ركعتان، هذه الأحاديث كلُّها متَّفِقةٌ، لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق.
وحاصلها أن الضحى سنةٌ مؤكَّدةٌ، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات، وبينهما أربعٌ، أو ستٌّ كلاهما أكمل من ركعتين، ودون ثمان. انتهى (١).
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من شدّة الحرص على تتبّع أفعال النبيّ ﷺ حتى يقتدوا به فيها.
٤ - (ومنها): أن بعض السنن قد يخفى على كثير من الناس، بل على كثير من خواصّ العلماء، فقد أنكر كثير من الصحابة ﵃ صلاة الضحى، مع أن كثيرًا منهم حفظها، وأثبتها، كعائشة، وأمّ هانئ، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃، وغيرهم.
والحاصل أن السنّة حيثما ثبتت أُخذ بها، ولا التفات إلى من أنكرها؛ لجهله بسنيّتها، وإن كان من أكابر أهل العلم.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على استحباب تخفيف صلاة الضحى، قال في "الفتح": وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغَ لمهمات الفتح؛ لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله ﷺ أنه صلى الضحى، فطَوَّل فيها، أخرجه ابن أبي شيبة، من حديث حذيفة ﵁ (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سنيّة صلاة الضحى:
قد جمع الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه النافع "زاد المعاد" الأقوال في صلاة الضحى، فبلغت ستةً:
[الأول]: مستحبةٌ، واختُلِف في عددها، فقيل: أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: كالأول، لكن لا تُشْرَع ستًّا، ولا عشرةً، وقيل: كالثاني، لكن لا تُشْرَع ستًّا، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعًا فقط، وقيل: لا حدّ لأكثرها.
[القول الثاني]: لا تُشْرَع إلا لسبب، واحتجوا بأنه ﷺ لم يفعلها إلا
стр. 8577
بسبب، واتَّفَق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب، فحديث أم هانئ في صلاته يوم الفتح، كان بسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن يصلي ثمان ركعات، ونقله الطبريّ من فعل خالد بن الوليد لما فتح الْحِيرة، وفي حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى أنه ﷺ صلى الضحى حين بُشِّر برأس أبي جهل، وهذه صلاة شكر، كصلاته يومِ الفتح، وصلاته في بيت عتبان إجابةً لسؤاله أن يصلي في بيته مكانًا يتخذه مُصَلَّى، فاتَّفَق أنه جاءه وقت الضحى، فاختصره الراوي، فقال: صلى في بيته الضحى، وكذلك حديثٌ بنحو قصة عتبان مختصرًا، قال أنس: ما رأيته صلى الضحى إلا يومئذ، وحديث عائشة: لم يكن يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه؛ لأنه كان ينهى عن الطُّرُوق ليلًا، فيَقْدَم في أول النهار، فيبدأ بالمسجد، فيصلي وقت الضحى.
[القول الثالث]: لا تُستحب أصلًا، وصحّ عن عبد الرحمن بن عوف، أنه لم يصلّها، وكذلك ابن مسعود.
[القول الرابع]: يستحب فعلها تارةً، وتركها تارةً، بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والحجةُ فيه حديث أبي سعيد: كان النبيّ ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها، أخرجه الحاكم.
وعن عكرمة: كان ابن عباس يصليها عشرًا، ويدعها عشرًا، وقال الثوريّ عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، وعن سعيد بن جبير: إني لأدعها وأنا أحبها مخافة أن أراها حتمًا عليّ.
[الخامس]: تستحب صلاتها، والمواظبة عليها في البيوت؛ أي: للأمن من الخشية المذكورة.
[السادس]: أنها بدعةٌ، صحّ ذلك من رواية عروة، عن ابن عمر، وسئل أنس عن صلاة الضحى؟ فقال: الصلوات خمسٌ، وعن أبي بكرة: أنه رأى ناسًا يصلون الضحى، فقال: ما صلاها رسول اللَّه ﷺ ، ولا عامة أصحابه.
وقد جَمَع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى، في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو
стр. 8578
العشرين نفسًا، من الصحابة ﵃. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن القول الراجح هو القول بأن صلاة الضحى مستحبّة، وتُستحبّ المداومة عليها؛ لصحّة الأحاديث بذلك:
(فمنها): ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي بثلاث، لا أَدَعُهُنّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر.
ولفظ ابن خزيمة: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لستُ بتاركهنّ: أن لا أنام إلا على وتر، وأن لا أدع ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر".
(ومنها): ما أخرجه مسلم عن أبي ذَرّ ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
وأخرج أحمد، واللفظ له، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، عن بُريدة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "في الإنسان ستون وثلاثمائة مَفْصِل، فعليه أن يتصدق عن كل مَفْصِل منها صدقةً"، قالوا: فمن الذي يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "النخاعة في المسجد تَدْفِنها، أو الشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى، تجزئ عنك".
(ومنها): ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن أبي الدرداء ﵁ قال: "أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثٍ، لن أدعهن ما عِشْتُ: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر".
(ومنها): حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بعث رسول اللَّه ﷺ سَرِيّةً، فغَنِمُوا، وأسرعوا الرَّجْعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم، وكثرة غنيمتهم، وسرعة رَجعتهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أدلكم على أقرب منه مَغْزًى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رَجْعةً، مَن توضأ، ثم غدا إلى المسجد
стр. 8579
لسبحة الضحى، فهو أقرب مَغْزًى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رجعةً". قال المنذريّ: رواه أحمد، من رواية ابن لَهِيعة، والطبرانيّ بإسناد جيّد. انتهى. وابن لَهِيعة متكلّم فيه، لكن تابعه ابن وهب عند الطبرانيّ، راجع: ما كتبه الشيخ الألبانيّ ﵀ في "صحيح الترغيب" (١).
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ قال: بَعَث رسول اللَّه ﷺ بَعْثًا، فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول اللَّه، ما رأينا بعثًا قط أسرع كرةً، ولا أعظم منه غنيمةً من هذا البعث، فقال: "ألا أخبركم بأسرع كَرّةً منه، وأعظم غنيمةً، رجلٌ توضأ في بيته، فأحسن وضوءه، ثم تَحَمَّل إلى المسجد، فصلى فيه الغداة، ثم عَقَّب بصلاة الضحوة، فقد أسرع الكرّة، وأعظم الغنيمة"، رواه أبو يعلى، ورجال إسناده رجال الصحيح، والبزّار، وابن حبّان في "صحيحه"، وبيَّن البزّار في روايته أن الرجل أبو بكر ﵁.
(ومنها): حديث عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يقول: يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات، أكفك بهنّ آخر يومك"، رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم، لا تُعجزن من الأربع ركعات، من أول نهارك، أكفك آخره"، رواه أحمد بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود من حديث نعيم بن هَمّار ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يقول اللَّه : يا ابن آدم، لا تُعجِزني من أربع ركعات في أول نهارك، أكفك آخره"، ورجاله رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاجّ المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى، لا يَنصِبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إِثْرِ صلاة، لا لغوَ بينهما كتاب في عِلِّيِّين"، حديث حسنٌ، رواه أبو داود.
(ومنها): حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُحافظ
стр. 8580
على صلاة الضُّحى إلا أوّاب، قال: وهي صلاة الأوّابين"، رواه الطبرانيّ، وابن خزيمة في "صحيحه" (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من هذه الأحاديث الصحيحة، واتّضح تمام الاتّضاح سنيّة صلاة الضحى، واستحباب المداومة عليها، ومن الغريب بعد هذا كلّه ميل بعض المحقّقين كابن القيّم ﵀ إلى القول بأنها إنما تُفعل بسبب من الأسباب، كالقدوم من السفر، ونحو ذلك، مؤوّلًا الأحاديث المذكورة تأويلًا بعيدًا (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: حَكَى الحافظ أبو الفضل العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ" أنه اشتهر بين العوامّ أن من صلّى الضحى، ثم قطعها يَعْمَى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوامّ، ليَحْرِمهم الخيرَ الكثيرَ، لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرّ ﵁. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد بحديث أبي ذرّ ﵁ الآتي في الباب عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأَمْرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونَهْيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"، واللَّه تعالى أعلم.
[لطيفة]: روى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي الضحى بسوَر منها: والشمس وضحاها والضحى. انتهى. ومناسبة ذلك ظاهرة جدًا، قاله في "الفتح"، ويحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد ركعات صلاة الضحى:
стр. 8581
قال في "الفتح": واستدلّ بهذا الحديث على أن أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، واستبعده السبكيّ، ووجّه بأن الأصل في العبادة التوقُّف، وهذا أكثر ما ورد في ذلك من فعله ﷺ ، وقد ورد من فعله دون ذلك، كحديث ابن أبي أوفى ﵁ أن النبيّ ﷺ صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدي، وسيأتي من حديث عتبان قريبًا مثله، وحديث عائشة ﵂ عند مسلم: "كان يصلي الضحى أربعًا"، وحديث جابر ﵁ عند الطبراني في "الأوسط": "أنه ﷺ صلى الضحى ستّ ركعات".
وأما ما ورد من قوله ﷺ ، ففيه زيادة على ذلك، كحديث أنس ﵁ مرفوعًا: "من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة، بَنَى اللَّه له قصرًا في الجنة"، أخرجه الترمذيّ، واستغربه، وليس في إسناده مَن أُطلق عليه الضعف.
وعند الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: "من صلى الضحى ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من التائبين، ومن صلى ستًّا كُفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيًا كتب من العابدين، ومن صلى ثنتي عشرة، بَنَى اللَّه له بيتًا في الجنة"، وفي إسناده ضعف أيضًا، وله شاهد من حديث أبي ذرّ ﵁، رواه البزار، وفي إسناده ضعف أيضًا، ومن ثَمَّ قال الرُّويانيّ، ومن تبعه: أكثرها ثنتا عشرة.
وقال النوويّ في "شرح المهذَّب": فيه حديث ضعيفٌ، كأنه يشير إلى حديث أنس ﵁، قال الحافظ ﵀: لكن إذا ضُمّ إليه حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء ﵄ قَوِي، وصَلُح للاحتجاج به.
ونَقَل الترمذيّ، عن أحمد أن أصحّ شيء ورد في الباب حديث أم هانئ ﵂، وهو كما قال، ولهذا قال النوويّ في "الروضة": أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة، ففرَّق بين الأكثر والأفضل، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلا فيمن صلى الاثنتي عشرة بتسليمة واحدة، فإنها تقع نفلًا مطلقًا عند من يقول: إن أكثر سنة الضحى ثمان ركعات، فأما مَن فَصَلَ فإنه يكون صلى الضحى، وما زاد على الثمان يكون له نفلًا مطلقًا، فتكون صلاته اثنتي عشرة في حقه أفضل من ثمان؛ لكونه أتى بالأفضل وزاد.
وقد ذهب قوم منهم: أبو جعفر الطبريّ، وبه جزم الْحَلِيميّ، والرُّويانيّ،
стр. 8582
من الشافعية إلى أنه لا حدّ لأكثرها، ورُوي من طريق إبراهيم النخعيّ، قال: سأل رجل الأسود بن يزيد: كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت.
وفي حديث عائشة ﵂ عند مسلم: "كان يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء اللَّه".
وهذا الإطلاق قد يُحْمَل على التقييد، فيؤكِّد أن أكثرها اثنتا عشرة ركعةً، واللَّه أعلم.
وذهب آخرون إلى أن أفضلها أربع ركعات، فحَكَى الحاكم في كتابه المفرد في صلاة الضحى، عن جماعة من أئمة الحديث أنهم كانوا يختارون أن تُصَلَّى الضحى أربعًا؛ لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، كحديث أبي الدرداء، وأبي ذرّ، عند الترمذيّ مرفوعًا، عن اللَّه تعالى: "يا ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره"، وحديث نعيم بن همّار، عند النسائيّ، وحديث أبي أمامة، وعبد اللَّه بن عمرو، والنّوّاس بن سَمْعان، كلهم بنحوه، عند الطبرانيّ، وحديث عقبة بن عامر، وأبي مُرّة الطائفيّ، كلاهما عند أحمد بنحوه، وحديث عائشة عند مسلم، وحديث أبي موسى، رفعه: "من صلى الضحى أربعًا بَنَى اللَّه له بيتًا في الجنة"، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط"، وحديث أبي أمامة مرفوعًا: "أتدرون قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]؟ قال: وفّى عَمَلَ يومه بأربع ركعات الضحى"، أخرجه الحاكم، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول من قال: إن أقلّ صلاة الضحى ركعتان، وأكثرها ثمان، أرجح؛ لصحّة الأحاديث الواردة في ذلك، وأما قول من قال: إن أكثرها اثنتا عشرة ركعة، فلا يخلو الحديث الوارد في ذلك من مقال، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
стр. 8583
حَدَّثَنِي (١) ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، يُخْبِرُنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأُتِيَ بِثَوْبٍ، فَسُتِرَ عَلَيْهِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ ثَمَانِيَ (٢) رَكعَاتٍ، لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ (٣)، أَمْ رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَقَارِبٌ، قَالَتْ: فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ، قَالَ الْمُرَادِيُّ، عَنْ يُونُسَ: وَلَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَنِي).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) هو: عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يحيى المدنيّ، وقال أبو حاتم: يقال: عُبيد اللَّه، وعبد اللَّه أصحّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وعبد اللَّه بن خباب بن الأرتّ، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث على خلاف فيه، وأم هانئ بنت أبي طالب، على خلاف فيه.
وروى عنه أخوه عون، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعاصم بن عبيد اللَّه، والزهريّ.
قال النسائي: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحافظ: وعندي في صحة سماعه من عبد الرحمن بن عوف نظر، والصواب أن بينهما ابن عباس. انتهى.
стр. 8584
وقال ابن سعد، وعمرو بن عليّ: قتلته السَّمُوم بالأبواء، وهو مع سليمان بن عبد الملك، سنة تسع وتسعين، وقال الزبير بن بكار: نحو ذلك، وكذا أرَّخه ابن المدينيّ.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٦) وحديث (١٠٧٢) و (٢٢١٩)، وله عند البخاريّ، وأبي داود في رجوع عمر ﵁ لَمّا وقع الوباء بالشام.
٥ - (أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، أمير البصرة، له رؤيةٌ، ولأبيه وجدّه صحبةٌ، قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على توثيقه [٢] (ت ٩٩) وقيل: (٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرَن بينهما؛ لاتّفاقهما في كفيّة التحمّل والأداء، حيث أخذا عن ابن وهب سماعًا بقراءة قارئ عليه، ولذا قالا: أخبرنا عبد اللَّه بن وهب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبيه، ورواية الابن، عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة: "أخبرني" (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) واسمه عبد اللَّه، كما سبق آنفًا (أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ) بن الحارث بن عبد المطلب مذكورٌ في الصحابة؛ لكونه وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، وبَيَّن ابن ماجه في روايته وقت سؤال عبد اللَّه بن الحارث عن ذلك، ولفظه: "سألت في زمن عثمان، والناس متوافرون"، قاله في "الفتح" (١).
стр. 8585
(قَالَ: سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ) بفتح الراء على المشهور، وبه جاء القرآن، وفي لغة بكسرها، قاله النوويّ (١).
وقال في "المصباح": حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضَرَبَ: إذا اجتهد، والاسم الْحِرْص بالكسر، وحَرَصَ على الدنيا، من باب ضَرَبَ أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغةٌ: إذا رَغِبَ رَغبةً مذمومةً، فهو حَرِيصٌ، وجمعه حِرَاصٌ، مثلُ ظَرِيف وظِرَاف، وغَلِيظ وغِلَاظٍ، وكَرِيمٍ وكِرَامٍ. انتهى (٢).
والمناسب هنا المعنى الأول، وهو الاجتهاد، والجملة في محلّ نصب على الحال بتقدير "قد" عند البصريين، وجوّزه الكوفيّون بلا تقدير.
وقوله: (عَلَى أَنْ أَجِدَ) متعلّق بـ "حرَصتُ" (أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، يُخْبِرُنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى) -بضم السين-: أي: نافلة الضحى (فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ) بالهمزة بعد النون، وتقدّم أن اسمها فاختة، وقيل: غيره (بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، أَّخْبَرَتْنِي أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى) بالبناء للفاعل؛ أي: جاء إلى بيتها، وفي رواية ابن أبي ليلى السابقة: "أن النبيّ ﷺ دخل بيتها" (بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ) هو وقت صلاة الضحى (يَوْمَ الْفَتْحِ) أي: يوم فتح مكة (فَأُتِيَ بِثَوْبٍ) بالبناء للمفعول (فَسُتِرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، وقد اختلفت الروايات فيمن ستره، قيل: فاطمة بنته ﵂، وقيل: أبو ذرّ ﵁، وتقدّم وجه الجمع (فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ ثَمَانِيَ (٣) رَكَعَاتٍ) وفي بعض النسخ: "ثمان ركعات"، والأول هو الجاري على القاعدة؛ لأن ثماني إذا أُضيف إلى مؤنّث تثبُت الياء ثبوتها في القاضي، وتعرب إعراب المنقوص، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في غير هذا الموضع (لَا) نافية (أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا) أي: في تلك الركعات (أَطْوَلُ (٤)، أَمْ رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ) من القيام، والركوع، والسجود (مِنْهُ) ﷺ (مُتَقَارِبٌ)، (قَالَتْ) أم هانئ ﵂ (فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، ومثله "بعدُ"؛ أي: قبل ذلك اليوم (وَلَا بَعْدُ) أي: بعد ذلك اليوم، ولا ينافي هذا ما ثبت من رؤية
стр. 8586
غيرها من الصحابة ﵃، فهي إنما نفت علمها، وكما سبق ذلك عن عائشة ﵂، فصلاة الضحى ثابتة من قوله ﷺ وفعله من أحاديث عدّة من الصحابة ﵃، كما أسلفنا تحقيقه في الحديث الماضي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ الْمُرَادِيُّ) هو شيخه الأول محمد بن سلمة (عَنْ يُونُسَ: وَلَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَنِي) يعني أن محمد بن سلمة رواه بقوله: "عن يونس" بالعنعنة، ولم يُصرّح بالإخبار، كما صرّح به حرملة بن يحيى، وهذا لا يضرّ، وإنما هو من احتياطات المصنّف ﵀، وشدّة ورعه في أداء ما سمعه كما سمعه، وإن كان لا يختلف به الحكم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ (٢)، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ " قُلْتُ (٣): أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ (٤) رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ، فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى).
стр. 8587
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٢ - (أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) ويقال: مولى عَقِيل بن أبي طالب، واسمه: يزيد المدنيّ، ثقة مشهورٌ بكنيته [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ١٥/ ٧٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم مولى أبي أُميّة ﵀ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِيِ طَالِبٍ) وفي رواية: "مولى عَقِيل بن أبي طالب"، قال العلماء: هو مولى أم هانئ حقيقةً، ويضاف إلى عَقِيل مجازًا؛ للزومه إياه، وانتمائه إليه؛ لكونه مولى أخته، قاله النوويُّ ﵀ (١).
(أَخْبَرَهُ) أي: أخبر أبا النضر (أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ) فاختة (بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) ﵂ (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) تقدّم في الرواية السابقة: "أن النبيّ ﷺ دخل بيتها"، وتقدّم الجمع بأن يُحمَل على تعدّد الواقعة، فتنبّه.
(عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) ﵂ (تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ) وقيل: الذي ستره هو أبو ذرّ ﵁، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون أحدهما بدأ، وساعده الآخر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ) زاد في نسخة "عليه"، قال النوويّ ﵀: فيه سلام المرأة التي ليست بمحرم على الرجل بحضرة محارمه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقييده بحضرة المحارم فيه نظرٌ، بل الحقّ جواز تسليم المرأة على الرجل الأجنبيّ، وكذا العكس دون قيد؛ لإطلاق النصوص الدالّة على الجواز، وقد عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الاستئذان" من "صحيحه": "باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال"، وقد حقّقت ذلك في "شرح النسائيّ"، وسيأتي هنا أيضًا في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
стр. 8588
(فَقَالَ) ﷺ ("مَنْ هَذِهِ؟ ") هذا يدلّ على أن الستر كان كثيفًا، وعَرَف أنها امرأة؛ لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال (١).
(قُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ) وفي نسخة: "أنا أمّ هانئ (بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) فيه أنه لا بأس أن يَكْنِيَ الإنسان نفسه على سبيل التعريف، إذا اشتهر بالكنية، وأنه إذا استأذن لا بأس أن يقول المستأذَنُ عليه: من هذا؟، فيقول المستأذِنُ: فلان باسمه الذي يعرفه به المخاطب.
(قَالَ) ﷺ ("مَرْحَبًا بأُمِّ هَانِئٍ") فيه استحباب قول الإنسان لزائره، والوارد عليه: مَرْحَبًا ونحوه من ألفاظ الإكرام والملاطفة، ومعنى: "مَرْحَبًا": صادفت رُحْبًا: أي: سَعَةً، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث وفد عبد القيس، من "كتاب الإيمان".
وفيه أيضًا جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه، إذا كان مستور العورة عنها، وجواز تستيرها إياه بثوب ونحوه.
وفيه أيضًا أنه لا بأس بالكلام في حال الاغتسال والوضوء، ولا بالسلام على المغتسل، والمتوضّئ، بخلاف البائل، والمتغوّط، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا فَرَغَ) ﷺ أي: انتهى (مِنْ غُسْلِهِ) بضمّ الغين: اسم من الاغتسال، ويجوز فتحها مصدرَ غَسَلَ؛ أي: من غسله أعضاءه (قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ) وفي نسخة: "ثمان" (رَكَعَاتٍ) حال كونه (مُلْتَحِفًا) اسم فاعل من الْتحف: إذا لبس اللِّحاف، وهو بكسر اللام: كلُّ ثوب يُتغطَّى به، والجمع لُحُفٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، والْمِلْحَفة بالكسر: هي الْمُلاءَةُ التي تلتحف بها المرأة، قاله الفيّوميّ (٢).
(فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد، والالتحاف به، مخالفًا بين طًرفيه، كما ذكره في الرواية الثانية (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: سلّم النبيّ ﷺ من صلاته (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ) أي: ادّعى (ابْنُ أُمِّي) قال النوويُّ ﵀ معنى "زعم" هنا: ذَكَرَ أمرًا لا أعتقد موافقته فيه، وإنما قالت ابن أمي، مع أنه ابن أمها وأبيها؛ لتأكيد الحرمة والقرابة، والمشاركة في بطن
стр. 8589
واحد، وكثرة ملازمة الأمّ، وهو موافق لقول هارون ﵇: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] (١).
وقولها: (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بدل من "ابن أمي" (أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا) فيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبّس بالفعل (أَجَرْتُهُ) أي: أمّنته (فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هو فلانُ، أو بالنصب بدل من "رجلًا"، وعند أحمد والطبرانيّ من طريق أخرى عن أبي مُرّة، عن أم هانئ: "إني أجرت حَمَوين لي".
قال النوويُّ ﵀: وقولها: "فلان ابن هُبيرة"، وجاء في غير مسلم: "فَرَّ إليّ رجلان من أحمائي"، ورَوَينا في كتاب الزبير بن بكار أن فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزوميّ، وقال آخرون: هو عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وفي "تاريخ مكة" للأزرقيّ أنها أجارت رجلين: أحدهما عبد اللَّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، والثاني الحارث بن هشام بن المغيرة، وهما من بني مخزوم، وهذا الذي ذكره الأزرقيّ يوضح الاسمين، وَيجْمَع بين الأقوال في ذلك. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": قال أبو العباس بن سُريج وغيره هما: جَعْدة بن هُبيرة، ورجل آخر من بني مخزوم، كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان، فأجارتهما أم هانئ، وكانا من أحمائها.
وقال ابن الجوزيّ: إن كان ابن هبيرة منهما فهو جَعْدة.
قال الحافظ: كذا قال، وجعدة معدود فيمن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاريّ، وابن حبان، وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السنّ أن يكون عام الفتح مقاتلًا، حتى يحتاج إلى الأمان؟ ثم لو كان ولد أم هانئ لم يَهْتَمّ عليّ بقتله؛ لأنها كانت قد أسلمت، وهرب زوجها، وترك ولدها عندها.
وجَوَّز ابن عبد البر أن يكون ابنًا لهبيرة من غيرها، مع نقله عن أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غير أم هانئ.
стр. 8590
وجزم ابن هشام في "تهذيب السيرة" بأن اللَّذَيْنِ أجارتهما أم هانئ هما: الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية المخزوميان.
ورَوَى الأزرقي بسند فيه الواقديّ في حديث أم هانئ هذا، أنهما الحارث بن هشام، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة.
وحَكَى بعضهم أنهما الحارث بن هشام، وهبيرة بن أبي وهب، وليس بشيء؛ لأن هبيرة هرب عند فتح مكة إلى نجران، فلم يزل بها مشركًا حتى مات، كذا جزم به ابن إسحاق وغيره، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ.
وقال الكرمانيّ: قال الزبير بن بكار: فلان ابن هبيرة هو الحارث بن هشام. انتهى.
وقد تصرف في كلام الزبير، وإنما وقع عند الزبير في هذه القصة موضع فلان ابن هبيرة: الحارث بن هشام.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا، كأنه كان فيه فلان ابن عَمّ هبيرة، فسقط لفظ عَمّ، أو كان فيه فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ "قريب" بلفظ "ابن"، وكلٌّ من الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عمّ هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ) فيه جواز أمان المرأة، فلا يجوز لأحد نقضه، قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره عبد الملك -يعني الماجشون، صاحب مالك- لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأوّل ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصّةً، قال ابن المنذر ﵀: وفي قول النبيّ ﷺ : "يسعى بذمّتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز، وإن ردّه رُدّ، ذكره في "الفتح" (٢).
стр. 8591
وقال النوويُّ ﵀: قولها: فلما انصرف قلت: يا رسول اللَّه، زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلًا أجرته فلان ابن هُبيرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
في هذه القطعة فوائد، منها: أن من قصد إنسانًا لحاجة ومطلوب، فوجده مشتغلًا بطهارة ونحوها، لم يقطعها عليه حتى يفرغ، ثم يسأل حاجته، إلا أن يخاف فوتها.
واستدَلَّ بعض أصحابنا، وجمهور العلماء بهذا الحديث على صحة أمان المرأة، قالوا: وتقدير الحديث: حكمَ الشرع صحة جواز مَن أَجَرْتِ، وقال بعضهم: لا حجة فيه؛ لأنه مُحْتَمِلٌ لهذا، ومُحْتَمِلٌ لابتداء الأمان، ومثل هذا الخلاف اختلافهم في قوله ﷺ : "مَن قَتَلَ قتيلًا، فله سلبه"، هل معناه أن هذا حكم الشرع في جميع الحروب إلى يوم القيامة، أم هو إباحةٌ، رآها الإمام في تلك المرة بعينها، فإذا رآها الإمام اليوم عَمِلَ بها، وإلا فلا؟ وبالأول قال الشافعيّ وآخرون، وبالثاني أبو حنيفة ومالك، ويُحْتَجّ للأكثرين بأن النبيّ ﷺ لم ينكر عليها الأمان، ولا بَيَّن فساده، ولو كان فاسدًا لبيّنه؛ لئلا يُغْتَرَّ به. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ وآخرون هو الأرجح؛ لظاهر هذا الحديث، ولحديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم"، متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: (وَذَلِكَ ضُحًى) أي: وهذه الواقعة من الغسل، والصلاة، والكلام في قضية قتل عليّ من أجارته جرى بين أم هانئ وبين النبيّ ﷺ وقت الضحى.
قال النوويّ ﵀: قولها: "وذلك ضحى" استَدَلَّ به أصحابنا، وجماهير العلماء على استحباب جعل الضحى ثمان ركعات، وتوقَّف فيه القاضي عياض وغيره، ومنعوا دلالته، قالوا: لأنها إنما أخبرت عن وقت صلاته، لا عن نيّتها، فلعلّها كانت صلاة شكر للَّه تعالى على الفتح، وهذا الذي قالوه فاسدٌ، بل الصواب صحة الاستدلال به،
стр. 8592
فقد ثبت عن أم هانئ ﵂: "أن النبيّ ﷺ يوم الفتح صلى سُبْحة الضحى، ثمان ركعات، يسلِّم من كل ركعتين"، رواه أبو داود في "سننه" بهذا اللفظ، بإسناد صحيح، على شرط البخاريّ. انتهى كلام النوويُّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الحيض" برقم [١٥/ ٧٧١] (٣٣٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلٍ، عَنْ أمِّ هَانِئٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهَا عَامَ الْفَتْحِ، ثَمَانِيَ (١) رَكَعَاتٍ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الْهَيثم البصريّ، أخو بَهْز، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ٢١٨) على الصحيح (خ م قد ت س ق) تقدم في "الطهارة" ٣٤/ ٦٨٤.
٣ - (وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المدنيّ، ثقةُ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.
стр. 8593
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) هذا تفسير لقولها السابق: "مُلتحفًا في ثوب".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧١] (٧٢٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ (١)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَة، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٣ - (وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦] (بخ م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٣/ ١٢٣٧.
٤ - (يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ) -بالتصغير- البصريّ، نزيل مرو، صدوقٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدّم في "المساجد" ١٣/ ١٢٣٧.
٥ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
стр. 8594
٦ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ) ويقال: الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل غير ذلك، ثقةٌ مخضرم فاضلٌ [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات ﵁ سنة (٣٢) في خلافة عثمان ﵁ (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: يحيى بن عُقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى) بضمّ السين المهملة، وتخفيف اللام مقصورًا، وأصله عظام الأصابع، والأكفّ، والأرجل، ثم استُعمل في جميع عظام البدن، ومفاصله.
وقال في "المصباح": "السُّلامَى" أُنثى، قال الخليل: هي عِظام الأصابع، وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضًا، وقال قُطْرُب: السُّلَامِيَاتُ: عُرُوق ظاهر الكفّ والقدم. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: السُّلامَى: جمع سُلاميَةٍ، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويُجمَع على سُلامياتٍ، وهي التي بين كل مَفْصِلين، من أصابع الإنسان، وقيل: السُّلامى: كل عظم مُجَوَّف، من صغار العظام.
والمعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، وقيل: إن آخر ما يبقى
стр. 8595
فيه المخّ من البعير إذا عَجِفَ السُّلامى والعين، قال أبو عبيد: هو عظم يكون في فِرْسِنِ البعير. انتهى (١).
وسيأتي للمصنّف في "كتاب الزكاة" حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "إنه خُلق كل إنسان من بني آدم على ستّين وثلاثمائة مَفْصِل، فمن كبّر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعَزَل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظمًا عن طريق الناس، وأَمَرَ بمعروف، أو نَهَى عن منكر، عَدَدَ تلك الستين والثلاث مائة السُّلامَى، فإنه يمشي يومئذ، وقد زَحْزَحَ نفسه عن النار".
(مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) بالرفع على الفاعليّة (فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه: "ويجزي" بفتح أوله، وضمّه، فالضمّ من الإجزاء، والفتح من جَزَى يَجزي: أي: كفى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ الآية [البقرة: ٤٨]، وفي الحديث: "لا تجزي عن أحد بعدك". انتهى (٢).
وقال في "المصباح": جَزَى الأمرُ يَجْزِي جزاءً، مثلُ قَضَى يَقْضِي قَضَاءً وزنًا ومعنى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، وفي الدعاء: "جزاه اللَّه خيرًا": أي: قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُسْتَعمل أجزأ بالألف والهمز بمعنى جَزَى، ونَقَلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم، وجازيته بذنبه: عاقبته عليه، وجَزَيتُ الدينَ: قضيته، ومنه قوله ﷺ لأبي بُرْدة بن نِيَارٍ ﵁ لَمّا أمره أن يُضَحِّي بجَذَعة من المعز: "تَجزِي عنك، ولن تَجْزيَ عن أحد بعدك"، قال الأصمعيّ: أي: ولن تَقْضِيَ، وأجزأت الشاة بالهمز: بمعنى قَضَت لغةٌ، حكاها ابن القَطّاع، وأما أجزأ بالألف والهمز، فبمعنى أغنى.
قال الأزهريّ: والفقهاء يقولون فيه: أجزى من غير همز، ولم أجده لأحد من أئمة اللغة، ولكن إن همز أجزأ، فهو بمعنى كَفَى، هذا لفظه، وفيه نظرٌ؛ لأنه إن أراد امتناع التسهيل، فقد توقَّف في موضع التوقُّف، فإن تسهيل
стр. 8596
همزة الطَّرَف في الفعل المزيد، وتسهيل الهمزة الساكنة قياسىّ، فيقال: أرجأت الأمرَ، وأرجيته، وأنسأت، وأنسيت، وأخطأت، وأخطيت، وأشطأ الزرعُ: إذا أخرج شطأه، وهو أولاده، وأشطى، وتوضأت، وتوضيت، وأجزأت السكين: إذا جعلت له نِصَابًا، وأجزيته، وهو كثير، فالفقهاء جَرَى على ألسنتهم التخفيف.
وإن أراد الامتناع من وقوع أجزأ موقع جزى، فقد نقلهما الأخفش لغتين، كيف، وقد نَصَّ النُّحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما، جاز وضع أحدهما موضع الآخر، وفي هذا مَقْنَعٌ لو لم يوجد نقلٌ.
وأجزأ الشيءُ مَجْزَأَ غيرِهِ: كَفَى وأغنى عنه، واجتزأت بالشيء: اكتفيت. انتهى (١).
وقوله: (مِنْ ذَلِكَ) متعلّق بـ "يجزي" (رَكْعَتَانِ) بالرفع على الفاعليّة و"يجزئ" (يَرْكعُهُمَا مِنَ الضُّحَى") قال القرطبيُّ: أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عَمَلٌ لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلّى، فقد قام كلُّ عضو بوظيفته التي عليه في الأصل الذي ذُكر فيه الحديث المتقدّم، يعني: "خُلق كل إنسان على ستين وثلاثمائة مفصل. . . "، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٦٧١] (٧٢٠) وسيأتي مطوّلًا في "كتاب الزكاة" رقم (١٠٠٦)، و (أبو داود) في "الأدب" (٥٢٤٣ و ٥٢٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٧ و ١٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٣٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٢٧)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8597
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل ركعتي الضحى، حيث إنها قامت مقام ثلاثمائة وستين صدقةً يصّدّق بها العبد شكرًا لما أولاه اللَّه تعالى من نعم السُّلامى.
٢ - (ومنها): بيان أن أدنى عدد صلاة الضحى ركعتان، وقد تمَّ البحث فيه مستوفى قريبًا.
٣ - (ومنها): بيان عظيم فضل اللَّه تعالى على الإنسان، حيث خفّف عنه شكر ما أولاه من نعمه، بإجزاء ركعتي الضحى عن جميع ما عليه من أنواع الصدقات والبرّ، سبحانك ما أجزل فضلك، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٢] (٧٢١) - (حَدَّثَنَا (١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) ٢ تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مَلّ -مثلّث الميم، ومشدّد اللام- الكوفيّ، ثم البصريّ، مخضرمُ ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، عن (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"عبد الوارث": هو ابن سعيد.
стр. 8598
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بلخيّ، والثاني مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: أَوْصَانِي) أي: عَهِد إليّ، وأمرني أمرًا مؤكّدًا (خَلِيلِي ﷺ ) الخليلُ: الصَّدِيق الخالص الذي تخلّلت محبّته القلبَ، فصارت في خِلاله؛ أي: في باطنه، واختُلف هل الخُلّة أرفع من المحبّة، أو بالعكس؟.
وقول أبي هريرة ﵁ هذا لا يعارضه قوله ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر. . . "؛ لأن الممتنع هو أن يتخذ النبيّ ﷺ غيره تعالى خليلًا، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبيّ ﷺ خليلًا.
ولا يقال: إن المخاللة لا تتمّ حتى تكون من الجانبين؛ لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين، فأطلق ذلك، أو لعلّه أراد مجرّد الصحبة، أو المحبّة، قاله في "الفتح" (١).
وعبارة القرطبيّ ﵀: وقد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة ﵁ قوله: "خليلي" في النبيّ ﷺ ؛ بناءً على أن النبيّ ﷺ لم يتّخذه ولا أحدًا من الخلق خليلًا، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنّا أن خليلًا بمعنى مُخالل، من المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلًا مثلُ حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيءٌ؛ إذ قد يُحَبُّ الكاره. انتهى (٢).
стр. 8599
(بِثَلَاثٍ) أي: ثلاث خصال، زاد في رواية البخاري: "لا أدعهنّ حتى أموت"، قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون قوله: "لا أدعهنّ إلخ" من جملة الوصية؛ أي: أوصاني أن لا أدعهنّ، ويَحْتَمِل أن يكون من إخبار الصحابيّ بذلك عن نفسه، ولفظ أبي داود: "لا أدعهنّ في سفر، ولا حضر" (بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله بدل تفصيل من مجمل، وقوله: (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) متعلّق بـ "صيام".
والمراد: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر الأيام البيض، هذا هو الظاهر، كما قاله في "الفتح" (١)، وقيل: يومًا من أوله، ويومًا من وسطه، ويومًا من آخره، وقيل: يومًا من أول كل عشر.
(وَرَكعَتَي الضُّحَى) بالجرّ عطفًا على "صيام"، قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: لعَله ذكر الأقلّ الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبيّ ﷺ على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلّة القول والفعل، لكن ما واظب النبيّ ﷺ على فعله مرجَّحٌ على ما لم يواظب عليه.
(وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ) بضمّ القاف، مضارع رَقَد، من باب قعد؛ أي: أنام، ولفظ البخاريّ: "ونوم على وتر"، ومعنى "النوم على وتر" أن يصلي الوتر قبل أن ينام، لا أنه لا بُدّ من نوم بعده، ولعل النبيّ ﷺ أوصاه بذلك؛ لأنه خاف عليه الفوت بالنوم، ففيه أن من خاف فوات الوتر، فالأفضل له التقديم، وأما من لا يخاف منه، فالتأخير في حقّه أفضل.
قال الحافظ ﵀: لا معارضة بين وصيّة أبي هريرة ﵁ بالوتر قبل النوم، وبين قول عائشة ﵂: "وانتهى وتره إلى السحر"؛ لأن الأول لإرادة الاحتياط، والآخر لمن عَلِم من نفسه قوّة، كما ورد في حديث جابر ﵁ عند مسلم. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8600
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٦٧٢ و ١٦٧٣ و ١٦٧٤] (٧٢١)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٧٨) و"الصوم" (١٩٨١)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٧٧ و ١٦٧٨) وفي "الكبرى" (١٣٩٦ و ١٣٩٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٩٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٥٩)، و (الدارمي) في "سننه" (١٤٦٢ و ١٧٥٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٢٢ و ٢١٢٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٣٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢٢ و ٢١٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٢٨ و ١٦٢٩ و ١٦٣٠ و ١٦٣١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على صلاة الضحى، وأن أقلّها ركعتان.
٢ - (ومنها): الحثّ على صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيكون كأنه صام الدهر كلّه.
٣ - (ومنها): الحثّ على صلاة الوتر قبل النوم، وهذا في حقّ من يغلبه النوم آخر الليل، وإلا فالآخر أفضل؛ لحديث جابر ﵁ الآتي للمصنّف برقم (٧٥٥) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طَمِعَ أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودةٍ، وذلك أفضل".
٤ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: إن في إفراده بهذه الوصية إشارة إلى أن القدر الموصَى به هو اللائق بحاله.
٥ - (ومنها): أن في قوله: "خليلي" إشارة إلى موافقته في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا؛ لأن أبا هريرة ﵁ صَبَر على الجوع في ملازمته للنبيّ ﷺ ، كما ثبت في "صحيح البخاري" عنه، أنه قال: "وإن إخواني من المهاجرين، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول اللَّه ﷺ بملء
стр. 8601
بطني. . . " الحديث، فشابه حالَ النبيّ ﷺ في إيثاره الفقر على الغنى، والعبوديّة على الملك.
٦ - (ومنها): أنه يؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدّث بالنعمة، والشكر للَّه تعالى، لا على وجه المباهاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: هذه الوصيّة لأبي هريرة ﵁ ورد مثلها لأبي الدرداء ﵁، كما سيأتي عن المصنّف آخر الباب، ولأبي ذرّ ﵁ فيما رواه النسائي في "كتاب الصيام" بسنده عن أبي ذرّ ﵁ قال: أوصاني حَبِيبي ﷺ بثلاثة، لا أدعُهُنّ إن شاء اللَّه تعالى أبدًا، أوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
قال الحافظ ﵀: والحكمة في الوصيّة على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة، والصيام؛ ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعلّه يقع فيه من نقص، قال: واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة؛ لأن الصلاة، والصيام أشرف العبادات البدنيّة، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال، وخُصّت الصلاة بشيئين؛ لأنها تقع ليلًا ونهارًا، بخلاف الصيام. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ، وَأَبِي شِمْرٍ الضُّبَعِيِّ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيِ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ) -بضمّ الجيم، مصغّرًا- هو: عبّاس بن فَرُّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء، آخره معجمة- أبو محمد البصريّ، ثقة [٦].
стр. 8602
رَوَى عن أبي عثمان النَّهْديّ، والحسن البصريّ، وعمرو بن شعيب إن كان محفوظًا.
ورَوَى عنه شعبة، وهَمّام، وكَهْمَس بن الحسن، والحمّادان، وعبد اللَّه بن بُجَير بن حُمران، ويحيى بن راشد المازنيّ، وسلّام بن مسكين.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالحُ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو إسحاق الصَّرِيفِينيّ: مات كَهْلًا بعد العشرين ومائة.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (أَبُو شِمْرٍ الضُّبَعِيُّ) -بفتح الشين المعجمة، وكسر الميم، ويقال: بكسر الشين، وسكون الميم- البصريّ، معدودٌ فيمن لا يُعرف اسمه، وإنما يُعرف بكنيته، مقبول [٤].
رَوَى عن عائذ بن عمرو، وأبي عثمان النَّهْديّ، وابن أبي مُليكة، وأرسل عن عبادة بن الصامت.
وروى عنه شعبة، والصَّلْت بن طَرِيف البصريّ.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن المدينيّ: أبو شِمْر لم يرو عنه غير شُعبة، وفرَّق الحاكم أبو أحمد بين أبي شِمْر عن أبي عثمان النّهديّ، وعنه شعبة، وبين أبي شِمْر رَوَى عن ابن أبي مليكة، وعنه الصَّلْت بن طَرِيف، وقال الطبرانيّ: هما واحدٌ، كذا قال.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث، مقرونًا بعبّاس الجريريّ.
والباقون ذُكروا في الباب، وكذا تقدّم شرح الحديث، ومسائله في الحديث الماضي.
وقوله: (بمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث أبي التّيّاح، عن أبي عثمان النهديّ.
[تنبيه]: أَما رواية عبّاس الْجُريريّ، فساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١١٧٨) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا شعبة، حدّثنا عباس الْجُريريّ،
стр. 8603
هو ابن فَرُّوخ، عن أبي عثمالن النَّهْديّ، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أوصاني خليلي بثلاث، لا أَدَعُهُنّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر". انتهى.
وأما رواية أبي شمر، فساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٦٧٧) أخبرنا سليمان بن سَلْم، ومحمد بن عليّ بن الحسن بن شَقِيق، عن النضر بن شُمَيل، قال: أنبأنا شعبة، عن أبي شَمِر، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: النوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى. انتهى.
ثم وجدت أبا نعيم ﵀ ساق روايتيهما معًا، كما أحال المصنّف ﵀، فقال في "مستخرجه" (٢/ ٣١٦):
(١٦٣٠) وحدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عباس الجريريّ، وعن أبي شمر قالا: سمعت (١) أبا عثمان، يحدث عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: الوتر قبل النوم، وركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ، قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي، أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِثَلَاثٍ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
стр. 8604
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدِ) بن كوسجان -بمهملة، ثم جيم- المروزيّ، أبو داود السِّنْجِيّ النَّحْويّ، وسِنْج -بكسر السين المهملة، وسكون النون، بعدها جيم- من نواحي مَرْوَ، ثقةٌ، صاحب حديث، رَحّالٌ، أَدِيبٌ [١١].
رَوَى عن عبد الرزاق، والنضر بن شُميل، والأصمعيّ والحسين بن حفص الأصبهانيّ، وجعفر بن عون، وعثمان بن عُمر بن فارس، وسليمان بن حرب، ومعلى بن أسد، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، وابن أبي داود، وابن خِرَاش، وجماعة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الخطيب: رَحَلَ في طلب العلم إلى العراق والحجاز واليمن ومصر، وقَدِمَ بغداد، وذاكر الحفاظ بها، وقال الحازميّ: كان أَدِيبًا شاعرًا، وله تاريخ، وقال مسلمة: مروزيّ ثقةٌ، ونَقَل الصَّرِيفينيّ، عن ابن خِرَاش توثيقه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة سبع وخمسين ومائتين، زاد غيره: في ذي الحجة.
أخرج له مسلم والترمذي والنسائي، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط (١)، هذا برقم (٧٢١) و (١٤٣٥) و (١٩٥٤) و (٢٤٦٥) و (٢٦٠١) و (٢٦٦٢) و (٢٦٦٣) و (٢٨٧٧).
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الأنصاريّ، أبو إسحاق، ويقال: أبو إسماعيل الدّبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقة [٧].
رَوَى عن ثابت البنانيّ، وعاصم الأحول، ويحيى بن عَتيق، وهشام بن عروة، وأيوب، وخالد الحذاء، وعبد اللَّه بن فَيْرُوز الداناج، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن إسحاق الحضرميّ، ويحيى بن حماد الشيبانيّ،
стр. 8605
ومُعَلَّى بن أسد، ومسدد، ومحمد بن عبد اللَّه الخزاعي، وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدريّ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مُستوي الحديث، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، ووثَّقه العجليّ، وابن الْبَرْقيّ، والدارقطنيّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ) هو: عبد اللَّه بن فَيْرُوز الداناج -بالدال المهملة، والنون المخففة، آخره جيم- البصريّ، وهو العالم بالفارسية، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وأبي برزة الأسلميّ، وأبي ساسان، حُصين بن المنذر، وأبي رافع الصائغ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتادة، وهو من أقرانه، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وعبد العزيز بن المختار، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر ابن أبي حاتم أنه رأى أبا برزة الأسلميّ، وروى عن أبي سلمة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٢١)، وحديث (١٧٠٧): "جلد النبيّ ﷺ أربعين".
٤ - (أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ) نُفَيع المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، مشهورٌ بكنيته [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ) الفاعل ضمير أبي رافع.
[تنبيه]: رواية أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ هذه، ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣١٦) فقال:
стр. 8606
(١٦٣١) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أبو خليفة، ثنا مسدّد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عبد اللَّه الداناج، ثنا أبو رافع الصائغ، قال: شهدت أبا هريرة قال: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٥] (٧٢٢) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَن أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: أَوْصَانِي حَبِيبِي ﷺ بِثَلَاثٍ، لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨١.
٦ - (أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) ذُكر في الباب.
٧ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، اختُلف في اسم
стр. 8607
أبيه، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقب، الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحُدٌ، وكان عابدًا، مات ﵁ في آخر خلافة عثمان ﵁، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الغسّاني الْجَيّانيُّ بعد إيراده رواية المصنّف هذه ما نصّه: هكذا "عن أبي الدرداء"، وفي نسخة أبي العلاء: "عن أم الدرداء" مكان "أبي الدرداء"، والصواب "أبو الدرداء"، وكذلك هو في نسخة أبي أحمد على الصواب. انتهى (١).
وشرح الحديث وفوائده تُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ١٦٧٥] (٧٢٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٤٠ و ٤٥١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٣٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٥) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، وَالتَّخْفِيفِ فِيهِمَا، وَبَيَانِ فَضْلِهِمَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٦] (٧٢٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ).
стр. 8608
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٥ - (حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) بنت عمر بن الخطّاب ﵄، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، قيل: إنها وُلدت قبل المبعث بخمسة أعوام.
روت عن النبي ﷺ ، وعن أبيها، وروى عنها ابن عمر، وابنه حمزة، وزوجته صفية، وغيرهم.
توفيت سنة (٤١) وقيل: (٤٥)، وصلّى عليها مروان بن الحكم.
أخرج لها الجماعة.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أنه نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀ أن أصحّ الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي أخته.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه -تعالى- أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) وهي أخته كما
стр. 8609
أسلفناه آنفًا (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ) بغير همز؛ أي: ظهر، وفي رواية زيد بن محمد، عن نافع الآتية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين"، وفي رواية سالم، عن أبيه الآتية: "كان إذا أضاء له الفجر صلّى ركعتين" (رَكَعَ) أي: صلّى (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنّتا الصبح، وفيه استحباب تخفيف ركعتي الفجر (قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ) متعلّق بـ "رَكَعَ"، قال النوويّ ﵀: قد يَستَدِلُّ به من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح، وما له سبب، ولأصحابنا الشافعية في المسألة ثلاثة أوجه:
[أحدها]: هذا، ونقله القاضي عن مالك، والجمهور.
[والثاني]: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الصبح.
[والثالث]: لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، فإنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم يَنْهَ عن غيرهما. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولم يَنْهَ عن غيرهما" هو كما قال، وأما ما أخرجه الترمذيّ عن ابن عمر بأن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين"، فضعيف؛ لأن في سنده محمد بن الحصين، مجهول، كما قال الدارقطنيّ، وكذا رُوي بطرق كلّها ضعيفة، لا تصلح لمعارضة ما صحّ عنه ﷺ بإباحة الصلاة بعد الفجر بأكثر من ركعتين، وذلك حديث عمرو بن عبسة ﵁ الطويل، وفيه: "فصلّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح"، فأباح له الصلاة إلى أن يصليّ صلاة الصبح، وسيأتي تمام البحث قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حفصة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ١٦٧٦ و ١٦٧٧ و ١٦٧٨ و ١٦٧٩ و ١٦٨٠]
стр. 8610
(٧٢٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦١٨) و"التهجّد" (١١٧٣ و ١١٨١)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٣٣) وفي "الشمائل" (٢٧٨)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٨٣) و"قيام الليل" (١٧٦٠ و ١٧٦١ و ١٧٧٩)، وفي "الكبرى" (١٥٥٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٤٣ و ١١٤٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٧٧١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٤٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٣٦ و ٣٣٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٩٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٨٧ و ٢٤٦٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٣١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٤٤ و ٢١٤٥ و ٢١٤٦ و ٢١٤٧ و ٢١٤٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٣٣ و ١٦٣٤ و ١٦٣٥ و ١٦٣٦ و ١٦٣٧ و ١٦٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في كراهة التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنة الصبح:
ذهب بعضهم إلى الكراهة، وبه قال سعيد بن المسيب، والعلاء بن زياد، وحميد بن عبد الرحمن، والحنفية، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وابن عمرو، وهو المشهور عن أحمد.
وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول الحسن البصريّ، والشافعيّ، وحملا النهي عن الصلاة بعد الصبح على أن المراد منه بعد صلاة الفريضة، واستدلا بحديث عمرو بن عَبَسَة ﵁ حيث قال له النبيّ ﷺ : "فصلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح"، وبه قال ابن حزم، وهو مذهب النسائيّ، حيث بوّب في "سننه" بقوله: "إباحة الصلاة إلى أن يُصلّي الصبح"، ثم أورد حديث عمرو المذكور، وهو المذهب الراجح كما سيأتي، واللَّه تعالى أعلم.
وقال مالك: يجوز ذلك لمن فاتته صلاة الليل، لما رواه في "الموطأ" عن سعيد بن جبير "أن عبد اللَّه بن عباس رقد، ثم استيقظ، ثم قال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم، ثم رجع، فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام عبد اللَّه بن عباس، فأوتر، ثم صلى
стр. 8611
الصبح"، ولما رواه أنه بلغه أن عبد اللَّه بن عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمد، وعبد اللَّه بن عمر بن ربيعة قد أوتروا بعد الفجر، وما رواه عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد اللَّه بن مسعود قال: ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح، وأنا أوتر، وما رواه عن يحيى بن سعيد، أنه قال: كان عبادة بن الصامت يؤم قومًا، فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: سمعت عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة يقول: إني لأوتر، وأنا أسمع الإقامة، أو بعد الفجر، يشك عبد الرحمن أيّ ذلك، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن محمد يقول: إني لأوتر بعد الفجر.
ففي هذا كله دلالة على أن الوتر يجوز أن تُصَلَّى بعد الفجر، وقبل صلاة الصبح.
وقال الشوكاني: والحديث -يعني حديث: "لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين"- يدُلّ على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قال الترمذيّ: وهو مما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
قال الحافظ في "التلخيص": دعوى الترمذيّ الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه ابن المنذر، وغيره، وقال الحسن البصريّ: لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في "قيام الليل". انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي القول بعدم الكراهة، وأحاديث النهي كلها ضعيفة، وبعضها مرسل، فلا تُعارِض حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح الذي مرّ ذكره آنفًا، فتبصّر، واللَّه -تعالى- أعلم.
[تنبيه]:
حديث: "ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين"،
стр. 8612
رواه أحمد وأبو داود والترمذيّ، والدارقطنيّ من حديث أبى علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، ولفظ أبي داود:
(١٢٧٨) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا وُهيب، حدثنا قُدامة بن موسى، عن أيوب بن حصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول اللَّه ﷺ خرج علينا، ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: "ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين".
قال الترمذيّ: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قُدَامة بن موسى.
قال الحافظ: وقد اختُلف في اسم شيخه، فقيل: أيوب بن حصين، وقيل: محمد بن حصين، وهو مجهول. وروى أبو يعلى، والطبراني من وجهين آخرين عن ابن عمر نحوه.
ورواه ابن عديّ في ترجمة محمد بن الحارث من روايته عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، والمحمدان ضعيفان، ورواه الطبراني أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر بالحديث دون القصة، وينظر في سنده.
ورواه الدارقطنيّ من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وفي سنده الإفريقي، ورواه الطبراني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وفي سنده رَوَّاد بن الجَرَّاح.
ورواه البيهقي من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا، وقال: رُوي موصولًا عن أبي هريرة، ولا يصح. ورواه موصولًا الطبراني، وابن عديّ، وسنده ضعيف، والمرسل أصح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحاصل أن أحاديث النهي كلها ضعيفة، وإن صحَّحها بعض العلماء بمجموع طرقها، فلا تصلح لمعارضة حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح: "فصلِّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح"، فإنه نصّ صريح في إباحة الصلاة بعد طلوع الفجر قبل أداء الفرض، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8613
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، كلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْد) بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث الإمام الثقة الثبت الحجة المشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٥ - (يَحْيَى) يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ التميميّ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٦ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم قريبًا.
٧ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقْسَم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٨ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان، تقدّم قريبًا.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) الضمير للّيث بن سعد، وعبيد اللَّه بن عمر، وأيوب السختيانيّ.
стр. 8614
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد نافع المذكور، وهو عن ابن عمر، عن حفصة ﵃.
[تنبيه]: أما رواية الليث، عن نافع هذه، فقد ساقها النسائيّ ﵀، فقال:
(١٧٦٠) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، عن رسول اللَّه ﷺ "أنه كان إذا نودي لصلاة الصبح، ركع ركعتين خفيفتين، قبل أن يقوم إلى الصلاة". انتهى.
وأما رواية عبيد اللَّه، عن نافع، فقد ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٣١٨) فقال:
(١٦٣٥) حدّثنا محمد بن إبراهيم، وعبد اللَّه بن محمد، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا الفريابيّ، ثنا أبو قُدامة، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أخبرتني حفصة، أن النبيّ ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين، إذا طلع الفجر. انتهى.
وأما رواية أيوب، عن نافع، فقد ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" أيضًا (٢/ ٣١٨) فقال:
(١٦٣٦) حدّثنا فاروق، ثنا أبو مسلم (ح) وثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي (ح) وثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، قالوا: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب (ح) وثنا أبو عليّ بن الصوّاف، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة، قالا (١): ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، حدّثتني حفصة، أنه كان، تعني النبي ﷺ يصلي ركعتين حين يطلع الفجر، وينادي المنادي بالصلاة. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8615
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ) بن أبي فَرْوَة الهاشميّ المعروف بابن الْكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن مروان بن معاوية، ومحمد بن جعفر غُنْدَر، وغيرهما.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وقال: ثقةٌ، والبزار، والقاسم المطرِّز، وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة سبع وأربعين ومائتين.
روى عنه المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٢٣) و (١٩٧٧) و (٢٢٠٩) و (٢٢٢٥) و (٢٢٦١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْن جَعْفَرٍ) غُنْدر، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (زيدُ بْنُ مُحَمَّد) بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، ونافع، وعنه أخواه: عاصم، وعُمر، وشعبة.
قال أبو داود، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: مُقِلّ فاضل، وهم خمسة إخوة، كلهم ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم