ: سنة (٥٠)، وقال ابن عون، عن ابن سيرين: كان ثلاثة من الأنصار يُهَاجُون عن رسول اللَّه ﷺ : حسان، وابن رواحة، وكعب، وهو أحد الثلاثة الذين تاب اللَّه عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وهو أحد السبعين الذين شَهِدوا العقبة، وذكر ابن حبّان أنه مات أيام قَتْل عليّ ﵁، وقال ابن سعد: آخى النبيّ ﷺ بينه وبين الزبير، وقيل: طلحة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، هذا برقم (٧١٦) وحديث (١١٤٢) و (١٥٥٨) و (٢٠٣٢) وكرّره ثلاث مرّات، و (٢٧٦٩) و (٢٨١٠) وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة تحمله عنهما، حيث أخذ عن ابن المثنّى مع جماعة، ولذا قال: "حدّثنا"، وعن ابن غيلان وحده، ولذا قال: "وحدّثني"، فتنبّه لهذه الدقائق.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار إلى عبد اللَّه بن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: ابن شهاب، عن عبد الرحمن، عن أبيه، وعمّه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، أنزل اللَّه تعالى في
стр. 8554
شأن توبته وصاحبيه: هلال بن أميّة الواقفيّ، ومُرارة بن ربيعة العامريّ ﵃ قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٨].
شرح الحديث:
(عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدَمُ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع قَدِم بكسر الدال، قال في "القاموس": وقَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا، وقِدْمَانًا بالكسر: آبَ، فهو قادمٌ، وجمعه كعُنُقٍ، وزُنَّارٍ. انتهى (١). (مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَارًا) فيه استحباب القدُوم في النهار، وإنما كان يفعل ذلك؛ لأنه قد نَهَى أن يطرُق الرجل أهله ليلًا، وقد نَبَّهَ على تعليله في حديث جابر ﵁، قال: "نَهَى رسول اللَّه ﷺ أن يَطْرُق الرجل أهله ليلًا، يتخَوَّنهم، أو يلتمس عَثَرَاتهم"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أيضًا أن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخلت ليلًا، فلا تدخل على أهلك، حتى تَستَحِدّ الْمُغِيبةُ، وتَمْتَشِط الشَّعِثَةُ"، متّفقٌ عليه، واللفظ للبخاريّ.
واقتصر هنا كعب ﵁ على ذكر وقت الضحى، وقد رواه أنس ﵁، فقال: "كان النبيّ ﷺ لا يطرُقُ أهله، كان لا يدخل إلا غُدْوةً، أو عشيَّةً"، متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم: "لا يطرُقُ أهله ليلًا، وكان يأتيهم غُدْوةً، أو عشيَّةً".
قال القرطبيّ-﵀: وكأنه كان أكثر قدومه في أول النهار؛ ليبدأ بالصلاة في المسجد، فكان يتأخّر حتى يخرج وقت النهي. انتهى (٢).
وقوله: (فِي الضُّحَى) بدل من الجارّ والمجرور قبله، قال في "القاموس": الضَّحْوة، والضَّحِيّةُ، كعشيّة: ارتفاع النهار، والضُّحَى فُويقه، ويُذكّر، ويُصغَّر ضُحَيًّا بلا هاء، والضَّحَاءُ بالمدّ: إذا قَرُبَ انتصاف النهار، وبالضمّ والقصر: الشمسُ. انتهى (٣).
وقال في "المصباح": الضَّحاءُ بالفتح والمدّ: امتداد النهار، وهو مذكّرٌ،
стр. 8555
كأنه اسم للوقت، والضَّحْوةُ مثله، والجمع ضُحًى، مثلُ قَرْية وقُرَى، وارتفعت الضُّحَى: أي: ارتفعت الشمس، ثم استُعمل الضُّحَى استعمال المفرد، وسُمّي بها حتى صُغِّر على ضُحَيّ بغير هاء، وقال الفرّاء: كرِهُوا إدخال الهاء؛ لئلا يلتبس بتصغير ضَحْوَة. انتهى (١).
(فَإِذَا قَدِمَ) أي: رجع من سفره (بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: "ثم جلس للناس"؛ أي: لأجل أن يسلّم عليه الناس، وفي رواية لأحمد: "لا يقدم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيُصلي فيه ركعتين، ويقعُد"، وفي رواية ابن أبي شيبة: "ثم يدخل على أهله"، وفي حديث أبي ثعلبة: "كان إذا قَدِمَ من سفره بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثم يُثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه"، وفي لفظ: "ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم أتى بيوت نسائه"، ذكره في "الفتح" (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٦٥٩] (٧١٦) وفي "كتاب التوبة" (٢٧٦٩)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٣٠٨٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٢٧٨١)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (٦/ ٣٥٩) رقم (١١٢٣٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٤٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦١٣ و ١٦١٤ و ١٦١٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صلاة ركعتين لمن قدِم من السفر، قال النووىّ ﵀: وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر، لا أنها تحيّة المسجد،
стр. 8556
والأحاديث المذكورة صريحةٌ في ذلك. انتهى (١).
وقال في "الفتح": يستحبّ للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته، فيصلي فيه، ثم يجلس لمن يُسلّم عليه. انتهى (٢).
٢ - (ومنها): بيان استحباب القدوم من السفر نهارًا، ولا يطرُق أهله ليلًا؛ لما سبق من النهي.
٣ - (ومنها): استحباب كون القدوم وقت الضحى، قال النوويّ ﵀: فيه استحباب القدوم أوائل النهار. انتهى (٣).
٤ - (ومنها): استحباب البداء بالمسجد قبل البيت.
٥ - (ومنها): استحباب الجلوس في المسجد؛ لكونه أسهل على من يريد استقباله، والسلام عليه، بخلاف البيت، فإنه ربّما يشقّ على الناس، أو على أهل بيته كثرة دخول الناس فيه.
وقال النوويّ ﵀: وفيه أنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة، ومَن يقصده الناس إذا قَدِم من سفر للسلام عليه أن يقعد أَوَّلَ قدومه قريبًا من داره، في موضع بارز، سَهْلٍ على زائريه، إما المسجد، وإما غيره. انتهى (٤).
٦ - (ومنها): استحباب السلام على القادم، وتلقّيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أقَلَّهَا رَكْعَتَانِ، وَبَيَانِ فَضْلِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٠] (٧١٧) - (وَحَدَّثَنَا (٥) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،
стр. 8557
عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) هو: ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ، فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﵄، أم المؤمنين، تُوفيت ﵂ سنة (٥٧) أو بعدها (ع)، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فإنه فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعبد اللَّه بن شقيق، فأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة ﵂ فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن ابن شقيق.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ: أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) ﵂ (هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟) أي: صلاة الضحى؟ (قَالَتْ: لَا) أي: كان لا يصليها (إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ) -بفتح الميم، وكسر المعجمة- يكون مصدرًا
стр. 8558
لغاب يَغِيب غَيْبَةً، وغِيَابًا -بالكسر- وغُيُوبًا، ويكون مَحَلَّ الغَيْبَة، وهو المراد هنا؛ أي: إلا أن يقدَم من سفره.
وهذا الذي قالته عائشة ﵂ يفيد أنه ﷺ لم يصلِّ صلاة الضحى إلا عند القدوم من السفر، وقد جاء عنها في ذلك أشياء مختلفة، فقد أخرج الشيخان من طريق عروة، عنها، أنها قالت: "ما رأيت رسول اللَّه ﷺ سبّح الضحى، وإني لأسبّحها"، وفي لفظ: "ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يُصلي سُبحة الضحى قطّ، وإني لأسبّحها، وإن كان رسول اللَّه ﷺ ليَدَع العمل، وهو يُحبّ أن يعمل به، خشيةَ أن يعمل به الناس، فيُفرَضَ عليهم" (١).
ويأتي للمصنّف من طريق معاذة العدوية، أنها سألت عائشة ﵂: كم كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الضحى؟، قالت: "أربعًا، ويزيد ما شاء"، وفي رواية: "ويزيد ما شاء اللَّه".
ففي الأول نفي صلاته ﷺ صلاةَ الضحى مُقيّدًا بغير المجيء من مغيبه، وفي الثاني نفي رؤيتها لذلك مطلقًا، وفي الثالث إثباتها مطلقًا.
قال الإمام ابن المنذر ﵀: خَفِي على عائشة ﵂ صلاته ﷺ صلاة الضحى في غير اليوم الذي كان يَقْدَم فيه من مغيبه، كما خَفِي على أُسامة ﵁ صلاة النبيّ ﷺ في الكعبة. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه" ما حاصله: الجمع بين حديثي عائشة ﵂ في نفي صلاته ﷺ الضحى، وإثباتها، أن النبيّ ﷺ كان يصليها في بعض الأوقات؛ لفضلها، ويتركها في بعضها خشيةَ أن تُفْرَض، كما ذكرته عائشة ﵂، ويُتَأَوَّل قولها: "ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه"، على أن معناه: ما رأيته؛ كما قالت في روايتها الأخرى: "ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلي سبحة الضحى".
وسببه أن النبيّ ﷺ ما كان يكون عند عائشة ﵂ في وقت الضحى إلا في وقت نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرًا، وقد يكون حاضرًا،
стр. 8559
ولكنه في المسجد، أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه، فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصحّ قولها: "ما رأيته يصليها"، وتكون قد علمت بخبره، أو خبر غيره أنه صلاها، أو يقال: قولها: "ما كان يصليها"؛ أي: يداوم عليها، فيكون نفيًا للمداومة، لا لأصلها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وقد اختَلَفَ العلماء في ذلك:
فذهب ابن عبد البرّ وجماعة إلى ترجيح ما اتفق الشيخان عليه، دون ما انفرد به مسلم، وقالوا: إن عدم رؤيتها لذلك لا يستلزم عدم الوقوع، فيقدّم من رُوِي عنه من الصحابة الإثباتُ.
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، قال البيهقيّ: عندي أن المراد بقولها: "ما رأيته يسبّحها"؛ أي: يُداوم عليها، وقولها: "وإني لأسبّحها"؛ أي: أداوم عليها، وكذا قولها: "وما أحدث الناس شيئًا" تعني المداومة عليها، قال: وفي بقية الحديث إشارة إلى ذلك، حيث قالت: "وإن كان لَيَدَعُ العملَ، وهو يحبّ أن يعمله خشية أن يَعْمَل به الناس، فيفرضَ عليهم". انتهى.
وحكى المحبّ الطبريّ أنه جمع بين قولها: "ما كان يصلي إلا أن يجيء من مغيبه"، وقولها: "كان يصليّ أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه": بأن الأول محمول على صلاته إياها في المسجد، والثاني على البيت، قال: ويعكُرُ (٢) عليه قولها: "ما رأيته يسبحها قطّ"، ويجاب عنه بأن المنفيّ صفة مخصوصة، وأَخَذَ الجمعَ المذكورَ من كلام ابن حبّان.
وقال عياض وغيره: قولها: "ما صلاها" معناه ما رأيته يصلّيها، والجمع بينه وبين قولها: "كان يصليها" أنها أَخبَرت في الإنكار عن عدم مشاهدتها، وفي الإثبات عن غيرها.
وقيل في الجمع أيضًا: يَحْتَمِلُ أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ، من هيئة مخصوصة، بعدد مخصوص، في وقت مخصوص، وأنه ﷺ إنما كان يصليها إذا قَدِمَ من سفر، لا بعدد مخصوص، ولا بغيره، كما قالت:
стр. 8560
"يصلي أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه". انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأحسنها قول من قال: إن نفي عائشة ﵂ لصلاته ﷺ الضحى مبنيّ على علمها، حيث لم تره يصليها إلا في حال قدومه من مغيبه، قال القرطبيّ ﵀: قيل: إنما نفت أن تكون رأته يصلّيها بحضرتها، وغير حال قدومه من سفر، وحيث صلى أربعًا كان إذا قَدِمَ من سفر. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيهات]:
(الأول): حديث عائشة ﵂ هذا يدلّ على ضعف ما روي عن النبيّ ﷺ أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، وعدّها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه ﷺ ، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح، وقول الماورديّ في "الحاوي": إنه ﷺ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات، يَعكُر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ ﵂ أنه لم يصلّها قبلُ، ولا بعدُ.
ولا يقال: إن نفي أم هانئ لذلك لا يلزم منه العدم؛ لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة؛ لأن عائشة ﵂ ذكرت أنه كان إذا عَمِل عملًا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوبَ عليه، قاله في "الفتح" (٣).
(الثاني): ذَكَرَ النوويّ ﵀ ما حاصله: صحّ عن ابن عمر ﵄ أنه قال في الضحى: هي بدعة، فيُحْمَل على أنه أراد أن صلاتها في المسجد، والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت، ونحوها مذمومٌ، أو يقال: قوله: بدعة؛ أي: المواظبة عليها؛ لأن النبيّ ﷺ لم يواظب عليها؛ خشيةَ أن تُفرض، وهذا في حقّه ﷺ ، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقّنا بحديث أبي الدرداء، وأبي ذرّ ﵁ الآتي؛ أو يقال: إن ابن عمر ﵄ لم يبلغه فعل النبيّ ﷺ الضحى، وأمْره بها، وكيف كان، فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما نُقل التوقّف فيها عن ابن مسعود، وابن عمر ﵃،
стр. 8561
واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أحسن الأجوبة عندي الجواب الأخير، فإنكار ابن عمر وغيره محمول على عدم العلم بثبوتها، وأضعفها، بل هو غير صحيح، ثانيها؛ لأن قوله: إن المواظبة عليها بدعة، يبطله ما ثبت في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء ﵃ مما يدلّ على أمر النبيّ ﷺ بالمحافظة على صلاة الضحى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(الثالث): زاد في رواية النسائيّ في حديث الباب: "قلت: هل كان رسول اللَّه ﷺ يصوم شهرًا كله؟، قالت: لا، ما علمت صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطر حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله".
وفي رواية: "قلت: هل كان رسول اللَّه ﷺ له صوم معلومٌ، سوى رمضان؟ قالت: واللَّه إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان، حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بجزء الصلاة فقط [١٤/ ١٦٦٠ و ١٦٦١] (٧١٧) وأخرجه بجزء الصوم فقط في "الصوم" (١١٥٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٩٢)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢١٨٣ و ٢١٨٤ و ٢١٨٥ و ٢٣٤٩) وفي "الكبرى" (٢٤٩٣ و ٢٤٩٤ و ٢٤٩٥ و ٢٦٥٨)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٦٨) وفي "الشمائل" (٢٨٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٠٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢١٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٣٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٢٦ و ٢٥٢٧)،
стр. 8562
و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢٧)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (١٦١٦ و ١٦١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٩ - ٥٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٠٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (١)، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ (٢) الْقَيْسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَيْسِيُّ) التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
[تنبيه]: قوله: "القيسيّ": نسبة إلى بني قيس، وهم أخواله، قال في "تهذيب الكمال": كَهْمَس بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، وأخواله قيس، وهو من النَّمِر بن قاسط، وكان نازلًا في بني قيس، وقيل: التيميّ، من تيم اللَّه بن النَّمِر بن قاسط، وليس فيهما تميم. انتهى (٣).
والباقيان ذُكرا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وهو من أفراد المصنّف ﵀، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8563
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٢] (٧١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا (١)، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وتقدّم الكلام على عائشة ﵂ في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى) بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة: النافلة، وأصلها من
стр. 8564
التسبيح، وخُصّت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة: سُبْحةٌ؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة، قاله في "الفتح" (١).
وقال ابن عبد البرّ ﵀: معناه: ما صلى صلاة الضحى، قال اللَّه : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣]، قال المفسرون: من المصلين، إلا أن أهل العلم لا يوقعون اسم سُبْحَة إلا على النافلة دون الفريضة؛ لقوله ﷺ : "واجعلوا صلاتكم معهم سبحةً"؛ أي: نافلة. انتهى (٢).
(قَطُّ) أي: في الزمان الماضي، قال في "القاموس": وما رأيته قطّ، ويُضمّ، ويُخفّفان، وقطٍّ مشدّدةً مجرورة بمعنى الدهر مخصوص بالماضي؛ أي: فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عُمُري. انتهى (٣)، وقد نظم شيخنا المناسيّ ﵀ ما ذُكر بقوله:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ
قال الخطّابيّ ﵀: وهذا من عائشة ﵂ إخبارٌ عما علمته، دون ما لم تعلم، وقد ثبت أنه ﷺ صلى صلاة الضحى يوم الفتح، وأوصى أبا ذرّ وأبا هريرة ﵁، وقال ابن عبد البرّ ﵀: أما قولها: ما سبّح سُبحة الضحى قطّ، فهو أن مِن عِلْمِ السنن علمًا خاصًّا يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض، فليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وهذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، وإنما حَصَلَ المتأخرون على علم ذلك مذ صار العلم في الكتب، لكنهم بذلك دخلت حفظهم داخلة، فليسوا في الحفظ كالمتقدمين، وإن كان قد حصل في كتب المقل منهم علم جماعة من العلماء، واللَّه ينوّر بالعلم قلب من يشاء. انتهى (٤).
(وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا) من التسبيح؛ أي: أصلّيها، وفي بعض النسخ: "لأستحبّها"، من الاستحباب، وهو رواية "صحيح البخاريّ" في "باب تحريض النبيّ ﷺ على قيام الليل"، قال في "الفتح": ولكلّ منهما وجهة، لكن الأول -
стр. 8565
يعني لأسبّحها- يقتضي الفعل، والثاني -يعني لأستحبّها- لا يستلزمه (وَإِنْ) بكسر الهمزة، مخفّفة من "إنّ" المشدّدة، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي: إنه، واللام في خبرها، وهو "ليدع العمل" هي الفارقة بينها، وبين "إن" النافية، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا … تُلْفِهِ غَالِبًا بِـ "إِنْ" ذِي مُوصَلَا
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ) بفتح اللام، وهي الفارقة، كما أسلفته آنفًا؛ أي: ليترك (الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ) بنصب "خشية" على أنه مفعول من أجله؛ أي: لأجل خشيته عمل الناس بما عَمِل؛ اقتداءً به (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول، ونصبه عطفًا على "يَعْمَلَ".
قال ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث من الفقه معرفة رأفة رسول اللَّه ﷺ بأمته، ورحمته بهم -صلوات اللَّه عليه وسلامه- كما قال اللَّه : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى (١).
وقال ابن الجوزيّ ﵀: "فيُفرَضَ عليهم" يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: فيَفْرِضه اللَّه تعالى، والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني فيه نظرٌ، فتأمّله.
وقال ابن بطال ﵀: يَحْتَمِل حديث عائشة ﵂ معنيين:
[أحدهما]: أنه يُمكن أن يكون هذا القول منه في وقتٍ فُرِض عليه قيام الليل دون أمته؛ لقوله في الحديث الآخر: "لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَض عليكم"، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده، فيكون معنى قول عائشة: "إن كان رسول اللَّه ﷺ لَيَدُع العمل"، أنه كان يدع عمله
стр. 8566
لأمته، ودعاءهم إلى فعلهم معه، لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا، وقد فرضه اللَّه عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا، ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة، أو الرابعة، لم يَخْرُج إليهم، ولا شك أنه صلى حِزْبه تلك الليلة في بيته، فخشي إن خرج إليهم، والتزموا معه صلاة الليل، أن يسوى اللَّه بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فَرْضٌ عليه؛ إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة، فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنةً، أو نافلةً.
[الثاني]: أن يكون خَشِي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعُفُوا عنها، فيكون من تركها عاصيًا للَّه في مخالفته لنبيه ﷺ ، وترك اتباعه، مُتَوَعَّدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن اللَّه تعالى فرض اتباعه، فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال في من ترك اتّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض اللَّه عليه؛ لأن طاعة الرسول ﷺ كطاعته ، وكان ﷺ رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم.
[فإن قيل]: كيف يجوز أن تُكْتَب عليهم صلاة الليل، وقد أُكملت الفرائض؟.
[قيل له]: صلاة الليل كانت مكتوبةً على النبيّ ﷺ ، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على أمته الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل في وقت معلوم، يقتدون به، ويرونه واجبًا، فالزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بفعله، لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس.
أو يكون أن اللَّه تعالى لَمّا فَرَض الخمسين، وحَطّها بشفاعته ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استَوْهَبَت، والتَزَمت متبرعةً ما كانت استَعْفَت منه، لم يُستَنكَر ثبوته فرضًا عليهم، وقد ذكر اللَّه تعالى فريقًا من النصارى، وأنهم ابتدعوا رهبانيةً ما كتبها عليهم، ثم لامهم لَمّا قَصَّروا فيها، بقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٧٢]، فخشي ﷺ أن يكونوا مثلهم، فقَطَع العمل؛
стр. 8567
شفقة على أمته. انتهى (١)، وهو بحث نفيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٦٦٢] (٧١٨)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٢٨ و ١١٧٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٩٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦١٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٨٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٦٩ و ١٧٠ و ١٧٨ و ٢٠٩ و ٢١٠ و ٢٢٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٢ و ٣١٣ و ٢٥٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٣] (٧١٩) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي الرِّشْكَ، حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع و (٩٠) سنة (م د س) تقدم في الإيمان ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، ولم يثبُت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
стр. 8568
٣ - (يَزِيدُ الرِّشْكُ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ووَهِمَ من ليّنه [٦] (ت ١٣٠) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في "الحيض" ١٤/ ٧٦٧.
[تنبيه]: "الرِّشك" -بكسر الراء، وسكون الشين المعجمة- قال في "القاموس": الرِّشك بالكسر: الكبير اللحية، والذي يَعُدُّ على الرُّمَاة في السَّبَقِ، وأصله القاف، ولقب يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ، أَحْسَب أهل زمانه. انتهى (١).
وقال السيّد مرتضى ﵀ في "شرحه": "الرِّشْكُ" بالكَسرِ أَهمَلَه الجوهريّ، وقالَ الصّاغانيّ: هو الكَبِير اللِّحْيَةِ، وقال أَبو عَمْرو: الرِّشْكُ الذي يَعُدّ على الرُّماةِ في السَبَقِ، قال ثَعْلَبٌ: وأَصْلُه القافُ، يُقال: رَمَينا رِشْقًا، أَو رِشقَيْنِ، فسُمِّيَ العَدَدُ بالفِعْلِ، وقال الأزهريّ: الرِّشْكُ لقَبُ رَجُلٍ كانَ عالِمًا بالحِسابِ، يُقال له يَزِيدُ الرِّشْكُ، وقال الصاغانيّ: هو أَبُو الأَزْهَرِ يزِيدُ بن أبي يَزيدَ سَلَمَةَ الضُّبَعِيّ البَصْرِيّ القَسّام، أَحْسَبُ أَهْلِ زَمانِه، وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيّ إِذا سُئلَ عن حِسابِ فَرِيضَةٍ، قال: عَلَينا بيانُ السِّهام، وعَلَى يَزِيدَ الرِّشكِ الحِسابُ، قال الأزهريّ: وما أُرَى الرِّشكَ عَرَبيًّا، وأُراهُ لَقبًا، لا أَصْلَ له في العَرَبيَّةِ، وقال إبراهيمُ الحَربيّ: ويُقالُ بالفارِسِيَّةِ: رَشْكِنْ إِذا كانَ حَسُودًا، أَظُنُّه أُخِذَ من هذا، ووَقَعَ في "الشَّمائِل" أَنَّه القَسّامُ بِلُغَةِ أَهلِ البَصْرَةِ.
قلت (٢): وهذه أَقْوال مضطربةٌ، لا تَكاد تَتَلَاءَمُ مع بعضِها، والصّحِيحُ قولُ من قالَ: إِنَّه الكَبِيرُ اللِّحْيَةِ بالفارِسِيَّة، وبذلك لُقِّبَ؛ لكِبَرِ لِحْيَتِه، حتىّ إِنَّ عَقْرَبًا مَكَثَ فِيها كَذَا وكَذَا أَيّامًا، على ما ذَكَرَه شُرّاحُ "الشَّمائِلِ"، وحَقِيقَةُ هذه اللَّفْظَةِ رِيشْكْ بزِيادةِ الياءِ، ورِيش هو اللِّحْيَة، والكاف للتَّصْغِيرِ، أُرِيدَ بهِ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ثم عُرِّبَتْ بحذفِ الياءِ، فقيلَ: الرِّشْكُ، هذا هو الصَّوابُ في هذا اللَّقَبِ، وما عَدا ذلك كُلَّه فحَدْسِيّاتٌ؛ إِذ لم يَقِفُوا على حَقِيقَةِ اللَّفْظَةِ، وأَبعَدُ الأَقْوَالِ قولُ أبي عمرو، ثم قولُ الحَربيّ، ثم مَن قالَ: إِنّه القَسّامُ، والعَجَب من الصاغانيّ كيفَ سَكَتَ مع مَعْرِفَتِه باللِّسانِ، فتأَمَّلْ ذلك، واللَّه أَعلم. انتهى (٣).
стр. 8569
٤ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد اللَّه الْعَدويّة، أم الصهباء البصريّة، ثقة [٣] (ع) تقدمت في "الحيض" ٩/ ٧٣٨.
و"عائشة" ﵂ ذُكرت قبله، وكذا شرح الحديث واضحٌ.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٦٦٣ و ١٦٦٤ و ١٦٦٥ و ١٦٦٦] (٧١٩)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٢٨٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤٧٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٨١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنفه" (٤٨٥٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٧١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٧٤ و ٩٥ و ١٢٠ و ١٢٣ و ١٤٥ و ١٥٦ و ١٦٨ و ١٧٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢٥ و ٢١٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦١٩ و ١٦٢٠ و ١٦٢١ و ١٦٢٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٠٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: يَزِيدُ (١) مَا شَاءَ اللَّهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد، المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
стр. 8570
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب، والحديث من أفراد المصنّف ﵀.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد يزيد السابق، وهو: عن معاذة، عن عائشة ﵂.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن يزيد الرِّشك هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٣١٣) فقال:
وحدّثناه محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، أن أمرأة سألت عائشة: هل كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: نعم أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةً حَدَّثَتْهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختَلَطَ، أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقيان ذُكرا قبله، وكذا الكلام على الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8571
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) أَبِيِ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم قريبًا.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ، ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن معاذة العدويّة، عن عائشة ﵂.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه، ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في "مسنده" (٣/ ٧٦٩) فقال:
(١٣٨٩) أخبرنا معاذ بن هشام، صاحب الدستوائيّ، حدّثني أبي، عن قتادة، عن معاذة العدويّة، قالت: قلت لعائشة: كم كان النبيّ ﷺ يصلي الضحى؟ فقالت: أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه، قال قتادة: فذكرته لمحمد بن سيرين، فقال: ركعتين، ويزيد ما شاء اللَّه، قال قتادة: وكان سعيد بن المسيِّب يصلي الضحى أربع ركعات، قال قتادة: وكان محمد بن سيرين يصلي الضحى ثمان ركعات، قال: وكان الحسن يصلي ركعتين. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8572
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٧] (٣٣٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى، إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة فاضلٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (أُمُّ هَانِئٍ) بنت أبي طالب الهاشميّة، أخت عليّ ﵁، شقيقته، واسمها فاختة، أو هند، الصحابيّة المشهورة، ماتت ﵂ في خلافة معاوية ﵁ (ع) تقدمت في "الحيض" ١٥/ ٧٧٠.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهما أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد الرحمن.
стр. 8573
٥ - (ومنها): أن أمّ هانئ ﵂ ممن اشتهرت باسمها، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره المصنّف ستّ مرّات.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) اختُلف في اسم أبيه، فقيل: بلال، وقيل: بُليل مصغّرًا، وقيل: داود، وقيل: يسار، وقيل: أوس، صحابيّ شَهِد أُحدًا، وما بعدها، وعاش إبى خلافة عليّ ﵁، أنه (قَالَ: مَا) نافية (أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى) وفي الرواية الآتية من طريق عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، قال: "سألت، وحَرَصتُ على أن أجد أحدًا من الناس، يخبرني أن النبيّ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَة الضحى، فلم أجد غير أم هانئ بنت أبي طالب، أخبرتني. . . ".
وفي رواية ابن أبي شيبة في "مصنّفه" من وجه آخر عن ابن أبي ليلى: "أدركت الناس، وهم متوافرون، فلم يخبرني أحد أن النبيّ ﷺ صلى الضحى، إلا أم هانئ".
(إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ) برفع "أمُّ"؛ لأنه بدل من "أحدٌ"، ولفظ البخاريّ: "غيرُ أم هانئ".
قال في "الفتح": هذا لا يدلّ على نفي الوقوع؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى إنما نفى ذلك عن نفسه، وأما قول ابن بطّال: لا حجة في قول ابن أبي ليلى، وترُدّ عليه الأحاديث الواردة في أنه ﷺ صلى الضحى، وأمر بها، ثم ذكر منها جملةً، فلا يَرِدُ على ابن أبي ليلى شيء منها. انتهى (١).
(فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) أي: في رمضان سنة ثمان من الهجرة (فَصَلَّى) وفي رواية البخاريّ: "فاغتسل، وصلّى"، ظاهره يدلّ على أن الاغتسال وقع في بيتها، وسيأتي بعد حديث من طريق أبي مُرّة، عن أم هانئ، أنها ذهبت إلى النبيّ ﷺ ، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل.
ويُجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه ﷺ ، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة، من
стр. 8574
طريق مجاهد، عن أم هانئ، وفيه: "أن أبا ذَرّ ستره لَمّا اغتسل"، وفي رواية أبي مُرّة عنها أن فاطمة بنته هي التي سترته.
ويَحْتَمِل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه، فوجدته يغتسل، فيصحّ القولان، وأما الستر فيَحْتَمِل أن يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر في أثنائه، ذكره في "الفتح" (١)، وهو توجيه حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(ثَمَانِي رَكَعَاتٍ) زاد كريب، عن أم هانئ ﵂: "فسلَّمَ من كل ركعتين"، أخرجه ابن خزيمة، وفيه رَدٌّ على من تمسك به في صلاتها موصولة، سواء صَلَّى ثماني ركعات، أو أقلَّ، وعند الطبراني من حديث ابن أبي أوفى ﵁ أنه صلى الضحى ركعتين، فسألته امرأته، فقال: إن النبيّ ﷺ صلى يوم الفتح ركعتين، وهو محمول على أنه رأى من صلاة النبيّ ﷺ ركعتين، ورأت أم هانئ بقية الثمان، وهذا يُقَوِّي أنه صلاها مفصولةَ، واللَّه تعالى أعلم (٢).
(مَا) نافية (رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا) أي: من تلك الصلاة، وفي رواية البخاريّ: "فلم أر صلاةً قط أخفّ منها" (غَيْرَ أَنَّهُ) ﷺ (كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) وفي رواية عبد اللَّه بن الحارث الآتية: "لا أدري أقيامه فيها أطول، أم ركوعه، أم سجوده؟ كلُّ ذلك منه متقارب".
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَشَّارٍ) يعني محمدًا شيخه الثاني في هذا الحديث (فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطُّ) أي: لفظة "قطّ"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ هانئ ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٦٦٧ و ١٦٦٨ و ١٦٦٩ و ١٦٧٠] (٣٣٦)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٨٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٩١)،
стр. 8575
و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٧٤) وفي "الشمائل" (٢٩٠)، و (النسائى) في "الكبرى" (٤٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٤٢ و ٣٤٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٢٢٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب سنيّة صلاة الضحى، وهو واضحٌ، وحَكَى عياض عن قوم، أنه ليس في حديث أم هانئ ﵂ دلالةٌ على ذلك، قالوا: وإنما هي سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك.
وقال عياض أيضًا: ليس حديث أم هانئ بظاهر في أنه ﷺ قصد بها سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، وقد قيل: إنها كانت قضاء عما شُغِل عنه تلك الليلة من حزبه فيه.
وتعقبه النوويُّ ﵀ بأن الصواب صحة الاستدلال به؛ لما رواه أبو داود وغيره من طريق كريب، عن أم هانئ ﵂ أن النبيّ ﷺ صلى سُبْحة الضحى، ولمسلم في "كتاب الطهارة" من طريق أبي مُرّة، عن أم هانئ ﵁ في قصة اغتساله ﷺ يوم الفتح: "ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى"، ورَوَى ابن عبد البرّ في "التمهيد" من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ، قالت: قَدِمَ رسول اللَّه ﷺ مكة، فصلى ثمان ركعات، فقلت ما هذه؟ قال: "هذه صلاة الضحى"، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الاستدلال بحديث أم هانئ ﵂ هذا على سُنيّة صلاة الضحى واضح، وأن الذين أوّلوا بأنها صلاة الفتح لم يُصيبوا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان عدد ركعات صلاة الضحى، قال النوويّ ﵀ في "شرحه": في رواية عائشة ﵂: "أنه ﷺ كان يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء"، وفي رواية: "ما شاء اللَّه"، وفي حديث أم هانئ ﵂: "أنه صلى ثماني ركعات"، وفي حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة، وأبي الدرداء ﵃:
стр. 8576
ركعتان، هذه الأحاديث كلُّها متَّفِقةٌ، لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق.
وحاصلها أن الضحى سنةٌ مؤكَّدةٌ، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات، وبينهما أربعٌ، أو ستٌّ كلاهما أكمل من ركعتين، ودون ثمان. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من شدّة الحرص على تتبّع أفعال النبيّ ﷺ حتى يقتدوا به فيها.
٤ - (ومنها): أن بعض السنن قد يخفى على كثير من الناس، بل على كثير من خواصّ العلماء، فقد أنكر كثير من الصحابة ﵃ صلاة الضحى، مع أن كثيرًا منهم حفظها، وأثبتها، كعائشة، وأمّ هانئ، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃، وغيرهم.
والحاصل أن السنّة حيثما ثبتت أُخذ بها، ولا التفات إلى من أنكرها؛ لجهله بسنيّتها، وإن كان من أكابر أهل العلم.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على استحباب تخفيف صلاة الضحى، قال في "الفتح": وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغَ لمهمات الفتح؛ لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله ﷺ أنه صلى الضحى، فطَوَّل فيها، أخرجه ابن أبي شيبة، من حديث حذيفة ﵁ (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سنيّة صلاة الضحى:
قد جمع الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه النافع "زاد المعاد" الأقوال في صلاة الضحى، فبلغت ستةً:
[الأول]: مستحبةٌ، واختُلِف في عددها، فقيل: أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: كالأول، لكن لا تُشْرَع ستًّا، ولا عشرةً، وقيل: كالثاني، لكن لا تُشْرَع ستًّا، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعًا فقط، وقيل: لا حدّ لأكثرها.
[القول الثاني]: لا تُشْرَع إلا لسبب، واحتجوا بأنه ﷺ لم يفعلها إلا
стр. 8577
بسبب، واتَّفَق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح، كان بسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن يصلي ثمان ركعات، ونقله الطبريّ من فعل خالد بن الوليد لما فتح الْحِيرة، وفي حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى أنه ﷺ صلى الضحى حين بُشِّر برأس أبي جهل، وهذه صلاة شكر، كصلاته يومِ الفتح، وصلاته في بيت عتبان إجابةً لسؤاله أن يصلي في بيته مكانًا يتخذه مُصَلَّى، فاتَّفَق أنه جاءه وقت الضحى، فاختصره الراوي، فقال: صلى في بيته الضحى، وكذلك حديثٌ بنحو قصة عتبان مختصرًا، قال أنس: ما رأيته صلى الضحى إلا يومئذ، وحديث عائشة: لم يكن يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه؛ لأنه كان ينهى عن الطُّرُوق ليلًا، فيَقْدَم في أول النهار، فيبدأ بالمسجد، فيصلي وقت الضحى.
[القول الثالث]: لا تُستحب أصلًا، وصحّ عن عبد الرحمن بن عوف، أنه لم يصلّها، وكذلك ابن مسعود.
[القول الرابع]: يستحب فعلها تارةً، وتركها تارةً، بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والحجةُ فيه حديث أبي سعيد: كان النبيّ ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها، أخرجه الحاكم.
وعن عكرمة: كان ابن عباس يصليها عشرًا، ويدعها عشرًا، وقال الثوريّ عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، وعن سعيد بن جبير: إني لأدعها وأنا أحبها مخافة أن أراها حتمًا عليّ.
[الخامس]: تستحب صلاتها، والمواظبة عليها في البيوت؛ أي: للأمن من الخشية المذكورة.
[السادس]: أنها بدعةٌ، صحّ ذلك من رواية عروة، عن ابن عمر، وسئل أنس عن صلاة الضحى؟ فقال: الصلوات خمسٌ، وعن أبي بكرة: أنه رأى ناسًا يصلون الضحى، فقال: ما صلاها رسول اللَّه ﷺ ، ولا عامة أصحابه.
وقد جَمَع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى، في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو
стр. 8578
العشرين نفسًا، من الصحابة ﵃. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن القول الراجح هو القول بأن صلاة الضحى مستحبّة، وتُستحبّ المداومة عليها؛ لصحّة الأحاديث بذلك:
(فمنها): ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي بثلاث، لا أَدَعُهُنّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر.
ولفظ ابن خزيمة: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لستُ بتاركهنّ: أن لا أنام إلا على وتر، وأن لا أدع ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر".
(ومنها): ما أخرجه مسلم عن أبي ذَرّ ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
وأخرج أحمد، واللفظ له، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، عن بُريدة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "في الإنسان ستون وثلاثمائة مَفْصِل، فعليه أن يتصدق عن كل مَفْصِل منها صدقةً"، قالوا: فمن الذي يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "النخاعة في المسجد تَدْفِنها، أو الشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى، تجزئ عنك".
(ومنها): ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن أبي الدرداء ﵁ قال: "أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثٍ، لن أدعهن ما عِشْتُ: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر".
(ومنها): حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بعث رسول اللَّه ﷺ سَرِيّةً، فغَنِمُوا، وأسرعوا الرَّجْعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم، وكثرة غنيمتهم، وسرعة رَجعتهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أدلكم على أقرب منه مَغْزًى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رَجْعةً، مَن توضأ، ثم غدا إلى المسجد
стр. 8579
لسبحة الضحى، فهو أقرب مَغْزًى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رجعةً". قال المنذريّ: رواه أحمد، من رواية ابن لَهِيعة، والطبرانيّ بإسناد جيّد. انتهى. وابن لَهِيعة متكلّم فيه، لكن تابعه ابن وهب عند الطبرانيّ، راجع: ما كتبه الشيخ الألبانيّ ﵀ في "صحيح الترغيب" (١).
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ قال: بَعَث رسول اللَّه ﷺ بَعْثًا، فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول اللَّه، ما رأينا بعثًا قط أسرع كرةً، ولا أعظم منه غنيمةً من هذا البعث، فقال: "ألا أخبركم بأسرع كَرّةً منه، وأعظم غنيمةً، رجلٌ توضأ في بيته، فأحسن وضوءه، ثم تَحَمَّل إلى المسجد، فصلى فيه الغداة، ثم عَقَّب بصلاة الضحوة، فقد أسرع الكرّة، وأعظم الغنيمة"، رواه أبو يعلى، ورجال إسناده رجال الصحيح، والبزّار، وابن حبّان في "صحيحه"، وبيَّن البزّار في روايته أن الرجل أبو بكر ﵁.
(ومنها): حديث عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يقول: يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات، أكفك بهنّ آخر يومك"، رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم، لا تُعجزن من الأربع ركعات، من أول نهارك، أكفك آخره"، رواه أحمد بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود من حديث نعيم بن هَمّار ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يقول اللَّه : يا ابن آدم، لا تُعجِزني من أربع ركعات في أول نهارك، أكفك آخره"، ورجاله رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاجّ المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى، لا يَنصِبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إِثْرِ صلاة، لا لغوَ بينهما كتاب في عِلِّيِّين"، حديث حسنٌ، رواه أبو داود.
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُحافظ
стр. 8580
على صلاة الضُّحى إلا أوّاب، قال: وهي صلاة الأوّابين"، رواه الطبرانيّ، وابن خزيمة في "صحيحه" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من هذه الأحاديث الصحيحة، واتّضح تمام الاتّضاح سنيّة صلاة الضحى، واستحباب المداومة عليها، ومن الغريب بعد هذا كلّه ميل بعض المحقّقين كابن القيّم ﵀ إلى القول بأنها إنما تُفعل بسبب من الأسباب، كالقدوم من السفر، ونحو ذلك، مؤوّلًا الأحاديث المذكورة تأويلًا بعيدًا (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: حَكَى الحافظ أبو الفضل العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ" أنه اشتهر بين العوامّ أن من صلّى الضحى، ثم قطعها يَعْمَى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوامّ، ليَحْرِمهم الخيرَ الكثيرَ، لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرّ ﵁. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد بحديث أبي ذرّ ﵁ الآتي في الباب عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأَمْرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونَهْيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"، واللَّه تعالى أعلم.
[لطيفة]: روى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي الضحى بسوَر منها: والشمس وضحاها والضحى. انتهى. ومناسبة ذلك ظاهرة جدًا، قاله في "الفتح"، ويحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد ركعات صلاة الضحى: