← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

والباقيان ذُكرا قبله، وكذا الكلام على الحديث مرّ قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ زيدٍ، قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنيَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسن الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠. ٣ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام، أبو بكر الأسديّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعمه عبد اللَّه، وجدّته أسماء بنت أبي بكر، وابن عمر، والحسن بن عليّ، وحكيم بن حِزَام، والنابغة الْجَعْديّ، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه ابنه عمر، وأخواه: هشام وعبيد اللَّه، وابن أخيه محمد بن يحيى بن عروة، وأبو بكر بن إسحاق، والضحاك بن عثمان الْحِزَاميّ، وإسماعيل بن أمية، ومصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير، والزهريّ، وابن جريج، ونافع بن أبي نعيم القارئ، وغيرهم. قال أحمد بن صالح المصريّ: ليس بينه وبين أبيه في السنّ إلا خمس عشرة سنةً، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ أحد

стр. 8682

الأثبات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الزبير بن بكار: كان له عَقْل، وحَزْمٌ، ولسانٌ، وفضلٌ، وشرف، وكان يشبه عبد اللَّه بن الزبير في لسانه، بَلَغَ خمسًا أو ستًّا وتسعين سنةً، وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: كنت مع أبي في حاجة، فلما انصرفنا قال لي: هل لك في هذا الشيخ؟ فإنه من بقايا قريش، وأنت واجدٌ عنده ما شئت من حديث، ونُبْل رأي، يريد عبد اللَّه بن عروة. بقي إلى أواخر دولة بني أميّة، وكان مولده سنة خمس وأربعين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٣٢)، و (١٤٢٣) حديث: "تزوّجني رسول اللَّه ﷺ شوّال. . . "، و (٢٤١٦): "فداك أبي وأمّي"، و (٢٤٤٨): "كنت لك كأبي زرع. . . ". والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال القاضي عياض ﵀: قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: "بَدَّنَ الرجل" -بفتح الدال المشددة- تبدينًا: إذا أَسَنَّ، قال أبو عبيد: ومن رواه "بَدُنَ" -بضم الدال المخففة- فليس له معنى هنا؛ لأن معناه كَثُر لحمه، وهو خلاف صفته ﷺ ، يقال: بَدُن يَبْدُن بَدَانةً، وأنكر أبو عبيد الضمّ، قال القاضي: روايتنا في مسلم عن جمهورهم "بَدُنَ" بالضم، وعن العذريّ بالتشديد، وأراه إصلاحًا، قال: ولا يُنْكَر اللفظان في حقه ﷺ ، فقد قالت عائشة ﷺ في "صحيح مسلم" بعد هذا بقريب: "فلما أسنّ رسول اللَّه ﷺ ، وأخذ اللحم أوتر بسبع"، وفي حديث آخر: "ولَحُمَ"، وفي آخر: "أَسَنّ، وكَثُرَ لحمه"، وقول ابن أبي هالة ﵁ في وصفه ﷺ : "بادنٌ متماسكٌ"، هذا كلام القاضي، قال النوويّ: والذي ضبطناه، ووقع في أكثر أصول بلادنا بالتشديد. انتهى (١). وقال القرطبيُّ: قولها: "لَمّا بدن" أكثر الرواة قيّدوا "بَدُنَ" بضمّ الدال، ورواية الصدفيّ عن الْعُذريّ "بَدَّنَ" مفتوحة الدال، مشدَّدةً، وارتضى أبو عبيد

стр. 8683

رواية الفتح والتشديد، وقال: يقال: بَدَّنَ الرجلُ تبدينًا: إذا أسنّ، وأنشد: وَكُنْتُ الشَّيْبَ وَالتَّبْدِينَا … وَالْهَمذَ مِمَّا يُذْهِلُ الْقَرِينَا قال: ومن رواه "بَدُنَ" ليس له معنى؛ لأنه خلاف وصفه ﷺ ، ومعناه كَثُرَ لحمه، يقال: بَدُنَ الرجلُ يَبْدُنُ بَدانةً. قال القرطبيّ: ولا معنى لإنكار "بَدُنَ"، وقد صحّت الرواية فيه، وقد جاء معناه مفسَّرًا من قول عائشة ﵂، قالت: "فلَمَا كَبِرَ، وأخذه اللحمُ"، وفي رواية: "أسنّ، وكثُرَ لحمه"، وقول أبي عبيد: "لم يكن ذلك وصفه ﷺ " صدقٌ؛ لأنه لم يكن في أصل خلقته بادنًا كثير اللحم، لكن عندما أسنّ، وضَعُف عن كثير مما كان يتحمّله في حال النشاط من الأعمال الشاقّة استرخى لحمه، وزاد على ما كان عليه في أصل خلقته زيادةً يسيرةً، بحيث يصدُقُ عليه ذلك الاسم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر أن "بدن" بتشديد الدال، و"بَدُن" بتخفيفها مضمومة لا يبعد هنا؛ كما وجّهه القرطبيُّ، فيجوز الوجهان، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. وقولها: (وَثَقُلَ) بضمّ القاف، وزان كَرُم: ضدّ خفّ، فيكون عطفه على "بدّن" من عطف المسبّب على السبب. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مرّ تخريجه قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٢] (٧٣٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ (٢) قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ

стр. 8684

قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ، فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب. ٢ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة بن الأسود الْكِنْديّ، ويقال: الأسديّ، أو الليثيّ، أو الْهُذَليّ، وقال الزهريّ: هو من الأزد عِداده في كنانة، وهو ابن أخت النَّمِر، لا يُعْرَفون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة، قال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد: حَجّ أبي مع النبيّ ﷺ ، وأنا ابن سبع سنين. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن حويطب بن عبد العُزَّى، وعمر، وعثمان، وعبد اللَّه بن السَّعْديّ، وأبيه يزيد، وخاله العلاء بن الحضرميّ، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، ومعاوية، وعائشة ﵃، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه عبد اللَّه، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن حميد، وحمزة بن سفينة، والزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وابن أخته يزيد بن عبد اللَّه بن خصيفة، وجماعة. وقال ابن عبد البرّ: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة. قال الواقديّ: تُوُفّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقال غيره سنة (٦٩) وقيل: سنة (٨٨)، وقال أبو نعيم: تُوُفّي سنة اثنتين وثمانين، وذكره البخاريّ في "فصل من مات ما بين التسعين إلى المائة"، وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا بالمكرّر. ٣ - (الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ) هو: المطَّلِب بن أبي وَداعة الحارث بن أبي صُبيرة بن سعيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ القرشيّ، أمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن حفصة، وعنه أولاده: جعفر، وعبد الرحمن، وكثير، وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب، والسائب بن يزيد، وعكرمة بن خالد، وعبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، على خلاف فيه.

стр. 8685

وقال الواقديّ: نَزَلَ المدينة، وله بها دارٌ، وبَقِيَ دهرًا، ومات بها، وذكره ابن سعد في مسلمة الفتح. أخرج له مسلم والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطّاب ﵄. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجمعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والمطّلب، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من الصحابة، روى بعضهم عن بعض: السائب، عن المطّلب، عن حفصة ﵃. شرح الحديث: (عَنْ حَفْصَةَ) أم المؤمنين ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى) وفي نسخة: "يُصلّي" في الموضعين (فِي سُبْحَتِهِ) أي: في صلاته النافلة (قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ) زاد في رواية يونس ومعمر الآتية: "بعام واحد، أو اثنين"، قال بعضهم: لعلّ الواقع كان عامًا وبعض عام، فإذا حذفنا الكسر قلنا: بعام واحد، وإذا جبرناه قلنا: بعامين، وإذا ردّدنا أردنا عامًا وشيئًا، فهذه الرواية تبيّن تحديد مدّة صلاته ﷺ قاعدًا (١)، واللَّه تعالى أعلم. (فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ) أي: القصيرة (فَيُرَتِّلُهَا) أي: يقرأها بتمهّل، يقال: رَتَّلتُ القرآن ترتيلًا: تمهّلتُ في القراءة، ولم أعجَل، قاله في "المصباح": (حَتَّى تَكُونَ) أي: إلى أن تصير تلك السورة بواسطة الترتيل (أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا) أي: من سورة أطول منها بسبب ترتيله قراءتها، وليس المراد أن تكون نفس السورة أطول.

стр. 8686

وقال القرطبيُّ ﵀ أي: يمُدّ وُيرتّل في قراءة السورة القصيرة، حتى يكون زمان قراءتها أطول من زمان قراءة سورة أخرى فوق الأولى في العدد. انتهى (١). وفيه استحباب الترتيل في تلاوة القرآن؛ إذ المطلوب من تلاوته التدبّر في آياته، وتذكّر ما فيها من المعاني الباهرة، كما قال اللَّه : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، ولا يمكن ذلك للقارئ والمستمع إلا بالترتيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حفصة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٧١٢ و ١٧١٣] (٧٣٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٧٣)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٥٧)، و"الكبرى" (١٣٧٦)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٣٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٠٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٩٢ و ١٩٩٣ و ١٩٩٤ و ١٩٩٥ و ١٩٩٦ و ١٩٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٦٤ و ١٦٦٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٣٣٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٩٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٣] (. . .) - (وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا (٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا

стр. 8687

عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: بِعَامٍ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكسّيّ، أبو محمد، وقيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا. ٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٧) تقدم في "المقدمة" (ع) ٤/ ١٨. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ. . . إلخ) أي: روى يونس، ومعمر عن الزهريّ بإسناده السابق، وهو: عن السائب بن يزيد، عن المطّلب بن أبي وَداعة، عن حفصة ﵂. وقوله: (بِعَامٍ وَاحِدٍ، أَوِ اثْنَيْنِ) تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي. [تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٥٣٢ - ٥٣٣) فقال: وحدّثنا أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، قال: ثنا عمي، قال أنبا

стр. 8688

يونس، عن الزهريّ عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة السهميّ، أن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: لم أر رسول اللَّه ﷺ يصلي قاعدًا، حتى كان قبل موته بعام أو اثنين، فكان يصلي في سُبحته جالسًا، ويُرَتِّل السورة حتى يكون في قراءته أطول من أطول منها. انتهى. وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٥٩٠٢) حدّثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وَداعة، عن حفصة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: لم أر رسول اللَّه ﷺ صلي في سبحته جالسًا قطّ حتى كان قبل موته بعام أو بعامين، فكان يصلي في سبحته جالسًا، ويقرأ السورة، فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطول منها. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٤] (٧٣٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى صَلَّى قَاعِدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في الباب. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٣ - (حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ) بن صالح بن حيّ، وهو حيّان بن شُفَيّ (١) بن هُنَيّ بن رافع الهمدانيّ الثوريّ، قال البخاريّ: يقال: حَيّ لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ، رُمي بالتشيّع [٧]. رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق، وعمرو بن دينار، وعاصم الأحول، وعبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، وإسماعيل السُّدّيّ، وعبد العزيز بن رُفيع،

стр. 8689

ومحمد بن عمرو بن علقمة، وليث بن أبي سُليم، ومنصور بن المعتمر، وسهيل بن أبي صالح، وسلمة بن كُهيل، وسعيد بن أبي عروبة. وروى عنه ابن المبارك، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، والأسود بن عامر شاذان، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم، وأبو أحمد الزبيري، وعبيد اللَّه بن موسى، وأبو نعيم، وغيرهم. قال يحيى القطان: كان الثوريّ سيئ الرأي فيه، وقال أبو نعيم: دخل الثوريّ يوم الجمعة، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ باللَّه من خشوع النفاق، وأخذ نعليه، فتحوّل، وقال أيضًا عن الثوريّ: ذاك رجل يرى السيف على الأمة، وقال خلاد بن زيد الجعفيّ: جاءني الثوريّ إلى ها هنا، فقال: الحسن بن صالح مع ما سمع من العلم وفقه يترك الجمعة، وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حيّ، لا يرى جمعة، ولا جهادًا، وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد، يُحَذِّر الناس من ابن حيّ وأصحابه، قال: وكانوا يرون السيف، وقال أبو أسامة، عن زائدة: إن ابن حي استصلب منذ زمان، وما نَجِد أحدًا يصلبه، وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من الحسن بن حيّ، وقال علي بن الجعد: حدَّثت رائدة بحديث عن الحسن، فغضب، وقال: لا حدثتك أبدًا، وقال أبو معمر الهذليّ: كنا عند وكيع، فكان إذا حدّث عن الحسن بن صالح لم نكتب، فقال: ما لكم؟ فقال له أخي بيده هكذا، يعني أنه كان يرى السيف فسكت، وقال أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط، عن وكيع شيئًا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه، يعني الحسن بن حيّ، فقال: فقلت ليوسف: ما تخاف أن تكون هذه غيبةً؟ فقال: لِمَ يا أحمق، أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا، فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضرّ عليهم، وقال الأشجّ: ذُكر لابن إدريس صَعْقُ الحسن بن صالح، فقال: تبسُّمُ سفيان أحب إلينا من صَعْق الحسن، وقال أحمد بن يونس: جالسته عشرين سنةً، ما رأيته رفع رأسه إلى السماء، ولا ذَكَر الدنيا، ولو لم يولد كان خيرًا له، يترك الجمعة، ويرى السيف، وقال أبو موسى: ما رأيت يحيى، ولا عبد الرحمن حدّثا عن الحسن بن صالح بشيء، وقال عمرو بن عليّ: كان عبد الرحمن يحدث عنه

стр. 8690

ثلاثة أحاديث، ثم تركه، وذكره يحيى بن سعيد، فقال: لم يكن بالسكة، وقال ابن عيينة: حدّثنا صالح بن حيّ، وكان خيرًا من ابنيه، وكان عليّ خيرهما، وقال أحمد: حسن ثقةٌ، وأخوه ثقةٌ، ولكنه قَدُم موته، وقال علي بن الحسن الهسنجانيّ، عن أحمد: الحسن بن صالح صحيح الرواية، متفقه صائن لنفسه في الحديث والورع، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: الحسن أثبت في الحديث من شريك، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن يحيى بن معين: ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقةٌ، وكذا قال ابن أبي مريم عنه، وزاد: مستقيم الحديث، وقال الدُّوريّ، عن يحيى: يُكْتَب رأي مالك، والأوزاعيّ، والحسن بن صالح، هؤلاء ثقات، وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى: الحسن وعليّ ابنا صالح ثقتان مأمونان، وقال أبو زرعة: اجتَمَع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وقال أبو حاتم: ثقة حافظٌ متقنٌ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال عبيد اللَّه بن موسى: كنت أقرأ على علي بن صالح، فلما بلغت إلى قوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٨٤] سقط الحسن بن صالح يخور، كما يخور الثور، فقام إليه عليّ فرفعه، ورَشّ على وجهه الماء، وقال وكيع: ثنا الحسن، قيل: من الحسن؟ قال: الحسن بن صالح الذي لو رأيته ذَكَرت سعيد بن جبير، وقال وكيع أيضًا: لا يبالي من رأى الحسن أن لا يرى الربيع بن خيثم، وقال ابن بكير: قلنا للحسن بن صالح: صف لنا غسل الميت، فما قَدَر عليه من البكاء، وقال ابن الأصبهانيّ: سمعت عبدة بن سليمان يقول: إني أرى اللَّه يستحيي أن يعذبه، قال أبو نعيم: حدّثنا الحسن بن صالح، وما كان دون الثوري في الورع والفقه، وقال ابن أبي الحسين: سمعت أبا غسان يقول: الحسن بن صالح خير من شريك من هنا إلى خراسان، وقال ابن نمير: كان أبو نعيم يقول: ما رأيت أحدًا إلا وقد غَلِط في شيء غير الحسن بن صالح، وقال أبو نعيم أيضًا: كتبت عن ثمانمائة محدِّث، فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح، وقال وكيع: كان الحسن وعلي ابنا صالح وأمهما قد جزأوا الليل ثلاثة أجزاء، فكان كل واحد يقوم ثلثًا، فماتت أمهما فاقتسما الليل بينهما، ثم مات عليّ، فقام الحسن الليل كله، وقال أبو سليمان الدارانيّ: ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه من الحسن، قام ليلة بـ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾، فغُشي عليه، فلم يختمها إلى الفجر،

стр. 8691

وقال العجليّ: كان حَسَنَ الفقهِ، من أسنان الثوريّ، ثقةً ثبتًا متعبدًا، وكان يتشيع إلا أن ابن المبارك كان يَحْمِل عليه بعض الحمل لمحالّ التشيع، وقال ابن حبان: كان الحسن بن صالح فقيهًا وَرِعًا، من الْمُتَقَشِّفَة الْخُشُنِ، وممن تجرد للعبادة، ورَفَض الرياسة على تشيّع فيه، مات وهو مُخْتَفٍ من القوم، وقال ابن سعد: كان ناسكًا عابدًا فقيهًا حُجّةً صحيح الحديث، كثيرهُ، وكان متشيعًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: رأيت أبا نعيم لا يعجبه، ما قال ابن المبارك في ابن حيّ، قال: وتكلم في حسن، وقد رَوَى عن عمرو بن عُبيد، وإسماعيل بن مسلم، قال: وسمعت أبا نعيم يقول: قال ابن المبارك: كان ابن صالح لا يشهد الجمعة، وأنا رأيته شهد الجمعة في إثر جمعة اختَفَى مثها، وقال الساجيّ: الحسن بن صالح صدوقٌ، وكان يتشيع، وكان وكيع يحدِّث عنه، ويقدِّمه، وكان يحيى بن سعيد يقول: ليس في السِّكّة مثله، إلى أن قال: حُكي عن يحيى بن معين أنه قال: ثقةٌ ثقةٌ، قال الساجيّ: وقد حدّث أحمد بن يونس عنه، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر في شرب الفضيخ، وهذا حديث منكر. وأجاب الحافظ بأن الآفة ليس من الحسن، وإنما هي من جابر، وهو الجعفيّ، قال الساجيّ: وكان عبد اللَّه بن داود الخْرُيَبيّ يحدِّث عنه ويُطريه، ثم كان يتكلم فيه، ويدعو عليه، ويقول: كنت أَؤُمّ في مسجد بالكوفة، فأطريت أبا حنيفة، فأخذ الحسن بيدي، ونَحّاني عن الإمامة، قال الساجيّ: فكان ذلك سبب غضب الخريبي عليه، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ عابدٌ، وقال أبو غسان: مالك بن إسماعيل النَّهْديّ: عَجِبت لأقوام قَدَّموا سفيان الثوريّ على الحسن. وقال ابن عديّ: والحسن بن صالح قومٌ يحدِّثون عنه بِنُسَخ، وقد رووا عنه أحاديث مستقيمة، ولم أجد له حديثًا منكرًا، مجاوز المقدار، وهو عندي من أهل الصدق. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من أقوال جمهور النقّاد أن الحسن بن صالح ثقةٌ حجةٌ لا يختلفون فيه، وإنما تكلّموا في مذهبه، وهو أنه يرى الخروج على الأئمة، وقد أجاب عنه الحافظ ﵀، فأجاد، حيث قال: وقولهم: كان يَرَى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور،

стр. 8692

وهذا مذهب للسلف قديمٌ، لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لَمّا رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه، ففي وقعة الْحَرّة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما عِظَةٌ لمن تدبر، وبمثل هذا الرأي لا يُقْدَح في رجل، قد ثبتت عدالته، واشتَهَرَ بالحفظ والإتقان والورع التامّ، والحسن مع ذلك لم يخرج على أحد، وأما تركه الجمعة ففي جملة رأيه ذلك أن لا يُصَلِّي خلف فاسق، ولا يصحح ولاية الإمام الفاسق، فهذا ما يُعْتذَر به عن الحسن، وإن كان الصواب خلافه، فهو إمام مجتهد. انتهى كلام الحافظ ﵀، وقد أجاد، وأفاد. والحاصل أن الحسن بن صالح ثقة حجةٌ، وما عيب عليه، فيُعتذر عنه بما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وُلد الحسن سنة (١٠٠) ومات سنة (١٦٩) كذا قيل، والصواب أنه مات سنة (١٦٧) بتقديم السين على الباء، كذا في تاريخ أبي نعيم، وتواريخ البخاريّ، وكتاب الساجيّ، وتاريخ ابن قانع، وكذا حكاه القرّاب في "تاريخه" عن أبي زرعة، وعثمان بن أبي شيبة، وابن منيع، وغيرهم. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وذكره في "كتاب الشهادات" من "الجامع"، وأخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٣٤) و (١٤٨٠) و (٢١٩٦) و (٢٣٤٤) و (٢٨٥١). ٤ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّواليّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، نزل الكوفة، ومات بها سنة سبعين (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨، وشرح الحديث، واضح يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 8693

أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ١٧١٤] (٧٣٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٢٤١) رقم الحديث (٢٠٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٦٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٦٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٥] (٧٣٥) - (وَحَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ"، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ " قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ قُلْتَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ"، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: "أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٤ - (هِلَالُ بْنُ يِسَافٍ) -بكسر التحتانيّة، ويقال: بفتحها- ويقال: ابن

стр. 8694

إساف الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٦. ٥ - (أَبُو يَحْيَى) مِصْدَع -بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه- الأعرج الْمُعَرْقَبُ، مقبول [٣] (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٦. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف على الأرجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وهلال، وأبي يحيى، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى، وهو من رواية الأقران، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ﵄، أنه (قَالَ: حُدِّثْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أخبرني مخبرٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها موقع المفرد، وهو النائب عن الفاعل (قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا) أي: أجر صلاته، حال كونه قاعدًا، فهو على حذف مضاف (نِصْفُ الصَّلَاةِ") أي: مثل نصف أجره. قال النوويُّ ﵀: معناه أن صلاة القاعد، فيها نصف ثواب القائم، فيتضمّن صحّتها، ونُقصان أجرها، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلّى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينقص ثوابه، بل يكون كثوابه قائمًا. وأما الفرض، فإن صلى قاعدًا، مع قدرته على القيام لم تصحّ، فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به، قال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: وإن استحلّه كَفَر، وجرت عليه أحكام المرتدّين، كما لو استحلّ الزنا، والربا، أو غيره من المحرّمات الشائعة التحريم، وإن صلى الفرض قاعدًا لعجزه عن القيام، أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود، فثوابه كثوابه قائمًا، لم ينقص باتفاق

стр. 8695

أصحابنا، فيتعيّن حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام. هذا تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه القاضي عياض ﵀ عن جماعة، منهم الثوريّ، وابن الماجشون، وحُكي عن الباجيّ، من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر، أو نافلةً لعذر، أو لغير عذر، قال: وحمله بعضهم على من له عذر، يرخّص في القعود في الفرض والنفل، ويمكنه القيام بمشقّة. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١). (قَالَ) عبد اللَّه ﵁ (فَأَتَيْتُهُ) أي: أتيت النبيّ ﷺ (فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي) حال كونه (جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي) الظاهر أنه إنما فعل ذلك بعد فراغه ﷺ من الصلاة؛ إذ ما يُظنّ به ذلك قبله (٢). (عَلَى رَأْسِهِ) أي: رأسه ﷺ ؛ ليتوجّه إليه، وكأنه كان هناك مانع من أن يحضر بين يديه، ومثل هذا لا يُسمّى خلاف الأدب عند طائفة العرب؛ لعدم تكلّفهم، وكمال تألّفهم، قاله القاري ﵀. وقيل: هذا على عادة العرب فيما يعتنون به. وقيل: كان ذلك في عادتهم فيما يستغربونه، ويتعجّبون منه، كفعل المستغرب للشيء المتعجّب من وقوعه مع من استغرب منه، ونظيره أن بعض العرب كان ربّما لمس لحيته الشريفة عند مفاوضته معه. وقيل: صدر ذلك عنه من غير قصد منه؛ استغرابًا وتعجّبًا، ذكره في "المرعاة" (٣). وقال الطيبيُّ ﵀: [فإن قلت]: أليس هذا على خلاف ما يجب عليه من توقيره ﷺ ؟. [قلت]: لعلّ ذلك صدر لا عن قصد منه، وإنه لَمّا وجده ﷺ على خلاف ما حُدِّث عنه من قوله: "صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة"، استَغْرب ذلك، واستبعده، فأراد تحقيق ذلك، فوضع يده على رأسه، ولذلك أنكره ﷺ بقوله:

стр. 8696

"ما لك يا عبد اللَّه بن عمرو؟ "، فسمّاه، ونسبه إلى أبيه، وكذلك قول عبد اللَّه في الجواب: "وأنت تصلي قاعدًا"، فإنه حال مقرّرة لجهة الإشكال، ونحوه قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ الآية [البقرة: ٣٠]. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فوضعت يدي على رأسه" هذا يدلّ على عظيم تواضع النبيّ ﷺ وحنانه، وحسن أخلاقه، وأنه كان مع خاصّة أصحابه فيما يرجع إلى المعاشرة والمخالطة كواحد منهم؛ إذ كان يُباسطهم ويُمازحهم، ويكون معهم في عملهم، ولا يستأثر عليهم، ولا يترفّع عنهم، ولذلك كانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيده، وتنطلق به حيث شاءت، ويجلس يُحدّثها حيث أرادت، ومن كانت هذه حاله، فلا يُستنكر من بعض أصحابه أن يُعامله بمثل ذلك في بعض الأحوال، سيّما وكان مقصود عبد اللَّه أن يُقبِل عليه رسول اللَّه ﷺ حتى يُجيبه عمّا وقع في خاطره من هذا الأمر الدينيّ المهمّ في حقّه، واللَّه تعالى أعلم. وهذا كلّه على ما صحّ عندنا من الرواية "على رأسه"، وظاهره أنه عائد على النبيّ ﷺ ، وقد ذُكر لي أن بعض الناس رواه "رأسيه"، فألحق به ياء المتكلّم، وهاء السكت، ووجهُها واضحٌ لو ثبت، وأظنّ أنه إصلاح ورأيٌ، لا روايةٌ، ويقرُبُ من فعل عبد اللَّه فعل جبريل ﵇ معه ﷺ ، حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، على قول من قال: إنه أراد فخذي النبيّ ﷺ ، وهو الصحيح (٢). انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (٣).

стр. 8697

قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأقرب أن قول من قال: إن وضع عبد اللَّه بن عمرو ﵄ يده على رأسه ﷺ إنما من غير قصد؛ لسبب من الأسباب، بأن كان ليلًا، أو لغير ذلك، وهذا هو اللائق بحال مثله من أفاضل الصحابة ﵃ الذين هم في أعلى درجات التعظيم للنبيّ ﷺ ، وإنما يليق هذا بالوافدين من الأعراب أهل البادية، كما قيل في توجيه فعل جبريل ﵇ أنه إنما فعل ذلك تعميةً لحاله، حتى يظن الصحابة أنه رجلٌ من أهل البادية، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَقَالَ) ﷺ ("مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ ") "ما" تعجّبيّة؛ أي: ما شأنك، وماذا عرض لك؟ (قُلْتُ: حُدِّثْتُ) بالبناء للمفعول (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ قُلْتَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ") أي: قائمًا (وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا) أي: فكيف اخترت نقصان الأجر مع شدّة حرصك على تكثيره؟ (قَالَ) ﷺ ("أَجَلْ) بفتحتين، وسكون اللام: مثلُ نعم وزنًا ومعنًى، وهي أحسن في مثل هذا من "نعم"؛ أي: نعم قد قلت ذلك. وقال الطيبيُّ ﵀: قوله: "أجل" قول بالموجِب، وتقريرٌ لما قال، وقوله: "ولكني لست كأحدكم" إشارة إلى بيان الفرق بينه ﷺ وبين غيره، ورفع لجهة الإشكال والاستغراب. انتهى (١). (وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ") أي: لست مثلكم في كون ثواب صلاتي قاعدًا على النصف من صلاتي قائمًا، بل هو كصلاتي قائمًا، لا ينقص منه شيء. قال النوويُّ ﵀: هو عند أصحابنا من خصائصه ﷺ ، فجُعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له، كما خُصّ بأشياء معروفة في كتب أصحابنا، وقد استقصيتها في أول "كتاب تهذيب الأسماء واللغات". قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق أن ذكرت من "ألفيّة السيرة" للحافظ العراقيّ الباب الذي عقده لبيان خصائصه ﷺ ، في أبواب المساجد، برقم [١١٦٨] (٥٢١)، عند شرح حديث: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحد قبلي. . ." الحديث، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

стр. 8698

وقال القاضي عياض ﵀: معناه أن النبيّ ﷺ لَحِقَه مشقّة من القيام لِحَطْم الناس، وللسنّ، فكان أجره تامًّا، بخلاف غيره، ممن ليس له عذر. وردّ عليه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطل؛ لأنَّ غيره ﷺ إن كان معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير: "لست كأحد منكم"، وإطلاق هذا القول، فالصواب ما قاله أصحابنا أن نافلته ﷺ قاعدًا مع القدرة على القيام ثوابها كثوابه قائمًا، وهو من الخصائص، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ردّ به النوويّ كلام عياض هو الصواب عندي. وحاصله أن من صلى قاعدًا لعذر، فله الأجر كاملًا، سواء النبيّ ﷺ ، أو غيره، فلا خصوصية له في ذلك، إنما الخصوصية له فيما إذا صلى قاعدًا من غير عذر، فإن له الأجر كاملًا. ودليل ثبوت الأجر كاملًا للمعذور مطلقًا ما أخرجه البخاريُّ في "كتاب الجهاد" من طريق إبراهيم السَّكْسَكيّ، قال: سمعت أبا بُرْدَة، واصطَحَب هو ويزيد بن أبي كبشة، في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت، أبا موسى مرارًا، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". انتهى. فهذا نصّ صريح في أن من ترك القيام لعذر يُكتب له ثواب من صلّى قائمًا كاملًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في الأفضل من كيفية القعود موضع القيام في النافلة، وكذا في الفريضة إذا عَجَز، وللشافعي قولان: أظهرهما يقعد مُفترشًا، والثاني متربعًا، وقال بعض أصحابنا: متوركًا، وبعض أصحابنا: ناصبًا ركبتيه، وكيف قعد جاز، لكن الخلاف في الأفضل، والأصح عندنا جواز التنفل مضطجعًا للقادر على القيام والقعود؛ للحديث الصحيح في

стр. 8699

"صحيح البخاريّ": "ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد"، وإذا صلى مضطجعًا فعلى يمينه، فإن كان على يساره جاز، وهو خلاف الأفضل، فإن استلقى مع امكان الاضطجاع لم يصحّ، قيل: الأفضل مستلقيًا، وأنه إذا اضطجع لا يصحّ، والصواب الأول، واللَّه أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة التنفل مضطجعًا قد استوفيت بحثها في "شرح النسائيّ"، باب: "فضلُ صلاة القاعد على النائم"، ورجّحت هناك قول من قال بصحّته، كما رجحه النوويّ في كلامه المذكور، فراجعه تستفد (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عَمْرو ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ١٧١٥ و ١٧١٦] (٧٣٥)، و (أبو داود) في "الصلاة" (٩٥٠)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٥٩) و"الكبرى" (١٣٦١ و ١٣٧٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٢ و ١٩٢ و ٢٠١ و ٢٠٣)، و (الدارمي) في "سننه" (١٣٩١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٩٩ و ٢٠٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٦٧ و ١٦٦٨ و ١٦٦٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل صلاة القائم على صلاة القاعد، حيث إنه يُفَضَّل عليه بنصف الأجر. ٢ - (ومنها): بيان جواز النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام. ٣ - (ومنها): بيان شرف النبيّ ﷺ ، وعظيم منزلته عند اللَّه تعالى، حيث

стр. 8700

خصّه بعدم نقص أجر صلاته قاعدًا، بخلاف غيره، فينقص منهم نصف أجورهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمَّد، بُندار، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن حبيب الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام فقيه [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) الضمير لشعبة وسفيان. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد منصور الماضي، وهو: عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄. [تنبيه]: رواية شعبة، عن منصور هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٦٨٤٤) حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن

стр. 8701

يِسَاف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا؟ فقال: "على النصف من صلاته قائمًا". انتهى. وأما رواية سفيان، عن منصور، فساقها الحافظ أبو نعيم ﵀، في "مستخرجه" (٢/ ٣٣١) فقال: (١٦٦٩) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا عباس بن محمد بن مجاشع، ثنا محمد بن أبي يعقوب، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يِسَاف، عن أبي يحيى، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: رأيت النبيّ ﷺ صلى قاعدًا، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك تقول: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم"، قال: "أَجَلْ، إني لست كأحد منكم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٧] (٧٣٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلّهم تقدّموا قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ) أي: فيه، فالباء بمعنى "في" (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا) أي: تلك الركعات (بِوَاحِدَةٍ) فيه

стр. 8702

دليل على أن أقلّ الوتر ركعة، وسيأتي تمام البحث في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- (فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا) أي: من تلك الركعة الواحدة التي أوتر بها (اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ) في هذه الرواية أن الاضطجاع بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، والرواية الأخرى تدلّ على أنه بعد ركعتي الفجر، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) هما سنّة الصبح، وقد تقدّم للمصنّف من حديث عائشة ﵂ أنه كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وتمام شرح الحديث، ومسائله تأتي في شرح الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ -وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ- إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمَّد المصري الحافظ الحجة، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.

стр. 8703

٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) تقدّم قبل باب. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قبل باب أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب عن عروة، ورواية الراوي عن خالته: عروة عن عائشة. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بجرّ "زوج" على البدليّة، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) هذا بظاهره يَشْمَل ما إذا كان بعد النوم أو قبله (فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ) -بضم الراء- يقال: فَرَغَ من الشُّغْلِ يَفْرُغَ فُرُوغًا، من باب قعد، وفَرِغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم الفراغ، وفَرَغْتُ للشيء، وإليه: قصدتُ، وفَرَغَ الشيءُ: خلا، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أفرغته، وفرَّغته، أفاده في "المصباح" (١). و"ما" موصولة، والظرف صلتها، والجار والمجرور متعلق بـ "يصلي"؛ أي: يصلي في الوقت الذي بين أن ينتهي (مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) متعلّق بـ "يفرغ"، وقوله: (وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ) جملة معترضة بيّن بها أن المراد هنا

стр. 8704

بصلاة العشاء هي العشاء الأخيرة، لا المغرب؛ إذا يُطلق عليها العشاء أيضًا، و"الْعَتَمَة" محرَّكَةً: ما بعد غيبوبة الشفق إلى الثلث الأول، وعَتَمَة الليل: ظلام أوله عند سقوط نور الشفق، أفاده في "المصباح" (١). وقال في "القاموس": "الْعَتَمَةُ" محرَّكةً: ثلُثُ الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، أو وقتُ صلاة العشاء. انتهى (٢). وقد تقدّم في النهي عن تسمية العشاء بالعتمة حديث ابن عمر ﵄، مرفوعًا: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب اللَّه العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب الإبل" (٣). وتقدّم الجمع بينه وبين هذا الحديث بأن النهي محمول على التنزيه، فراجع ما كتبته هناك، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (إِلَى) طلوع (الْفَجْرِ) وعند أبي داود: "إلى أن يتصدع الفجر" أي: ينشق (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) بسكون الشين، ويجوز كسرها في لغة تميم، كما أشار إليه في "الخلاصة": وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيثِ إِحْدَى عَشْرَهْ … وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ قال الجامع عفا اللَّه عنه: صلاته ﷺ هذا -أعني إحدى عشرة ركعة- محمول على غالب أحواله ﷺ ، قال السنديُّ ﵀ في "حاشية ابن ماجه": قوله: "إحدى عشرة ركعة"، وقد جاء "ثلاث عشرة ركعة"، فيُحْمَل على أن هذا كان أحيانًا، أو لعله مبنيّ على عَدِّ الركعتين الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاة الليل من صلاة الليل أحيانًا، وتركه أحرى، وعلى كلّ تقدير فهذه الهيئة لصلاة الليل لا بدّ من حملها على أنها كانت أحيانًا، وإلا فقد جاءت هيئات أخرى في قيام الليل. انتهى. (يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) ولأبي داود: "يسلم من كل ثنتين"، وفيه أن الأفضل في صلاة الليل أن يسلم من كل ثنتين، وهو معنى قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" (وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) قال في "الفتح" ما حاصله: كثير من

стр. 8705

الأحاديث ظاهر في الفصل -يعني فصل ركعة الوتر عما قبلها- كحديث عائشة: "يسلم من كل ركعتين"، فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنصّ في موضع النزاع، وحَمَلَ الطحاويّ هذا، ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة، ليس قبلها شيء، وهو أعمّ من أن يكون مع الوصل، أو الفصل، وصرّح كثير منهم أن الفصل يقطعهما عن أن يكونا من جملة الوتر، ومن خالفهم يقول: إنهما منه بالنية. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن يوسف، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن سليمان بن قبيطة، حدثنا عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد: "أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن البتيراء، أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها". قال: هو عثمان بن محمد بن أبي ربيعة بن عبد الرحمن، قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم. انتهى (٢). وقال الذهبيّ ﵀ في "الميزان" (٣/ ٥٣): قال عبد الحقّ في "أحكامه": الغالب على حديثه الوهم. وقال ابن القطان: هذا حديث شاذٌّ لا يُعَرَّج على رواته. انتهى (٣). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حكم به القطان ﵀ من كون هذا الحديث شاذًّا حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. زاد في رواية أبي داود: "ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل أن يرفع رأسه"، وفي رواية النسائيّ: "ويسجد سجدة واحدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، ثمَّ يرفع رأسه".

стр. 8706

يعني أنه يطوّل صلاة الليل بحيث تكون سجدة واحدة من تلك الركعات الإحدى عشرة بقدر ما يقرأ القارئ خمسين آية. وأخرج الحديث البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ، بلفظ: "كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة". (فَإِذَا سَكَتَ) بالتاء الفوقية؛ أي: فرغ (الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: من أذانه لصلاة الفجر (وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ) أي: ظهر وانتشر، قال الطيبيُّ: هذا يدلّ على أن التَّبَيُّن لم يكن في الأذان، وإلا لما كان لذكر التبين فائدة. انتهى. (وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) أي: ليعلمه بقرب الصلاة (قَامَ) ﷺ (فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) هما سنّة الصبح (خَفِيفَتَيْنِ) فيه أن المستحبّ تخفيف الركعتين، وقد تقدّم للمصنّف ﵀ حديث: "أنه ﷺ كان يقرأ في الأولى بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ". (ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: في بيته للاستراحة من تعب قيام الليل؛ ليصلي صلاة الصبح بنشاط، أو ليفصل بين الفرض والنفل بالضجعة. [تنبيه]: اتفق أصحاب الزهريُّ، فرووا هذا الحديث عنه، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، فقالوا: "فإذا تبيّن له الفجر، وجاءه المؤذن ركع ركعتين خفيفتين، ثمَّ اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة". وخالفهم في ذلك مالك، فجعله بعد الوتر، فقال: يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن. وزعم محمد بن يحيى الذُّهْليّ وغيره أن الصواب رواية الجمهور، وردّه ابن عبد البر بأنّه لا يدفع ما قاله مالك؛ لموضعه من الحفظ والإتقان، ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه، وقد قال يحيى بن معين: إذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قاله مالك، فهو أثبتهم فيه، وأحفظهم لحديثه، ويَحْتَمِل أن يضطجع مرة كذا، ومرة كذا، ولرواية مالك شاهد، وهو حديث ابن عباس ﵄ أن اضطجاعه كان بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، فلا ينكر أن

стр. 8707

يحفظ ذلك مالك في حديث ابن شهاب، وإن لم يتابَع عليه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر ﵀ هو الأولى من تغليط حافظ متقن، فالجمع مهما أمكن هو المتعيِّن، فيُحْمَل على أنه كان يضطجع أحيانًا بعد الوتر، وأحيانًا بعد ركعتي الفجر، واللَّه تعالى أعلم. (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) -بكسر الشين المعجمة -: أي: جنبه الأيمن؛ لكونه يحب التيامن في شأنه كله، أو للتشريع لغيره؛ لأنَّ النوم على الأيسر يستلزم استغراق النوم في غيره ﷺ ، بخلافه هو؛ لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنسبة لنا، وهو نوم الصالحين. قال القسطلانيُّ ﵀: لا يقال: حكمته أن لا يستغرق في النوم؛ لأنَّ القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له، فيستغرق فيه؛ لأنا نقول: صحّ أنه ﷺ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم. انتهى (١). (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ) بلالٌ ﵁ (لِلْإِقَامَةِ) وكذا هو في رواية أبي داود، باللام؛ أي: لأجل الإقامة للصلاة، وفي رواية النسائيّ: "بالإقامة" بالباء الموحّدة؛ أي: بشأنها. والمراد أنه يأتيه مستئذنًا لأن يقيم للصلاة؛ لأنها منوطة بأمر الإمام. و"حتى" غاية للاضطجاع؛ أي: يضطجع إلى أن يأتيه المؤذن، وفيه مشروعية إعلام المؤذن الإمام إذا أراد الإقامة، وليس هو من نوع التثويب البدعي الذي أنكره ابن عمر ﵄ وغيره، فإن ذلك أن يقوم المؤذّن على باب المسجد، أو على محلّ التأذين، فيرفع صوته، قائلا: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، أو: "الصلاة، الصلاة، يا مصلّون"، فتنبه. زاد في رواية النسائيّ: "فيخرج معه"، وهو يَحْتَمِل الرفع، على الاستئناف؛ أي: فهو يخرج مع المؤذن؛ لأداء الصلاة جماعةً، والنصب عطفًا على "يأتي"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 8708

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧١٧ و ١٧١٨ و ١٧١٩] (٧٣٦)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٩٤ و ١١٢٣ و ٦٣١٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٣٥ و ١٣٣٦ و ١٣٣٧)، و (الترمذيّ) فيها (٤٤٠ و ٤٤١)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٦٨٥) وفي "السهو" (١٣٢٨) و"الكبرى" (١٦٤٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٧٧ و ١٣٥٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٢٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٩١)، وأحمد في "مسنده" (٦/ ٣٥ و ١٨٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٧٢)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٤٢٧ و ٢٤٣١ و ٢٦١٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٩٩ و ٢٣٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٠ و ١٦٧١ و ١٦٧٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٤١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٠٠ و ٩٠١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب قيام الليل. ٢ - (ومنها): أن فيه بيانَ أن أقل الوتر ركعة واحدة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الحقّ، وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة أصلًا، قال النوويّ: والأحاديث الصحيحة ترُدّ عليه. ٣ - (ومنها): أن في زيادة أبي داود: "ويمكث في السجود قدر ما يقرأ أحدكم خمسين" استحبابَ تطويل السجود في قيام الليل، وقد بَوَّب عليه البخاريّ في "صحيحه"، فقال: "باب طول السجود في قيام الليل"، وفي حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، وفي "مسند أحمد" من طريق محمد بن عباد، عن عائشة، قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يقول في صلاة الليل في سجوده: سبحانك لا إله إلا أنت"، ورجاله ثقات، قاله في "الفتح".

стр. 8709

٤ - (ومنها): أنّ فيه مشروعيةَ الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهو على الاستحباب عند الجمهور، وقال ابن حزم بوجوبه؛ للأمر الوارد به، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب لعدم مداومته ﷺ ، وقد سبق تمام البحث في ذلك. ٥ - (ومنها): أن المستحبّ في الاضطجاع أن يكون على شقه الأيمن، قال العلماء: وحكمته أنه لا يستغرق في النوم؛ لأنَّ القلب في جنبه اليسار، فيُعَلَّق حينئذ، فلا يستغرق، وإذا نام على اليسار، كان في دَعَةٍ واستراحة، فيستغرق (١). وقال في "الفتح": في الحديث أن الاضطجاع إنما يتم إذا كان على الشقّ الأيمن، وأما إنكار ابن مسعود ﵁ الاضطجاع، وقول إبراهيم النخعيّ: هي ضِجْعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعود ﵁ يدلّ على أنه إنما أنكر تحتمه، فإنه قال في آخر كلامه: إذا سلَّم فقد فَصَلَ، وكذا ما حُكِي عن ابن عمر ﵄ أنه بدعة، فإنه شذّ بذلك، حتى رُوي عنه أنه أَمَر بِحَصْب من اضطجع، وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يُعجبه الاضطجاع، وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل، لكن لا بعينه كما تقدم. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "لا بعينه" فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه خلاف ما دلّ عليه الحديث، فإنه يدلّ على تعيّن الفصل بالاضطجاع، لا بغيره من الكلام، أو الانتقال، أو غير ذلك، فتفطّن. والحاصل أن الاضطجاع بين السنّة والفرض في الصبح سنّة ثابتةٌ عنه ﷺ قولًا وفعلًا، وأما إنكار من أنكرها فمحمول على عدم بلوغ السنة إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): أن فيه استحبابَ اتخاذ مؤذِّن راتبٍ للمسجد. ٧ - (ومنها): بيان جواز إعلام المؤذِّن الإمامَ بحضور الصلاة وإقامتها،

стр. 8710

واستدعائه لها، قال النوويّ: وقد صرَّح به أصحابنا، وغيرهم. ٨ - (ومنها): بيان استحباب سنة الصبح، وتخفيفهما وقد سبق بيانه في بابه. ٩ - (ومنها): استحباب السلام في كل ركعتين، والذي جاء في بعض الأحاديث أنه ﷺ لا يسلم إلا في الآخرة محمول على بيان الجواز. ١٠ - (ومنها): ما قاله النوويُّ ﵀: قول عائشة ﵂ في الحديث الآتي: "يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها"، وفي رواية أخرى: "يُسَلِّم من كل ركعتين"، وفي رواية: "يصلي أربعًا، ثمَّ أربعًا، ثمَّ ثلاثًا"، وفي رواية: "ثمان ركعات، ثمَّ يوتر بركعة"، وفي رواية: "عشر ركعات، ويوتر بسجدة"، وفي حديث ابن عباس ﵄: "فصلى ركعتين. . ." إلى آخره، وفي حديث ابن عمر ﵄: "صلاة الليل مثنى مثنى"، هذا كله دليلٌ على أن الوتر ليس مختصًّا بركعة، ولا بإحدى عشرة، ولا بثلاث عشرة، بل يجوز ذلك وما بينه، وأنه يجوز جَمْعُ ركعات بتسليمة واحدة، وهذا لبيان الجواز، وإلا فالأفضل التسليم من كل ركعتين، وهو المشهور من فعل رسول اللَّه ﷺ ، وأمره بصلاة الليل مثنى مثنى. انتهى كلام النوويُّ، وهو بحثٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف الأحاديث في عدد صلاة النبيّ ﷺ في الليل، والتوفيق بينها: (اعلم) أن أحاديث صلاته ﷺ بالليل اختلفت، فوفّق العلماء بينها بما ينفي التعارض، قال القاضي عياض ﵀: في حديث عائشة ﵂ من رواية سعد بن هشام قيام النبيّ ﷺ بتسع ركعات، وحديث عروة عنها بـ "إحدى عشرة، منهنّ الوتر، يسلم من كل ركعتين، وكان يركع ركعتي الفجر إذا جاءه المؤذن"، ومن رواية هشام بن عروة وغيره عن عروة عنها: "ثلاث عشرة بركعتي الفجر"، وعنها: "كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً أربعًا أربعًا وثلاثًا"، وعنها: "كان يصلي ثلاث عشرةً: ثمانيًا، ثمَّ يوتر، ثمَّ يصلي ركعتين، وهو جالس، ثمَّ يصلي ركعتي الفجر"، وقد فسّرتها في الحديث الآخر: "منها

стр. 8711

ركعتا الفجر"، وعنها في "صحيح البخاريّ" أن صلاته ﷺ بالليل سبع، وتسع. وذكر البخاريّ ومسلم بعد هذا من حديث ابن عباس ﵄ أن صلاته ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعةً، وركعتين بعد الفجر سنة الصبح، وفي حديث زيد بن خالد أنه ﷺ صلى ركعتين خفيفتين، ثمَّ طويلتين، وذكر الحديث، وقال في آخره: فتلك ثلاث عشرة. قال القاضي: قال العلماء: في هذه الأحاديث إِخبارُ كلِّ واحد من ابن عباس، وزيد، وعائشة ﵃ بما شاهد. وأما الاختلاف في حديث عائشة ﵂، فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها، فيَحْتَمِل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله سبع، وذلك بحسب ما كان يَحصُل من اتساع الوقت، أو ضيقه بطول قراءة، كما جاء في حديث حُذيفة وابن مسعود ﵄، أو لنوم، أو عذر مرض، أو غيره، أو في بعض الأوقات عند كِبَر السنّ، كما قالت: "فلما أَسَنَّ صلى سبع ركعات"، أو تارةً تَعُدُّ الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، كما رواه زيد بن خالد ﵁، وروتها عائشة ﵂ بعد هذا في "صحيح مسلم"، وتَعُدُّ ركعتي الفجر تارةً، وتحذفهما تارةً، أو تعد إحداهما، وقد تكون عَدَّت راتبة العشاء مع ذلك تارةً، وحذفتها تارةً. قال القاضي ﵀: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حدٌّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبيّ ﷺ ، وما اختاره لنفسه. انتهى كلام القاضي ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقال الباجيُّ ﵀ بعد ذكر رواية عائشة ﵂ أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعةً غير ركعتي الفجر، وروايتها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعةً، ما لفظه: ورواية عائشة في ذلك تَحْتَمل وجهين: [أحدهما]: أنه ﷺ كان تَخْتَلِف صلاته بالليل؛ لأنه لا حدّ لصلاة الليل، فمرّةً كانت تُخبر بما شاهدته منه ﷺ في وقتٍ مّا، ومرّةً تُخبر بما شاهدته منه ﷺ في غيره، وإنما قالت: إنه ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على

стр. 8712

إحدى عشرة، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الرواية الإخبارَ عن غالب صلاته ﷺ ، وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كانت تنتهي إليه صلاته ﷺ في الأغلب. [والوجه الثاني]: أن تكون ﵂ تقصد في بعض الأوقات الإخبارَ عن جميع صلاته ﷺ في ليلة، وتقصد في وقت ثانٍ إلى ذكر نوع من صلاته في الليل، وجميع صلاته ﷺ بالليل في حديث عائشة ﵂ خمس عشرة ركعةً، مع الركعتين الخفيفتين، وركعتي الفجر، فعائشة ﵂ كانت تخبر بالأمر على وجوه شتَّى، ولعلّ ذلك يكون على قدر أسباب السؤال. انتهى. وقال القرطبيُّ ﵀: أشكلت روايات عائشة ﵂ على كثير من أهل العلم، حتى نَسَبَ بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتمّ لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت هي عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمولٌ على أوقات متعدّدة، وأحوال مختلفة، بحسب النشاط، وبيان الجواز. انتهى (١). وقال الإمام ابن حبَّان ﵀ في "صحيحه" (٦/ ٣٦٥): هذه الأخبار ليس بينها تضادّ، وإن تباينت ألفاظها ومعانيها من الظاهر؛ لأنَّ المصطفى ﷺ كان يصلي بالليل على الأوصاف التي ذُكِرت عنه ليلة بنعت، وأخرى بنعت آخر، فأَدَّى كل إنسان منهم ما رَأَى منه، وأخبر بما شاهد، واللَّه جلَّ وعلا جعل صفيَّه ﷺ معلمًا لأمته، قولًا، وفعلًا، فدلّنا تباين أفعاله في صلاة الليل على أن المرء مُخَيَّر بين أن يأتي بشيء من الأشياء التي فعلها ﷺ في صلاته بالليل، دون أن يكون الحكم له في الاستنان به في نوع من تلك الأنواع، لا الكل. انتهى كلام ابن حبَّان ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الاختلاف في حديث عائشة ﵂، وكذا في حديث غيرها في صلاته ﷺ بالليل محمول على اختلاف الأوقات، أو على عدّ ركعتي الفجر، أو الركعتين الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاته بالليل من جملة صلاته، وأما قولها: "لا يزيد على إحدى عشرة ركعةً"

стр. 8713

فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله ﷺ ، فتأمل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قوله: "فإذا فَرَغَ اضطجع على شقّه الأيمن، حتى يأتيه المؤذّن، فيصلي ركعتين خفيفتين"، قال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث أن الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل ركعتي الفجر، وفي الرواية الأخرى عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يضطجع بعد ركعتي الفجر، وفي حديث ابن عباس ﵄ أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل قبل ركعتي الفجر، قال: وهذا فيه رَدٌّ على الشافعيّ وأصحابه في قولهم: إن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر سنة، قال: وذهب مالك، وجمهور العلماء، وجماعة من الصحابة، إلى أنه بدعةٌ، وأشار إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة، قال: فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما، قال: ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما: إنه سنة، فكذا بعدهما، قال: وقد ذكر مسلم عن عائشة ﵂: "فإن كنت مستيقظة حدَّثني، وإلا اضطجع"، فهذا يدلّ على أنه ليس بسنة، وأنه تارةً كان يضطجع قبلُ وتارةً بعدُ، وتارة لا يضطجع، هذا كلام القاضي ﵀. وتعقّبه النوويُّ ﵀، فقال: والصحيح، أو الصواب أن الاضطجاع بعد سنة الفجر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على يمينه"، رواه أبو داود، والترمذيّ، بإسناد صحيح، على شرط البخاريّ ومسلم، قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيحٌ. فهذا حديث صحيحٌ صريحٌ في الأمر بالاضطجاع. وأما حديث عائشة ﵂ بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس ﵄ قبلها، فلا يخالف هذا، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلها أن لا يضطجع بعدُ، ولعلّه ﷺ ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات؛ بيانًا للجواز، لو ثبت الترك، ولم يثبت، فلعلّه كان يضطجع قبلُ وبعدُ، وإذا صح الحديث في الأمر بالاضطجاع بعدها، مع روايات الفعل الموافقة للأمر به، تَعَيَّن المصير إليه، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث، لم يجز رَدُّ بعضها، وقد أمكن بطريقين أشرنا إليهما:

стр. 8714

[أحدهما]: أنه اضطَجَع قبلُ وبعدُ. [والثاني]: أنه تركه بعدُ في بعض الأوقات؛ لبيان الجواز، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، وسيأتي مزيد التحقيق لبيان اختلاف العلماء في هذه المسألة في المسألة السادسة -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الإمام البخاريُّ ﵀ في "صحيحه": "باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع". قال في "الفتح": قوله: "باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع"، أشار بهذه الترجمة إلى أنه ﷺ لم يكن يداوم عليها، وبذلك احتجّ الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحةُ والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجِّد، وبه جزم ابن العربيّ، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة ﵂ كانت تقول: "إن النبيّ ﷺ لم يضطجع لسنّة، ولكنه كان يدأب ليلته، فيستريح"، في إسناده راوٍ لم يُسَمّ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: من الغريب كيف ساغ للحافظ ﵀ أن يقول: "ويشهد له" مؤيّدًا لرأي ابن العربيّ المخالف لإطلاق حديث الاضطجاع، وقد اعترف نفسه بأنّه حديث لا يصحّ؛ لجهالة بعض رواته، إن لهذا لهو العجب. قال: وقيل: إن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص، ومن ثَمَّ قال الشافعيُّ ﵀: تتأدى السنة بكل ما يَحصُل به الفصل من مشيٍ وكلام وغيره، حكاه البيهقيّ، وقال النوويّ: المختار أنه سنةٌ؛ لظاهر حديث أبي هريرة ﵁، وقد قال أبو هريرة ﵁ راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما نُقل عن الشافعيُّ ﵀ إن صحّ فهو رأيه، وقد أجاد النوويُّ ﵀ حيث خالفه، وقرّر ما دلّت عليه السنة الصحيحة. قال: وأفرط ابن حزم، فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطًا لصحة

стр. 8715

صلاة الصبح، وردّه عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية، ومن تبعه في صحة الحديث؛ لتفرّد عبد الواحد بن زياد به، وفي حفظه مقال، والحقّ أنه تقوم به الحجة (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الحافظ ﵀ في تصحيح حديث عبد الواحد، فإنه حقيقٌ بذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومن ذهب إلى أن المراد به الفصل لا يتقيد بالأيمن، ومن أطلق قال: يختص ذلك بالقادر، وأما غيره فهل يسقط الطلب، أو يومئ بالاضطجاع، أو يضطجع على الأيسر؟ لم أقف فيه على نقل، إلا أن ابن حزم قال: يومئ، ولا يضطجع على الأيسر أصلًا، ويحمل الأمر به على الندب، وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محكيّ عن ابن عمر، وقوّاه بعض شيوخنا بأنّه لم يُنقَل عن النبيّ ﷺ أنه فعله في المسجد. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا مردود بأنّه ﷺ لم يكن يصلي ركعتي الفجر في المسجد، حتى يضطجع فيه، فحيث صلى اضطجع، فمن صلى في بيته اضطجع فيه، ومن صلى في المسجد اضطجع فيه؛ لعموم الأمر بذلك، فتبصّر. قال: وصحّ عن ابن عمر أنه كان يَحْصِب من يفعله في المسجد، أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما نُقل عن ابن عمر ﵄ ليس حجة يُعارض به ما صحّ عنه ﷺ فعلًا وقولًا؛ لأنه لا حجة لأحد مع النصّ الصحيح، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. والحاصل أن الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح سنّة ثابتة فعلًا، كما في "الصحيحين"، وقولًا، كما في حديث أبي داود، والترمذيّ، وقد

стр. 8716

صححه، وأصاب في ذلك، وهي مستحبّة عند الجمهور، وهو الحقّ، وإنما لم نوجبها كما يراه ابن حزم؛ لما سيأتي من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كان ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظةً حدّثني، وإلا اضطجع"، كما مرّ تحقيقه عند ترجمة الإمام البخاريُّ ﵀ المذكور أول التنبيه، فإن الحديث يدلّ على أنه ﷺ إذا كانت عائشة ﵂ مستيقظة لم يضطجع، فدلّ هذا على صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فيكون الأمر بقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه" أمر استحباب، فتبصّر، وإن أردت مزيد التحقيق لذلك، فراجع ما كتبته في "شرح النسائيّ" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (٢) حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَاقَ حَرْمَلَةُ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍو سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: أربعة: كلهم ذُكروا غير: ١ - (يُونُسَ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قبل باب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد ابن شهاب الماضي، وهو: عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍو سَوَاءً) هو عمرو بن الحارث، شيخ ابن وهب في السند الماضي. [تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه، لم أجد من ساقها بالنصّ

стр. 8717

الذي أشار إليه المصنّف ﵀، وإنما ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، هكذا: (٢٥٥٧٥) حدّثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعةً، فكانت تلك صلاته، يسجد في السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آيةً، قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل الفجر، ثمَّ يضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٢٠] (٧٣٧) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) والد محمد الراوي عنه هنا، تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 8718

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي: فيه، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي التبعيض؛ أي: بعض الليل (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) ثماني ركعات منها بأربع تسليمات، وقد تقدّم أن هذا لا ينافي قولها: "كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً"؛ لأنَّ ثلاث عشرة، إما بعدّ ركعتي الفجر، أو الركعتين الخفيفتين اللتين يبتدأ بهما صلاة الليل منها، وإما أن يكون محمولًا على اختلاف الأوقات، وأن غالب أحواله ﷺ صلاته إحدى عشرة ركعةً، واللَّه تعالى أعلم. (يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من مجموع ثلاث عشرة ركعةً، أو من ذلك العدد المذكور (بِخَمْسٍ) يعني: أنه يصلي خمس ركعات بنيّة الوتر (لَا يَجْلِسُ) للتشهّد (فِي شَيْءٍ) من تلك الخمس (إِلَّا فِي آخِرِهَا) يعني: أنه لا يجلس في ركعة من الركعات الخمس إلا في آخرهنّ. وفيه دليلٌ على مشروعيّة الإيتار بخمس ركعات بقعدة واحدة، وهذا أحد أنواع إيتاره ﷺ ، كما أن الإيتار بواحدة أحدها، كما أفاده حديثها الآخر. ودلّ أيضًا على أن القعود في آخر كلّ ركعتين ليس بواجب، ففيه ردٌّ على من قال بتعين الثلاث، وبوجوب القعود بعد كل ركعتين. قال الإمام الترمذيُّ ﵀: وقد رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم الوتر بخمس، وقالوا: لا يجلس في شيء منهنّ إلا في آخرهنّ. ورَوَى محمد بن نصر المروزيُّ في "كتاب قيام الليل" عن إسماعيل بن

стр. 8719

زيد أن زيد بن ثابت ﵁ كان يوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها -أي: لا يسلّم-. وقال الشيخ سراج أحمد السرهنديّ في "شرح الترمذيّ": وهو مذهب سفيان الثوريّ، وبعض الأئمة. انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذيّ: وهو الظاهر من كلام الشافعيّ ومذهبه، فقد حكى الربيع بن سليمان في "اختلاف مالك والشافعيّ" الملحق بكتاب "الأمّ" (٧/ ١٨٩) أنه سأل الشافعيّ عن الوتر بواحدة ليس قبلها شيء؟ فقال الشافعيّ: نعم، والذي أختار أن أصلي عشر ركعات، ثمَّ أوتر بواحدة، ثمَّ حكى الحجة عنه في ذلك، ثمَّ قال: قال الشافعيّ: وقد أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبيّ ﷺ كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس، ولا يُسلّم إلا في الآخرة منهنّ، فقلت للشافعيّ: فما معنى هذا؟ قال: هذه نافلة يسع أن يوتر بواحدة، وأكثر، ونختار ما وصفت من غير أن نضيّق غيره، وانظر: "المجموع" للنوويّ (١)، فقد رجّح جواز هذا؛ لدلالة الأحاديث الصحيحة عليه. انتهى. قال صاحب "المرعاة": والحديث مشكلٌ على الحنفيّة جدًّا، فإنهم قالوا بوجوب القعود والتشهّد بعد كل ركعتين من الفرض والنفل جميعًا، وأجابوا عنه بوجوه، كلُّها مردودة باطلة: [أحدها]: أن المعنى: لا يجلس في شيء للسلام بخلاف ما قبله من الركعات، ذكره القاري. وقد ردّه صاحب "البذل" حيث قال: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الحنفيّة قائلون بأن الوتر ثلاث، لا تجوز الزيادة عليها، فإذا صلّى خمس ركعات، فإن نوى الوتر في أول التحريمة لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الزيادة على الثلاث ممنوعة، وإن نوى النفل في أول التحريمة لا يؤدّي الوتر بنيّة النفل، وإن قيل: إنها كانت في ابتداء الإِسلام، ثمَّ استقرّ الأمر على أن الوتر ثلاث ركعات، فينافيه ما سيأتي من حديث زُرارة بن أوفى، عند أبي داود: "فلم تزل تلك صلاة رسول اللَّه ﷺ

стр. 8720

حتى بدّن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الستّ والسبع، وركعتيه، وهو قاعد حتى قُبض على ذلك". [وثانيها]: أن المنفيّ جلسة الفراغ والاستراحة؛ أي: لا يجلس في شيء من الخمس جلسة الفراغ والاستراحة إلا في آخرها؛ أي: بعد الركعة الأخيرة، يعني: بعد الفراغ منها، وكانت الركعتان نافلتي الوضوء، أو غيرها، والثلاث وترًا. وفيه أن تخصيص الجلوس المنفيّ بجلوس الاستراحة والفراغ يحتاج إلى دليل، وإذ لا دليل على ذلك، فهو مردود على قائله، على أن قوله: "إلا في آخرهنّ" يدلّ على وجود الجلوس في آخر الركعات الخمس؛ بناءً على أن "في" للظرفيّة، وهي تقتضي تحقّق الجلوس داخل الصلاة، لا خارجها، وعلى أن الأصل في الاستثناء الاتّصال، وهذا ينافي كون المراد بالجلوس المنفيّ جلسة الفراغ. [وثالثها]: أن المعنى لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا؛ إذ قد ورد أنه كان يصلي قائمًا وقاعدًا، وعلى هذا فالمنفيّ من الجلوس هو الجلوس مقام القيام، والاستثناء في قوله: "إلا في آخرهنّ" منقطعٌ، كما في الوجه الثاني، والمعنى: لا يصلي جالسًا إلا بعد أن يفرغ من الخمس. وهذا أيضًا مردودٌ؛ لما تقدّم آنفًا. [ورابعها]: أن المراد بقولها: "آخرهنّ" الركعتان الأخيرتان، فالثلاثة الأول من الخمس وتر، والركعتان بعده هما اللتان كان يصليهما النبيّ ﷺ جالسًا بعد الوتر، والمعنى: لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا إلا الركعتين الأخيرتين منها، وعلى هذا فالاستثناء متّصلٌ. وفيه أن هذا يردّه قولها: "يوتر من ذلك بخمس"؛ لأنه يدلّ على أن الركعات الخمس كلّها ركعات الوتر. ويُبطله أيضًا رواية الشافعيّ بلفظ: "كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس، ولا يسلّم إلا في الآخرة منها"، ورواية أبي داود: "يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، فيسلّم"، وهذا ظاهر. [وخامسها]: أن المراد بـ "آخرهنّ" الركعة الأخيرة، والمنفيّ من الجلوس
следующие страницы →