صححه، وأصاب في ذلك، وهي مستحبّة عند الجمهور، وهو الحقّ، وإنما لم نوجبها كما يراه ابن حزم؛ لما سيأتي من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كان ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظةً حدّثني، وإلا اضطجع"، كما مرّ تحقيقه عند ترجمة الإمام البخاريُّ ﵀ المذكور أول التنبيه، فإن الحديث يدلّ على أنه ﷺ إذا كانت عائشة ﵂ مستيقظة لم يضطجع، فدلّ هذا على صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فيكون الأمر بقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه" أمر استحباب، فتبصّر، وإن أردت مزيد التحقيق لذلك، فراجع ما كتبته في "شرح النسائيّ" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (٢) حَرْمَلَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَاقَ حَرْمَلَةُ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍو سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
كلهم ذُكروا غير:
١ - (يُونُسَ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قبل باب.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد ابن شهاب الماضي، وهو: عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرٍو سَوَاءً) هو عمرو بن الحارث، شيخ ابن وهب في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه، لم أجد من ساقها بالنصّ
стр. 8717
الذي أشار إليه المصنّف ﵀، وإنما ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، هكذا:
(٢٥٥٧٥) حدّثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعةً، فكانت تلك صلاته، يسجد في السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آيةً، قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل الفجر، ثمَّ يضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٠] (٧٣٧) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) والد محمد الراوي عنه هنا، تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
стр. 8718
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي: فيه، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي التبعيض؛ أي: بعض الليل (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) ثماني ركعات منها بأربع تسليمات، وقد تقدّم أن هذا لا ينافي قولها: "كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً"؛ لأنَّ ثلاث عشرة، إما بعدّ ركعتي الفجر، أو الركعتين الخفيفتين اللتين يبتدأ بهما صلاة الليل منها، وإما أن يكون محمولًا على اختلاف الأوقات، وأن غالب أحواله ﷺ صلاته إحدى عشرة ركعةً، واللَّه تعالى أعلم.
(يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من مجموع ثلاث عشرة ركعةً، أو من ذلك العدد المذكور (بِخَمْسٍ) يعني: أنه يصلي خمس ركعات بنيّة الوتر (لَا يَجْلِسُ) للتشهّد (فِي شَيْءٍ) من تلك الخمس (إِلَّا فِي آخِرِهَا) يعني: أنه لا يجلس في ركعة من الركعات الخمس إلا في آخرهنّ.
وفيه دليلٌ على مشروعيّة الإيتار بخمس ركعات بقعدة واحدة، وهذا أحد أنواع إيتاره ﷺ ، كما أن الإيتار بواحدة أحدها، كما أفاده حديثها الآخر.
ودلّ أيضًا على أن القعود في آخر كلّ ركعتين ليس بواجب، ففيه ردٌّ على من قال بتعين الثلاث، وبوجوب القعود بعد كل ركعتين.
قال الإمام الترمذيُّ ﵀: وقد رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم الوتر بخمس، وقالوا: لا يجلس في شيء منهنّ إلا في آخرهنّ.
ورَوَى محمد بن نصر المروزيُّ في "كتاب قيام الليل" عن إسماعيل بن
стр. 8719
زيد أن زيد بن ثابت ﵁ كان يوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها -أي: لا يسلّم-.
وقال الشيخ سراج أحمد السرهنديّ في "شرح الترمذيّ": وهو مذهب سفيان الثوريّ، وبعض الأئمة. انتهى.
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذيّ: وهو الظاهر من كلام الشافعيّ ومذهبه، فقد حكى الربيع بن سليمان في "اختلاف مالك والشافعيّ" الملحق بكتاب "الأمّ" (٧/ ١٨٩) أنه سأل الشافعيّ عن الوتر بواحدة ليس قبلها شيء؟ فقال الشافعيّ: نعم، والذي أختار أن أصلي عشر ركعات، ثمَّ أوتر بواحدة، ثمَّ حكى الحجة عنه في ذلك، ثمَّ قال: قال الشافعيّ: وقد أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبيّ ﷺ كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس، ولا يُسلّم إلا في الآخرة منهنّ، فقلت للشافعيّ: فما معنى هذا؟ قال: هذه نافلة يسع أن يوتر بواحدة، وأكثر، ونختار ما وصفت من غير أن نضيّق غيره، وانظر: "المجموع" للنوويّ (١)، فقد رجّح جواز هذا؛ لدلالة الأحاديث الصحيحة عليه. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": والحديث مشكلٌ على الحنفيّة جدًّا، فإنهم قالوا بوجوب القعود والتشهّد بعد كل ركعتين من الفرض والنفل جميعًا، وأجابوا عنه بوجوه، كلُّها مردودة باطلة:
[أحدها]: أن المعنى: لا يجلس في شيء للسلام بخلاف ما قبله من الركعات، ذكره القاري.
وقد ردّه صاحب "البذل" حيث قال: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الحنفيّة قائلون بأن الوتر ثلاث، لا تجوز الزيادة عليها، فإذا صلّى خمس ركعات، فإن نوى الوتر في أول التحريمة لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الزيادة على الثلاث ممنوعة، وإن نوى النفل في أول التحريمة لا يؤدّي الوتر بنيّة النفل، وإن قيل: إنها كانت في ابتداء الإِسلام، ثمَّ استقرّ الأمر على أن الوتر ثلاث ركعات، فينافيه ما سيأتي من حديث زُرارة بن أوفى، عند أبي داود: "فلم تزل تلك صلاة رسول اللَّه ﷺ
стр. 8720
حتى بدّن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الستّ والسبع، وركعتيه، وهو قاعد حتى قُبض على ذلك".
[وثانيها]: أن المنفيّ جلسة الفراغ والاستراحة؛ أي: لا يجلس في شيء من الخمس جلسة الفراغ والاستراحة إلا في آخرها؛ أي: بعد الركعة الأخيرة، يعني: بعد الفراغ منها، وكانت الركعتان نافلتي الوضوء، أو غيرها، والثلاث وترًا.
وفيه أن تخصيص الجلوس المنفيّ بجلوس الاستراحة والفراغ يحتاج إلى دليل، وإذ لا دليل على ذلك، فهو مردود على قائله، على أن قوله: "إلا في آخرهنّ" يدلّ على وجود الجلوس في آخر الركعات الخمس؛ بناءً على أن "في" للظرفيّة، وهي تقتضي تحقّق الجلوس داخل الصلاة، لا خارجها، وعلى أن الأصل في الاستثناء الاتّصال، وهذا ينافي كون المراد بالجلوس المنفيّ جلسة الفراغ.
[وثالثها]: أن المعنى لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا؛ إذ قد ورد أنه كان يصلي قائمًا وقاعدًا، وعلى هذا فالمنفيّ من الجلوس هو الجلوس مقام القيام، والاستثناء في قوله: "إلا في آخرهنّ" منقطعٌ، كما في الوجه الثاني، والمعنى: لا يصلي جالسًا إلا بعد أن يفرغ من الخمس.
وهذا أيضًا مردودٌ؛ لما تقدّم آنفًا.
[ورابعها]: أن المراد بقولها: "آخرهنّ" الركعتان الأخيرتان، فالثلاثة الأول من الخمس وتر، والركعتان بعده هما اللتان كان يصليهما النبيّ ﷺ جالسًا بعد الوتر، والمعنى: لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا إلا الركعتين الأخيرتين منها، وعلى هذا فالاستثناء متّصلٌ.
وفيه أن هذا يردّه قولها: "يوتر من ذلك بخمس"؛ لأنه يدلّ على أن الركعات الخمس كلّها ركعات الوتر.
ويُبطله أيضًا رواية الشافعيّ بلفظ: "كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس، ولا يسلّم إلا في الآخرة منها"، ورواية أبي داود: "يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، فيسلّم"، وهذا ظاهر.
[وخامسها]: أن المراد بـ "آخرهنّ" الركعة الأخيرة، والمنفيّ من الجلوس
стр. 8721
الجلوس الخاصّ، وهو الذي فيه تشهّد بلا تسليم، فالمعنى: لا يجلس بهذه المثابة إلا في ابتداء الركعة الأخيرة، وأما الجلوس بعد الركعتين فهو على المعروف المتبادر، يعني: مع التسليم.
وهذا أيضًا مردودٌ، تردّه رواية الشافعيّ، وأبي داود، كما لا يخفى.
فهذه الوجوه كلُّها تحريف للحديث الصحيح، وإبطال لمؤدّاه، واستهزاء بالسنّة الثابتة الظاهرة، وتحيُّلٌ لدفعها، فهي تدلّ على شدّة تعصبّ أصحابها، وغلوّهم في التقليد المذموم، ذكرناها مع كونها أَضَاحِيك؛ ليعتبر بها أولو الأبصار، وليتذكّر أولو الألباب (١). اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀ (٢).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٠ و ١٧٢١] (٧٣٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٣٨ و ١٣٥٨)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٥٩)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٧١٧) و"الكبرى" (١٤٠٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٠ و ١٢٣ و ٢٧٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٧٦ و ١٠٧٧)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٤٣٧)، و (أبو
стр. 8722
عوانة) في "مسنده" (٢٢٩٦ و ٢٢٩٧ و ٢٢٩٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٧ و ٢٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٦٠ و ٩٦١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَاه (٢) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ).
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ) الضمير لعبدة، ووكيع، وأبي أُسامة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن عائشة ﵂.
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان، عن هشام هذه ساقها ابن حبَّان ﵀ في "صحيحه" (٦/ ١٩٢) فقال:
(٢٤٣٧) أخبرنا عبد اللَّه بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبدة بن سليمان، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس إلا في آخرهنّ، يجلس، ثمَّ يسلِّم". انتهى.
стр. 8723
وأما رواية وكيع، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٥١٧٤) حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبيّ ﷺ كان يوتر بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخرهنّ". انتهى.
وأما رواية أبي أُسامة، فلم أر من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَي الْفَجْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ).
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) اسمه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٤ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِرَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: معهما.
وشرح الحديث واضح، وفيه:
مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٢] (٧٣٧)، و (أبو داود) في "الصلاة"
стр. 8724
(١٣٦٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٢٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٣] (٧٣٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ (١): مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ، قيل: تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٢ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
стр. 8725
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن أبي سلمة، وهو أيضًا من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الثالثة.
٥ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ) وفي نسخة: "فقالت" (مَا) نافيةٌ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هذا يدلّ على أن صلاته ﷺ كانت متساوية في جميع السنة، لكن هذا محمول على الغالب؛ جمعًا بينه وبين الروايات الأخرى، كما تقدّم تحقيق ذلك، فتنبّه.
(يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي: متصلةً (فَلَا) ناهية، ولذا جُزم بها قولها: (تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) قال النوويُّ ﵀: معناه: هنّ في نهاية من كمال الحسن، والطول، مستغنيات بظهور حسنهنّ، وطولهنّ عن السؤال عنه، والوصفِ.
وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وغيره، ممن قال: تطويلُ القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، وهو المذهب الراجح في المسألة.
وقالت طائفة: تكثير الركوع والسجود أفضل.
وقالت طائفة: تطويل القيام في الليل أفضل، وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا في شرح حديث: "أفضل الصلاة طول القنوت" -إن شاء اللَّه تعالى-.
(ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات موصولة أيضًا (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَانًا) أي: بتسليم واحد، وهذا هو موضع استدلال المصنّف ﵀ على الترجمة، حيث بُيّن فيه كيفيةُ الإيتار بثلاث، وهو أن يصليهن بتسليمة واحدة.
стр. 8726
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ) ووقع عند النسائيّ بلفظ: "إن عيني تنام" بالإفراد وهو صحيح، إذ "عين" مفرد مضاف، فيعمّ (وَلَا يَنَامُ قَلْبِي") يعني: أن النوم إنما كان حَدَثًا لما فيه من احتمال الخروج بلا علم النائم به، وذلك لا يُتصوّر في حقه ﷺ ؛ لأنَّ نومه ليس بحدث حيث إن قلبه يقظان، بخلاف غيره، وهذا من خصائص الأنبياء -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- ففي رواية البيهقيّ من حديث أنس ﵁: "وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم".
ونقل الحافظ السيوطيُّ ﵀ عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام ﵀، أنه قال: قد أُورد على هذا الحديث قضيّة الوادي لَمّا نام ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فلو كانت حواسّه باقية مُدرِكة مع النوم لأدرك الشمس، وطلوع النهار.
قال: والجواب أن أمر الوادي مستثنى من عادته، وداخل في عادتنا.
وقال القاضي عياض ﵀: من أهل العلم مَنْ تأوّل الحديث على أن ذلك غالب أحواله، وقد ينام نادرًا، ومنهم من تأوّله على أنه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث.
والأولى عندي أن يقال: ما بين الحديثين تناقض، وأنه يومَ الوادي إنما نامت عيناه، فلم يَرَ طلوع الشمس، وطلوعُها إنما يُدرك بالعين، دون القلب. قال: وقد تكون هذه الغلبة هنا للنوم، والخروج عن عادته فيه، لِمَا أراد اللَّه تعالى من بيان سنّة النائم عن الصلاة، كما قال: "لو شاء اللَّه لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم". انتهى.
وقال الشيخ وليّ الدين العراقيُّ ﵀: وفي "مسند أحمد": أنّ ابن صيّاد تنام عينه، ولا ينام قلبه، وكان ذلك في المَكْرِ به، وأن يصير مستيقظ القلب في الفجور والمفسدة؛ ليكون أبلغ في عقوبته، بخلاف استيقاظ قلب المصطفى ﷺ ، فإنه في المعارف الإلهيّة، والمصالح التي لا تُحصَى، فهو رافع لدرجاته، ومُعَظِّمٌ لشأنه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8727
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٣ و ١٧٢٤ و ١٧٢٥ و ١٧٢٦ و ١٧٢٧] (٧٣٨)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٤٧ و ٢٠١٣) و"المناقب" (٣٥٦٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٤١)، و (الترمذيّ) فيها (٤٣٩)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٩٧) و"الكبرى" (١٤٢١)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٥٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٧١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٦ و ٧٦ و ١٠٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٦٦)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٤٣٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٥ و ١٦٧٦ و ١٦٧٧ و ١٦٧٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٢٢ و ٢/ ٤٩٥ و ٤٩٦ و ٣/ ٦ و ٧/ ٦٢) وفي "دلائل النبوّة" (١/ ٣٧١ و ٣٧٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٩٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كيفية الإيتار بثلاث ركعات، وهو أن يصلّيها متّصلة.
٢ - (ومنها): ما كان عليه هدي النبيّ ﷺ من تطويل صلاة الليل.
٣ - (ومنها): بيان خصوصيته ﷺ في كون نومه لا ينقض وضوءه؛ لأنَّ نومه في عينه لا في قلبه، فيشعر بخروج ما يُخشى منه نقض الوضوء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ
стр. 8728
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن، وفي رواية النسائيّ: "عن ابن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن"، فصرّح بالإخبار (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) أي: عن عددها، وكيفيّتها، والمراد صلاته في الليل، ففي رواية النسائيّ: "أنه سأل عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ من الليل"؛ أي: في الليل، أو بعض الليل (فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: بركعتي الفجر (يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) وفي نسخة: "ثمانيَ ركعات"، وهو البخاري على القاعدة، كما مرّ تحقيقه (ثُمَّ يُوتِرُ) أي: بالركعة التاسعة، وفي رواية معاوية بن أبي سلّام، عن يحيى التالية: "تِسْعَ رَكَعَاتِ قَائِمًا، يُوتِرُ مِنْهُنَّ" (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ) زاد في رواية النسائيّ: "وسجد، ويفعل ذلك بعد الوتر".
قال النوويُّ ﵀: هذا الحديث أخذ بظاهره الأوزاعيّ، وأحمد فيما حكاه القاضي عنهما، فأباحا ركعتين بعد الوتر جالسًا، وقال أحمد: لا أفعله، ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك، قلت: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما ﷺ بعد الوتر جالسًا؛ لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالسًا، ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرةً، أو مرتين، أو مرات قليلة، ولا تغتر بقولها: "كان يصلي"، فإن المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من
стр. 8729
الأصوليين، أن لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام، ولا التكرار، وإنما هي فعل ماضٍ يدلّ على وقوعه مرةً، فإن دلّ دليل على التكرار عُمِل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها.
وقد قالت عائشة ﵂: "كنت أطيّب رسول اللَّه ﷺ لحلّه، قبل أن يطوف"، ومعلوم أنه ﷺ لم يحجَّ بعد أن صحبته عائشة ﵂ إلا حجةً واحدةً، وهي حجة الوداع، فاستعمَلَت "كان" في مرة واحدة.
ولا يقال: لعلها طيّبته في إحرامه بعمرة؛ لأنَّ المعتمر لا يَحِلّ له الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت أنها استعملت "كان" في مرة واحدة، كما قاله الأصوليون.
وإنما تأولنا حديث الركعتين جالسًا؛ لأنَّ الروايات المشهورة في "الصحيحين" وغيرهما عن عائشة ﵂ مع روايات خلائق من الصحابة ﵃ في "الصحيحين" مصرِّحة بأن آخر صلاته ﷺ في الليل كان وترًا، وفي "الصحيحين" أحاديث كثيرة مشهورة بالأمر بجعل آخر صلاة الليل وترًا.
منها: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، و"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، وغير ذلك، فكيف يُظَنّ به ﷺ مع هذه الأحاديث، وأشباهها أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر، ويجعلهما آخر صلاة الليل؟ وإنما معناه ما قدمناه من بيان الجواز، وهذا الجواب هو الصواب.
وأما ما أشار إليه القاضي عياض ﵀ من ترجيح الأحاديث المشهورة، ورَدّ رواية الركعتين جالسًا، فليس بصواب؛ لأنَّ الأحاديث إذا صحت، وأمكن الجمع بينها تَعَيَّن، وقد جمعنا بينها - وللَّه الحمد. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ ﵀: تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، ولا سيّما ردّه على القاضي عياض في ردّه هذا الحديث، إلا أن ترجيحه كون "كان" لا تدلّ على الدوام والتكرار، فيه نظرٌ، بل الأرجح أنها للدوام والتكرار، ولا تخرج عن هذا إلا بقرينة، وهذه الأمثلة التي ذكرها، ومنها
стр. 8730
حديث الباب مما خرج عن الأصل بسبب القرينة، كما هو واضح، وقد ذكرت هذا الترجيح في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
وَلَفْظُ "كَانَ" لِدَوَامِ الْفِعْلِ مَعْ … تَكْرَارِهِ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُتَّبَعْ (١)
وسيأتي البحث في اختلاف العلماء في حكم الصلاة بعد الوتر مستوفًى في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى-.
(ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) وفي رواية النسائيّ من طريق معاوية بن سلّام، عن يحيى: "فإذا سمع نداء الصبح، قام فركع ركعتين خفيفتين"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٤] (٧٣٨)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٥٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٤٠ و ١٣٦١)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٧٥٦ و ١٧٨٠ و ١٧٨١) و"الكبرى" (٤٥٠ و ٤١٣ و ١٤٤٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٢ و ٨١ و ١٢٨ و ١٣٨ و ١٨٩ و ٢٤٩ و ٢٧٩)، و (الدارمي) في "سننه" (١٤٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٠٢)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٦٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٠٥ و ٢٣٠٦ و ٢٣٠٧ و ٢٣٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٦ و ١٦٧٧ و ١٦٧٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الصلاة بعد الوتر:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَفوا في الصلاة بعد الوتر، فكان قيس بن عُبَاد يقول: أقرأ وأنا جالس أحبّ إليّ من أن أصلي بعدما أُوتر. وكان مالك بن أنس لا يعرف الركعتين بعد الوتر. وقال أحمد بن حنبل: أرجو إن فعله إنسان
стр. 8731
لا يضيّق عليه، وقال أحمد: لا أفعله. انتهى ببعض تصرّف.
وقال الإمام محمد بن نصر ﵀: كَرِهَ أبو سعيد الخدريّ ﵁ الصلاة بعد الوتر، وسئل سعيد بن جُبير عن الصلاة بعد الوتر؟ فقال: لا، حتى ينام نومة، وعن إبراهيم أنه كره الصلاة بعد الوتر مكانه، وعن ميمون بن مهران: إذا أوترتَ فتحوّلْ، ثمَّ صلّ، وفي رواية: إذا أوترت، ثمَّ حوّلت قدميك، فصلّ ما بدا لك، وقيل لأبي العالية: ما تقول في السجدتين بعد الوتر؟ قال: تَنقُضُ وترك، قيل: الحسنُ يأمرنا بذلك، فقال: رحم اللَّه الحسن، قد سمعنا العلم، وتعلّمناه قبل أن يولد الحسن. وكان سعد بن أبي وقّاص ﵁ يوتر، ثمَّ يصلي على إثر الوتر مكانه، وكان الحسن يأمر بسجدتين بعد الوتر، فذُكر ذلك لابن سيرين، فقال: أنتم تفعلون ذاك؟، وقال كثير بن مرّة، وخالد بن معدان: لا تدعهما، وأنت تستطيع -يعني الركعتين بعد الوتر-، وقال عبد اللَّه بن مساحق: كلّ وتر ليس بعده ركعتان، فهو أبتر. وقال عياض بن عبد اللَّه: رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن أوتر، ثمَّ صلى ركعتين في المسجد أيضًا، وقال الأوزاعيّ: لا نعرف الركعتين بعد الوتر جالسًا، وإنما ركعهما ناس، وقد اجتمعت الأحاديث على صلاة رسول اللَّه ﷺ أنه كان يُصبح على ثلاث عشرة ركعة، ليس فيها هاتان الركعتان، وعن مكحول أنه صلى بعد الوتر في رمضان في المسجد ركعتين، وهو قائم، وقال سعيد، عن الحسن أنه كان يركعهما، وهو جالس، وكان سعيد لا يأخذ بهذا، ولا الأوزاعيّ، ولا مالك، قال الوليد بن مسلم: ذكرتهما لمالك، فلم يَعرفهما، وكرههما، وعن ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يوتر في المسجد، ثمَّ يريد أن يتنفّل بعد ذلك؟ قال: نعم، ولكن يتلبّث شيئًا. انتهى.
قال الإمام ابن المنذر ﵀ بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما نصّه: الصلاة في كل وقت جائزة، إلا وقتًا نهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة فيه، والأوقات التي نهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة فيها وقتُ طلوع الشمس، ووقت الزوال، ووقت غروب الشمس، والصلاة في سائر الأوقات مباح، ليس لأحد أن يمنع فيها إلا بحجة، ولا حجّة مع من كره الصلاة بعد الوتر، فدلّ فعله ﷺ هذا على أن قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" على الاختيار، لا على
стр. 8732
الإيجاب، فنحن نستحبّ أن يجعل المرء آخر صلاته وترًا، ولا نكره الصلاة بعد الوتر، وقائل هذا قائل بالخبرين جميعًا. انتهى كلام ابن المنذر ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ تحقيق حسنٌ جدًّا، فالراجح قول من قال بجواز الصلاة بعد الوتر، لصحة هذا الحديث، وغيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا تِسْعَ رَكَعَاتِ قَائِمًا، يُوتِرُ مِنْهُنَّ) (١).
رجال هذا الإسناد: ثماينة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ المرُّوذيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٣) أو بعدها بسنة، أو سنتين (ع) تقدم في "المساجد" ٥٦/ ١٥٤٣.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ) -بفتح الحاء المهملة- ابن كثير الأسديّ، أبو زكريّا الكوفيّ، صدوق، من كبار [١٠].
رَوَى عن معاوية بن سلّام، ومعروف أبي الخطاب، وسعيد بن بَشِير، وسعيد بن عبد العزيز، وجعفر بن زياد الأحمر، والوليد بن مسلم.
стр. 8733
وروى عنه مسلم، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، وعثمان بن خُرَّزاذ، ومحمد بن أبي شيبة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وبشر بن موسى الأسديّ، ومُطَيَّن، وغيرهم، وكتب عنه ابن نُمَير، وهو من أقرانه.
قال صالح بن محمد: صدوقٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبَّان في "الثقات".
وقال مُطَيَّن: مات في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان ثقةً، وقال ابن سعد، والبغويّ: مات سنة تسع.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٣٨) و (١٠٨٢) و (١١٠٦) و (١٤٧٣).
[تنبيه]: قوله: "الْحَرِيريّ" -بفتح الحاء المهملة-: نسبة إلى الْحَرِير، وهو نوع من الثياب، قاله في "اللباب" (١).
وقد تقدّم في "شرح المقدّمة" أن كل ما في "الصحيحين" فهو الْجُرَيريّ -بالجيم مصغّرًا- إلا هذا، فهو بالحاء مكبّرًا، قال السيوطيُّ في "ألفية الحديث":
يَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِي … وَغَيْرُهُ بِالضَّمَّةِ الْجُرَيْرِي
٥ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا. . . إلخ) الضمير لشيبان، ومعاوية بن سلّام.
وقوله: (يُوتِرُ مِنْهُنَّ) قال النوويُّ ﵀: كذا في بعض الأصول "منهنّ"، وفي بعضها: "فيهنّ"، وكلاهما صحيحٌ (٢).
стр. 8734
[تنبيه]: رواية شيبان النحويّ، عن يحيى هذه، فقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٣٣٤) فقال:
(١٦٧٧) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة، زهير بن حرب، ثنا حسين بن محمد، ثنا شيبان، ثنا يحيى (ح) وثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ثنا يحيى بن بشر الْحَرِيريّ، ثنا معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبا سلمة يقول: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ، قالت: "كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل، يصلي تسع ركعات قائمًا، ويوتر فيهنّ، ويصلي سجدتين جالسًا، فإذا أراد أن يسجد قام فركع، ويصنع ذلك بعد الوتر، ثمَّ يصلي ركعتين إذا سمع نداء الصبح"، لفظ أبي خيثمة. انتهى.
وأما رواية معاوية بن سلّام، عن يحيى، فقد ساقها النسائيُّ ﵀، فقال:
(١٧٥٦) أخبرنا عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد، يعني ابن المبارك الصُّوريّ، قال: حدّثنا معاوية، يعني ابن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ من الليل، فقالت: "كان يصلي ثلاث عشرة ركعةً، تسع ركعات قائمًا، يوتر فيها، وركعتين جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فركع وسجد، ويفعل ذلك بعد الوتر، فإذا سمع نداء الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَمْروٌ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمّهْ أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ).
стр. 8735
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ) -بفتح اللام- أبو المغيرة المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ رُمي بالقدر، قال أبو نعيم: وكان من عُبّاد أهل المدينة (١) [٦] مات سنة بضع (١٣٠) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ) أي: في الليل، فالباء بمعنى "في".
وقولها: (مِنْها رَكْعَتا الْفَجْرِ) ووقع في نسخة "شرح النوويّ" بلفظ: "منها ركعتي الفجر"، قال النوويُّ ﵀: كذا في أكثر الأصول، وفي بعضها: "ركعتا"، وهو الوجه، ويتأوّل الأول على تقدير: "يصلي منها ركعتي الفجر". انتهى (٢).
وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، تقدّم، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٦] (٧٣٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٩٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا حَنْظَلَةُ، عَنِ الْقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عائِشَةَ تَقُولُ: كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ
стр. 8736
اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ (١) بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَتْلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سُفيان الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أُميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ئقةٌ حجةٌ [٦] (١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٣.
٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٥ - (عَائِشَةُ) ﵂، ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهما عائشة، والقاسم، ومكيّ، وهو حنظلة، وكوفيين، وهما ابن نُمير، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمّته عائشة ﵂.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (تَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ) وفي نسخة: "ويوتر" (بِسَجْدَةٍ) أي: بركعة واحدة (وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: يصلّي سنة الصبح (فَتْلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) بالبناء على الفتح؛ لتركّبه، وسكون شين "عشرة"، ويجوز كسرها عند تميم، كما قدّمناه (رَكْعَةً) منصوب على
стр. 8737
التمييز، ولفظ البخاريّ: "كان النبيّ ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، منها الوتر، وركعتا الفجر"، وهذا محمول على غالب عادته ﷺ ، فقد تقدّم من رواية أبي سلمة عن عائشة ﵂ ما يدلّ على أن ذلك كان أكثر ما يُصلّيه في الليل، وهو قولها: "ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً".
وإنما ألحق الوتر وركعتي الفجر بالتهجّد؛ لأنَّ الظاهر أنه ﷺ كان يصلي الوتر آخر الليل، وهو مستيقظًا إلى الفجر، ويصلي الركعتين؛ أي: سنّة الفجر متّصلًا بتهجّده ووتره (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٧] (٧٣٨)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٤٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٣٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٧٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٨] (٧٣٩) - (وَحَدَّثَنَا (٢) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ عَمَّا حَدَّثَتْهُ عَائِشَةُ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ، قَالَتْ: وَثَبَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ: قَامَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَلَا وَاللَّهِ، مَا قَالَتِ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ).
стр. 8738
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) عن (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعة من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختَلَط بآخره [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، ذُكر في الباب.
٥ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ذُكرت في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء، حيث اختلفت كيفيّة التحمّل، فشيخه أحمد بن يونس قال: "حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق"، فسمّى شيخه باسمه، وبيّن أنه أخذه عنه بالسماع من لفظه مع غيره، كما أن شيخه أخذه أيضًا بالسماع من لفظ أبي إسحاق مع غيره، وأما يحيى فكنى شيخه، فقال: "أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي إسحاق"، وبيّن أنه إنما أخذه عنه بالسماع لقراءة غيره عليه، وعنعن عن أبي إسحاق، فتنبّه لهذه الدقائق، فإنها من مهمّات علم الإسناد.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة.
стр. 8739
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: أبو إسحاق، عن الأسود، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السبيعيّ.
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعيّ، وقد سبق في ترجمته أنه إنما سمع منه بعد اختلاطه؟.
[أجيب]: بأنّه لم ينفرد بالرواية عنه، بل تابعه شعبة عند البخاريّ في "صحيحه" رقم (١١٤٦)، وإسرائيل عند ابن ماجه (١٣٦٥)، وأحمد (٦/ ٢٥٣)، وابن حبَّان (٢٥٨٩)، فتنبّه لهذه الفائدة، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو إسحاق (سَأَلْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ) النخعيّ (عَمَّا حَدَّثَتْهُ) أي: عن الحديث الذي حدّثته (عَائِشَةُ) ﵂، وقوله: (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) متعلّق بـ "حدّثته"، وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج" (١): "عن أبي إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخًا وصديقًا، فقلت: حدّثني ما حدّثتك به أم المؤمنين، عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ".
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ) أي: إلى تمام نصفه الأول، ومعلوم أنه كان لا ينام إلا بعد صلاة العشاء؛ لأنه كان يكره النوم قبلها (وَيُحْيِ آخِرَهُ) أي: بالصلاة، قال السنديُّ ﵀: من الإحياء، وإحياء الليل: تعميره بالعبادة، وجعله من الحياة على تشبيه النوم بالموت، وضدّه بالحياة لا يخلو عن سوء أدب. انتهى، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاريّ: "كان ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلّي".
وقال القرطبيُّ ﵀: قول عائشة ﵂: "ينام أول الليل، ويُحيي آخره" تعني به أن هذا كان آخر فعله، أو أغلب أحواله، وإلا فقد قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ ، من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر". انتهى (٢).
стр. 8740
(ثُمَّ) بعد صلاته، وفراغه من ورده (إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أرادت مباشرة زوجته (قَضَى حَاجَتَهُ) أي: فعل ذلك، وفي رواية النسائيّ: "فإذا كان له حاجة ألمّ بأهله"؛ أي: قَرُبَ من زوجته، وهو كناية عن الجماع.
و"ثُمّ" على بابها كما تقدّمت الإشارة إليه، فيؤخذ منه أنه ﷺ كان يقدّم التهجّد، ثمَّ يقضي؛ أي: بعد إحياء الليل حاجته من نسائه، فإن الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الشهوة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ، فتأمل.
وقيل: يمكن أن "ثُمَّ" هنا لتراخي الإخبار، أخبرت أوّلًا أن عادته ﷺ كانت مستمرّة بنوم أوّل الليل، وإحياء آخره، ثمَّ إن اتّفق له احتياج إلى أهله يقضي حاجته، ثمَّ ينام في كلتا الحالتين.
وقال ابن حجر الهيتميُّ ﵀: وتأخير الوطء إلى آخر الليل أولى؛ لأنَّ أول الليل قد يكون ممتلئًا، والجماع على الامتلاء مُضرّ بالإجماع. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "بالإجماع" محلّ نظر، فليُتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَنَامُ) أي: السدس الأخير؛ ليستريح من تعب التهجّد، قال القرطبيُّ ﵀: يُفهم من هذا جواز نوم الجنب من غير أن يتوضّأ، فإنها لم تذكر وضوءًا عند النوم، وذكرت أنه إن لم يكن جنبًا توضّأ وضوء الصلاة، وتقدّم هذا. انتهى (٢).
(فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ) الظاهر أنها أرادت الأذان الذي يؤذَّن قبل الفجر الذي ذُكر في حديث ابن مسعود ﵁، مرفوعًا: "لا يمنعنّ أحدكم أذان بلال من سُحُوره، فإنه يؤذن بليلٍ؛ لِيَرْجِع قائمكم، وينبه نائمكم. . ." الحديث، متّفقٌ عليه.
ويَحْتَمِل أنها أرادت الأذان المتعارفَ عليه الذي يؤذّن عند تبيّن الصبح، واحترزت به عن الإقامة، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ: وَثَبَ) بواو، ثمَّ ثاء مثلّثة، فموحّدة مفتوحات، من باب وَعَدَ،
стр. 8741
وَثْبًا وَوُثُوبًا أيضًا، ووَثِيبًا، ووَثَبانًا بفتح الثاء: أي: طَفَرَ (١)، قاله في "المختار" (٢)، وقال النوويُّ ﵀: أي: قام بسرعة (٣).
(وَلَا) نافية (وَاللَّهِ مَا) نافية مؤكّدة لـ "لا"، فُصل بينهما بالقسم، نظير قوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية [النساء: ٦٥] (قَالَتْ: قَامَ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) أي: أساله، وصبّه على جميع جسده الشريف ﷺ (وَلَا وَاللَّهِ، مَا) مؤكّدة لـ "لا" أيضًا (قَالَتِ: اغْتَسَلَ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ) أراد بهذا أنه ذكر اللفظ الذي قالته عائشة ﵂، وهو: "فأفاض عليه الماء"، ولم تذكر لفظ: "اغتسل"، وهو يعلم أنها تريد بـ "أفاض" معنى اغتسل، وهذا بيان لمحافظته على أداء ما سمعه كما سمعه، ولم يؤدّه بمعناه، كما صنع غيره، فقد أخرج الحديث البخاريّ، ولفظه: "فإذا أذّن المؤذّن وثب، فإن كانت به حاجة اغتَسَل، وإلا توضّأ، وخرج".
قال في "الفتح": وقوله: "فإن كانت به حاجةٌ اغتسل" يعْكُرُ عليه ما في مسلم: "أفاض عليه الماء، وما قالت: اغتَسَلَ"، ويُجاب بأن بعض الرواة ذكره بالمعنى، وحافظ بعضهم على اللفظ. انتهى (٤).
وقال في "المرعاة": قولها: "إن كانت به حاجة" أي: أثر حاجة، أو المراد بالحاجة هي الجنابة؛ لكونها أثرًا لها، أو المراد حاجة الاغتسال بقرينة قولها: "اغتسل، وإلا توضّأ وخرج" (٥).
وفي رواية النسائيّ: "فإذا سمع الأذان وَثَبَ، فإن كان جنبًا أفاض عليه من الماء، وإلا توضّأ، ثمَّ خرج إلى الصلاة".
قال في "الفتح": قال الإسماعيليُّ ﵀: هذا الحديث يَغْلَط في معناه الأسود، والأخبار الجياد فيها: "كان إذا أراد أن ينام، وهو جنب توضأ".
قال الحافظ ﵀: لم يُرِد الإسماعيليّ بهذا أن حديث الباب غَلَطٌ، وإنما أشار إلى أن أبا إسحاق حَدَّث به عن الأسود بلفظ آخر، غَلِطَ فيه، والذي
стр. 8742
أنكره الْحُفّاظ على أبي إسحاق في هذا الحديث هو ما رواه الثوريّ عنه، بلفظ: "كان رسول اللَّه ﷺ ينام، وهو جنب من غير أن يَمَسّ ماءً"، قال الترمذيّ: يرون هذا غَلَطًا من أبي إسحاق، وكذا قال مسلم في "التمييز"، وقال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عنه: ليس بصحيح، ثمَّ رَوَى عن يزيد بن هارون أنه قال: هو وَهَمٌ. انتهى.
قال الحافظ: وأظن أبا إسحاق اختصره من حديث هذا الباب الذي رواه عنه شعبة وزهير.
لكن لا يلزم من قولها: "فإذا كان جنبًا أفاض عليه الماء" أن لا يكون توضأ قبل أن ينام، كما دَلَّت عليه الأخبار الأُخَرُ، فمن ثَمَّ غَلَّطوه في ذلك. انتهى (١).
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ) إما للتجديد؛ لأنَّ نومه ﷺ لا ينقض الوضوء، وإما لأجل حصول ناقض آخر غير النوم (ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ) أي: سنّة الصبح، فـ "أل" فيه للعهد الذهني؛ أي: الركعتين المعهودتين له ﷺ في ذلك الوقت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٨] (٧٣٩)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٤٦)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٤٠ و ١٦٨٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٣٦٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٥٣)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٢٥٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٠ و ١٦٨١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 8743
١ - (منها): بيان هدي النبيّ ﷺ في التهجّد، وذلك أنه كان ينام أول الليل، ويُحيي آخره، وهو الوقت الذي ينزل فيه اللَّه ، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَهُ، من يستغفرني فأغفرَ له".
٢ - (ومنها): بيان أنه ﷺ كان ربما نام جنبًا قبل أن يغتسل، وهذا لا ينافي استحباب الوضوء قبله؛ لثبوته عنه ﷺ ، فقد أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ للصلاة".
وقد ثبت أيضًا أمره ﷺ به، فقد أخرج الشيخان أيضًا عن عبد اللَّه بن عمر ﵁، قال: استَفْتَى عمر النبيّ ﷺ ، أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال: "نعم، إذا توضأ"، وقد تقدّم البحث في هذا في "كتاب الطهارة" مستوفًى، فراجعه، وباللَّه تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): بيان أنه ينبغي الاهتمام بالعبادة، وعدم التكاسل بالنوم، والإقبال عليها بالنشاط، وهو معنى الحديث الصحيح: "المؤمن القويّ خيرٌ، وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف. . . " الحديث، رواه مسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٢٩] (٧٤٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرَ) (١).
стр. 8744
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ) -بتقديم الراء على الزاي- الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (١) (ت ١٥٩) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فممن اتّفق الستّة بالرواية عنه بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى عائشة ﵂ فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) تقدّم أن "من" بمعنى "في"، أو هي بمعنى "بعض" (حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرَ) يَحْتَمِل أن يكون "آخرُ" بالرفع على أنه اسم "كان"، و"الوتر" خبرها، ويَحْتَمل العكس، وفي بعض النسخ: "حتى يكون من آخر صلاته الوتر"، وعليه فـ "الوتر" مرفوع، لا غير، فتنبّه.
وقولها: (آخِرُ صَلَاتِهِ الْوِتْرَ) هذا موافق لأمر النبيّ ﷺ بجعل آخر صلاة الليل وترًا، فيما أخرجه الشيخان، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".
[فإن قلت]: هذا ينافي ما سبق من كونه ﷺ يصلي بعد الوتر ركعتين.
стр. 8745
[قلت]: لا تنافي بينهما؛ لأن هذا محمول على غالب أحواله ﷺ ، فلا ينافي ما وقع منه في نادر الأوقات، لبيان الجواز.
وقال النوويُّ ﵀ في شرح هذا الحديث: فيه دليلٌ لما قدّمناه من أن السنّة جعل آخر صلاة الليل وترًا، وبه قال العلماء كافّة، وسبق (١) تأويل الركعتين بعده جالسًا. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٢٩] (٧٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٠٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٠] (٧٤١) - (حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ، قَالَ: قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
стр. 8746
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (أَشْعَث) بن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣.
٤ - (أَبُوهُ) سُليم بن الأسود بن حنظلة، أبو الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة فاضل، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٩/ ٦٢٢.
٥ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ٢١٧.
٦ - (عَائِشَةُ) ﵂ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب ممن اتّفق الستة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير عائشة ﵂، فمدنيّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، مخضرم، ورواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ) أنه (قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "قلت لعائشة: أيُّ الأعمال أحبّ إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: الدائم" (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (كَانَ) ﷺ (يُحِبُّ الدَّائِمَ) وفي رواية ابن حبّان من طريق إسرائيل، عن أشعث: "وكان أحبّ العمل إليه أدومه، وإن قلّ".
стр. 8747
قال الطيبيُّ ﵀: أي: العمل الذي يدوم عليه صاحبه، ويستقرّ عليه عامله، ومن ثَمّ أدخل حرف التراخي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية [فصلت: ٣٠، والأحقاف: ١٣]، والمراد بالدوام الملازمة العرفية، لا شمول الأزمنة؛ لأنه متعذّر. انتهى.
وقال القرطبيُّ ﵀: سبب محبته ﷺ الدائم أن فاعله لا ينقطع عن عمل الخير، ولا ينقطع عنه الثواب والأجر، ويجتمع منه الكثير، وإن قلّ العمل في الزمان الطويل، ولا تزال صحائفه مكتوبة بالخير، ومَصعَد عمله معمورًا بالبرّ، ويحصل به مشابهة الملائكة في الدوام، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
(قَالَ) مسروق (قُلْتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟) بنصب "أيَّ" على الظرفيّة، ويتعلّق بـ "يصلي"، ورفعه على أنه مبتدأ، خبره جملة "كان يصلي"، والرابط محذوفٌ؛ أي: "فيه".
والمعنى: في أيّ أوقات الليل كان ﷺ يقوم، فيصلي فيه؟
(فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (كَانَ) ﷺ (إِذَا سَمِعَ الصَّارخَ قَامَ فَصَلَّى) تعني: أنه يقوم في الليل وقت سماعه صوت الصارخ، وهو الديك، قال النوويُّ ﵀: هو المراد هنا باتفاق العلماء، وسُمِّي صارخًا؛ لكثرة صياحه.
وقال في "الفتح": وقع في "مسند الطيالسي" في هذا الحديث: "الصارخُ الديكُ"، والصَّرْخَة: الصيحة الشديدة، وجَرَت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن نصر ﵀، وقال ابن التين ﵀: هو موافق لقول ابن عباس ﵄: "نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل". وقال ابن بطال ﵀: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، وكان داود يتحرّى الوقت الذي ينادي اللَّهُ فيه: "هل من سائل؟ "، كذا قال، والمراد بالدوام قيامه كلّ ليلة في ذلك الوقت، لا الدوام المطلق.
وقال صاحب "المرعاة": لعل صراخ الديك في الليل يختلف باختلاف البلاد، وفي بلادنا يصيح في الثلث الأخير، بل في السدس الأخير.
وروى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهنيّ ﵁،
стр. 8748
مرفوعًا: "لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة". وإسناده جيّد (١)، وفي لفظ: "فإنه يدعو إلى الصلاة"، وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقةً: الصلاة، بل العادة جرت أنه يَصرُخ صرخات متتابعات عند طلوع الفجر، وعند الزوال، فطرةً فَطَرَه اللَّه عليها، فيذكّر الناس بصراخه الصلاة، قاله القسطلانيّ. انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٣٠] (٧٤١)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٣٢) و"الرقاق" (٦٤٦١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١٧)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦١٦) و"الكبرى" (١٣١٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٩٤ و ١١٠ و ١٤٧ و ٢٠٣ و ٢٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣ و ٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أحبّ الأعمال إلى رسول اللَّه ﷺ الدائم الذي لا ينقطع، وهو بمعنى حديث عائشة ﵂ الآخر، قالت: سئل النبيّ ﷺ أيُّ الأعمال أحب إلى اللَّه؟ قال: "أدومها، وإن قلَّ. . . " الحديث، متّفقٌ عليه.
٢ - (ومنها): بيان الوقت الأفضل لقيام الليل، وهو وقت صُراخ الديك.
٣ - (ومنها): بيان أن غالب قيام النبيّ ﷺ -كان في النصف الأخير من الليل، أو قبله بقليل، في الوقت الذي يصيح فيه الديك، وإنما اختار ذلك؛ لأنه وقت نزول الرحمة، وهدوء الأصوات.
стр. 8749
٤ - (ومنها): أنه ﷺ كان يقوم بعض الليل، لا كلّه؛ لما يترتّب عليه من الملل والسآمة، وإضعاف البدن بالسهر.
٥ - (ومنها): استحباب الاقتصاد في العبادة، وترك التعمّق فيها؛ لأن ذلك أنشط، والقلب به أشدّ انشراحًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣١] (٧٤٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدٍ (١)، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أَلْفَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّحَرُ الْأَعْلَى فِي بَيْتِي، أَوْ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر الْعبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الْهِلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سَعْدُ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها، وهو ابن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وشيخه ممن رووا عنه بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين.
стр. 8750
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، هو عمّه، فإن أبا سلمة أخو إبراهيم والد سعد، وتقدّم الكلام على عائشة ﵂، وأبي سلمة قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵁ أنها (قَالَتْ: مَا) نافية (أَلْفَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّحَرُ) بنصب "رسولَ اللَّه ﷺ " على أنه مفعول مقدّم، و"السحرُ" فاعل مؤخّرٌ، و"ألفى" بالفاء: بمعنى وَجَدَ، والمعنى: أنه ﷺ لم يجده وقتُ السحر، وقولها: (الْأَعْلَى) صفة لـ "السحر"، والمراد به آخر وقت السحر (فِي بَيْتِي، أَوْ) للشكّ من الراوي (عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا) قال ابن التين ﵀: تعني مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدّثني، وإلا اضطجع". انتهى.
وتعقّبه ابن رُشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل؛ لأن السياق ظاهر في النوم حقيقةً، وظاهرٌ في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان رُبّما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح، وإليه ميل البخاريُّ ﵀؛ لأنه ترجم بقوله: "باب من نام عند السحر"، ثم ترجم عقبه بقوله: "باب من تسحر، فلم ينم"، فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكان العادة جرت في جميع السنة أنه كان ينام عند السحر إلا في رمضان، فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبه.
وقال ابن بطال ﵀: النوم وقت السحر كان يفعله النبيّ ﷺ في الليالي الطوال، وفي غير شهر رمضان، قال الحافظ ﵀: كذا قال ويَحتاج في إخراج الليالي القصار إلى دليل. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 8751
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٣١] (٧٤٢)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٣٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٩٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٢] (٧٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ) بن نصر بن عليّ الْجَهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة مولى عمر بن عبيد اللَّه المدنيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّله عنهم، فإنه سمع الحديث من لفظهم، مع جماعة، ولذا قال: "حدّثنا".
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن أبي عمر، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، وأما
стр. 8752
شيخه نصر، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وقد سبق الكلام في عائشة ﵂، وأبي سلمة قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: سنّة الصبح، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وأبي داود، وفي رواية للبخاريّ: "كان يصلي ركعتين، فإن كنت مستيقظةً حدّثني، وإلا اضطجع".
(فَإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي) أي: ولم يضطجع (وَإِلَّا) أي: إن لم أكن مستيقظة.
[تنبيه]: "إلا" هذه هي المركبّة من "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، أُدغمت ثونها في لام "لا"، وقد يظنّها بعض المغفّلين "إلا" الاستثنائيّة، بل قد رأيت بعضهم يُحال أن يَعْرِف المستثنى والمستئنى منه، فهذا كلّه من الأضحوكة.
ومن الغريب ما ذكره ابن هشام الأنصاريُّ في "مغنيه"، حيث قال ما نصّه: ليس من أقسام "إلا" التي في نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، وإنما هذه كلمتان "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في "شرح التسهيل" من أقسام "إلا". انتهى (١).
فإذا كان مثل ابن مالك ﵀ مع إمامته في النحو وقع في مثل هذا الخطأ، فما أحقّ غيره بأن يُعذَر، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.
وقولها: (اضْطَجَعَ) جواب "إن"، زاد في رواية البخاريّ: "حتى يؤذَّن بالصلاة"، وفي رواية أبي عوانة: "فإن كنت مستيقظة حدّثني، وإلا وضع جنبه"، وفي رواية له: "ثم اضطجع على شقّه الأيمن حتى يأتي المؤذّن للإقامة، فيخرج معهم"، وفي لفظ: "حتى يقوم إلى الصلاة".
стр. 8753
[تنبيه]: ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ كان يضطجع إذا لم يحدّثها، وإذا حدّثها لم يضطجع، وإلى هذا جنح الإمام البخاريُّ ﵀، حيث ترجم بقوله: "باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع"، وكذا ابن خزيمة ﵀ حيث ترجم بقوله: "الرخصة في ترك الاضطجاع بعد ركعتي الفجر"، ويَحْتَمِل أنه كان يُحدّثها، وهو مضطجع (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر، كما مال إليه البخاريّ، وابن خزيمة -رحمهما اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: ويعكُر على ذلك ما وقع عند أحمد عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن أبي النضر في هذا الحديث: "كان يصلي من الليلٍ، فإذا فرغ من صلاته اضطجع، فإن كنت يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمةً نام حتى يأتيه المؤذّن"، فقد يقال: إنه كان يضطجع على كل حال، فإما أن يُحدّثها، وإما أن ينام، لكن المراد بقولها: "نام" أي: اضطجع، وبيّنه ما أخرجه البخاريّ قبل أبواب التهجّد من رواية مالك، عن أبي النضر، وعبد اللَّه بن يزيد جميعًا عن أبي سلمة بلفظ: "فإذا قضى صلاته نظر، فإن كنت يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمةً اضطجع". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بالرواية الثانية المعنى المراد بالرواية الأولى، فمعنى قولها: "وإن كنت نائمة نام" أي: اضطجع، فيكون المعنى أن عادته ﷺ بعد الفراغ من التهجّد الاضطجاع، لكنه إن رأى عائشة ﵂ يقظى تحدّث معها، وترك الاضطجاع، وإلا اضطجع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 8754
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٣٢ و ١٧٣٣] (٧٤٣)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٦١ و ١١٦٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٦٢ و ١٢٦٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤١٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٦ و ١٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥) رقم (٢٤١٢٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٢٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٥٥ و ٢١٥٦ و ٢١٥٧ و ٢١٥٨ و ٢١٥٩ و ٢١٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٣ و ١٦٨٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة سنة الصبح.
٢ - (ومنها): بيان جواز الكلام بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح؛ خلافًا لمن كَرِه ذلك، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁، ولا يثبت عنه، وأخرجه صحيحًا عن إبراهيم، وأبي الشعثاء، وغيرهما، قاله في "الفتح" (١).
٣ - (ومنها): بيان استحباب الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح بأدلته في المسألة الخامسة في شرح حديث عائشة ﵂ الماضي أول الباب برقم [١٧١٧ و ١٧١٨] (٧٣٦)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتَّابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) (٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زِيادُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ،
стр. 8755
قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَتَّابٍ) هو: زيد بن أبي عَتّاب -بمثنّاة، وآخره موحّدةٌ- ويقال: زيد أبو عتّاب، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عتّاب الشاميّ، مولى معاوية، أو أخته أم حبيبة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وسعد، ومعاوية، وعبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، وعُبيد بن جُريج، وعمرو بن سُليم الزُّرَقيّ، وأبي سلمة.
وروى عنه زياد بن سعد، وسعيد بن أبي أيوب، ونوح بن أبي بلال، ويحيى بن أبي سليمان المدني، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، ورَوَى مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن أبي عَتّاب، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى الركعتين، فإن كنت جالسةً حدّثني، وإلا اضطجع"، وقد رواه أبو العباس السَّرّاج، عن ابن أبي عمر، فسماه عبد الرحمن بن أبي عتّاب، وكذا سماه إسحاق ابن راهويه، عن ابن عيينة، ورواه الحميديّ، ومسدد، عن ابن عيينة، فلم يسمياه، ولم يذكر البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن أبي عتّاب، وأما زيد بن أبي عتاب فمذكور، وقد جاء مُسَمًّى في عدة أحاديث غير هذا.
وقال ابن حبان في "الثقات": زيد بن أبي عتاب، مولى أم حبيبة، رَوَى عن سعد، ومعاوية، وعنه ابن أبي ذئب وغيره.
قال الحافظ: وقرأت بخط الدارقطنيّ في مسند زياد بن سعد تأليفِهِ، حديثه عن زيد بن أبي عتّاب، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عتّاب.
روى له البخاريّ (١) في "الأدب المفرد"، والمصنّف (٢)، وأبي داود،