أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٣١] (٧٤٢)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٣٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣١٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٩٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٢٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٢] (٧٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ) بن نصر بن عليّ الْجَهضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة مولى عمر بن عبيد اللَّه المدنيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّله عنهم، فإنه سمع الحديث من لفظهم، مع جماعة، ولذا قال: "حدّثنا".
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن أبي عمر، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، وأما
стр. 8752
شيخه نصر، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وقد سبق الكلام في عائشة ﵂، وأبي سلمة قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: سنّة الصبح، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وأبي داود، وفي رواية للبخاريّ: "كان يصلي ركعتين، فإن كنت مستيقظةً حدّثني، وإلا اضطجع".
(فَإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي) أي: ولم يضطجع (وَإِلَّا) أي: إن لم أكن مستيقظة.
[تنبيه]: "إلا" هذه هي المركبّة من "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، أُدغمت ثونها في لام "لا"، وقد يظنّها بعض المغفّلين "إلا" الاستثنائيّة، بل قد رأيت بعضهم يُحال أن يَعْرِف المستثنى والمستئنى منه، فهذا كلّه من الأضحوكة.
ومن الغريب ما ذكره ابن هشام الأنصاريُّ في "مغنيه"، حيث قال ما نصّه: ليس من أقسام "إلا" التي في نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، وإنما هذه كلمتان "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في "شرح التسهيل" من أقسام "إلا". انتهى (١).
فإذا كان مثل ابن مالك ﵀ مع إمامته في النحو وقع في مثل هذا الخطأ، فما أحقّ غيره بأن يُعذَر، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.
وقولها: (اضْطَجَعَ) جواب "إن"، زاد في رواية البخاريّ: "حتى يؤذَّن بالصلاة"، وفي رواية أبي عوانة: "فإن كنت مستيقظة حدّثني، وإلا وضع جنبه"، وفي رواية له: "ثم اضطجع على شقّه الأيمن حتى يأتي المؤذّن للإقامة، فيخرج معهم"، وفي لفظ: "حتى يقوم إلى الصلاة".
стр. 8753
[تنبيه]: ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ كان يضطجع إذا لم يحدّثها، وإذا حدّثها لم يضطجع، وإلى هذا جنح الإمام البخاريُّ ﵀، حيث ترجم بقوله: "باب من تحدّث بعد الركعتين، ولم يضطجع"، وكذا ابن خزيمة ﵀ حيث ترجم بقوله: "الرخصة في ترك الاضطجاع بعد ركعتي الفجر"، ويَحْتَمِل أنه كان يُحدّثها، وهو مضطجع (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر، كما مال إليه البخاريّ، وابن خزيمة -رحمهما اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: ويعكُر على ذلك ما وقع عند أحمد عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن أبي النضر في هذا الحديث: "كان يصلي من الليلٍ، فإذا فرغ من صلاته اضطجع، فإن كنت يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمةً نام حتى يأتيه المؤذّن"، فقد يقال: إنه كان يضطجع على كل حال، فإما أن يُحدّثها، وإما أن ينام، لكن المراد بقولها: "نام" أي: اضطجع، وبيّنه ما أخرجه البخاريّ قبل أبواب التهجّد من رواية مالك، عن أبي النضر، وعبد اللَّه بن يزيد جميعًا عن أبي سلمة بلفظ: "فإذا قضى صلاته نظر، فإن كنت يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمةً اضطجع". انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بالرواية الثانية المعنى المراد بالرواية الأولى، فمعنى قولها: "وإن كنت نائمة نام" أي: اضطجع، فيكون المعنى أن عادته ﷺ بعد الفراغ من التهجّد الاضطجاع، لكنه إن رأى عائشة ﵂ يقظى تحدّث معها، وترك الاضطجاع، وإلا اضطجع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 8754
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٣٢ و ١٧٣٣] (٧٤٣)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٦١ و ١١٦٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٦٢ و ١٢٦٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤١٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٧٦ و ١٧٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥) رقم (٢٤١٢٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٢٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٥٥ و ٢١٥٦ و ٢١٥٧ و ٢١٥٨ و ٢١٥٩ و ٢١٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٣ و ١٦٨٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة سنة الصبح.
٢ - (ومنها): بيان جواز الكلام بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح؛ خلافًا لمن كَرِه ذلك، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁، ولا يثبت عنه، وأخرجه صحيحًا عن إبراهيم، وأبي الشعثاء، وغيرهما، قاله في "الفتح" (١).
٣ - (ومنها): بيان استحباب الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح الراجح بأدلته في المسألة الخامسة في شرح حديث عائشة ﵂ الماضي أول الباب برقم [١٧١٧ و ١٧١٨] (٧٣٦)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتَّابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) (٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زِيادُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ،
стр. 8755
قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَتَّابٍ) هو: زيد بن أبي عَتّاب -بمثنّاة، وآخره موحّدةٌ- ويقال: زيد أبو عتّاب، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عتّاب الشاميّ، مولى معاوية، أو أخته أم حبيبة، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وسعد، ومعاوية، وعبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، وعُبيد بن جُريج، وعمرو بن سُليم الزُّرَقيّ، وأبي سلمة.
وروى عنه زياد بن سعد، وسعيد بن أبي أيوب، ونوح بن أبي بلال، ويحيى بن أبي سليمان المدني، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، ورَوَى مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن أبي عَتّاب، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى الركعتين، فإن كنت جالسةً حدّثني، وإلا اضطجع"، وقد رواه أبو العباس السَّرّاج، عن ابن أبي عمر، فسماه عبد الرحمن بن أبي عتّاب، وكذا سماه إسحاق ابن راهويه، عن ابن عيينة، ورواه الحميديّ، ومسدد، عن ابن عيينة، فلم يسمياه، ولم يذكر البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن أبي عتّاب، وأما زيد بن أبي عتاب فمذكور، وقد جاء مُسَمًّى في عدة أحاديث غير هذا.
وقال ابن حبان في "الثقات": زيد بن أبي عتاب، مولى أم حبيبة، رَوَى عن سعد، ومعاوية، وعنه ابن أبي ذئب وغيره.
قال الحافظ: وقرأت بخط الدارقطنيّ في مسند زياد بن سعد تأليفِهِ، حديثه عن زيد بن أبي عتّاب، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عتّاب.
روى له البخاريّ (١) في "الأدب المفرد"، والمصنّف (٢)، وأبي داود،
стр. 8756
والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: "بمثله" أي: بمثل حديث أبي النضر، عن أبي سلمة المتقدّم.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عتّاب، عن أبي سلمة هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٣/ ٤٦) فقال:
(٤٦٧٠) أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا عبد الجبار بن العلاء المكيّ، ثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن ابن أبي عتاب، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبيّ ﷺ إذا صلى من الليل، ثم أوتر صلى الركعتين، فإن كنت مستيقظة حدَّثني، وإلا اضطجع حتى يأتيه المنادي". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٤] (٧٤٤) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَإذَا أَوْتَرَ، قَالَ: قُومِي، فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٣ - (تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ) السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عروة بن الزبير، وشُريح بن الحارث القاضي، وعبد الرحمن بن هلال العبسيّ.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، وطلحة بن مُصَرِّف، وأبو صخرة جامع بن شداد، وجماعة.
стр. 8757
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة (١٠٠)، وكذا قال ابن سعد، قال: وكان ثقة، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفرَّق بينه وبين تميم بن سلمة الخزاعيّ، رَوَى عن جابر بن سمرة، وعنه المسيَّب بن رافع، قال: وهو الذي رَوَى عن عروة بن الزبير. انتهى.
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٤٤)، وحديث (٢٥٩٢): "من يُحْرَم الرفق، يُحرَم الخير"، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا في "الباب".
وقولها: (كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل) أي: في الليل، فـ "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، كما مرّ بيانه.
قال النوويّ ﵀: فيه أنه يستحب جعل الوتر آخر الليل، سواء كان للإنسان تهجُّد أم لا، إذا وَثِقَ بالاستيقاظ آخر الليل، إما بنفسه، وإما بإيقاظ غيره، وأن الأمر بالنوم على وتر إنما هو في حقّ مَن لم يَثِقْ، كما سنوضّحه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- وقد سبق التنبيه عليه في حديثي أبي هريرة وأبي الدرداء ﵁. انتهى (١).
وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "قومي، فأوتري" دليل على مشروعيّة تنبيه النائم إذا خيف عليه خروج وقت الصلاة، ولا يبعُد أن يقال: إن ذلك واجب في الصلاة الواجبة؛ لأن النائم، وإن لم يكن مكلّفًا في حال نومه، لكن مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، ولا شكّ أنه يجب تنبيه الغافل. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله برقم [٥٣/ ١١٤٣] (٥١٢) "باب في أنّ اعتراض المرأة بين يدي المصلّي لا يقطع الصلاة"، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8758
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا، فَأَوْتَرَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) واسم أبيه فَرُّوخ التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٥] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١١/ ١٦٥٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٦] (٧٤٥) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَانْتَهَى (١) وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ).
стр. 8759
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو يَعْفُورٍ، وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ) -بسكون القاف- وقيل: اسمه وقدان، ولقبه واقد، العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٢) (ع) تقدم في "المساجد" ٥/ ١١٩٩.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى فنيسابوريّ، وابن عيينة، فمكيّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ) قال الطيبي: "من" ابتدائيّة منصوبة بقوله: (قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أو أوتر من كل أجزاء الليل، وقيل: "من" بمعنى "في"؛ أي: في جميع أوقات الليل.
وفي رواية يحيى بن وثّاب، عن مسروق التالية هنا: "من كلّ الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر"، وفي رواية سعيد بن مسروق، عن أبي الضُّحى الأخيرة: "كلَّ الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ ، فانتهى وتره إلى آخر الليل".
والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، للإجماع على أن ابتداء وقت الوتر مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، هكذا نقل الإجماع ابن المنذر ﵀، لكن
стр. 8760
أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلّى العشاء، وبان أنه بغير طهارة، ثم صلى الوتر متطهّرًا، أو ظنّ أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، فإنه يجزئ على هذا القول دون الأول، قاله في "الفتح".
(فَانْتَهَى) وفي نسخة: "وانتهى" (وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) زاد أبو داود، والترمذيّ: "حين مات"؛ أي: قبل وفاته.
قال النوويُّ ﵀: معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر الليل، كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإيتار آخر الليل، وقد تضافرت الأحاديث الصحيحة عليه، قال: وفيه جواز الإيتار في جميع أوقات الليل بعد دخول وقته. انتهى.
وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر في أوّله لعله كان وَجِعًا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره، فكأنه غالب أحواله؛ لما عُرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره غير ظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: "السحر" -بفتحتين-: قُبيل الصبح، كالسَّحَريّ، والسَّحَرِيّة، والبياض يعلو السواد، وطَرَفُ كلّ شيء، جمعه أسحار، قاله في "القاموس" (١).
وحَكَى الماوردي أن السَّحَر: السدسُ الأخيرُ، وقيل: أوله الفجر الأول، وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس ﵄ عند ابن خزيمة: "فلما انفجر الفجر قام، فأوتر بركعة"، قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول.
ورَوَى أحمد من حديث معاذ ﵁، مرفوعًا: "زادني ربي صلاةً، وهى الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر"، وفي إسناده ضعف.
وأخرج "أصحاب السنن" عن خارجة بن حُذافة ﵁، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إن اللَّه تعالى قد أمدّكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْر
стр. 8761
النَّعَم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر"، وهو ضعيف أيضًا، وهو الذي احتجّ به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحًا في الوجوب.
وأما حديث بُريدة ﵁، رفعه: "الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منّا، وأعاد ذلك ثلاثًا"، ففي سنده أبو الْمُنِيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله، فيَحتَاج من احتجّ به إلى أن يُثبت أن لفظ "حقّ" بمعنى واجب في عرف الشرع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد، أفاده في "الفتح" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ١٧٣٦ و ١٧٣٧ و ١٧٣٨] (٧٤٥)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (٩٩٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤٣٥)، و (الترمذيّ) فيها (٤٥٦)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (١٦٨٢) و"الكبرى" (١٣٩٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٨٥)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٩٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٦٢٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٨٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٦ و ١٠٠ و ١٠٧ و ١٢٩ و ٢٠٤ و ٢٠٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٥٢ و ٢٢٥٣ و ٢٢٥٤ و ٢٢٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٨٧ و ١٦٨٨ و ١٦٨٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٧٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النوويّ ﵀: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا،
стр. 8762
والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه: يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول: يمتدّ إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
وقال الشوكانيّ ﵀: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعيّ أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حَكَى صاحب "المفهم" الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى.
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان.
قال الحافظ ﵀: وحَكَى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح هو ما عليه الجمهور، من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
[تنبيه]: قال صاحب "المرعاة": اختلفوا فيمن صلى العشاء قبل وقته في جمع التقديم، هل يجوز له الوتر قبل مغيب الشفق أم لا؟، فقال الشافعيّة، والحنابلة: يصحّ وتره، كما صرّح به أصحاب فروعهم، وقالت المالكيّة: لا
стр. 8763
يصحّ، بل يكون لغوًا، كما صرّح به في "الشرح الكبير" من فروع المالكيّة، وأما عند الحنفيّة، فلا يصحّ العشاء بجمع التقديم، فالوتر أولى أن يصحّ عندهم. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الشافعيّة والحنابلة؛ لأن ظواهر الأدلّة التي دلّت على مشروعيّة الوتر عامّة يدخل فيها ما وقع فيه جمع التقديم، فلا يُخرج من هذه الظواهر إلا بدليل ينقُل عنها، ولم يوجد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ أَوَّل اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو حَصِينٍ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، ربّما دلّس [٤] (ت ١٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ) -بفتح الواو، وتشديد الثاء المثلّثة- الأسديّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وزِرّ بن حُبيش، وعلقمة، والأسود، وأرسل عن ابن مسعود، وعائشة.
стр. 8764
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وعامر الشعبيّ، وقتادة، وسلمة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وأبو حَصِين الأسَديّ، والأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يحيى بن عيسى الرَّمليّ، عن الأعمش: كان يحيى بن وَثّاب من أحسن الناس قراءةً، وكان إذا قرأ لا يُسْمَع في المسجد حركةٌ، وقال عطاء بن مسلم الحلبيّ، عن الأعمش: كنت إذا رأيت يحيى بن وثاب قد جاء، قلتُ: هذا قد وُقِف للحساب، يقول: أي ربِّ أذنبت كذا، أذنبت كذا، فعفوتَ عني فلا أعود، وقال أبو محمد بن حيان الأصبهانيّ: يقال: كان وَثّاب من أهل قاسان، فوقع إلى ابن عباس، فأقام معه، فاستأذنه في الرجوع إلى قاسان، فأذِنَ له، فرَحَل مع ابنه يحيى، فلما بلغ الكوفة، قال له ابنه يحيى: إني مُؤثِرٌ حظّ العلم على حظ المال، فأعطني الإذن في الْمُقام، فأذِنَ له، فأقام في الكوفة، فصار إمامًا، وله أحاديث كثيرة.
وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وكان مُقرئ أهل الكوفة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، صاحب قرآن، وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ.
ويُرْوَى عن أبي عمرو بن العلاء، عن نَهْشل الإياديّ، عن أبيه، قال: خرجت مع أبي موسى الأشعريّ إلى أصبهان، فبعث سراياه إلى قاسان ففتحها، وسَبَى أهلها، فكان منهم يزدويه بن ماهويه، فَتًى من أبناء أشرافها، فصار إلى ابن عباس، فسماه وَثّابًا، وهو والد يحيى، إمام أهل الكوفة في القرآن.
وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة ثلاث ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون ذكروا في الباب.
وقولها: (مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ) الجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله، أعني: "من كل الليل"، والمراد أجزاء كل من الثلاثة الأقسام المستغرقة للّيل، فساوت ما قبلها، ثم المراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، كما سبق بيانه.
стр. 8765
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ، قَاضِي كِرْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَسَّانُ، قَاضِي كِرْمَانَ) -بفتح الكاف، وكسرها- هو: حسّان بن إبراهيم بن عبد اللَّه الْعَنَزيّ، أبو هشام الكرمانيّ، قاضيها، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٨٦) وله مائة سنة (خ م د) تقدم في "الطهارة" ٨/ ٥٦٩.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقِ) الثوريّ الكوفيّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن إبراهيم التيميّ، وخيثمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وسلمة بن كُهيل، وأبي وائل، والشعبيّ، وعَباية بن رفاعة، وأبي الضُّحَى، ومنذر الثوريّ، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو من أقرانه، وأولاده: سفيان، وعُمر، والمبارك، وشعبة بن الحجاج، وأبو الأحوص، وزائدة، وأبو عوانة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المدينيّ.
قال ابن أبي عاصم: مات سنة ست وعشرين ومائة، وقال أحمد: بلغني أنه مات سنة (١٢٨)، وأرّخه ابن قانع سنة سبع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأرّخه سنة ثمان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٤٥) و (٧٦٣) و (١٠٦٠) و (١٠٦٤) و (١٩٢٩) و (١٩٦٨) و (٢٢١٢) وأعاده بعده، و (٢٤٠٨) و (٢٨٧١).
والباقون ذُكروا في الباب، و"أبو الضُّحى" هو: مسلم بن صُبيح المذكور قبل حديث.
فِي أَوَّلِ هذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّه خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه، فِي آخِرِ هذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثهُ اللَّه مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يُجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّه وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّه وَيَحْمَدُهُ وَيَدَعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ، يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا أَوْ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي به. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
стр. 8768
٥ - (زُرَارَةُ) بن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٣) فَجْأةً في الصلاة (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٦ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس ﵁، ثقة [٣] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٥/ ١٦٨٨.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ﵂، ماتت (٥٧) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى زُرارة، والباقيان مدنيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد، ورواية زرارة عن سعد من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي، وتخفيف الراء العامريّ الْحَرَشيُّ ﵀ (أَنَّ سَعْدَ) بسكون العين المهملة (ابْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس بن مالك ﵁ (أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ليقاتل الكفّار؛ لإعلاء كلمة اللَّه، قال ابن الأثير ﵀: قد تكرّر في الحديث ذكر "سبيل اللَّه"، فالسبيل الأصل الطريق، ويُذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل اللَّه عامّ يقع على كل عمل خالص سُلِك به طريق التقرّب إلى اللَّه تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع التطوّعات، وإذا أُطلق فهو في الغالب واقعٌ على الجهاد، حتى صار؛ لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. انتهى (١).
стр. 8769
(فَقَدِمَ) بكسر الدال المهملة (الْمَدِينَةَ) النبويّة -على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام- لأنها المرادة عند الإطلاق؛ لكون المدينة عَلمًا عليها بالغلبة، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مَضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كـ "الْعَقَبَهْ"
والمعنى: أنه جاء من البصرة إلى المدينة؛ لأنه كان مقيمًا بالبصرة، حيث إن أباه كان ممن نزلها.
(فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا) -بفتح العين المهملة، وتخفيف القاف-: قال الفيّوميُّ ﵀: "الْعَقَارُ" مثلُ سَلَامٍ: كلُّ مِلكٍ ثابتٍ له أصلٌ، كالدار، والنخل، قال بعضهم: ورُبّما أُطلق على المتاع، والجمع عقارات. انتهى (١).
(لَهُ بِهَا) أي: بالمدينة (فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ) -بكسر السين المهملة، وتخفيف اللام، آخره حاء مهملة-: هو ما يُقاتل به في الحرب، ويُدافَع، والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير أَسْلِحَةً، وعلى التأنيث سِلَاحات، والسِّلْح -وزانُ حِمْل- لغة في السلاح، وأخذ القوم أسلحتهم؛ أي: أخذ كلُّ واحد سِلَاحه، أفاده في "المصباح" (٢).
وقال في "القاموس": السِّلَاحُ بالكسر، والسِّلَح، كعِنَب، والسُّلْحَانُ بالضمّ: آلة الحرب، أو حديدتها، ويُؤنّثُ، والسبقُ، والقَوْسُ بلا وَتَرٍ، والْعَصَا. انتهى (٣).
(وَالْكُرَاعِ) -بضمّ الكاف-، وزان غُرَاب: اسم لجماعة الخيل خاصّةً، أفاده في "المصباح"، و"القاموس" (٤).
(وَيُجَاهِدَ الرُّومَ) بالضمّ: جِيلٌ من ولد عِيصُو، قاله في "القاموس"، وقال في "اللسان": الرُّوم: جِيلٌ معروفٌ، واحدهم رُوميّ، يَنتمون إلى عِيصُو بن إسحاق النبيّ ﷺ . انتهى (٥). (حَتَّى يَمُوتَ) غاية لجهاده.
стр. 8770
(فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (أُنَاسًا) بضم الهمزة، لغة في ناس، بحذفها (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمّا قصده من غزو الروم إلى أن يموت بعد تخلّيه عن أهله، وماله (وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا) أي: جماعة، وهو ما دون العشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرهط والنَّفَر، والقوم، والْمَعْشَر، والْعَشِيرة معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهط، والعشيرة بمعنى، ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجلِ: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى (١).
وقوله: (سِتَّةً) منصوب على البدليّة لـ "رهطًا" (أَرَادُوا ذَلِكَ) أي: ما ذُكر من طلاق أزواجهم، وبيع ما يملكونه من العقار وغيره، وتفرّدهم للجهاد إلى أن يموتوا (فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ) ﷺ ("أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ") زاد في نسخة: "حَسَنَة"، و"الأُسْوَة" بكسر الهمزة، وضمّها: الْقُدوة، وتأسّيتُ به، وائتسيتُ: اقتديتُ (٢).
والمعنى: أنه ﷺ قال لمن أراد ما ذُكر من التبتّل والانقطاع للجهاد: إن من سنّتي النكاح وغيره من منافع الدنيا مع إقامة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فعليكم الاقتداء بسنتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا حَدَّثُوهُ) أي: حدّث الأناس الذين لقيهم سعد بن هشام في المدينة (بِذَلِكَ) أي: بما وقع لبعض الصحابة من عزمهم على ما عزم به سعد من الانقطاع عن الدنيا، والمثابرة على الجهاد مدى الحياة (رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَ طلَقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح عند الأكثرين، وقال الأزهريّ: الكسر أفصح، ذكره النوويُّ ﵀ (٣).
стр. 8771
وإنما أشهد على رجعتها؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٢]، قال الإمام ابن كثير ﵀: أي: أشهدوا على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود (٢١٨٦)، وابن ماجه (٢٠٢٥) عن عمران بن حصين ﵄ أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة، ثم يقع بها، ولم يُشْهِد على طلاقها، ولا على رجعتها؟، فقال: طَلَّقت لغير سنّة، ورجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ، وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رِجَاع إلا شاهدا عدل، كما قال اللَّه إلا أن يكون من عذر. انتهى (١).
(فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ) أي: أتى سعد بن هشام إلى ابن عبّاس ﵄ (فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (الأ) أداة عرض وتحضيض (أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ) وفي رواية أَبي داود: "على أعلم الناس"، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه وقع أيضًا بعض نسخ مسلم، واللَّه تعالى أعلم.
(بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) فيه أنه يستحبّ للعالم إذا سئل عن شيء، ويَعْرِف أن غيره أعلم به منه أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة، ويتضمّن مع ذلك الإنصاف، والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع.
(قَالَ) سعد (مَنْ؟) استفهاميّة؛ أي: من هو أعلم أهل الأرض بوتره ﷺ ؟ (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (عَائِشَةُ) خبر لمحذوف؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا؟
وإنما كانت عائشة ﵂ أعلم بذلك؛ لأن الوتر صلاة ليليّة، تؤدّى في البيت، وأمهات المؤمنين ﵅ أعلم بذلك، وأَولاهنّ به عائشة ﵂، لشدة حرصها على حفظ آثار النبيّ ﷺ ، وكان يخصّها بما لم يخصّ به غيرها، من نسائه، فقد كان يحبّ الْمُقام عندها كثيرًا، وقد تنازلت لها سودة بنت زَمْعة ﵂ عن نَوْبتها، فبذلك كانت أعلم الناس بوتره ﷺ ، وبغير
стр. 8772
ذلك من الأعمال التي يعملها ﷺ داخل البيت، ولا سيّما في الليل، واللَّه تعالى أعلم.
(فَأْتِهَا، فَاسْأَلْهَا) وفي نسخة: "فسَلْهَا"، وهو لغة في "اسأل"، قال في "المصباح": والأمر من سَأَلَ اسْأَلْ بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو واسألوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ سَالَ يَسَالُ، من باب خاف يَخَافُ، والأمرُ من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع سَلَا، وسَلُوا على غير قياس؛ إذ القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا. انتهى بزيادة (١).
(ثُمَّ ائْتِنِي، فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ) أي: بجوابها على سؤالك، وفيه شدّة حرص ابن عبّاس ﵄ على تعلم سنة النبيّ ﷺ ، وإنما لم يتعلّم بنفسه منها؛ لكونه لا يدخل عليها، كما سيذكره آخر الحديث.
قال سعد بن هشام: (فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا) أي: ذهبتُ إلى عائشة ﵂؛ لأسألها عن ذلك (فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ) هو: حجازيّ، رَوَى عن أبي مسعود، وعائشة ﵂، وروى عنه جعفر بن عبد اللَّه، والد عبد الحميد، لم يرو عنه غيره، كما قاله الذهبيّ، له في "ابن ماجه" حديث واحد في ما للمسلم على المسلم، وذكره ابن حبّان في "الثقات" (٢).
(فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا) أي: طلبت منه أن يلحق بي، ويصاحبني في ذهابي إلى عائشة ﵂، وإنما طلب ذلك منه لمعرفتها إياه، دون سعد بن هشام، كما يدلّ عليه ما يأتي.
(فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا) اسم فاعل من قَرَب يقرُب، كقتل يقتُلُ، وفيه لغة أخرى، كتَعِبَ، يقال: قَرَبْتُ الأمرَ، أَقْرَبُهُ، من باب قَتَلَ، وتَعِبَ، قِرْبَانًا بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ومن الثاني قولك: لا تَقْرَب الْحِمَى؛ أي: لا تَدْنُ منه. وأما قرُب بضم الراء، ككَرُم، فإنه لازم يتعدى بـ "من"، يقال: قرُب الشيءُ منّا، قُرْبًا، وقَرَابة، وقُرْبة، وقُرْبَى (٣).
стр. 8773
ثمّ بيّن سبب عدم قربه منها، فقال: (لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ) أي: تتكلّم، وتتدخّل (فِي) شأن (هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ) أي: الطائفتين، والفرقتين، والمراد تلك الحروب التي جرت بين فرقتي عليّ ومعاوية ﵁ (شَيْئًا) أي: شيئًا من القول، أو الفعل المؤيّد لإحداهما (فَأَبَتْ فِيهِمَا) أي: في الطائفتين (إِلَّا مُضِيًّا) أي: إلا أن تذهب إلى مناصرة إحداهما، أو تداوم على ذلك، يقال: مضى الشيءُ يَمضي مُضِيًّا، ومَضَاءً بالفتح والمدّ: ذَهَبَ، ومضيتُ على الأمر مُضِيًّا: داومته، ومَضَى الأمرُ مَضَاءً: نَفَذَ، وأمضيته بالألف: أنفذته (١).
والمعنى: أن عائشة ﵂ امتنعت من قبول نصحي لها، ومضت على وجهها، حتى حصلت وقعة الْجَمَل المشهورة.
(قَالَ) سعد (فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ) أي: حلفت عليه على أن يذهب معي، وفي رواية أبي داود: "فناشدته" (فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا) أي: طلب الإذن بالدخول عليها في بيتها (فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟) أي: أأنت حكيم؟ (فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ) أي: أنا حكيم (فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟) أي: من هذا الشخص الذي دخل عليّ معك؟ (قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ) أي: هو سعد بن هشام، وفي رواية النسائيّ: "فَقَالَتْ لِحَكِيمٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ " (قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ) أي: هو ابنُ عامر (فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ) أي: دعت له بالرحمة، وفي رواية للنسائيّ، من طريق الحسن، عن سعد بن هشام: "قالت: رحم اللَّه أباك" (وَقَالَتْ خَيْرًا) وفي رواية محمد بن بشر، عن سعيد التالية: "قالت: نعم المرءُ كان عامرٌ، أصيب يوم أُحُدٍ"، وفي لفظ: "نعم المرءُ كان، أُصيب مع رسول اللَّه ﷺ يوم أحد".
[تنبيه]: قوله: "نعم المرء كان عامرٌ" هكذا هو في رواية المصنّف ﵀ برفعه، وهو الظاهر، ووقع في رواية النسائيّ: "كان عامرًا" بالنصب.
قال أبو البقاء الْعُكبريُّ ﵀ في "إعراب الحديث": "المرء" فاعل "نعم"، و"عامرٌ" المخصوص بالمدح، و"كان" يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون
стр. 8774
الجملة من "نِعْمَ" والمرفوعين بعدها خبرَ "كان"، ويكون في "كان" ضمير الشأن، كما تقول: كان نعم الرجلُ زيد، وزيد نعم الرجلُ كان، ليس من ضمير الشأن؛ لأن ضمير الشأن مُصدَّرٌ على الجملة، وإنما ينبغي أن يكون على هذا اسم كان مضمرًا فيها، وهو عامر، وتكون الجملة المتقدّمة خبرًا لها مُقدّمًا، ونظير زيادة "كان" ههنا زيادتها في التعجّب، كقولك: ما كان أحسن زيدًا. انتهى كلام أبي البقاء ﵀ (١).
(قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة (وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) ظاهر هذا أنه من كلام قتادة، ولكن الرواية الآتية ظاهرة في كونه من كلام عائشة ﵂، ولا تنافي بينهما؛ إذ يُمكن حمله على أن قتادة أحيانًا ينقله روايةً، وأحيانًا يقوله، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مقتبس من قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، شُبِّهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنّ، واحترامهنّ، وتحريم نكاحهنّ، وهنّ فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيّات، قاله الطيبيُّ ﵀ (٢).
قال الحافظ العراقيُّ في "ألفيّة السيرة":
زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ … هُنَّ لِذِي الإِيمَانِ أُمَّهَاتُ
نِكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّهْ … مَعَ الْوُجُوبِ لاحْتِرَامِهِنَّهْ
(أَنْبِئِينِي) أي: أخبريني، ولأبي داود: "حدثيني" (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي: عن صفاته وسَجِيّته، قال في "القاموس": "الْخُلُقُ" بالضمّ، وبضمّتين: السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين. انتهى (٣).
وقال في "المنهل": و"الخُلُق" بضم المعجمة، واللام، وقد تسكّن، في الأصل مَلَكَة راسخة في النفس، تَصدُر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها المحمود عقلًا وشرعًا، فهي الخلق الحسن، وإلا فهي الخلق السيئ، والمراد
стр. 8775
به هنا ما كان عليه النبيّ ﷺ من الآداب والمكارم (١).
(قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟) الظاهر أنه استفهام تقريريّ؛ لأنها تعرف أنه ممن قرأ القرآن، ويَحْتَمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا؛ بناء على أنها لم تعرف قراءته.
(قُلْتُ: بَلَى) أي: بلى قرأت القرآن، فـ "بلى": حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، أو في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ [القيامة: ٣، ٤] والتقدير: بل نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات، قاله الفيّوميُّ ﵀ (٢).
(قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ) قال القرطبيُّ ﵀: أي: كان يتخلّق بما فيه من محمود الأوصاف، ويَجتنب ما فيه من ممنوعها، ويَحْتَمِلُ أن تُريد بقولها: "القرآن" الآيات التي اقتضت الثناء على رسول اللَّه ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وما في معنى ذلك، واللَّه أعلم. انتهى (٣).
وقال النوويُّ ﵀: معناه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدّب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وتدبّره، وحسن تلاوته. انتهى (٤).
وحاصل المعنى: أنه ﷺ كان متمسكًا بآداب القرآن، وأوامره، واقفًا عند حدوده، معتبرًا بأمثاله وقصصه، محسّنًا لتلاوته، فكان عاملًا بقول اللَّه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقوله تعالى إخبارًا عن لقمان: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ الآية [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وغيرِ ذلك.
стр. 8776
متحلّيًا بما حثّ عليه اللَّه تعالى بنحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
متجنّبًا ما نهى اللَّه عنه، بنحو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١].
وبالجملة، فكلّ ما قصّ اللَّه تعالى في كتابه عن الأنبياء وغيرهم، من مكارم الأخلاق، أو حثّ عليه، أو ندب إليه، أو ذُكر بالوصف الأتمّ، والنعت الأكمل، كان النبيّ ﷺ متحلّيًا به، ومتوليًا له، ومتخلّقًا به، وبالغًا فيه من المراتب أقصاها، حتى جُمِع له من ذلك ما تفرّق في سائر الخلق، وكلّ ما نَهَى اللَّه عنه كان ﷺ لا يحوم حوله، بل كان أبعد الناس منه، ولذا أثنى اللَّه تعالى عليه بأعظم الثناء، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] (١).
(قَالَ) سعد بن هشام (فَهَمَمْتُ) أي: قصدت، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمًّا، من باب قَتَلَ: إذا أردته، ولم تفعله، وفي الحديث: "لقد هَمَمتُ أن أنهى عن الْغِيلة. . . " الحديث؛ أي: عن إتيان المرضع، قاله في "المصباح" (٢).
(أَنْ أَقُومَ) أي: من مجلس سؤالي لها (وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ) أي: من أخلاق رسول اللَّه ﷺ (حَتَّى أَمُوتَ) يعني أن سعدًا أراد أن يقوم من عند عائشة ﵂ حيث أجملت له ما كان عليه النبيّ ﷺ من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، على وجهٍ أكملَ، وأوجز، حينما أحالته على القرآن الكريم الجامع لكلّ صفات الكمال، والمنفّر عن كلّ ذميم الخصال، فيمكنه تتبع أخلاقه ﷺ منه إجمالًا وتفصيلًا، فلا يبقى عليه حاجة إلى سؤال شيء من أخلاقه ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، وهذا من فصاحة عائشة ﵂، وغزارة علمها، حيث أوجزت، وأبلغت، وأتقنت.
стр. 8777
وقال القرطبيّ ﵀: إنما هَمّ سعد أن لا يسأل أحدًا حتى يموت؛ استقصارًا لفهمه؛ إذ لم يَفهم ذلك من القرآن مع وُضوح ذلك المعنى فيه، وإنهاضًا لهمّته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاءً بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم. انتهى (١).
(ثُمَّ بَدَا لِي) أي: ظهر لي، أن أسأل عائشة ﵂ عن غير ما أحالتني على القرآن، وهو خلق رسول اللَّه ﷺ (فَقُلْتُ: أَنْبئِينِي) أي: أخبريني (عَنْ قِيَامِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ) أي: تهجّده بصلاة الليل (فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قُلْتُ: بَلَى) أي: قرأتها (قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ) وفي نسخة: "قد افترض" (قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي: في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ (فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا) أي: سَنَة، قال في "المصباح": حال حَوْلًا، من باب قال: إذا مضى، ومنه قيل للعام: حَوْلٌ، ولو لم يَمْضِ؛ لأنه سيكون تسميةً بالمصدر، والجمع أحوال. انتهى (٢).
وفي رواية النسائيّ: " فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ" أي: من طول قيامهم.
قال القرطبيُّ ﵀: قولها: إن النسخ كان بعد حول، خولفت في ذلك، فقيل: بعد عشر سنين، قال عياض: وهو الظاهر؛ لأن السورة مكيّة، ومن أوّل ما نزل من القرآن، إلا الآيتين آخرها، نزلتا بالمدينة، وهذا الذي قاله صحيح، فصحيح الأحاديث، والنقلِ المشهور على ما قدّمناه في "كتاب الإيمان". انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (٣).
(وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا) أي: آخر هذه السورة، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ الى آخر السورة [المزمل: ٢٠] (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) وهو معنى قولها: "حولًا" (فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ) أي: أنزل تخفيف فرضيّة قيام الليل بنسخه بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الآية (فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ) وفي رواية النسائيّ: "بعد أن كان فريضة".
стр. 8778
قال النوويّ ﵀: هذا ظاهر أنه صار تطوّعًا في حقّ رسول اللَّه ﷺ والأمة، فأما الأمة، فهو تطوّع في حقهم بالإجماع، وأما النبيّ ﷺ ، فاختلفوا في نسخه في حقّه، والأصحّ عندنا نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض ﵀ عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلب شاة، فغلط، ومردود بإجماع مَنْ قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. انتهى (١).
وقال القرطبيُّ ﵀: ظاهر قولها هذا يدلّ على أنه كان فرضًا عليه، وعلى الناس، قال مكيّ: وهو قول كافّة أهل العلم.
وقيل: إنه لم يكن فرضًا عليه، ولا عليهم، حكاه الأبهريّ عن بعضهم، قال: لقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٣ - ٤]، وليس هذا ضرب الفروض، وإنما هو ندب.
وقيل: كان فرضًا على النبيّ ﷺ وحده، مندوبًا لغيره، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبيّ ﷺ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾، فخُصّ بالخطاب، وبما رُوي عن ابن عبّاس ﵄، مرفوعًا: "ثلاثٌ عليّ فريضةٌ، ولكم تطوّع: الوتر، والضُّحى، وركعتا الفجر"، وهو ضعيف، والصحيح ما نقلته عائشة ﵂. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) سعد بن هشام (قُلْتُ) وفي نسخة: "فقلت" (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي: عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته، وفي رواية النسائيّ: "فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "؛ أي: ظهر لي السؤال عن وتره ﷺ (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (كنَّا نُعِدُّ) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، مضارع أعدّ رباعيًّا، من الإعداد؛ أي: نهيّء لَهُ (سِوَاكَهُ) بكسر السين: عُود الأراك، والجمع سُوكٌ بسكون الواو، والأصل بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، والمِسْوَاك مثله، وهو مأخوذ من تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الْهُزَال، وقال ابن دُرَيد: سُكْتُ الشيءَ أَسُوكه سَوْكًا، من باب قال: إذا دَلَكْتَهُ،
стр. 8779
ومنه اشتقاق السِّوَاك، والسواك أيضًا يُطلَقُ على المصدر (١). (وَطَهُورَهُ) بفتح الطاء المهملة: أي: الماء الذي يَتَطَّهر به، وفيه استحباب إعداد ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها (فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) أي: يوقظه اللَّه من نومه في الوقت الذي يريد إيقاظه فيه، يقال: انبعث فلان بشأنه: إذا سار ومضى ذاهبًا لقضاء حاجته، و"ما" موصولة، والعائد محذوفٌ: أي: القدر الذي شاء البعث فيه، قال الطيبيُّ ﵀:
[فإن قلت]: قد تقرّر عند علماء المعاني أن مفعول "شاء"، و"أراد" لا يُذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحو قول القائل: لو شئت أن أبكي دمًا لبكيتُه، ولو شاء اللَّه أن يتخذ ولدًا، فأين الغرابة في قوله: "ما شاء أن يبعثه"؟.
[قلت]: كفى بلفظ البعث شاهدًا على الغرابة، كأنه تعالى نبّه حبيبه ﷺ لقضاء نهمته من حبيبه مناغاةً (٢) ومناجاةً بينهما، من مكاشفات وأحوال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١٠ - ١١]، فأيُّ غرابة أغرب من هذا؟. انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ (٣).
وفي رواية النسائيّ: "فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ" واللام للتوقيت؛ أي: في الوقت الذي شاء أن يوقظه فيه، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، فتكون بمعنى "حين"، أي: يوقظه حين شاء اللَّه .
وقوله: (مِنَ اللَيْلِ) بيان لـ "ما شاء"، و"من" تبعيضيّة؛ أي: بعض ساعات الليل، وأوقاته، وقيل: بيانية (فَيَتَسَوَّكُ) أي: يستعمل السواك، وفيه استحباب السواك عند القيام من النوم (وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ) ووقع في رواية للنسائيّ: "ويصلي ثماني ركعات"، والصواب: "تسع ركعات"، كما هو عند المصنّف، وعند النسائيّ أيضًا في رواية أخرى. (لَا يَجْلِسُ فِيهَا) وللنسائيّ: "لا
стр. 8780
يجلس فيهنّ"؛ أي: في خلال تلك الركعات (إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ) وللنسائيّ: "إلا عند الثامنة".
وفيه دليلٌ على عدم وجوب الجلوس عند الركعتين؛ لأنه ﷺ كان يصلي ثمانيًا متّصلًا بلا تخلّل جلسات بينها على الشفعات، وفي ردّ على الحنفية القائلين بوجوب الجلسة عند كل ركعتين.
وأجابوا بأن المراد بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا: فالوتر منها ثلاث ركعات، والست قبله من النفل، قال العيني: وهذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه؛ لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابته مبيّنة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضًا على الثالثة بسلام، وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العيني مكابرة، وتحريف للنصّ الصريح -قاتل اللَّه التعصّب- كيف يقول: وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها إلخ، وقد صرّحت بقولها: "لا يجلس فيها إلا في الثامنة"؟ فأين السكوت المزعوم؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَكن أسير التقليد، واللَّه تعالى المستعان.
والحاصل أنه ﷺ أوتر بتسع ركعات، جلس في الثامنة بلا تسليم، وفي التاسعة بتسليم، ولم يجلس في غيرهما، وهذه إحدى أنواع إيتاره ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم.
(فَيَذْكُرُ اللَّهَ) أي: يقرأ التشهّد (وَيَحْمَدُهُ) أي: يُثني عليه، قال الطيبيُّ ﵀: أي: يتشهّد، فالحمد إذًا لمطلق الثناء؛ إذ ليس في التحيّات لفظ الحمد. انتهى. زاد في رواية لأبي عوانة: "ويصلي على نبيه ﷺ " (وَيَدْعُوهُ) أي: بالدعاء المتعارف بعد التشهّد (ثُمَّ يَنْهَضُ) أي: يقوم، يقال: نَهَضَ عن مكانه يَنْهَضُ نُهُوضًا: ارتفع عنه، ونَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه، ونَهَضتُ إلى فلان، وله نَهْضًا ونُهُوضًا: تحرّكتُ إليه بالقيام، وانتهضتُ أيضًا، وكان منه نَهْضَةٌ إلى
стр. 8781
كذا: أي: حركةٌ، والجمع: نَهَضات، وأنهضته للأمر بالألف: أقمته إليه، قاله الفيّوميّ (١).
(وَلَا يُسَلِّمُ) وقوله: (ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ) توضيح للمراد بقوله: "ثم ينهض، ولا يسلّم" (ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ) زاد في رواية لأبي عوانة: "ويصلي على نبيّه ﷺ " (وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا) من الإسماع؛ أي: يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ، وَهُوَ قَاعِدٌ) فيه مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعل الأمر في قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" مختصًّا بمن أوتر آخر الليل، وحمله النوويُّ على أنه ﷺ فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، يعني أن الأمر فيه أمر ندب، لا أمر إيجاب، فلا تعارض بينهما.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويُّ ﵀ من وجه الجمع هو الصواب عندي، وأما ما جمع به الشوكانيّ من أنه لا يعارض فعله قوله، فالجواز مختصّ به، والأمر مختصّ بالأمة، فليس بصحيح، وقد تقدم الردّ عليه غير مرة، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم.
(وَتِلْكَ) أي: الركعات المذكورة بهذه الأوصاف (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ) هذا من باب الإيناس، والتلطّف، وإلا فليس سعد ابنها ﵄ (فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ) أي: كَبِرَ، قال الفيّوميّ: وأسنّ الإنسان سَنَّ وغيره إسنانًا: إذا كَبِرَ، فهو مُسِنٌّ، والأنثى مُسِنّةٌ، والْجَمعُ مَسَانٌّ، قال الأزهريّ: وليس معنى إِسنان البقر والشاة كِبَرَها كالرجل، ولكن معناه: طُلُوعُ الثنيّة. انتهى (٢).
[تنبيه]: وقع في نسخة "شرح النوويّ" بلفظ: "فلما سنّ نبيّ اللَّه ﷺ . . . إلخ" قال النوويُّ ﵀: هكذا هو في معظم الأصول "سَنَّ"، وفي بعضها "أسنّ"، وهذا هو المشهور في اللغة. انتهى (٣).
(وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ) وفي بعض النسخ: "وأخذ اللحمَ"، قيل: أي: السمن،
стр. 8782
وقيل: معناه ضَعُفَ، وكان ذلك قبل موته بنحو سنة، على ما قيل.
وقال السنديُّ ﵀: فيه أنه أخذ اللحم في آخر عمره ﷺ ، ولعلّ ذلك لفرحه بقدومه على اللَّه بما جاءه من البشارات الأخروية ﷺ . انتهى.
(أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ) أي: بأن صلاهما جالسًا بعدما يسلم (فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ) أي: فنقص ركعتين بسبب ضعفه (وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) أي: من النوافل (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا) أي: كان من هديه ﷺ أنه إذا صلّى صلاة تطوّع واظب عليها، فلا يتركها إلا لعذر، أو لبيان الجواز، كما في هاتين الركعتين اللتين صلّاهما بعد الوتر، قاله في "المنهل" (١).
وإنما أحبّ النبيّ ﷺ الدوام على تلك الصلاة؛ لأن أحبّ الأعمال إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: وكان ﷺ يقول: "أحب العمل إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ"، وأخرجا أيضًا من حديثها: "وكان أحبّ الصلاة إلى رسول اللَّه ﷺ ما داوم عليها، وإن قلَّت".
وفي رواية شعبة الآتية: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا عَمِلَ عَمَلًا أثبته".
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ) بفتحتين: يُطلق على كلّ مرض، وجمعه أوجاعٌ، مثلُ سبَبِ وأسبابٍ، ووِجَاعٌ أيَضًا بالكسر، مثل جَبَلٍ وجِبَالٍ (٢). (عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ) أي: في النهار، فـ "من" بمعنى "في"، أو تبعيضيّهّ، كما سبق قريبًا، وفي نسخة: "بالنهار"، والباء بمعني "في"، والمراد: في أول النهار ما بين طلوع الشمس، وزوالها.
وفي رواية أبي عوانة الآتية: "كان إذا فاتته الصلاة من الليل، من وجع، أو غيره، صلّى من النهار. . . "، وفي رواية شعبة: "وكان إذا نام من الليل، أو مَرِضَ صلّى من النهار .. " (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) تعتي: أنه ﷺ إذا منعه من قيام الليل مانع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة؛ بدلًا مما فاته من قيام الليل، وهو ظاهر في كونه يقتصر في القضاء على ثنتي عشرة ركعة فقط، وإنما لم تذكر
стр. 8783
الوتر؛ لأنه لم يقضه، والظاهر أنه لم يفته، فلعلّه ﷺ كان إذا طرأ عليه ما يفوّت صلاة الليل بادر بالوتر فأوتر في أول الليل، وأخّر غيره، فقضاه بالنهار.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد يحتجّ بهذا الحديث بعضهم على عدم مشروعيّة قضاء الوتر، وهو غلطٌ؛ لأنه ليس صريحًا في كونه ﷺ فاته الوتر، بل الظاهر أنه لم يفته، بل صلّاه بالليل، وإنما فاته التهجّد غير الوتر، والصحيح أنه إذا فات الوتر يُقضى؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره"، ولدخوله في عموم ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من نَسِيَ صلاة، فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويُّ ﵀: هذا فيه دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تُقضَى. انتهى.
(وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ) قال الطيبيُّ: هذا من نفي الشيء بنفي لازمه، ولا يُسلك هذا الأسلوب إلا في حقّ من أحاط علمه بالعلوم، ويتمكّن منه تمكّنًا تامًّا، وهذا في علم اللَّه تعالى مطّردٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الآية [يونس: ١٨] أي: بما لم يوجد، ولم يثبُت؛ لأنه لو وُجد لتعلّق به علم اللَّه -سبحانة وتعالى-، وكذلك الصدّيقة ابنة الصدّيق ﵂ كانت مراقبة أحوال رسول اللَّه ﷺ ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، مشاهدةً ومساءلةً؛ أي: لم يكن يفعل المذكور؛ إذ لو فعله لعلمته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
(قَرَأَ الْقُرْآنَ كلَّهُ فِي لَيْلَةٍ) تعني أنه ﷺ ما ختم القرآن كله في ليلة واحدة (وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ) هذا على حسب علمها ﵂، كما يدل عليه قولها: "ولا أعلم"، وإلا فقد ثبت في حديث خبّاب بن الأرتّ ﵁ عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ بسند صحيح أنه راقب رسول اللَّه ﷺ في ليلة، فصلى الليلة كلها حتى كان مع الفجر. . . الحديث (٢).
стр. 8784
(وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ) هذا لا ينافي ما ثبت عنها أنه ﷺ كان يصوم شعبان كلّه؛ لأن المراد به أنه يصوم أكثره، كما سيأتي في محله -إن شاء اللَّه تعالى-.
(قَالَ) سعد بن هشام ﵀: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄؛ أي: ثم، بعد أن سمعت الحديث من عائشة ﵂ على وجهه، جئتُ إلى ابن عباس ﵄؛ لأخبره بما سمعت منها حيث طَلَب مني ذلك.
(فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (صَدَقَتْ) عائشة ﵂ فيما حدّثتك به (لَوْ كنْتُ أَقْرَبُهَا) بضمّ الراء، وفتحها، فقد تقدّم قريبًا أنه من بابي قتل وتَعِبَ (أَوْ) للشكّ من الراوي (أَدْخُلُ عَلَيْهَا لأَتَيْتُهَا) وفي رواية النسائيّ: "أما إنى لو كنت أدخل عليها لأتيتها".
قيل: سبب عدم دخوله عليها هو السبب الذي تقدّم في عدم دخول حكيم بن أفلح عليها، وهو الأمر الذي كان بين عليّ ومعاوية -رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين-.
(حَتَّى تُشَافِهَنِي بِهِ) أي: حتى تكلمني بهذا الحديث مشافهةً (قَالَ) سعد (قُلْتُ) أي: لابن عبّاس ﵄ (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا، مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا) وهذا قاله سعد: معاتبةً لابن عباس ﵄ على مقاطعته إياها ﵂، وعدم دخوله عليها.
стр. 8785
[فإن قلت]: كيف جاز لابن عباس ﵄ مقاطعتها، وقد صحّ عنه ﷺ : "لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" متفق عليه؟.
[أجيب]: بأنه ليس المنهيّ عنه ترك الكلام مطلقًا، وإنما المنهيّ عنه الإعراض، وترك الكلام عند اللقاء، كما يدلّ عليه قوله: "يلتقيان إلخ"، وابن عباس ﵄ لم يترك الكلام عند اللقاء، بل ترك الدخول عليها، والقرب منها ﵂.
أو يقال: إن مقاطعته لها، لا لغرض نفسيّ، بل لأمر دينيّ في ظنه، وذلك أنه ظنّ أنها عاصية في دخولها في أمر الشيعتين المتقدّمتين، ولا شكّ أن هجران العاصي جائز، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ١٧٣٩ و ١٧٤٠ و ١٧٤١ و ١٧٤٢ و ١٧٤٣ و ١٧٤٤] (٧٤٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٣٤٢ و ١٣٤٣ و ١٣٤٤ و ١٣٤٥)، و (الترمذيّ) فيها (٤٤٥) وفي "الشمائل" (٢٦٧)، و (النسائيّ) في "قيام الليل" (٣/ ٦٠ و ١٩٩ و ٢١٨ و ٢٣٤ و ٢٤٠ و ٢٤١ و ٢٥٩ و ٤/ ١٥١ و ١٩٩)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٩١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٧١٤ و ٤٧٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٣ و ٩٤ و ١٠٩ و ١٦٣ و ١٦٨ و ٢٣٦ و ٢٥٨)، و (الدارمي) في "سننه" (١٤٨٣)، و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (٤٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٧٨ و ١١٢٧ و ١١٦٩ و ١١٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٩٤ و ٢٢٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٩٠ و ١٦٩١ و ١٦٩٢ و ١٦٩٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٩٨٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 8786
١ - (منها): أنه يدلّ على التنفير من الرهبانية، وهو الانقطاع للعبادة؛ لما فيها من مخالفة هدي رسول اللَّه ﷺ ، وعلى أنه يتأكّد الوقوف على ما كان عليه النبيّ ﷺ من العبادة، والتأسّي به.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية قيام الليل.
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال، والبحث عن عبادة النبيّ ﷺ حتى يقتدوا به فيها.
٤ - (ومنها): أن من أدب العالم المسؤول إذا كان هناك من هو أعلم منه أن يرشد إليه؛ لأن الدين النصيحة.
٥ - (ومنها): بيان فضل عائشة ﵂، حيث كانت أعلم الناس بعبادة النبيّ ﷺ بشهادة ابن عباس ﵄ لها بذلك.
٦ - (ومنها): ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه ﷺ ، حيث أدّبه بآداب القرآن، فكان المثل الأعلى في التخلّق بالأخلاق الكريمة، كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
٧ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يتأدّب بآداب القرآن؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ .
٨ - (ومنها): بيان أن قيام الليل كان واجبًا، ثم نُسِخ رحمةً من اللَّه تعالى ولطفًا.
٩ - (ومنها): استحباب التأهب لقيام الليل بإعداد السواك، والطَّهُور.
١٠ - (ومنها): استحباب السواك لمن قام من النوم.
١١ - (ومنها): مشروعية الوتر بتسع ركعات، يجلس في الثامنة منها، دون تسليم، وفي التاسعة مع التسليم، وكذا بسبع، يجلس في السادسة بلا سلام، وفي السابعة بسلام.
١٢ - (ومنها): أن أحب العمل إلى النبيّ ﷺ ، وهو المحبوب عند اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ.
١٣ - (ومنها): استحباب قضاء ما فات من قيام الليل لمرض، أو نحوه.
١٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي إحياء الليل كله بالعبادة؛ لأنه ليس من هدي رسول اللَّه ﷺ ، وكذا استيعاب الشهر كله بالصوم غير رمضان، وسبب كراهته
стр. 8787
أنه يُضعف البدن، ويُذهب الْقُوى، فلا يكون الشخص مستعدًّا للجهاد، ونحوه من العبادة الشاقّة، ويضعفه أيضًا عن القيام بما يجب عليه من الاكتساب لكفاية نفسه وعياله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي (٢) أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون كلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) الفاعل ضمير هشام؛ أي: ذكر هشام الدستوائيّ، عن قتادة نحو حديث سعيد بن أبي عروبة المتقدّم عنه.
[تنبيه]: رواية هشام، عن قتادة هذه ساقها الإمام الدارميُّ في "سننه"، فقال:
(١٤٣٩) حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سَعْد بن هشام، أنه طَلَّق امرأته، وأتى المدينة لبيع عقاره، فيجعله في السلاح والكُراع، فلقي رهطًا من الأنصار، فقالوا: أراد ذلك ستةٌ منا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فمنعهم، وقال: "أما لكم فيّ أسوة؟ "، ثم إنه قَدِم البصرة، فحدّثنا أنه لقي عبد اللَّه بن عباس، فسأله عن الوتر، فقال: ألا أحدّثك بأعلم الناس بوتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: بلى، قال:
стр. 8788
أم المؤمنين عائشة، فأتها فاسألها، ثم ارجع إليّ، فحدّثني بما تحدثك، فأتيت حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أم المؤمنين عائشة، قال: إني لا اَتيها، إني نهيت عن هذه الشيعتين، فأبت إلا مُضِيًّا، قلت: أقسمت عليك لَمّا انطلقتَ، فانطلقنا، فسلّمنا، فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرءُ، قُتِل يوم أحد، قلت: أخبرينا عن خلق رسول اللَّه ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنه خلق رسول اللَّه ﷺ ، فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَضَ لي القيام، فقلت: أخبرينا عن قيام رسول اللَّه ﷺ ، قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإنها كانت قيام رسول اللَّه ﷺ ، أنزل أول السورة، فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبِس آخرها في السماء ستة عشر شهرًا، ثم أُنزل، فصار قيام الليل تطوُّعًا بعد أن كان فريضةً. فأردت أن أقوم، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى ألحق باللَّه، فعَرَض لي الوتر، فقلت: أخبرينا عن وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نام وضع سواكه عندي، فيبعثه اللَّه لما شاء أن يبعثه، فيصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ويسلم تسليمةً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ رسول اللَّه، وحَمَلَ اللحم، صلى سبع ركعات، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد اللَّه، ويدعو ربه، ثم يسلم تسليمةً، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك تسع يا بُنَيّ، وكان النبي ﷺ إذا غلبه نوم، أو مرضٌ، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ خُلُقًا أحب أن يداوم عليه، وما قام نبي اللَّه ﷺ ليلةً حتى يصبح، ولا قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان، فأتيت ابن عباس، فحدّثته، فقال: صدقتك، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، قال: فقلت: أما إني لو شَعَرْتُ أنك لا تدخل عليها ما حدثتك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 8789
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوِتْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ تقديم هذه الرواية على ما قبلها؛ لتكون روايتا سعيد بن أبي عروبة متتاليتين، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الفاعل ضمير سعيد بن أبي عروبة.
وقولها: (نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ) بالرفع على أنه المخصوص بالمدح، وقد تقدّم إعرابه في الحديث الماضي.
وقولها: (أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) تعني أن عامرًا استُشهد في وقعة أُحُد.
[تنبيه]: رواية سعيد، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٣٢٣) فقال:
حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، قال: ثنا قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلى ابن عباس، فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: من؟ قال: عائشة ائتها فسلها، ثم أعلمني ما ترُدّ عليك، قال: فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنّا، فدخلنا، فقالت: من هذا؟ فقال:
стр. 8790
حكيم بن أفلح، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: ابن عامر، قالت نعم المرء كان عامرًا (١) أصيب يوم أحد، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي اللَّه ﷺ كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت: فقيام رسول اللَّه ﷺ يا أم المؤمنين، قالت: ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن اللَّه افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل اللَّه التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كنا نُعِدّ لرسول اللَّه ﷺ سواكه وطَهُوره، فيبعثه اللَّه فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوّك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه، ويصلي على نبيّه ﷺ ، ثم يَنْهَض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيّه ﷺ ، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ نبي اللَّه ﷺ ، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين بعدما يسلم يا بُنَيّ، وكان نبي اللَّه ﷺ إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان النبيّ ﷺ إذا غلبه قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي اللَّه ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة حتى الصباح، ولا صام قط شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس، فأخبرته بحديثها، فقال: صدقت، وكان أول مرّة أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها، ويجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلَقِيَ رهطًا من قومه، فذكر لهم ذلك، فأخبروه أن رهطًا منهم ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فنهاهم عن ذلك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.